← Фикх малики

Фикх малики · id 123685

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

الرجراجي، علي بن سعيد

Полный текст (4 240 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

في المراهق هل هو كالبالغ أم لا؟ وقد مارست المجالس وأفنيت [عمري في المدارس] (١) وطالعت الأمهات [الكبار] (٢) في الفقه والآثار "كالنوادر" "والاستذكار" [و"البيان] (٣) والتحصيل" وكتاب "الاستيعاب للأقاويل" و"كتهذيب الطالب" وكتاب "أسنى المطالب"، وطالعت كثيرًا من كتب الحديث وشرحها وتفاسير القرآن ككتاب "قانون التأويل في شرح علوم التنزيل" مع بسطه وكثرة بحثه واستقصائه حتى أربى على جميع المصنفين في تلك الطريقة؛ لأن صاحبه جمع فيه بين تفسير الظواهر والبواطن فما سمعت ولا رأيت فيما رأيت من يقول أن المراهق له حكم البالغ. والذي لم أطالعه من الأمهات ولا وقعت عيني عليه أكثر من الذي رأيته وطالعته، والذي نسيته من الذي طالعته أكثر [مما] (٤) عقلته عليه، لأن الكلام على ما هو متداول بين أيدي الناس إلا شيئًا ذكره مالك في "المختصر الكبير" لأبي بكر الوقار إذ قال: من ناهز الحلم فلانة طالق إن تزوجتها فتزوجها فرق بينهما ولم يذكر متى تزوجها هل بعد يمينه أو بعد أن بلغ ولم يذكر هل أنبت أم لا؟ أو لعله تزوجها بعد أن بلغ على القول بأن النظر في اليمين إلى يوم الحنث. وهو [قول مالك] (٥) في المبسوط في الصبي يحلف ثم يحنث [وهو

стр. 1332

بالغ] (١) أنه يلزمه ما [حنث] (٢) فيه وهو نص مالك في المدونة (٣) أن من زنا وقد ناهز الحلم وأنبت ولم يحتلم [ألا حد عليه] (٤)، ولو كان [في المسألة] (٥) نص منصوص عليه: "أن المراهق له حكم المحتلم"، لما قال اللخمي مع جلالة قدره، وغزارة علمه، وكثرة لجته، وذكاء عقله [وحدة] (٦) فطنته: ولو قيل: "فيمن ناهز [الحلم] (٧) أن عقده ماض"، لم يبعد، ويحتمل أن يريد بالمناهز: الذي قد أنبت، كما نص عليه مالك في "المدونة". فنسأل الله تعالى أن [يلهمنا رشدنا] (٨) وأن يرزقنا علم ما جهلنا والعمل بما علمنا. فإذا حصلت هذه الشروط التي ذكرناها صحت الولاية لمن حصلت فيه. وهي تنقسم -أعني الولاية- إلى: ولاية خاصة وإلى ولاية عامة. فولاية الخاصة: ولاية القرابة، قال الله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ (٩)، [وهي أيضًا] (١٠) على وجهين: أحدهما: أن يتساووا في المرتبة.

стр. 1333

[والثاني: أن تختلف مراتبهم، فإن تساووا في المرتبة] (١) بنون أو أخوة أو بنوهم أو أعمام أو بنوهم. فإذا اتفقوا وسلَّموا النظر إلى واحد منهم: جاز ذلك بغير خلاف. وإن اختلفوا فقال في "المدونة": ينظر السلطان في ذلك. وقال عبد الملك بن حبيب: ذلك إلى أفضلهم، فإذا استووا في الفضل كان إلى أسنَّهم. وإن استووا في الفضل والسن كان ذلك إلى جميعهم. فأما لو فوضت إلى واحد لكان ذلك إليه دون أصحابه. وإن اختلفت مراتبهم كالأب والابن، وكالأخ وابن الأخ، والعم وابن العم: فإنه يقدم الأولى فالأولى، لأن الولي مأخوذ من الولاء، وهو القرب، ومنه [قول] (٢) مجنون بن عامر (٣): أحن إلى ليلى، وإن شط وليها ... كما حن في الكف اليراع المثقب فإذا زوج الأبعد مع وجود الأقرب [من ولاية] (٤) الخاصة، هل [للأقرب] (٥) فيه كلام أم لا؟، وهل يجوز له الإقدام على العقد ابتداء مع حضور الأبعد أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يجوز له الإقدام على العقد مع وجود الأقرب، وهو

стр. 1334

نص قول ابن القاسم في "المدونة". والثاني: أنه يجوز له الإقدام عليه ابتداء، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة" من مسألة: تزويج الأخ أخته الثيب مع وجود الأب، حيث قال [قال مالك] (١): ما للأب ومالها [وهي] (٢) مالكة أمر نفسها، وهو قول ابن القاسم أيضًا في ذي الرأي من أهلها: أنه يجوز تزويجه مع وجود الأخ وابن الأخ والجد، وهو نص قوله " [كتاب] النكاح الأول"، وهذا يكاد أن يكون نصًا في الباب، والدليل [عليه] (٣) قول عمر ﵁: لا تنكح المرأة إلا بإذن وليها أو ذي الرأي من أهلها أو السلطان (٤)، و "أو" هاهنا على أصلها، وليست بمعنى "الواو". واختلف في ذي الرأي من أهلها، على قولين: أحدهما: أنه الرجل الذي له الصلاح والفضل. والثاني: أنه الوجيه الذي له رأي، ومن يرجع إليه في الأمور. قال اللخمي: وكلا القولين يحتمل أن يكون هو المراد. واختلف: أيضًا في معنى قوله: "من أهلها"، على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الرجل من العُصبة، وهو قول ابن نافع عن مالك. والثاني: أنه الرجل من العشيرة، وهو قول ابن القاسم عن مالك. والقولان: منصوصان في "المدونة". والثالث: أنه الرجل من البطن، وهو قول ابن الماجشون في

стр. 1335

" [واضحة] (١) ابن حبيب". وفائدة اختلافهم: في ذي الرأي من أهلها، من هو؟ أي أنه ليس من العصبة؛ لأن عصبة الرجل أقاربه من قبل الرجال، فإن ذوي الرأي آخر درجات أولياء الخاصة [العشيرة] (٢). فعلى قول ابن القاسم: آخر [درجات] (٣) الأولياء الخاصة: العشيرة، وأنهم على قول عبد الملك: البطن، وعلى قول ابن نافع: العصبة. فعلى قول ابن القاسم أنه من العشيرة، فالمولى الأسفل داخل في العشيرة، لقوله ﷺ : "مولى القوم منهم"، ولدخوله في جماعتهم وعقلهم وأوقافهم. وعلى القول بأنه من العصبة أو البطن، فلا يدخل الأسفل. و [القول] (٤) الثالث: التفصيل بين الأخوة وغيرهم، فإنه يجوز للأخ للأب أن يزوِّج أخته ابتداء وثم أخوها لأبيها وأمها حاضر، إلا أن يكون الأب أوصى بها إلى الشقيق، فلا ينبغي لغيره من الأولياء أن ينكح، وثم أولى منه حاضر إذا لم يكونوا إخوة، وهذا نص رواية علي ابن زياد عن مالك في "المدونة". وإلى أن قوله خلاف ذهب فضل بن سلمة وسحنون وغيرهما من شيوخ المذهب، وحملوه على [أنه] (٥) قولة على حيالها، وهو الصحيح.

стр. 1336

فعلى القول: بأنه لا يجوز له الإقدام ابتداء على العقد، فإذا وقع ونزل هل يتعقبه النظر أم لا؟ على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أن النكاح ماض لا يتعقبه النظر، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب". والثاني: أنه يتعقبه، وهو قول الرواة في "الكتاب". وسبب الخلاف: [اختلافهم] (١) في تقديم الأقرب على الأبعد، هل هو من باب الأولى أو ذلك من باب [الولاية] (٢)؟ فمن رأى أن ذلك من باب [الأولى] (٣)، فلا يتعقبه النظر. ومن رأى أن ذلك من باب [الولاية] (٤)، قال: يتعقبه النظر. فعلى القول [بأن النظر] (٥) يتعقب فعله وعقده، هل النظر إلى الولي [الأبعد] (٦) أو النظر إلى السلطان؟ قولان قائمان من "المدونة": أحدهما: أن النظر في ذلك إلى السلطان، وهو قول أكثر الرواة في "المدونة". والثاني: أن النظر في ذلك إلى الأقرب [بين] (٧) الإجازة والرد، وهو قول [آخرين] (٨) في الكتاب أيضًا.

стр. 1337

وسبب الخلاف: اختلافهم [في تعقب النظر هل هو لمعنى أو لغير معنى فإن قلنا أنه لمعنى كان النظر للسلطان وهو الذي كلفه الشرع الكشف] (١) عن الأسرار وإزالة الأضرار. وإن قلنا أنه لغير معنى، [ثم لا] (٢) يتعقبه النظر على قول، ويتعقبه على قول، ولا تتعجب من فعل يتعقبه النظر [من غير] (٣) معنى وتبادر بالإنكار، وتعتبر بالمألوف [المعهود] (٤)؛ لأن الحكمة في نظر الولي مخافة أن [تضع] (٥) وليته نفسها تحت من لا يكافئها، لما علم من ميلهنَّ إلى الرجال، وغلبة شبق [شهوة] (٦) النكاح عليهن، فيكون ذلك من العار الذي إذا نزل لم يزل، فكانت الحكمة تقتضي نظر الولي إلى صنعها. فإنك إذا أمعنت النظر في "الكتاب"، وتفطنت لما قاله مالك فيه نصا، [يتبين] (٧) لك أن تعقب النظر قد يكون بغير معنى، وذلك أنه قال في "كتاب النكاح الأول" في المرأة ذات الشَّرف والدِّين يزوجها رجل من قريش ذو شرف ودين بغير إذن وليها، استخلفت على نفسها رجلًا يزوجها، فقال: النظر في ذلك إلى الولي، إن شاء أجازه، وإن شاء فسخه. فانظر كيف جعل له النظر في فعلها، وإن لم تضع نفسها في دناءة، ولا فيما تلحقه منه معرَّة، ولا فخر أعظم من تزويجها قرشي، ومع ذلك

стр. 1338

جعل له النظر كما ترى. وربك أعلم. والجواب عن [الوجه] (١) الثاني: في الولاية العامة، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٢)، ولا خلاف عندنا أنها ولاية تطالب بها المرأة عند عدم ولاية النسب، فيصح النكاح لوجودها ويفسد لعدمها إذا باشرت العقد بنفسها ولم تستخلف رجلًا. واختلف إذا تزوجت المرأة بولاية الإِسلام، مع وجود الولاية الخاصة، على ستة أقوال: أحدها: [جوازه] (٣) بعد الوقوع، وهي رواية حكاها أبو محمَّد عبد الوهاب في المذهب، [واستخرجه] (٤) بعض المتأخرين، [من] (٥) توقف مالك في "المدونة" عن فسخه، وهو جنوح منه إلى القول بجوازه بعد الوقوع. والثاني: أنه جائز إن أجازه الولي، دخل بها أم لا؟ وهو قول ابن وهب. والثالث: أنه يفسخ، وإن أجازه [الولي] (٦)، وهو قول غيره في "المدونة". والرابع: التفصيل بين الدخول وعدمه، فيفوت بالدخول، وهو تأويل إسماعيل القاضي على قول مالك في "المدونة".

стр. 1339

والخامس: أن للولي أن يجيزه أو يرده، ما لم يطل ذلك بعد الدخول، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب" أيضًا. والسادس: التفصيل بين الدَّنية والشَّريفة وهو قول ابن القاسم أيضًا في "المدونة". وفي المسألة قول سابع في الكتاب بالوقف، على القول بأن الوقف يعد قولا؛ لأن قول مالك ﵁ اضطرب في [التوقيف] (١): فتارة توقف عن فسخه، وذلك جنوح منه [إلى] (٢) ما حكاه القاضي عبد الوهاب في [المذهب] (٣) كما قدمناه. وتارة توقف عن الإجازة إذا أجيز، وذلك منه جنوح إلى القول أنه يفسخ على كل حال. وتفصيل ابن القاسم بين الطول وعدمه، ووجود البناء وعدمه استحسان جار على غير قياس. فعلى القول بأن النظر يتعقبه، هل نظر السلطان أو نظر الولي؟ قولان قائمان من "المدونة" كما تقدم في ولاية الخاصة. وسبب الخلاف: الولاية في النكاح، هل هي حق لله تعالى أو حق للولي؟ فمن رأى أنها حق لله تعالى، قال: [بفسخ] (٤) النكاح على كل حال.

стр. 1340

ومن رأى أنها حق للولي [قال يتوقف على النظر] (١)، فعلى القول بأن النظر لمعنى: كان إلى الإِمام. وعلى القول بأنه لغير معنى: كان للولي. والحمد لله وحده.

стр. 1341

المسألة الثامنة فيمن غاب عن ابنته فلا تخلو غيبته من أحد وجهين: أحدهما: أن تكون غيبته غيبة انقطاع. والثاني: أن تكون غيبته غيبة ارتجاع. فإن كانت [غيبته] (١) غيبة انقطاع، فلا تخلو من وجهين: أحدهما: أن تكون على معنى الغلبة والاضطرار. والثاني: أن تكون على معنى [الترفه] (٢) والاختيار. فإن كانت غيبته على معنى الغلبة والاضرار، كالأسير، فلا تخلو حالة ابنته من أن تكون في حرز وصيانة والنفقة جارية عليها أم لا: فإن كانت في حرز وتحصين، والنفقة جارية عليها، ولم تدع إلى النكاح، فلا إشكال أنها لا [تزوج] (٣) وتنظر قدوم أبيها، إذ لا يجبرها أحدٌ سواه. وإن [كانت قد] (٤) دعت إلى النكاح: فإنها [تزوج] (٥) إن كانت بالغة.

стр. 1342

[فإن] (١) كانت في غير حرز وتحصين، أو كانت في حرز ولا كفاية [ولا مؤنة] (٢) معها: فإنها [تزوج] (٣) أيضًا، إذا خُشي عليها الفساد والضيعة، دعت إلى النكاح أو لم تدع [إليه] (٤). وإن كانت غيبته على معنى [الترفه] (٥) والاختيار، فلا تخلو من أحد وجهين: إما أن تُعلَم حياته أو جُهِلَت: فإن علمت حياته، فلا يخلو موضع غيبته من أن يكون قريبًا أو بعيدًا: فإن كان قريبًا، فلا خلاف في المذهب أنه لا يفتات عليه في إنكاح بناته، دعون إلى النكاح أم لا، إلا أن يتبين ضرر الأب بهن، فيكون كالعاضل الحاضر، فإن الإِمام يتقدم إليه: إما أن يزوجها، وإلا زوَّجها عليه الإمام. وإن [كان بعيد الغيبة] (٦)، مثل الأندلس وطنجة من المدينة، فهل يجوز أن تزوج أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنها تزوج [جملة] (٧) بلا تفصيل وهو ظاهر "المدونة". والثاني: أنها لا تزوج إلا أن يخشى عليها الفساد والضيعة، وهو قول

стр. 1343

مالك في كتاب "محمَّد". وإن جُهلت حياته، ولم تعلم جهته، كالمفقود، فإن الإِمام ينظر في أمر بناته كما ينظر في أمر ماله، ولا يكون المال أسوأ حالًا من البضع، وهذا ظاهر قول مالك في "المدونة"، لأن الإِمام ينظر لها ويعقد النكاح عليها. ولمالك في "كتاب محمَّد" قول آخر: أن للأخ أن يزوجها برضاها، وهذا الخلاف يبنى على الخلاف في المفقود: هل حكمه حكم الحي أو حكمه حكم الميت؟ فمن رأى أن حكمه حكم الميت، قال: النظر في ذلك إلى الأخ لأنه ولي وارث. ومن رأى أن [حكمه حكم الحي، قال] (١): النظر في ذلك إلى الإِمام؛ لأنه من باب النظر للغائب. وأما الوجه الثاني: إذا كانت غيبته غيبة ارتجاع، كمن خرج لتجارة أو لطلب حاجة: فلا إشكال في هذا الوجه أنه لا يتعرض للنظر في أمور بناته، على آية حالة هن عليها كما لو كان حاضرًا، [والحمد لله وحده] (٢).

стр. 1344

المسألة التاسعة في وكالة المرأة على النكاح من يزوجها ولا يخلو توكليها من وجهين: إما أن تعين الزوج أم لا. فإن عينت الزوج، مثل: أن تقول: زوجني من فلان، فلا خلاف في جواز النكاح إذا كان الزوج الذي عينته [كفؤًا لها على حسب ما قدمناه] (١). وإن لم تكن عينته، ولكن فوضت أمرها إلى من أسندت إليه، فلا يخلو من وجهين: إما أن تفوض ذلك إلى واحد، أو تفوض إلى أكثر من واحد: فإن فوضت أمرها إلى رجل واحد، مثل أن تقول له: زوجني ممن أحببت، ثم زوجها من نفسه أو من غيره، فلا يخلو من وجهين: إما أن يطالعها بذلك ويعرفها أم لا: فإن طالعها بذلك وعرفها اسم الرجل الذي زوجها إياه كان هو أو غيره، فرضيت به، فلا خلاف في جواز النكاح. وإن كرهت ذلك، فهل يلزمها فعله، ولا خروج لها عما عقد عليها أم لا؟، فلا يخلو من وجهين: إما أن يزوجها من نفسه أو يزوجها من غيره: فإن زوجها من نفسه، فقولان قائمان من "المدونة":

стр. 1345

أحدهما: أن النكاح لا يجوز، وهو نص قول ابن القاسم، وهل يجوز إن أجازته؟ قولان قائمان من "المدونة" أيضًا، وقد قدمناهما في تقديم العقد على الرضا. والثاني: أن النكاح جائز لازم لها، ولا خيار لها فيه إذا كان الزوج كفؤًا لها، وهذا القول حكاه ابن القصَّار على المذهب، وهو قائم من "المدونة": من مسألة القاضي إذا زوجها من نفسه، إذ لا فرق بين الولي والقاضي، مع سلامة حاله وإصابته في فعله. وسبب الخلاف: اختلافهم في الوكيل، هل هو معزول عن العقد من نفسه لنفسه بما تضمنته الوكالة أو هو داخل فيها وهو من جملة ما اقتضته الوكالة؟ فمن رأى أنه معزول عن العقد من نفسه، قال: لا يلزمه العقد، ويتوقف على رضاها، فيجوز إن أجازته على قول، ولا يجوز على قول. ومن رأى أنه غير معزول، قال بجواز النكاح ولزومه. وهذا الخلاف ينبني على أصل آخر: وهو تخصيص العموم بالعادة، وذلك أن قولها: زوجني ممن أحببت. وهذا العموم يعم نفسه وغيره والعادة الجارية، وذلك أن المرأة [إن] (١) كان لها غرض في [عين] (٢) رجل، فإنها تجعل سفيرا [إليه] (٣) وتقصده بذلك [و] (٤) لا توكله لينظر [لها] (٥) غيره.

стр. 1346

فإذا وكلته علم أن المقصود غيره لا عينه. ومن رأى أن العموم يخصص بالعادة، قال: لا يلزمها النكاح. ومن رأى أنه لا يخصص بالعادة، قال: إنه يلزمها، وهي مسألة اختلف فيها الأصوليون. والبيع في جميع ما ذكرناه مثل النكاح. وإن زوجها [من غيره] (١) من غير مطالعتها [ولا عرفها] (٢)، فهل يلزمها النكاح أم لا؟. قولان منصوصان في [المدونة] (٣): فمرة ألزمها النكاح، ومرة لم يلزمها النكاح، وكل عن مالك. فوجه القول بالجواز واللزوم: عموم الوكالة، وتفويضها الأمر إلى اجتهاده. ووجه القول الثاني: أن المرأة لها غرض في عين الزوج وتسميته، ثم لا يلزمها النكاح إلا برضاها. وأما الوجه الثاني: إذا فوضت أمرها إلى أكثر من واحد، مثل أن تفوض أمرها إلى رجلين فزوجها هذا من رجل، وهذا من رجل، فلا يخلو [ذلك] (٤) من وجهين: إما أن يعقدا معا أو تقدم أحدهما بالعقد على الآخر:

стр. 1347

فإن عقدا عليها معا، فلا خلاف في المذهب في فسخ النكاح من غير اعتبار بالدخول. وإن تقدم أحدهما بالعقد على الآخر، فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يعلم الأول منهما. والثاني: أن يجهل ولا يعلم. فإن علم الأول منهما، فلا يخلو من أن يدخل بها الثاني أم لا: فإن لم يدخل بها الثاني، فلا خلاف أنها للأول، ويفسخ نكاح الثاني. فإن دخل بها الثاني، هل يكون دخوله بها فوتا أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أن الدخول فوت، ويكون الثاني أحق بها، وهو قول ابن القاسم. والثاني: أن الأول أحق بها، ويفسخ نكاح الثاني، وهو قول محمَّد بن عبد الحكم، وهو ظاهر "المدونة" في كتاب "الوكالات" وكتاب "الشركة". وسبب الخلاف: اختلافهم في الفسخ، متى يستعمل؟ هل بنفس الورود أو بالبلوغ؟ فمن رأى أن الفسخ والعزل يستعملان بنفس الورود، قال: بفسخ نكاح الثاني، دخل أم لا؛ لأنه يعقد الأول عزل الآخر عن الوكالة؛ لأن الأمر المقصود بالوكالة قد حصل، فصار الثاني قد عقد من غير توكيل. ومن رأى أنهما لا يستعملان إلا بعد البلوغ والعلم، قال: الثاني أحق بها من الأول إذا دخل بها، لأنه دخل بوجه جائز في ظاهر الأمر.

стр. 1348

وإن جهل الأول منهما، فلا يخلو من أن يدخل بها أحدهما أو لم يدخل بها واحد منهما: فإن دخل بها أحدهما، هل يكون أحق بها أم لا؟، فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه أحق بها، وهو قول مالك في "المدونة". والثاني: أنه لا يكون أحق بها، وأن الدخول لا تأثير له في ثبوت النكاح؛ لأنه على شك، إذ قد يكون هو الآخر، فلا يصلح له المقام على هذا النكاح، وهو قول ابن عبد الحكم. وجمهور العلماء: على أن النكاح مفسوخ من غير اعتبار بالدخول، كما قال ابن عبد الحكم، وما قاله مالك ﵀ استحسان لا يحمله قياس، والله أعلم. فإن لم يدخل بها واحد منهما، فلا خلاف في المذهب أن نكاحها مفسوخ. واختلف إذا أقرت الزوجة أن هذا هو الأول، هل يقبل قولها أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه لا يقبل، وهو قول مالك في "المدونة". والثاني: أن قولها مقبول، وهو قول أشهب في "الواضحة". فإذا قلنا بفسخ النكاح إذا لم يدخل بها واحد منهما: فظاهر المذهب أن الفسخ في ذلك بغير طلاق؛ لأنه نكاح فسخ بالغلبة. وقيل: بطلاق، وهو المنصوص في المذهب. فإن تزوجها أحدهما بعد الفسخ، هل ترجع عنده على جميع الطلاق أو على ما بقي من طلاق الملك؟

стр. 1349

فقد ذكر بعض المتأخرين عن ابن الموَّاز كلامًا متناقضًا في نفسه، وقال: لا يخلو الذي تزوج منها من أن يكون تزوجها قبل زوج أو بعد زوج: فإن تزوجها قبل زوج، فإنها ترجع عنده على جميع الطلاق؛ لأنه إن كان هو الأول [فنكاحه] (١) الثاني، كلا شيء؛ لأنه رجعت إليه امرأته، وهو لم يطلق. وإن كان هو الثاني فكذلك أيضًا، لأن نكاحه بعد الأول، كلا نكاح، لأنه تزوج امرأة غيره، [فإن تزوجها بعد الفسخ فإنها ترجع عنده على جميع الطلاق] (٢). فإذا تزوجها [أحدهما] (٣) بعد زوج، فإنها ترجع عنده على تطليقتين، وهذا كلام [متناقض] (٤) لأن الفسخ الذي فسخ به نكاحهما إن كان بطلاق، فكيف ترجع [عند] (٥) الذي تزوجها منهما بعد ذلك على جميع الطلاق، لأنه فسخ [وقع] (٦) بحكم حاكم، والأول منهما مجهول. وإن كان بغير طلاق، فكيف [يلزمه] (٧) الطلاق بتزويج غيره إياها بعد الفسخ من غير [طلاق] (٨) يوجبه عليه حكم حاكم. وهذا الكلام كما تراه، وربك أعلم بمن هو أهدى سبيلا.

стр. 1350

فإن عثر على هذا النكاح بعد دخول أحدهما، وعلم أنه الثاني، وقد كان الأول قد مات أو أطلق، فلا يخلو ذلك من ثلاثة أوجه: [أحدهما]: أن يكون عقد ودخل قبل موت الأول أو طلاقه. والثاني: أن يكون عقد ودخل بعد موت الأول أو طلاقه. والثالث: أن يكون عقد قبل موته أو طلاقه، [ودخل بعد موته وطلاقه] (١). فأما إن عقد ودخل قبل [موت الأول] (٢) أو طلاقه: فإن نكاحه صحيح ثابت بمنزلة ما لو كان حيًا ولم يطلق، على قول ابن القاسم. وأما على قول ابن عبد الحكم، فينفسخ نكاحه كما قدمناه في صدر المسألة. وأما إذا عقد ودخل بعد موت الأول أو طلاقه، فلا يخلو الأول من أن يكون مات أو طلق: فإن مات: فإن نكاح الثاني مفسوخ، لأنه نكاح في عدة [وترث الأول، وإن طلق فالمذهب على قولين: أحدهما: أن نكاحه صحيح؛ لأنه نكاح في غير عدة] (٣) وهو قول ابن القاسم. والثاني: التفصيل بين أن يكون العاقد لنكاحها آخرًا بعد طلاق الأول

стр. 1351

هو الأب: فلا يفسخ نكاحه، وإن لم يدخل. وإن كان العاقد آخرًا بعد طلاق الأول هو الوكيل: فإنه يفسخ، إلا أن يدخل، وهو قول ابن الماجشون. والفرق بينهما على قول [عبد الملك] (١): أن الأب مطلق على النكاح على الاسترسال، والوكيل تنفسخ وكالته بتزويج الأب قبله. وأما إن عقد قبل الموت أو الطلاق، ودخل بعد ذلك، فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه كالذي عقد ودخل قبل الموت أو الطلاق، [في أن نكاحها] (٢) ثابت ولا ميراث لها من الأول، ولا عدة عليها منه، وهو قول [مالك] (٣) حكاه ابن الموَّاز. والثاني: الفرق بين الوفاة والطلاق: ففي الوفاة: يكون متزوجًا في عدة، بمنزلة امرأة المفقود، تتزوج بعد ضرب الأجل وانقضاء العدة ودخل بها [زوجها] (٤)، ثم تبين أنها تزوجت قبل وفاة المفقود ودخلت بعد وفاة المفقود وقبل انقضاء العدة: أنه يكون متزوجًا في عدة، وفي الطلاق، ولا يكون متزوجا في عدة، وهذا قول بعض المتأخرين، والحمد لله وحده.

стр. 1352

المسألة العاشرة في تعدي الوكيل في النكاح، واختلافه مع الأمر ولا يخلو اختلافهما من وجهين: أحدهما: أن يختلفا في الوكالة [والتسمية] (١). والثاني: أن يتفقا في الوكالة، ويختلفا في التسمية. فالجواب عن الوجه الأول: إذا اختلفا في الوكالة والتسمية مثل أن يدعي رجل على رجل أنه وكله على تزويج امرأة بكذا وكذا مهرًا، [فادعى] (٢) أنه قد فعل [وحمل] (٣) عنه الصداق، وأنكر الزوج أن يكون [قد] (٤) وكله ولا أمر [له] (٥) بذلك: فالقول في ذلك قول الآمر، وهل ذلك بيمين أو بغير يمين؟ قولان قائمان من "المدونة": أحدهما: أنه لا يمين عليه، وهو ظاهر المدونة، وهو قول سحنون في غيرها. والثانى: أن قوله مقبول مع يمينه، وهو قول ابن القاسم في "الأسدية"، وهو ثابت في بعض نسخ "المدونة". فإذا قلنا بفسخ النكاح، هل فسخه بطلاق أو بغير طلاق؟ قولان قائمان

стр. 1353

من "المدونة": أحدهما: أن الفسخ فيه بطلاق، وهو قول ابن القاسم. والثاني: أنه فسخ بغير طلاق. والقولان في بعض نسخ "المدونة"، وبالفسخ بطلاق أخذ سحنون ﵁. فعلى القول بأن الفسخ فيه بطلاق، هل يكون على الرسول نصف الصداق مما ضمن أم لا؟ قولان قائمان من "المدونة": أحدهما: أن الرسول لا يضمن شيئًا من الصداق، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب". والثاني: أنه يضمن نصف الصداق، يغرمه للزوجة، وهو قول علي بن زياد في بعض روايات "المدونة". وسبب الخلاف: المخير بين شيئين، هل يعد مختارًا لما ترك أم لا؟ فمن رأى أنه يعد مختارًا لما ترك قال: يكون الفسخ طلاقا، ويغرم الوكيل نصف الصداق. ومن رأى أنه لا يعد [الوكيل] (١) مختارًا لما ترك، قال: يكون الفسخ بغير طلاق ولا صداق ولا نصف صداق. وظاهر قول ابن القاسم في [الكتاب] (٢): ألا شيء على [الوكيل] (٣)، فسخ بطلاق أم لا.

стр. 1354

والجواب عن الوجه الثاني: إذا اتفقا في الوكالة، واختلفا في التسمية، مثل أن يدعي الوكيل أن النكاح بمائتين، وبذلك أمره الآمر، وقال الآمر: ما أمرته إلا بمائة، فلا يخلو من أربعة أوجه: أحدها: أن يكون لكل واحد منهما بينة. والثاني: ألا بينة لواحد منهما. والثالث: أن يكون له بينة دونها. والرابع: أن يكون لها بينة دونه. فإن كان لكل واحد منهما بينة، للزوج [بينة] (١) أن الوكالة كانت بمائة، وللزوجة [بينة] (٢) أن العقد كان بمائتين، فلا يخلو [ذلك] (٣) من وجهين: أحدهما: أن يعثر على ذلك قبل الدخول. والثاني: أن يعثر عليه بعد الدخول. فإن عثر على تعدي الوكيل قبل الدخول: فإن تراضيا الزوجان على إثبات الزيادة أو إسقاطها ثبت النكاح بينهما، مثل أن يرضى الزوج على إمضاء النكاح بمائتين أو رضيت هي [على] (٤) أن تسقط عنه المائة. فإن لم يتراضيا بذلك، فسخ النكاح بينهما، وهل فسخه بطلاق أو بغير

стр. 1355

طلاق، قولان قائمان من "المدونة". وسبب الخلاف: ما تقدم، [في] (١) المخير بين شيئين، هل يعد مختار لما ترك أم لا؟ لأن الزوج كان قادرًا على إثبات النكاح بالرضا بما ادعت الزوجة. وإن عثر على ذلك بعد الدخول، [ولم] (٢) يعلم الزوج بزيادة الوكيل إلا [بعد الدخول]، ما الذي كون للمرأة من الصداق؟ فقد اختلف المذهب فيها على ثلاثة أقوال، كلها قائمة من "المدونة": أحدها: أن للمرأة أن تأخذ المائتين، مائة من الزوج لإقراره بها، ومائة من الوكيل لتعديه، وهو ظاهر قوله في "المدونة": أن الرسول ضامن إذا أقر بالتعدي، وقيام البينة عليه بالتعدي، كإقراره. والثاني: لا شيء لها إلا مائة واحدة، ولا شيء على الرسول، وهو قول مالك في "مختصر ما ليس في المختصر"، وهو ظاهر "المدونة" أيضًا، من قوله في الكتاب: أن الرسول ضامن إذا أقر بالتعدي، وهو لم يقر بالتعدي، و [قال: إن] (٣) المرأة فرَّطت حين [مكنته] (٤) من نفسها، ولم تستخبر عن مقدار الصداق وتصحيح، ما أقر به الوكيل. والثالث: أن الذي يلزم الزوج من ذلك صداق المثل، وما زاد فعلى الرسول، فإن كان صداق المثل مائة وخمسين: غرمها الزوج، وغرم الرسول خمسين.

стр. 1356

فإن كان صداق المثل مائتين: غرمها الزوج، ولا شيء على الرسول، وهو قول عبد الملك في "كتاب محمد"، وبه قال ابن حبيب، وهو ظاهر "المدونة" أيضًا. وإن لم تكن لكل واحد منهما بينة لا للزوج ولا للمرأة إلا مجرد الدعاوي، فلا يخلو من أن يكون اختلافهما قبل الدخول أو بعده: فإن كان اختلافهما قبل البناء، فالقول قول الزوجة، ويخير الزوج بين أن يغرم مائتين أو يفارق. فإن نكلت عن اليمين: حلف الزوج وفسخ النكاح بينهما، وكان الفسخ في ذلك بطلاق [وهو قول ابن القاسم] (١) وقيل بغير طلاق، وهو قول غيره من أهل المذهب. فإن نكل الزوج عن اليمين [لزمته المائتان] (٢) وثبت النكاح بينهما، فإن رضي الرسول قبل الدخول أن يغرم المائة التي زادها ويثبت النكاح، وكره ذلك الزوج: كان القول قوله؛ لأنه يقول: "لا أرضى أن يكون نكاحي بمائتين". واختلف المتأخرون في [علة ذلك] (٣): فقال بعضهم: العلة في ذلك: قبول المائة، لأن الوكيل يمن عليه بما دفع عنه من الصداق. وقال بعضهم: العلة في ذلك: كثرة التوابع، لأن الصداق مهما

стр. 1357

[كثر] (١) كثرت توابعه ويستضر بذلك الزوج. وهذه العلة: أسعد بظاهر [الكتاب] (٢)، لقوله: لا أرضى أن يكون صداقي ألفين، وذلك يشعر بكثرة المؤنة لا [تقليل] (٣) المنة. وإن كان اختلافهما بعد الدخول، فلا يخلو ذلك من خمسة أوجه: أحدها: أن يعلما جميعًا، الزوج والمرأة، وعلم كل واحد منهما بعلم صاحبه. والثاني: أن يعلما جميعًا، ولم يعلم كل واحد منهما بعلم صاحبه. والثالث: ألا يعلم واحد منهما بفعل الآخر. والرابع: أن يعلم الزوج بزيادة الألف، وأنها ما رضيت إلا بألفين. والخامس: أن تعلم المرأة أن الزوج لم يرض إلا بالألف، وبه أمر الوكيل. [فأما] (٤) الوجه الأول: إذا علما جميعًا، وعلم كل واحد منهما بعلم صاحبه، مثل أن يعلم الزوج أن المرأة ما رضيت إلا بألفين، وعلم أنها علمت بعلمه، وتعلم الزوجة أن الزوج لم يرض إلا بالألف، وعلمت أنه علم بعلمها: كان لها ألفان؛ لأن الزوجة تقول: "أنا قد علمت أنه ما أمره إلا بالألف، ولم أرض [أنا] (٥) أن أبيع سلعتي إلا بألفين، وهو بذلك

стр. 1358

عالم، فرضي بذلك ودخل". وكذلك الجواب عن الوجه الثاني: إذا علمنا جميعًا، ولم يعلم واحد منهما بعلم الآخر حتى دخل بها: أنه يكون لها الألفان أيضًا، وهو ظاهر "المدونة"؛ لأنه علم بزيادة المأمور وتعديه قبل الدخول. فإذا دخل بعد العلم، كان ذلك منه رضا بتلك الزيادة، من غير اعتبار بالمرأة أن تكون عالمة بعلمه. وقال بعض المتأخرين: والقياس أن يكون لها الألف وخمسمائة [لأن علمها] (١)، بانفرادها إذا لم تعلم بعلمه يوجب [لها] (٢) الألف، وعلمه بانفراده إذا لم يعلم بعلمها يوجب لها الألفين؛ لأنها تقول: إنما رضيت بالألف، ولا علم لي برضاه بألفين، ولو علمت ذلك لم أرض بألف، والزوج يقول: رضيت بألفين ولا علم عندي برضاها بألف، ولو علمت ذلك لم أرض بألفين، فتساوت الدعاوى [فوجب] (٣) أن تقسم الألف بينهما، والذي قاله فيه نظر. وأما [الجواب عن] (٤) الوجه الثالث: إذا لم يعلم واحد منهما بفعل الآخر، لا الزوج علم بزيادة وكيله، ولا الزوجة علمت بأن الزوج إنما أذن بالألف خاصة حتى دخل، فليس لها على الزوج إلا الألف خاصة، لأنه على ذلك دخل، ولا عنده بالزيادة [علم] (٥)، وقال في "المدونة": ولا

стр. 1359

شيء لها على الوكيل؛ لأنها [صدقته] (١)، والزوج جحدها الألف الزائدة. فإن أقر المأمور بالتعدي بعد البناء بها: غرم الألف الزائدة للزوجة، ثم لا يرجع بها على الأمر. وأما [الجواب عن] (٢) الوجه الرابع: إذا علمت المرأة قبل الدخول أن وكالة الزوج كانت بألف، ولم يعلم الزوج بزيادة الوكيل حتى دخل بها، لم يكن لها إلا ألف. وأما [الجواب عن] (٣) الوجه الخامس: إذا علم الزوج أنها لم ترض إلا بألفين والزوجة لم تعلم بما أمر به الزوج: كان لها ألفان؛ لأن الزوج على ذلك دخل. وأما الوجه الثالث من أصل التقسيم: إذا كان للزوج بينة دونها، مثل أن يدعي الزوج ألفا، وشهدت له البينة بذلك، وساعده الوكيل، والزوجة تدّعي ألفين، ولا بينة لها عليه، وكان ذلك قبل [الدخول] (٤): فإنها تبدأ باليمين وتحلف على ما قالت، ويكون [الزوج] (٥) بالخيار بين أن يغرم ألفين أو يفارق. فإن نكلت وحلف الرسول: كان لها ألف. [فإن] (٦) نكل الرسول فرق بينهما إلا أن يرضى الزوج [بالألفين] (٧).

стр. 1360

[فإن] (١) لم يعلم حتى دخل بها: كان لها صداق المثل. وإن كان صداق مثلها ألفا: لم يكن لها على الزوج ولا على الوكيل غير ذلك. وإن كان صداق مثلها ألفين: حلفت واستحقت، لأن الرسول أتى بما لا يشبه. واختلف فيمن يستحق الألف الزائدة، على قولين: أحدهما: أنها تستحقها على الوكيل، وهو قول ابن القاسم. والثاني: أنها تستحقها على الزوج، وهو قول عبد الملك. فإن نكلت عن اليمين، سقطت مقالتها عن الزوج، لأن يمينها على الزوج [يمين] (٢) [يهمه] (٣) لا [ترد] (٤)، وترجع مقالتها على الرسول؛ لأنها تدعي عليه التحقيق. فإن حلف برئ، [وإن] (٥) نكل غرم الألف الزائدة. وأما الوجه الرابع من أصل التقسيم: إذا شهدت البينة [للزوجة] (٦) بألفين، وقال الرسول: بذلك أمرني، وقال الزوج: إنما أمرته بألف، ولا بينة [له] (٧)؛ فإن الزوج يحلف، وتكون الزوجة بالخيار بين أن ترضى

стр. 1361

بالألف أو تفارق. فإن نكل الزوج: لزمه ألفان. وهذا فيما بينه وبين الزوجة، لأن يمينه [لها] (١) يمين تهمة [لا ترد] (٢). واختلف هل للزوج أن يُحلِّف الرسول أم لا؟ على قولين: أحدهما: أن له أن يحلفه فإن نكل غرم الألف الزائدة، وهو قول أصبغ. والثاني: أنه لا يمين له عليه؛ لأنه أقر أنه تعدى وافتات عليه في الزيادة، والحمد لله وحده.

стр. 1362

المسألة الحادية عشرة في النكاح الذي يفسخ بطلاق وبغير طلاق النكاح ينقسم إلى قسمين: صحيح وفاسد. فالصحيح: [ما جوزه القرآن والسنة] (١). والفاسد: ينقسم إلى ثلاثة أقسام: نكاح فسد لعقده، ونكاح فسد لصداقه، ونكاح فسد لشروط فاسدة اقترنت به. فأما ما فسد لعقده: فينقسم إلى قسمين: قسم متفق على فساده، وقسم مختلف في فساده: فالمتفق على فساده: مثل نكاح من لا يحل نكاحه، من ذوات المحارم، من نسب أو رضاع أو نكاح المرأة في عدتها [أو على ابنتها أو على أمها] أو على أختها أو ما أشبه ذلك. فهذا القسم يفسخ قبل البناء وبعده، وفيه الصداق المسمَّى إن وقع الدخول. وأما المختلف في فساده: مثل نكاح الشغار، ونكاح المحرم، [ونكاح المريض] (٢)، والناكح والإمام يخطب يوم الجمعة، ونكاح من خطب على خطبة أخيه، وما أشبه ذلك. فهذا مما اختلف فيه المذهب، على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":

стр. 1363

أحدها: أن الفسخ فيه بغير طلاق، قبل الدخول وبعده، وهي رواية السماع. والثاني: أن الفسخ في ذلك [كله] (١) بطلاق، وفيه الميراث، وهي رواية البلاغ. والثالث: التفصيل بين أن يعثر على ذلك قبل البناء أو بعده: فإن عثر عليه قبل البناء، فالفسخ فيه بغير طلاق. وإن كان بعد البناء، فالفسخ فيه بطلاق، وهو أحد أقاويل مالك ﵀ في الذي يتزوج امرأة على ألا صداق [لها] (٢). وينبني الخلاف على الخلاف في الخلاف، هل يراعي أو لا يراعى؟ فمن رأى أنه يراعي، قال: الفسخ فيه بطلاق. ومن رأى أنه لا يراعى، قال: الفسخ فيه بغير طلاق. والتفرقة بين البناء وعدمه: استحسان، جار على غير قياس. وأما ما فسد لصداقه: مثل: أن يتزوج الرجل المرأة بحرام، مثل: الخمر، والخنزير أو بغرر، كالثمرة التي لم يبد صلاحها، والعبد الآبق والبعير الشارد، والجنين في بطن أمه أو تزوجها بصداق [إلى أجل] (٣) مجهول أو ما أشبه ذلك. فهذا قد اختلف فيه المذهب أيضًا، على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أنه يفسخ قبل الدخول، ويثبت بعده، ويكون فيه صداق المثل، وهو المشهور من المذهب، وهو نص "المدونة".

стр. 1364

والثاني: أنه يفسخ قبل الدخول وبعده، وهذا القول مروي عن مالك، وهو قائم من "المدونة" من مسألة نكاح الشغار، وقد أتقناها إتقانًا كليًا. وأما ما فسد لشروط افترقت [به] (١): [وهي] (٢) كثيرة لا تحصى، ولهذا قال مالك في "الكتاب": "وليس لما [يفسد] (٣) به النكاح من الشروط حد"، مثل أن يتزوجها على ألا صداق لها [أو على أن لا نفقة لها أو على أن لا مبيت لها] (٤) أو على أن لا ميراث بينهما، أو تزوجها على أن تكون نفقتها على غير زوجها، كالأب وغيرها، [والزوج] (٥) صغير أو كبير أو على أنه إن لم يأت بالصداق إلى أجل كذا، [وإلا] (٦) فلا نكاح بينهما أو على أن أحدهما بالخيار. فالحكم في هذه الشروط يختلف: فمنها: ما يفسخ به [النكاح] (٧) قبل [وبعد، ومنها ما يفسخ به قبل] (٨) ويثبت بعد. ومنها: ما يمضي بالصداق المسمى. ومنها: ما يرد إلى صداق المثل. وذلك يختلف على حسب اختلاف الصور، وقد عقد [فيه] (٩) بعض

стр. 1365

[حذاق] (١) المتأخرين عقدًا ضابطًا، وقيد فيه قيدًا رابطًا، وقال: كل شرط ترك لأجل شيء لولاه، لكان واجبا، فإنه يفسخ به النكاح، وكل شرط [كان] (٢) لأجل ترك شيء لولاه لكان مباحًا فهذا الشرط لا يفسد به النكاح. وهذا العقد إذا تدبرته تجده صحيحا و [كان] (٣) كلامًا فصيحًا. واختلف في لزوم الطلاق وثبوت الميراث في الأنكحة الفاسدة، على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة": أحدها: أن كل نكاح كانا مغلوبين على فسخه، فلا طلاق فيه ولا ميراث، مثل: نكاح الشغار، ونكاح المحرم، وما كان صداقه فاسدا فأدرك قبل البناء، وهي رواية ابن القاسم عن مالك في "المدونة". والثاني: أن كل نكاح يفسخ قبل البناء ويثبت بعده، ففيه الطلاق والميراث، قبل الدخول وبعده. وما [كان] (٤) يفسخ قبل الدخول وبعده: [وإن] (٥) كان مختلفا فيه، فلا [صداق] (٦) فيه ولا ميراث، لا قبل الدخول ولا بعده، وهو ظاهر "المدونة". والثالث: أن كل نكاح اتفق على تحريمه، فلا [صداق] (٧) فيه ولا

стр. 1366

ميراث، وكل نكاح اختلف في تحريمه وإن غلبا على فسخه قبل الدخول وبعده: ففيه الطلاق والميراث قبل الدخول وبعده. وهذا الذي قاله ابن القاسم برواية بلغته عن مالك على ما نص عليه في "كتاب النكاح الثاني"، وفي بعض روايات كتاب "النكاح الأول" لرواية بلغته ولم يذكر مالك. واختلف في الخلع: إذا خالعها ثم تبين أن النكاح فاسد، هل يرد الزوج الخلع أم لا؟ على ثلاثة أقوال: أحدهما: أن الخلع تابع للطلاق، فحيث ما لزم الطلاق [لزم] (١) الخلع، وحيث ما لم يلزم الطلاق [لم يلزم] (٢) الخلع، وهو قول ابن القاسم في كتاب "النكاح الأول"، خلاف ما قاله في "كتاب الخلع"، وقد قال في " [كتاب] النكاح الأول": [في] (٣) التي تزوجت [بغير إذن وليها] (٤)، [و] (٥)، استخلفت على نفسها رجلًا، يزوجها، ثم خالعها زوجها على مال أخذه منها، قبل أن يجيز الولي نكاحها، فقال ابن القاسم: الطلاق واقع والخلع لازم، ويحل للزوج ما أخذ منها. وقال في "كتاب الخلع": "أن [الخلع ماض و] (٦) المال مردود" (٧). لكن المتأخرون اختلفوا فيما وقع في "كتاب الخُلع"، هل هو لابن القاسم أو لعبد الملك؟.

стр. 1367

فإن كان لابن القاسم: فهو تناقض منه. وإن كان لعبد الملك: فهو وفاق لمذهبه على ما نصف. والقول الثاني: أن الخلع ماضٍ في كل ما لأحدهما المقام عليه مما يرجع إلى اختيارهما وإيثارهما، ويرد في كل نكاح لا يقران عليه، ولا خيار لهما فيه، وهو قول ابن الموَّاز. والثالث: التفصيل بين أن يكون الخيار له أو لها: فإن كان الخيار للزوج في رد النكاح أو إجازته: مضى الخلع له. وإن كان [الخيار] (١) لها عليه رد المال عليها، وهو قول عبد الملك، ومثله في "كتاب ابن سحنون". واختلف هل يقع به التحريم أم لا؟ على قولين: أحدهما: أن التحريم يقع بكل نكاح لم يتفق على تحريمه، وهذا هو مشهور المذهب. والثاني: أن التحريم جار على مجرى الطلاق والميراث، فحيثما لزم [الطلاق] (٢) وثبت فيه الميراث: ثبت فيه التحريم على الآباء والأبناء، وحيث [ما لم] (٣) يلزم الطلاق ولا يثبت فيه الميراث: لم يثبت فيه التحريم، وهو قول [ابن وهب] (٤). وروى مثله عن ابن القاسم. فهذا تحصيل وتفصيل شاف، [والحمد لله وحده] (٥).

стр. 1368

المسألة الثانية عشرة في الأمة بين الشريكين، يزوجها أحدهما بغير إذن شريكه ولا يخلو [ذلك] (١) من وجهين: أحدهما: أن يعثر على ذلك قبل البناء. والثاني: أن يعثر على ذلك بعد البناء. فإن عثر عليه قبل البناء: فإن النكاح يفسخ، والفسخ فيه بغير طلاق ولا صداق فيه، لا نصفه ولا غيره. فإن عثر عليه بعد البناء: فالنكاح مفسوخ أيضًا. وأما الصداق: فلا يخلو من أن يجيز الشريك نكاحه أم لا. فإن أجازه ورضي به: كان [لها] (٢) [نصف] (٣) المسمى. وإن لم يجزه ولا رضي به، هل يكمل [لها] (٤) صداق المثل أم لا؟ مثل أن يزوجها الشريك الحاضر بعشرين، وصداق [مثلها] (٥) ثلاثون، هل يكمل [لها] (٦) صداق المثل أم لا؟ قولان:

стр. 1369

أحدهما: أنه يكمل [لها] (١) صداق المثل، وهو [قول] فضل بن سلمة. والثاني: أنه لا يزاد على المسمى، وهو قول أشهب. فعلى القول: بأنها يكمل لها صداق المثل، فلا يخلو الزوج من أن يكون عالمًا أن فيها شريكًا لغير من زوجه أم لا: فإن كان عالمًا أن فيها [شركا لغيره] (٢) لم يكن له على الذي زوجه مقال في العشرة [التي] (٣) أكمل بها صداق المثل، لأن خمسة منها للغائب وخمسة أكملت لحق الغائب. وقيل: إنه يزاد على صداق المثل خمسة حق للغائب، والحاضر قد رضي بنصف المسمى. وهذا خلاف ينبني على اختلافهم في قسمة هذا الصداق، هل هي موقوفة على تراضيهم واجتماعهم عليها، أو ذلك لمن دعي إلى القسمة منها؟ فمن رأى أن الصداق نحلة لها، [لا أنه] (٤) عوض عن معوض، قال: لا يقسم إلا باجتماعهما، وأن [عليه] العشرة التي [كمل] (٥) بها صداق المثل تزاد على العشرين لحق الغائب، وهو قول فضل بن سلمة. ومن رأى أن الصداق ثمن للرقاب أو ثمن للمنافع، أي ذلك كان، فإنه

стр. 1370

يكون [حقًا] (١) للسيد. ومن دعا منهما إلى القسم كان ذلك له، وهو ظاهر قول ابن القاسم على القول بأن الزوج يخرج جميع العشرة، ويدفعها للأمة مع العشرين دينارًا، فلا يخلو ساعتئذ من ثلاثة أوجه: إما أن تعتق، أو تباع، أو تموت. فإن عتقت تبعها مالها ولا يرجع الزوج عليها، و [لا] (٢) على الشريك بشيء. وإن بيعت فلا يخلو من أن تباع بمالها أو [أن تباع] (٣) بغير مالها. فإن بيعت بمالها، كان للزوج الأقل من الخمسة، وما زاد المال في ثمنها. وإن بيعت بغير مالها: أخذ الزوج خمسة، وهي التي تنوب الحاضر. وإن ماتت أخذ خمسة من نصيب الحاضر. وإن كان الزوج غير عالم أن فيها شركًا لأحد كان له الرجوع على من زوّجه بجميع [المسمى] (٤)، إن أجاز الغائب أو بجميع صداق المثل إن لم يجز، وهل يترك لها ربع دينار أو لا يترك شيئًا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه لا يترك لها شيئًا، وهو ظاهر المدونة، بخلاف الغارة التي
следующие страницы →