← Фикх малики

Фикх малики · id 123685

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

الرجراجي، علي بن سعيد

Полный текст (4 240 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

وأما النساء [الثيبات] (١) فلا يخلوا حالهن من وجهين: أحدهما: أن تكون ثيبا بنكاح. والثاني: أن تكون [ثيبا بزنا] (٢) أو غصب. فإن كانت، ثيبا بنكاح، فلا يخلوا [حالها] (٣) من وجهين: أحدهما: أن تكون مصلحة في نفسها، [مرضية] (٤) في أحوالها. والثاني: أن تكون سفيهة في نفسها مضيعة لأمرها. فإن كانت صالحة في نفسها مدبرة لضيعتها، عارفة بمصالح حياتها، فلا خلاف في زوال الجبر عنها. وإن كانت سفيهة في نفسها، غير رشيدة في حالها مضيعة لأمرها، فخشى عليها الفساد والضيعة، هل تجبر على النكاح أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنَّها لا تجبر على النكاح، ولا يجبرها أحد من أوليائها لا أب ولا غيره، وهو قول ابن القاسم في المدونة، إلا أن للأب أو الولي أن يضمها إلى نفسه إذا خاف عليها الهوى والضيعة. والثاني: أن وليها يجبرها على النكاح [بغير رضاها] (٥) إذا رأى

стр. 1297

[في] (١) ذلك نظرا ومصلحة لها، وسواء كان وليها أبًا أو غيره من الأولياء، وهو قول ابن القصَّار، ووافقه على ذلك حُذَّاق المشايخ، والذي قاله أبو الحسن يشير إلى ما تقدم من اعتبار المصالح في علة الجبر. وإن كانت ثيوبتها بالغصب والزنا، فلا يخلوا من أن يتكرر ذلك [منها] (٢) أو لا: فإن تكرر الزنا منها حتى استأنست به، وعاد لها حرفة، فهذا محل الاتفاق أنها لا تجبر على النكاح لوجود الوصفين، زوال البكارة وقلة الحياء [وبروز وجهها] (٣) في الخلا والملا. فإن لم يتكرر ذلك منها، وإنما كان [ذلك] (٤) منها زلة [وفلتة] (٥)، فهل يزيل ذلك الجبر عنها أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أن للأب أن يجبرها على النكاح؛ لأن ذلك لا يزيد إلا حياءً لها وحشمة [لرذيلة] (٦) الفاحشة التي أتت بها، وهو قول مالك في "المدونة". والثاني: أنها لا تجبر على النكاح؛ لأن الثيب بالزنا كالثيب بالنكاح، وهو قول حكاه ابن الجلاب بناء منه على أن البكارة علة للجبر. والثالث: أن لها حكم الثيب بالنكاح، في عدم الإجبار، لوصول العلم

стр. 1298

إليها بما يراد لها من ذلك، ولمباشرتها [أمور الوقاع] (١) ومقدماته، ولا فرق [بين] (٢) أن يكون ذلك عن حلال أو حرام، وأن لها حكم البكر في صفة الإذن، ويكون إذنها صماتها؛ لأنها تستحي أن تنطق بالرضا، لما [تراكم] (٣) على وجهها من الحياء، لإتيانها فاحشة الزنا، وهذا القول حكاه ابن رشد، وهو قول بُيْنَ القولين. وسبب الخلاف: ما تقدم. وأما الوجه الثاني: الذي أقامه الآباء مقام أنفسهم، كالوصي، فلا يخلو ذلك من خمسة أوجه: أحدهما: أن يقول [فلان] (٤) وصى على تزويج ابنتي فلانة لفلان. والثاني: أن يقول [فلان] (٥) وصى على تزويج ابنتي فلانة ممن أحب. والثالث: أن يقول: [فلان] (٦) وصي على أبضاع بناتي. والرابع: أن يقول: فلان وصي [ولم يزد] (٧). والخامس: أن يقول: فلان وصى على بيع تركتي، واقتضاء ديوني. فالجواب عن الوجه الأول: إذا عين الزوج، وقال: فلان وصَّى على

стр. 1299

تزويج ابنتي فلانة من فلان، فهذا له الجبر بلا خلاف في المذهب؛ لأن العقد كأنه صدر من الأب لما عين الزوج واختاره، وقد حكى ابن بشير الخلاف في الوصي على النكاح: أنه لا مدخل له [مع] (١) الأولياء في البكر أصلا. والجواب عن الوجه الثاني: إذا قال: فلان وصى على تزويج ابنتي فلانية ممن أحب من غير أن يعين الزوج، ولا سمَّاهُ، هل له الجبر وإنكاحهن قبل البلوغ أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أن للوصي إجبارهنَّ وإنكاحهنَّ ممن يراه نظرًا لهن، قبل البلوغ وبعده، وهو المشهور من قول مالك. والثاني: أنه ليس له إجبارهن ولا يعقد على البوالغ منهنَّ إلا بإذنهنَّ؛ لأنَّ الأب إنما ملك ذلك لأمر هو عليه، لا يوجد في غيره، وذلك ما ركب الله في الآباء من الشفقة والحنان والرفق والرأفة [بأولادهم] (٢) وهو [قول] القاضي أبي محمَّد [عبد] الوهاب. وسبب الخلاف: اختلافهم في الوصي، هل يقوم مقام الأب في جميع تصرفاته أم لا؟ وقد قال يحيى بن سعيد في بعض آثار "المدونة": الوصي العدل كالأب. الجواب عن الوجه الثالث: إذا قال: فلان وصى على [أبضاع] (٣)

стр. 1300

بناتي، فهذا لا أعلم له في المهذب نص خلاف: أنه لا [حق] (١) له في التصرف في المال، وإنما يتصرف في الأبضاع؛ لأنها وصية مخصوصة على شيء معين، ثم لا يخلوا أمر بناته من [أحد] (٢) وجهين: إما أن يكُنَّ أبكارًا أو [ثيبات] (٣). فإن كُنَّ أبكارًا، فالعقد للوصي دون سائر الأولياء، ويستحب أن يشاورهم تطييبا لأنفسهم، لأنه أجنبي عنهم. واختلف هل له أن يجبرهن على النكاح أم لا؟ على قولين: وهو الخلاف حكاه بعض المتأخرين، فإن اجترئ الولي وعقد نكاح البكر بغير إذن الوصي، فهل للوصي فسخه، أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أن للوصي فسخه، وهو ظاهر المدونة، ونص ما في كتاب محمَّد. والثاني: أن السلطان ينظر في ذلك، فإن رآه نظرًا وسدادًا منع الوصي من فسخه، وهو قول بعض المتأخرين على ما نقله القاضي أبو الفضل [عياض ﵀] (٤). وسبب الخلاف: هل ذلك حق للوصي، وأنه لا ولاية للولي معه فيها، كما ليس له ذلك مع الأب الذي أنزله منزلة نفسه، فينقضه على كل حال، أو ذلك حماية للأوصياء لئلا يقتات [عليهم] (٥)، ويتفاقم الأمر فيؤدي

стр. 1301

ذلك إلى إسقاط ما بأيديهم، فيكون النظر في ذلك للسلطان، ولا خلاف في الأب أن له فسخ ما عقده غيره في ابنته البكر بغير وكالة منه، وكذلك السيد في أمته، وإنما الخلاف في الإجازة، إذا أجازه الأب أو السيد هل تلحقه الإجازة أم لا؟ على قولين: أحدهما: أن العقد وقع على نعت النساء، فلا يجاز بإجازته أصلا، وهو قول ابن القاسم في "المدونة". والثاني: أن الإجازة تلحقه أن أجيز، وهو قول مالك في الأمة، على ما نقله أبو محمَّد عبد الوهاب إذا أجازه السيد، وعلى هذا تجوز في البكر أيضا، ولا فرق. وعلى هذا أن الوصي إذا أجاز النكاح الذي عقده غيره من [غير] (١) الأولياء أنه يجوز، وهو اختيار الشيخ أبي إسحاق التونسي؛ لأنه أخفض رتبة من الأب على كل حال. وإذا كان الخلاف في إجازة الأب، فبأن يجوز في الوصي أولى وأحرى. وسبب الخلاف: ولاية الجبر في النكاح، هل هي حق لله تعالى، ثم لا يجوز وإن أجازه الأب أو السيد أو هو حق لهما؛ فيجوز بإجازتها؟ وهذا كله إذا كُنَّ أبكارًا. وأما إن كن ثَيِّبات، فهل للولي الدخول مع الوصي في عقد نكاحهن، فمن سبق منهما إلى العقد، كان أولى به، أو لا مدخل له في ذلك؟ فالمذهب على قولين:

стр. 1302

أحدهما: أن له الدخول في الولاية، فمن سبق منهما إلى العقد كان أولى به، وهو ظاهر "المدونة" لأنه أطلق فيها ولم يفصِّل. والثاني: [أنه] (١) لا مدخل له مع الوصي في الثيب، كما لا مدخل له معه في الأبكار، وهو قول أبي الوليد بن رشد، ففرق بين قوله: "فلان وصى، ولم يزد، وبين قوله: وصي على أبضاع بناتي"، [فإذا قال: على أبضاع بناتي] (٢) كان أولى على كل حال، وهذا الذي قاله [ظاهر في اللفظ بعيد في المعنى] (٣) وذلك أنه غاية ما فيه أنه أنزله منزلة نفسه [في الأبضاع] (٤)، وقد وجدنا بعض الأولياء يجوز أن يتقدم على الأب في إنكاح ابنته الثيِّب، وهو قوله في "الكتاب": في الأخ يزوج أخته الثيِّب برضاها، وثم أبوها. قال مالك: النكاح جائز ما للأب، وما لها على ما تأول على "الكتاب": أن ذلك يجوز ابتداء، على ما يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. فإذا جاز ذلك في الأب الذي يدلى به الوصي، وهو أصل فما ظنك بالوصي الذي هو فرع عنه، وذلك ظاهر. والجواب عن الوجه الرابع: إذا قال: فلان وصى، ولم يزد، فهذا مما اختلف فيه المذهب على قولين: أحدهما: أن الوصي أولى بالنظر في المال والأبضاع وسائر ما كان ينظر فيه الموصي في حياته، وله تزويج الأبكار بعد البلوغ بمؤامرتهن، ولا مدخل

стр. 1303

للأولياء معه في أمرهن، وهو قول مالك وابن القاسم في "المدونة" وغيرها. والثاني: ألا تزويج للوصي مع الأولياء إلا أن يكون وليا، وهو قول عبد الملك في "مختصر ما ليس في المختصر"، وهو قول محمَّد بن عبد الحكم أيضًا. وأما الثيِّب منهنَّ، فلا تخلو من أن تكون سفيهة أو رشيدة: فإن كانت سفيهة، فهل هي كالبكر في استقلال الوصي بإنكاحها أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أن الرشيدة والسفيهة في ذلك سواء، وأن من سبق إلى العقد مِنْ ولي أو وصي: كان جائزًا، وهو ظاهر "المدونة"، وكونها سفيهة لا يخرجها عن أحكام الثيب، وإنما يؤثر السفه في المال لا في الأبضاع. والثاني: أنها كالبكر، ولا كلام للولي فيها مع الوصي، إلا أن رضاها [بالنطق] (١) دون الصمت، وهو تأويل بعض المتأخرين على "المدونة"، ووقع لأصبغ نصًا في "كتاب فضل بن سلمة"، و"كتاب ابن مزين". وسبب الخلاف: هل التخصيص بالنظر في المال يقتضى التخصيص بالنظر [في] (٢) البضع أم لا؟ وأما الثيب الرشيدة: فهل يقع الاشتراك في جواز العقد عليها بين الوصي وسائر الأولياء أو بعضهم أولى؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدهما: أن الوصي أولى ولا مدخل للأولياء معه، كما لا مدخل لهم مع الأب في عقد نكاحها وهو قول ابن حبيب، وذكر أنه قول

стр. 1304

مالك وأصحابه المدنيين والمصريين. والثاني: أن الوصي لا ولاية له مع الأولياء في الثيب الرشيدة وهو قول سحنون [﵁] (١). والثالث: أن الوصي في الثيب ولي من الأولياء، إن زوجها الوصي والأولياء ينكرون جاز [وإن زوجها الأولياء والوصي ينكر جاز] (٢) وهو مذهب "المدوَّنة". وسبب الخلاف: هل الوصي كالأب أم لا؟ فمن رأى أنَّ الوصي كالأب، قال: لا مدخل للأولياء معه إلا كمدخل الأبعد مع الأقرب، إذا سبقه بالعقد، فإنه يأتي إن شاء الله، وإليه أشار ابن حبيب أو أنه من جملتهم. فمن سبق كان فعله جائزًا على غيره، وهو ظاهر "الكتاب"، وهو تأويل فضل بن سلمة: أنه أقامه مقام الأب، وكذلك قال أشهب. وقول من قال: لا ولاية له مع الأولياء في الثيب الرشيدة، لا أعلم له وجهًا، وهذا في الإناث. وأما الذكور: فلا يخلوا من أن يكونوا كبارًا أو صغارًا: فإن كانوا كبارًا، فلا يخلوا من أن يكونوا كبارًا يلون أنفسهم أو كبارًا محجورًا عليهم. فإن كانوا كبارًا يلون أنفسهم، فلا خلاف أنه لا حكم للوصي عليهم، لا في النفس ولا في المال.

стр. 1305

وإن كانوا كبارًا محجورًا عليهم، هل يجوز للموصي أن يجبرهم على النكاح أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أن للوصي أن يجبرهم على النكاح، إذا كان ذلك نظرًا، وهو قول المخزومي، وهو ظاهر [المدونة] (١) من غير ما موضع، منها قوله: ولا يجبر أحدٌ أحدًا على النكاح إلا الأب، إلى أن قال: والولي في يتيمه. والولي هاهنا هو الوصي، إذا لا يجبر الصغير على النكاح إلا الوصي على مشهور المذهب، وإن كان [قد] (٢) وقع في كتاب يحيى بن إسحاق لابن كنانة في أخ زوج أخا له صغيرًا يليه، وليس بوصي عليه أن النكاح يمضي ويلزم الصغير. وروى عن مالك فسخه إلا أن يطول بعد الدخول وظاهر الكتاب: ألا فرق بين الصغير والكبير، لأن الاسم يجمعهما. واسم اليتيم: له عُرفان، لُغوي وشرعي: فهو في اللغة: عبارة عن الانفراد [عن] (٣) أبيه، وقد ينطلق على المنفرد [عن] (٤) أمِّه، والأول أظهر لغة، وعليه وردت الأخبار، لأن الذي فقد أباه عَدِم النُصرة، والذي فقد أمه عَدِم الحضانة، وقد تنصر الأم ولكن الأب أكثر نصرة، وقد يحضن الأب ولكن الأم [أرفق] (٥) حضانة منه.

стр. 1306

وهو في الشرع: عبارة عن عدم الرشد، وذلك يعتبر بعد البلوغ، لقوله ﷺ : "اليتيمة تستأمر في نفسها، ولا إذن إلا للبالغة" (١)، ولقول ابن عباس ﵁ في جوابه لنجدة الحروري حين سأله عن خمس خصال، منها: يتم اليتيم متى ينقضي؟ فكتب إليه ابن عباس ﵄: ولعمري لتنبت لحية الرجل، وإنه لضعيف العقل حتى يأخذ لنفسه من مصالح ما يأخذ المسلمون" (٢). وعلى هذا لا فرق بين الصغير والكبير، ويؤخذ من "المدونة" من قوله: في الذي زوج ابنه الذي قد بلغ، فقال: لا يلزمه النكاح، ثم قال في آخر المسألة: إذا كان الابن قد ملك [نفسه و] (٣) أمره، ومفهومه: أنه إذا لم يملك أمره أن للأب أو الوصي أن يجبره على النكاح، [والقول الثاني أن الوصي لا يجبره على النكاح] (٤) وهو ظاهر قول مالك في "كتاب إرخاء الستور": إذا زوّج الوصي يتيمه البالغ بأمره، وهو نص ما في [المدوَّنة] (٥) وهو المشهور: ألا يجبره؛ لأن النكاح [ملاذ] وشهوات، فليس ذلك مما يجبره عليه الوصي. وإن كانوا صغارًا، هل يجبرون على النكاح أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنهم يجبرون عليه، إذا كان في ذلك نظر وسداد وسرور

стр. 1307

وغبطة، وهو قول ابن القاسم في "المدونة". والثاني: أنهم لا يجبرون، ولا نظر له في تزويجهم أصلًا، وهو قول مالك في كتاب محمَّد، وهذا اختلاف حال، والله أعلم. وذلك أن من جوَّز الإجبار إنما جوزه بشرط الغبطة والسرور. كتزويجه إياه ذات الشرف والمال. ومن منعه إنما منعه لعدم النظر، فإذا ثبت هذا النظر المصلحي ووجد الغرض الكلي كان النكاح جائزًا والجبر صحيح باتفاق من الجميع، والله أعلم. والجواب عن الوجه الخامس: إذا قال: [فلان] (١) وهي على بيع مالي، أو قال: على بيع تركتي واقتضاء ديوني، فإنَّ تصرُّفه ماضٍ فيما تضمنه إطلاق الوصية من التصرف، في المال، واختلف هل تضمنت وصيته جواز التصرف في تزويج البنات والبنين الصغار والكبار الضعفاء العقول أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنها لا تتضمن شيئًا من ذلك، وهو قول مالك في كتاب الوصايا من "المدونة". والثاني: أن الوصية تتضمن التصرف في المال والأبضاع، إلا أن ينص الميت على أنه ليس بوصي على الأولاد، وهو قول ابن القاسم في "كتاب ابن الموّاز"، وبه قال أشهب في "مدونته". وعلى القول بأنها لا تتضمن النكاح إن زوّج الوصي على المال البنات، قال مالك: نكاحه جائز، ولو رُفع إلى الإِمام، كان أحب إلى، وهذا منه

стр. 1308

جنوح إلى قول أشهب الذي يقول: أن النكاح داخل في الوصية. وأما ولاية الإذن: فهي لمن عدا من [ذكرنا] (١) من سائر الأولياء، على اختلاف أنواعهم وترتيب منازلهم، على ما سنبينه [فصلا فصلا] (٢) إن شاء الله تعالى [والحمد لله وحده] (٣).

стр. 1309

المسألة الرابعة في تزويج [الأب] (١) [ابنته] (٢) البكر بأقل من صداق مثلها وقد قدمنا فيما سلف من هذا الباب: أن الأب هو الناظر لابنته الصغيرة، وأن نظره مقدم بالطبع الجلي على [نظر] (٣) غيره من شفقته وحنانه عليها، وإرشاده لها بحال الارتفاق، واختياره لها من الأزواج مكان الوفاق، فلذلك ملك الجبر عليها، على حسب ما فُهم من الجبر، وهو مع ذلك مأمور بأن لا يُزِّوجها إلا ممن يساويها في الحال والجمال، ويكون كفؤا لها في كل حال. وقد كره عمر ﵁ أن يزوج الرجل وليته للرجل القبيح، وقال: يعمد أحدكم، فيزوجهن الشيخ والذميم، إنهن يحببن لأنفسهن ما تحبون لأنفسكم، يريد: ألا يكون ذلك برضاها، ولا يزوجها ممن هو موسوم [بالشقاق] (٤) كثير الأيمان بالطلاق، لأن ذلك من علامات الفساق. واختلف المذهب، هل يجوز أن يزوجها بأقل من صداق مثلها إذا صادف من هو لها كفؤ في الحال والجمال [أم لا] (٥)؟ على قولين من

стр. 1310

"المدونة": أحدهما: أن ذلك جائز إذا كان على وجه النظر، وهو نص قول مالك في "كتاب النكاح الأول". والثاني: أن ذلك جائز، وإن لم يكن نظرًا، وهو قوله أيضًا في "كتاب النكاح الثاني" في [باب] (١) "نكاح التفويض". وسبب الخلاف: فعل الأب هل يحمل على السداد ولا يتعقبه نظر إلا أن يتبين الفساد أو يتعقبه النظر وإن لم يتبين الفساد؟، فإن كان مصلحة مضي وإلا رد. وهذا الخلاف مبني على اختلاف الروايات، في مسألة المطلقة التي أتت إلى مالك، وقالت له: إن لي ابنة موسرة مرغوبٌ فيها، وقد أصدقت صداقًا كثيرًا، فأراد أبوها أن يزوجها ابن أخ له معدما لا شيء له، أفترى لي [أن] (٢) أتكلم في ذلك؟، وفي بعض روايات "الكتاب" (٣)، قال: نعم إني أرى لك في ذلك متكلما، وفي بعضها: إني لا أرى لك في ذلك متكلما، مع إثبات "نعم"، وفي بعضها إسقاط "نعم"، فأثبت لها الكلام في رواية وأسقطه في رواية فصار الخلاف فيها في موضعين في إثبات نعم وفي نفيه، والموضع الثاني في إثبات "الألف" وإسقاطه، فاختلف [المتأخرون] (٤) في الرواية التي [قال] (٥) فيها: نعم إني لأرى لك في ذلك متكلما.

стр. 1311

فأكثرهم يقول: [إن] (١) هذا كلام متناقض؛ لأنه أثبت ونفى، فقوله: نعم إثبات، إذ لو اقتصر عليه لاستقل الكلام بعده، و [هو] (٢) قوله: "إني لأى" بالنفي، و [بمد] (٣) لا نفى، وذلك لا يستقيم. وقال بعضهم: الرواية غير صحيحة في نفسها، [فاسدة] (٤) في وضعها، فكيف يتكلم عليها، [وهذا كله] (٥) عندي غير صحيح؟ أما الرواية: فهي ثابتة مروية عن المشايخ. وأما الاضطراب: في إثبات "نعم" وإثبات "لا" على النفي، فلا شك أن ظاهر [هذا] (٦) الكلام يشعر به إلا أنا إذا وجدنا للكلام تأويلا يصح حمله عليه، ودليل الاستعمال: يشهد له، فكيف يسوغ [لنا حمله] (٧) على تناقض واضطراب؟، وذلك أن قوله: "نعم" الواقع بعد [السؤال] (٨)، يصلح أن يكون جوابا [له] (٩)، [وذلك] (١٠) لو اقتصر عليه واجتزأ به، فلما عقبه بالنفي دل، والحالة هذه: أنه لم يرد به جوابا، وإنما قصد به ابتداء الكلام، كما تقول: "نعم مالك كذا ما يصلح لك كذا"، وذلك جائز في عرف الاستعمال وأما الرواية بإثبات "نعم" وإسقاط

стр. 1312

"الألف"، فلا إشكال فيها، لأنه أوجب لها الكلام، وإسقاط "نعم" وإثبات "الألف" لم يثبت لها الكلام. وفي كثير من النسخ: "إني أرى لك في ذلك متكلما، وهذه رواية صحيحة، وبها يرتفع الإشكال، وعليها اختصر أكثر المختصرين. وفائدة اختلاف الروايات، يرجع إلى ما قدمناه في فعل الأب، هل يتعقبه النظر أم لا؟ واختلف تأويل المتأخرين في قول ابن القاسم في المسألة، حيث قال: وأنا أراه ماضيا، إلا أن يأتي من ذلك ضرر، فيمنع، هل هو وفاق أم خلاف؟ فمنهم من يقول إنه خلاف قوله، وأن الضرر الذي أراد ابن القاسم ضرر البدن، كالجنون والجذام والبرص، وهو مذهب سحنون، وبه قال ابن حبيب، وهذا الخلاف إنما يكون على رواية الإيجاب. وأما على رواية النفي فهو وفاق واتفاق، [ومنهم من يقول إنه وفاق والقائلون بالوفاق] (١) اختلفوا في التعليل. فبعضهم يقول: أن ابن القاسم لم يتكلم على الفقر الفادح المضر بها، وإنما تكلم على فقر ابن الأخ بالإضافة إلى مالها، [فهو فقير بالإضافة لسعة مالها]، كما أن صاحب المائة فقير بالنسبة إلى صاحب الألف. وبعضهم يقول: أن الضرر المعتبر عند ابن القاسم: الفقر الذي لا دين معه، فإذا كان [الفقير] الذي لا دين له، ولا عنده وازعٌ من تقوى الله يوزعه من أكل مالها، فهذا الذي يكون للأم فيه متكلم.

стр. 1313

وأما الفقير الصابر الديِّن الذي عنده من تقوى الله ما يصده عن أكل مالها ومد يده فيه بالعدوان ففعل الأب في ذلك ماض، ولا يعترض عليه فيه، وقال ابن محرز وغيره: وهذا إحالة للمسألة، إذ لا معنى لذكر الفقر، و [إنما] (١) المانع الخوف منه وعدم الأمانة، وكلام سحنون يدل على خلاف هذا. وسبب الخلاف: الكفاءة المعتبرة، هل هي الكفاءة في الدِّين أو الكفاءة في المال والنسب؟ فمن رأى أن الكفاءة المعتبرة، "المال والنسب"، قال: الفقر عيب، وهو قول مالك في هذه المسألة، على أحد الروايات، وهو مذهب الموثقين كأبي حفص العطار وغيره، وهو ظاهر قوله ﷺ لفاطمة بنت قيس: "أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، انكحي أسامة ابن زيد" (٢)، فبين ﷺ : عيب كل واحد، وجعل الفقر عيبًا، ومعلوم أن معاوية لا تخشى فاطمة من جهته، وإن كان فقيرًا، فثبت أن العلة: كونه فقيرًا لا غير. ومن رأى أن الكفاءة المعتبرة: الدين لا المال، قال: لا كلام للأم إذا كان فقيرًا صالحًا صابرًا، تؤمن ناحيته، كما تأول على ابن القاسم في هذه المسألة، وهو نص مالك في هذا "الكتاب"، في "نكاح الموالي في العرب"، وهو قوله: وإذا رضيت ثيب بكفؤ في دينها، وهو دونها في الشرف والمال، أو رضيت بمولى ورده أب أو ولي زوجها إياه الإِمام؛ لأن نكاح الموالي في العرب لا بأس به.

стр. 1314

قيل: فإن رضيت بعبد، قال [مالك] (١): المسلمون بعضهم لبعض أكفاء، فقيل له: إن بعض هؤلاء القوم [قد] (٢) فرقوا بين عربية ومولى، فاستعظم ذلك إعظامًا شديدًا، وقال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٣)، قال غيره: ليس الولي بعاضل في منعه ذات القدر نكاح العبد ومثله؛ لأن الناس [مناكح] (٤) قد عرفت لهم وعرفوا بها. وقول الغير هذا مثل قول مالك في السؤال أن الكفاءة في المال والنسب، فيتحصَّل لمالك في الكفاءة قولان في "الكتاب". وقد اعترض أبو الحسن اللخمي على ما استدل به مالك في الآية، وما كان من نكاح بلال وصهيب وأسامة وغيرهم من الموالي في العرب، فقال: إن الآية لا مدخل لها هاهنا، لأن تضمنها الحال عند الله تعالى، وعلى ما يكون عليه في الآخرة، ومنازل [الدنيا] (٥)، وما يلحق منه معرة غير ذلك، وقد ثبت عنه ﷺ أنه خير بريرة في زوجها حين عتقت، ولم يختلف المذهب أن ذلك لنقصه [عنها] (٦)، وأنه ليس بكفؤ لها [وأنها] (٧) لا خيار لها إذا كان حرًا. فبان بهذا أن العبد ليس بكفؤ للحرة، عربية [كانت] (٨) أو بربرية، حديثة العهد بعتق، وهي في عدد [الدنيات] (٩).

стр. 1315

و [لأنه] (١) لا خلاف في العبد يتزوج الحرة، وهي لا تعلم أن ذلك عيب يوجب لها الرد، وإن كانت دنية. وأما ما ذكر من نكاح أسامة وغيره، فقد كان ذلك في أول الإِسلام، وقد رفضوا ما كان من الافتخار في الجاهلية، لقوله ﷺ : "إن الله أذهب عنكم [بالإِسلام] (٢) عبية الجاهلية وفخرها [بالآباء] (٣) وعبيتها تحولها" (٤)، إلى آخر ما قال. وما اعترض به غير لازم، وذلك أن [الله تعالى قال] (٥): ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، فإذا كان المتقي [هو] (٦) المكرم عند الله في الآخرة، فبأن يكرم في الدنيا أولى؛ لأن إكرامه في الدنيا تعظيم لأمر الله تعالى، وإكراما لمن أكرمه، ومن إكرام التقي في الدنيا إسعافه بمطلوبه، وقضاء مآربه على أحسن مرغوبه، ويدل على ما ذكرناه قوله ﷺ : "إذا جاءكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه"، قالوا: وإن كان عبدًا يا رسول الله؟ قال: "نعم، وإن كان عبدًا، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير" (٧). فقوله: "إذا جاءكم" يستغرق عموم الأزمان من غير تخصيص، ومن أين للمعترض أن ذلك كان في أول الإِسلام، وما ذكر أيضًا من خيار بريرة

стр. 1316

حين عتقت تحت عبد، فلا حجة فيه لاتفاق المذهب أنَّ الأمة إذا عتقت تحت عبد، فاختارت المقام معه أن النكاح جائز، ولا كلام [فيه] (١). فإذا جاز النكاح إذا رضيت [به] (٢) بعد عتقها وبعد عقد النكاح، فبأن يجوز النكاح إذا رضيت به، وهي حرة عربية في حين [العقد] (٣) أولى، إذ ليس هناك إلا إسقاط حقها لمن بقي في قيد الرق خاصة، وقد اتفقنا على أنه لو خطبها رجل مصل من صميم العرب، وهي أمة حبشية مشقوقة القدمين قسطا كبيرة الشفتين، أو هي مولاة أنها لا تجبر على نكاحه، فدل ذلك على أن الاعتبار بالرضا [خاصة] (٤)، فثبت أن الاعتراض ساقط في نفسه، باطل في أصله. والحمد لله وحده.

стр. 1317

المسألة الخامسة في العقد إذا تقدم على الرضا، وكيف إذا تراخى عنه أمدًا بعيدًا ؟ وقد تنازع علماؤنا في هذه المسألة تنازعًا كثيرًا، وتجاذبوا فيها [طرف] (١) التأويل. وسبب اختلافهم: اختلاف الأسئلة واضطراب [الأجوبة] (٢) الواقعة في الكتاب، فهو الذي أثار بينهم عجاج اللجاج، وأوجب خوضهم في كل مسلك ومنهاج، وذلك [أنه] (٣) قال: في الذي زوج وليته أو ابنه الكبير البكر، وهما غائبان [عنه] (٤) فبلغهما ذلك، فرضيا: لا يقام على هذا النكاح. وقال في الذي زوج أخته ولم يستشرها فبلغها [ذلك] (٥) فرضيت: بلغني أن مالكا مرة كان يقول: إن كانت في غير البلد أو فيه فتأخر إعلامها لم يجز، وإن قرب جاز. و [قال] (٦) في المسألة التي نزلت [في المدينة] (٧) في رجل زوج أخته، فقالت حين بلغها ذلك: ما وكلت ولا أرضا، ثم كلمت فرضيت،

стр. 1318

فقال: لا يجوز هذا النكاح، ولا يقام عليه حتى يأتنفا نكاحًا جديدا إن أحبا. فإذا نظرت إلى هذه [الأجوبة] (١) تجد منها ما يتشابه ويتشاكل وتجد منها ما يتباين ولا يتماثل، كسؤال الأخت التي قالت فيه: "ما وكلت ولا أرضا"، لأن هذه ردَّت الأمر وأبطلته ولاسيما ما وقع في سماع ابن القاسم: "ما وكلت ولا رضيت"، معناه: إذا بلغني. والسؤالان فيهما الرضا بما فعل الولي إلا أن سؤال الأخت يعارضه سؤال العبد إذا تزوج بغير إذن سيده، فأبا السيد أن يجيزه ثم كُلِّم في ذلك فأجازه، قال في "الكتاب": فإن أراد بقوله: الأول فسخًا تم الفسخ، وإن لم يرد الفسخ تم النكاح، وقد يحتمل أن يكون ذلك اختلاف سؤال، وقد يحتمل أن يكون اختلاف أحوال، ويحتمل أن يكون اختلاف أقوال. فبيان [الاحتمال في] (٢) اختلاف السؤال: وذلك أن نكاح الأخت على الرد حتى تجيزه، ونكاح العبد على الجواز حتى [يرده] (٣) السيد، والدليل على ذلك أن السيد لو لم يعلم بنكاحه حتى [أعتق] (٤) العبد أن النكاح جائز، وهذا على مذهب "الكتاب". وبيان اختلاف الأحوال: أن السيد ينوي لما يعلم من عادة السادات أنهم يقولون مثل ذلك تأديبًا للعبيد لئلا يسارعوا إلى [جناية] (٥) النكاح [التي

стр. 1319

يستضر بها السادات] (١) ردعًا وزجرًا، ولا يقصدون بذلك فسخ النكاح، فإذا ادعى السيد في ذلك نية فالقول قوله؛ لأن العرف يشهد به. بيان اختلاف الأقوال: وذلك أنه عقد تقدم على الرضا في كلا المسألتين، فأنكر ثم أجيز، فقال بالجواز في أحد الموضعين ولم يقله في الآخر. والأصح والله أعلم: أنه اختلاف [أسئلة] (٢). وأما [بقية] (٣) الأسئلة: فإنها كلها أسئلة متشابهة متشاكلة. اختلف المتأخرون، في تأويل هذه المسألة بين ملفق ومفرق: أما الشيخ أبو عمران الفاسي: قد سلك فيها التلفيق. وأما المسألة التي فرق فيها بين القرب والبعد فتفسير التي قال فيها لا يقام على هذا النكاح، وأنها تمضي عليها، ومسألة الابن الغائب: يريد بعيد الغيبة ومسألة التي قالت: "لا أرضى": [بأنها] (٤) ردت الأمر وأبطلته. وأن معنى قوله: كان مالك مرة يقول. أي لم يتكلم بهذا التفسير [والبيان] (٥) إلا مرة واحدة، وفي غير ذلك أجمل الجواب، فترجع الأسئلة كلها عنده إلى معنى واحد. وذهب غيره إلى أن ذلك اختلاف قول، وأن ما في "الكتاب"

стр. 1320

[يتخرج] (١) على ثلاثة أقوال: أحدها: أن النكاح لا يجوز، وإن أجيز، ولا فرق بين القُرب والبُعد، وهو ظاهر قوله في الذي زوج ابنته الثيب وابنه الكبير المنقطع عنه، وهما غائبان، فبلغهما فرضيا، فقال: لا يجوز هذا النكاح ولا يقام عليه لأنهما لو ماتا لم يتوارثا. وظاهر الكلام: أنهما [كانا] (٢) غائبين عن المجلس. والثاني: أن النكاح جائز إن [أجيز] (٣) قربت [الغيبة] (٤) أو بعدت، وهو ظاهر قوله في "الكتاب" أيضًا، حيث قال: كان مالك مرة يقول. وذكر [تفريقه] (٥) بين القُرب والبُعد. ومرة أخرى أبين؛ لأن قوله مرة يشعر بأنه قال مرة أخرى غير ذلك، ويشعر به قوله آخر المسألة: وإن بعدت الغيبة أو تأخر إعلامها لم يجز، وإن رضيت، وهذا قول مالك الذي عليه [أكثر] (٦) أصحابه، وهذه الرواية أصح من التي قال فيها: "عليه أصحابه"، وقوله الذي عليه أصحابه أكثر، ويدل على أن هناك قولة أخرى عليها أقل أصحابه، وهو قول منصوص عليه لأصبغ وغيره في "كتاب محمد" وغيره. والثالث: التفصيل بين القُرب والبُعد، وهو نص قوله مرة في "الكتاب".

стр. 1321

وهذه الأقوال الثلاثة: كلها قائمة من "المدونة" منصوصة في المذهب في "كتاب محمَّد". وحد القُرب: [عند] (١) سحنون، مثل ما بين مصر والقلزم، وهو مسيرة ثلاثة أيام. وقيل: حد القُرب: ما بين المسجد والدار. وحد البُعد عنده: ما بين مصر والأسكندرية، وذلك أربعة أيام أو خمسة. وسبب الخلاف: اختلافهم في الخيار الحكمي، هل هو كالخيار الشرطي أم لا؟ فمن جعل الخيار الحكمي كالخيار الشرطي [قال]: لا يجوز النكاح قُرب أو بُعد، وهو مذهب البغداديين من أصحابنا، لأن العقد المتقدم على الرضا والإذن، ويرجع فيه الأمر إلى اختيار المرأة [بين] (٢) الإجازة والرد. ومن جعل الخيار الحكمى ليس كالشرطي، قال: يجوز النكاح قرب أو بعد، وذلك أتى ما يوجبه الحكم خلاف ما يوجبه الشرط. والتفرقة بين القرب والبعد استحسان لاستحقاق الشيء اليسير في [الوصول] (٣)؛ لأن القرب لا يبيح ما كان محظورًا كما أن البُعد لا يحرم ما كان مباحًا. وإلى هذا المعنى أشار القاضي أبو الفرج المالكي في "الحاوي" أن

стр. 1322

التفصيل بين القرب والبعد لا يصح، لأنه لم يلزم [منه] (١) تجديد كل عقد ممنوع، قال: وإنما معنى ذلك [عندي] (٢) في تجويزه في القرب أنها علمت [فعل وليها] (٣) ولم تنكره ثم رضيت، وأما لو لم تعلم حتى أُعلمت، كانت كمسألة الأخت، وهذا الذي قاله القاضي يشبه [أن يعد] (٤) قولا رابعًا في المسألة. ووجهه أنها إذا علمت بفعل وليها، فلم تنكره حتى كلمت فرضيت، فكأنَّها لم تزل راضية في حين العقد، وصار النكاح معقودًا على رضاها، وإن كان يمكن ألا ترضى حين علمت، ثم رضيت إذ سألت، فيكون هذا النكاح لم يخرج عن الخيار من كل وجه. فعلى القول: بأن النكاح لا يجوز ويفسخ، هل قبل أو بعد أم لا؟ قولان قائمان من "المدونة": أحدهما: أنه يفسخ قبل البناء ويثبت بعده، وهو قول ابن القاسم؛ لأن جُلّ الناس على إجازته. والثاني: أنه يفسخ قبل [البناء] (٥) [وبعده] (٦)، وهو قول أصبغ. وفي المسألة قول ثالث: يؤمران بالفسخ والترك من غير حكم حاكم، لاختلاف العلماء [فيه] (٧) وعلى القول بالفسخ، هل هو بطلاق أو بغير

стр. 1323

طلاق؟ قولان قائمان من "المدونة"، وقد قدمنا [بيان] (١) موضعهما. وعلى القول بأن النكاح لا يجوز ويفسخ، هل يقع [فيه] (٢) التحريم أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يقع [فيه] (٣) التحريم بين الآباء والأبناء، وهو نص قول ابن القاسم لقوله: كل نكاح اختلف الناس فيه فالحرمة تقع فيه كحرمة النكاح الصحيح الحلال. والثاني: أنه لا تقع به الحرمة جملة. والثالث: التفصيل بين أن يفسخ قبل الإجازة أو بعدها: فإن فسخ قبل الإجازة فلا يقع به التحريم بين الآباء والأبناء. وإن فسخ بعد الإجازة، فيقع به التحريم، وهكذا نقله اللخمي. والأقوال كلها متأولة على "المدونة". وسبب الخلاف: اختلافهم في العقد الفاسد، هل يفيد شبهة العقد الصحيح أم لا؟ فمن رأى أنه يفيد شبهة العقد الصحيح، قال: يقع به التحريم. ومن رأى أنه لا يفيدها، قال: لا يقع به التحريم، وسنزيد لهذا الفصل بيانا في "كتاب النكاح الثالث" إن شاء الله [والحمد لله وحده] (٤).

стр. 1324

المسألة السادسة في وضع الأب من صداق ابنته البكر قبل البناء ولا يخلو ذلك الوضع من وجهين: إما أن يكون بطلاق أو بغير طلاق: فإن كان بطلاق، مثل أن [يطلق] (١) الزوج قبل البناء، فعفى الأب عن النصف الذي وجب لابنته بالطلاق، وذلك جائز باتفاق المذهب عندنا، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ (٢) يريد: الثيب، ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾، وهو الأب في ابنته البكر والسيد في أمته، على تأويل مالك الآية، إذ له الجبر. وعلى مذهب المخالف أن الذي بيده عقدة النكاح: هو الزوج؛ لأنه [هو] (٣) الذي [يملك] (٤) حلها، والحكمة في ذلك الحث [على] (٥) الإحسان ومكارم الأخلاق؛ لأن الزوج حين طلقها، [قبل أن] (٦) يصل منها إلى مرغوبه، فمكارم الأخلاق تقتضي ألا تأخذ منه شيئًا مما كان بدل لها مما فاته منها، بل تتركه كما تركها؛ لأنه إنما عوض ليستمتع، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ (٧)، وهن: الزوجات، إذ ذلك صيغة العموم

стр. 1325

في جميعهن، والمراد [به] (١) والله أعلم: المالكات لأمورهن، على تأويل مالك ﵀ ثم قال: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾، وهو الأب والسيد كما قدمناه. وعلى مذهب المخالف الذي يقول أن الذي بيده [عقدة النكاح هو الزوج، فالحكمة فيه [أيضًا] (٢) مطردة، وأن الأزواج ندبوا بذلك إذا طلقها وفوّتها ما رجت منه من حسن الصحبة وجميل العشرة واستدامة الاستمتاع، فكان من مكارم الأخلاق أيضًا إذا طلقها: ألا يسترد منها ما أسقطه الشرع، مما كان يدل على معاشرتها التي [يدعها] (٣) من قبله، ويشهد لهذه الحكمة التي ذكرناها، قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾، وذلك يشعر بالندب إلى الوضع، والأمر بفعل الإحسان ممن ملك، وذلك يشمل تعليلنا وتأويل المخالف. فإن كان الوضع بغير طلاق، مثل أن يضع الأب من صداق ابنته البكر قبل البناء من غير أن يطلقها زوجها، هل تجوز وضيعة الأب وتلزم الابنة أم لا؟ فالمذهب على أربعة أقوال كلها قائمة من "المدونة": أحدها: أنه لا يجوز للأب أن يضع منه شيئًا، كان ذلك لنظر أو لغير نظر، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب النكاح الأول"، لقوله: ولا يجوز لأحد أن يعفو عن [شيء من] (٤) صداق ابنته [البكر] (٥).

стр. 1326

والثاني: أنه جائز كان لنظر أم لا، وهو قوله في "باب نكاح التفويض" حيث قال: يجوز للأب الرضا بأقل من صداق المثل بعد الدخول، ولم يذكر النظر قياسًا منه على أحد الأقوال في جواز إنكاحه إياها بأقل من صداق مثلها [من غير نظر وهو نص قوله في باب نكاح التفويض أنه لا يجوز للأب أن يزوجها بأقل من صداق مثلها] (١)، فظاهره: "وإن كان [لغير نظر] (٢) ". والثالث: التفصيل بين أن يكون لنظر أو لا يكون لنظر: فإن كان لنظر: جاز، مثل: أن تعسر بالمهر ويسأل التخفيف ويخشى أن يطلق. وإن كان لغير ذلك: فلا يجوز، وهو قول ابن القاسم في "كتاب النكاح الأول". ولا فرق في هذه الأقوال الثلاثة بين رضاها وعدمه. والرابع: التفصيل بين أن ترضى فيجوز أو لا ترضى فلا يجوز، وهو قول ابن القاسم في "كتاب النكاح"، على اختلاف المتأخرين في تأويل قوله: في "كتاب النكاح الثاني": إذا رضيت، هل هو عائد على ذات الأب؟ وهو تأويل بعض المتأخرين على "المدونة"، أو [هو] (٣) عائد على ذات الوصي في البكر والثيب السفيهة، وهو تأويل [بعض المتأخرين] (٤) أيضًا، وهو نص قول ابن الجلاب في كتابه [التفريع] (٥).

стр. 1327

فإن ثبت أن ذلك عائد على ذات الأب، صح في المسألة أربعة أقوال، ثم لا خلاف في وضيعة الوصيك: أنها لا تجوز بإذنها أو بغير إذنها. [فإن] (١) ثبت أن الكلام عائد على ذات الوصي، فيتحصل في ذات الأب ثلاثة أقوال، وفي الوصي: لا خلاف أن وضيعته قبل الإذن والرضا أنها لا تجوز، وبعد الإذن والرضا قولان: الجواز والمنع لمالك، و [هو] (٢) نص الجواز لابن القاسم. وسبب الخلاف: الأب، هل يجوز له أن يزوج ابنته البكر بأقل من صداق مثلها لغير مصلحة ولا نظر، أو لا يجوز إلا لنظر؟ فمن قال يمنع النكاح: منع الوضيعة. ومن قال بجواز النكاح، قال: بجواز الوضيعة أيضًا، إذ لا فرق بين أن يترك من بعض ما استحقت أو يضع من بعض ما استحقت. ووجه القول الثالث: اعتبار المصلحة في أفعال الأب وأن النظر يتعقب صنيعه. ووجه القول الرابع: في اعتبار الرضا، تطييب النفس، وذلك منه استحسان جار على غير قياس [والحمد لله وحده] (٣).

стр. 1328

المسألة السابعة في اختلاف درجات الأولياء في القرب والبعد، وكيف إن زوج الأبعد مع وجود الأقرب ؟ وقد قدّمنا أن الولاية مشروطة في النكاح عندنا، ولها شروط: وهي أن يكون الولي مسلما، حرًا بالغًا، ذكرًا عاقلًا. واختلف في الشرط السادس، وهو العدالة، هل هي مشروطة أم لا؟ على قولين: أحدهما: أن ولاية الفاسق في النكاح جائزة، وهو قول ابن القصار. والثاني: أن ولايته وعقده لا يجوز، [ولا يعقد السفيه الفاسق النكاح] (١) وهو قول أشهب في "العتبية". فعلى القول بأن عقده لا يجوز، فإن وقع ونزل، فهل يفسخ أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يفسخ ويرد قبل الدخول وبعده، وهو قول أبي مصعب، ولمالك في "كتاب ابن أشرس": أنه لا يعقد ولا يستخلف من يزوجها، لأنه لا نكاح لسفيهه، وهذا يفسخ كما قال أبو مصعب. والقول الثاني: أن ذلك مكروه مع وجود عدل، فإن عقد جاز، وهو قول القاضي أبي محمَّد عبد الوهاب. وقولنا: مسلمًا، احترازًا من الكافر، ولا خلاف عندنا أن ولاية الكافر

стр. 1329

لا تجوز على مسلمة لمسلم [عند] (١) نكاحها أو لكافر، وله أن يعقد نكاح ابنته النصرانية لمسلم [إن شاء] (٢). وقولنا: حرًا، احترازًا من ولاية العبد، ولا خلاف عندنا في منع ولايته، وعقده على الإناث الحرائر [والإماء] (٣). وقولنا: ذكرًا، احترازًا من الإناث، ولا خلاف عندنا في المذهب: أنه لا يجوز للمرأة أن تعقد النكاح [على امرأة] (٤)، وإن كانت [هي] (٥) وليتها، كأمتها أو مولاتها أو [وصية عليها] (٦): فإنها لا تباشر العقد بنفسها، ولكنّها تُوكِّل من يتولاه دونها. واختلف في عقدها على الذكران، هل يجوز أم لا؟ على قولين: أحدهما: لا يجوز عقدها عليهم، وهو ظاهر "المدونة" في قوله: ولا تعقد المرأة النكاح على أحد، وهو قول حكاه القاضي أبو محمَّد وغيره في المذهب. والثاني: أنه يجوز أن تعقد النكاح على الذكران ممن تلي عليه بملك أو إيصاء أو وكالة، وهو قول منصوص عن مالك في "العتبية" و"الواضحة"، والعبد النصراني كالمرأة في ذلك. فوجه القول الأول: أنها لا تعقد على أحد، بناء منه على أن العقد لا

стр. 1330

يكمل ولا يتم إلا إذا انعقد من الطرفين، إذ لا يتم ولا يطلق عليه اسم العقد إلا كذلك. ووجه القول الثاني: أن الولاية إنما اشترطت في الإناث دون الذكران؛ لأن ابتداء العقد إنما يكون على المرأة، فإذا عقد عليها كان القبول من جهة الزوج خاصة ولا فرق بين أن يتولاه الرجل أو تتولاه المرأة أو العبد، وهذا هو المعروف في المذهب على ما ذكره بعض حُذَّاق المتأخرين. وقولنا أيضًا: بالغًا احترازًا من غير البالغ، وغير البالغ لا يخلو من أن يكون مراهقًا أو غير مراهق. فإن كان غير مراهق فلا خلاف [أن عقده] (١) لا يجوز وهو كلا عقد وسواء عقد على نفسه أو على غيره. وإن كان مراهقًا فلا يخلو من أن يكون أنبت أم لا؟ فإن أنبت الشعر فقولان: أحدهما: أن عقده جائز كالمحتلم وعليه نص بعض المتأخرين. والثاني: أن عقده لا يجوز، والقولان قائمان من "المدونة". وسبب الخلاف: الإنبات هل هو علامة للبلوغ أم لا؟ وظاهر ما قال [مالك] (٢) في "كتاب القطع في السرقة" أن الإنبات من علامات البلوغ. وأما المراهق الذي لم ينبت الشعر فالذي تقتضيه "المدونة"، وظواهرها ونصوص المذهب أن المراهق لا يحكم عليه ولا له بحكم البالغ، ومن أعجب ما رأيت بعض متفقهة الزمان يلهثون في المجالس بحكاية الخلاف

стр. 1331

في المراهق هل هو كالبالغ أم لا؟ وقد مارست المجالس وأفنيت [عمري في المدارس] (١) وطالعت الأمهات [الكبار] (٢) في الفقه والآثار "كالنوادر" "والاستذكار" [و"البيان] (٣) والتحصيل" وكتاب "الاستيعاب للأقاويل" و"كتهذيب الطالب" وكتاب "أسنى المطالب"، وطالعت كثيرًا من كتب الحديث وشرحها وتفاسير القرآن ككتاب "قانون التأويل في شرح علوم التنزيل" مع بسطه وكثرة بحثه واستقصائه حتى أربى على جميع المصنفين في تلك الطريقة؛ لأن صاحبه جمع فيه بين تفسير الظواهر والبواطن فما سمعت ولا رأيت فيما رأيت من يقول أن المراهق له حكم البالغ. والذي لم أطالعه من الأمهات ولا وقعت عيني عليه أكثر من الذي رأيته وطالعته، والذي نسيته من الذي طالعته أكثر [مما] (٤) عقلته عليه، لأن الكلام على ما هو متداول بين أيدي الناس إلا شيئًا ذكره مالك في "المختصر الكبير" لأبي بكر الوقار إذ قال: من ناهز الحلم فلانة طالق إن تزوجتها فتزوجها فرق بينهما ولم يذكر متى تزوجها هل بعد يمينه أو بعد أن بلغ ولم يذكر هل أنبت أم لا؟ أو لعله تزوجها بعد أن بلغ على القول بأن النظر في اليمين إلى يوم الحنث. وهو [قول مالك] (٥) في المبسوط في الصبي يحلف ثم يحنث [وهو

стр. 1332

بالغ] (١) أنه يلزمه ما [حنث] (٢) فيه وهو نص مالك في المدونة (٣) أن من زنا وقد ناهز الحلم وأنبت ولم يحتلم [ألا حد عليه] (٤)، ولو كان [في المسألة] (٥) نص منصوص عليه: "أن المراهق له حكم المحتلم"، لما قال اللخمي مع جلالة قدره، وغزارة علمه، وكثرة لجته، وذكاء عقله [وحدة] (٦) فطنته: ولو قيل: "فيمن ناهز [الحلم] (٧) أن عقده ماض"، لم يبعد، ويحتمل أن يريد بالمناهز: الذي قد أنبت، كما نص عليه مالك في "المدونة". فنسأل الله تعالى أن [يلهمنا رشدنا] (٨) وأن يرزقنا علم ما جهلنا والعمل بما علمنا. فإذا حصلت هذه الشروط التي ذكرناها صحت الولاية لمن حصلت فيه. وهي تنقسم -أعني الولاية- إلى: ولاية خاصة وإلى ولاية عامة. فولاية الخاصة: ولاية القرابة، قال الله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ (٩)، [وهي أيضًا] (١٠) على وجهين: أحدهما: أن يتساووا في المرتبة.

стр. 1333

[والثاني: أن تختلف مراتبهم، فإن تساووا في المرتبة] (١) بنون أو أخوة أو بنوهم أو أعمام أو بنوهم. فإذا اتفقوا وسلَّموا النظر إلى واحد منهم: جاز ذلك بغير خلاف. وإن اختلفوا فقال في "المدونة": ينظر السلطان في ذلك. وقال عبد الملك بن حبيب: ذلك إلى أفضلهم، فإذا استووا في الفضل كان إلى أسنَّهم. وإن استووا في الفضل والسن كان ذلك إلى جميعهم. فأما لو فوضت إلى واحد لكان ذلك إليه دون أصحابه. وإن اختلفت مراتبهم كالأب والابن، وكالأخ وابن الأخ، والعم وابن العم: فإنه يقدم الأولى فالأولى، لأن الولي مأخوذ من الولاء، وهو القرب، ومنه [قول] (٢) مجنون بن عامر (٣): أحن إلى ليلى، وإن شط وليها ... كما حن في الكف اليراع المثقب فإذا زوج الأبعد مع وجود الأقرب [من ولاية] (٤) الخاصة، هل [للأقرب] (٥) فيه كلام أم لا؟، وهل يجوز له الإقدام على العقد ابتداء مع حضور الأبعد أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يجوز له الإقدام على العقد مع وجود الأقرب، وهو

стр. 1334

نص قول ابن القاسم في "المدونة". والثاني: أنه يجوز له الإقدام عليه ابتداء، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة" من مسألة: تزويج الأخ أخته الثيب مع وجود الأب، حيث قال [قال مالك] (١): ما للأب ومالها [وهي] (٢) مالكة أمر نفسها، وهو قول ابن القاسم أيضًا في ذي الرأي من أهلها: أنه يجوز تزويجه مع وجود الأخ وابن الأخ والجد، وهو نص قوله " [كتاب] النكاح الأول"، وهذا يكاد أن يكون نصًا في الباب، والدليل [عليه] (٣) قول عمر ﵁: لا تنكح المرأة إلا بإذن وليها أو ذي الرأي من أهلها أو السلطان (٤)، و "أو" هاهنا على أصلها، وليست بمعنى "الواو". واختلف في ذي الرأي من أهلها، على قولين: أحدهما: أنه الرجل الذي له الصلاح والفضل. والثاني: أنه الوجيه الذي له رأي، ومن يرجع إليه في الأمور. قال اللخمي: وكلا القولين يحتمل أن يكون هو المراد. واختلف: أيضًا في معنى قوله: "من أهلها"، على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الرجل من العُصبة، وهو قول ابن نافع عن مالك. والثاني: أنه الرجل من العشيرة، وهو قول ابن القاسم عن مالك. والقولان: منصوصان في "المدونة". والثالث: أنه الرجل من البطن، وهو قول ابن الماجشون في

стр. 1335

" [واضحة] (١) ابن حبيب". وفائدة اختلافهم: في ذي الرأي من أهلها، من هو؟ أي أنه ليس من العصبة؛ لأن عصبة الرجل أقاربه من قبل الرجال، فإن ذوي الرأي آخر درجات أولياء الخاصة [العشيرة] (٢). فعلى قول ابن القاسم: آخر [درجات] (٣) الأولياء الخاصة: العشيرة، وأنهم على قول عبد الملك: البطن، وعلى قول ابن نافع: العصبة. فعلى قول ابن القاسم أنه من العشيرة، فالمولى الأسفل داخل في العشيرة، لقوله ﷺ : "مولى القوم منهم"، ولدخوله في جماعتهم وعقلهم وأوقافهم. وعلى القول بأنه من العصبة أو البطن، فلا يدخل الأسفل. و [القول] (٤) الثالث: التفصيل بين الأخوة وغيرهم، فإنه يجوز للأخ للأب أن يزوِّج أخته ابتداء وثم أخوها لأبيها وأمها حاضر، إلا أن يكون الأب أوصى بها إلى الشقيق، فلا ينبغي لغيره من الأولياء أن ينكح، وثم أولى منه حاضر إذا لم يكونوا إخوة، وهذا نص رواية علي ابن زياد عن مالك في "المدونة". وإلى أن قوله خلاف ذهب فضل بن سلمة وسحنون وغيرهما من شيوخ المذهب، وحملوه على [أنه] (٥) قولة على حيالها، وهو الصحيح.
следующие страницы →