← Сира

Сира · id 123671

الموسوعة في صحيح السيرة النبوية - العهد المكي

محمد إلياس الفالوذة

Полный текст (528 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وسلم رأسه كما كان يرفعه عند تمام سجوده، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم صلاته قال: اللَّهم عليك بقريش، اللَّهم عليك بقريش، اللَّهم عليك بعقبة، وعتبة، وأمية بن خلف، وأبى جهل بن هشام، وشيبة، وخرج رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم من المسجد، فلقيه أبو البختري، ومع أبي البختري سوط يتخصر به، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أنكر وجهه، فأخذه، فقال: تعال، ما لك؟ فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: خل عني. فقال: علم الله، لا أخلي عنك أو تخبرني ما شأنك، ولقد أصابك سوء. فلما علم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أنه غير مخل عنه أخبره، فقال: إن أبا جهل أمر فطرح عليَّ فرث. فقال أبو البختري: هلم إلى المسجد، فأبى النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فأخذه أبو البختري فأدخله المسجد، ثم أقبل إلى أبى جهل، فقال: يا أبا الحكم، أنت الذي أمرت بمحمد فطرح عليه الفرث قال: نعم. قال: فرفع السوط فضرب به رأسه قال: فثار الرجال بعضها إلى بعض قال وصاح أبو جهل ويحكم هي له إنما أراد محمَّد أن يلقي بيننا العداوة وينجو هو وأصحابه. (١) [سلا الجزور] عن أحمد بن إسحاق السرماري قال حدثنا عبيد الله بن موسى قال حدثنا إسرائيل عن أبى إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله قال: (بينما رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قائم يصلي عند الكعبة وجمع قريش في مجالسهم، إذ قال قائل منهم ألا تنظرون إلى هذا المرائي؟ أيكم يقوم إلى جزور آل فلان فيعمد إلى فرثها ودمها وسلاها فيجيء به، ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه؟ فانبعث أشقاهم، فلما سجد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وضعه بين كتفيه، وثبت النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ساجدًا. فضحكوا حتى مال بعضهم إلى بعض من الضحك. فانطلق منطلق إلي فاطمة ﵍-وهي جويرية- فأقبلت تسعى، وثبت النبي صلى

стр. 387

الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ساجدًا حتى ألقته عنه، وأقبلت عليهم تسبهم. فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم الصلاة قال: اللَّهم عليك بقريش، اللَّهم عليك بقريش. ثم سمى: اللَّهم عليك بعمرو بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط وعمارة بن الوليد قال عبد الله: فوالله لقد رأيتهم صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب قليب بدر. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: وأتبع أصحاب القليب لعنه). (١) [أبو جهل يتوعد] عن أبي هريرة قال قال أبو جهل: هل يعفر محمَّد وجهه بين أظهركم قال فقيل نعم فقال: واللات والعزى يمينًا يحلف بها لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته أو لأعفرن وجهه في التراب قال: فأتى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وهو يصلي زعم ليطأ على رقبته قال فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه قال قالوا له ما لك قال إن بيني وبينه لخندقًا من نار وهولًا وأجنحة قال فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لو دنا مني لخطفته الملائكة عضوًا عضوا قال فأنزل لا أدري في حديث أبي هريرة أو شيء بلغه ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ (يعني أبا جهل). ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ (قال يدعو قومه). ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ (قال يعني الملائكة). ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾. (٢) [أبو جهل يهدد]

стр. 388

عن ابن عباس ﵄ قال: مر أبو جهل على النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وهو يصلي، فقال: ألم أنهك يا محمد؟ لتنتهين أو لأفعلن بك. قال: فانتهره النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وأغلظ له، قال: بم تهددني يا محمَّد؟ فما في هذا الوادي -يعني وادي مكة- أكثر ناديًا مني. قال: فأنزل الله : ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ وقال ابن عباس ﵄: لو نادى لأخذته ملائكة العذاب مكانه. (١) [أبو جهل يؤذي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في ذي المجاز] وقال مسدد: ثنا أبو الأحوص حدثنا أشعث بن سليم بن أسود المحاربي. سمعت شيخًا من كنانة يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في سوق ذي المجاز وهو يقول: (أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا). قال: وأبو جهل يمشي في أثره يسفي عليه التراب، وهو يقول: يا أيها الناس لا يغرنكم هذا عن دينكم إنما يريد أن تَدَعوا اللات والعزى. ووصف لنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فقال: رأيت عليه بردين أحمرين أبيض شديد سواد الرأس واللحية، مربوع، كأحسن الرجال وجهًا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. (٢) [يشتمون مذممًا] حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: ألا تعجبون! كيف يصرف عني شتم قريش! كيف يلعنون مذممًا، ويشتمون مذممًا، وأنا محمَّد. (٣)

стр. 389

[الموسم] قال ربيعة الديلي: إني لمع أبي رجل شاب أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يتبع القبائل، ووراءه رجل أحول وضيء ذو جمة. يقف رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم على القبيلة ويقول: يا بني فلان: إني رسول الله إليكم آمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأن تصدقوني حتى أنفذ عن الله ما بعثني به، فإذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم من مقالته، قال الآخر من خلفه يا بني فلان: إن هذا يريد منكم أن تسلخوا اللات والعزى وحلفاءكم من الجن بني مالك بن أقيش إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تسمعوا له ولا تتبعوه، فقلت لأبي: من هذا؟ قال: عمه أبو لهب. (١) [عكاظ] قال ربيعة: رأيت أبا لهب بعكاظ وهو يتبع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وهو يقول: يا أيها الناس إن هذا قد غوى فلا يغوينكم عن آلهة أبائكم، ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يفر منه، وهو على إثره، ونحن نتبعه ونحن غلمان كأني أنظر إليه أحول ذا غديرتين، أبيض الناس وأجملهم. (٢) [المؤامرة على قتله] عن ابن عباس قال: إن الملأ من قريش اجتمعوا في الحجر، فتعاقدوا باللات والعزى ومنات الثالثة الأخرى ونائلة وإساف: لو قد رأينا محمدًا لقد قمنا إليه قيام رجل واحد فلم نفارقه حتى نقتله، فأقبلت ابنته فاطمة تبكي، حتى دخلت على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فقالت: هؤلاء الملأ من قريش قد تعاقدوا عليك، لو قد رأوك لقد قاموا إليك فقتلوك، فليس منهم رجل إلا قد عرف نصيبه من دمك، فقال: يا بنية،

стр. 390

أريني وضوءًا، فتوضأ، ثم دخل عليهم المسجد، فلما رأوه قالوا: ها هو ذا، وخفضوا أبصارهم، وسقطت أذقانهم في صدورهم، وعقروا في مجالسهم، فلم يرفعوا إليه بصرًا، ولم يقم إليه منهم رجل، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم حتى قام على رؤوسهم، فأخذ قبضًة من التراب، فقال: شاهت الوجوه، ثم حصبهم بها، فما أصاب رجلًا منهم من ذلك الحصى حصاة إلا قتل يوم بدر كافرًا. (١)

стр. 391

ذكر بعض أذى المشركين لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عند دعوته إياهم إلى الإِسلام رواية ابن إسحاق: عن عبد الله بن عمرو قال: قلت: (١) ما أكثر ما رأيت قريشًا أصابت من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فيما كانت تظهر من عداوته؟ قال: قد حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم في الحجر فذكروا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط سفه أحلامنا وشتم آباءنا وعاب ديننا وفرق جماعتنا وسب آلهتنا لقد صبرنا منه أمر عظيم أو كما قالوا فبينا هم في ذلك إذ طلع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فأقبل يمشي حتى استلم الركن فمر بهم طائفًا بالبيت فلما مر بهم غمزوه ببعض القول قال: وعرفت ذلك في وجهه ثم مضى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها فعرفت ذلك في وجهه ثم مضى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فمر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها ثم قال: أتسمعون يا معشر قريش أما والذي نفس محمَّد بيده لقد جئتكم بالذبح قال: فأخذت كلمته حتى ما منهم رجل إلا لكأنما على رأسه طائر واقع حتى إن أشدهم فيه وطأة قبل ذلك ليرفوه بأحسن ما يجد من (القول) حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم انصرف راشدًا فوالله ما كنت جهولًا فانصرف رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر، وأنا معهم، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم، وما بلغكم عنه، حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه، فبينما هم في ذلك إذ طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، فأطافوا به يقولون: أنت الذي تقول كذا وكذا؟ لما كان يبلغهم من عيب آلهتهم ودينهم، قال: فيقول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (نعم أنا الذي أقول ذلك) قال: فلقد رأيت رجلًا (٢) منهم أخذ بمجمع ردائه فقام إليه عقبة ابن أبي معيط فجعل رداءه في عنقه ثم جذبه حتى وجب لركبته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه

стр. 392

وسلم وتصايح الناس فظنوا أنه مقتول فأتى الصريخ إلى أبي بكر، فقيل: أدرك صاحبك: فخرج من عندنا وإن له لغدائر أربعًا، وهو يقول: ويلكم. أتقتلون رجلًا أن يقول ربى الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم؟ (١) فلهوا عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وأقبلوا على أبى بكر. قالت: فرجع إلينا أبو بكر، فجعل لا يمس شيئًا من غدائره إلا جاء معه، وهو يقول: تباركت يا ذا الجلال والإكرام. (٢) وعن عثمان بن عفان قال: أكثر ما نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أني رأيته يومًا وذرفت عيناه حين ذكر ذلك، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يطوف بالبيت، ويده في يد أبى بكر ﵁، وفي الحجر ثلاثة نفر جلوس: عقبة بن أبي معيط، وأبو جهل بن هشام، وأميه ابن خلف، فمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فلما حاذى بهم أسمعوه بعض ما يكره، فعرف ذلك في وجه النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فدنوت منه حتى وسطته، فكان بيني وبين أبي بكر، وأدخل أصابعه في أصابعي حتى طفنا جميعًا، فلما حاذاهم قال أبو جهل: والله لا نصالحك ما بل بحر صوفه وأنت تنهانا أن نعبد ما كان عبد آباؤنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (أنا ذلك)، ثم مضى عنهم، فصنعوا به في الشوط الثالث مثل ذلك، حتى إذا كان الشوط الرابع ناهضوه ووثب أبو جهل يريد أن يأخذ بمجمع ثوبه، فدفعت في صدره، فوقع على أسته، ودفع أبو بكر أمية بن خلف، ودفع النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عقبة بن أبي معيط، ثم انفرجوا عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وهو واقف، ثم قال لهم: (أما والله لا تنتهون حتى يحل الله عقابه عاجلًا)، قال عثمان: فوالله ما منهم رجل إلا وقد أخذه أفكل وهو يرتعد، فجعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول: (بئس

стр. 393

القوم أنتم لنبيكم). ثم انصرف إلى بيته، وتبعناه خلفه، حتى إذا انتهى إلى باب بيته وقف على السدة، ثم أقبل علينا بوجهه، وقال: (أبشروا، فإن الله مظهر دينه، ومتم كلمته، وناصر نبيه، إن هؤلاء الذين ترون ممّن يذبح الله بأيديكم عاجلًا). ثم انصرفنا إلى بيوتنا، فوالله لقد رأيتهم قد ذبحهم الله بأيدينا. (١) أذى قريش لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بعد وفاة عمه قال ابن إسحاق: فحدثني هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير، قال: لما نثر ذلك السفيه على رأس رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ذلك التراب، دخل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بيته والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدى بناته، فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكي، ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول لها: لا تبكي يا بنية، فإن الله مانع أباك. قال: ويقول بين ذلك: (ما نالت من قريش شيئًا أكرهه، حتى مات أبو طالب).

стр. 394

استهزاء المشركون بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم والسخرية منه استهزاء أمية بن خلف: قال ابن إسحاق: وأمية بن خلف كان إذا رأى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم همزه ولمزه (١) فأنزل الله تعالى فيه: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)﴾. (٢) استهزاء أبو جهل: قال ابن إسحاق: فقال أبو جهل يومًا وهو يهزأ برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وما جاء به من الحق: يا معشر قريش، يزعم محمَّد أن جنود الله الذين يعذبونكم في النار ويحبسونكم فيها تسعة عشر، وأنتم أكثر الناس عددًا وكثرة، فيعجز كل مائة رجل منكم عن رجل منهم (٣) فأنزل الله تعالى عليه في ذلك من قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ

стр. 395

إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ (١) أبو جهل يغضب لسب الأصنام قال ابن إسحاق: ولقي أبو جهل بن هشام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فيما بلغني، فقال له: والله يا محمَّد لتتركن سب آلهتنا أو لنسبن إلهك الذي تعبد، فأنزل الله تعالى عليه فيه: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ فذكر لي أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كف عن سب ألهتهم، وجعل يدعوهم إلى الله. (٢) استهزاء الحكم بن أبي العاص روى بسنده عن هند بن خديجة زوج النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: مر النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بالحكم فجعل يغمز بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فالتفت النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فرآه فقال: (اللَّهم اجعل به وزعًا) فرجف مكانه. (٣) هم وآلهتهم في سواء الجحيم قال ابن إسحاق: وجلس الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فيما بلغنا يومًا مع الوليد بن المغيرة في المسجد، فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم، وفى المجلس غير واحد من رجال قريش. فتكلم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فعرض له النضر، فكلمه

стр. 396

رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم حتى أفحمه، ثم تلا عليه وعليهم: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾. (١) ثم قام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وأقبل عبد الله بن الزَّبَعرَي السهمي حتى جلس. فقال الوليد بن المغيرة له: والله، ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب آنفًا وما قعد، وقد زعم محمَّد أنا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم! فقال عبد الله بن الزبعري: أما والله لو وجدته لخصمته، فسلوا محمدًا: أكل من يعبد من دون الله حصب جهنم مع من عبده؟ فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عزيرًا، والنصارى تعبد عيسى. فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول ابن الزبعري، ورأوا أنه قد احتج وخاصم. فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾. (٢) أي عيسى ابن مريم، وعزيرًا، ومن عبد من الأحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة الله تعالى. فاتخذهم من يعبدهم من أهل الضلالة أربابًا من دون الله. ونزل فيما يذكرون أنهم يعبدون الملائكة، وأنها بنات الله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ

стр. 397

إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾. ونزل فيما ذكر من أمر عيسى بن مريم أنه يعبد من دون الله وعجب الوليد ومن حضره من حجته وخصومته: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ أي: يصدون عن أمرك بذلك من قولهم، ثم ذكر عيسى بن مريم فقال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ أي: ما وضعت على يديه من الآيات من إحياء الموتى وإبراء الأسقام، فكفى به دليلًا على علم الساعة، يقول: فلا تمترن بها ﴿وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾. أبو جهل ينفث حسده لرسول الله ﷺ روى البيهقي بسنده عن المغيرة بن شعبة قال: إن أول يوم عرفت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أني أمشي أنا وأبو جهل بن هشام في بعض أزقة مكة، إذ لقينا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لأبي جهل: (يا أبا الحكم! هلم إلى الله وإلى رسوله، أدعوك إلى الله). فقال أبو جهل: يا محمَّد! هل أنت منته عن سب آلهتنا؟ هل تريد إلا أن نشهد أنك قد بلغت؟ فنحن نشهد أن قد بلغت، فوالله، لو أن أعلم أن ما تقول حق لاتبعتك. فانصرف رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وأقبل علي فقال: والله، إني لأعلم أن ما يقول حق، ولكن يمنعني شيء، إن بني قصي قالوا: فينا الحجابة. فقلنا: نعم. ثم قالوا: فينا السقابة. فقلنا: نعم. ثم قالوا: فينا الندوة. فقلنا: نعم. ثم قالوا: فينا اللواء. فقلنا: نعم. ثم أطعموا وأطعمنا، حتى إذا تحاكت الركب قالوا: منا نبي! والله لا أفعل.

стр. 398

وهذا القول منه -لعنه الله- كما قال تعالى مخبرًا عنه وعن أضرابه: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾. (١) استهزاء الوليد بن المغيرة وذكر ابن إسحاق الوليد بن المغيرة حيث قال: أينزل على محمَّد وأترك وأنا كبير قريش وسيدها؟! ويترك أبو مسعود عمرو بن عمير الثقفي سيد ثقيف؟! فنحن عظيما القريتين. ونزل قوله فيه: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. (٢) قال: ومشى أبي بن خلف بعظم بالٍ قد أرم، فقال: يا محمَّد! أنت تزعم أن الله يبعث هذا بعد ما أرم؟ ثم فته بيده، ثم نفخه في الريح نحو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فقال: (نعم، أنا أقول ذلك، يبعثه الله وإياك بعد ما تكونان هكذا، ثم يدخلك النار). وأنزل الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى

стр. 399

أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾. (١) قريش تلعب بدينها وتسفه عقولها قال ابن إسحاق واعترض رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فيما بلغني وهو يطوف عند باب الكعبة الأسود بن المطلب، والوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل، فقالوا يا محمَّد هلم فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد فنشترك نحن وأنت في الأمر فإن كان الذي تعبد خيرًا مما نعبد كنا قد أخذنا بحظنا منه وإن كان ما نعبد خيرًا مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منه. فأنزل الله فيهم: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾. (٢) وعن ابن عباس أيضًا: إن قريشًا وعدوا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أن يعطوه مالًا، فيكون أغنى رجل بمكة، ويزوجوه ما أراد من النساء، ويطؤوا عقبه، فقالوا له: هذا لك عندنا يا محمَّد! وكف عن شتم آلهتنا، فلا تذكرها بسوء. فإن لم تفعل، فإنا نعرض عليك خصلة واحدة، فهي لك ولنا فيها صلاح. قال: (ما هي؟). قالوا: تعبد آلهتنا سنة: اللات والعزى، ونعبد إلهك سنة. قال: (حتى أنظر ما يأتي من عند ربى). (٣)

стр. 400

فجاء الوحي من اللوح المحفوظ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ السورة، وأنزل الله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾. (١) استهزاء العاص ابن أبي وائل السهمي قال ابن إسحاق: وكان العاص بن وائل السهمي، فيما بلغني، إذا ذكر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: دعوه، فإنما هو رجل أبتر لا عقب له، لو قد مات لقد انقطع ذكره واسترحتم منه، فأنزل الله في ذلك من قوله: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ ما هو خير لك من الدنيا وما فيها، والكوثر: العظيم. (٢) عتاب الله لرسوله ﷺ قال: ووقف الوليد بن المغيرة فكلم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ورسول الله يكلمه، وقد طمع في إسلامه. فمر به ابن أم مكتوم: فكلم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وجعل يستقرئه القرآن، فشق ذلك عليه حتى أضجره، وذلك أنه شغله عما كان فيه من أمر الوليد وما طمع فيه من إسلامه، فلما أكثر عليه انصرف عنه عابسا وتركه. فأنزل الله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣)

стр. 401

أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾. (١) وقد قيل: إن الذي كان يحدث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم حين جاءه ابن أم مكتوم: أمية بن خلف. فالله أعلم. عقبة بن أبي معيط يبزق على رسول الله ﷺ لعنه الله وعن ابن عباس ﵄: أن أبا معيط كان يجلس مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بمكة لا يؤذيه، وكان رجلا حليما، وكان بقية قريش إذا جلسوا معه آذوه، وكان لأبي معيط خليل غائب عنه بالشام، فقالت قريش: صبأ أبو معيط. وقدم خليله من الشام ليلًا، فقال لامرأته: ما فعل محمد مما كان عليه؟ فقالت: أشد مما كان أمرا. فقال: ما فعل خليلي أبو معيط؟ فقالت: صبا. فبات بليلة سوء، فلما أصبح أتاه أبو معيط فحياه، فلم يرد عليه التحية. فقال: ما لك لا ترد عليَّ تحيتي؟ فقال: كيف أرد عليك تحيتك وقد صبوت؟! قال: أوقد فعلتها قريش؟! قال: نعم. قال: فما يبرئ صدورهم إن أنا فعلت؟ قال: تأتيه في مجلسه، وتبزق في وجهه، وتشتمه بأخبث ما تعلمه من الشتم! ففعل، فلم يزد النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أن مسح وجهه من البزاق ثم التفت إليه فقال: (إن وجدتك خارجًا من جبال (مكة) أضرب عنقك صبرا). فلما كان يوم بدر وخرج أصحابه أبى أن يخرج، فقال له أصحابه: اخرج معنا.

стр. 402

قال: قد وعدني هذا الرجل إن وجدني خارجًا من جبال (مكة) أن يضرب عنقي صبرًا. فقالوا: لك جمل أحمر لا يدرك، فلو كانت الهزيمة طرت عليه. فخرج معهم، فلما هزم الله المشركين، وحل به جمله في جدد من الأرض، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أسيرًا في سبعين من قريش، وقدم إليه أبو معيط، فقال: تقتلني من بين هؤلاء؟ قال: (نعم , بما بزقت في وجهي). (١) فأنزل الله في أبي معيط: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾. (٢) قريش تشتكي أمرها إلى أبي النبي ﷺ من الرضاعة الحارث بن عبد العزى ذكر يونس بن بكير بسنده عن رجال من بني سعد بن بكر قال: قدم الحارث بن عبد العزى، أبو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم من الرضاعة على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بمكة حين أنزل عليه القرآن، فقالت له قريش: ألا تسمع يا حار ما يقول ابنك هذا؟ فقال: وما يقول؟ قالوا: يزعم أن الله يبعث بعد الموت، وأن لله دارين يعذب فيهما من عصاه، ويكرم فيهما من أطاعه، فقد شتت أمرنا، وفرق جماعتنا. فأتاه، فقال: أي بني ما لك ولقومك يشكونك، ويزعمون أنك تقول: إن الناس يبعثون بعد الموت، ثم يصيرون إلى جنة ونار؟! فقال رسول الله صلى الله عليه

стр. 403

وعلى آله وصحبه وسلم: (نعم أنا أزعم ذلك، ولو قد كان ذلك اليوم يا أبت، لقد أخذت بيدك، حتى أعرفك حديثك اليوم)، فأسلم الحارث بعد ذلك، وحسن إسلامه، وكان يقول حين أسلم: لو قد أخذ ابني بيدي، فعرفني ما قال: لم يرسلني إن شاء الله حتى يدخلني الجنة. (١) قريش تطلب نزول ملك من السماء قال ابن إسحاق ودعا رسول الله ﷺ قومه إلى الإسلام وكلمهم فأبلغ إليهم فقال زمعة بن الأسود والنضر بن الحارث والأسود بن عبد يغوث وأبي بن خلف والعاص بن وائل: لو جُعل معك يا محمد ملك يحدث عنك الناس ويرى معك! فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾. (٢) الله سبحان وتعالى يُسرِّى عن رسوله ما يلاقيه من غيظ قريش قال ابن إسحاق ومر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فيما بلغني بالوليد بن المغيرة وأميه بن خلف وبأبي جهل بن هشام فهمزوه واستهزؤا به فغاظه ذلك فأنزل الله تعالى عليه في ذلك من أمرهم قوله تعالى ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. (٣)

стр. 404

النبي ﷺ يعرض نفسه على قبائل العرب روى أحمد بسنده عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ يعرض نفسه على الناس بالموقف يقول: ألا رجل يعرضني على قومه، فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي، قال: فأتاه رجل من همدان، فقال: وممن أنت؟ قال: من همدان، قال: وعند قومك منعة؟ قال: نعم، قال: فذهب الرجل ثم إنه خشي أن يخفره قومه، فرجع إلى النبي ﷺ فقال: اذهب فأعرض على قومي ثم آتيك من قابل، ثم ذهب وجاءت وفود الأنصار في رجب (١). تبنِّي النبي ﷺ زيد بن حارثة ﵁ قال ابن إسحاق: ... وكان حكيم بن حزام بن خويلد قدم من الشام برقيق فيهم زيد بن حارثة وصيف، فدخلت عليه عمته خديجة بنت خويلد، وهي يومئذ عند رسول الله ﷺ فقال لها: اختاري يا عمة أيّ هؤلاء الغلمان شئت فهو لك، فاختارت زيدًا، فأخذته، فرآه رسول الله ﷺ عندها، فاستوهبه منها، فوهبته له، فأعتقه رسول الله ﷺ وتبناه، وذلك قبل أن يوحى إليه، وكان أبوه حارثة قد جزع عليه جزعًا شديدًا، وبكى عليه حين فقده (٢) ... ثم قدم عليه وهو عند رسول الله ﷺ فقال له رسول الله ﷺ : "إن شئت فأقم عندي وإن شئت فانطلق مع أبيك" فقال: بل أقيم عندك؛ فلم يزل عند رسول الله ﷺ حتى بعثه الله فصدقه وأسلم وصلى معه، فلما أنزل الله : ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (٣) قال: أنا زيد بن حارثة.

стр. 405

روى البخاري بسنده عن عبد الله بن عمر ﵄، أن زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ ما كنا ندعوه إلَّا زيد بن محمد حتى نزل القرآن: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ﴾ (١). روى الحاكم بسنده عن أسامة بن زيد قال: كان حارثة بن شراحيل تزوج امرأة في طيء من نبهان فأولدها جبلة وأسماء وزيدًا، فتوفيت وأخلفت أولادها في حجر جدهم لأبيهم، وأراد حارثة حملهم، فأتى جدهم فقال: ما عندنا فهو خير لهم، فتراضوا إلى أن حمل جبلة وأسماء، وخلف زيدًا، وجاءت خيل من تهامة من بني فزارة فأغارت على طيء فسبت زيدًا، فصيروه إلى سوق عكاظ، فرآه النبي ﷺ ، من قبل أن يبعث، فقال لخديجة ﵂: "يا خديجة رأيت في السوق غلامًا من صفته كيت وكيت يصف عقلًا وأدبًا وجمالًا، لو أنّ لي مالًا لاشتريته"، فأمرت ورقة بن نوفل، فاشتراه من مالها، فقال: "يا خديجة هبي لي هذا الغلام بطيب من نفسك" فقالت: يا محمد أرى غلامًا وضيئًا وأخاف أن تبيعه أو تهبه فقال النبي ﷺ : "يا موفقة ما أردت إلا لأتبناه"، فقالت: نعم يا محمد، فربَّاه وتبنَّاه، فكان يقال له: زيد بن محمد، فجاء رجل من الحي فنظر إلى زيد فعرفه أنت زيد بن حارثة، من صفة أبيك وعمومتك وأخوالك كيت وكيت قد اتعبوا الأبدان وأنفقوا الأموال في سبيلك ... فقدم حارثة بن شراحيل إلى مكة في إخوته وأهل بيته، فأتى النبي ﵌، في فناء الكعبة في نفر من أصحابه فيهم زيد بن حارثة، فلما نظروا إلى زيد عرفوه وعرفهم، ولم يقم إليهم إجلالًا لرسول الله ﵌ فقالوا له: يا زيد، فلم يجبهم، فقال له النبي ﵌: "من هؤلاء يا زيد؟ ". قال: يا رسول الله هذا أبي، وهذا عمي، وهذا أخي وهؤلاء عشيرتي، فقال له النبي ﵌: "قم فسلم عليهم يا زيد" فقام فسلم عليهم، وسلَّموا عليه ثم قالوا له: امضِ معنا يا زيد، فقال: ما أريد برسول الله ﵌ بدلًا، ولا غيره أحدًا. فقالوا: يا محمد، إنا معطوك بهذا الغلام ديات فسمِّ ما شئت، فإنَّا حاملوه إليك، فقال: "أسألكم أن تشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني خاتم أنبيائه ورسله وأرسله

стр. 406

معكم" فثابوا وتلكَّؤوا وتلجلجوا (١) فقالوا تقبل منا ما عرضنا عليك من الدنانير، فقال لهم: "ها هنا خصلة غير هذه، قد جعلت الأمر إليه، فإن شاء فليقم، وإن شاء فليدخل"، قالوا: ما بقي شيء، قالوا: يا زيد قد أذن لك الآن محمد، فانطلق معنا، قال: هيهات هيهات، ما أريد برسول الله ﵌، بدلًا ولأوثر عليه والدًا ولا ولدًا، فأداروه وألاصوه (٢)، واستعطفوه، وأخبروه من ورائه من وجدهم، فأبى وحلف أن لا يلحقهم. قال حارثة: أمَّا أنا فأواسيك بنفسي، أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأبى الباقون. وروى الحاكم بسنده عن جبلة بن حارثة أخي زيد بن حارثة قال: أتيت النبي ﵌، فقلت: يا رسول الله ابعث معي أخي زيدًا، فقال: "هو ذا، هو إن أراد لم أمنعه". فقال زيد: لا والله لا أختار عليك أحدًا. قال جبلة: إن رأي أخي أفضل من رأيي (٣). قدوم أبو الحيسر أنس بن رافع الأشهلي عن محمود بن لبيد -أخي بني عبد الأشهل- قال: (لما قدم أبو الحيسر أنس بن رافع مكة ومعه فتية من بني عبد الأشهل فيهم إياس بن معاذ ﵁ يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج، سمع رسول الله ﷺ بهم فأتاهم فجلس إليهم، فقال لهم: هل لكم إلى خير مما جئتم له؟ فقالوا: وما ذاك؟ قال: أنا رسول الله بعثني الله إلى العباد أدعوهم إلى الله أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئًا، ونزل عليَّ الكتاب! ثم ذكر الإسلام وتلا عليهم القرآن، فقال إياس ابن معاذ -وكان غلامًا حديثًا -: أي قوم! هذا والله خير مما جئتم له! فأخذ أبو الحيسر أنس بن رافع حفنة من البطحاء وضرب بها وجه إياس بن معاذ وقال: دعنا منك فلعمري لقد جئنا لغير هذا! فصمت إياس وقام رسول الله ﵌، وانصرفوا إلى المدينة، فكانت وقعة بعاث بين الأوس والخزرج، ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك؛ قال محمود بن لبيد: فأخبرني من حضره من

стр. 407

قومي عند موته أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل الله تعالى ويكبره ويسبحه حتى مات، فما يشكون أن قد مات مسلمًا لقد كان استشعر الإسلام في ذلك المجلس حين سمع من رسول الله ﷺ ما سمع). (أبو نعيم) (١). قصة استماع قريش إلى قراءة النبي ﷺ قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري أنه حدث: أن أبا سفيان بن حرب، وأبا جهل بن هشام، والأخنس بن شريق عمرو بن وهب الثقفي، حليف بني زهرة خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله ﷺ ، وهو يصلي من الليل في بيته، فأخذ كل رجل منهم مجلسًا يستمع فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق، فتلاوموا، وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا، فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئًا، ثم انصرفوا. حتى إذا كانت الليلة الثانية، عاد كل رجل منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة، ثم انصرفوا. حتى إذا كانت الليلة الثالثة، أخذ كل رجل منهم مجلسه، فباتوا يستمعون له , حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود على ذلك ثم تفرقوا. الأخنس يستفهم عما سمعه: فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته، فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: يا أبا ثعلبة والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها. قال الأخنس: وأنا والذي حلفت به.

стр. 408

قال: ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل، فدخل عليه بيته، فقال: يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: ماذا سمعت تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف, أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذينا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء؛ فمتى ندرك مثل هذه، والله لا نؤمن به أبدًا ولا نصدقه، قال: فقام عنه الأخنس وتركه (١). أول من جهر بالقرآن قال ابن إسحاق: وحدثني يحي بن عروة بن الزبير، عن أبيه، قال: كان أول من جهر بالقرآن بعد رسول الله ﷺ بمكة عبد الله بن مسعود ﵁ قال: اجتمع يومًا أصحاب رسول الله ﷺ ، فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قط، فمن رجل يسمعهموه؟ فقال عبد الله بن مسعود: أنا، قالوا: إنَّا نخشاهم عليك، إنما نريد رجلًا له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه؛ قال: دعوني فإنَّ الله سيمنعني. قال: فغدا ابن مسعود حتى أتى المقام في الضحى، وقريش في أنديتها، حتى قام عند المقام ثم قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ رافعًا بها صوته ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾. قال: ثم استقبلهم يقرؤها. قال: فتأمَّلوه فجعلوا يقولون: ماذا قال ابن أم عبد؟ قال: ثم قالوا: إنه ليتلو بعض ما جاء به محمد، فقاموا إليه، فجعلوا يضربون في وجهه، وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ. ثم انصرف إلى أصحابه وقد أثاروا في وجهه، فقالوا له: هذا الذي خشينا عليك؛ فقال: ما كان أعداء الله أهون عليّ منهم الآن، ولئن شئتم لأغادينّهم بمثلها غدًا، قالوا لا، حسبك، قد أسمعتهم ما يكرهون (٢). أذى قريش للنبي ﷺ وما لقي منهم حدثنا علي بن مسهر عن الأجلح عن الذيال بن حرملة عن جابر ابن عبد الله قال: اجتمعت قريش يومًا، فقالوا انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر، فليأت هذا الرجل

стр. 409

الذي فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وعاب ديننا، فليكلمه ولينظر ماذا يرد عليه، فقالوا: ما نعلم أحدًا غير عتبة بن ربيعة، فقالوا: أنت يا أبا الوليد، فأتاه عتبة، فقال: يا محمد أنت خير ... أم عبد الله؟ فسكت ﷺ ، "ثم قال: أنت خير أم عبد المطلب؟ " فسكت رسول الله ﷺ فقال: إن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك، فقد عبدوا الألهة التي عبتها، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى نسمع قولك، إنا والله ما رأينا سخلة قط أشأم على قومه منك، فرقت جماعتنا، وشتت أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحرًا، [وأن في قريش كاهنًا، والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى أن يقوم بعضنا لبعض بالسيوف حتى نتفانى أيها الرجل]، إن كان أنما بك الباءة، فاختر أي نساء قريش ولنزوجك عشرًا، وإن كان أنما بك الحاجة، جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلًا واحدا، فقال رسول الله ﷺ : أفرغت؟ قال: نعم، فقرأ رسول ﷺ : ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ حتى بلغ ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ فقال عتبة: حسبك حسبك ما عندك غير هذا؟ قال: لا، فرجع إلى قريش فقالوا: ما وراءك؟ قال: ما تركت شيئًا أرى أنكم تكلمونه به إلا وقد كلمته به، فقالوا: فهل أجابك؟ قال: نعم، قال: لا والذي نصبها بنية [ما فهمت شيئًا مما قال، غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود، قالوا: ويلك يكلمك رجل بالعربية لا تدري ما قال؟ قال: لا والله] ما فهمت شيئًا مما قال غير ذكر الصاعقة. عتبة بن ربيعة يفاوض الرسول ﷺ قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي، قال: حدثت أن عتبة بن ربيعة، وكان سيدًا، قال يومًا وهو جالس في نادى قريش، ورسول الله ﷺ جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورًا لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء، ويكف عنا؟ وذلك حين أسلم حمزة، ورأوا أصحاب رسول الله ﷺ يزيدون ويكثرون؛ فقالوا: بلى يا أبا

стр. 410

الوليد، قم إليه فكلمه؛ فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا بن أخي، إنك منا حيث قد علمت من السِّطة (١) في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها. قال: فقال له رسول الله ﷺ : "قل يا أبا الوليد، أسمع"، قال: يا بن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد به شرفًا سوَّدناك علينا، حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا؛ وإن كان هذا الذي يأتيك رئيًا (٢) تراه لا تستطيع ردّه عن نفسك، طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه أو كما قال له. حتى إذا فرغ عتبة، ورسول الله ﷺ يستمع منه، قال: "أقد فرغت يا أبا الوليد؟ " قال: نعم؛ قال: "فاسمع منّي"؛ قال: أفعل؛ فقال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ (٣)، ثم مضى رسول الله ﷺ فيها يقرؤها عليه. فلما سمعها منه عتبة أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمدًا عليهما يسمع منه؛ ثم انتهى رسول الله ﷺ إلى السجدة منها، فسجد ثم قال: "قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك". رأي عتبة: فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني قد سمعت قولًا والله ما سمعت مثله قطّ، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش، أطعيوني واجعلوها بي، وخلّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد

стр. 411

كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به؛ قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه؛ قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم (١). قريش تفتن المسلمين: قال ابن إسحاق: ثم إنّ الإسلام جعل يفشو بمكة في قبائل قريش في الرجال والنساء، وقريش تحبس من قدرت على حبسه، وتفتن من استطاعت فتنته من المسلمين. ثم إنّ أشراف قريش من كل قبيلة، كما حدثني بعض أهل العلم عن سعيد بن جبير، وعن عكرمة مولى ابن عباس، عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: زعماء قريش تفاوض الرسول ﷺ : اجتمع عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو سفيان بن حرب، والنضر بن الحارث، أخو بني عبد الدار، وأبو البختري بن هشام، والأسود بن المطلب بن أسد، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية، والعاص بن وائل، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج السهميان، وأمية بن خلف، أو من اجتمع منهم. قال: اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، ثم قال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه، فبعثوا إليه: إنّ أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك، فأتهم؛ فجاءهم رسول الله ﷺ سريعًا، وهو يظن أن قد بدا لهم فيما كلمهم فيه بداء، وكان عليهم حريصًا يحب رشدهم، ويعز عليه عنتهم، حتى جلس إليهم؛ فقالوا له: يا محمد، إنّا قد بعثنا إليك لنكلمك، وإنّا والله ما نعلم رجلًا من العرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، وشتمت الآلهة، وسفهت الأحلام، وفرقت الجماعة، فما بقي أمر قبيح إلَّا قد جئته فيما بيننا وبينك -أو كما قالوا له- فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت أنما تطلب به الشرف فينا، فنحن نسوِّدك علينا، وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيًا تراه قد غلب عليك- وكانوا يسمون التابع من الجن رئيًا فربما كان ذلك، بذلنا لك أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه، أو نعذر فيك؛ فقال لهم رسول الله ﷺ : "ما بي ما تقولون، ما جئت بما

стр. 412

جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولًا، وأنزل عليّ كتابًا، وأمرني أن أكون لكم بشيرًا ونذيرًا، فبلغتكم رسالات ربي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به، فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم" أو كما قال ﷺ . قالوا: يا محمد، فإن كنت غير قابل منا شيئًا مما عرضناه عليك فإنك قد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلدًا، ولا أقلّ ماء، ولا أشد عيشًا منا، فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به، فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا, وليبسط لنا بلادنا, وليفجر لنا فيها أنهارًا كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من أبائنا, وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب، فإنه كان شيخ صدق، فنسألهم عما تقول: أحق هو أم باطل، فإن صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك، وعرفنا به منزلتك من الله، وأنه بعثك رسولًا كما تقول. فقال لهم صلوات الله وسلامه عليه: "ما بهذا بعثت به إليكم من الله، إنما جئتكم من الله بما بعثني به، وقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليّ أصبر لأمر الله تعالى، حتى يحكم الله بيني وبينكم"، قالوا: فإذ لم تفعل هذا لنا، فخذ لنفسك، سل ربك بأن يبعث معك ملكًا يصدقك بما تقول، ويراجعنا عنك، وسله فليجعل لك جنانًا وقصورًا وكنوزًا من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق كما نقوم، وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولًا كما تزعم؛ فقال لهم رسول الله ﷺ : "ما أنا بفاعل، وما أنا بالذى يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا, ولكن الله بعثني بشيرًا ونذيرًا -أو كما قال- فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم" قالوا: فأسقط السماء علينا كسفًا كما زعمت أنّ ربك إن شاء فعل، فإنّا لا نؤمن لك إلَّا أن تفعل، قال: فقال رسول الله ﷺ : "ذلك إلى الله، إن شاء أن يفعله بكم فعل"؛ قالوا: يا محمد، أفما علم ربك أنّا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه، ونطلب منك ما نطلب، فيتقدم فيعلمك ما تراجعنا به، ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا، إذ لم نقبل منك ما جئتنا به! إنه قد بلغنا أنك إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له: الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدًا، فقد أعذرنا إليك يا محمد، وإنا والله لا نتركك وما بلغت منا حتى

стр. 413

نهلك، أو تهلكنا. وقال قائلهم: نحن نعبد الملائكة، وهي بنات الله. وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلًا. فلما قالوا ذلك لرسول الله ﷺ ، قام عنهم، وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم -وهو ابن عمته، فهو لعاتكة بنت عبد المطلب- فقال له: يا محمد. عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورًا ليعرفوا بها منزلتك من الله كما تقول، ويصدقوك ويتبعوك فلم تفعل، ثم سألوك أن تأخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك عليهم، ومنزلتك من الله، فلم تفعل، ثم سألوك أن تعجل لهم بعض ما تخوفهم به من العذاب، فلم تفعل -أو كما قال له- فوالله لا أؤمن بك أبدًا حتى تتخذ إلى السماء سلمًا، ثم ترقى فيه وأنا أنظر إليك حتى تأتيها، ثم تأتي معك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول، وأيم الله، لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدقك، ثم انصرف عن رسول الله ﷺ . وانصرف رسول الله ﷺ إلى أهله حزينًا آسفًا لما فاته مما كان يطمع به من قومه حين دعوه، ولما رأى من مباعدتهم إياه (١). أبو جهل يتوعد رسول الله ﷺ : فلما قام عنهم رسول الله ﷺ ، قال أبو جهل: يا معشر قريش، إن محمدًا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا وشتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وشتم آلهتنا، وإني أعاهد الله لأجلسن له غدًا بحجر ما أطيق حمله -أو كما قال- فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه، فأسلموني عند ذلك أو امنعوني، فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم. قالوا: والله لا نسلمك لشيء أبدًا، فامض لما تريد. فلما أصبح أبو جهل، أخذ حجرًا كما وصف، ثم جلس لرسول الله ﷺ ينتظره، وغدا رسول الله ﷺ كما كان يغدو. وكان رسول الله ﷺ بمكة وقبلته إلى الشام؛ فكان إذا صلّى صلّى بين الركن اليماني والحجر الأسود، وجعل الكعبة بينه وبين الشام، فقام رسول الله ﷺ يصلى وقد غدت قريش فجلسوا في أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل فاعل، فلما سجد رسول الله - صلى

стр. 414

الله عليه وسلم - احتمل أبو جهل الحجر، ثم أقبل نحوه، حتى إذا دنا منه رجع منهزمًا منتقعًا لونه مرعوبًا قد يبست يداه على حجره، حتى قذف الحجر من يده، وقامت إليه رجال قريش، فقالوا له: مالك يا أبا الحكم؟ قال: قمت إليه لأفعل به ما قلت لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل، لا والله ما رأيت مثل هامته، ولا مثل قصرته (١) ولا أنيابه لفحل قط، فهم بي أن يأكلني. قال ابن إسحاق: فذكر لي أن رسول الله ﷺ ، قال: ذلك جبريل ﵇، لو دنا لأخذه (٢). النضر بن الحارث ينصح قريشًا: فلما قال لهم ذلك أبو جهل، قام النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي. قال ابن هشام: ويقال النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف. قال ابن إسحاق: فقال: يا معشر قريش، إنه والله قد أنزل بكم أمر ما أتيتم له بحلية بعد، قد كان محمد فيكم غلامًا حدثًا أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثًا، وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب، وجاءكم بما جاءكم به، قلتم ساحر، لا والله ما هو بساحر، لقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم، وقلتم كاهن، لا والله ما هو بكاهن، قد رأينا الكهنة وتخالجهم وسمعنا سجعهم، وقلتم شاعر، لا والله ما هو بشاعر، قد رأينا الشعر، وسمعنا أصنافه كلها: هزجه ورجزه, وقلتم مجنون، لا والله ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون فما هو بخنقه، ولا وسوسته، ولا تخليطه، يا معشر قريش، فانظروا في شأنكم، فإنه والله لقد نزل بكم أمر عظيم (٣). أذى النضر للرسول ﷺ : وكان النضر بن الحارث من شياطين قريش، وممن كان يؤذي رسول الله ﷺ ، وينصب له العدواة، وكان قد قدم الحيرة، وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس، وأحاديث رستم واسفنديار، فكان إذا جلس رسول الله ﷺ مجلسًا فذكر فيه بالله، وحذر قومه ما أصاب من قبلهم من

стр. 415

الأمم من نقمة الله، خلفه في مجلسه إذا قام، ثم قال: أنا والله يا معشر قريش، أحسن حديثًا منه، فهلم إليَّ فأنا أحدثكم أحسن من حديثه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس، ورستم واسفنديار، ثم يقول: بماذا محمد أحسن حديثًا مني؟. قال ابن هشام: وهو الذي قال فيما بلغني؛ سأنزل مثل ما أنزل الله. قال ابن إسحاق: وكان ابن عباس ﵄ يقول: فيما بلغني: نزل فيه ثمان آيات من القرآن: قول الله : ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (١). وكل ما ذكر فيه من الأساطير من القرآن. قريش تسأل أحبار اليهود في شأنه ﵊: فلما قال لهم ذلك النضر بن الحارث بعثوه، وبعثوا معه عقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة، وقالوا لهما: اسألاهم عن محمد، وصفا لهم صفته، وأخبراهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم علم ليس عندنا من علم الأنبياء، فخرجا حتى قدما المدينة، فسألا أحبار يهود عن رسول الله ﷺ ، ووصفا لهم أمره، وأخبروهم ببعض قوله، وقالا لهم: إنكم أهل التوراة، وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا؛ فقالت لهما أحبار اليهود: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبيّ مرسل، وإن لم يفعل فالرجل متقول، فروا فيه رأيكم. سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان أمرهم؛ فإنه قد كان لهم حديث عجب، وسلوه عن رجل طوّاف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه، وسلوه عن الروح ما هي؟ فإذا أخبركم بذلك فاتبعوه، فإنه نبيّ، وإن لم يفعل، فهو رجل متقول، فاصنعوا في أمره ما بدا لكم. فأقبل النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس بن مناف بن قصيّ حتى قدما مكة على قريش، فقالا: يا معشر قريش، قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، قد أخبرنا أحبار يهود أن نسأله عن أشياء أمرونا بها، فإن أخبركم عنها فهو نبيّ، وإن لم يفعل فالرجل متقول، فروا فيه رأيكم. قريش تسأل والرسول يجيب: فجاءوا رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا محمد، أخبرنا عن فتية ذهبوا في الدهر الأول قد كانت لهم قصَّة عجب، وعن رجل طوّافًا

стр. 416

قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وأخبرنا عن الروح ما هي؟ قال: فقال لهم رسول الله ﷺ : "أخبركم بما سألتم عنه غدًا" (١)، ولم يستثن، فانصرفوا عنه. فمكث رسول الله ﷺ -فيما يذكرون- خمس عشرة ليلة لا يحدث الله إليه في ذلك وحيًا، ولا يأتيه جبريل، حتى أوجف أهل مكة، وقالوا: وعدنا محمد غدًا، واليوم خمس عشرة ليلة، قد أصبحنا منها لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه، وحتى أحزن رسول الله ﷺ مكث الوحي عنه، وشقّ عليه ما يتكلم به أهل مكة: ثم جاءه جبريل من الله بسورة أصحاب الكهف، فيها معاتبته إيّاه على حزنه عليهم، وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية، والرجل الطوّاف والروح. الرد على قريش فيما سألوه: قال ابن إسحاق: فذكر لي أن رسول الله ﷺ قال لجبريل حين جاءه: "لقد احتبست عني يا جبريل حتى سؤت ظنًا" فقال له جبريل: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (٢) فافتتح السورة ﵎ بحمده وذكر نبوّة رسوله، لما أنكروه عليه من ذلك، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ (٣) يعني محمدًا ﷺ ، إنك رسول مني: أي تحقيق لما سألوه عنه من نبوَّتك. ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾: أي معتدلًا، لا اختلاف فيه. ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾: أي عاجل عقوبته في الدنيا. وعذابًا أليمًا في الآخرة: أي من عند ربك الذي بعث رسولًا. ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ أي دار الخلد. لا يموتون فيها الذين صدقوك بما جئت به مما كذبك به غيرهم: وعملوا بما أمرتهم به من الأعمال. ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ يعني قريشًا في قولهم: إنا نعبد الملائكة: وهي بنات الله. ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ﴾

стр. 417

الذين أعظموا فراقهم وعيب دينهم. ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾: أي لقولهم: إن الملائكة بنات الله ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥) فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ يا محمد ﴿عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾: أي لحزنه عليهم حين فاته ما كان يرجو منهم، أي لا تفعل. انشقاق القمر قال: حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر عن عبد الله قال: انشق القمر ونحن مع النبي ﷺ بمنى، حتى ذهبت فرقة منه خلف الجبل، قال رسول الله ﷺ : اشهدوا (١). عن جبير بن مطعم، قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ ، حتى صار فرقتين، على هذا الجبل، وعلى هذا الجبل فقالوا: سحرنا محمد. فقال بعضهم: لئن كان سحرنا، فما يستطيع أن يسحر الناس كلهم. [صحيح الإسناد]. عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه ﵁، قال: انشق القمر ورسول الله ﷺ بمكة حتى رأيت حراء بين شقّتيه (٢). عن عبد الله بن عمر ﵄ مثل حديث قبله قال: "انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فلقتين، فستر الجبل فلقة، وكانت فلقة فوق الجبل، فقال رسول الله ﷺ : اللَّهم اشهد" (٣). روى أبو داود الطيالسي بسنده عن عبد الله بن مسعود، قال: "انشق القمر بمكة" فقالت قريش: هذا سحر سحركموه ابن أبي كبشة، فقال بعضهم: انظروا إلى

стр. 418

السفار يقدمون عليكم، فإن محمدًا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم، فإن رأوا مثل الذي رأيتم فهو حق، فقدموا، فسألوهم، فقالوا قد رأينا قد انشق (١). انشقاق القمر لسؤال أهل مكة روى الإمام البغوي بسنده عن أنس بن مالك ﵁: أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يريهم آية، فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما". إسلام حمزة وعمر في السنة التاسعة من البعثة ولما اجتمع أصحاب النبي ﷺ وكانوا ثمانية وثلاثين رجلا، ألح أبو بكر على رسول الله ﷺ في الظهور، فقال: "يا أبا بكر، إنا قليل"، فلم يزل أبو بكر يلح حتى ظهر رسول الله ﷺ ، وتفرق المسلمون في نواحي المسجد كل رجل في عشيرته، وقام أبو بكر في الناس خطيبًا (٢) ورسول الله ﷺ جالس، فكان أول خطيب دعا إلى الله وإلى رسوله ﷺ ، وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين؛ فضربوا في نواحي المسجد ضربًا شديد، ووطئ أبو بكر وضرب ضربًا شديدًا، ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة، فجعل يضربه بنعلين مخصوفتين ويحرفهما لوجهه، ونزا على بطن أبي بكر، حتى ما يعرف وجهه من أنفه، وجاء بنو تيم يتعادون، فأجلت المشركين عن أبي بكر، وحملت بنو تيم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله ولا يشكون في موته ثم رجعت بنو تيم، فدخلوا المسجد، وقالوا: والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة بن ربيعة، فرجعوا إلى أبي بكر، فجعل أبو قحافة وبنو تيم يكلمون أبا بكر حتى أجاب، فتكلم أخر النهار، فقال: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ فمسوا منه بألسنتهم وعذلوه، ثم قاموا، وقالوا لأمه أم الخير: انظري أن تطعميه شيئًا، أو تسقيه إياه، فلما دخلت به ألحت عليه؟ وجعل يقول: ما فعل رسول

стр. 419

الله ﷺ ؟ فقالت: والله ما لي علم بصاحبك. فقال: اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه، فخرجت حتى جاءت أم جميل، فقالت: إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله؟ فقالت: ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله، وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك، قالت: نعم. فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعًا دنفًا. فدنت أم جميل وأعلنت بالصياح وقالت: والله إن قوما نالوا هذا منك لأهل فسق وكفر، وإني لأرجو أن ينتقم الله لك منهم. قال: فما فعل رسول الله ﷺ ؟ قالت: هذه أمك تسمع، قال: فلا شيء عليك منها، قالت: سالم صالح. قال: أين هو؟ قالت: في دار الأرقم، قال: فإن لله علي ألا أذوق طعامًا، ولا أشرب شرابًا، أو آتي رسول الله ﷺ . فأمهلتا، حتى إذا هدأت الرجل، وسكن الناس، خرجتا به يتكئ عليهما، حتى أدخلتاه على رسول الله ﷺ ، قال: فأكب عليه رسول الله ﷺ فقبله، وأكب عليه المسلمون، ورق له رسول الله ﷺ رقة شديدة. فقال أبو بكر: بأبي وأمي يا رسول الله، ليس بي بأس إلا ما نال الفاسق من وجهي، وهذه أمي برة بولدها، وأنت مبارك فادعها إلى الله، وادع الله لها، عسى الله أن يستنقذها بك من النار، قال: فدعا لها رسول الله ﷺ ، ودعاها إلى الله؛ فأسلمت، وأقاموا مع رسول الله ﷺ في الدار شهرًا، وهم تسعة وثلاثون رجلًا، وقد كان حمزة ابن عبد المطب أسلم يوم ضرب أبو بكر (وكان إسلام حمزة ﵁ حمية، وكان يخرج فيصطاد فإذا رجع مر بمجلس قريش، فأقبل من رميه ذات يوم، فلقيته امرأة، فقالت: يا أبا عمارة ماذا لقي ابن أخيك من أبى جهل بن هشام؟ شتمه وتناوله وفعل وفعل، فأقبل حتى انتهى إلى ذلك المجلس، فإذا هم جلوس وأبو جهل فيهم، فاتكأ على قوسه ثم جمع يديه بالقوس فضرب بها رأس أبي جهل، ثم قال: أشهد أنه رسول الله ﷺ ، وأنه جاء بالحق من عند الله). وكان من أمر عمر بن الخطاب: أنه خرج ذات ليلة إلى الكعبة، فسمع النبي ﷺ وهو قائم يصلي، فسمع شيئًا لم يسمع بمثله، وجعل يعجب من تأليف القرآن فوقع الإسلام في قلبه. ودعا رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب - أو لأبي جهل بن هشام -[فقال: "اللَّهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك: بعمر بن الخطاب، أو بعمرو

стр. 420

بن هشام" فكان أحبهما إليه عمر]، [وقال: "اللَّهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب خاصة"]. فأصبح عمر وكانت الدعوة يوم الأربعاء، فأسلم عمر يوم الخميس (وذلك أنه ولج على أخته وزوجها ومعهما خباب بن الأرت)، وهم يقرءون القرآن، فلما دخل عليهم خافوه، فقال: ما كان معكم؟ قالوا: ما كان معنا من شيء وكابروه جهدهم، ثم لم يدعهم حتى أخرجوه فقرءوه عليه، فاستقام كما هو حتى قام إلى باب رسول الله ﷺ ). [فقرع الباب، وكان هو وأصحابه مختفين (في دار الأرقم ابن أبي الأرقم)، فقالوا: من ذا؟ قال: عمر بن الخطاب على الباب، فأفزعهم ذلك، ثم أتوا رسول الله ﷺ ، فقالوا له: عمر على الباب، فقال: "ائذنوا له" فدخل] [وضرب رسول الله ﷺ صدره بيده ثلاث مرات، وهو يقول: "اللَّهم أخرج ما في صدر عمر من غل وأبدله إيمانًا" يقول ذلك ثلاث مرات]. (وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمد عبده ورسوله)؛ فكبر رسول الله ﷺ ، وأهل البيت تكبيرة سمعت بأعلى مكة، وخرج أبو الأرقم -وهو أعمى كافر- وهو يقول: اللَّهم اغفر لبني غير الأرقم؛ فإنه كفر! فقام عمر فقال: يا رسول الله علام نخفي ديننا ونحن على الحق، ويظهر دينهم وهم على الباطل؟ قال: "يا عمر إنا قليل قد رأيت ما لقينا" فقال عمر: فوالذي بعثك بالحق لا يبقى مجلس جلست فيه بالكفر، إلا أظهرت فيه الإيمان, ثم خرج (وقال: أيُّ قريش أنقل للحديث؟ فقيل له: جميل بن معمر الجمحي، فغدا عليه، قال عبد الله بن عمر: فغدوت أتبع أثره وأنظر ما يفعل، وأنا غلام أعقل كل ما رأيت حتى جاءه، فقال له: أعلمت يا جميل أني قد أسلمت ودخلت في دين محمد، قال: فوالله ما راجعه حتى قام يجر رداءه وأتبعه عمر، واتبعت أبي، حتى إذا قام على باب المسجد؛ صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش -وهم في أنديتهم حول الكعبة- ألا إن عمر بن الخطاب قد صبأ، ويقول عمر من خلفه: كذب ولكني قد أسلمت، وشهدت أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله) فطاف بالبيت، ثم مر بقريش وهي تنتظره، فقال أبو جهل بن هشام: يزعم فلان أنك صبوت؟ فقال عمر: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمد عبده ورسوله (فثاروا إليه)،

стр. 421

فوثب المشركون إليه، ووثب على عتبة، فبرك عليه وجعل يضربه، وأدخل أصبعه في عينيه؛ فجعل عتبة يصيح، فتنحى الناس، فقام عمر، فجعل لا يدنو منه أحد إلا أخذ بشريف ممّن دنا منه، حتى أعجز الناس (فما برح يقاتلهم ويقاتلونه، حتى قامت الشمس على رءوسهم قال: وطلح، فقعد وقاموا على رأسه، وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم، فأحلف بالله أن لو قد كنا ثلاثمائة رجل لقد تركناها لكم، أو تركتموها لنا، قال: فبينما هم على ذلك، إذ أقبل شيخ من قريش، عليه حلة حبرة، وقميص موشى، حتى وقف عليهم، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: صبأ عمر، فقال: فمه، رجل اختار لنفسه أمرًا، فماذا تريدون؟! أترون بني عدي بن كعب يسلمون لكم صاحبهم هكذا، خلوا عن الرجل. قال: فوالله لكأنما كانوا ثوبًا كشط عنه. وكان هذا الرجل العاص بن وائل السهمي). (قال: فبينما هو في الدار خائفًا (على نفسه) إذ جاءه العاص بن وائل السهمي -أبو عمرو- عليه حلته الحبرة وقميصه المكفوف بالحرير -وهو من بني سهم حلفاء بني عدي في الجاهلية- فقال: ما بالك (يا بن الخطاب؟) قال: زعم قومك أنهم سيقتلونني إن أسلمت، قال (العاص): لا سبيل إليك (فما عدا) بعد أن قالها أمنت (عليه)، قال عبد الله بن عمر: واجتمع الناس عند داره، وقالوا: صبأ عمر (وأنا غلام فوق ظهر بيتي، (وكان ابن خمس سنين) فخرج (عمر) (و) العاص، فلقي الناس قد سال بهم الوادي، فقال: أين تريدون؟ فقالوا: نريد هذا ابن الخطاب الذي صبأ. قال: قد صبأ عمر فما ذاك؟ فأنا له جار لا سبيل إليه (فارجعوا) فكر الناس، قال ابن عمر: فرأيت الناس تصدعوا عنه فعجبت من عزه). واتبع المجالس التي كان يجالس فيها فيظهر الإيمان, ثم انصرف إلى النبي ﷺ ، وهو ظاهر عليهم. قال: ما عليك بأبي وأمي والله ما بقي مجلس كنت أجلس فيه بالكفر إلا أظهرت فيه الإيمان, غير هائب ولا خائف، فخرج رسول الله ﷺ وخرج عمر أمامه وحمزة بن عبد المطب، حتى طاف بالبيت وصلى الظهر مؤمنًا، ثم انصرف إلى دار الأرقم ومعه وحده، ثم انصرف النبي ﷺ .

стр. 422

وكان ابن مسعود يقول: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر، (وكان يقول: لقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي بالبيت حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر؛ قاتلهم حتى تركونا نصلي). وأسلم ابن عمر وأمه. وآخى النبي ﷺ بين زيد بن حارثة وحمزة، وعن سعيد بن زيد قال: كنا مع النبي ﷺ بحراء، فتحرك فقال: "اسكن حراء فإنه ليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد" وكان معهما أبو بكر، وعمر وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف. حدثنا عبد الله بن إدريس عن حصين عن هلال بن يساف قال: أسلم عمر بن الخطاب بعد أربعين رجلًا وإحدى عشرة امرأة. حدثنا أحمد بن يحي بن خالد بن حيان الرقي حدثنا يحي بن بكير حدثنا ابن لهيعة عن خالد بن يزيد عن عمرو بن دينار عن طاوس ومجاهد عن ابن عباس قال: أول من جهر بالإسلام عمر بن الخطاب ﵁. عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "اللَّهم أعزَّ الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك، بأبي جهل، أو بعمر بن الخطاب" قال: وكان أحبهما إليه عمر (١). عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر" (٢). عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: بينما هو: يعني -أباه عمر- في الدار خائفًا، إذا جاءه العاص بن وائل السهمي أبو عمرو وعليه حلة حبرة، وقميص مكفوف بحرير، وهو من بني سهم، وهم حلفاؤنا في الجاهلية، فقال له: ما بالك؟ قال: زعم قومك أنهم سيقتلونني إن أسلمت، قال: لا سبيل إليك -[بعد أن قالها] أمنت- فخرج العاص، فلقي الناس قد سال بهم الوادي، فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد هذا ابن الخطاب الذي صبأ؛ قال: لا سبيل إليه، فكَّر الناس.

стр. 423

إسلام حمزة بن عبد المطلب ﵁ روى بسنده عن ابن إسحاق قال: فحدثني رجل من أسلم، وكان واعية، فذكر الخير السابق وزاد: ثم رجع حمزة إلى بيته فأتاه الشيطان، فقال: أنت سيد قريش اتبعت هذا الصابئ وتركت دين آبائك، للموت خير لك مما صنعت، فأقبل على حمزة شبه فقال: ما صنعت؟ اللَّهم إن كان رشدًا، فاجعل تصديقه في قلبي، وإلا فاجعل لي مما وقعت فيه مخرجًا، فبات بليلةٍ لم يبت بمثلها من وسوسة الشيطان حتى أصبح فغدا على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فقال: ابن أخي، إني وقعت في أمر لا أعرف المخرج منه، وإقامة مثلي على ما لا أدري ما هو، أرشد هو أم غي، شديد، فحدثني حديثًا، فقد استشهيت يا ابن أخي أن تحدثي، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فذكره ووعظه، وخوفه وبشره، فألقى الله في نفسه الإيمان كما قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فقال: أشهد أنك لصادق شهادة المصدق والعارف، فأظهر يا ابن أخي دينك، فوالله ما أحب أن لي ما ألمعت الشمس وأني على ديني الأول. قال: فكان حمزة ممّن أعز الله به الدين. (١) عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس بن شريق حليف بني زهرة أن أبا جهل. اعترض رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بالصفا فآذاه، وكان حمزة ﵁، صاحب قنصٍ وصيدٍ، وكان يومئذ في قنصه فلما رجع قالت له امرأته، وكانت قد رأت ما صنع أبو جهل برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: يا أبا عُمارة, لو رأيت ما صنع تعني أبا جهل بابن أخيك، فغضب حمزة ومضى كما هو قبل أن يدخل بيته، وهو معلق قوسه في عنقه، حتى دخل المسجد فوجد أبا جهل في مجلس من مجالس قريش، فلم يكلمه حتى علا رأسه بقوسه فشجه، فقام رجال من قريش إلى حمزة يمسكونه عنه، فقال حمزة: ديني دين محمد أشهد أنه رسول الله فوالله لا أنثني عن ذلك فامنعوني من ذلك إن كنتم صادقين. فلما أسلم حمزة عز به رسول الله صلى الله عليه وعلى

стр. 424

آله وصحبه وسلم، والمسلمون، وثبت لهم بعض أمرهم، وهابت قريش، وعلموا أن حمزة ﵁، سيمنعه. (١) قال ابن إسحاق: حدثني رجل من أسلم، كان واعية، أن أبا جهلٍ مر برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فآذاه وشتمه، ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه، والتضعيف لأمره، فلم يكلمه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ومولاة لعبد الله بن جدعان في مسكن لها تسمع ذلك، ثم انصرف عنه، فعمد إلى ناد من قريش عند الكعبة، فجلس معهم، فلم يلبث حمزة بن عبد المطب ﵁، أن أقبل متوشحًا قوسه، راجعا من قنص له، وكان صاحب قنص يرميه ويخرج له، وكان إذا رجع من قنصه لم يصل إلى أهله حتى يطوف بالكعبة، وكان إذا فعل ذلك لم يمر على ناد من قريش إلا وقف وسلم وتحدث معهم، وكان أعز فتى في قريش، وأشد شكيمة، فلما مر بالمولاة وقد رجع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إلى بيته، قالت له: يا أبا عُمارة، لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد آنفًا من أبى الحكم بن هشام!! وجده ها هنا جالسًا، فآذاه وسبه، وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه، ولم يقف على أحد، معدًا لأبي جهل -إذا لقيه- أن يوقع به، فلما دخل المسجد نظر إليه جالسا في القوم، فأقبل نحوه، حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها فشجه شجة منكرة، ثم قال: أتشتمه؟ فأنا على دينه أقول ما يقول، فرد ذلك علي إن استطعت، فقامت رجال من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل، فقال أبو جهل: دعوا أبا عُمارة، فإني والله قد سببت ابن أخيه سبًا قبيحًا، وتم حمزة ﵁، على إسلامه، وعلى ما تابع عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم من قوله. (٢) فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قد عز وامتنع، وأن حمزة سيمنعه، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه.

стр. 425

قصة إسلام عمر بن الخطاب ﵁ روى بسنده عن عمر بن الخطاب، ﵁، قال: خرجت أتعرض رسول الله ﷺ قبل أن أسلم، فوجدته قد سبقني إلى المسجد، فقمت خلفه، فاستفتح سورة الحاقة، فجعلت أعجب من تأليف القرآن، قال: فقلت: هذا والله شاعر كما قالت قريش، قال: فقرأ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾، قال: قلت: كاهن، قال: ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ إلى أخر السورة. قال: فوقع الإسلام في قلبي كل موقع. (١) قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الرحمن بن الحارث، عن بعض آل عمر، أو بعض أهله، قال: قال عمر: لما أسلمت تلك الليلة، تذكرت أي أهل مكة أشد لرسول الله ﷺ عداوة حتى آتيه فأخبره أني قد أسلمت، قال: قلت: أبو جهل، وكان عمر لحنتمة بنت هشام ابن المغيرة، قال: فأقبلت حين أصبحت، حتى ضربت عليه بابه، قال: فخرج إلي أبو جهل، فقال: مرحبًا وأهلًا بابن أختي، ما جاء بك؟ قال: قلت: جئت لأخبرك أني قد آمنت بالله وبرسوله محمد، وصدقت بما جاء به، قال: فضرب الباب في وجهي، وقال: قبحك الله وقبح ما جئت به. (٢) روى بسنده عن صهيب بن سنان قال: لما أسلم عمر ظهر الإسلام، ودعي إليه علانية، وجلسنا حول البيت حلقًا، وطفنا بالبيت، وانتصفنا ممّن غلظ علينا، ورددنا عليه بعض ما يأتي به. (٣)
следующие страницы →