فإن كان بالزوج:
أما الجنون: فلا يخلو من أن يؤذيها ولا يعفها من نفسه أو لا يؤذيها.
فإن كان يؤذيها من نفسه ولا يعفها: فلا خلاف في المذهب أنه يحال بينه وبينها، ويؤجل سنة، فإن برأ، وإلا فرق بينهما وكان لها جميع الصداق، ولا فرق في ذلك بين أن يكون قبل البناء أو بعده، ولا بين أن يكون أمر حدث بعد العقد أو كان قبل العقد، وسواء كان يجن مطبقا أو يجن عند رأس كل هلال.
فإن كان يعفها من نفسه ولا يؤذيها، هل يكون لها الخيار أو لا خيار لها؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن لها الخيار بعد أجل سنة، فإذا [مرت] (١) السنة ولم يبرأ، كان لها الخيار، وهو قول مالك في "المدونة" و"كتاب محمد".
والثاني: أنها لا خيار لها إذا أعفاها من نفسه، وهو قول ابن الموَّاز في "كتابه"، وهو قول مثل قول ربيعة في "الكتاب".
وأما الجذام: فلا يخلو من أن يحدث قبل الدخول أو بعده:
فإن حدث قبل الدخول، فإن تبين أنه جذام لا شك فيه: كان لها الخيار اتفاقا [ووفاقا] (٢) من غير تفصيل بين القليل والكثير، وهو ظاهر "المدونة" وتفسير ابن وهب في "العتبية".
وإن شك في أمره ولم يتبين لها أمره: فلا خيار لها بالشك.
وإن كان بعد الدخول: فلها الخيار في كثيره اتفاقا، وهل لها خيار في
стр. 1402
يسيره؟ قولان:
أحدهما: أن لها الخيار في يسيره، كما كان في كثيره، وهو ظاهر "المدونة".
والثاني: أنها لا خيار لها في يسيره، وهو ظاهر قول أشهب في "النوادر"؛ لأنه قال: وليس للجذام حدًا إلا أنه إذا كان متفاحشًا، لا يحتمل النظر إليه، وتغض الأبصار دونه فلها الخيار، فظاهر هذا: أنه إذا كان شيئًا يسيرا [مما] (١) لا يصل إلى هذا الحد، فلا خيار لها، وكذلك نقل اللخمي: أنه لا يفرق من قليله، حتى يتناهى ويتفاحش، لأنه قد اطلع عليها، فلا يعجل بالفراق.
وأما البرص: فقد اختلف المذهب في الرد به على أربعة أقوال:
أحدها: أنه عيب يوجب الخيار للزوج، يسيرًا كان أو كثيرًا، حدث بعد العقد أو قبله أو بعد الدخول، وهو ظاهر "المدونة" في "كتاب النكاح الأول"، وهو ظاهر قول عمر ﵁.
والثاني: أنه لا يرد به الزوج، ولا يوجب الخيار للزوجة، سواء كان قبل العقد أو حدث قبل الدخول، وهو قول أشهب عن مالك في "كتاب ابن الموَّاز"، وهو قول ابن القاسم في كتاب "بيع الخيار" من "المدونة".
والقول الثالث: أنه يرد به إذا كان قبل العقد، ولا يرد به بعد الدخول إن حدث، وإن كان شديدًا، وهو قول ابن القاسم في "النوادر"، وهو ظاهر "المدونة" في "كتاب بيع الخيار"، على تأويل بعضهم.
والرابع: أنه يرد به [قبل] (٢) العقد والدخول، وإن كان خفيفا، ولا
стр. 1403
يرد بما حدث بعد الدخول إلا أن يكون شديدًا فاحشًا لا صبر لها معه، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم في "العتبية"، وهو قول ابن حبيب في "الواضحة".
والخلاف: الذي أوردناه في هذه المسألة لا مستند له ولا مأخذ على الحقيقة، ولا بأس أن يقول القائل: إن الخلاف ينبني على الخلاف في قول عمر ﵁، هل هو معلل أو غير معلل؟
فمن قال: إنه معلل بالإذاية وما يخشى من الترامي في الأولاد والأحفاد، قال: بوجوب الخيار [لها] (١) فيما كان يخشى ذلك منه مما يسري إلى الأبدان، وما يسري إلى إسقاط الاستمتاع وإلي منع استيفائها.
وإن كان قبل البناء، فلا ضرر عليها في الفراق.
وإن كان بعد البناء، فإن كثرت الإذاية، آثر الشرع إزالتها على الضرر الذي يلحقها في كشف الزوج عنها وإن قلت الإذاية: كان موضع [الترجيح] (٢) لذي النظر.
ومن رأى أنه غير معلل، قال: لا فرق بين اليسير والكثير.
وأما داء الفرج: كالجبة والعنة وما كان في معناهما من الخصي والاعتراض.
فأما المجبوب الممسوح [أو] (٣) المقطوع الذكر أو الحشفة أو الحصور أو عنينا الذي آلته كالزر على تفسير أهل اللغة، دون تعارف الفقهاء أو من لا يتأتى منه الاستمتاع أصلًا: فلا خلاف في وجوب الخيار.
стр. 1404
وأما المعترض: فإن لها فيه الخيار غير أنه يؤجل سنة، فإن برأ سقطت حجتها، وإن لم يبرأ فلها الرد، وكان لها جميع الصداق.
وتمام المسألة المعترض في "كتاب النكاح الثاني" إن شاء الله.
واختلف في الخصي القائم الذكر، على قولين:
أحدهما: أن لها الرد، وهو قول مالك.
والثاني: أنه لا يرد به، لأنه بمنزلة من كان عقيما؛ لأن ذلك لا ينقص من جماعه.
فإن كان ذلك بالزوجة:
أما الجنون والجذام: فلا خلاف أعلمه في المذهب أنها ترد بهما من غير تفصيل بين القليل والكثير.
وكذلك ترد من كثير البرص، واختلف في قليله، على قولين:
أحدهما: أنها ترد منه، كما ترد من الكثير، وهو قول مالك في "العتبية"؛ لأنه سئل عن قليل البرص، قال: ما سمعت إلا ما جاء في الحديث. وما الفرق بين قليل ولا كثير.
والثاني: أنها لا ترد من قليله الذي أحيط به علمًا أنه لا يزيد، وهو قول ابن القاسم في "العتبية".
وأما داء الفرج: فإنه ينقسم قسمين:
قسم يمنع الجماع: كالرتق والقرن.
وقسم لا يمنعه: كالعفل والنتن والاستحاضة والإفاضة وحرق النار.
والعفل: بفتح العين المهملة وفتح الفاء في النساء، كالإردة في الرجال، وهي بروز اللحم من الفرج.
стр. 1405
والقرن: بفتح القاف وسكون الراء، مثله لكنه: قد يكون لحما، وقد يكون عظما.
والرتق: بفتح الراء والتاء، تضايق المحل والتحامه.
فإذا وجد الزوج شيئًا من هذه العيوب كان مخيرًا بين الإمساك والفراق، إذا كان ذلك شيئًا لا يقبل العلاج، على تفصيل يأتي إن شاء الله تعالى.
واختلف فيما خف من تلك العيوب، هل يرد به أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنها ترد به، وهو قول مالك في "المدونة" وغيرها.
والثاني: أنها لا ترد إلا أن يكون عيبا يمنع اللذة، وهو قول ابن حبيب.
وسبب الخلاف: هل المراعى في ذلك ما [يمنع] (١) اللذة كلها أو ما يمنع من استيفائها؟
ولا شك أن الجنون والبرص توجد اللذة معهما، ولكنهما يمنعان من استيفائها.
فإذا دعا أحدهما إلى المعالجة وامتنع الآخر، فهل يجبر عليها من أباها؛ فلا يخلو ذلك من أربعة أوجه:
أحدها: [أن لا] يكون عليها ضرر في المعالجة، ولا عيب بالإصابة بعد العلاج.
والثاني: أن يكون عليها ضرر في المعالجة، وفي الإصابة عيب.
والثالث: أن يكون عليها ضرر في المعالجة، ولا عيب في الإصابة.
والرابع: ألا ضرر عليها في المعالجة، وفي الإصابة عيب.
стр. 1406
فإن كان لا ضرر عليها في معالجة الداء وقطعه ولا عيب يستضر به الزوج في الإصابة بعد العلاج: فالقول قول من دعى منهما إلى القطع والعلاج، ويجبر عليه من أباه منهما.
فإن طلق الزوج بعد رضاها بالعلاج وقبل أن تفعل: لزمه نصف الصداق.
فإن كرهت العلاج، فطلقها الزوج لأجل ذلك: فلا شيء لها؛ لأنه لأجل العيب طلق.
فإن كان عليها ضرر في المعالجة وفي الإصابة [عيب] (١) بعد ذلك: كان لكل واحد منهما مقال.
فلها أن تأبى من العلاج إن دعا إليه الزوج للضرر اللاحق بها.
وله ألا يرضى، وإن رضيت بالعلاج لأجل بقاء العيب.
فإن كان عليها ضرر في المعالجة، ولا عيب في الإصابة [بعده كان الخيار للمرأة دون الزوج.
فإن رضيت بالعلاج سقطت مقالته وإن كرهت فارق ولا شيء عليه.
فإن كان لا ضرر عليها في القطع والعلاج وفي الإصابة] (٢) بعد ذلك [عيب] (٣)، كان المقال له دونها، إن أحب ألزمها القطع، وإن أحب فارق، ولا شيء عليه.
وإذا رد الزوج المرأة بشيء من هذه العيوب، فينظر:
стр. 1407
فإن كان قبل البناءة فلا شيء لها من الصداق ولا نصف ولا غيره.
وإن كان بعد البناء: فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون الغرور منها.
الثاني: أن يكون من وليها.
فإن كان منها، فإنها ترد جميع الصداق، إلا ربع دينار.
فإن كان الغرور من وليها، فالأولياء في ذلك على ثلاثة أوجه:
[وجه]: يحمل فيه جميعهم على العلم بها.
ووجه يحمل فيه جميعهم على الجهل بها.
ووجه يحمل فيه بعضهم على العلم دون بعض.
فأما الوجه الذي يحمل فيه جميعهم على العلم بعيوبها كالجنون والجذام، والبرص إذا كان بموضع لا يخفى من جسدها، كالوجه والذراع والساق، لأن هذه العيوب لا تخفى على الأقارب والجيران، بل لا تخفى على الأباعد؛ لأن الحديث عنه من نساء الأقارب يكثر، حتى ينمو العلم بها إلى الأجانب، فيكون الرجوع في هذا الوجه على الولي دون الزوجة.
وأما الوجه الذي يحمل فيه جميع الأولياء [على] (١) الجهل، مثل العيوب الكامنة في الفرج، التي لا يتأتي الاطلاع عليها لأحد من الأولياء حتى الأب، مثل أن يكون العيب لا يتميز للأم أو تكون لا أم لها، لموتها قبل ظهور ذلك العيب أو يكون الأب ممن لا ترفع إليه الأم [مثل ذلك] (٢)، وإن عاشت لقدره وسؤدده، ففي هذا الوجه يكون الرجوع عليها، لكون
стр. 1408
الغرور من جهتها دون سائر الأولياء.
وأما الوجه الثالث: وهو الذي يحمل فيه بعضهم على العلم وبعضهم على الجهل، كالعيوب التي تواريها الثياب، فهذا مما لا يحمل الأب والأخ على العلم فيه دون سائر الأقارب، وما ذلك إلا لمخالتطهما إياها في الدار، وقلة احتراسها والتحفظ عنهما في كل الأزمان، ولابد لا من غفلة: يكون للزوج الرجوع [عليهما] (١) بالصداق إذا عثر على ذلك بعد الدخول، ولا يصدقان إن ادعيا الجهل بذلك.
وإن كان الغرور من جهة الولي، وكان معسرًا، هل للزوج الرجوع عليها أم لا؟ قولان:
أحدهما: أنه لا رجوع له عليها، إذ لا يجب عليها أن تخرج فتخبر بعيبها، ولا أن ترسل به إليه، وهو قول مالك.
والثاني: أن للزوج الرجوع [عليها] (٢)، في عدم الولي، ثم لا ترجع عليه هي غرمت، وهو قول ابن حبيب؛ لأنها مدلسة بالعيب.
فإن كان [الولي] ممن يمكن أن يعلم بالعيب ويمكن ألا يعلم به، كالعم وابن العم أو هو من العشيرة، فادعى الزوج عليه العلم بالعيب، فأنكره أن يكون قد علم به، فقد اختلف فيه على قولين:
أحدهما: أن الولي يحلف، فإن نكل الزوج أنه علم وغر فيما استقر عنده، فإن نكل فلا شيء على الولي ولا على المرأة [لأنه قد] (٣)، أسقط
стр. 1409
تباعته على المرأة بدعواه على الولي، وهو قول ابن الموَّاز في كتابه.
والثاني: أنه إن حلف الولي رجع الزوج على المرأة، وكذلك إن نكل عن اليمين فللزوج أن يرجع على الولي، ويرجع الولي عليها؛ لأن سلعته المبيعة قد ردت بعيب، وهي مدلسة معه، وإن قدمت إليه في أن يعلم بعيبها، فلم يفعل، رأيت أن يرجع عليها بما بين الصحة والداء وليس [لها] (١) أن تبيع معيبا وتأخذ الثمن كاملا، وهو قول ابن حبيب.
فإن كانت العيوب بهما جميعًا الزوج والمرأة، فاطلع كل واحد منهما من صاحبه على عيب، وكان ذلك العيب من جنس عيب صاحبه أو [مخالفه] (٢)، كان لكل واحد [منهما] (٣) القيام بما اطلع عليه ويظهر له.
والجواب عن القسم الثاني: وهو ما لا يوجب الرد من العيوب إلا أن يشترط السلامة، مثل أن يصيبها عمياء أو عوجاء أو مقعدة أو شلاء أو قد ولدت من الزنا أو وجدها بغية أو وجدها ثيبًا أو سوداء أو ما أشبه ذلك، فلا خلاف في المذهب عندنا أن الزوج لا رد له ولا مقال إلا أن يشترط السلامة.
فإذا اشترط السلامة، ثم وجد خلاف ذلك، كان له الخيار.
فإن اشترط البكارة، فلا يجوز له الإقدام على الدخول إلا على أمر ثبت عنده، مثل أن ينظر إليها النساء، فإن قلن: إنها قائمة البكارة، فلا يقبل للزوج كلام بعد ذلك.
стр. 1410
وإن قلن: إنها [ذاهبة البكارة] (١)، كان الزوج بالخيار في ذلك، ولا أظنهم يختلفون في قبول قول النساء في هذا الوجه، وقبول شهادتهن إذا كن ممن تجوز شهادتهن، بخلاف مسألة "إرخاء الستور"، ومسألة "كتاب الرجم".
فإن اشترط البكارة، ودخل بها، وقال: وجدتها ثيبا، فلا يقبل قوله، ولها عليه جميع الصداق.
واختلف إذا صدقه الأب أنها قد زالت بكارتها، فأخذ الزوج جميع الصداق، هل للأب أن يسترجعه من الزوج؟
على قولين:
أحدهما: أن للأب أن يسترجع منه جميع الصداق، ولا شيء للزوجة، وهي رواية أصبغ عن أشهب في "العتبية"، وظاهر قوله أنه لا شيء للزوج على الأب ولا على الزوجة.
والثاني: أنه لا يكون للأب الرجوع على الزوج [بشيء] (٢) من وجهين:
أحدهما: أنه شرط أنها بكر.
والآخر: لو لم يشترط، فإن للأب رد الصداق طائعًا، فليس جهله حجة ولا يصدق، ويحمل على أنه أراد الستر، وصار كالفرية وترجع به المرأة على الأب، وهو قول أصبغ في الكتاب المذكور.
والجواب عن القسم الثالث: وهو المختلف فيه، هل هو من العيوب
стр. 1411
التي توجب الرد مع الجهل به أو من العيوب التي لا توجب الرد إلا أن يشترط السلامة؟ وذلك في أربع: السواد، والقرع، والبخر في الفم، والخشم، وهو نتن الأنف، فقد اختلف فيه المذهب على قولين:
أحدهما: أنها لا ترد بشيء من ذلك، وهو ظاهر قول مالك.
والثاني: أنها ترد من السواد، إذا كانت من بين لا سواد فيهم، وهو كالشرط.
وترد بالقرع؛ لأنه مما يستتر [باللفافة] (١)، وهو قول ابن حبيب.
وترد أيضًا من بخر الفم والخشم وهو ظاهر قول مالك في "مختصر ما ليس في المختصر"، وفي "كتاب ابن الجلاب"، لأنه نص هناك على أنها ترد من نتن الفرج، فبأن ترد من بخر الفم والخشم أولى لقرب مضرته وبعد الآخر.
وسبب الخلاف: اختلافهم في قول عمر ﵁: ترد المرأة من أربعة، هل ذلك لمعنى أو لا لمعنى؟
فمن رأى أن ذلك لمعنى قال: بجواز القياس عليها.
ومن رأى أن ذلك لغير معنى قال: لا يجب له الرد من سوى الأربعة إلا أن يشترط السلامة، والحمد لله وحده.
стр. 1412
كتاب النكاح الثاني
стр. 1413
كتاب النكاح الثاني
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[وصلى الله على محمَّد] (١).
تحصيل مشكلات هذا الكتاب [وهي] (٢) ست عشر مسألة:
المسألة الأولى في اجتماع نكاح وبيع
اختلف أرباب المذهب في النكاح والبيع، هل يجوز اجتماعهما في العقد أم لا؟ مثل أن يزوج الرجل المرأة بمائة دينار على أن أعطته عبدًا أو دينارًا أو تزوجها بعبد أو دار على أن أعطته دنانير أو دراهم.
ولا شك ولا خفاء أن الذي أصدقها الزوج وسماه بعضه ثمن البضع، وبعضه عوض عما أعطته الزوجة، والقدر الذي [هو] (٣) عوض للبضع مجهول في الحال.
واختلف المذهب عندنا في جواز العقد ابتداء، على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أن العقد الواقع على هذا [الوجه] (٤) صحيح، لا وهم فيه، وهو قول أشهب، وهو ظاهر قول ابن القاسم في مسألة الموضحتين في كتاب الصلح من "المدونة"، لأنه قال هناك: إن النقص المصالح به ينقسم
стр. 1414
بين الموضحتين على نصفين، فساوى فيه بين المعلوم الذي هو دية الخطأ، والمجهول الذي يعود به العمد، فكذلك ينبغي أن يكون الحكم عنده في النكاح والبيع.
فينقسم الذي سماه الزوج على البضع والعبد الذي أعطته المرأة، على نصفين.
فما ناب السلعة فمعلوم؛ لأن قيمتها معلومة، وهي كجناية الخطأ.
وقيمة البضع مجهولة، وهي كجناية العمد.
فهذا الذي قلناه لازم لابن القاسم.
فإن جعلناه من باب جمع السلعتين في البيع جاز أيضًا، إذ لا خلاف أعلمه في المذهب نصًا أنه يجوز الجمع بين السلعتين في البيع إذا كانا لملك واحد، اتفقت قيمتهما أو اختلفت، إلا متأولا وذلك أن المرأة جمعت بين بضعها [وعبدها] (١) في صفقة واحدة، فباعت الجميع بمائة دينار.
والقول الثاني: أن العقد لا يجوز، فإن وقع ونزل هل يفيته العقد أو لا يفيته إلا بالدخول؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أنه يمضي بالعقد، وإنما منع ابتداء حماية، وهو أحد قولي مالك في وجه الشغار وصريحه، وما كان صداقه فاسدا في لزوم الطلاق وثبوت الميراث، وهو نص قول مالك في "ثمانية أبي زيد".
والثاني: أنه يفوت بالدخول أو يكون لها صداق المثل، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
стр. 1415
والثالث: أنه يوقف حتى ننظر، فإن بقي بعد قيمة السلعة ربُع دينار: فالنكاح جائز، وهو قول عبد الملك في "كتاب محمَّد"، ومثله للغير في "المدونة" في "كتاب النكاح الثاني" من "المدونة"، والزيادة المعتبرة عند الغير إنما هي يوم الصفقة، كذا فسرها ابن حبيب عن مطرف.
واختلف أئمتنا -رحمة الله- عليهم في العلة التي لأجلها منع [اجتماع] (١) النكاح والبيع في صفقة واحدة:
فمنهم من يقول: العلة في ذلك تنافر العقدين وتضادهما؛ لأن البيع مبني على المكايسة والمشاححة، والنكاح مبني على المكارمة والمسامحة.
وكل عقدين متضادين وضعا: لا يجوز أن يجتمعا شرعا، فعلى هذا يفسخ من غير اعتبار بالتسمية أن يكون سما لكل عقد منهما عوضا أم لا، خلاف ما ذهب إليه جماعة من مشايخ المذهب: في أنه إذا سمى حين العقد أو لم يسم ووقع الاختيار قبل الدخول، وعلم أنه أبقى للبضع ما تستحل به السلعة: أنه جائز على كل الأقوال.
ومنهم من قال: العلة في ذلك [عرو] (٢) البضع [عن] (٣) الصداق، وإن استغرقت السلعة جميع ما سمي الزوج من الثمن أو يجهل ما وقع للبضع منه، على قول من يقول بالوقف.
وقد أجرى الشيوخ العمل في المسألة على قول الغير على الاختلاف في عمل مسألة الموضحة.
стр. 1416
وقول الغير: في هذه المسألة [يضاهي] (١) قول المخزومي في "مسألة الموضحتين"، وذلك أنه جعل العوض كله للمجهول إلا ما نقص [منه] (٢) المعقود، وهكذا يظهر مراد الغير في مقتضى قوله في مسألة النكاح والبيع إذا تدبرته. والحمد لله وحده [وصلى الله على محمَّد وآله] (٣).
стр. 1417
المسألة الثانية في النكاح بصداق فيه غرر
مثل أن يتزوجها على عبد آبق، أو بعير شارد، أو جنين في بطن أمه، أو على ثمرة لم يبد صلاحها، أو على خمر أو خنزير، أو دار فلان، أو بمال على غائب، أو بصداق إلى أجل مجهول:
فلا خلاف عندنا في المذهب أنه لا يجوز الإقدام على هذا ابتداء، فإن وقع ونزل ما الحكم فيه؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أنه يمضي بالعقد من غير اعتبار الدخول، ولا يدخل حتى يفرض لها صداق مثلها، فإن دخل بها: كان لها صداق مثلها، وإن طلق قبل البناء: فلا شيء عليه من الصداق كالتفريض، وهذا أحد الأقاويل، وهو ظاهر قوله في "المدونة" في "كتاب النكاح [الأول] (١) "، وقد بيناه كل البيان في "مسألة الشغار".
والثاني: أنه يفسخ قبل البناء ويثبت بعده، ويكون لها صداق المثل، وهو نص قوله في "المدونة".
الثالث: أنه يفسخ قبل البناء وبعده، وهو قول مالك في "كتاب محمد" وغيره، وهو أحد قوليه أيضًا في "المدونة" فيما كان فساده في صداقه.
على هذه الأقوال كلها فإن المرأة ترد ما قبضت مما سمى لها من الغرر والمجهول إن قبضته.
стр. 1418
فما كان قائمًا بعينه لم يفت فإنها ترد عينه.
وما كان فائتا فإن كان فواته من سببها: فإنها ترد المثل فيما له مثل وترد قيمة ما ليس له مثل، والقيمة في ذلك يوم القبض.
فإن كان الفوات من غير سببها، كذهاب العين أو الفوات بحوالة الأسواق فقيل: يكون الضمان منها أو من الزوج؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن الضمان منها، وهو نص الكتاب.
والثاني: أن الضمان منه، ولا شيء [له] (١) عليها وهو قول ابن حبيب، كما لو طلقها قبل البناء والصداق غرر [على] (٢) أن الطلاق يلزم على مشهور المذهب.
واختلف المذهب في النكاح الصحيح، متى تستحق فيه المرأة الصداق؟، على ما سنعقد فيه مسألة مفردة إن شاء الله تعالى بعد هذا، فكيف في النكاح الفاسد؟
وقوله في "الكتاب": إلا أن يقبض الجنين بعدما ولد، ثم قال: ويحول في يدها باختلاف الأسواق أو نماء أو نقصان، يفيد أن بيع التفرقة، يفيته حوالة الأسواق، وقد نبه عليه بعض المتأخرين، والذي قاله صحيح ظاهر.
وأما الثمرة التي لم يبد صلاحها، فلا تخلو من وجهين:
أحدهما: [أن يعقدا] (٣) في ذلك على الجد.
стр. 1419
والثاني: أن يعقدا فيه على البقاء، فإن عقدا فيها على الجذ، مثل أن يتزوجها على ثمرة لم يبد صلاحها على الجذ، فإن جذتها في الحال: فالنكاح جائز والصداق صحيح.
وإن تأخرت عن الجذاذ حتى طابت الثمرة، لم يفسخ النكاح وإن لم يدخل؛ لأن العقد وقع على نعت الجواز، إذ لا يتهمان أن يكونا عملا على ذلك، ويفسخ النكاح وترد [الثمرة] (١) للزوج، ما عرفت مكيلته ردت فيه، وما جهلت فيه المكيلة ردت قيمته يوم قبضه، ولها على الزوج قيمة ذلك البلح مجذوذًا قيمته يوم النكاح.
وهكذا نقل أبو محمَّد بن أبي زيد في "النوادر" ولم يذكر قائله.
فإن عقد فيها على البقاء، فهاهنا يكون النكاح فاسدًا على الخلاف الذي قدمناه.
ثم لا تخلو الثمرة من أن تكون مقبوضة أو غير مقبوضة:
فإن [قبضته] المرأة، فإنها تردها على الزوج إن كانت قائمة بعينها.
فإن فاتت، فإنها ترد المكيلة، إن عرفت، أو القيمة إن جهلت المكيلة.
فإن جذتها [في الحال] (٢) رطبا: فإنها ترد القيمة ويقبل قولها فيما أقرت به من المكيلة.
فإن لم تقبضها الزوجة حتى تلفت على الشجر، فلا ضمان عليها، والضمان في ذلك على الزوج، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب"، حيث قال: وهذا في غير الثمرة التي لم يبد صلاحها على الرواية الصحيحة، وفي بعض روايات "المدونة" قال سحنون: وهذا في غير
стр. 1420
الثمرة التي لم يبد صلاحها.
والفرق بين الثمرة وغيرها: أن الثمرة في أصول البائع، فلا يتهيأ فيها للمشتري قبض.
وإذا لم يتهيأ له ذلك حتى فاتت لم يتعلق به ضمان، بخلاف ما جذت منها وحصل في ضمانها.
وقوله: وعليها ما جذت من الثمرة وما حصدت من [الحب] (١) فألزمها رد المكيلة فيما بيع جزافًا بيعًا فاسدًا، ولم يجعل حوالة الأسواق فيه فوتًا.
وذهب بعض الشيوخ إلى أن ذلك خلاف لما في "كتاب ابن الموَّاز" في أن المكيل والموزون إذا بيعا جزافًا بيعًا فاسدًا: أن حكمه حكم العروض، وذكروا أن قوله اختلف هناك، والذي قاله في "المدونة"، [وهو] (٢) أحد قوليه، وهذا كله غرر.
وأما إذا كان بعضه غرر وبعضه صحيح، مثل أن يتزوجها بدراهم وبثمره لم يبد صلاحها أو بمال بعضه نقدا وبعضه [مؤجل] (٣) إلى أجل مجهول: إن رضيت المرأة بإسقاط الغرر وأخذ الصحيح منه: لم يفسخ قبل البناء إذا كان في الصحيح [منه] (٤) رُبع دينار فصاعدًا [وإن لم ترض بذلك فسخ ما لم يبن بها وكذلك أن رضيت بإسقاط المؤجل وكان في المعجل ربع دينار فصاعدًا أو رضي الزوج بتعجيل المؤجل أو تراضيا جميعًا على] (٥).
стр. 1421
أن جعلا بدلا مما يسمى من الغرر شيئًا معلومًا صحيحًا، تم النكاح.
ولو لم يكن مع الغرر شيء وتراضيا بإسقاطه على أن يجعلا بدله صداقًا صحيحًا قبل البناء، فلا يجوز ذلك ولابد من فسخه على القول بأنه لا يفوت بالعقد.
وأما على القول بأنه يفوت بالعقد فلا إشكال في صحته وجوازه [والحمد لله وحده] (١).
стр. 1422
المسألة الثالثة في الصداق إذا [استحق] (١) أو وجد به عيبا
[فإذا] (٢) تزوجها على صداق ثم وجدت به عيبا، مثل: أن يتزوجها على قلال خل، [فوجدتها] (٣) خمرًا أو على عبد فاستحق أو وجدت به عيبا:
فإذا تزوجها على قلال خل، [فوجدتها] (٤) خمرًا أو على عبد فاستحق بحرية، فلا يخلو من أن يعثر على ذلك قبل البناء أو بعده:
فإن عثر على ذلك قبل البناء، هل يصح النكاح أو يكون فاسدًا؟
قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أن النكاح صحيح، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أن النكاح فاسد، وهو قول سحنون في العبد والخمر، وقول محمَّد بن عبد الحكم في الخمر، وهو ظاهر "المدونة" في غير ما موضع إذا تزوجها على صداق فاسد من غير اعتبار بالعقد.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الأمر إذا وقع موقع السداد، ثم [انكشف] (٥) على الفساد، أو وقع موقع الفساد، ثم انكشف عن السداد،
стр. 1423
هل يستصحب معه حالة الابتداء أو تستصحب معه حالة الانتهاء؟
ومثل الأول ما ذكرناه في أصل المسألة.
ومثل الثاني إذا وقع موقع الفساد ثم انكشف عن السداد، مثل أن يتزوجها على قلال خمر فوجدتها خلا أو تزوجها على أنها في عدة ثم تبين أنها في غير عدة أو تزوج امرأة رجل غائب على أنها باقية في عصمته، ثم تبين أنه مات قبل ذلك وانقضت العدة، وأمثلة ذلك كثيرة.
فعلى القول بأن النكاح جائز إذا كان قبل البناء، وعثر على ذلك بعد البناء على القولين هل ترجع على الزوج بالمثل في الخل أو بقيمة؟ المذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنها ترجع عليه بالمثل، لأن ذلك مما يتوصل إلى معرفة مقداره بملء القلال بعد تطهيرها إن تطهرت أو معرفة قدر ما تحمل من الماء ثم تطهر به، ثم يكال ذلك الماء، ويدفع لها الزوج من الخل قدره، وهو ظاهر "المدونة"، حيث قال: إنها ترجع [بالمثل] (١) فيما يوجد مثله.
والثاني: أنها ترجع عليه بقيمة الخل لا بالمثل، لأنها على الجزاف دخلت لا على الكيل، لأن الكيل إنما يكون بالقسط، والمكايل التي جعلها الوالي للناس في الأسواق لا بالقلال والجرار، وهو قول سحنون، وهو تأويل بعض المتأخرين على "المدونة"، وحملوا قوله في "الكتاب": وتأخذ مثله [إذا كان يوجد مثله] (٢) أو قيمته إن كان لا يوجد مثله على التفصيل والتقسيم، أي: إن كان على الكيل فمثله أو على الجزاف فقيمته.
стр. 1424
وقال بعضهم: إن كان اشترط الكيل، فلابد من المثل وإن كان لم يشترطه: فهو من باب الجزاف لكونه يتوصل إلى معرفة حقيقته، فلا معنى للقيمة.
وقال آخرون: بل الصواب القيمة إذا وقع العقد على ما لا يصلح العقد فيه، إلا أن يقال: إن مثل ذلك لا يراد لعينه، حتى لو استحق لزم البائع أن يأتي بمثله كالدنانير.
والخلاف في هذه المسألة ينبني على الخلاف في المكيل والموزون، هل يراد لعينه كالعروض أو يراد لغرضه [كالدنانير والدراهم؟
فمن رأى أن المكيل والموزون مراد لعينه، فيقول في ذلك بالقيمة، لأن الأغراض تتعلق بالأعيان لخصائص الصفات.
ومن رأى أنه مراد لغرضه] (١)، قال في ذلك بالمثل، لأن مثل الشيء يقوم مقامه ويَسُدُّ مَسَدَّه.
والقولان في المذهب منصوصان قائمان من "المدونة"، وقد قال في "كتاب الوديعة" فيمن أودعت عنده فاستسلفها ثم ادعى الرد والتلف، فإن كان التلف بعدما ردها، فقال: إن كانت الوديعة دنانير أو دراهم أو مكيل أو موزون فالقول قوله، وإن كانت من غير المكيل والموزون فلا يقبل قوله في دعوى الرد.
وذلك جنوح منه إلى أن المكيل والموزون مراد لغرضه لا لعينه.
فافهم هذا فإنه أصل يبنى عليه كثير من مسائل "المدونة"، مثل اختلافهم
стр. 1425
في النقود، هل تتعين [لذي] (١) العقود أم لا؟، والعروض هل يقضي بها بالمنكر في الاستهلاك أم لا؟، وغير ذلك مما لا يُحصى كثرة.
وقد اعترض بعض حُذَّاق المتأخرين على هذا السؤال باعتراض لازم يتعذَّر الانفصال عنه كما يجب، أعني: سؤال الخل أو وجد خمرا، وقال: فانظر النكاح على هذه القلال، وقد قال بأعيانها.
فإن كانت حاضرة، فكيف لم يوقف عليها حتى يعلم هل خمرًا أو خلًا، والصفة مع حضورها في المجلس لا تصح على رأى محمَّد في جواز بيع الثوب المطوي في جرابه.
وإن كانت غائبة عن المجلس، حاضرة في البلد، وقدر إياها قبل ذلك، على الخلاف المشهور في جواز البيع على هذا النعت أيضًا، أو كانت غائبة عن البلد، فاشتريت على صفة أو رؤيت متقدمة.
فالمسألة على هذين الوجهين ممنوعة أيضًا، إذ لا يرجع الخل خمرًا أبدًا، فالاعتراض واقع جدًا، غير أن المعترض به انفصل عنه بانفصال لا يرفع شغب الاعتراض قال: يحتمل أن تكون القلال حاضرة بأعيانها ورأياها وظناها خلا مما يشتبه عليهما في أعلاها من الغبار الذي يعلوه أو شبه عليهما بالرائحة التي فاحت منها عند فتحها ثم استبان بعد ذلك أنها خمرًا.
أو تكون جماعة قلال اطلع على بعضها وهو خل، فحمل بقيتها على ذلك، فإذا هي لم تخلل أو كانت [مغطاة] (٢) أو مغلقة بما يعسر حله، ويخشى فسادها بحلها، فاستغنى بما اطلع عليه من غيره واستدل به على بقيتها، وهذا إذا وجد الصداق على صفة لا يجوز الرضا بها، كالخل يوجد
стр. 1426
خمرًا أو عبدًا استحق لحرية، على ما قدمناه.
وأما إذا وجدت به عيبا مما يجوز لها الرضا به أو لوليها إن كانت محجورًا عليها، فهل يرجع [بالقيمة] (١) أو بصداق المثل إذا اختارت الرد أم لا؟ فالمذهب على أربعة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: ترجع بقيمة ما ردت من يدها، وهو نص "المدونة" في "كتاب النكاح"، وفي "كتاب الاستحقاق".
والثاني: أنها ترجع على الزوج بصداق المثل، قياسا على البيع؛ لأن من باع عرضا بعرض، فاستحق أحدهما أو وجد به عيبا: فإنه في العرض الذي خرج من يده إن كان قائمًا، أو بقيمته إن كان فائتًا، فكذلك النكاح، وقد قال مالك في هذا "الكتاب": أشبه شيء بالبيوع النكاح.
والثالث: أنها ترجع على الزوج بمثل ما استحق من يدها إن كان عبدًا ترجع عليه بمثله، وهو قول ابن كنانة في "كتاب المدنيين"، وهذا على أحد الأقوال: أن العروض يقضي فيها بالمثل، وهذا القول قائم من "المدونة" و"كتاب التجارة إلى أرض الحرب"، وفي غير ما موضع منها: أن من استهلك لرجل جلدًا: أن عليه شراء جلده أي مثله، والجلدة: عرض من العروض.
ويؤخذ أيضًا من كتاب "تضمين الصُنَّاع" من قول [الغير] (٢) في الغزل: إن على الحائل مثله، خلافًا لقول ابن القاسم الذي قال فيه: عليه القيمة كما لو استهلك ثوبا.
стр. 1427
والقول الرابع: التفصيل بين أن يكون ذلك قبل البناء أو بعده، فإن كان قبل البناء فسخ النكاح، وكانت هي أحق بسلعتها.
وإن كان بعد البناء فلها صداق المثل قياسا على البيع أيضًا، وهذا القول مخرج غير منصوص فيما رأيته.
فوجه القول الأول: أنها ترجع بقيمة ما خرج من يدها [لأن العرض الذي رضيت به بدلا عن بعضها فإذا خرج من يدها] (١) باستحقاق أو رد بعيب، فقيمته تقوم مقامه؛ لأن الرجوع إلى قيمة ما استحق من يدها أقرب من الرجوع إلى صداق مثلها؛ لأن القيمة معلومة وصداق المثل مجهول.
ووجه القول الثاني: أنها ترجع بصداق المثل، لاحتمال أن يكون رضاها بذلك العبد مثلًا عوضًا عن صداقها لغرض لها في عينه، فإذا استحق من يدها أو ردته بعيب فقد فات لها مقصودها، ولم يحصل لها غرضها، فوجب لها أن ترجع إلى قيمة سلعتها الذي هو صداق المثل بالغا ما بلغ.
وقد تكون قيمة العبد الذي رضيت به أقل من صداق المثل، لكنها اغتفرت في ذلك لغرضها في عين العبد.
وعلى هذا الأصل أسس مالك ﵀ قاعدة المذهب في البيوع.
ووجه القول الثالث: أنها ترجع بمثل ما استحق من يدها، وذلك منه بناء على أحد أمرين:
إما أنه [بني] (٢) على أحد قولي المذهب أن العروض مرارة لأغراضها، وهو قول ضعيف في المذهب.
وإما على أن النكاح يسامح فيه ما لا يسامح في البيع، ألا ترى أنه
стр. 1428
جوزه على عبد غير موصوف، وعلى شوار بيت: وذلك لا يجوز في البيع باتفاق، وهذا الوجه أشبه [من الأول] (١).
ووجه القول الرابع: أنه إذا كان قبل البناء فسخ النكاح؛ لأن العوض الذي عليه عاوضت، لم يحصل لها على مرادها وسلعتها بيدها إلى الآن لم تفت، فكانت أحق بها كالبيع، وهذا قول قياسي. وربك أعلم [والحمد لله وحده] (٢).
стр. 1429
المسألة الرابعة في الحطيطة من الصداق على شروط اشترطتها المرأة على الزوج
مثل أن يتزوجها على صداق مسمى، فوضعت منه على ألا يتزوج عليها أو على ألا يخرج بها من بلدها وغير ذلك مما كان مباحًا للزوج أن يفعله.
ولا يخلو ذلك من وجهين:
أحدهما: أن تكون الحطيطة والشرط في عقد النكاح.
والثاني: أن يكونا بعد العقد.
فإن كان ذلك في عقد النكاح، فرضيت بمائة على ألا يتزوج عليها ولا يتسرى عليها، ففعل شيئًا مما شرطت عليه ألا يفعله، هل ترجع عليه بما وضعت أو لا ترجع؟ فلا تخلو الوضيعة من أن تكون مما ناف على صداق المثل أو من صداق المثل.
فإن كانت الوضيعة مما ناف على صداق المثل، فاتفاق المذهب على أنها لا ترجع عليه بشيء.
وإن كانت الوضيعة من صداق المثل، فقولان منصوصان في "المدونة":
أحدهما: أنها لا ترجع عليه بشيء، وهو قول ابن الموَّاز.
والثاني: أنها ترجع عليه بما وضعت، وهو قول علي بن زياد، وفي بعض نسخ "المدونة": أن ذلك قول علي نفسه، وفي بعضها: أنها رواية عن
стр. 1430
مالك، وقد ذكر سحنون آخر [الكتاب] (١) أنها رواية ابن نافع عن مالك.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الشروط في النكاح بمثل ذلك، هل يجب الوفاء بها أو يستحب؟
فمن رأى أنه يجب الوفاء بها قال: لها الرجوع على الزوج بما وضعت، وإلى أن الوفاء بها واجب ذهب ابن شهاب وغيره.
ومن رأى أن الوفاء بها مستحب ليس بواجب قال: لا ترجع على الزوج بشيء؛ لأن الصداق ما وقع به النكاح.
فإن كان الشرط والوضيعة بعد العقد، [مثل أن يعقد النكاح بينهما على مائتي دينار ثم وضعت عنه بعد العقد] (٢) مائة على أن لا يتزوج عليها أو لا يتسرى أو لا يخرجها من بلدها، فهل يجوز [هذا] (٣) الشرط ابتداء أو لا يجوز؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن ذلك جائز اشتراطه والمعاوضة [عليه] (٤) جائزة أيضًا، ولها الرجوع على الزوج بما وضعت عنه، إن لم يف لها بشرطها، وهذا قول ابن القاسم في "المدونة"، واتفق فيه ابن القاسم وعلي بن زياد؛ لأنه جعل لها الخيار في ذلك ولا يكون الخيار بين الفعل والترك إلا فيما يجوز فعله.
والقول الثاني: أن ذلك لا يجوز اشتراطه بشرط الوضيعة، لأنه من تحريم ما أحل الله، وأن الذي أعطته على مذهبه في "المدونة": إن
стр. 1431
وفي بشرطها صح له، وإن لم يف رده، فمرة يكون بيعا، ومرة يكون سلفا، وهذا قول ابن كنانة ومثله في "المختصر" و"السليمانية" و"المبسوط" و"المدونة"، وقد [وقع] (١) مثل هذا في غير ما موضع من "المدونة".
وقد وقع في هذه المسألة سؤالان، اختلف المتأخرون فيهما، هل ذلك اختلاف سؤال أو ذلك اختلاف أقوال؟
وذلك أنه قال: فيمن تزوج امرأة على ألف، فإن كانت له [أخرى] (٢) فصداقها ألفان، فقال: لا يجوز هذا النكاح لأنه غرر [ولا تدري] (٣) هل عنده امرأة أخرى في حين العقد، فيكون صداقها ألفان أو ليست عنده فلا يكون صداقها إلا ألف واحدة، فهذا من الغرر كالعبد الآبق والبعير الشارد.
ثم قال في سؤال آخر بعده: فإن تزوجها بألف على [أنه] (٤) إن أخرجها من بلدها فصداقها ألفان، قال: لا شيء عليه [وله] (٥) أن يخرجها، ولا شيء لها غير الألف.
فذهب بعضهم إلى أنه اختلاف سؤال قال: والفرق بينهما أن الأولى لا تدري وقت العقد، هل عنده امرأة أخرى [فيكون صداقها ألفان] (٦) أو ليست عنده، فيكون لها ألفًا واحدًا.
وأما الثانية فصداقها ألف واحد، لا شيء لها غيره، حتى يحدث عقدًا آخرًا على امرأة أخرى، فعند ذلك يكون لها ألفا أخرى،
стр. 1432
وإلى هذا ذهب فضل بن سلمة.
وذهب هو وغيره أيضًا إلى أن ذلك اختلاف قول، فإن السؤالين سواء، وترجع المرأة في جميعهما إلى أنها لا تدري، هل صداقها ألف أو ألفان؟ وهذا التأويل أسعد بظاهر الكتاب.
وذهب الشيخ أبو عمران الفاسي [﵁] (١) إلى أن قوله في هذه المسألة لا شيء عليه، أي: لا يقضى عليه بهذه الزيادة؛ لأنه خرج منه مخرج اليمين، لا مخرج التبرع [والتقرب] (٢) الذي يقضى به.
وتأويل فضل [بن سلمة] (٣) في الوجهين أقرب من تأويل أبي عمران الفاسي [والحمد لله وحده"] (٤).
стр. 1433
المسألة الخامسة في الأب إذا زوج ابنه أو ابنته وضمن الصداق
وإذا زوج ابنته وضمن صداقها، فلا يخلو من وجهين:
[أحدهما: أن يكون ذلك في صحته.
والثاني: أن يكون في مرضه، فإن كان ذلك في صحته فلا يخلو من وجهين] (١):
أحدهما: أن يكون ذلك [بإذنها] في العقد.
والثاني: [أن يكون ذلك بعد العقد، فإن كان ذلك في العقد فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك بإذنها.
والثاني]: (٢) أن يكون ذلك بغير إذنها.
فإن كان ذلك بإذنها، فلا يخلو الأب من وجهين:
أحدهما: أن يكون حيًا.
والثاني: أن يكون ميتًا.
فإن كان حيًا، فلا يخلو من أن يكون موسرًا أو معسرًا.
فإن كان الأب موسرًا فللزوج الدخول، وترجع الزوجة على أبيها بصداقها تأخذه به إن كان نقدًا، أو تتبعه به إن كان إلى أجل، غير أن الزوج
стр. 1434
يستحب له إذا كان الصداق إلى أجل: ألا يقدم على الدخول حتى يقدم ربع دينار مخافة مما يطرأ، فيؤدي ذلك إلى استباحة البضع بغير صداق.
فإن كان الأب معسرًا، فلا يخلو من أن يكون الصداق نقدًا أو إلى أجل.
فإن كان الصداق نقدًا، فالزوج مخير بين أن يدفع الصداق من ماله ويدخل، أو يطلق ولا شيء عليه:
فإن أدى الزوج الصداق، ودخل: كان له الرجوع على الأب، ويتبعه متى أيسر.
فإن اختار الطلاق وطلق، هل تتبع أباها بنصف الصداق متى أيسر أو لا تتبعه بشيء؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها تتبع بذلك ذمة أبيها [متى] (١) ظهر له مال، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: لا تتبعه بشيء، وهو قول ابن نافع.
ووجه قول ابن القاسم: أنها مطلقة قبل البناء، فكان لها أن تتبع بنصف الصداق من كان لها أن تأخذه بجميع الصداق ولو وقع البناء أصل ذلك الزوج.
ووجه قول ابن نافع: أن الأب إنما ضمن الصداق بشرط استمرار النكاح، ووجود الاستمتاع، فإذا وقع الطلاق بسبب امتناعها عن [إمكان] (٢) الزوج من الدخول، كان ذلك خروجا عن مقصود الأب، بخلاف الزوج إذ
стр. 1435
السبب هناك من جهته.
فإن كان الصداق إلى أجل، فللزوج الدخول، وتتبع الزوجة أباها بالصداق إذا حل الأجل، غير أنه يستحب له أن يقدم [لها] (١) ربع دينار قبل أن يدخل كما قدمناه.
فإن كان الأب ميتا، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يموت بعد البناء.
والثاني: أن يموت قبل البناء.
فإن مات بعد البناء: فلا شيء لها على الزوج من الصداق، وإنما ترجع على ذمة أبيها.
فإن ترك لها ذمة: أخذت منها صداقها.
وإن لم يترك شيئًا: فلا شيء لها.
وإن مات قبل البناء، فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يترك ما فيه وفاء الصداق.
والثاني: أن يترك دون الوفاء.
والثالث: ألا يترك شيئًا أصلًا.
فإن ترك مالًا فيه وفاء أخذت منه جميع صداقها، مؤجلًا كان أو معجلًا، ولا يقاصصها الورثة بما أخذت من ميراثها، بل تأخذ صداقها من التركة، فإن بقي منها شيء أخذت منه ميراثها.
وإن ترك الأب دون الوفاء، لا يخلو صداقها حينئذ من ثلاثة أوجه:
стр. 1436
أحدها: أن يكون كله معجلًا.
والثاني: أن يكون كله مؤجلًا.
والثالث: أن يكون بعضه مؤجلًا وبعضه معجلًا.
فإن كان الصداق كله معجلًا: فلها أن تأخذ تركة أبيها، وتنفرد بها دون سائر الورثة، إذ لا ميراث [لها] (١) إلا بعد قضاء الدين، ثم لها أن تمنع نفسها من الزوج حتى تقبض بقية صداقها، فيكون الخيار للزوج إما أن يكمل لها بقية الصداق من ماله، فيدخل ويتبع بما دفع ذمة الأب مهما ظهرت.
أو يفارق.
وإن اختار [الفراق] (٢)، فهل لها أن تحبس قدر نصف الصداق مما قبضت من تركة أبيها أم لا؟ على قولين:
وقد قدمناهما لابن القاسم وابن نافع، اللهم إلا أن يكون على الميت دين، فإنها تحاصص الغرماء بجميع صداقها؛ لأنها من جملة غرمائه.
وإن كان الصداق كله مؤجلا، كان لها أن تقبض التركة وتتبع ذمة الأب بما بقي لها مهما ثبت له مال، ويكون للزوج الدخول، ولا شيء لها عليه؛ لأنها على ذمة الأب دخلت.
وإن كان مديانًا حاصصت الغرماء أيضًا، كما قدمناه آنفًا.
وإن كان [الصداق] (٣) بعضه معجلًا وبعضه مؤجلًا، مثل أن يكون
стр. 1437
الصداق مائة، وخمسون منها معجلة [وخمسون منها مؤجلة] (١) فلا يخلو من أن يكون عليه دين أو لا دين عليه:
فإن لم يكن على الميت دين: فإنها تقبض التركة أيضًا، فإن [كان] (٢) فيها ما بقي من المعجل: كان للزوج الدخول، وتتبع الأب بما بقي لها.
وإن لم يكن في التركة ما يفي بالمعجل كان الزوج مخيرًا إن شاء كمل لها المعجل ودخل، وإن شاء فارق.
وإن كان على الميت دين كان لها المحاصصة بجميع الصداق، ما حل منه وما لم يحل؛ لأن بموت الميت حلت [جميع] (٣) الديون التي عليه.
فإن نابها في المحاصصة خمسون: فإنها تقبض على المعجل والمؤجل، فيكون منها للمعجل خمسة وعشرون، ويخير الزوج بين أن يكمل المعجل فيدخل أو يفارق.
فإن كمله كان له أن يتبع ذمة الأب مهما ظهرت؛ لأنه فيها ودي، وتتبعه الزوجة بما بقي لها من المؤجل.
فإن اختار الفراق فلا شيء عليه.
واختلف في الخمسين التي أخذتها الزوجة في المحاصصة، هل يكون جميعها للزوجة أو تنقض المحاصة الأولى؟
على قولين:
أحدهما: أن المحاصة الأولى منتقضة، وأن الزوجة ترد مما قبضت
стр. 1438
خمسة وعشرين، وتضرب فيها مع الغرماء بما بقي لها، وهي خمسة وعشرون؛ لأنها تبين بالآخرة أن جميع دينها خمسون.
والثاني: أنها لا ترد شيئًا من الخمسين التي قبضتها، وأن المحاصة الأولى صحيحة لا ترد.
والقولان قائمان من "المدونة":
وينبني الخلاف على الخلاف في المرأة بماذا تستوجب جميع الصداق، هل بالعقد أو بالدخول أو ما يقوم مقامه من طول مكث؟
فمن رأى أنها لا تملك جميع الصداق إلا بالدخول، قال: ترد خمسة وعشرين من الخمسين التي قبضت.
ومن رأى أنها بالعقد تملك جميع الصداق قال: لا ترد شيئًا.
فإن لم يترك الأب شيئًا:
فإن كان الصداق كله معجلا أو بعضه مؤجل [وبعضه معجل] (١): كان الزوج بالخيار بين الفراق والدخول.
وإن كان الصداق كله مؤجلا كان للزوج أن يدخل بها، وتتبع ذمة الأب حيثما ظهرت.
وهذا كله إذا كان ذلك بإذن الزوجة ورضاها.
فإن كان ذلك بغير إذنها ورضاها، فلها ذمة الزوج، ولا تنتقل إلى ذمة الأب إلا أن تشاء.
فإن كان الصداق معجلا كله أو بعضه: فلها أن تمنع نفسها من الزوج
стр. 1439
حتى تقبض جميع صداقها أو ما حل منه.
فإن كان جميعه مؤجلًا فليس لها أن تمنع نفسها من الزوج حتى يحل الأجل، وكره للزوج أيضًا أن يدخل حتى يقدم شيئًا، فإن لم يفعل فلا شيء عليه، وهي رواية أشهب عن مالك في "كتاب ابن الموَّاز".
فإن [عجل الزوج] (١) ربع دينار ليدخل بها، فأبت حتى تقبض الجميع، فإنها تجبر على الدخول إلا أن يتراخى ذلك إلى حلول أجله، فلها أن تأبى ذلك حتى تقبض جميعه أو ما حل منه، وهو قول أشهب.
فإن كان ذلك بعد العقد، مثل أن يتزوجها رجل بصداق معلوم، ثم يضمنه الأب بعد العقد، هل لها أن تستوفي ذلك، من مال أبيها أو يكون الحكم فيه كما لو كان في العقد أو ليس لها في مال أبيها شيء؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه لا شيء لها في ذمة الميت، وإنما ترجع على الزوج بصداقها، فكأنه لم يتحمل به أحد، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب النكاح الثاني".
[والثاني] (٢) أنها تأخذ صداقها من تركة أبيها إن ترك وفاء، وإن لم يترك شيئًا: كان الحكم فيه كالحكم [الأول] (٣) في [الوجه الأول] (٤) إذا كان الضمان في العقد، وقد قدمناه وهو ظاهر قوله في كتاب الحمالات في قوله: ما زاد لك قبل فلان، فأنا به كفيل، فمات [قائل] (٥) ذلك قبل أن
стр. 1440
يأخذ من ذمته فإنه يؤخذ من تركته.
وهذا كله إذا كان في صحة الأب.
فإن كان ذلك في مرضه، مثل أن يزوج ابنته في مرضه، وضمن الصداق عن الزوج، هل يجوز هذا النكاح أو لا يجوز؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن النكاح جائز.
والثاني: أن النكاح لا يجوز، وهو الأظهر في النظر.
والقولان مخرجان في المذهب غير منصوص عليهما.
فوجه القول بالجواز: أنه نكاح سلمت أركانه من الغرر والحظر، وكون الصداق متردد بين ذمة الأب وذمة الزوج أمر يسير مغتفر.
ووجه القول بالمنع: أنه نكاح فيه غرر، وذلك أن الصداق لا يخلو من أن يكون في ذمة الأب أو ذمة الزوج.
فإن كان في ذمة الأب، فذلك موقوف على الثلث، والثلث لا يدري هل يحمل جميع الصداق أو بعضه؟
وهذا عين الغرر، وهذا حكم نكاح الموقوف الذي منعه مالك في أحد قوليه.
فإن كان في ذمة الزوج، فقد يكون معسرًا لا مال له إلا ما تجوزه من جهة الحامل للصداق، وقد يصح كله أو بعضه، وقد لا يصح منه شيء لطرآن الغرماء أو أمر طرأ على ماله، فيذهب به قبل النظر في الثلث، فهذا من وجه الغرر.
وعلى القول بأن النكاح جائز، وهل الصداق عطية للابنة أو عطية