← Фикх малики

Фикх малики · id 123685

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

الرجراجي، علي بن سعيد

Полный текст (4 240 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

المسألة الثالثة في وقت ذبح الأضحية قال مالك: "الأيام التي يضحي فيها يوم النحر، ويومان بعده إلى غروب الشمس من آخرها". قال محمد: "وقاله علي بن أبي طالب ﵁ وابن عباس وابن عمر وأنس وكثير من التابعين رضوان الله عليهم أجمعين". وأما ما روي عن عمر بن عبد العزيز وعن الحسن ﵄: أن الأضحية ثلاثة أيام بعد يوم النحر، فقد عيب ذلك. وقد قال يونس أن الحسن قال: "الشهر كله". قال مالك: "يوم الحج الأكبر يوم النحر". قال غيره: "سمى بذلك لأن المشركين كان يقف بعضهم بعرفة، وبعضهم بالمشعر ثم يأتي [من عرفة] (١) فيقف يوم النحر [بالمشعر] (٢)، فصار اجتماعهم فيه، فأمر أن ينذرهم بسورة براءة في أكبر مجتمعهم، وشيء آخر أن ليلة هذا اليوم من طلع عليه فجرها، ولم يقف بعرفة، فقد فاته الحج والليلة من اليوم، وهذه الأيام تنقسم إلى معدودات ومعلومات: قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، وقال سبحانه: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨]. فقال علماؤنا: "أيام الرمي معدودات وأيام النحر معلومات". وقال ﷺ : "أيام مني ثلاثة، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه"، فاليوم الأول معلوم

стр. 1262

غير معدود في أيام مني، لأن أوله للمشعر الحرام وآخرها لمنى فلما لم يخلص [بمنى] (١) لم يعد"، وقال بعضهم: "الأيام المعلومات والأيام المعدودات أربعة، فيوم منها معلوم غير معدود، وهو اليوم الأول، معلوم بالنحر غير معدود في الرمي، لأنه لا يرمي فيه إلا جمرة العقبة، والرابع معدود غير معلوم، معدود في الرمي لمن لم يتعجل، غير معلوم [بالنحر] (٢)، و [منها] (٣) يومان معدودان معلومان، وهما اليومان اللذان بعد يوم النحر، وهذا العقد قريب من الأول، وتسمى أيضًا أيام التشريق. واختلف في سبب تسميتها بهذا الاسم: فقيل: سميت بذلك لأجل الصلاة، لأن الصلاة للعيد تصلى عند شروق الشمس، وسميت سائر الأيام باسم أولها، وقد روى عنه ﷺ أنه قال: "من ذبح قبل التشريق أعاد". وقيل: سمي بذلك لأنهم كانوا لا يذبحون فيها إلا بعد شروق الشمس، وهو قول ابن القاسم: "أن الأضحية لا تذبح في اليوم الأول ولا في الثاني حتى تحل الصلاة". وخالفه أصبغ: في غير اليوم الأول، وقد سميت بذلك لأن الناس يشرقون فيها لحوم ضحاياهم، أي: ينشرونها لئلا تتغير. وقيل: سميت بذلك، لأن الناس يبرزون فيها إلى المشرق، وهو المكان الذي يقوم الناس فيها بمنى. وأما وقت ذبح الأضحية: فوقتها بعد الصلاة، وبعد ذبح الإمام إن كان

стр. 1263

هناك إمام يجب انتظاره. فإن لم يكن هناك إمام، فليتحروا صلاة أقرب الأئمة إليهم، والإمام الذي أمر بانتظاره، ووجب على الناس الاقتداء به، هو: الإمام الذي تؤدي إليه الطاعة إذا كان متبعًا للسنة والجماعة أو من أقامه في بلده أو بعثه عاملًا على بلد من بلدان مملكته. فمن صلى معه أو مع عامله، فلا يخلو الإمام حينئذ من وجهين: أحدهما: أن يخرج بأضحيته إلى المصلى، ويذبحها بعد فراغه من الصلاة، [والثاني] (١) ألا يخرجها: فإن أبرزها وأخرجها إلى المصلى: فهذا لا خلاف أن من ذبح قبله يعيد لأنه لم يقصد إلا [العناد] (٢). وذبح آخر قبله، فلا يخلو الإمام من أن يبادر بالذبح من غير توان ولا تفريط أو بتوان وتفريط. فإن لم يكن منه توان ولا تفريط، فسبق أحد فذبح قبله، فهذا تجب عليه الإعادة مثل الأول. وإن كان من الإمام توان وتفريط؛ حتى تجاوز ما يذبح [في مثله] (٣) الإمام، فهل تجب الإعادة على من ذبح قبله أم لا؟ قولان: أحدهما: أنها تجزئه ولا إعادة عليه، وهو قول أبي مصعب وابن الجلاب. والثاني: وجوب الإعادة، وهذا القول مخرج غير منصوص [عليه] (٤).

стр. 1264

وسبب الخلاف: نهيه ﷺ عن الذبح قبل الإمام، هل هو معقول المعنى أو غير معقول المعنى؟ فمن رأى أنه معقول المعنى، قال: لا يعيد إذا كان من الإمام توان، لأن ذلك رضا منه بإسقاط حقه. ومن رأى أنه غير معقول المعنى، قال: إنه يعيد، وإن توانى الإمام. وأما من لم يصل معه، إما لتخلفه عن الصلاة لعذر أو لغير عذر، وإما لكونه من أهل البادية ممن بعد عن الإمام. فأما من هو قريب من الإمام غير أنه لم يشهد الصلاة معه فذبح بالتحري، ثم ظهر له أنه ذبح قبله، فهل تجزئه أو يعيد؟ قولان: أحدهما: أنه يعيد، وهو المشهور. والثاني: أنه لا يعيد وتجزئه، وهو ظاهر قول ابن الجلاب. والصحيح: أنه يعيد، لأنه مخاطب بالصلاة مع الإمام، فيدرك ذلك بالمشاهدة. وأما من كان بالبادية ممن بعد عن الإمام: فإنهم يتحرون صلاة أقرب الأئمة إليهم وذبحه: فإن تبين لهم أنهم أخطؤوا، فهل تجزئهم أو يعيدون؟ قولان: أحدهما: الإجزاء، وهو قوله في "المدونة" وهو المشهور. والثاني: الإعادة، وهو قول أشهب في "كتاب محمد". وسبب الخلاف: المجتهد، هل يعذر باجتهاده أم لا؟ ووقت الذبح: في أيام الذبح من الضحى إلى زوال الشمس، فإن أجزأه ذبح قبل طلوع الشمس وبعد الفجر: أجزأه إذا كان ممن لا إمام له من أهل

стр. 1265

البادية أو من غيره، ولم أر نصًا في هذه المسألة أيضًا، والذي ذكرناه هو الذي تقتضيه مسائل المذهب. وأما من ذبح أضحيته بالليل، فهل تجزئه أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يعيد ولا يجزئه ما ذبح، وهو قول مالك المشهور [عنه] (١). والثاني: أنه يجزئه، وهذا القول حكاه ابن القصار عن مالك في [كتاب] (٢) "عيون الأدلة". وينبني الخلاف فيها على الخلاف في الأيام والليالي إذا خصصت، بالذكر، هل يفيد ذلك تخصص الحكم بها دون السكوت عنه أو المسكوت عنه يندرج تحتها ضمنًا؟، وقد وقع في "المدونة" مسائل تدل على الأمرين جميعًا. وقد قال في "كتاب الاعتكاف": فيمن نذر اعتكاف يوم لزمه يوم وليلة، وكذلك إذا نذر اعتكاف ليلة: لزمه يوم وليلة، وقد ذكر الله الأيام مع الليالي، فقال تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر]، فجعل الأيام مندرجة تحت الليالي". وقال في "كتاب الصيام" فيمن نذر أن يصوم [اليوم] الذي يقدم فيه فلان، فقدم ليلًا: أنه يصوم صبيحة تلك الليلة. واختلف إذا زالت الشمس من اليوم الأول قبل أن يذبح، هل التأخير إلى اليوم الثاني أفضل أو بقية هذا اليوم أفضل؟ على قولين: أحدهما: أن بقية هذا اليوم أفضل من التأخير إلى بكرة

стр. 1266

ثانية، وكذلك الثاني أفضل من الثالث، ولا فرق بين أوله وآخره، وهو قول ابن المواز. والثاني: أنه يؤخر إلى بكرة اليوم الذي يليه، وهو قول ابن حبيب، وأما اليوم الثالث إذا زالت الشمس قبل أن يذبح، فإنه يذبح ما بينه وبين العشاء الذي هو غروب الشمس. والحمد لله وحده.

стр. 1267

المسألة الرابعة في الأضحية، هل تجب بالتسمية أو لا تجب إلا بالذبح ؟ وقد اختلف المذهب عندنا في الأضحية، هل تجب بالتسمية أو لا تجب إلا بالذبح؟ على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أنها لا تجب إلا بالذبح، وهو المشهور المعلوم في المذهب. والثاني: أنها تجب بالتسمية والتعيين، فمتى سمى هذه أو عينها، فإنها تجب كالهدى، وهو مذهب البغداديين من أصحاب مالك، على ما نقله أبو الفضل عياض. وفائدة الخلاف وثمرته: إذا أراد [بيعها] (١) أو بدلها بغيرها بعد التسمية أو ولدت أو جز صوفها أو حدث بها عيب أو ماتت قبل الذبح أو غير ذلك من [الأحكام] (٢) التي تعتريها، وتختلف باختلاف التعيين وعدمه. و [قد] (٣) نص [في] (٤) "المدونة" وغيرها: أنه يجوز أن يبيع أضحيته ويشتري مثلها أو ما هو خير منها، وكذلك الاستبدال أيضًا: فإذا باعها واشترى من ثمنها ما هو خير [منها من ثمنها] (٥) واستفضل من ثمنها شيئًا، هل يجوز له ذلك أو لابد أن يشتري بجميع ثمنها؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يشتري بجميع الثمن ولا يستفضل منه شيئًا، وهو قول ابن

стр. 1268

القاسم في "المدونة". والثاني: أنه يجوز [له] (١) أن يتصدق بما بين القيمتين، إذا أبدلها بدونها، [ويفضل] (٢) الثمن إذا اشترى مثلها أو أفضل منها أو دونها مما تجوز مثلها في الضحايا. فإن شح في الوجهين، صنع بالفضل ما أحب، وهو قول ابن حبيب [قال:] (٣)، وقال بذلك [جل] (٤) من لقيت من أصحاب مالك. ومثار الخلاف فيها، الخبر المروي عن النبي ﷺ : أعطي حكيم بن حزام دينارًا يشتري به أضحيته، فابتاعها بدينار ثم باعها بدينارين، فاشترى أخرى بدينار، وأتى النبي ﷺ بها وبالدينار، فتصدق به ﷺ ، ودعا له بالبركة". فمن صح عنده هذا الحديث: عمل بمقتضاه. ومن لم يصح عنده الحديث: منعه من إصراف الفضلة في غير الوجه الذي قصد بتلك القربة ونواها. ولا جرم أن ابن القاسم قال: "أنكر مالك هذا الحديث"، وقال مالك في الأضحية إذا ولدت: "إن ذبح ولدها معها فحسن" [ثم عرضتها عليه فقال: امحه واترك منها إن ذبح معها فحسن] (٥). قال ابن القاسم: "وأنا لا أرى ذلك عليه بواجب، فتأمل قوله واترك منها: "إن [ذبح] (٦) معها فحسن"، فإذا ترك الاستحسان [فكأنه] (٧) لم يبق

стр. 1269

إلا الوجوب. [ويدل] (١) عليه قول ابن القاسم: "وأنا لا أرى ذلك عليه بواجب"، فالذي يدل عليه هذا الظاهر: أن ذبح الولد مع أمه واجب، إلا أنه لم يصر إلى ذلك أحد من أهل المذهب"، ولا متقدم ولا متأخر. قال أشهب في كتاب محمد: "لا أرى أن يضحي به ولا يحل". و [قال] (٢) في "مدونته": "وليس ذلك مثل الهدى، والهدى بمنازلة المدبرة ولدها بمنزلتها"، يريد أن الأضحية لا تجب إلا بالذبح، وكان الولد ملكًا له، ولا يجوز له أن يضحي بدون السن [المشروعة] (٣)، فإن بعد ما بين الولادة والذبح، ما جاز أن يذبحه على وجه الأضحية، وهو قول مالك: "إن ذبح معها فحسن"، مراعاة القول بأنها تجب بالتسمية، ثم [أنه] (٤) نظر واجتهد فبقى على صميم مذهبه أنها لا تجب إلا بالذبح، فقال: "امحها واترك ما ذكرت لك من الاستحسان، لأن ذبحه معها ليس [بمستحسن] (٥) إنما هو أمر مباح، إن شاء فعل وإن شاء ترك". والمحو: عبارة عن ترك العمل بما سمع، لأنه محو من الكتاب، لأن ابن القاسم ما كان يعلق عنه في كتاب، إنما هي أسئلة يلقيها من صدره هو أو يلقيها غيره، فيأخذ [عليها] (٦) الجواب لا غير والمسائل الممحوات من "المدونة" أربع منها هذه المسألة، والثانية في "كتاب النذور" فيمن حلف لا يكسو امرأته، فافتك لها [ثوبًا] (٧) من الرهن، قال مالك: "يحنث".

стр. 1270

قال ابن القاسم: [ثم] (١) عرضتها [عليه] (٢)، فقال: "امحها، وأبى أن يجيب عنها". قال ابن القاسم: ينوي، فإن كانت يمينه ألا يهب لها ثوبا، ولا يبتاعه لها: لم يحنث، وإن لم تكن له نية: لم يحنث". والثالثة: في "كتاب النكاح الثاني" في نكاح المريض والمريضة، وقد قال مالك: "إن نكاحها مفسوخ، وإن صحا دخل بها أم لا. قال ابن القاسم: ثم عرضتها عليه"، فقال: "امحها، وأرى أنهما إذا صحا ثبتا على نكاحهما". والرابعة في "كتاب القطع في السرقة" فيمن سرق ولا يمين له أو له يمين شلاء: قال مالك: "تقطع رجله اليسرى". قال ابن القاسم: "ثم عرضتها عليه"، فقال: "امحها" [وأرى أن تقطع يده اليسرى] (٣)، وتأول قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. وأما لبن الأضحية، فقد اختلف فيه المذهب على قولين: أحدهما: أنه لا يشربه، فإن كان معها ولدها: فلا يتعرض له، وإن لم يكن معها ولدها، وكان اللبن يضر بها في ضرعها، وأروى الولد وأضر بها ما بقى بعد ريه، فإنه يتصدق به ولا يأكله، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" في "كتاب الضحايا" و"كتاب الحج". والثاني: أن يصنع به ما شاء [وأن يشربه] (٤)، ويحرم منه ولدها، وهو

стр. 1271

قول أشهب في "مدونته". وأما جز صوفها قبل الذبح، فقد اتفق ابن القاسم وأشهب: أنه يمنع من جزه، لأن فيه جمالًا لها في الابتداء، وسحنون: بعد الوقوع. واختلف إذا فعل وجزها، على قولين: أحدهما: أنه ينتفع به ولا [يبيعه] (١)، وهو قول ابن القاسم في "كتاب محمد" و"العتبية". والثاني: أنه يبيعه ويأكل ثمنه، وهو قول أشهب في الابتداء، وسحنون بعد الوقوع. [وأما ما بعد الذبح]، فلا خلاف في المذهب أنه لا يجوز [له] (٢) أن يبيع منها شيئًا لا لحمًا ولا جلدًا ولا صوفًا ولا [شعرًا] (٣)، لأنها بالذبح صارت قربة لله تعالى، ومن باع شيئًا منها [نقض] (٤) بيعه مع القيام. فإن فات، فما الحكم في ثمنه؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يتصدق به ولا يأكله، وهو قول ابن القاسم. والثاني: أنه يجعل ثمن اللحم في طعام يشتريه ويأكله، وثمن الجلد في ماعون أو طعام، وهو قول سحنون. والثالث: أنه يصنع بالثمن ما شاء، وهو قول محمد بن عبد الحكم، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "كتاب الحج": فيمن نذر هديًا للمساكين وذبحه بعد أن بلغ محله، قال: "يستحب له ترك الأكل منه".

стр. 1272

فإن أطعم منه غنيًا أو فقيرًا أو نصرانيًا: لم يكن عليه شيء، وقد وقع لسحنون في كتاب "النوادر": ما يدل على جواز بيع جلد الأضحية، وهو قوله: وللرجل أن يؤاجر جلد أضحيته"، [وقال: كجلد] (١) الميتة". قال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد: "إذا دبغ، ولا فرق بين بيع الأعيان وبين بيع المنافع على ظاهر المذهب". وأما من سرقت [رؤوس] (٢) ضحاياه من الفرن أو ضاع الجلد عند الدقاق أو استهلكه، قال ابن القاسم: "استحببت له [أخذ القيمة] (٣) وأن يصنع به ما شاء من أكل أو صدقة أو شراء ما يحتاج إليه، كما لو تعدى رجل على لحم رجل، فاستهلكه. فله أن يأخذ من المتعدي ما شاء من حيوان أو طعام"، وهو قول ابن الماجشون أيضًا. وأما ابن القاسم: فاستحب ألا يغرم من جلد الأضحية ولحمها ورأسها شيئًا، [وكأنه رأى أخذ] (٤) العوض بيعًا، وما قاله عبد الملك أقيس كأم الولد إذا قتلت. وأما إن مات عن أضحيته أو قام عليه الغرماء، فلا يخلو من أن يموت قبل الذبح أو بعده: فإن مات قبل الذبح، كانت ميراثًا وتباع في الدين، إن كان على الميت دين. وإن مات بعد الذبح، فلا حق فيها للغرماء، كالأمة إذا اشتراها وعليه

стр. 1273

دين، فإن للغرماء أن يبيعوها في دينهم قبل الإيلاد، فإذا أولدها لم يكن ذلك لهم. فإذا قلنا أنه لا حق فيها للغرماء: فإنها تكون للورثة، يأكلونها، وهل [تكون بينهم] على السواء أو على قدر مواريثهم؟ قولان: أحدهما: أن أكلهم فيها [بالسواء] (١)، الذكر والأنثى، [وذو السهم والعاصب] (٢)، وهو قول ابن القاسم. والثاني: أنهم يقتسمونها على [قدر] (٣) فرائضهم في الميراث، وهو قول أشهب. واختلف فيمن تصدق عليه بلحم الأضحية أو بجلدها، هل يجوز له بيعه أم لا؟ على قولين: أحدهما: الجواز، وهو قول أصبغ. والثاني: المنع، وهو قول محمد في كتابه. تم كتاب الأضحية بحمد الله [وحسن عونه] (٤) ويتلوه كتاب النكاح

стр. 1274

كتاب النكاح الأول

стр. 1275

كتاب النكاح الأول بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تحصيل مشكلات هذا الكتاب وجملتها ست عشرة مسألة: المسألة الأولى في اشتقاقه وأصل النكاح في وضع اللغة: الجمع والضم، قالوا: أنكحت البذر في الأرض: إذا حرثته فيه، ونكحت الحصا أخفاف الإبل: إذا دخلت فيها، ثُمَّ استُعمل في الوطء. وهو [عرف الشرع] (١) ينطلق على العقد؛ لأنه بمعنى الجمع وما له [في] (٢) الوطء، وقد جاء في كتاب الله تعالى، قال: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٣)، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ (٤)، وقال: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى﴾ (٥)، وقال جل وعلا: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ (٦). ويبعد أن يكون "النكاح" المذكور، المراد به: الوطء، إذ الوطء بغير عقد نكاح محرمٌ شرعًا.

стр. 1276

وقد يرد والمراد به: الوطء بعينه، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (١)، وكذلك أيضا قوله سبحانه: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَة﴾ (٢)، على الخلاف بين العلماء في التأويل. ويُطلق والمراد به: الصداق، قال الله : ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٣)، أي: لا يقدرون على الصداق لعُسرهم، وذلك أيضا على أحد التأويلات، وهو من الأسماء المشتركة. والحمد لله وحده.

стр. 1277

المسألة الثانية في الشغار وحكمه - والشِّغَار في اللغة يُطلق ويراد به: الرفع، يقال: شغر الكلب، إذا رفع رجله ليبول، وذلك أنه لا يفعل ذلك إلا إذا كبر وبلغ حد الوثوب على الإناث. - ثم استعلموه: فيما يُشبه، وقال: شَغَر الرجل المرأة إذا فعل بها ذلك للجماع، وشَغَرَت هي أيضا: إذا فعلته. - ثم استعملوه في النكاح لارتفاع الصداق من العقد. - ويطلق أيضا والمراد به: الخلو، يقال: [بلد] (١) شاغر: إذا كان [خاليًا] (٢) من السلطان، ثم استعمل ذلك في النكاح لخلوه [من] (٣) الصداق. وقد أجمع العلماء [﵏] (٤) على تحريم الشِّغار، ثم اختلفوا فيه بعد وقوعه، واختلف مشايخنا في علَّة تحريمه، هل هي لفساد عقده لكون كل يضع صداقا للآخر، فهو للزوج غير تام الملك، [لمشاركته] (٥) من أصدقته لحقها فيه، فكان كمن زوج وليته من رجلين [أو] (٦) تزوَّج

стр. 1278

نصف امرأة أو عقد بيعًا في سلعة من رجلين، على أنَّ لكلّ واحدٍ منهما جميع السلعة، وذلك كله مما لا يصح فيه العقد. وعلى هذا حملوا قوله المشهور بفسخه "قبل وبعد"، إذ هو أصله فيما فسد لعقده، فيما حكاه البغداديون عنه في الأشهر من القول. وعلى ما في "كتاب ابن عبد الحكم" من الخلاف فيما فسد لصداقه. ومنهم من جعل علَّة فسخه لجمعه الفسادين، فساد في الصداق وفساد في العقد. ومنهم من قال: إنما اختلف قولهُ فيه، للاختلاف في النهي هل يدلُّ على فساد المنهي عنه أم لا؟، وهو تأويل أبي عمران الفاسي. ومنهم من قال: إنما اختلف لاختلافهم في معنى الشِّغار، وهو تأويل القاضي [إسماعيل] (١)، وهو أضعف التأويلات. ومنهم من قال: أن [علة فساده] (٢) عروه من الصداق واشتراطهما ذلك، وهو تأويل القاضي إسماعيل. فعلى هذا يأتي القولان المنصوصان له في "كتاب النكاح الثاني" فيمن شرط ألا صداق عليه، وإلى هذا التأويل نحا أبو الوليد الباجي. وقال القاضي أبو الفضل: وتفريق مالك بين صريح الشِّغار ووجه [لا يدلَّ] (٣) عندي على هذا، إذ لو كان فساده لأجل فساد الصداق مجردًا، لكان جوابه فيهما سواء، إذ العِلَّة موجودة فيهما.

стр. 1279

وإن كان لفساد العقد، فكذلك أيضا يجب أن يكون الجواب فيهما واحد، لمشاركة كل [واحدةٍ] (١)، زوج [الأخرى] (٢) في بضعها. وقد يحمل الخلاف فيهما: إما على الخلاف في فساد الصداق إذ عدمه كفساده، أو على الفساد في العقد إذ خلو العقد عن الصداق أو التفويض فيه، وشرط إسقاطه خلل ببعض أركانه، فأدى ذلك إلى فساده، وبه [علل] (٣) ابن حبيب. و [قد] (٤) قال بعض المتأخرين من البغداديين: أن المعقود به إذا كان فاسدًا وجب فساد العقد، ويتخرج [قوله] (٥) على الوجهين: فمرة غلب فساده للصداق، فقال بإمضائه بعد الدخول [ومرة غلب فساده] (٦) للعقد [فرده] (٧) أبدًا، وإن دخل. وقد أشار [أبو محمد] (٨) عبد الحميد السوسي إلى أنه يتخرج من الكتاب على التعليل، فسخ نكاح الشغار بأنَّ العلة فيه [فساده] (٩) لعقده، قول فيما فسد لصداقه يفسخه أبدا، كما قال البغداديون، وقال أبو القاسم السيوري: أنَّه يتخرج من قوله: أن فيه الميراث، وأن الفسخ فيه بطلاق قول

стр. 1280

ثالث أنَّه يمضي بالعقد، كمذهب المخالف، وخرَّج هذا القول غيره، على أحد قولي مالك فيما اختلف الناس فيه أنه يمضي ولا يرد وإن نزلوه ووقوعه [كحكم] (١) حاكم، وهو تخريج بعض البغداديين. وهذا الذي قاله البغداديون [بعيد] (٢)، وتخريج السيوري أقرب، وذلك أن فوات ما اختلف فيه [بالعقد] (٣)، إنما هو فيما اختلف فيه ابتداء في إجازته أو منعه. وإذا وقع فهل وقوعه فوت أم لا؟ وأما الشِّغَار فمتفق على منعه ابتداء للنهي الوارد فيه، وقد قيل: إن العقد في [مثل] (٤) هذا فوات للنكاح، لوقوع [الموارثة] (٥) والحرمة، وأحكام كثيرة بنفس العقد فيه، فأشبه اختلاف الأسواق المفيتة للعقود الفاسدة في البيوع. فهذا ما قيل في هذه المسألة على الجملة. وأما من حيث التفصيل، فنقول وبالله التوفيق: لا خلاف في نكاح الشِّغَار أنه لا يجوز [ابتداءً] (٦). فإن وقع ونزل، هل يفسخ أو لا يفسخ؟ على أربعة أقوال كلها قائمة من المدوّنة:

стр. 1281

أحدها: أنَّه يفسخ قبل البناء وبعده، ولا فرق بين صريح الشغار ووجهه، وهذا على القول بأنَّ فساد الصريح في صداقه، ولاسيما [على] (١) تخريج السيوري وغيره من البغداديين. والثاني: أنه يمضي بالعقد دون الدخول، وهو تأويل أبي القاسم السيوري، ولا فرق بين الصريح ووجهه. والثالث: التفصيل بين الصريح والوجه، وهو نص [قوله في] (٢) الكتاب. والرابع: أنه يفسخ قبل البناء ويثبت بعده، وهو نص "المدونة" في وجه الشِّغَار، ولا فرق بين صريحه ووجهه، على القول بأنَّ العلة في [وجه] (٣) الفساد في الصداق، وهذا الكلام في فساد النكاح وصحته. وأما الصداق: فلا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن يدخل بهما جميعا. أو لم يدخل بواحدة منهما. أو دُخل بواحدة دون الأخرى. فإن دخل بهما جميعا، فلا يخلو من ثلاثة [أوجه]: إما أن لا يُسميا لواحدة منهما. أو سُميا لكل واحدة منهما.

стр. 1282

أو سميا لواحدةٍ دون الأخرى. فإن لم يُسم لواحدة منهما، فلكل واحدة منهما صداق مثلها، ولا خلاف في ذلك. وإن سميا لكل واحدة منهما، هل يكون لهما صداق المِثل أو الأكثر؟ فالمذهب على قولين قائمين من المدونة: أحدهما: أنّ لكلِّ واحدة صداق مثلها بالغا ما بلغ، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة"، ولا يلتفت إلى ما سميا، إن كان أقل من صداق المثل، وهو نص ما وقع لابن القاسم في "كتاب ابن أبي العمر" ومن قوله: "فإن بني بها كان لها صداق المثل، كان أقل من التسمية أو أكثر"، وهو أحد الأقوال في البيع والسَّلَف. والثاني: أن لها الأكثر من المسمى أو صداق المثل، وهو قول سحنون في بعض روايات "المدونة" [وهي رواية صحيحة] (١)، وهو قوله: "إلا أن يكون ما سميا أقل فلا ينتقصان من التسمية"، ثبت هذا اللفظ من قول سحنون في الأصل. واختلف: في تأويله: فمنهم: من جعله تفسيرًا لقول ابن القاسم، فيكون له في المسألة قولان، ويدل على ذلك تمثيل ابن القاسم [المسألة] (٢) بالتي تزوجت بمائة، [وبثمرة] (٣) لم يبدو صلاحها.

стр. 1283

ومنهم من [جعله] (١) خلافًا، وأنَّ ابن القاسم لا يقول به، إذ هو عقد فاسد عنده، [ففات] (٢) بالدخول، فيكون فيه صداق المثل ما بلغ، كسائر العقود الفاسدة. فعلى القول الثاني: أنَّ لهما الأكثر، إذ لم يبق للزوجين حجَّة، وإنَّما الحجَّة للنساء، تقول كل واحدة: جُعل مهري ما سمي لي ونكاح الثانية، فكان البضع بعض الصداق، فتبلغ مهر مثلها، والزوج وإن سمَّى أكثر من صداق المثل، ويحتج بأنه سيقول: إنما فعلت ذلك لرغبتي في تزويج وليَّتي، فيقال له: قد وصلت إلى غرضك، إذ قد ثبت لك ما أردت بالدخول، فلا حجة لك في ذلك. وإن سمَّى لواحدةٍ منهما دون الأخرى، [فللتي] (٣) لم يُسم لها صداق المثل [بالغًا] (٤) ما بلغ، ولا خلاف في ذلك. واختلف في التي سمى لها، هل يكون لها الأكثر أو صداق المثل؟ على قولين متأولين على "المدونة": أحدهما: أنّ لها صداق المثل بالغا ما بلغ، وعلى هذا اختصر الشيخ أبو محمد المسألة، قال: "ولكلِّ واحدة صداق المثل"، فسوَّى بينهما، وكذلك نقل ابن لبابة في المسألة على "المدونة"، وهو [قول] (٥) عيسى بن دينار في

стр. 1284

"المبسوط"، [كذا] (١) [فسرها] (٢) في سماع يحيى بن يحيى بن القاسم، وهذا على الأصل المتقدم، لأنا لو فسخنا نكاح التي لم يُسَّم لها بكل وجه بقيت حجة للزوج، فيما زاد، إذ لم يتم له غرضه في إمضاء نكاح وليته. والثاني: أنها يكون لها الأكثر، وهو تأويل بعض المتأخرين على "المدونة"، وقالوا: هو مراد الكتاب. وإن لم يدخل بواحدة: فلا صداق لها لا نصف ولا غيره، سمّى أو لم يُسم. وإن دخل بواحدة منهما دون الأُخرى، كان للمدخول بها صداق المثل. وعلى القول بأن النكاح يفسخ قبل البناء ويثبت بعده، هل يكون الفسخ فيه بطلاق أو بغير طلاق؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أن الفسخ في ذلك بغير طلاق، وهو ظاهر قول ابن القاسم في رواية البلّاغ. والثاني: أن الفسخ فيه بطلاق، وهو قول ابن القاسم أيضًا في، "المدونة" في قوله: "وأكثر الرواة [وعلى] (٣)، أن كل نكاح كانا مغلوبين علي فسخه، مثل: نكاح الشِّغَار ونكاح المحرم، وما كان صداقه فاسدًا، فأدرك قبل البناء: فالفسخ في ذلك [كله] (٤) بغير طلاق". والقول بأن الفسخ في ذلك بطلاق أصح، لأن الفسخ فيه على معنى

стр. 1285

الاستحباب لا على معنى الوجوب، لأن العقد لا يخلو من أن يقع صحيحا [أو فاسدًا، فإن وقع صحيحًا] (١) كيف يفسخ قبل البناء؟ وإن وقع فاسدًا كيف يصحِّحه البناء؟ لأن العقود الفاسدة لا يصحِّحها البناء، يدل ذلك، والحالة هذه: أن الفسخ استحباب. وقال بعض المتأخرين: "وفائدة الفسخ قبل البناء بطلاق عقوبة على الزوج، لئلا يعود إلى مثل هذا، وبيان العقوبة تفويت الغرض المقصود بالطلاق [والواقع] (٢) [فقيل له] (٣)، وقد يراجعها بنكاح جديد، فأجاب بأن قال: وقد لا ترضى بذلك إلا بزيادة المهر، وإن اتفق أن ترضي بذلك القدر أو بدون صداق المثل، فالطلاق في نفسه عقوبة، لاحتمال أن تكون بقيت عنده تطليقة [واحدة] (٤). فإذا فسخ [نكاحه] (٥) بطلاق حرمت عليه إلا بعد زوج، وقد [لا] (٦) يتقدم [منه] (٧) فيها طلاق إلا هذه التطليقة، فيتم [بها] (٨) العدد، ويدخل عليه بذلك ضرر على كلِّ حال، وإلى هذا ذهب أبو القاسم بن محرز. فإذا قلنا: أنَّ الفسخ فيه بطلاق، فهل يُشطر الصداق إذا كان مما يصح فيه الملك أم لا؟ فالمذهب على قولين:

стр. 1286

أحدهما: أنه لا يُشطر ولا يكون لها من الصداق شيء، وهذا نص المذهب. ويتخرج فيه قولٌ ثان: أنه يُشطر، ويكون لها النصف؛ لأنه طلاق وقع قبل البناء، ولا يُعترض على هذا القول بأن يقال: طلاق وقع [بغير] (١) اختياره، وإيثاره ولا يلزمه فيه الصداق، كما لو كان مجمعا على تحريمه، لأن الفسخ فيه على الاستحباب، والزوج قادر على تصحيحه بالدخول الذي هو من جنس مقدوره، فأشبه طلاق المعسر بالنفقة على أحد الأقوال، وهو ما لابن القاسم في "العُتبيَّة"، وهو إذا كان الصداق مما يمتلك، ويمكن تشطيره كما قَدَّمناه، مثل: أن يتزوجها بمائة دينار إلى أجل مجهول. وسبب الخلاف: اختلافهم في المرأة، بماذا تملك الصداق؟، هل تملكه بالعقد أو لا تملك بالعقد شيئًا، وإنما تملكه بالدخول أو نصفه بالعقد ونصفه بالدخول؟، على ما يأتي عليه البيان في كتاب "النكاح الثاني" إن شاء الله تعالى [وهو حسبنا ونعم الوكيل] (٢) [والحمد لله وحده] (٣).

стр. 1287

المسألة الثالثة في الولاية في النكاح ولا خلاف في مذهب مالك ﵀: أن الولاية مشروطة في النكاح، وأنها من شروط الصحة لا من شروط التمام إلا شيئا تأول على ابن القاسم: أن الولاية من شروط التمام، من قوله: أن الميراث بين الزوجين بغير ولي، ومن قوله في الدنية: يجوز أن تستخلف على نفسها أجنبيا يزوجها، وبمذهب مالك قال الشافعي خلافا لأبي حنيفة، والدليل على ما نقوله [ظاهر] (١) الآي والأخبار، على ما [لا] (٢) يسع هذا المجموع إيراده، وهي عندنا أعني، الولاية تنقسم إلى ولاية جبر وإلى ولاية إذن: فأما ولاية الجبر، فهي مختصة بالسادات في العبيد، صغارًا [كانوا] (٣) أو كبارًا، [أو] (٤) بالآباء في صغار بنيهم الذُّكور: من غير خلاف، والإناث: على الخلاف. وفي بنيهم الكبار الذكور [والإناث] (٥) على تفصيل وتحصيل، وبمن أقاموه مقام أنفسهم بعد وفاتهم. أما ولاية السادات في العبيد، فلا يخلو من وجهين:

стр. 1288

أحدهما: أن يكون السيد قد سبق فيهم [منه] (١) عقد من عقود الحرية أم لا، فإن سبق من السيد فيهم عقد من عقود الحرية، مثل: التدبير والكتابة والإيلاد والعتق إلى أجل، فهل [له إجبارهم] (٢) على النكاح أم لا؟ فالمذهب على أربعة أقوال: أحدها: أن له إجبارهم جملة، لأنهم إلى الآن على الرق، ولم يصيروا بعد الحرية. والثاني: أنه ليس له إجبارهم، [لأجل الشبهة] (٣) التي حصلت لهم من الحرية [بالعقد] (٤) الذي عقد لهم. والثالث: أن له جبر من له أن ينتزع ماله دون من ليس له أن ينتزع ماله، فيمنع من إجبار الكاتب والكتابة ومن إجبار أم الولد، والمُدَبَّر إذا مرض، ومن المعتق إلى أجل إذا قرُب الأجل، لأنه إذا لم يملك أن ينتزع ماله، فأحرى ألا يعقد عليه فيما يتعلق بالجبر. والرابع: أن له إجبار الذُّكران دون الإناث، لأن الذكران بأيديهم الطلاق، فيحلون عن أنفسهم، إذا صاروا إلى العتق بما عقد عليهم، وتوجيه كل [قول] (٥) مشار إليه عند الإيراد. فإن لم يسبق من السيد فيهم عقد من عقود الحرية، فلا يخلو من أن

стр. 1289

يقصد بذلك الضرر [بهم] (١) أم لا: فإن قصد السيد بعقد النكاح عليهم ضررًا، مثل الجارية المرتفعة [لها] (٢) الحال، يزوجها من عبد له أسود على غير وجه الإصلاح، فهذا لا يجوز، وهو قول مالك في "كتاب محمد". فإن لم يقصد بذلك ضررًا، فلا خلاف في مذهبنا أنّ للسيد أن يُجبرهم على النكاح، ذكرانًا وإناثًا، صغارًا وكبارًا؛ لأنها ولاية صحيحة لأجل الرق. وأما ولاية الآباء في الجبر، فإنها صحيحة في صغار ذكور أولاده جملة من غير تفصيل، حتى يبلغوا. فإذا بلغوا وظهر منهم الرشد سقطت عنهم ولاية الجبر بلا خلاف. فإن بلغوا وظهر منهم السفه، هل يسقط عنهم الإجبار أم لا؟ قولان قائمان من "المدونة": أحدهما: أنهم يجبرون ما دام السَّفه قائما بهم، وهو قول ابن القاسم. والثاني: أنهم لا يجبرون ولا ينكحون إلا برضاهم، وهو قول ابن الماجشون. فإذا قلنا: أن الأب يجبر ولده على النكاح، هل يحمل ذلك على المصلحة والسداد من [غير] اعتبار بظهور دلائل الصحة [أو لابد من ظهور دلائل الصحة] (٣)؟

стр. 1290

فظاهر المذهب: أن فعل الأب يُحمل على المصلحة [والسداد] (١) سواء ظهرت لنا أو خفيت، وإن [كان قد وقع في كتاب "إرخاء الستور" في "باب الخلع": إذا كان فيه الغبطة والسرور، كنكاحه من المرأة الموسرة، فظاهر] (٢) هذا [التقييد] (٣) يشعر بالخلاف. وأما صغار الإناث، فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن تكون بكرًا. والثاني: أن تكون ثَيبًا. فإن كانت بكرًا، فلا خلاف في المذهب [في] (٤) جواز الجبر، كصغار الذكور على سواء. وإن كانت ثيِّبًا، مثل: أن تكون قد تَأَيَّمت من زوج، وانقضت عدَّتها قبل [بلوغها، فهل يملك الجبر عليها أم لا؟ المذهب] (٥) على ثلاثة أقوال: أحدها: أن له إجبارها قبل البلوغ وبعده، ولا اعتبار لثبوتها، وهو قول سحنون. والثاني: أنها لا تجبر أصلًا، بلغت أم لا، وهو قول أبي تمام البغدادي. والثالث: أنها تجبر قبل البلوغ، فإذا بلغت سقط الجبر عنها، وهو قول

стр. 1291

أشهب في كتاب محمَّد. وسبب الخلاف: استنباط القياس من موضع الإجماع، وذلك أنهم لما أجمعوا على أن الأب [يجبر] (١) البكر [غير] (٢) البالغ، وأنه لا يجبر الثيب البالغ، إلا خلافا [شاذًا] (٣) روي عن الحسن، ثم اختلفوا في موجب الإجبار، هل هو البكارة أو الصغر؟ فمن قال: الصغر قال: لا تُجبر البالغ كما صار إليه الحنفي. ومن قال: البكارة قال: تجبر البكر البالغ، ولا تجبر الثيب الصغيرة. ومن قال كل واحد منهما يوجب الإجبار إذا انفرد، قال: تجبر البكر البالغ والثَّيِّب غير البالغ. وأما كبار الأولاد، الذكور والإناث: أما الذكور، فلا يخلوا من أن يكونوا رشداء أو سفهاء. فإن كانوا رشداء، فلا خلاف أنهم لا يجبرون؛ لأنهم مالكون أمر أنفسهم وأموالهم. وإن كانوا سفهاء، فهل يزيل الجبر عنهم البلوغ [أو لا يزيله] (٤)؟ قولان: وأما الإناث البوالغ، فلا يخلوا حالهن من أن يكن أبكارًا أو ثيبات: فإن كن أبكارًا، فلا يخلوا من ثلاثة أوجه:

стр. 1292

أحدها: أن تكون بكرًا في خدرها. [والثاني] أن: تكون بكرًا تأيمت من زوج. [والثالث] أن: تكون بكرًا معنَّسة. فإن كانت بكرًا في خدرها، غير معنَّسة في حالها، فلا خلاف في المذهب أن للأب أن يجبرها على النكاح، وهل يندب الأب إلى مؤامرتها أم لا؟ قولان: أحدهما: أنه يندب، وهو قوله في "كتاب محمَّد". والثاني: أنَّه لا يندب وأن ذلك أمر مباح [له] (١)، إن شاء فعل وإن شاء ترك، وهو ظاهر "المدونة". وسبب الخلاف: تعارض القول والفعل: أما القول، فقوله ﷺ : "البكر يستأذنها أبوها" (٢) خرجه مسلم. وأما الفعل، فما روي عنه [ ﷺ ] (٣) أنه زوج ابنته [من عثمان] (٤) ولم يستشرها على الرواية الصحيحة في الحديث، وفي بعض طرقه [ابنتيه] (٥)، والاستئمار أحسن، ليخرج من الخلاف، ويعقد نكاح ابنته، على وجه متفق عليه، وقد يكون بها من العيوب ما يخفى على الأب، بحيث لو أخبرها أو استأمرها، لأعلمته بذلك [العيب] (٦)، إما بواسطة أو

стр. 1293

بمباشرة. وإن كانت بكرًا قد تأيمت من زوج بطلاق أو موت، فهل للأب أن يجبرها على النكاح [أو ليس له أن يجبرها] (١)؟ فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن تكون قد تأيمت بقرب البناء. والثاني: أن تتأيم بعد طول. فإن تأيمت بقرب البناء وأنكرت المسيس، وادّعت بقاء البكارة وكذبها الزوج: فالقول قولها في بقاء البكارة، ولأبيها أن يزوجها كما يزوج البكر، لأنها أقرت بأن صنع الأب جائز لها، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" [ومعناه أن الأب صدقها فلو كذبها الأب لكان القول قوله، وهذا الذي قاله ابن القاسم] (٢) فيه نظر، وكيف يقبل قولها وقد تتهم [في بقاء نفقتها] (٣) على أبيها بما تدعيه من بقاء البكارة. فإن طالت المدة، فالمذهب [على قولين: أحدهما] (٤) أنها تجبر و [الثاني] (٥) أنها [لا تجبر وأنها] (٦) كالثيب على سواء. واختلف في حد الطول، على قولين: أحدهما: أن السُّنة طول الإقامة، وهو قول مالك في "المدونة". إذا طالت إقامتها معه، وشهدت مشاهد النساء، فلا يزوجها الأب إلا برضاها، وهل السُّنة طول بمجردها أو بإضافة مشاهد النساء إليها؟ [وظاهر "المدونة":

стр. 1294

أن السُّنة طول، بإضافة مشاهد النساء إليها] (١). والثاني: أن حد الطول زوال الحياء والانقباض. والقولان حكاهما القاضي عبد الوهاب في المذهب، وسواء في جميع ذلك وافقها الزوج على [عدم] (٢) المسيس أو ناكرها، وهذا من المسائل التي جعل فيها طول [المكث] (٣) يقوم مقام الدخول. ومنها امرأة العنين [فإن] (٤) طول المكث تستحق به جميع الصداق كالدخول، وهذا مما لا دليل عليه أصلًا، وإنما الإتباع لمالك ﵀. وقد جعل في هذه المسألة أن علة الجبر الحياء والانقباض من غير اعتبار بالبكارة. [فإن] (٥) كانت بكرا معنسة، ففي إجبارها على النكاح قولان قائمان من "المدونة": أحدهما: أنها تُجبر. والثاني: أنها لا تُجبر. والقولان: عن مالك قائما من "كتاب الكفالة". وسبب الخلاف: هل الاعتبار بالبكارة أو بالحياء والحشمة:

стр. 1295

فمن اعتبر البكارة، قال: تجبر. ومن اعتبر الحياء، قال: لا تجبر. وقد اضطرب المذهب في ذلك: [فمرة] اعتبر البكارة على الانفراد [ومرة اعتبر الحياء على الانفراد] (١)، ومرة اعتبر الوصفين على الضم والجمع، ومشهور مذهبه أن الاعتبار بالحياء على الانفراد. فإن وجدت معه البكارة كان وإلا فيجتزئ بالحياء على الانفراد، وهو ظاهر قوله في الثيب الصغيرة، وفي التي طالت إقامتها مع زوجها، وفي التي زنت مرة واحدة، وفي المعنسة على أحد الأقوال، وذلك [أن] (٢) ولاية الجبر فائدتها اختصاص الولي بالنظر، واستبداده بالاختيار، فيما يراه سدادًا وصلاحا لوليته من غير أن يشاركها في رأي أو يطالعها في أمر، لا في تعين الزوج ولا في تقدير [المهر] (٣) [لقصور] (٤) عقلها عن إدراك مصاحلها وقلة خبرتها بأحوال الرجال، ولا جرم [فقد] (٥) وكل الشرع أمرها إلى من هو أشفق الناس عليها وأكثرهم بها حنانا ورأفة ورحمة، وهو الأب في بنيه الصغار، والسيد في عبيده عن فإذا ذهب جلباب الحياء عن وجهها، وباشرت الأمور بنفسها، وعرفت مصالحها وما يُراد منها وبها، فقد زال الجبر عنها لزوال علته، وهذا [معنى] (٦) مناسب للحكم مخيل له.

стр. 1296

وأما النساء [الثيبات] (١) فلا يخلوا حالهن من وجهين: أحدهما: أن تكون ثيبا بنكاح. والثاني: أن تكون [ثيبا بزنا] (٢) أو غصب. فإن كانت، ثيبا بنكاح، فلا يخلوا [حالها] (٣) من وجهين: أحدهما: أن تكون مصلحة في نفسها، [مرضية] (٤) في أحوالها. والثاني: أن تكون سفيهة في نفسها مضيعة لأمرها. فإن كانت صالحة في نفسها مدبرة لضيعتها، عارفة بمصالح حياتها، فلا خلاف في زوال الجبر عنها. وإن كانت سفيهة في نفسها، غير رشيدة في حالها مضيعة لأمرها، فخشى عليها الفساد والضيعة، هل تجبر على النكاح أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنَّها لا تجبر على النكاح، ولا يجبرها أحد من أوليائها لا أب ولا غيره، وهو قول ابن القاسم في المدونة، إلا أن للأب أو الولي أن يضمها إلى نفسه إذا خاف عليها الهوى والضيعة. والثاني: أن وليها يجبرها على النكاح [بغير رضاها] (٥) إذا رأى

стр. 1297

[في] (١) ذلك نظرا ومصلحة لها، وسواء كان وليها أبًا أو غيره من الأولياء، وهو قول ابن القصَّار، ووافقه على ذلك حُذَّاق المشايخ، والذي قاله أبو الحسن يشير إلى ما تقدم من اعتبار المصالح في علة الجبر. وإن كانت ثيوبتها بالغصب والزنا، فلا يخلوا من أن يتكرر ذلك [منها] (٢) أو لا: فإن تكرر الزنا منها حتى استأنست به، وعاد لها حرفة، فهذا محل الاتفاق أنها لا تجبر على النكاح لوجود الوصفين، زوال البكارة وقلة الحياء [وبروز وجهها] (٣) في الخلا والملا. فإن لم يتكرر ذلك منها، وإنما كان [ذلك] (٤) منها زلة [وفلتة] (٥)، فهل يزيل ذلك الجبر عنها أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أن للأب أن يجبرها على النكاح؛ لأن ذلك لا يزيد إلا حياءً لها وحشمة [لرذيلة] (٦) الفاحشة التي أتت بها، وهو قول مالك في "المدونة". والثاني: أنها لا تجبر على النكاح؛ لأن الثيب بالزنا كالثيب بالنكاح، وهو قول حكاه ابن الجلاب بناء منه على أن البكارة علة للجبر. والثالث: أن لها حكم الثيب بالنكاح، في عدم الإجبار، لوصول العلم

стр. 1298

إليها بما يراد لها من ذلك، ولمباشرتها [أمور الوقاع] (١) ومقدماته، ولا فرق [بين] (٢) أن يكون ذلك عن حلال أو حرام، وأن لها حكم البكر في صفة الإذن، ويكون إذنها صماتها؛ لأنها تستحي أن تنطق بالرضا، لما [تراكم] (٣) على وجهها من الحياء، لإتيانها فاحشة الزنا، وهذا القول حكاه ابن رشد، وهو قول بُيْنَ القولين. وسبب الخلاف: ما تقدم. وأما الوجه الثاني: الذي أقامه الآباء مقام أنفسهم، كالوصي، فلا يخلو ذلك من خمسة أوجه: أحدهما: أن يقول [فلان] (٤) وصى على تزويج ابنتي فلانة لفلان. والثاني: أن يقول [فلان] (٥) وصى على تزويج ابنتي فلانة ممن أحب. والثالث: أن يقول: [فلان] (٦) وصي على أبضاع بناتي. والرابع: أن يقول: فلان وصي [ولم يزد] (٧). والخامس: أن يقول: فلان وصى على بيع تركتي، واقتضاء ديوني. فالجواب عن الوجه الأول: إذا عين الزوج، وقال: فلان وصَّى على

стр. 1299

تزويج ابنتي فلانة من فلان، فهذا له الجبر بلا خلاف في المذهب؛ لأن العقد كأنه صدر من الأب لما عين الزوج واختاره، وقد حكى ابن بشير الخلاف في الوصي على النكاح: أنه لا مدخل له [مع] (١) الأولياء في البكر أصلا. والجواب عن الوجه الثاني: إذا قال: فلان وصى على تزويج ابنتي فلانية ممن أحب من غير أن يعين الزوج، ولا سمَّاهُ، هل له الجبر وإنكاحهن قبل البلوغ أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أن للوصي إجبارهنَّ وإنكاحهنَّ ممن يراه نظرًا لهن، قبل البلوغ وبعده، وهو المشهور من قول مالك. والثاني: أنه ليس له إجبارهن ولا يعقد على البوالغ منهنَّ إلا بإذنهنَّ؛ لأنَّ الأب إنما ملك ذلك لأمر هو عليه، لا يوجد في غيره، وذلك ما ركب الله في الآباء من الشفقة والحنان والرفق والرأفة [بأولادهم] (٢) وهو [قول] القاضي أبي محمَّد [عبد] الوهاب. وسبب الخلاف: اختلافهم في الوصي، هل يقوم مقام الأب في جميع تصرفاته أم لا؟ وقد قال يحيى بن سعيد في بعض آثار "المدونة": الوصي العدل كالأب. الجواب عن الوجه الثالث: إذا قال: فلان وصى على [أبضاع] (٣)

стр. 1300

بناتي، فهذا لا أعلم له في المهذب نص خلاف: أنه لا [حق] (١) له في التصرف في المال، وإنما يتصرف في الأبضاع؛ لأنها وصية مخصوصة على شيء معين، ثم لا يخلوا أمر بناته من [أحد] (٢) وجهين: إما أن يكُنَّ أبكارًا أو [ثيبات] (٣). فإن كُنَّ أبكارًا، فالعقد للوصي دون سائر الأولياء، ويستحب أن يشاورهم تطييبا لأنفسهم، لأنه أجنبي عنهم. واختلف هل له أن يجبرهن على النكاح أم لا؟ على قولين: وهو الخلاف حكاه بعض المتأخرين، فإن اجترئ الولي وعقد نكاح البكر بغير إذن الوصي، فهل للوصي فسخه، أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أن للوصي فسخه، وهو ظاهر المدونة، ونص ما في كتاب محمَّد. والثاني: أن السلطان ينظر في ذلك، فإن رآه نظرًا وسدادًا منع الوصي من فسخه، وهو قول بعض المتأخرين على ما نقله القاضي أبو الفضل [عياض ﵀] (٤). وسبب الخلاف: هل ذلك حق للوصي، وأنه لا ولاية للولي معه فيها، كما ليس له ذلك مع الأب الذي أنزله منزلة نفسه، فينقضه على كل حال، أو ذلك حماية للأوصياء لئلا يقتات [عليهم] (٥)، ويتفاقم الأمر فيؤدي
следующие страницы →