أحدها: أن يكون كله معجلًا.
والثاني: أن يكون كله مؤجلًا.
والثالث: أن يكون بعضه مؤجلًا وبعضه معجلًا.
فإن كان الصداق كله معجلًا: فلها أن تأخذ تركة أبيها، وتنفرد بها دون سائر الورثة، إذ لا ميراث [لها] (١) إلا بعد قضاء الدين، ثم لها أن تمنع نفسها من الزوج حتى تقبض بقية صداقها، فيكون الخيار للزوج إما أن يكمل لها بقية الصداق من ماله، فيدخل ويتبع بما دفع ذمة الأب مهما ظهرت.
أو يفارق.
وإن اختار [الفراق] (٢)، فهل لها أن تحبس قدر نصف الصداق مما قبضت من تركة أبيها أم لا؟ على قولين:
وقد قدمناهما لابن القاسم وابن نافع، اللهم إلا أن يكون على الميت دين، فإنها تحاصص الغرماء بجميع صداقها؛ لأنها من جملة غرمائه.
وإن كان الصداق كله مؤجلا، كان لها أن تقبض التركة وتتبع ذمة الأب بما بقي لها مهما ثبت له مال، ويكون للزوج الدخول، ولا شيء لها عليه؛ لأنها على ذمة الأب دخلت.
وإن كان مديانًا حاصصت الغرماء أيضًا، كما قدمناه آنفًا.
وإن كان [الصداق] (٣) بعضه معجلًا وبعضه مؤجلًا، مثل أن يكون
стр. 1437
الصداق مائة، وخمسون منها معجلة [وخمسون منها مؤجلة] (١) فلا يخلو من أن يكون عليه دين أو لا دين عليه:
فإن لم يكن على الميت دين: فإنها تقبض التركة أيضًا، فإن [كان] (٢) فيها ما بقي من المعجل: كان للزوج الدخول، وتتبع الأب بما بقي لها.
وإن لم يكن في التركة ما يفي بالمعجل كان الزوج مخيرًا إن شاء كمل لها المعجل ودخل، وإن شاء فارق.
وإن كان على الميت دين كان لها المحاصصة بجميع الصداق، ما حل منه وما لم يحل؛ لأن بموت الميت حلت [جميع] (٣) الديون التي عليه.
فإن نابها في المحاصصة خمسون: فإنها تقبض على المعجل والمؤجل، فيكون منها للمعجل خمسة وعشرون، ويخير الزوج بين أن يكمل المعجل فيدخل أو يفارق.
فإن كمله كان له أن يتبع ذمة الأب مهما ظهرت؛ لأنه فيها ودي، وتتبعه الزوجة بما بقي لها من المؤجل.
فإن اختار الفراق فلا شيء عليه.
واختلف في الخمسين التي أخذتها الزوجة في المحاصصة، هل يكون جميعها للزوجة أو تنقض المحاصة الأولى؟
على قولين:
أحدهما: أن المحاصة الأولى منتقضة، وأن الزوجة ترد مما قبضت
стр. 1438
خمسة وعشرين، وتضرب فيها مع الغرماء بما بقي لها، وهي خمسة وعشرون؛ لأنها تبين بالآخرة أن جميع دينها خمسون.
والثاني: أنها لا ترد شيئًا من الخمسين التي قبضتها، وأن المحاصة الأولى صحيحة لا ترد.
والقولان قائمان من "المدونة":
وينبني الخلاف على الخلاف في المرأة بماذا تستوجب جميع الصداق، هل بالعقد أو بالدخول أو ما يقوم مقامه من طول مكث؟
فمن رأى أنها لا تملك جميع الصداق إلا بالدخول، قال: ترد خمسة وعشرين من الخمسين التي قبضت.
ومن رأى أنها بالعقد تملك جميع الصداق قال: لا ترد شيئًا.
فإن لم يترك الأب شيئًا:
فإن كان الصداق كله معجلا أو بعضه مؤجل [وبعضه معجل] (١): كان الزوج بالخيار بين الفراق والدخول.
وإن كان الصداق كله مؤجلا كان للزوج أن يدخل بها، وتتبع ذمة الأب حيثما ظهرت.
وهذا كله إذا كان ذلك بإذن الزوجة ورضاها.
فإن كان ذلك بغير إذنها ورضاها، فلها ذمة الزوج، ولا تنتقل إلى ذمة الأب إلا أن تشاء.
فإن كان الصداق معجلا كله أو بعضه: فلها أن تمنع نفسها من الزوج
стр. 1439
حتى تقبض جميع صداقها أو ما حل منه.
فإن كان جميعه مؤجلًا فليس لها أن تمنع نفسها من الزوج حتى يحل الأجل، وكره للزوج أيضًا أن يدخل حتى يقدم شيئًا، فإن لم يفعل فلا شيء عليه، وهي رواية أشهب عن مالك في "كتاب ابن الموَّاز".
فإن [عجل الزوج] (١) ربع دينار ليدخل بها، فأبت حتى تقبض الجميع، فإنها تجبر على الدخول إلا أن يتراخى ذلك إلى حلول أجله، فلها أن تأبى ذلك حتى تقبض جميعه أو ما حل منه، وهو قول أشهب.
فإن كان ذلك بعد العقد، مثل أن يتزوجها رجل بصداق معلوم، ثم يضمنه الأب بعد العقد، هل لها أن تستوفي ذلك، من مال أبيها أو يكون الحكم فيه كما لو كان في العقد أو ليس لها في مال أبيها شيء؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه لا شيء لها في ذمة الميت، وإنما ترجع على الزوج بصداقها، فكأنه لم يتحمل به أحد، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب النكاح الثاني".
[والثاني] (٢) أنها تأخذ صداقها من تركة أبيها إن ترك وفاء، وإن لم يترك شيئًا: كان الحكم فيه كالحكم [الأول] (٣) في [الوجه الأول] (٤) إذا كان الضمان في العقد، وقد قدمناه وهو ظاهر قوله في كتاب الحمالات في قوله: ما زاد لك قبل فلان، فأنا به كفيل، فمات [قائل] (٥) ذلك قبل أن
стр. 1440
يأخذ من ذمته فإنه يؤخذ من تركته.
وهذا كله إذا كان في صحة الأب.
فإن كان ذلك في مرضه، مثل أن يزوج ابنته في مرضه، وضمن الصداق عن الزوج، هل يجوز هذا النكاح أو لا يجوز؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن النكاح جائز.
والثاني: أن النكاح لا يجوز، وهو الأظهر في النظر.
والقولان مخرجان في المذهب غير منصوص عليهما.
فوجه القول بالجواز: أنه نكاح سلمت أركانه من الغرر والحظر، وكون الصداق متردد بين ذمة الأب وذمة الزوج أمر يسير مغتفر.
ووجه القول بالمنع: أنه نكاح فيه غرر، وذلك أن الصداق لا يخلو من أن يكون في ذمة الأب أو ذمة الزوج.
فإن كان في ذمة الأب، فذلك موقوف على الثلث، والثلث لا يدري هل يحمل جميع الصداق أو بعضه؟
وهذا عين الغرر، وهذا حكم نكاح الموقوف الذي منعه مالك في أحد قوليه.
فإن كان في ذمة الزوج، فقد يكون معسرًا لا مال له إلا ما تجوزه من جهة الحامل للصداق، وقد يصح كله أو بعضه، وقد لا يصح منه شيء لطرآن الغرماء أو أمر طرأ على ماله، فيذهب به قبل النظر في الثلث، فهذا من وجه الغرر.
وعلى القول بأن النكاح جائز، وهل الصداق عطية للابنة أو عطية
стр. 1441
للزوج؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها عطية للزوج من الثلث، وهو قول مالك.
والثاني: أنها عطية [للابنة] من الثلث، ولا شيء له منه، وهو قول أشهب وابن القاسم، قالا في "العتبية": ويقال للزوج: أد الصداق من مالك ويتم النكاح، وإن أبى فارق ولا شيء عليه.
وعلى القول بأنها عطية للزوج، فإن طلق قبل البناء، فهل يكون لها نصف تلك الهبة أم لا؟ وذلك على قولين:
أحدهما: أن لها نصفها من الثلث، ولا شيء للزوج في النصف الباقي، وهو قول مالك وابن الماجشون.
والثاني: أنها لا شيء لها؛ لأن الأب أعطى [على] (١) إن هي دخلت ثبت لها ما أعطى، وهو قول ابن دينار.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا زوج ابنه صغيرًا والبالغ السفيه، وذلك لا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك في الصحة.
والثاني: أن يكون في المرض.
فإن كان في الصحة، فلا يخلو الأب في أمر الصداق من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يشترطه على نفسه.
والثاني: أن يشترطه على ولده.
والثالث: أن يطلق العقد ولا يشترط.
стр. 1442
فإن اشترط الأب الصداق على نفسه، لم يؤاخذه الابن موسرًا كان أو معسرًا، صغيرًا كان أو كبيرًا، لأن ذلك من الأب على وجه الحمل من غير التفات إلى لفظ الأب إن قال: أنا أحمله وأضمنه؛ لأن العادة في ضمانه لذلك أنه على وجه الحمل.
وإن اشترطه على الابن، فلا يخلو من أن يكون الابن موسرًا أو معسرًا.
فإن كان الابن موسرًا كان على الابن [اتفاقا ووفاقا] (١).
وإن كان معسرًا، هل يكون على الأب أو على الابن؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يكون على الأب، وهو قول مالك وابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنه يكون على الابن كما شرطه الأب، بمنزلة ما لو اشترى له سلعة باسمه وكتب عليه الثمن، وهو قول أصبغ وابن الموَّاز، وهو ظاهر قول ابن زياد في "المدونة".
فإذا بلغ الابن وعلم قبل البناء كان له الخيار بين أن يلزمه نفسه أو يفارق، وإن بني قبل أن يعلم لزمه وسقط عنه ما جاوز صداق المثل.
فإن أطلقه الأب ولم يشترطه على نفسه ولا على الابن، فلا يخلو من أن يكونا موسرين أو معسرين أو أحدهما موسر والآخر معسر.
فإن كانا موسرين أو كان الابن موسرًا والأب معسرًا: فالصداق على الابن، عاش الأب أو مات.
стр. 1443
فإن كانا معسرين، فالصداق على من أيسر منهما أولًا ما لم يبلغ الصبي.
فإن بلغ كان له الخيار، إن شاء أن يتقبل الصداق ويثبت النكاح، وإن شاء فارق.
فإن كان الابن معسرًا، والأب موسرًا فالصداق [من] (١) مال الأب حيًا أو ميتًا، وتأخذ ذلك من رأس ماله بعد مماته.
وهذا كله إذا كان الابن صغيرًا أو بالغًا سفيهًا.
فإن كان الابن بالغًا رشيدًا، فزوجه الأب برضاه، فلا يخلو الصداق أيضًا من ثلاثة أوجه:
إما أن يشترطه الأب على نفسه، أو على ولده، أو أبهم الأمر.
فإن اشترطه على نفسه: كان ذلك حمل، والتباعة على الأب لا على الابن.
فإن طلق الابن قبل البناء، فلا يخلو طلاقه من وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك بمعنى الخلع.
والثاني: أن يكون على غير وجه الخلع.
فإن كان طلاقه على غير وجه الخلع رجع نصف الصداق إلى الأب.
فإن كان الطلاق على وجه الخلع، مثل أن يطلقها على أن ترد عليه جميع صداقها، هل يكون جميعه للابن أو يشطر بينهما؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن جميع الصداق للأب، ولا شيء فيه للابن، وهو قول ابن القاسم في "كتاب ابن حبيب".
стр. 1444
والثاني: أن الصداق بينهما أنصافًا، فنصفه للأب ونصفه للابن، وهو قول ابن الماجشون، وهذا هو الأظهر في النظر، وذلك أن الزوجة ملكت نصف الصداق بالطلاق، فإذا خالعت بجميعه، فكأن النصف الذي لها عاوضت به الزوج، والله أعلم.
فإن اشترطه الأب على الابن: فلا صداق عليه موسرًا [كان] (١) أو معسرًا , ولا خلاف في هذا الوجه.
وإن أبهم الأمر، ولم يشترطه على نفسه ولا على ولده، وقال الأب: إنما أردت أن يكون الصداق على الابن.
وقال الابن: إنما ظننت أن ذلك على أبي، فلا أغرم شيئًا.
فلا يخلو من أن يعثر على ذلك قبل البناء أو بعده.
فإن عثر على ذلك قبل البناء، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن النكاح مفسوخ ولا شيء على واحد منهما، وهو قول مالك، قال محمَّد: بعد أن يحلف كل واحد منهما، فمن نكل منهما لزمه.
والثاني: أن النكاح ثابت ويغرم كل واحد منهما نصف الصداق، وهو اختيار اللخمي.
فإن عثر على ذلك بعد البناء، حلف الأب وبرئ، ثم ينظر في الصداق المسمى وصداق المثل.
فإن كان صداق مثلها مثل المسمى فأكثر: غرمه الزوج بغير يمين.
فإن كان المسمى أكثر حلف الزوج، وغرم صداق المثل.
стр. 1445
فإن زوجه الأب في مرضه، وهو صغير وضمن عنه الصداق، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يعثر على ذلك في مرضه.
والثاني: أن يعثر عليه [في] (١) صحته.
فإن عثر على ذلك في مرض الأب فإن الضمان لا يجوز إلا بإجازة الورثة إما بعد الموت بالاتفاق، وإما قبل الموت على الخلاف في تسليم الشيء قبل وجوبه على ما يأتي بيانه في موضعه إن شاء الله.
واختلف قول مالك في جواز هذا النكاح، على قولين منصوصين في "المدونة":
أحدهما: أن النكاح لا يجوز، وهو معنى قوله في "الكتاب": لا يعجبني هذا النكاح، يريد ويفسخ.
والثاني: أن النكاح جائز، ويخبر الزوج إن كان كبيرًا بين أن يدفع الصداق أو يطلق.
وإن كان صغيرًا، فالنظر في ذلك إلى وليه.
فإن رأى أن ذلك صلاحًا وغبطة وسرورًا دفع الصداق من مال الولد، وإلا فسخ النكاح.
فإن لم ينظر في هذا النكاح حتى بلغ الصبي، فاختار أن يدفع الصداق من ماله، فجواز النكاح يتخرج على قولين قائمين من "المدونة".
فإن مات أحدهما قبل النظر فيه، فهل يتوارثان أم لا؟
стр. 1446
قولين قائمين من "المدونة" أيضًا.
فإن عثر على ذلك بعد صحة الأب: فإن النكاح صحيح، والضمان ثابت لزوال العلة التي لأجلها منع، وذلك وصية لوارث.
وينبني الخلاف على الخلاف: في الخيار [الحكمي] (١) هل هو كالخيار الشرطي أم لا؟
وعلى هذا الأصل انبنى كثير من مسائل هذا الكتاب [والحمد لله وحده] (٢).
стр. 1447
المسألة السادسة في الصداق
والكلام فيه في أربعة مواضع:
أحدها: الكلام في اشتقاقه.
والثاني: الكلام في حكمه.
والثالث: الكلام في حده.
والرابع: الكلام في جنسه.
الموضع الأول: [وهو] الكلام في اشتقاق الصداق.
والصداق بفتح الصاد وكسرها، ومعناه مشتق من الصدق والصحة، ومنه: فرس صدوق، وكلام صدق أي: صحيح متساوي الباطن والظاهر.
وكذلك النكاح الشرعي بشرط الصداق مستوى الظاهر والباطن، بخلاف السفاح.
ويقال للصداق أيضًا: فريضة ونحلة وأجرًا:
قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (١)، [وقال:] (٢) ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (٣)، وقال: ﴿اللَّاتِي آتَيْتَ أَجُورَهُنَّ﴾ (٤).
وقد سمى في الحديث أيضًا "عفوا"، وكذلك ذكره في "كتاب أمهات
стр. 1448
الأولاد" من "المدونة".
وقد سمى أيضًا نفقة، قال الله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا﴾ (١).
وسمى أيضا: مهرًا.
وسمى أيضًا: بضعًا.
والموضع الثاني: الكلام في حكمه، ولا خلاف بين الأمة في أن الصداق شرط من شروط صحة النكاح، وأنه لا يجوز التراضي على تركه، لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (٢)، وقوله: ﴿[فَانكِحُوهُنَّ] بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ (٣).
والنكاح بغير صداق لا يخلو من أن يكون على صفة السفاح أو وجد فيه شرط من شروط النكاح.
فإن وقع على صفة السفاح، مثل أن يذكراه بلفظ النكاح من غير ولي ولا إشهاد، فذلك سفاح لا نكاح.
فإن وجد فيه بعض الشروط، مثل أن يكون فيه ولي وإشهاد وشرط إسقاط الصداق فذلك لا يجوز؛ لأن ذلك في معنى الهبة التي خص بها النبي ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِىّ [إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ]﴾ (٤) الآية.
стр. 1449
وقد اختلف المذهب عندنا إذا تزوجها على ألا صداق [لها] (١) هل [يصححه] (٢) البناء؟ على قولين منصوصين عن مالك في كتاب النكاح [الثالث] (٣) من "المدونة".
والموضع الثالث: وهو الكلام في حده وقدره.
وقد أجمع العلماء قاطبة [على] (٤) أنه لا حد لأكثر الصداق، وهو على ما يتراضيان عليه، وقد أمهر النجاشي عن النبي ﷺ أربعة آلاف، وكل بنات عبد الله بن عمر وبنات أخيه يصدقهن ألف دينار، كل واحدة أو عشرة آلاف درهم.
وكان ابن عمر يجعل [لهن] (٥) قريبًا من أربعمائة دينار حليًا، وتزوج ابن عباس [﵁] (٦) على عشرة آلاف، وتزوج القعقاع بن [شدر] بنت قبيصة بن هانئ على أربعين ألفا في [أيام] (٧) الإِمام علي ﵁، إلا أن المباشرة في الصداق أفضل من المغالاة.
وكان صداق النبي ﷺ أزواجه: خمسمائة درهم، وذلك اثنا عشر أوقية ونش، والأوقية: أربعون درهما، والنش: عشرون درهما.
وتزوج عبد الرحمن على وزن نواة من ذهب، وهي خمسة دراهم ولم
стр. 1450
يكن ذهبا، وكانوا يسمون الخمسة دراهم "نواة"، كذا ذكر الشيخ أبو محمَّد في "النوادر" فاستكثر النبي ﷺ لرجل مائتي درهم.
وزوج سعيد بن المسيب ابنته على [صداق] (١) ثلاثة دراهم على [سموه] (٢) وجلالة قدره.
وأما أقله، فقد اختلف العلماء فيه.
فمنهم من يقول: أنه محدود بربع دينار من الذهب أو ثلاثة دراهم من [الورق] (٣) أو ما يساويهما من سائر العروض، وهو مشهور مذهب مالك ﵀.
ومنهم من يقول: لا حد لأقله، وكل ما جاز أن يكون ثمنا أو قيمة [من المتمولات] (٤)، جاز أن يكون صداقًا، من قليل الأشياء وكثيرها، وهو مذهب الشافعي وغيره، وبه قال ابن وهب من أصحابنا.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الصداق، هل هو من [قبيل] (٥) العادات أو من قبيل العبادات؟
فمن رأى أنه من قليل العادات وأنه عوض من الأعواض قال: يجوز بما وقع عليه التراضي من قليل الأشياء أو جليلها.
ومن رأى أنها من قبيل العبادات، قال: أنه مؤقت بحد [لا يجوز
стр. 1451
النقصان منه وربما يعضد هذا المذهب اتفاق الجميع على أنه لا يجوز التراضي على إسقاط الصداق] (١)، فثبت بهذا أنه ليس من قبيل المعاوضات.
وربما استدل من نفى التحديد بحديث سهل بن سعد الساعدي [المتفق على صحته] (٢) أن رسول الله ﷺ جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله، قد وهبت نفسي لك، فقامت قياما طويلًا، فقام رجل فقال: يا رسول الله زوجنيها إن لم تكن لك بها حاجة، فقال رسول الله ﷺ : "هل معك من شيء تصدقها إياه؟ " فقال: ما عندي إلا إزاري، قال رسول الله ﷺ : "إن أعطيتها إياه بقيت ولا إزار لك، التمس شيئا"، فقال: ما أجد شيئًا، فقال ﵇: "التمس ولو خاتما من حديد" فالتمس فلم يجد شيئًا، فقال رسول الله ﷺ : "هل معك شيء من القرآن؟ " قال: نعم، سورة كذا، وسورة كذا، [لسور] (٣) سماها، فقال رسول الله ﷺ : "أنكحتكها بما معك من القرآن" (٤).
وقوله ﷺ : "ولو خاتمًا من حديد"، دليل على أنه لا حد لأقله، وإنما يجوز بأقل ما يقع عليه اسم الأقل، إذ لو كان لأقله حد محدود لبينه ﷺ ، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
والانفصال عن هذا الاستدلال من وجوه:
منها معارضته القياس ومصادمته إياه؛ لأن الحديث آحاد والقياس
стр. 1452
معارضة.
[ومنها: أن يقال أن قوله ﷺ : "التمس ولو خاتما من حديد" يحتمل أن يكون الخاتم المراد هي البيضة التي هي الخوذة، وقد قيل ذلك] (١).
ومنها: أن يقال: إن ذلك قضية في عين، لقوله ﷺ : "قد أنكحتكها بما معك من القرآن"، وذلك خلاف الأصول؛ لأن القرآن لا يتصور أن يكون حفظه صداقًا، وقضاء الأعيان لا يصح به الاستدلال في كل الأحوال.
وللخصوم عن هذا الانفصال أجوبة:
منها: أنه ورد في بعض طرق الحديث أنه قال: "قم فعلِّمها" بما ذكر أنه معه من القرآن، فقام فعلمها، فكان نكاحًا بإجارة.
ومنها: أن القياس الذي عورض به دليلهم انبنى على مقدمتين، وبعدهما كانت النتيجة إحدى المقدمتين [كون] (٢) الصداق عبادة، والثانية: كون العبادة مؤقتة، وفي كليهما نزاع للخصم، وذلك أنه قد [يلغي] (٣) في الشرع من العبادات ما ليست مؤقتة، بل الواجب فيها أقل ما ينطلق عليه الاسم، كالركوع عند من يرى الطمأنينة واجبة، وغير ذلك مما لا يحصى كثير.
والقياس لا يصح إلا بتسليم مقدمتيه.
وعند من يقول بمقدمتين من الجدليين من المنطقيين، [واستدل
стр. 1453
القائلون] (١) بنفي التحديد أيضًا بما خرجه أبو عيسى الترمذي: [أن] امرأة تزوجت على نعلين، فقال لها رسول الله ﷺ : "ملكتيه نفسك ومالك بنعلين؟ " فقالت: نعم (٢) فجوَّز نكاحها وقال فيه: هذا [حديث] (٣) حسن صحيح، وهذا نص في محل النزاع.
فأما القائلون بالتحديد للصداق بربع دينار: فإنهم التمسوا أصلًا يقيسون عليه، فلم يجدوا شيئًا أشبه به من نصاب القطع وحددوا، وقالوا: عضو يستباح بمال فوجب أن يكون مقدرًا بربع دينار [فإنهم يلتمسون أصلًا يقيسون عليه فلم يجدوا شيئًا أشبه به من] (٤)، أصل القطع في السرقة.
واعترض بعض أئمتنا على هذا القياس، كالفقيه ابن النجار وغيره، وقالوا: هذا قياس ضعيف من قبل أن القطع غير الوطء، وإن جمعتهما لفظة الإباحة، فإن القطع استباحة على وجه العقوبة والمثلة، والنكاح استباحة على وجه اللذة والمودة.
ومن شأن قياس الشبه، على ضعفه أن يكون الذي تشابه به الفرع والأصل شيئًا واحدًا، لا باللفظ بل بالمعنى، وأن يكون الحكم إنما وجب في الفرع من جهة الشبه، وهذا كله معدوم في هذا القياس.
ومع هذا فإنه من الشبه الذي لم ينبه عليه اللفظ، وهذا النوع من القياس مردود عند المحققين من الأصوليين.
стр. 1454
وعلى القول بأن أقله مقدر بربع دينار، فإن وقع النكاح [بينهما] (١) [مقدرًا] (٢) بأقل من ربع دينار تزوجها بدرهمين ثم عثر على ذلك قبل البناء أو بعده، هل يفسخ النكاح أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن النكاح مفسوخ قبل البناء وبعده، ولها بعد البناء صداق المثل، وهو قول غير ابن القاسم في بعض روايات "المدونة"، وعليه اختصر ابن أبي زمنين وغيره.
والثاني: التفصيل بين أن يعثر على ذلك قبل البناء أو بعده.
فإن عثر على ذلك بعد البناء أجبر على أن يكمل لها ربع دينار، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
فإن عثر على ذلك [قبل] البناء خير الزوج بين أن يكمل لها ثلاثة دراهم، وإلا فرق بينهما.
وقيل: يكمل لها صداق المثل، وهو قول عبد الملك.
فإن اختار الفراق، هل يكون لها نصف الدرهمين أو لا شيء لها؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن لها نصف الدرهمين، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
والثاني: لا شيء لها، وهو قول ابن حبيب.
وسبب الخلاف: في الفصل الأول ما كان فساده في صداقه، هل يصححه البناء أم لا؟
стр. 1455
وفي الثاني ما كان فساده أيضًا في صداقه، فإذا فسخ قبل البناء، وكان من مال الزوج أن يجيزه، هل يشطر فيه الصداق أم لا؟ والقولان قائمان من "المدونة".
فوجه القول الأول: بأنه إذا عثر على ذلك بعد البناء، ثبت النكاح، وكان لها ربع دينار، وذلك أنها كما رضيت بدرهمين، فقد وهبت مما هو حق لها وحق لله تعالى، [فردت هبتها فيما هو حق لله تعالى] (١) ومضت هبتها فيما هو حق لها.
والموضع الرابع: في جنسه وكل ما يجوز أن يتمول ويقع الاعتياض عنه في البيع والشراء من سائر الأعيان الممتلكات فإنه يجوز النكاح عليه، وهل من شرطه جريان الملك عليه واستدامته أو ليس من شرطه؟ مثل أن يتزوجها بمن يعتق بالملك إذا ملكته، على ما سنعقد عليه مسألة مفردة إن شاء الله تعالى.
واختلف في النكاح بما يتمول وليس بعين قائمة، كالنكاح على استيفاء المنافع منه أو من غيره، مثل أن يتزوجها على أن يبني لها دارًا أو يحفر لها بئرًا أو يرعى لها غنمًا مدة معلومة أو على أن تستخدم عبده أو دابته مدة معلومة، فهل يجوز هذا النكاح أو لا يجوز؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن النكاح جائز، فإن كان مع الإجارة ربع دينار أو ما يساويه: جاز له الدخول، وإن لم يقدم لها شيئًا كره له الدخول، وهو قول أصبغ في "العتبية".
والثاني: أن النكاح لا يجوز، وهو قول ابن القاسم في "العتبية" فيمن
стр. 1456
وقع له صبي في جُبِّ فقال لرجل: إن أخرجته فقد زوجتك ابنتي، أو أنا أزوجكها فأخرجه فقال: لا يجوز، ولا يكون النكاح جُعلا، وأرى له أجر مثله في إخراجه إياه، حيا أو ميتا.
والثالث: الكراهة، وهو قول مالك في "كتاب محمَّد"، وكذلك النكاح على الحج، أعني على أن يحججها، فالكلام فيه كالكلام في الإجارة سواء، كرهه مالك في الجميع، وقال: لأنه ليس من عمل الناس، فكرهه في الجميع، ولم يقل في شيء منه أنه يفسخ.
وابن القاسم اضطرب قوله في جميع ذلك؛ لأنه إذا طلق قبل البناء أتبعته بنصف الحج، ذكر عنه أصبغ معناه: نصف قيمة ذلك.
وسبب الخلاف: شرائع من قبلنا، هل هي لازمة لنا أم لا؟
فمن رأى أن شرائع من قبلنا لازمة لنا، قال بجواز النكاح اقتضاء بقصة موسى مع شعيب صلوات الله عليهما وعلى نبينا وعلى جميع النبيين والمرسلين.
ومن رأى أنها غير لازمة لنا، قال: لا يجوز النكاح، والقول بالكراهة تردد ومراعاة للخلاف [والحمد لله وحده] (١).
стр. 1457
المسألة السابعة في هبة المرأة صداقها لزوجها أو لأجنبي
وهبة المرأة ذات الزوج صداقها لا يخلو من وجهين:
أحدهما: أنها تهب لزوجها.
والثاني: أنها تهب لأجنبى.
فإن وهبت لزوجها، فلا يخلو من أن [تكون] سفيهة أو رشيدة:
فإن كانت سفيهة: فالهبة مردودة.
وإن كانت رشيدة: فالهبة جائزة باتفاق المذهب، وإن كان جميع مالها؛ لأن هبة المرأة مالها لزوجها جائزة، وإن أتت على جميع مالها.
وإن وهبت ذلك لأجنبي، فلا يخلو ما وهبت من أن يكون مثل الثلث فأدنى أو [يكون] (١) أكثر من الثلث.
فإن كان مثل الثلث فأدنى: جاز اتفاقا [ووفاقا] (٢) في المذهب.
وإن كان أكثر من الثلث: فذلك موقوف على إجازة الزوج أو رده.
واختلف هل له الخيار في رد الجميع أو في رد ما زاد على الثلث خاصة؟ على قولين منصوصين في "المدونة" في كتاب "الكفالات":
أحدهما: أنه يرد الجميع، إلا أن يكون الزائد على الثلث أمر يسير، كالدينار ونحوه فيجوز الجميع، وهو قول ابن القاسم.
стр. 1458
والثاني: أنه يرد الزائد على الثلث خاصة، وهو قول المخزومي.
فإذا قلنا بجوازها إذا كان مثل الثلث فأقل، فلا يخلو الموهوب له من وجهين:
أحدهما: أن يكون قبض الهبة قبل الطلاق.
والثاني: أن يطلقها الزوج قبل أن يقبضها.
فإن قبضها قبل الطلاق ثم طلقها الزوج بعد ذلك قبل البناء بها، فلا يخلو من أن تكون الزوجة في حين [الطلاق] (١) موسرة أو معسرة.
فإن كانت موسرة: فإن الزوج يرجع بنصف الصداق عليها، وهل لها هي الرجوع على الموهوب له بقدر ما استرد منها الزوج أو لا رجوع لها عليه [فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا رجوع لها على الموهوب له بشيء مما أخذ منها الزوج وهو المشهور.
والثاني: أن لها الرجوع عليه] (٢)، وهو قوله في "كتاب محمَّد".
والقولان قائمان من "المدونة".
وهذا الخلاف يتخرَّج على الخلاف في [أصل] (٣) الصداق، هل تملك المرأة جميعه بالعقد أو أنها [لا] (٤) تملك [إلا] (٥) نصفه
стр. 1459
بالعقد ونصفه الآخر بالموت أو الدخول أو ما يقوم مقامه من طول المكث؟
فمن رأى أنها تملك جميعه بالعقد، قال: لا ترجع على الموهوب له بشيء؛ لأنها وهبت ما تملك، وتملك التصرف فيه كيف شاءت، وكون الزوج ملك الرجوع عليها بنصف الصداق، وإنما هو أمر طرأ بعد الهبة وقبضها.
ومن رأى أنها لا تملك بالعقد إلا النصف خاصة قال: لها الرجوع على الموهوب له بقدر ما أخذه الزوج منها، بمنزلة من وهبت شيئًا ثم جاء من يستحقه فإن للمستحق اتباع الواهب، وللواهب اتباع الموهوب له، على تفصيل وتحصيل في ذلك يأتي في "كتاب الغصب والاستحقاق" إن شاء الله تعالى.
فإن كانت الزوجة معسرة بنصف الصداق، فلا تخلو الهبة من أن تكون قائمة بيد الموهوب له أو تكون فائتة.
فإن كانت الهبة قائمة، فهل للزوج أخذها أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن للزوج الرجوع على الموهوب له، وأخذ عين شيئه من يده؛ لأن ذلك من باب الاستحقاق، وهذا يتخرج على القول بأنها لا تملك بالعقد إلا النصف خاصة.
والثاني: أن الزوج لا رجوع له على الموهوب له، وإنما تتبع الزوجة في اليسر والعسر [وهو قول ابن القاسم في الكتاب] (١).
стр. 1460
وهذا بناء منه على أنها تملك بالعقد جميع الصداق، وكون الزوج يملك الرجوع عليها بنصف الصداق، وليس ذلك بمعنى الاستحقاق، وإنما هو شيء أوجبته الأحكام [وهذا كله إذا جهل الزوج حال الزوجة ولم يعلم بالهبة، وأما إذا علم بحالها وعلم بالهبة فلا رجوع له على الموهوب له قولًا واحدًا؛ لأنها إن كانت موسرة وعلم الزوج بالهبة فالزوج مجبور على دفع الصداق إن كانت معسرة فقد جوز لها فعلها ورضي بإسقاط حقه فباتت الهبة بيد الموهوب له، فإن الزوج لا يرجع على الموهوب له بشيء جملة بلا تفصيل لأن [السقيط] جاء من قبله ولا يدخل فيه من الخلاف والتفصيل ما دخل مسألة الاستحقاق إذا وهبت شيئًا ثم استحقه رجل بعد فواته بيد الموهوب له فافهم ذلك] (١).
فإن طلقها الزوج قبل أن يقبض الموهوب له هبته، وكان الطلاق قبل البناء، فلا يخلو حالها من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون موسرة يوم الطلاق.
والثانى: أن تكون موسرة يوم الهبة.
والثالث: أن تكون معسرة في الزمانين.
فإن كانت موسرة يوم الطلاق فالهبة ثابتة للموهوب له، وله مطالبة الزوج بها إن كانت الزوجة لم تقبض صداقها منه بعد، وسواء كان الصداق عينا أو عرضًا، ويرجع الزوج عليها بنصف ما أخذ منه من غير اعتبار بيوم الهبة، كانت فيه موسرة أو معسرة.
стр. 1461
وهذا بناء منه على أنها ملكت جميع الصداق بالعقد.
وأما على القول بأنها [لا تملك] بالعقد إلا النصف خاصة فلا يكون للموهوب له إلا النصف الذي يصح لها خاصة؛ لأنه بمنزلة من وهب له شيء، فلم يقبضه حتى استحق أو تلف بسبب سماوي، فإنه لا شيء [له] (١).
فإن كانت يوم الهبة موسرة ويوم الطلاق معسرة، فهل تصح جميع الهبة للموهوب له أو للزوج في ذلك مقال؟
فالمذهب على قولين منصوصين في "المدونة":
أحدهما: أن للموهوب له قبض جميع الهبة، إما من الزوج إن لم تقبض الزوجة من غيره شيئًا، وإما من الزوجة إن كانت قد قبضت، ولا مقال للزوج في ذلك، وهو قول الغير في "المدونة".
والثاني: أن للزوج أن يتمسك [به بنصف الصداق، ويدفع النصف الآخر للموهوب له، وإن كانت قد قبضت جميع الصداق من الزوج، فإنها تدفع نصف الصداق للزوج] (٢) ونصفه الآخر للموهوب، وهو قول ابن القاسم في "كتاب [النكاح] الثاني" من "المدونة".
وسبب الخلاف: اختلافهم في الصداق، هل بالعقد تملك المرأة جميعه أو إنما تملك نصفه بالعقد؟
فمن رأى أنها تملك جميعه بالعقد قال: لا مقال للزوج؛ لأن نصف الصداق إنما ثبت له بعد الطلاق، وهو دين عليها من يومئذ، وقد كانت
стр. 1462
هبتها ولا دين عليها، والدين الطارئ بعد الهبة لا يؤثر في سقوطها، ومن وهب دينا فلم يقبضه الموهوب [له] (١) حتى طرأ على الواهب دين لم ترد هبته.
ومن رأى أنها لا تملك بالعقد إلا النصف خاصة قال: للزوج مقال؛ لأنها وهبت ما لا تملك، ومن وهب ما لا يملك وقد تقدم له فيها إباحة التصرف، ولم يكن عنده من المال ما يفي بذلك إن طرأ من يستحق ذلك الشيء فإن هبته مردودة بلا كلام.
والجاري على أصول المذهب [أن] (٢) للزوج مقال في عين شيئه وإن كانت موسرة؛ لأن الأغراض تتعلق بأعيان العروض، وما قاله في هذه المسألة مخالف لذلك اللهم إلا أن يقال: إن ذلك منه جنوح إلى القول بأن العروض مرادة لأغراضها لا لأعيانها كالعين.
ولهذا الخلاف مطلع آخر وهو حوز الغير ما وهب له من غير رضا الحائز، هل يكون حوزًا ينتفع به الموهوب [له] (٣) أم لا؟
وهذا مما اضطرب فيه قول ابن القاسم في "المدونة".
فمرة يقول: لا يكون ذلك حوزًا إلا برضا الحائز، وهو ظاهر قوله في "كتاب النكاح الثاني [في هذه المسألة] (٤) " وهو ظاهر قوله في "كتاب الرهون [أيضًا] (٥) "، فيمن رهن فضلة الرهن، حيث اشترط هناك أن يكون
стр. 1463
[ذلك] (١) برضا المرتهن الأول.
ومرة رأى أن ذلك حوز ينتفع به الموهوب له، وإن لم يرض بذلك الحائز ولا علم، وهو ظاهر قوله أيضًا في موضع آخر منه، وهو ظاهر قوله في ["كتاب الهبات"، على ما سنبينه هناك إن شاء الله تعالى، وهو ظاهر قول الغير في] (٢) "كتاب النكاح"، وذلك أن الغير اعتبر حالتها يوم الهبة.
فإذا كانت موسرة فالهبة جائزة، لأنها هبة [محوذة] (٣) في ذمة الزوج تجوز، وإن لم يعلم [بذلك] (٤) ولا رضي.
وما يطرأ بعد ذلك من الدين فقد طرأ على هبة محوزة، كمن وهب دينًا في ذمة غيره، فلا يتصور فيه قبض ولا حوز إلا قبض الوثيقة إن كان الدين بكتاب أو القبول إن كان الدَّين بغير كتاب.
وابن القاسم في أحد قوليه اعتبر حالتهما يوم الطلاق.
فإن كانت معسرة: فالهبة غير جائزة؛ لأنها هبة غير مقبوضة ولا محوزة حتى طرأ من الدين ما يفترقها، وذلك مما يبطل الهبة ويوهن العطية.
[وأما الوجه الثالث: إذا كانت المرأة معسرة في الزمانين فلا يخلو من أن تكون قبضت صداقها من الزوج قبل الطلاق أو لم تقبضه.
فإن قبضته واستهلكته فلا شيء للموهوب له قولًا واحدًا.
فإن لم تقبض حتى طلقها فلها النصف الذي تقبضه الزوجة من الزوج بعد الطلاق؛ لأنه قبضٌ ما وجب له، والحمد لله وحده] (٥).
стр. 1464
المسألة الثامنة في الزوجة بماذا تستوجب الصداق ؟
ولا خلاف بين الأمة أن المرأة تستوجب جميع الصداق بالدخول والاستمتاع أو بالموت:
فأما وجوبه بالدخول فقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتم بِهِ مِنْهُن فآتوهنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَأْخذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ (٢)، إلى قوله سبحانه: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ (٣).
وأما وجوبه بالموت: فليس فيه دليل مسموع من كتاب ولا سنة إلا انعقاد الإجماع.
واختلف المذهب عندنا في طول المكث، هل يقوم مقام الدخول؟ على قولين، وقد قدمنا الكلام في الاعتراض عليه فيما سلف من هذا "الكتاب".
واختلف [المذهب] (٤) عندنا [أيضًا] (٥) هل تملك بالعقد شيئًا من الصداق أم لا؟، على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أنها بالعقد تستوجب جميع الصداق، وهو قول مالك في "كتاب الرهون"، حيث قال فيمن رهن لامرأته رهنا [قبل بنائه بها، فقال
стр. 1465
مالك: ذلك جائز؛ لأنها تملك بالعقد جميع الصداق، وهو قول [الغير] (١) في "كتاب النكاح الثاني" في باب هبة المرأة] (٢) صداقها لزوجها أو لأجنبي وفي [باب] (٣) غلات [الصداق] (٤).
والثاني: أنها لا تملك بالعقد شيئًا من الصداق، وهو ظاهر قول مالك في "المدونة" فيما يفسخ قبل البناء ويثبت بعده وكان فساده في عقده أو لشروط اقترنت به إذا طلق قبل الفسخ أن الصداق لا يشطر بينهما على مشهور المذهب.
والقول الثالث: أنها تملك بالعقد نصف الصداق، و [يستقر] (٥) لها النصف الآخر بالموت أو الدخول، وهو قول مالك في "كتاب النكاح الثاني" من "المدونة"، وفي "كتاب الزكاة الثاني" من "المدونة" إذا تزوجها على غنم بأعيانها، فحال الحول عليها، وهي في يدها أو في يد الزوج، ثم طلقها فجاء [المصدق] فقال: إن كان في [حظ] (٦) كل واحد منهما ما تجب فيه الزكاة، فإنهما يزكيان زكاة الخليطين؛ لأنه لم يزل في ذلك شريكا في النماء والنقصان.
فإذا وقع الطلاق فإن الصداق يشطر بينهما، لقوله تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقْتمُوهنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (٧)، وهو
стр. 1466
ينقسم -أعنى الطلاق- قبل البناء إلى ما كان باختيار من أحد الزوجين، وإلى ما كان بغير اختيار منهما.
فأما ما كان بغير اختيارهما وإيثارهما، مما يوجب الفسخ قبل البناء، إذا طلق فيه قبل أن يحكم الحكم بفسخه، وكان موجب فسخه غير صداقه، هل يشطر فيه الصداق أم لا؟ على قولين.
وأما إذا كان باختيار من أحدهما، فلا يخلو [من أن يكون] (١) ذلك باختيار منهما أو باختيار منه.
فإن كان ذلك باختيار منها كقيامها بعيب يوجد فيه أو كانت أمة تحت عبد فعتقت، ثم اختارت نفسها أو ما كان في معناه مما لا سبب فيه للزوج، واختارت الزوجة الفراق، فلا شيء لها من الصداق، لا نصف ولا غيره؛ لأن الطلاق جاء من جهتها.
وأما ما جاء باختيار من الزوج، ولا سبب فيه للزوجة، فلا خلاف في المذهب أن لها نصف الصداق.
فإن اشتركا في السبب، مثل: أن يكون الطلاق لعدم الصداق أو لعجزٍ عن النفقة، فالمرأة تسببت في الطلاق بطلبها ما يؤدي إليه، والزوج تسبب فيه أيضًا لإظهاره العجز عما طلبته المرأة مع الإمكان أن يكون قد أخفى ماله، وأظهر الفقر، إلا أن سبب الزوجة في ذلك أظهر من سبب الزوج، فقد اختلف المذهب في ذلك على قولين:
أحدهما: أن لها نصف الصداق، وهو قول ابن القاسم في "العتبية".
стр. 1467
والثاني: أنها لا شيء لها من الصداق [كما للرجل] (١)، وهو قول ابن نافع، ولا فرق عنده بين قيامها بحدوث فقر أو حدوث عيب، وهذا هو الأظهر.
فإن كان الفراق بغير تسبب واحد من الزوجين، وكان ذلك من غيرهما، كمن تزوج كبيرة ومرضعتين، فأرضعتهما الكبيرة قبل البناء، فنكاح الكبيرة منفسخ على كل حال؛ لأنها من أمهات نسائه، ولا شيء لها من الصداق؛ لأن الفسخ جاء من قبلها, وله أن يختار إحدى المرضعتين.
واختلف في التي يفارقهما منهما، هل لها شيء من الصداق، أم لا؟ على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها لا شيء لها من الصداق، لا نصف ولا غيره، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أن لها ربع صداقها؛ لأنه لو فارقها قبل أن يختار كان النصف بينهما.
والثالث: أن لها نصف صداقها، كما لو طلقها طوعًا؛ لأنه طلاق لا سبب لها فيه، وهو قول ابن حبيب في "واضحته".
وسبب الخلاف: المخير بين شيئين هل يعد مختارًا [لما ترك] (٢) أم لا؟ وذلك أن الزوج قادر على أن يطلق التي أمسك، ويمسك التي طلق.
ومن رأى أنه لا يعد مختارًا [لما ترك] (٣) قال: لا شيء عليه؛ لأنه مغلوب على الفراق.
стр. 1468
وعلى القول بأن الزوج يغرم لها نصف الصداق، وهل يرجع الزوج بذلك على الكبيرة، أو هل ترجع عليها الصغيرة بنصف صداقها على القول بأنها لا شيء لها على الزوج؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن الزوج يرجع عليها بما غرم على المرضعة؛ لأنه بسببها غرم، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "كتاب القطع في السرقة": في الشاهدين إذا شهدا على رجلٍ أنه طلق زوجته قبل البناء، ثم رجعا عن شهادتهما بعد الحكم بها فقال ابن القاسم: يغرمان نصف الصداق، فظاهره أنهما يغرمانه للزوج على الخلاف في ذلك.
والثاني: أن الزوج لا يرجع على الكبيرة بشيء مما غرم [وهو قول أشهب] (١) في مسألة السرقة.
وسبب الخلاف: الغرور بالفعل، هل يلزم أو لا يلزم؟
فمن رأى أن الغرور بالفعل يلزم، قال: يرجع عليها؛ لأنها تسببت بفعلها إلى أن غرم الزوج نصف الصداق.
ومن رأى أن الغرور بالفعل لا يلزم قال: لا يرجع عليها بشيء.
وهكذا الخلاف في الصغيرة، وهل يرجع على الكبيرة [على القول] (٢) بأنها لا شيء لها على الزوج أم لا؟ على قولين.
وسبب الخلاف: ما قدمناه [آنفا] (٣).
ومن رأى أنها ترجع عليها بنصف صداقها، قال: لأنها فوتت عليها دينًا وجب لها على زوجها بفعلها.
стр. 1469
ومن رأى أنها لا ترجع عليها بشيء، قال: لأنها لم تفوت عليها بفعلها شيئًا، لكون سلعتها معها؛ ولهذا أخذ العوض التام عنها مهما أحبت، على الوجه الذي يكون الصداق بينهما نصفين.
وإذا وقع الطلاق بينهما قبل [البناء] (١) باختيار من الزوج، فلا يخلو الصداق من أن يكون قائمًا بيدها أو فائتًا.
فإن كان قائمًا أخذ الزوج نصفه، واختلف هل يرجع الزوج بالغلة إن كان الصداق مما له علة أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنها ترد نصف [الغلة وتحاسب فيها بما أنفقت ما لم تكن النفقة أكثر من الغلة، وهو قول ابن القاسم في "كتاب النكاح الثاني" من "المدونة".
والثاني: أنها لا ترد الغلة] (٢)؛ لأن الغلة بالضمان ولأن الصداق لو هلك كان الضمان منها، وكان للزوج أن يبني بها، وهو قول عبد الملك في "كتاب المذكور"، وهو قول الغير المذكور [فيه] (٣)، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة" أيضًا.
وسبب الخلاف: اختلافهم في المرأة هل تملك جميع الصداق بالعقد أم لا تملك إلا نصفه خاصة؟
فإن كان الصداق فائتا فلا يخلو ذلك من أربعة أوجه:
أحدها: أن يكون سببا للفوات من جهتها.
والثاني: أن يكون من قبل الله تعالى.
стр. 1470
والثالث: أن يكون من [قبل] (١) آدمي أجنبي.
والرابع: أن يكون ذلك [بسببها] (٢) من [قبل] (٣) الصداق نفسه.
فأما الوجه الأول: إذا كان سبب الفوات من جهة الزوجة، فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدهما: أن يكون تفويتا معنويا، مثل: أن تهب أو تعتق [أو يكون تفويتها تفويتا يرجع إلى أن تختص هي فيه من منافعها الخاصة أو في منافعهما جميعا وزوجها] (٤) أو تبيع.
فإن كان تفويتها تفويتا معنويا، مثل أن تهب الصداق أو تتصدق به أو تعتق إن كان عبدًا أو أمة فلا تخلو الزوجة من أن تكون موسرة أو معسرة:
فإن كانت موسرة يوم الطلاق فلا إشكال في نفوذ ما فعلت وتغرم للزوج نصف القيمة.
واختلف في القيمة متى تعتبر؟ على قولين:
أحدهما: أن عليها القيمة يوم الهبة أو العتق، وهو قول مالك في "المدونة".
والثاني: أن القيمة يوم القبض، وهو قول عبد الملك.
وإن كانت يوم الطلاق معسرة، فلا تخلو من أن تكون يوم الهبة موسرة
стр. 1471
[أو معسرة. فإن كانت معسرة فللزوج الرجوع في عين شيئه إن كان قائما واتباع ذمة زوجته إن كان فائتا، فإن كانت يوم الهبة موسرة] (١) ويوم العتق معسرة فقولان، وقد قدمناهما بشرحٍ كافٍ. [والحمد لله وحده] (٢).
فإن فوتته فواتا يرجع إلى منفعتها الخاصة بها، مثل أن تشتري بصداقها ما لا يصلح لجهازها، فلا يخلو ذلك من وجهين:
أحدهما: أن تشتري ذلك من زوجها.
والثاني: أن تشتري من أجنبي.
فإن اشترت ذلك من زوجها مثل: أن تشتري [منه] (٣) عبدًا أو دارًا، ثم طلقها قبل البناء بها، فهل يرجع عليها بنصف ما اشترت أو بنصف ما أصدقها؟ على قولين:
أحدهما: أنه يرجع عليها بنصف ما اشترت، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنه يرجع عليها بنصف ما أصدقها، كما لو اشترت ذلك من أجنبي، وهو الأظهر.
وما رأيت لقول ابن القاسم في "المدونة" وجهًا إلا شيئًا ذكره إسماعيل القاضي وذلك بأن قال: إنما جوز للزوج الرجوع عليها بنصف ما اشترت منه، لاحتمال أن يكون حابته في الشراء فإذا رجع عليها بنصف ما أصدقها: كان ذلك ظلما عليها، فوجب له الرجوع عليها بنصف ما اشترت
стр. 1472
[منه؛ لأن الزوج على ذلك دخل فكأنه الذي أصدقها، فإن اشترت ذلك من أجنبي فلا خلاف في المذهب أنه يرجع عليها بنصف ما اشترت به] (١)، الذي هو الصداق.
فإن فوتته فواتا ترجع منفعته إليهما جميعًا مثل أن تشتري به ما يصلح لجهازها مما جرت به العادة لأمثالها: فلا خلاف في المذهب عندنا أيضًا أنه يرجع عليها بنصف ما اشترته، لأن الزوج على ذلك دخل.
والوجه الثاني: إذا كان الفوات من قبل الله تعالى فلا يخلو من أربعة أوجه:
أحدها: أن يكون فواتًا للكل.
والثاني: أن يكون نقصانًا.
والثالث: أن يكون زيادة.
والرابع: أن يكون زيادة ونقصانًا.
فإذا فات فوات الكل، ولها على ذلك بينة، فالضمان [منهما] (٢) جميعًا، ولا يرجع عليها الزوج [بشيء] (٣)، سواء كان مما يغاب [عنه] (٤) أو مما لا يغاب [عنه] (٥).
فإن لم يقم لها على الفوات بينة فإن كان مما لا يغاب [عنه] (٦)
стр. 1473
كالحيوان والعبيد فالقول قولها ما لم يتبين كذبها.
وإن كان مما يغاب عليه فلا يقبل قولها في الفوات.
وإن كان نقصانًا فذلك بينهما ولا ضمان عليها فيما نقص.
فإن كان زيادة أو زيادة ونقصانًا: فذلك بينهما أيضًا إنصافا على ما هو عليه من نماء أو نقصان.
والوجه الثالث: إذا كان التفويت من سبب أجنبي مثل أن يكون الصداق عبدًا فجنى عليه أجنبي جناية، [فإنهما يتبعان به بما] (١) نقصته الجناية، ويكون بينهما نصفين، فمن عفا منهما سقط حقه وأتبعه الآخر بقدر حقه.
والوجه الرابع: إذا كان سبب الفوات من قبل الصداق نفسه مثل أن يكون عبدًا فيجني عليه جناية فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن [يسلمه] (٢) من هو في يديه منهما من الزوج أو الزوجة.
والثاني: [أن يفتديه بأرش تلك الجناية] (٣).
فإن أسلمه من هو في يديه منهما [على القول أن المرأة تملك نصف الصداق بالعقد خاصة] (٤) فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يحابي في الدفع.
стр. 1474
والثاني: أن يسلم من المحاباة [فإن سلم من المحاباة فلا شيء للآخر علي العبد ولا له على صاحبته شيء وهو نص مالك في الكتاب في المرأة] (١).
فإن [حابت] (٢) في الدفع [من دفعه] (٣) منهما، فلا يخلو العبد من أن يكون قائمًا بيد المجني عليه أو فائتًا:
فإن كان قائمًا كان الخيار للآخر منهما بين أن يدفع نصف الجناية [ويسترجع] (٤) نصف العبد أو يرضى بفعل صاحبه [بالتسليم] (٥).
فإن كان العبد قائمًا، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون فواته فواتًا حسيًا.
أو يكون فواته فواتا معنويًا.
فإن كان فواته فواتا حسيًا مثل أن يموت عند، فلا يخلو موته من أن يموت حتف أنفه أو مات مقتولًا.
فإن مات حتف أنفه، هل يرجع الآخر على الذي حابى في الدفع بقدر نصيبه [في] (٦) المحاباة أم لا؟ على قولين في المذهب:
стр. 1475
أحدهما: أنه يرجع عليه بحقه من المحاباة، وهو قول محمَّد بن الموَّاز.
والثاني: أنه لا يرجع عليها بشيء إن كان الدفع من الزوجة؛ لأنها تقول: لم يكن عليَّ أن أفتديه وكرهت أن أدفع ثمنًا من عندي [وكرهت بقاءه عندي] (١) خوفًا أن يعود لمثل ذلك، إلي هذا أشار أبو الحسن اللخمي ﵁.
فإن مات مقتولا فلا يخلو المجني عليه من أن يأخذ فيه أرشًا أم لا؟
فإن أخذ فيه أرشًا، فللذي لم يسلمه من الزوجين خيار بين أن يأخذ نصف المحاباة من صاحبه أو يدفع نصف الأرش للمجني عليه أو لا يشاركه فيما أخذ من قيمة العبد من الذي قتله، وإن لم يأخذ فيه، فالحكم فيه كالحكم أن لو مات حتف أنفه، وقد قدمناه.
فإن كان فواته فواتًا معنويًا، مثل أن يفوت بحوالة سوق فاعلا، فللذي لم يسلمه من أحد الزوجين الخيار أيضًا بين أن يرجع على صاحبه بنصف المحاباة أو يدفع للمجني عليه نصف الأرش، ويكون العبد بينهما نصفين [فإن فداه من هو في يديه منهما بأرش تلك الجناية فلا سبيل للآخر إلى أخذ نصفه حتى يدفع له نصف ما فداه] (٢) والحمد لله وحده.