← Фикх малики

Фикх малики · id 123685

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

الرجراجي، علي بن سعيد

Полный текст (4 240 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

تؤكل، لأنه رفع مع الشك، فكأنه قصد إلى تبعيض الذكاة عامدًا. وإن رفع وهو نوى أنه أتم ذكاته، ثم تبين له غير ذلك، فعاودها، أكلت، وهو أعذر من الذي رفع يده على الشك، وهذا تأويل بعض المتأخرين أيضًا. وسبب الخلاف: هل الفور من شروط الذكاة اضطرارًا واختيارًا أو ذلك مع الاختيار دون الاضطرار؟ أو ما قارب الشيء، هل يعطى له حكمه أم لا يعطى له حكمه؟ وأما إذا اضطربت الذبيحة وترنمت بيد الذابح وزال السكين من موضع الذكاة، ثم ردها من ساعته أكلت، ولا ينبغي دخول الخلاف في هذا الوجه من وجهين: أحدهما: قرب الشيء وتفاهة ذلك. والثاني: كونه مغلوبًا، ولو غلبته الذبيحة قبل تمام الذكاة، فقامت ثم أضجعها، وأتم الذكاة، فهاهنا ينظر: فإن كان الذي فعل بها قبل القيام مما لا تعيش معه [كأن يكون] (١) قطع أوداجها أو أحدهما، فهل تؤكل أو لا تؤكل إذا عاود الذبح؟ فهذا يتخرج على الخلاف الذي قدمنا فيما إذا رفع يده اختبارًا أو غلبة ظن. وأما سنن الذكاة: فمنها التسمية واستقبال القبلة: أما التسمية، فقوله "بسم الله، والله أكبر"، ولا يذكر هنا غير الله

стр. 1227

تعالى، وليس بموضع الصلاة على نبينا محمد ﷺ ، لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨، ١١٩]، وقال النبي ﷺ : "ما أرسلت عليه كلبك أو بازك، وذكرت اسم الله عليه، فكله". فإن تركها ناسيًا، فإنها تؤكل باتفاق المذهب. وإن تركها عامدًا، فقولان: أحدهما: أنها لا تؤكل، وهو قول ابن القاسم في "المدونة". والثاني: أنها تؤكل [إلا أن يتركها استخفافًا فلا تؤكل] (١) وهو قول أشهب، فابن القاسم جعله بنفس التعمد مستخفًا. وسبب الخلاف: المتهاون بالسنن، هل هو كالتارك للفرض أم لا؟ فإن قلنا: إنه كالتارك للفرض، فلا تؤكل بنفس التعمد للترك، لأنه على التهاون والاستخفاف، [يحمل] (٢)، لأن ترك التعليم دليل على الاستهزاء بأوامر الشريعة، ثم لا يعذر بالجهل، لأنه مما يعم. وقد قدمنا فيما سلف أن العبادات التي تعم ولا تخص [يجب] على كل مكلف معرفة أحكامها، وينبغي أن تكون الذكاة من هذا القبيل، لأن الشارع صلوات الله عليه ندب [كل] (٣) مكلف مطيق [للذبح] (٤) إلى ذبح أضحيته، وأمره أن يتولى ذلك بنفسه، ولا يوكل عليها غيره إلا عن عجز، ومن كان هذا حكمه فيندب أيضًا إلى معرفة أحكام الذكاة.

стр. 1228

وهذا كله يدل على أنه لا يعذر بجهل أو يقال التهاون بالفرض ليس كالتهاون بالسنة فيعذر بجهل، وإلى ذلك مال أشهب. وأما توجيه الذبيحة إلى القبلة، فإنه من السنن أيضًا. فإن ترك التوجيه بها إلى القبلة: فإن كان ساهيًا: أكلت اتفاقًا. وإن كان عامدًا: لم تؤكل. فقيل: على معنى الاستحباب، وهو قول ابن المواز. وقيل: على معنى الوجوب، وهو قول ابن حبيب. وأما [فضائلها] (١): فمنها جبذ الشاة بالرفق عند الذبح، وأن لا يُريها السكين، وألا يذبحها وأخرى تنظر إليها، وأن يضجعها على شقها الأيسر، لأنه أمكن للذبح، فإن أضجعها على شقها الأيمن عامدًا، أكلت، وكره له ما فعل إلا أن يكون أعسر فيجوز ذلك له، لأن ذلك أشد تأتيًا وآكد تمكنًا. والجواب عن السؤال الرابع: في معرفة [ما يذبح وما ينحر وذلك على ثلاثة أوجه منها] (٢) ما يذبح ولا ينحر، وهو الغنم وسائر الطيور المقدور عليها والنعام. ومنها: ما ينحر ولا يذبح، وهي الإبل. ومنها: ما يشرع فيه الأمران، وهي البقر. أما الذبح، فبالقرآن.

стр. 1229

وأما النحر، فبالسنة. أما القرآن، فقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]، وأما السنة: فحديث عائشة ﵂ أنها قالت: "نحر رسول الله ﷺ [عن أزواجه] (١) البقرة"، وثبت عنه ﷺ "أنه نحر في حجة الوداع بضعًا وستين إبلًا"، وأمر عليًا ﵁: "أن ينجر ما غبر"، يعني: ما بقى، والجملة كانت مائة، [والغابر من الأضداد: يطلق على ما بقى وعلى ما مضى] (٢). وقال الله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧]، والذبح: ما يذبح، وقد كان كبشًا، فثبت [بذلك] (٣) أن الذبح سنة [في] (٤) الغنم والطيور. والنحر سنة [في] (٥) الإبل. والبقر يستعمل فيها الأمران. واختلف إذا ذبح ما ينحر أو نحر ما يذبح، على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يؤكل، ولبئس ما صنع، وهو قول أشهب في "مدونته". والثاني: أنه لا يؤكل، وهو قول ابن القاسم في "المدونة". والثالث: التفصيل بين ما ينحر فيؤكل بالذبح، وما يذبح فلا يؤكل بالنحر، وهو قول ابن بكير، وهذا كله مع الاختيار. وأما مع الاضطرار، كبقرة أو شاة وقعت في بئر أو بعير، فلم يستطع أن ينحر [البعير] (٦)، ولا أن يذبح الشاة أو البقرة، فهل يجوز أن ينحر [في] (٧)

стр. 1230

غير محل النحر أو لا يجوز؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنها لا تؤكل بغير الذبح والنحر في محله وذلك ما بين اللبة والمذبح كما قال مالك في المدونة: فإن ما بين اللبة والمذبح منحر ومذبح وإن نحر فجائز وإن ذبح فجائز [ولا يجوز] (١) فيما سوى ذلك [الموضع من جنب أو كتف لأن ذلك عقر والعقر لا يكون إلا في الصيد] (٢). والقول [الثاني]: (٣) أنه يجوز ذلك في جميع الجسد حيث ما يمكن منه لأنها ذكاة [ضرورة] (٤) وهو قول ابن حبيب. وسبب الخلاف: هذه الضرورة هل تنقل الحكم [من محله] (٥) [فيباح في جميع الجسد] (٦) أو لا تنقله فيبقى كل واحد من النوعين علي أصله. وأما ابن حبيب فقد جعل الضرورة تنقل [الحكم] (٧) عن محله فيجوز أن ينتقل إلى سائر الجسد ولا تخصيص لموضع دون موضع إلا بدليل وهو قول قياسي. وأما ابن القاسم فلم [يجر] (٨) قوله على الأصل لأنه اتفق هو وابن حبيب أن الضرورة تنقل الحكم عن محله الذي هو الذبح والنحر وخصص به موضعًا بعينه من غير دليل ثبت عنده وذلك [مخصص] (٩) الدعوى إليهم

стр. 1231

إلا أن يكون هناك أثر فيتبع فسمعًا وطاعة. والجواب عن السؤال الخامس: ذكاة الجنين، ولا تخلو ذكاة الجنين من وجهين: أحدهما: أن يخرج بعد ذكاة أمه. والثاني: أن يخرج وهي حية. فإن خرج بعد ذكاة أمه فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يخرج قبل أن تتم خلقته. والثاني: أن يخرج بعد أن تمت خلقته. فإن خرج قبل تمام خلقته فإنه لا يؤكل باتفاق المذهب ولا تنفع فيه ذكاة أمه لأنه جيفة. فإن خرج بعد تمام خلقته فلا يخلو من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يخرج وهو حي. والثاني: أن يخرج وهو ميت. والثالث: أن يشك فيه. فإن خرج بعد ذكاة أمه، وهو حي ثم مات من فوره، فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن [يمكنهم] (١) ذكاته. والثاني: أن يسبقهم بنفسه. فإن أمكنهم ذكاته وفرطوا فيه حتى فاتهم بنفسه، فلا يؤكل، ولا أعرف في هذا الوجه نص خلاف، ولا هو محل له فإن لم يمكنهم ذكاته وسبقهم بنفسه، وفات بالحضرة بغير تفريط، ففي ذلك قولان:

стр. 1232

أحدهما: أنه يؤكل مع الكراهية، وهو قول مالك في كتاب محمد. والثاني: أنه لا يجوز أكله، وهو قول ابن الجلاب، وهو مذهب يحيى بن سعيد. فإن خرج وهو ميت، فإنه يؤكل اتفاقًا في المذهب، غير أنه يستحب له أن يمر السكين على حلقه، [ليجري] (١) الدم من جوفه، وهو الذي قال فيه النبي ﷺ : "ذكاة الجنين، ذكاة أمه". قال مالك: " [وهذا] (٢) إذا نبت شعره وتمت خلقته، فإن كان أحد هذين الوصفين، فلا يؤكل، وإن خرج حيًا". وإن خرج وهو مشكوك فيه، هل يعيش أو لا يعيش؟، فلا يؤكل إلا بذكاة، ولا يستباح بذكاة أمه بالشك، وهو قول ابن حبيب. وأما إن خرج وأمه حية، مثل أن تزلقه أمه، فلا يخلو حاله أيضًا من ثلاثة أوجه: أحدها: أن تزلقه وهو حي حياة، بينة أنه يعيش لو ترك. والثاني: أن تزلقه وهو ميت. والثالث: أن يشك فيه. فأما الوجه الأول: فإنه تصح فيه الذكاة، ويؤكل. وأما الوجه الثاني: فلا يؤكل، إذ لا تستعمل الذكاة في جيفة. وكذلك الوجه الثالث: إذا خرج مشكوكًا فيه، هل يعيش أو لا يعيش؟، فإنه لا يؤكل وإن أدركت ذكاته أيضًا، وهو قول ابن القاسم في "المستخرجة" [وغيرها] (٣). والحمد لله وحده.

стр. 1233

المسألة الثالثة في طعام الذين أوتوا الكتاب وغيرهم من أنواع أهل الكفر: أهل الكتاب: هم اليهود والنصارى. والمجوس: هم قوم يعبدون النيران، وينفون الصانع. والصابئون: هم قوم بين المجوسية والنصرانية. والسامرية: صنف من اليهود، لا يؤمنون بالبعث، قاله عمر بن الخطاب ﵁ وغيره. وأما طعام أهل الكتاب، فعلى ثلاثة أوجه: [أحدها]: الطعام الذي أبيح لهم. و [الثاني]: الطعام الذي حرم عليهم. و [الثالث]: الطعام الذي حرموه [هم] (١) على أنفسهم. فأما الذي أحل لهم: فهو ما عدا ما ذكر الله تعالى في كتابه، وعدده مما حرم عليهم، وهو ينقسم، أعني: ما أحل لهم إلى ما يفتقر إلى الذكاة. وإلي ما لا يفتقر إليها. فما لا يفتقر إلى الذكاة، فهو حلال لمن أكله من المسلمين، إذا سلم من مخالطة الأشياء المحرمة، مثل: الميتة والدم ولحم الخنزير، وذلك مثل: الخبز والزيت والسمن والعسل واللبن. قال: مالك: "أحب إلى غسل آنية [النصارى] (٢)، وأن تسألهم عما

стр. 1234

قربوا إليك [من الطعام] (١): أَطَبِّب هو؟ ". قال: "وأما القدر الذي يطبخون فيها، فأحب إلى أن يغلي فيها الماء حتى يذهب ودكها، لأكلهم الميتة والخنزير". قال: "وأما اللبن والزبد، فإن كانت آنيتهم نظيفة، فكل، وإن شككت فدع، ولا فرق بينهم وبين المجوس في ذلك". وأما ما يفتقر إلى الذكاة، فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يقصد أن يذبح ذلك قربة. والثاني: أن لا يقصد بذلك قربة. فإن قصد بذلك قربة، فلا يخلو من أن يذبح ذلك للصليب أو يذبحه لعيسى أو يذبحه لجبريل أو للكنائس: فأما ما ذبحه لصلبانهم وللأصنام التي كانوا يعبدونها، هل هو محرم أو مكروه؟ على قولين: أحدهما: أنه محرم، لأنه مما ذبح على النصب، وهو قول مالك في النوادر. والثاني: أنه مكروه مثل: ما ذبح للكنائس والأعياد، وهو قول محمد وابن حبيب. وسبب الخلاف: اختلافهم في قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]، هل أراد بذلك كل ما ذبح لغير الله، صنمًا كان أو غيره، إذ كل معبود سوى الله فهو صنم، أو المراد بذلك ذبائح المشركين للأصنام التي

стр. 1235

كانوا يعبدونها في الجاهلية؟، وهو قول أصبغ في "ثمانية أبي زيد"، قال: "وأهل الكتاب ليسوا من أصحاب الأصنام". وأما ما ذبح للأعياد والكنائس ولعيسى ولجبريل، فأكله مكروه غير محذور. وقال ابن حبيب: "إن ما ذبح لهؤلاء ليضاهي ما أهل لغير الله به مما ذبح للأصنام، ولكن لم يبلغ به مالك التحريم، لأن الله تعالى أحل لنا طعامهم، وهو يعلم ما يفعلون"، والذي قاله صحيح، ولو كان يحرم ما ذبح باسم المسيح لما جاز أن يؤكل شيء من ذبائحهم إلا أن يُسألوا، هل سموه ذبحًا [للمسيح] (١) أو هو ذبح للكنيسة [أم لا] (٢)؟ بل لا يجوز وإن أخبر أنه لغير ذلك، لأنه غير صادق وإن لم يجب ذلك حلَّت ذبائحهم كيف كانت. وأما ما يذبحونه ولا يقصدون به القربة، مثل شاة لحم ذبحوها لأنفسهم أو لضيف نزل عندهم، فإنه يجوز لنا أن نأكل منها ما كان حلالًا لهم. ونتوقف عما كان محرمًا عليهم إذا ذكروا اسم الله عليها من غير كراهية في ذلك نعلمها في المذهب. وأما ما حرم عليهم من الطعام، فقد نص الله عليه وبينه في كتابه بيانًا شافيًا لعباده، قال جل وعلا: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٦]. قال ابن حبيب: ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الإبل وحمر الوحش والنعام والأوز

стр. 1236

وكل ما ليس بمشقوق الخف ولا مفتوح القائمة، ألا ترى أن الدجاج والعصافير انفرجت قوائمها، فاليهود تأكلها"، وقاله كله مجاهد. فلو ذبح اليهود شيئًا من هذا المحرم عليهم، لم يحل أكله. وأما الشحوم المحرمة عليهم، مثل الترب والكشا وهم شحم الكلا وما لصق بالقصبة وشبهها من شحم محض، واستثنى ما حمل الظهور: وهو ما يغشى اللحم من الشحم على الظهر وسائر الجسد أو ما اختلط بعظم. فالحوايا: المباعر، [والمرابض] (١) التي تكون فيها الأمعاء تسمى بنات اللبن، فما في ذلك من شحم فهو ما استثنى. فهذه جملة ما حرم الله تعالى عليهم من [الأنعام و] (٢) الشحوم. واختلف المذهب عندنا في جواز أكل ما حرم عليهم بنص التنزيل: أما [الشحوم] (٣)، فقلنا [فيها] (٤) ثلاثة أقوال: أحدها: أنها محرمة، وهو قول مالك في كتاب محمد، وحكى ابن القصار عن ابن القاسم وأشهب أنها محرمة أيضًا، وهو ظاهر المدونة في "كتاب الحج". والثاني: أنها مباحة لنا، وهو قوله في "المبسوط"، وقال ابن نافع أيضًا، وهو ظاهر قول مالك في كتاب الجهاد. والثالث: بالكراهية، وهو قول ابن القاسم.

стр. 1237

وسبب الخلاف: الذكاة، هل تتبعض أم لا تتبعض؟ وأما كل ذي ظفر، اختلف المذهب في جواز [أكله] (١) على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ليس يذكى، وهو حرام لا يؤكل، وهو مشهور المذهب. والثاني: [جواز] (٢) أكله، وهو قول [ابن وهب] (٣) وابن عبد الحكم. والثالث: بالكراهية، وإن شئت جمعت بين الشحم ولحم ذي ظفر في التحصيل، فيتخرج منها أربعة أقوال: [أحدها]: الإباحة في الجميع. [والثاني]: التحريم في الجميع. [والثالث]: الكراهية في الجميع. والقول الرابع: بالتفصيل بين الشحم واللحم، فيجوز أكل الشحم [مع اللحم] (٤)، لأن الذكاة لا تتبعض، ولا يجوز [أكل] (٥) ذي ظفر. وسبب الخلاف: اختلافهم في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾، هل هو منسوخ بما خوطبوا به من الدخول في الشريعة المحمدية، أو غير منسوخ؟ فمن رأى أن ذلك منسوخ، قال: مضمون الآية الإخبار عما كان محرمًا في التوراة، وقد نسخ [بما خوطبوا] (٦) به من الدخول في شريعتنا، إذ لا خلاف بين الأمة أن الكفار مخاطبون بالإيمان، وليس من الجائز في الشرع

стр. 1238

أن يخاطبوا بالدخول في الإسلام وتكتنفهم شريعة محمد ﷺ ، وهم مع ذلك [فسخت] (١) عليهم أحكام التوراة في الحلال والحرام، وذلك غير معقول ولا معقول، بل المنقول أن هذه الشريعة ناسخة لجميع الشرائع، وليس عصيانهم في ترك [امتثال] (٢) ما أمروا به من الإسلام، مما [يحرم عليهم] (٣) ما قد نسخ تحريمه. ومن رأى أن ذلك غير منسوخ، قال: لا يصح في الحكمية الشرعية أن توضع منهم الأثقال مع بقائهم على السبب الموجب [لعقابهم] (٤) ذلك والله تعالى يقول: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ والبغي من أسماء التعدي، فعاقبهم الله تعالى بأن حرم عليهم بعض المحللات، لأجل ذلك التعدي، وقوله تعالى: "ذلك" إشارة إلى العلة والبغي الذي لأجله حرم عليهم. هذه الأشياء مذكورة في "كتاب التفسير"، وفيه كلام مبسوط، وليس هذا موضع ذكره، والذي [زادوه] (٥) من البغي أكثر مما كانوا عليه، وقد حرمت عليهم الشحوم وغيرها، وقد زادوا تحريف الكتاب المبين وتكذيب النبي ﵇ المبعوث لإقامة الدين، والله تعالى يقول: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] فالإصر: هو الثقل، وإنما وضعت الأغلال والأثقال [عن] (٦) من آمن به واتبع ملته، وحلل ما حلله، وحرم ما حرمه، فهم الذين وصفهم الله بالمفلحين. فأما من عصا وطغى وأثر الهوى على التقوى وكذب بالحسنى، كيف

стр. 1239

توضع عنه الأثقال وتفك عنه السلاسل والأغلال؟ فهذا ما لا [يكون] (١) بحال. ومن قال بالكراهة، فقد توسط، والتوسط سوق الاعتدال. فإن ثبت النسخ بما خوطبوا به من الدخول في الإسلام، وقد يعتقدون أن ذلك التحريم باقٍ لبقائهم على الكفر، وأن هذه الذكاة ليست بذكاة، لأنه يشبه أن يكون ذكاة بغير نية، فلما أشكل الأمر فيها تزهد وتورع، فقال بالكراهة. ومن فرق بين اللحم والشحم، فقد [أسلفنا] (٢) دليله عند ذكره. وأما ما حرموه على أنفسهم اختراعًا منهم وافتراء على الله تعالى، مثل ما ذبحوه لأنفسهم ليأكلوه لا لتعظيم شيء فوجدوه فاسدا [عندهم] (٣) لأجل الريبة وشبه ذلك، فقد اختلف فيه قول مالك بالإباحة والكراهة، على قولين منصوصين في "المدونة" ولابن القاسم في غير "المدونة" أنها لا تؤكل، وظاهره على التحريم. فيتحصل فيه ثلاثة أقوال: الجواز والمنع والكراهة. وسبب الخلاف: اختلافهم [في المفهوم] (٤) من قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]، هل المراد بذلك جميع ما سوى ما ذكر الله تعالى في كتابه ونص عليه في محكم التنزيل من غير اعتبار بما حللوه وما حرموه، ويكون معنى قوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ أي: ما أباح الله تعالى لهم أكله، أو المراد بذلك: ما

стр. 1240

هو من طعامهم الذين يقتاتون به ويأكلونه دون ما اجتنبوه وحرموه على أنفسهم، لأن ذلك ليس من طعامهم. ومن قال: بالكراهة، فقد توسط. وأما طعام المجوس: فينقسم أيضًا إلى ما يحتاج إلى الذكاة، وما لا يفتقر إلى الذكاة؟ فأما ما يفتقر إلى الذكاة، فلا يخلو من أن يتولى المجوسي ذكاته أو يوكل عليها مسلمًا: فإن تولى المجوسي الذكاة بنفسه، فلا خلاف في تحريم أكله، لأن الأصل ألا تؤكل ذكاة من دان بغير دين الإسلام، فخصص الله تعالى من ذلك طعام الذين أوتوا الكتاب، وبقى ما عداه على الأصل. وأما إن وكل على الذبح مسلمًا، فتولى ذبحها، فلا يخلوا من أن يوكله أن يذبحها لصنمهم أو يوكله على ذبحها ليأكلوها: فإن كان الذبح للصنم، فاستقبل بها القبلة وسمى الله تعالى عليها: أكلت مع الكراهة. وإن كان الذبح للأكل لا للصنم، مثل أن ينزل عنده مسلم فيستضيفه فتولى الذبح، فإنها تؤكل أيضًا اتفاقًا في مذهبنا، إذ ليس فيه خلاف منصوص في هذه المسألة إلا متأولًا، وهذا التفصيل لابن المواز. وأما ما لا يفتقر إلى الذكاة من طعام فهل يجوز أكله أم لا؟ [أما الجنب: فقد نص عليه في "النوادر" وغيرها أنه لا يؤكل لعلمهم فيه أنفحة الميتة إلا ما لم يغيبوا عليه] (١).

стр. 1241

وأما ما عداه من سائر أطعمتهم التي لا تفتقر إلى الذكاة، فقد نص في "المختصر" على جواز أكل طعام المجوس كله: "فلا بأس بأكل طعام المجوس كله الذي ليس له ذكاة" وأما ذبيحة الصابئ، فقد اختلف فيها: فقيل: إنها لا تؤكل على معنى الكراهة، وهو المذهب. وقيل: إنها حرام، وهو مذهب الحسن وسعيد بن جبير في أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم، وهم قوم بين المجوسية والنصرانية. وأما ذبيحة السامرية: "فإنها تؤكل لأنهم صنف من اليهود لا يؤمنون بالبعث"، قاله عمر بن الخطاب ﵁ والحمد لله وحده.

стр. 1242

المسألة الرابعة في ذكاة المريضة والمتردية وأخواتها: قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]. فالميتة: ما مات حتف أنفه، فلا خلاف في تحريمها إلا للمضطر. والدم: ينقسم إلى مسفوح وغير مسفوح: فأما المسفوح: فهو المحرم بالاتفاق، لأن الدم الذي أطلقه الله تعالى في سورة المائدة، هو الذي قيده في سورة الأنعام بقوله: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] فحمل فيه المطلق على المقيد، لأن ذلك نسخ كما صار إليه ابن شعبان، فإن سورة الأنعام مكية والمائدة مدنية، ولا خلاف عند أهل [العلم] (١) أنه لا تنسخ آية مدنية بآية مكية، لأن النسخ إزالة الحكم الثابت بالشرع المتقدم بالشرع المتأخر عنه، على وجه لولاه لكان ثابتًا، وهذا [حد] (٢) النسخ عند بعضهم. وأما غير المسفوح، فقد اختلف فيه قول مالك على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أن الدم كله نجس، دم بني آدم، ودم الحيوان ما يؤكل لحمه منها وما لا يؤكل، ودم الحوت والبراغيث والذباب، وهو قول مالك في "المدونة"، وغيرها، الدم كله يغسل دم الحوت وغيره، ين كان في دم الذباب روايتان:

стр. 1243

أحدهما: أنه يغسل، وهو قول مالك في سماع أشهب عنه أيضًا، وإذا كان عنده نجس فهو حرام. والقول الثاني: أنه طاهر وأنه ليس بنجس ولا حرام، وإنما المحرم المسفوح خاصة، وهو قول محمد بن مسلمة، وهو نص قول مالك [في المدونة] (١) في اليسير من الدم، أن الصلاة لا تعاد منه، وقد جاء عن عائشة ﵂ أنها قالت: "لولا أن الله سبحانه قال: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ لاتبع المسلمون ما في العروق، كما تبعته اليهود، وقد تطبخ البرمة وفيها الصفرة، ويكون في اللحم الدم، فلا يكون على المسلمين غسله. وقوله: ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ قد تقدم فيه الكلام. ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] هو الذبح للأصنام. والمنخنقة: قال ابن حبيب: "ما تختنق بحبل أو غيره أو يقودها برقبتها". والموقوذة، المضروبة في مقاتلها، وحيث لا ترجى لها حياة مما أصابها من ضربة حجر أو عصا أو بندق أو غير ذلك. والمتردية: التي تردت من شيء منيف أو جبل أو شرف أو هوة فيوهنها. والنطيحة: التي تنطح بعضها بعضًا أو تنطح جدارًا أو صخرة، فيبلغ ذلك منها. وأما أكل السبع: ما قطع السبع بطنها وما أصاب مقتلها أو يوهنها. فالمنخنقة وأخواتها، لا يخلو لكم فيها من ثلاثة أوجه: أحدها: أن ينفذ بذلك مقتلًا. والثاني: ألا ينفذ لها مقتلا [ورجيت حياتها والثالث: ألا ينفذ لها

стр. 1244

مقتلًا] (١)، أنه آيس من حياتها. فالجواب عن الوجه الأول: إذا أنفذ الذي أصابها مقاتلها، فلا خلاف عندنا على المذهب أن الذكاة لا تستعمل فيها إلا متأولًا، لأن الحياة التي بقيت فيها حياة مستعارة، وفي "الأسدية" عن ابن القاسم فيمن أنفذ مقاتل رجل، ثم أجهز عليه [رجل] (٢) آخر فقتله. قال ابن القاسم: "يقتل الثاني". وقال أشهب: "يقتل الأول، ويعاقب الثاني"، وهو الصحيح، وما قاله ابن القاسم نادر. فعلى قوله: أن الثاني يقتل [ويعاقب الأول] (٣)، فإن الذكاة تستعمل في المنفوذة المقاتل، والمقاتل عندنا خمسة: انقطاع النخاع وهو المخ الذي في عظم الرقبة والصلب وقطع الأوداج وخرق المصران وانتشار الحشوة [وانتشار الدماغ فهذه المقاتل المتفق عليها على الخلاف في تفسير الاثنين منها: خرق المصران وانتشار الحشوة لأن أهل المذهب جعلوا لهما] (٤) وجهين من المقاتل: [فقالوا] (٥) فإن أرادوا بقطع المصران قطعه وإبانه بعضه من بعض، وأرادوا بانتشار الحشوة انتشار الثفل لانخراق المصران، فصحيح أنهما مقتلان، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب الديات" أن انتشار الحشوة خروج الثفل من خرق المصران. وإن أرادوا بانتشار الحشوة خروجها عند شق الجوف، فليس بصحيح،

стр. 1245

وقد قاله بعض الشيوخ. وذهبوا إلى انتشار الحشوة خروجها عند شق الجوف [وشق الجوف] (١) ليس بمقتل عند جميعهم، لأن الجوف إذا شق [انتشرت] (٢) منه الحشوة ولم تنقطع منه، وعولجت وردت وخيط الجوف عليها، وهذا مشاهد معلوم، فليس نفس انتشارها بمقتل، ولهذا قال ابن القاسم تؤكل، وإن انتثرت حشوتها. وأما شق المصران فإن كان من أعلاه، فمتفق عليه أنه مقتل. وإن شق من أسفله، فليس بمقتل عند بعض محققي المتأخرين من أصحابنا، كالقاضي أبي الوليد بن رشد وغيره والفرق بينهما أن الشق إذا كان في الأعلى من حيث يجوز الطعام إلى المعدة فالغذاء يخرج منه [ولا ينفذ إلى المعدة و] (٣) الأعضاء ولا يغذي الجسم فيهلك إذا انقطع عنه الغذاء، ولهذا لما جرح عمر بن الخطاب ﵁ شرب لبنًا فخرج من جرحه، فقيل له: اعهد يا أمير المؤمنين، لما علم أنه قد أنفذت مقاتله. فإذا كان الشق في أسفل الأمعاء، حيث يكون فيه الثقل، فليس بمقتل، لأن منفعة الغذاء قد صعدت إلى الأعضاء، وحصل منه المقصود، والأثفال لم يبق لها إلا الصرف خاصة، فإن خرجت فلا يضر. واختلف في اندقاق العنق من غير أن تفتح، هل يعد مقتل أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه مقتل، وهو قول مطرف وابن الماجشون عن مالك.

стр. 1246

والثاني: أنه ليس بمقتل، وهو قول ابن القاسم. وفي انشقاق الأوداج من غير قطع، قولان: أحدهما: أنه مقتل، وهو قول أشهب وغيره من أصحاب مالك. والثاني: أنه ليس بمقتل، وهو قول محمد بن عبد الحكم. والجواب عن الوجه الثاني: إذا لم ينفذ لها مقتل ورجيت حياتها، فلا خلاف أنها [تستعمل فيها] (١) الذكاة. والجواب عن الوجه الثالث: إذا لم ينفذ ذلك لها مقتلًا، إلا أنه أيس من حياتها أو شك في أمرها، هل تعيش أو لا تعيش، وهل تستعمل الذكاة أو لا تستعمل؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنها تستعمل فيها الذكاة، وتؤكل إذا وجدت منها الحركة أو ما يقوم مقامها من استفاضة النفس في الحلق أو أمرًا يدل على وجود الحياة بها ساعة الذبح على ما سنبينه في ذكاة المريضة إن شاء الله، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، وهو قول أصبغ أيضًا في "النوادر". والثاني: أن الذكاة لا تستعمل فيها ولا تؤكل إذا ذكيت، وإن تحركت أو طرفت أو استفاض نفسها في حلقها، وهو قول عبد الملك بن الماجشون ومحمد بن عبد الحكم. وسبب الخلاف: اختلافهم [في الاستثناء] (٢) في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾، هل هو استثناء متصل أو استثناء منفصل؟ فمن جعله استثناء متصلًا، قال: تستعمل فيها الذكاة، ويكون معنى قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ من هذه المذكورات بعد حصول ذلك فيها.

стр. 1247

ومن جعله استثناء منفصلًا، قال: لا تستعمل فيها الذكاة، ويكون معنى قوله تعالى: " ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ من غير هذه المذكورات، وهو بمعنى "لكن"، والأصح: أنه استثناء متصل، لأنه لا خلاف أن الآية في المنخنقة وأخواتها ليست على عمومها، ولو كانت على عمومها لم تؤكل. وإن ذكيت وكانت ترجى حياتها، فإذا ترك ظاهر الآية، ولم تحمل على عمومها، فحملها على ما مات منها ولم ندرك ذكاتها أحسن. وإلى هذا المعنى أشار بعض المتأخرين. وأما ذكاة المريضة، فلا خلاف في المذهب أنها تستعمل فيها الذكاة، وإن آيس من حياتها إذا وجد فيها علامات الحياة، وهي علامتان: الحركة وسيلان الدم أو ما يقوم مقام الحركة من استفاضة النفس في حلقها الذي يعلم أنه لا يكون إلا مع الحياة. فإن تحركت ولم يسل [منها] (١) الدم، فإنها تؤكل عند ابن القاسم ابن كنانة، وقال محمد: "لا تؤكل إلا بسيلان الدم والحركة بعد الذبح، فإن لم يكن ذلك لم تؤكل إلا أن يكون فيها الحياة بينة كالنفس البين أو العين تطرف. وأما الصحيحة إذا أشرفت على الموت لوجع فيها في جوفها، فبادرها بالذكاة، فسال دمها، ولم يتحرك منها شيء، فقال مالك في "النوادر": "إنها تؤكل فالحركة وسيلان الدم دليلان على الحياة في كل موضع، والحركة بانفرادها دليل على الحياة في المريضة، وسيلان الدم بانفراده دليل على الحياة في الصحيحة". فخرج من هذا التحصيل أن سيلان الدم بانفراده: لا تؤكل به المريضة،

стр. 1248

والحركة بانفرادها: لا تؤكل بها الصحيحة، وإنما اعتمدت الحركة من المريضة دون سيلان الدم على انفراده، لأن المرض نقل معه الدم، وربما يعدم البتة إلا الشيء التافه، والحركة لا [تقدم] (١) بكليتها إلا مع عدم الحياة، فلذلك اعتبر ما يستمر وجوده مع الحياة دون ما يعدم استمراره مع وجود الحياة. والصحيحة: لا تعتبر فيها الحركة لقوتها عليها، إذا لم يكن بها مرض يوهنها ويضعف قواها عن الحركة، فكان المعتبر غير الحركة الذي هو الدم، لأنه إذا ذبحها وسال دمها علم أنها قد ذبحت، وحياتها فيها مجتمعة. فإذا لم يسل دمها علم أنه قد ذبحها بعد أن بردت وزهقت روحها لمرضها، وإنما يجري مع حرارة الجسد الذي يكون مع بقايا الحياة. والحمد لله وحده.

стр. 1249

كتاب الضحايا

стр. 1250

كتاب الضحايا تحصيل مشكلات كتاب الضحايا، وهي أربع مسائل: المسألة الأولى: الأضحية، هل هي واجبة أم لا ؟ ولا خلاف في [المذهب] (١) أنها ليست بواجبة وجوب الفرائض، مثل الصلاة والصيام والزكاة، وإنما الخلاف في المذهب، هل هي واجبة وجوب السنن أو هي سنة غير واجبة، وعنوا بالواجب المؤكد، وإن كان قد وقع لابن حبيب ما يدل [على] (٢) أنها واجبة وجوب الفرائض، حيث قال: "في الفقير إن وجد ثمنًا أو وجد من يسلفه فليستلف"، وحكاه عن مالك، إلا أن مثل هذا قد يقوله العالم على معنى التأكيد، كما قيل في زكاة الفطر: إن الفقير يتسلف ويؤديها، وذلك غير واجب عليه، لأن وجوب الأضحية إن وجبت، فإنما يكون على القادر عليها، كسائر العبادات الواجبة في المال، فإنما تجب على من عنده من المال ما يبيع أو يخرج منه ذلك القدر. وأما من يتسلف أو يسعى حتى يحصل [له] (٣) ما يجب فيه الحق ليؤديه منه، فليس ذلك عليه بواجب باتفاق الأمة قاطبة أنه لا يجب على الحر المسلم أن يسعى في حصول النصاب لتجب عليه الزكاة، فالمذهب في وجوبها [وجوب السنن] (٤) على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: [أنها] (٥) واجبة وجوب السنن، وهو مشهور المذهب، وهو

стр. 1251

قول ابن القاسم في "الكتاب": فيمن حبس أضحيته حتى مضت [أيام النحر فإن لا يضحى بها بعد] (١) أيام النحر [إلا] (٢) أنه آثم" والإثم لا يكون إلا في [الواجب إذا ترك] (٣)، والسنن المؤكدات يذم تاركها، لما في ذلك من التهاون بقول الشارع ﷺ أو بفعله. والثاني: أنها من السنن المندوبات التي يثاب عليها فاعلها ولا يذم تاركها، وهو صريح قول مالك في الكتاب [حيث قال] (٤): "لا أحب لمن يقدر عليها أن يتركها". وسبب الخلاف: تعارض الأحاديث، فمنها قوله ﷺ : "من رأى منكم هلال ذي الحجة، فأراد أن يضحي، فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئًا". فظاهر هذا الحديث يقتضي نفي الوجوب، لقوله: "فأراد أن يضحي"، لأن الواجبات لا تتعلق بإرادة المكلف. ويعارضه ما روى عنه ﷺ أنه أمر من ذبح [قبله] (٥) أن يعيد، فقال: [له] (٦): "ليس عندي إلا جذعة من المعز، فقال: "اذبحها ولا تجزئ أحدًا بعدك" وهو أبو بردة بن نيار. فظاهر هذا يقتضي الوجوب، وبهذا استدل من قال بالوجوب، [وتأول] (٧) الخبر الأول في قوله: "فأراد أن يضحي"، أن مثل هذا اللفظ يصح أن يؤتى مثله في الوجوب، كقوله ﷺ : "إذا جاء أحدكم الجمعة

стр. 1252

فليغتسل". وقال بعض المتأخرين: "وهذا الاعتراض غير صحيح، لأنه لا يختلف أن يفسر هذا اللفظ من أراد، ومن جاء لا يتضمن وجوبًا ولا ندبًا، وإنما وجبت الجمعة بنص آخر بالآية، وبما جاء في ذلك من الأحاديث، ولو لم يكن في ذلك إلا قوله "من جاء" لم تجب، والقول بأنها ليست بواجبة أبين، لأن الأصل براءة الذمة وفراغ الساحة، وطريق انشغالها الشرع، ولم يأت من جهة الشرع ما يدل على عمارتها، بل ثبت عنه ﷺ أنه قال: "أمرت بالنحر وهو لكم سنة"، ففرق بين حكمها عليه وعلى أمته، فلو كانت واجبة عليهم لم يكن للتفرقة وجه [والحمد لله وحده] (١).

стр. 1253

المسألة الثانية في سنها وصفة ما وجب منها، ومن أي حسن تكون ؟ ولا خلاف: أنها لا تكون إلا من بهيمة الأنعام دون الوحش والطيور. [وسنها] (١): الجذع من الضأن، والثنى من البقر وسائر الأنعام واختلف في سن الجذع من الضأن، على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ابن سنة، وهو قول أشهب وابن نافع. والثاني: أنه ابن عشرة أشهر، وهو قول ابن وهب. والثاني: أنه [ابن ثمانية أشهر، وقيل] (٢) ابن تسعة أشهر [وهي رواية سحنون عن علي بن زياد وبه أخذ] (٣). والجذع من البقر: ابن سنتين [ومن الإبل ابن خمس سنين. والثنى من الغنم ابن سنتين ومن البقر ابن أربع، ومن الإبل ابن ست] (٤)، [وقد تقدم مثل هذا في "كتاب الزكاة"] (٥)، وأفضلها عندنا الضأن، ثم المعز. واختلف في الإبل والبقر، على قولين: أحدهما: أن البقر أفضل ثم الإبل، وهو المشهور، وهو قول القاضي أبي محمد. والثاني: الإبل ثم البقر، وهو قول أبي إسحاق بن شعبان في الزاهي.

стр. 1254

واختلف في ذكور كل صنف وإناثه، على قولين: أحدهما: أن الذكران ثم الإناث، وهو قول مالك في "مختصر بن عبد الحكم". والثاني: أن الذكور والإناث في الهدايا والضحايا سواء، وهو قول مالك في "المبسوط". ولا خلاف أعلمه في المذهب أن الفحل مقدم على الخصي، وقال ابن شهاب في: خصي الضأن: "لا ينقصه الخصي شيئًا".، وقال مالك: في "المختصر" وغيره: "وفحول الضأن في الضحايا أفضل من خصيانها، وخصيانها أفضل من إناثها وإناثها أفضل من ذكور المعز، وفحول المعز أفضل من خصيانها، وخصيانها أفضل من إناثها، وإناثها أفضل من الإبل والبقر في الضحايا". وأما في الهدايا: فالإبل [أفضل] (١) ثم البقر. رأيت لبعض المتأخرين: "أن فحول الضأن أفضل من خصيانها وخصيانها أفضل من إناثها، و [إناثها] (٢) أفضل من فحول المعز، وفحول المعز أفضل من إناثها، وإناثها أفضل من الإبل والبقر [في الضحايا] (٣). وهذا [الترتيب] (٤) الذي رتبه هذا المتأخر لا تنافي بينه وبين ما رتبه مالك، لا علم أن الخصى له مزية على إناث جنسه بكثرة اللحم والشحم، وإنما فرق مالك بين الضحايا والهدايا، وذلك أن المقصود في الضحايا: حسن اللحم ورطوبته، لأنها قربة اختص بها أهل البيت.

стр. 1255

والهدايا المقصود منها: كثرة اللحم وفوره، لأنها قربة قربت للمساكين، والمساكين لا يريدون إلا الزائد من الأطعمة، وإنما غرضهم كثرة الشيء [وإشباعه] (١)، فالإبل والبقر محل لهذا المقصد، وهذا من طريق النظر. وأما من طريق الأثر، فقد ثبت عنه ﷺ أنه ضحى بصنفين، وروى [ابن حبيب] (٢) في "الواضحة": عن عدد من الصحابة والتابعين أنهم يستحبون أن تكون الأضحية بكبش عظيم سمين فحل أقرن أملح ينظر في سواد، ويسمع بسواد ويشرب بسواد، ويؤيده تقديم الضأن على الإبل والبقر ظاهر القرآن في قصة إبراهيم ﵇، قوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧]، قيل: فداه بكبش، وهو القربان الذي تقبل من ابن آدم. وأما الصفة التي يجب أن تكون عليها [الأضحية] (٣) في ذاتها: فهي أن تكون سمينة صحيحة، سالمة من العيوب التي نص الشارع عليها، وقد سئل ﷺ عن ما يتقي من العيوب في الضحايا، فأشار بيده، وقال: "أربع العرجاء البين ضلعها، والعوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها والعجفاء التي لا تنقي"، فقيل: التي لا شحم فيها، وقيل: التي لا مخ فيها. فإن كان فيها عيب كثير سوى هذه الأربعة المنصوص عليها، هل تجزئ معه أو لا تجزئ؟ قولان: أحدهما: أنها لا تجزئ، وهو قوله في "المدونة" وغيرها، وهو مشهور المذهب. والثاني: أنها تجزئ، وهو مذهب البغداديين من أصحاب مالك،

стр. 1256

كالقاضي أبي الحسن بن القصار و [ابن الجلاب] (١) وغيرهما. وسبب الخلاف: الأربعة المنصوص عليها، هل هي في معنى الحصر أو في معنى [الأصل] (٢) فليقاس عليها؟ فمن فهم أن ذلك في معنى الحصر، قال: إنها تجزئ وغير هذه الأربعة لا تؤثر، وهذا هو الظاهر من اللفظ أنه ﷺ سئل ما الذي يتقي فيها [من] (٣) العيوب؟ فنص على الأربعة، ولم يكتف بذكرها [وعددها] (٤) حتى نعتها ووصفها بصفةٍ تخرج [غيرها] (٥) من العدد المحصور. ومن فهم منه أن ذلك في معرض الأصل، قال: يجوز القياس عليها، لأن مقصود الشارع اجتناب ماله قدر وبال من سائر العيوب، لأن المراد من اجتناب هذه العيوب [المعدودة] (٦) تأثيرها في نقصان الشاة المضحى بها لا غير ذلك، فمهما وجد عيب يعمل مثل ذلك أو أكثر منه، فما المانع أن يناط به الحكم؟، وهذا أظهر من طريق النظر. فإذا ثبت ذلك، فالعيوب على ضربين: عيب يعم جميع الجسد، وعيب يخص بعض الجسد: ولا يعم فالعيوب التي تعم جميع الجسد كالمرض والعجف والهرم والجرب والجنون: أما المرض والعجف البين، فقد أحكمتها الحسنة، والجرب كالمرض، لأنه

стр. 1257

يفسد اللحم، إلا الجرب القليل [الخفيف] (١) الذي لا يؤثر في الهزال [ولا] (٢) في فساد اللحم. وأما الهرمة فإنها تجزئ إذا كان خفيفًا، وإن كان هرمًا بينًا، فهو كالمرض، وهو قول أصبغ إذا كان هرمًا بينًا، وهو تفسير لقول مالك في "كتاب محمد"، حيث يقول. "تجزئ الهرمة"، فأطلق. وأما المجنونة: فإن كان لازمًا لم يجزئ، ولا يتقرب إلى الله تعالى بمثل هذه. وإن كان يعرض المرة، ثم يذهب فذلك خفيف. وأما العيوب التي تخص ولا تعم، فمنها العور، فإن ذهب الانتفاع بتلك العين، أو أكثرها لم تجزئ، وإن ذهب أيسر ذلك أجزأته، وكذلك إن ذهب الأكثر من كل عين. وأما ما يكون في الأذن، كالشرقاء والخرقاء والمقابلة والمدابرة والسكاء والجدعاء: [والخرقاء: المثقوبة الأذن] (٣) والشرقاء: المشقوقة الأذن. والمقابلة: ما قطع من أذنها من قبل وجهها. والمدابرة: ما قطع من قبل قفاها. والسكاء: الصغيرة الأذن. والجدعاء: المقطوعة الأذن. فهذه العيوب ما كان منها يسيرًا، فلا يمنع الإجزاء اتفاقًا، كقطع دون الثلث من الأذن، وما كان منها كثيرًا، هل يؤثر في المنع أم لا؟ قولان، وقد

стр. 1258

قدمناهما. فعلى القول بأنه يؤثر، وهو المشهور إذا ذهب أذناها أو أكثرهما أو واحدة منهما، بكليتها أو أثرها، فإنها لا تجزئ، فالنصف [منها] (١) في حيز الكثير، ودون الثلث في حيز اليسير. واختلف في الثلث، على قولين قائمين من "المدونة". أما ابن حبيب قال: "الثلث من الأذن كثير كالثلث من الذنب كثير". وقال ابن المواز: "النصف كثير من غير أن يحد فيه حدًا".، وظاهر قوله: يشعر أن الثلث في حيز اليسير، كما قال في غير ما موضع من "المدونة". قال اللخمي: "والشق أيسر من الشَّيْنِ من القطع، لأن جميعها موجود في الشق، ولم ينتقص من خلقتها شيء بخلاف القطع، وأرى أن تجزئ، وإن بلغ بالشق النصف" انتهى كلامه. [قال المؤلف] (٢) وأما في ذهاب الأسنان، فلا يخلو ذهابها من ثلاثة أوجه: إما أن يكون بكسر أو بإثغار أو لكبر: فإن كان ذهابها بكسر: فإن كان يسيرًا، كسن واحدة: "فتجزئ". وإن كثر الكسر: فلا تجزئ، وهو قول ابن حبيب في الكسر، وهو قول محمد في السن الواحدة. وقيل: إنها لا تجزئ ولا يضحى بها، وهو قول مالك في "المبسوط".

стр. 1259

وإن كان من أثفار: جاز. وإن كان من كبر، فقولان: أحدهما: أنها تجزئ، وهو قول مالك في "كتاب محمد": إذا سقطت أسنانها من أثغار أو هرم أو وجع، فلا بأس بها. والثاني: أنها لا تجزئ، وهو قول ابن حبيب. أما المكسورة القرن: فقد اختلف فيها المذهب على أربعة أقوال: أحدها: أنه يجوز أن يضحى بها، وإن كانت مستأصلة القرنين، وهو قول ابن المواز. والثاني: لا يجوز أن يضحي بعضباء، وهي المكسورة القرن الخارج والداخل، وإن لم يدمي، وإن ذهب الخارج وبقى الداخل صحيحًا: فإنها تجزئ، وهو قول ابن حبيب [في المدونة] (١). و [القول] (٢) الثالث: [بالتفصيل] (٣) أنه إذا ذهب البعض، وكانت لا تدمى: جاز أن يضحي بها، وإن كان يدمي: فلا يجوز، وهو قول ابن القاسم في "المدونة". والرابع: أنها تجزئ، وإن كان يدمى، وهو قول أشهب في "مدونته"، وهذا [الخلاف] (٤) ينبني على الخلاف في المرض الخفيف وفي [الشق] (٥) الخفيف، هل يؤثر أم لا؟ ولا أعلم في المذهب نص خلاف في الجماء أنها تجزئ، فإذا جاز أن [يضحي بها] (٦)، وقد خلقت بلا قرن.

стр. 1260

فكذلك يجوز أيضًا أن يضحي [بها] (١) إذا قطعا، فكما أنها إذا خلقت بغير أذنين: أنها لا تجوز، فكذلك إذا [قطعتا] (٢). وسبب الخلاف: في جميع ما قدمناه من قطع الأذن والقرن تعارض الآثار: فمن ذلك ما خرجه النسائي عن أبي بردة أنه قال: يا رسول الله: أكره النقص يكون في القرن والأذن، فقال له رسول الله ﷺ : "ما كرهته فدعه ولا تحرمه على غيرك". ويعارضه ما روى عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرق العين والأذن ولا نضحي بشرقاء ولا بخرقاء ولا مقابلة ولا مدابرة ولا بتراء"، وهذا خلاف قصة أبي بردة. وقد يمكن الجمع بين الحديثين، فيحمل ما قال في حديث علي ﵁ على ما كثر من ذلك، وحديث أبي بردة على ما كان يسيرًا. وأما التي يبس ضرعها [كلها] (٣)، فلا يضحي بها. وإن يبس البعض وسلم البعض: فلا بأس أن يضحي بها، وهو قول مالك في "كتاب محمد" [والحمد لله وحده] (٤).

стр. 1261

المسألة الثالثة في وقت ذبح الأضحية قال مالك: "الأيام التي يضحي فيها يوم النحر، ويومان بعده إلى غروب الشمس من آخرها". قال محمد: "وقاله علي بن أبي طالب ﵁ وابن عباس وابن عمر وأنس وكثير من التابعين رضوان الله عليهم أجمعين". وأما ما روي عن عمر بن عبد العزيز وعن الحسن ﵄: أن الأضحية ثلاثة أيام بعد يوم النحر، فقد عيب ذلك. وقد قال يونس أن الحسن قال: "الشهر كله". قال مالك: "يوم الحج الأكبر يوم النحر". قال غيره: "سمى بذلك لأن المشركين كان يقف بعضهم بعرفة، وبعضهم بالمشعر ثم يأتي [من عرفة] (١) فيقف يوم النحر [بالمشعر] (٢)، فصار اجتماعهم فيه، فأمر أن ينذرهم بسورة براءة في أكبر مجتمعهم، وشيء آخر أن ليلة هذا اليوم من طلع عليه فجرها، ولم يقف بعرفة، فقد فاته الحج والليلة من اليوم، وهذه الأيام تنقسم إلى معدودات ومعلومات: قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، وقال سبحانه: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨]. فقال علماؤنا: "أيام الرمي معدودات وأيام النحر معلومات". وقال ﷺ : "أيام مني ثلاثة، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه"، فاليوم الأول معلوم

стр. 1262

غير معدود في أيام مني، لأن أوله للمشعر الحرام وآخرها لمنى فلما لم يخلص [بمنى] (١) لم يعد"، وقال بعضهم: "الأيام المعلومات والأيام المعدودات أربعة، فيوم منها معلوم غير معدود، وهو اليوم الأول، معلوم بالنحر غير معدود في الرمي، لأنه لا يرمي فيه إلا جمرة العقبة، والرابع معدود غير معلوم، معدود في الرمي لمن لم يتعجل، غير معلوم [بالنحر] (٢)، و [منها] (٣) يومان معدودان معلومان، وهما اليومان اللذان بعد يوم النحر، وهذا العقد قريب من الأول، وتسمى أيضًا أيام التشريق. واختلف في سبب تسميتها بهذا الاسم: فقيل: سميت بذلك لأجل الصلاة، لأن الصلاة للعيد تصلى عند شروق الشمس، وسميت سائر الأيام باسم أولها، وقد روى عنه ﷺ أنه قال: "من ذبح قبل التشريق أعاد". وقيل: سمي بذلك لأنهم كانوا لا يذبحون فيها إلا بعد شروق الشمس، وهو قول ابن القاسم: "أن الأضحية لا تذبح في اليوم الأول ولا في الثاني حتى تحل الصلاة". وخالفه أصبغ: في غير اليوم الأول، وقد سميت بذلك لأن الناس يشرقون فيها لحوم ضحاياهم، أي: ينشرونها لئلا تتغير. وقيل: سميت بذلك، لأن الناس يبرزون فيها إلى المشرق، وهو المكان الذي يقوم الناس فيها بمنى. وأما وقت ذبح الأضحية: فوقتها بعد الصلاة، وبعد ذبح الإمام إن كان

стр. 1263

هناك إمام يجب انتظاره. فإن لم يكن هناك إمام، فليتحروا صلاة أقرب الأئمة إليهم، والإمام الذي أمر بانتظاره، ووجب على الناس الاقتداء به، هو: الإمام الذي تؤدي إليه الطاعة إذا كان متبعًا للسنة والجماعة أو من أقامه في بلده أو بعثه عاملًا على بلد من بلدان مملكته. فمن صلى معه أو مع عامله، فلا يخلو الإمام حينئذ من وجهين: أحدهما: أن يخرج بأضحيته إلى المصلى، ويذبحها بعد فراغه من الصلاة، [والثاني] (١) ألا يخرجها: فإن أبرزها وأخرجها إلى المصلى: فهذا لا خلاف أن من ذبح قبله يعيد لأنه لم يقصد إلا [العناد] (٢). وذبح آخر قبله، فلا يخلو الإمام من أن يبادر بالذبح من غير توان ولا تفريط أو بتوان وتفريط. فإن لم يكن منه توان ولا تفريط، فسبق أحد فذبح قبله، فهذا تجب عليه الإعادة مثل الأول. وإن كان من الإمام توان وتفريط؛ حتى تجاوز ما يذبح [في مثله] (٣) الإمام، فهل تجب الإعادة على من ذبح قبله أم لا؟ قولان: أحدهما: أنها تجزئه ولا إعادة عليه، وهو قول أبي مصعب وابن الجلاب. والثاني: وجوب الإعادة، وهذا القول مخرج غير منصوص [عليه] (٤).

стр. 1264

وسبب الخلاف: نهيه ﷺ عن الذبح قبل الإمام، هل هو معقول المعنى أو غير معقول المعنى؟ فمن رأى أنه معقول المعنى، قال: لا يعيد إذا كان من الإمام توان، لأن ذلك رضا منه بإسقاط حقه. ومن رأى أنه غير معقول المعنى، قال: إنه يعيد، وإن توانى الإمام. وأما من لم يصل معه، إما لتخلفه عن الصلاة لعذر أو لغير عذر، وإما لكونه من أهل البادية ممن بعد عن الإمام. فأما من هو قريب من الإمام غير أنه لم يشهد الصلاة معه فذبح بالتحري، ثم ظهر له أنه ذبح قبله، فهل تجزئه أو يعيد؟ قولان: أحدهما: أنه يعيد، وهو المشهور. والثاني: أنه لا يعيد وتجزئه، وهو ظاهر قول ابن الجلاب. والصحيح: أنه يعيد، لأنه مخاطب بالصلاة مع الإمام، فيدرك ذلك بالمشاهدة. وأما من كان بالبادية ممن بعد عن الإمام: فإنهم يتحرون صلاة أقرب الأئمة إليهم وذبحه: فإن تبين لهم أنهم أخطؤوا، فهل تجزئهم أو يعيدون؟ قولان: أحدهما: الإجزاء، وهو قوله في "المدونة" وهو المشهور. والثاني: الإعادة، وهو قول أشهب في "كتاب محمد". وسبب الخلاف: المجتهد، هل يعذر باجتهاده أم لا؟ ووقت الذبح: في أيام الذبح من الضحى إلى زوال الشمس، فإن أجزأه ذبح قبل طلوع الشمس وبعد الفجر: أجزأه إذا كان ممن لا إمام له من أهل

стр. 1265

البادية أو من غيره، ولم أر نصًا في هذه المسألة أيضًا، والذي ذكرناه هو الذي تقتضيه مسائل المذهب. وأما من ذبح أضحيته بالليل، فهل تجزئه أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يعيد ولا يجزئه ما ذبح، وهو قول مالك المشهور [عنه] (١). والثاني: أنه يجزئه، وهذا القول حكاه ابن القصار عن مالك في [كتاب] (٢) "عيون الأدلة". وينبني الخلاف فيها على الخلاف في الأيام والليالي إذا خصصت، بالذكر، هل يفيد ذلك تخصص الحكم بها دون السكوت عنه أو المسكوت عنه يندرج تحتها ضمنًا؟، وقد وقع في "المدونة" مسائل تدل على الأمرين جميعًا. وقد قال في "كتاب الاعتكاف": فيمن نذر اعتكاف يوم لزمه يوم وليلة، وكذلك إذا نذر اعتكاف ليلة: لزمه يوم وليلة، وقد ذكر الله الأيام مع الليالي، فقال تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر]، فجعل الأيام مندرجة تحت الليالي". وقال في "كتاب الصيام" فيمن نذر أن يصوم [اليوم] الذي يقدم فيه فلان، فقدم ليلًا: أنه يصوم صبيحة تلك الليلة. واختلف إذا زالت الشمس من اليوم الأول قبل أن يذبح، هل التأخير إلى اليوم الثاني أفضل أو بقية هذا اليوم أفضل؟ على قولين: أحدهما: أن بقية هذا اليوم أفضل من التأخير إلى بكرة
следующие страницы →