← Фикх малики

Фикх малики · id 123685

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

الرجراجي، علي بن سعيد

Полный текст (4 240 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وللطهر علامتان: الجفوف والقصة البيضاء. واختلف في المذهب أيهما أنقى وأبر للرحم على ستة أقوال: أحدها: أن القصة البيضاء أبرأ فلا تغتسل بالجفوف حتى تراها إلا أن يطول وهو قول ابن القاسم. والثاني: أن الجفوف أبرأ فلا تغتسل إذا رأت القصة حتى ترى الجفوف إلا أن يطول عنها، وهو قول محمَّد بن عبد الحكم. والثالث: أنها تبرأ متى رأت أحدهما طهرت وهو قول ابن حبيب. والرابع: التفصيل بين المبتدئة والمعتادة. فالمبتدئة لا تطهر إلا بالجفوف ثم تعمل بعد ذلك على ما ظهر من أمرها، وهذا القول حكاه ابن حبيب عن ابن القاسم ومطرف. والخامس: أنها إن كانت ممن ترى القصة فلا تطهر بالجفوف، وإن كانت ممن ترى الجفوف، فإنها تطهر بالقصة. والسادس: بعكس ذلك، والقولان حكاهما اللخمي والحفيد في المذهب، والحمد لله وحده] (١). ...

стр. 177

المسألة الرابعة عشر في الحامل: هل تحيض أم لا ؟ [فقد] (١) اختلف فيما تراه الحامل من الدَّم، هل هو دَم عِلَّة وفَسَاد أو دم [صِحّة] (٢) وجِبِلّة أو أنها تحيض؟ فذهب مالك (٣) ﵀ إلى أنها تحيض، وهو أحد أقاويل الشافعي، وذهب أبو حنيفة إلى أنها لا تحيض، وبه قال أحمد والثوري [وهذا ظاهر قول ابن القاسم في كتاب "محمَّد" في المعتدة تعتبد بثلاث حيض ثم ظهر بها حمل حيث قال: لو علم أن الأول حيض مستقيم لرجمتها، فنفى عن الحامل الحيض] (٤). وسبب الخلاف: تعذر الوقوف على ذلك بالتجربة، [واختلاف] (٥) الأمرين، فإنه مرة يكون الدم الذي تراه الحامل دم حيض، وذلك إذا كانت قوة المرأة وافرة، والجنين [ضعيف] (٦). ومرة يكون الدم الذي تراه الحامل [دم علة وفساد] (٧) لضعف الجنين ومرضه التابع لمرضها، وضعفها [في الأكثر] (٨) فيكون دَم عِلّة وفَسَاد.

стр. 178

فهذا مَثَار الخلاف بين العلماء. ومذهب من يقول: أن الحامل تحيض، ضعيف جدًا؛ لأنه يكر على أصله بالبطلان؛ وذلك أنا نعتقد أن الحيض دليل على براءة الرّحم في غالب الأمر، وتحصل به النُّقية بذلك، وتتزوج المطلقة إذا حاضت ثلاث قُروء، ويأمر للسيد [بالوطء] (١) إذا استبرأت بحيضة. فإذا قلنا أن الحامل تحيض، فذلك يهدم تلك القاعدة، ويسقط النُّقية بحصول براءة الأرحام بالحيض، وهذا معضل، والكلام في هذه المسألة في موضعين: [أحدهما: الحامل إذا ولدت ولدًا، وبقى في بطنها آخر. والثاني: إذا حاضت هل حالها حال الحامل أم حال النفساء. فالجواب عن الموضع الأول] (٢): الحامل إذا ولدت ولدًا، وبقى في بطنها آخر، هل [حكمها حكم] (٣) الحامل، أو [حال] (٤) النفساء؟ [فالمذهب [فيها] (٥) على قولين منصوصين في "المدونة" (٦): أحدهما: أن حالها حال النفساء، ولزوجها عليها الرجعة ما لم ينقطع الدم عنها، أو يمضي [عليها] (٧) زمان لا تكون نفساء إلى ذلك الأمد

стр. 179

[كشهرين] (١) على قول، أو الرجوع إلى عادة [النساء] (٢) في الغالب [على قول] (٣). والثاني: أن حالها حال الحامل؛ ترى الدم على حملها على [الاختلاف] (٤) في ذلك على ما سيأتي بيانه عقيب هذا إن شاء الله. ولا خلاف أنها إذا جلست [بعد وضع] (٥) الأول أقصى ما يمسك [النفساء] (٦) النفاس على [حسب] (٧) اختلاف قول مالك ثم ولدت. الثاني: أنها تجلس له ابتداء مثل ذلك. واختلف إذا ولدت الثاني قبل استيفاء [أكثر] (٨) ما يجلس النساء، هل تبتدئ له أَمَد [النّفاس] (٩) أو تبنى على ما مضى؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة" (١٠): أحدهما: أنها تستأنف، وهو الأظهر، وإليه ذهب أبو إسحاق. والثاني: أنها تبنى على ما مضى [من الأول] (١١)، وإليه ذهب الشيخ أبو محمَّد، وأبو سعيد البراذعي.

стр. 180

وسبب الخلاف: [كون الحامل] (١) تجاذبها وصفان، أيهما يغلب. والجواب عن الموضع الثاني: في الحامل إذا حاضت هل حكمها حكم الحائل أم لا؟ فالمذهب على قولين منصوصين في "المدونة" (٢): أحدهما: أن حكمها حكم الحائل، وهو قول أشهب. والثاني: أن حكمها حكم الحامل الحائض؛ لأن الحيض عند ابن القاسم ينقسمن إلى: حوامل و [إلى] (٣) حوائل. فالحوائل: قد تقدم الكلام [على حالهن] (٤)، [والكلام هاهنا] (٥) في الحوامل، [والحامل] (٦) إذا حاضت [هل] (٧) يكون لها حكم نفسها، فعلى قول أشهب -الذي يقول: أنها كالحائل تحيض- هل تستظهر على عادتها أم لا؟ [فاختلف فيه] (٨) على ثلاثة أقوال، كلها قائمة من "المدونة" (٩): أحدها: أنها تستظهر، وهو ظاهر قوله في الكتاب حيث قال: "هي كغيرها من النساء".

стр. 181

والثاني: أنها لا تستظهر، وهو [ظاهر] (١) قوله في الكتاب أيضًا في آخر [الباب] (٢): "تقعد حيضة واحدة". قال سحنون في غير المدونة: معناه عدد أيامها المعتادة، وظاهره بغير استظهار. والثالث: التفصيل بين أن تستريب أو لا. فإن استرابت فلا تستظهر، وإن لم تسترب فلتستظهر. وهذا يتخرج على الرواية الصحيحة في الكتاب، إلا أن تكون [استرابت] (٣) من حيضتها شيئًا من أول ما حملت هي على حيضتها (٤)، معناه أن الحمل لم يؤثر في زيادة الدم، ولا نقصانه، بل عادتها مستمرة على [عادتها] (٥) قبل الحمل. [فهذا [هو] (٦) الذي] (٧) يقول [فيه] (٨) أشهب: أنها تستظهر. واختلف الأشياخ هل يخالفه ابن القاسم في هذا الوجه أم لا؟ فذهب أبو عبد الله التونسي إلى أن ابن القاسم لا يخالف أشهب في ذلك [وذهب التونسي إلى أنه] (٩) خلاف لقول ابن القاسم، وأنها لا تستظهر عند ابن القاسم، وهو الصحيح؛ لانر الناس اختلفوا فيما تراه

стр. 182

الحامل: هل هو حيض أم لا؟ وكان أمر الاستظهار في الحيض الذي لا شك فيه: مختلف فيه؛ ففي الحامل أضعف، فلا تستظهر. وأما الرواية: إلا أن تكون [استرابت] (١) من حيضتها [شيئًا] (٢) من أول ما حملت، فقالوا: إنها رواية فاسدة؛ لأنها عكس النظر وضد الصواب. وهو كلام متناقض في نفسه، وعلى قول ابن القاسم الذي يقول: إن حكمها حكم الحامل تحيض. والحامل عنده منفردة بحكمها، وحكمها في الحيض، وحكم الحائل متغايران؛ فقد اختلف المذهب في حكمها على أربعة أقوال (٣): أحدها: أنها إن رأت ذلك في شهرين تركت الصلاة خمسة عشر يومًا ونحوها. وإن رأت ذلك في ثلاثة أشهر، فكذلك أيضًا. وهو قول ابن اللباد. والثاني: أنها [إن] (٤) رأته في ثلاثة أشهر تركت [ق/ ١٧ أ] الصلاة خمسة عشر يومًا ونحوها. فإن رأته في أربعة أشهر تركت الصلاة عشرين يومًا. وهذا قول ابن القاسم في الكتاب. والثالث: أنها تضاعف الأيام تجلس في أول [شهور الحمل] (٥) أيامها

стр. 183

وتستظهر، وفي الثاني: تُثنَى أيامها، وفي الثالث: تُثَلّثها، وفي الرابع: تَرَبْعها [بلا استظهار] (١) حتى تبلغ ستين يومًا ثم لا تزيد. وهذا كأنه يَرى الدّم لَمَّا لَمْ يأت صار كأنه شيء أُحبس، فإذا اندفع حُكم [له] (٢) بالقَدْر الذي كان يجب أن يأتي به في كل شهر؛ لأنه دم أحتبس ثم خرج، وهو قول [ابن وهب] (٣). القول الرابع: أن تترك الصلاة الأيام التي كانت تحيض قبل الحمل من أول ما بلغت. وهذا القول حكاه ابن لبابة من رواية أصبغ عن مالك. واختلف في السّنة الأشهر: هل حكمها حكم الثلاثة الأشهر [أم لا] (٤)؟ على قولين: أحدهما: أن حكمها حكم الثلاثة الأشهر، وهو قول أبي القاسم [بن شبلون] (٥). والثاني: أن حكم الستة أشهر حكم ما بعدها. وسبب الخلاف: بين قول ابن القاسم وأشهب في أصل المسألة: النادر هل يعطي له حكم نفسه، أويعطي له [حكم] (٦) غالب جنسه [فأشهب يقول: يعطي له حكم غالب جنسه] (٧).

стр. 184

وابن القاسم [يقول: يعطي له] (١) حكم نفسه. وأما اختلافهم في [التفرقة] (٢) بين أول الحمل وآخره، وكونها تضاعف العدد: إنما هو استحسان جار على غير قياس [تم كتاب الوضوء بحمد الله] (٣). ...

стр. 185

كتاب الصلاة الأول

стр. 186

[بسم الله الرحمن الرحيم، صلى الله على محمَّد وآله وسلم] (١). كتاب الصلاة الأول تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها: أربع عشرة مسألة. المسألة الأولى في معني لفظ الصلاة والصلاة لها تعريفان؛ لغوي، وشرعي. [وهي في "وضع" (٢) اللغة] (٣) على وجوه، منها: الدعاء: لقوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (٤). ومنها: الاستغفار والرحمة: والصلاة من الله: الرحمة، ومن الملائكة: الاستغفار، ومن الآدميين: [الدعاء] (٥). وقيل: [إن الصلاة] (٦) مأخوذة من قولك: [أَصّلْت] (٧) العُود: إذا قومته. وقيل: إن الصلاة مأخوذة من الصّلْوين؛ وهما عِرْقان ينحنيان عند

стр. 187

الركوع. وقيل: إن الصلاة مأخوذة من الصّلة؛ لأنها تصل بين العبد وخالقه. وقيل: إن الصلاة مشتقة من المصلى من الخيل؛ لأن النبي ﷺ أول من صلى مع جبريل [﵇] (١) فكان تابعًا، وكان كل من بعده مصليًا. وهي في موضع الشرع واقعة على: دعاء مخصوص في أوقات محدودة تقترن بها أفعال مشروعة؛ من ركوع، وسجود، وقيام، وقعود، وهي من معالم الإِسلام، وعماد الدين، وهي من فروض الأعيان، وهي الصلوات الخمس. أوجبها الله تعالى على عباده، وذكر فرضها في غير ما [آية] (٢) من كتابه العزيز: فقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (٣). وقال جل ذكره: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ (٤). وقال سبحانه: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (٥). وقال ﵇: "بُنِيَ الإِسلام على خمس؛ شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج بيت الله [الحرام] (٦) من استطاع إليه سبيلًا" (٧) [ق/ ٩ ب].

стр. 188

فمن جحد وجوبها: فهو كافر حلال الدم، ويستتاب، فإن تاب وإلا قُتل، وكان قتله كفرًا, ولا يُصلَّى عليه، ولا يُدفن في مقابر المسلمين، ولا يرثه ورثته المسلمون، وماله فَيء لجميع المسلمين. فإن أقرَّ بوجوبها وامتنع من فعلها، وقال: هي فريضة عليَّ غير أني لا أصلي: فإنه يستتاب بأنه يؤخر حتى يخرج وقتها، والمراعى هاهنا وقت الاضطرار، وغروب الشمس للظهر والعصر، وطلوع الفجر [ق/١١ جـ] للمغرب والعشاء، هذا هو مشهور -المذهب- وذهب محمَّد بن [فويزمنداد] (١) إلى أن الوقت في ذلك: القامة في الظهر، والقامتان للعصر -وهو شذوذ من القول-. فإن مضى الوقت ولم يُصلّ: فإنه يُقْتل، وقتْلُه حَد من الحُدُود؛ يُصلَّى عليه، وَيَرِثه وَرَثَته المسلمون. هذا مذهب مالك والشافعي ﵄. وشذ ابن حبيب عن الجماعة، فقال: إنه يُقتل كفرًا، واستدل على ذلك بظواهر [لا تقوم بها] (٢) حجة. وهي تجب بأربعة شروط متفق عليها، وشرط خامس مختلف فيه: هل هو شرط [من شروط] (٣) وجوب الصلاة أو شرط في صحة فعلها. فأما الأربعة المتفق عليها [فهي] (٤): البلوغ، والعقل، ودخول الوقت، وارتفاع دم الحيض والنفاس.

стр. 189

أما البلوغ والعقل: فالدليل على اعتبارهما: الحديث الذي خرَّجه الصحاح في إسقاط الحرج [عنهما بقوله ﵇] (١): "رفع القلم عن ثلاثة" (٢)، فذكر المجنون حتى يفيق، والصبي حتى ["يحتلم" (٣)] (٤). ورَفْعُ القلم -هاهنا- عبارة عن رَفعْ المأثم. وأما ارتفاع دم الحيض والنفاس: فلا خلاف في المذهب أنهما يمنعان من وجوب الصلاة، وصحة فعلها؛ بل الإجماع منعقد على ذلك. وإنما وقع الخلاف بين العلماء هل هي مخاطبة في زمان الحيض مع استحالة إيقاع الفعل المخاطب به شرعًا، أو غير مخاطبة، وإنما وقع القضاء بخطاب جديد؛ فهذا على الخلاف (٥). وأما الشرط الخامس المختلف فيه: هل هو شرط في الوجوب أو شرط في الصحة، فالإِسلام. وهذا يتخرج على الخلاف في الكفار: هل [هم] (٦) مخاطبون بفروع الشريعة أم لا؟ فمن قال: إنهم مخاطبون بالفروع (٧): عدَّ ذلك الشرط من شروط

стр. 190

الوجوب؛ لأنه وجب عليه أن يسلم ليصلي ويؤدي الفرض، كما وجب عليه إذا دخل الوقت أن يتوضأ ليؤدي الفرض. ومن قال: إنهم غير مخاطبين (١): [عدَّ ذلك الشرط من شروط] (٢) الصحة؛ فكان لا يجب عليهم أن يسلموا ليصلوا، وإنما عليهم الإِسلام على الجملة. وفائدة ذلك وثمرته: هل يعاقبون في الآخرة عقاب من ترك [الأمرين جميعًا] (٣) أم لا؟. فمن رأى أنهم مخاطبون [بفروع الشريعة] (٤): قال [إنهم] (٥) يعاقبون عقاب من ترك الإيمان وفروعه. ومن رأى أنهم غير مخاطبين: قال: إنهم يعاقبون عقاب من ترك الإيمان خاصة. ولا خلاف بين العلماء أنهم مخاطبون بالإيمان. وهذا يحرك سلسلة علم [الكلام] (٦) ولنثني العنان [إلى] (٧) ما نحن بسبيله، [والحمد لله وحده] (٨). ...

стр. 191

المسألة الثانية في الأوقات وهو الشرط الرابع، ونعني بتسمية هذه الشروط: بشروط الوجوب وجوب الأداء، وإلا فالذِّمة عامرة حين وجد [شرط] (١) التكليف الذي هو: العقل. والأوقات: عبارة عن طلوع الشمس وغروبها، ودوران الفلك وحركاته. إلا أنها في الشريعة: عبارة عن حدود مخصوصة في أثناء النهار وأثناء الليل، ويُطَالب العبد بإيقاع العبادة -التي هي الصلاة- عند حصولها؛ فصار ذلك الحد عَلَمًا على توجه الخطاب على المكلَّف بأداء تلك العبادة، والسعي في أسبابها، والأخذ في [أهبتها] (٢) التي لا تصح إلا بها. ولا خلاف بين الأمة أن الصلاة لا يجوز فعلها قبل الوقت، إلا خلاف شاذ؛ رُوِيَ عن ابن عباس، وما روى أيضًا عن بعض العلماء في [صلاة] (٣) الجمعة. وذلك في ثلاث صلوات: الظهر، والمغرب، [وصلاة] (٤) الصبح. فهذه [الثلاث صلوات] (٥) التي انعقد الإجماع فيها أنها لا [تقدم] (٦)

стр. 192

على [وقتها] (١) بوجه ولا سبب. وما [عداها من الصلوات] (٢) يصح تقديمها عن وقتها؛ وذلك في العصر والعشاء الآخرة على القول بالاشتراك، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله. فإذا ثبت ذلك، فالأوقات تنقسم [على] (٣) خمسة أقسام: وقت إباحة، وتوسعة [ووقت اختيار، وفضيلة، ووقت عذر، ورخصة، ووقت تضييق وضرورة] (٤) ووقت سنة أخذت حظًا من الفضيلة. فأما وقت الإباحة والتوسعة: فهو أن يصلي الصلاة في أول وقتها. ووقت اختيار وفضيلة: وهو أن يصلي قبل أن ينقضي الوقت المستحب الذي هو من أول وقت الإباحة إلى آخر القامة للظهر. وأما وقت عذر ورخصة: فهو أن يصلي الظهر في آخر وقتها المستحب، أو يعجل العصر في أول وقت الظهر المستحب الذي هو وقت الإباحة؛ وذلك في الجمع بين الصلاتين لمن يجوز له الجمع إما لعذر السَّفر، أو لعذر المرض أو لعُذر المَطَر. وأما وقت التضييق والضرورة: فهو أن يُؤخر الظهر والعصر إلى غروب الشمس، أو يؤخر المغرب والعشاء إلى طلوع الفجر -إما اختيارًا وإما اضطرارًا-[على ما يأتي بيانه بفضل الله إن شاء الله تعالى] (٥).

стр. 193

وأما وقت سنة أخذت حظًا من الفضيلة: [فهو أن يجمع] (١) بين الصلاتين بعَرَفَة ومُزْدَلِفَة. فهذا بيانها على الجملة، ونحن نتكلم على تفصيلها، وتحصيلها وتنزيلها على أصولها بعون الله، وهو خير معين. فأول [ذلك] (٢) صلاة الظهر: فتسمية الظهر: مأخوذ من الظهيرة، وهي شدة الحر، وأكثر ما يكون [عند] (٣) الزّوال. وقيل: سميت بذلك لأنها [مأخوذة] (٤) من الظُّهور؛ وكأنه وقت ظهور زوال الشمس عن [حال] (٥) وُقُوفها في كَبِد السّماء. وقيل: سُمِّيت بذلك؛ لأن وقتها أظهر من [سائر] (٦) الأوقات وأبينها. وتُسَمَّى أيضًا: الهجيرة، وقد جاء اسمها في الحديث (٧) بذلك [مأخوذ] (٨) من الهَاجِرَة؛ وهي شِدّة الحَر. [وتُسَمّى: الأولى] (٩) أيضًا؛ لأنها [ق/ ١٨ أ] أول صلاة صلَّاها

стр. 194

صلّاها جبريل ﵇ بالنبي ﵇. [فأول] (١) وقت الظهر زوال الشمس عن كَبِد السّماء، وآخرها المستحب أن يصير ظِل كل شيء مثله بعد الظّل الذي زالت عليه الشمس. وأما صلاة العصر: [فقيل إنها تُسَمَّى العشاء؛ فقيل] (٢): سميت بذلك؛ لأنها في آخر طرفي النهار، والعرب تسمى كل طرف من النهار عصرًا. وقيل: سُمِّيَت بذلك لتأخيرها. وأول وقتها: إذا صار ظِل كل شيء مثله [بَعْدَ ظِل الزّوال] (٣). وآخر وقتها المستحب: أن يصير ظِل كل شيء مِثْلَيه. وآخر وقت الظهر والعصر، المختار: إلى الاصفرار. وآخر وقتها للضرورة: إلى غروب الشمس. فعلى هذا يكون للظهر والعصر ثلاثة أوقات، وهو الذي تضمنته ترجمة مالك في "الموطأ" في رواية يحيى بن يحيى حيث قال: وقت الصلاة، والوقوت من أبنية الكثرة؛ [من العشرة] (٤) فصاعدًا. وإذا أثبتنا لكل صلاة ثلاثة أوقات: جاء من ذلك خمسة عشر وقتًا؛ [وهو ظاهر ترجمته ومقتضاها] (٥) وهو مشهور المذهب في الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والصبح.

стр. 195

وعلى ما تقتضيه رواية ابن بكير في ترجمة موطئه: بباب أوقات الصلاة، يؤذن بأن الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والصبح ليس لها إلا وقتان؛ لأن قوله: [أوقات] (١): يدل على التقليل؛ لأنه من أبنية القلة فيما دون العشرة. والمغرب: ليس لها إلا وقت واحد على هذا يتنزل. وأما على رواية ابن القاسم عن مالك في موطئه: فترجمته وقت الصلاة؛ فهي محتملة للمعنيين جميعًا؛ لأن الوقت مصدر، والمصدر [يصلح] (٢) للقليل والكثير [ويقع عليه] (٣). واختلف العلماء في الظهر والعصر: هل بينهما اشتراك؟ [فمشهور مذهب مالك أن بينهما اشتراكا] (٤)، وبه قال أبو حنيفة، وظاهر قول [ابن حبيب] (٥) نفى الاشتراك، وبه صرح القاضي أبو بكر ابن العربي -أعني نفى الاشتراك- فقال: تالله ما بينهما اشتراك، ولقد زمنت (٦) فيه أقلام العلماء. فيحمل ما روى في الحديث من صلاة جبريل بالنبي ﵇ الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي صلى به العصر بالأمس على [أن معنى قوله] (٧) صلى بمعنى [فرنح] (٨)، وبه قال الشافعي: وهذا الذي قاله

стр. 196

ظاهر في المعنى لولا ما ثبت من جمع رسول الله ﷺ [بين] (١) الظهر، والعصر، والمغرب، [والعشاء] (٢) في غزوته إلى تبوك. وقد قدمنا أن الصلاة قبل وقتها لا يجوز فعلها بالإجماع. وقد اتفقنا مع القاضي [أبي بكر بن العربي أدام الله كرامته] (٣) -ونفع الله به- أنه يجوز تقديم العصر، والعشاء [الآخرة] (٤) عن وقتها إلى [أول] (٥) وقت الظهر أو المغرب تارة للمسافر إذا ارتحل من المنهل عند الزوال [أو] (٦) عند الغروب، أو للمريض إذا خشى أن يغلب على عقله مع الاتفاق من الكل أنه لا يجوز له أن يقدم الظهر عن الزوال، وما ذلك إلا لوجود الاشتراك وصحته. ولذلك لم [يجمع] (٧) النبي ﷺ [في سفره] (٨) بين المغرب والعصر، ولا بين العشاء والصبح؛ فصحَّ القول المختار بهذا الاعتبار وعلى القول بالاشتراك: هل يكون الاشتراك في أول دقيقة من الزوال، أو يكون الاشتراك في آخر الغروب، أو يختص الظهر [بمقدار] (٩) أربع ركعات [للحاضر] (١٠) وركعتين للمسافر عند الزوال لم يشاركها فيه العصر، [فكذلك يختص العصر بهذا المقدار في آخر الوقت لم تشاركها فيه

стр. 197

الظهر] (١). وفائدة هذا وثمرته: إذا قدم العصر على الظهر بمعنى أوجب ذلك كالحائض تطهر وقد بقى من النهار قدر ما تصلي فيه أربع ركعات على غالب ظنها، فصلّت العصر ثم بقى لها من الوقت قدر ما تصلي فيه ركعة أخرى، فإنها تصلى الظهر، [فإن] (٢) قلنا بالاشتراك في أول الزوال: فلا تعيد العصر، وإن كانت قد صلتها في وقت الظهر؛ لأنَّ ذلك القدر [من الوقت] (٣) وقع فيه الاشتراك، فصار الظهر مستحقًا له من باب الترتيب خاصة، حتى إذا طرأ ما يُسْقِط حكم الترتيب: سَقَطَ حُكم الاستحقاق؛ فصارت صلاة العصر قد أديت في وقتها بالاختصاص. وإن قلنا: كل واحدة من الصلاتين تختص بمقدار أربع ركعات للحاضر أو ركعتين للمسافر: فلابد مِنْ أَنْ يُعِيد العصر في مسألتنا؛ [لأنها صلتها] (٤) آخر وقت الظهر. واختلف القائلون بالاشتراك: هل الظهر مشاركة للعصر في ابتداء القامة الثانية، أو العصر مشاركة للظهر في آخر القامة الأولى، أم لا؟ على قولين، والذي اختاره مشايخ أهل المذهب: أن العصر هي المشاركة للظهر في آخر القامة الأولى، واستدلوا على صحة هذا القول بإمامة جبريل بالنبي ﷺ أنه صلى به في اليوم الثاني في الوقت الذي صلى فيه العصر بالأمس، حتى لو أن رجلين ابتدءا الصلاة في تلك الساعة؛ أحدهما: يصلي الظهر، والآخر: يصلي العصر: لكان كل واحد منهما

стр. 198

مؤديًا للصلاة في أول وقتها. فهذا حقيقة الاشتراك. [وأما] (١) صلاة المغرب: وهي [تُسَمَّى] (٢) صلاة الشَّاهد [ق/ ١٢جـ] أيضًا سُمِّيَت بذلك؛ لأنَّ المُسافر لا يقصرها. وقيل: سُمِّيت بذلك؛ لأن نَجْمًا يُسَمِّي الشّاهد يَطْلع عند وقتها. ولا يقال لها: العشاء لا لُغة ولا شَرعًا. وقد جاء في الحديث الصحيح (٣) النهي عن تسميتها عِشَاء. وأول وقتها: [عند] (٤) غروب الشمس. والمراد بالغروب: غروب عينها وقُرصها لا ذهاب الضوء. ولا يجوز تقديمها عن ذلك الوقت بالإجماع. ولا خلاف بين العلماء أيضًا أن تقديمها [في] (٥) أول وقتها في حق كل مصل -فَذًا أو مأمومًا- أفضل وأحسن. واختلف هل يَمْتَد وقتها حتى يكون لها وقت [الاختيار] (٦) أم لا؟ فالمذهب على قولين؛ والمشهور: أن لها وقت الاختيار، وهو ظاهر قول مالك في "الموطأ" (٧) و"المدونة" (٨).

стр. 199

قال مالك: الشفق: العمرة التي تكون في المغرب، فإذا ذهبت العمرة فقد حلَّت صلاة العشاء، وخرجت من وقت المغرب، فجعل وقتها يمتد إلى مغيب الشفق. وأما ما يؤخذ من ظاهر "المدونة" في غير ما موضع [من ذلك] (١) قوله في ["كتاب] (٢) الوضوء": من خرج من قرية يريد قرية أخرى, وهو غير مسافر، وهو فيما بين القريتين على غير وضوء، قال: فإن طمع بإدراك الماء قبل مغيب الشفق، وإلا تيمم وصلى، فأمر له بطلب الماء إلى مغيب الشفق، وهو آخر الوقت. ومن ذلك قوله في "كتاب الجنائز": إن الجنازة لا يصلي عليها بعد الاصفرار، وينتظر بها إلى غروب الشمس، فإذا غربت الشمس: بدؤوا بما أحبوا من صلاة المغرب والجنازة. فهذا الظاهر يكاد أن يكون نصًا في امتداد وقتها. وكذلك أيضًا قوله في كتاب الحج: فيما إذا طاف بعد العصر يؤخر [ركعتي] (٣) الطواف [إلى] (٤) (٥) [غروب الشمس، فإذا غربت الشمس فهو مخير إن شاء بدأ بالغرب، وإن شاء بركعتي الطواف] (٦). وفي المدونة ظواهر كثيرة غير ما ذكرناه أضربنا عن ذكرها لتسلط التأويل عليها واحتمالها؛ [فاقتصرنا] (٧) على نقل الظواهر التي في معنى النص.

стр. 200

وقيل: إن وقتها وقت واحد غير مُمْتَد، وحدُّه الفراغ منها، وهذا قول أبي محمَّد عبد الوهاب في "التلقين"، وهو قول منصوص في المذهب. ولا يجوز تأخيرها عن أول وقتها إلا لعذر [مثل الجمع لعذر] (١) السفر، أو المطر، أو المرض. وفي المذهب قول ثالث: أنها لا تُؤَخّر عن وقتها [لا] (٢) لعذر ولا لغيره؛ ولأنه إن كان عذر يوجب الجمع، فإن العشاء تُقَدّم إلى المغرب [ويكون الجمع] (٣) في أول وقتها. وفائدة قولنا: إن لها وقت الاختيار: أنه يجوز تأخيرها إلى مغيب الشفق اختيارًا من غير عذر. وأما صلاة العشاء: فإنها سميت بذلك من الظلام. والعِشاء: بكسر العين ممدود، [وهو] (٤) أول وقت الظلام، وهو اسمها في القرآن (٥)، وجاء اسمها في الحديث: "لو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوًا" (٦). وجاء النهي [أيضًا] (٧) عن تسميتها عتمة (٨)، وسميت بذلك: من

стр. 201

عتمة الليل؛ وهو ثلثه. وأصلها تأخيرها؛ يقال: عتم القوم إذا صاروا حينئذ، والعتمة الإبطاء؛ فهذا نقل القاضي أبي الفضل ﵀ والعهدة عليه. وأول وقتها المستحب: مغيب الشفق. واختلف في الشفق، ما هو؟ فقال مالك: وهو الحمرة، وقال أبو حنيفة: البياض، وهذا أحد أقاويل ابن القاسم. وسبب الخلاف: هل الحكم يتعلق بأوائل الأسماء، أو [بأواخرها] (١)؟ واختلف المذهب في تأخيرها عن أول وقتها: هل ذلك مباح أو مندوب إليه [للجماعة] (٢)؟ فقيل: هي كالظهر في جواز التأخير، وقيل: هي آكد من الظهر في التأخير؛ لقوله [﵇] (٣): "ما أظن أحدًا ينتظرها غيركم" (٤). وأما آخر وقتها: فاختلف فيه المذهب على قولين: أحدهما: [إلى] (٥) ثلث الليل. والثاني: [إلى] (٦) نصف الليل. ويتخرج في المذهب قول ثالث: [أنها لا تبلغ] (٧) بالتأخير إلى ثلث

стр. 202

الليل، وهو ظاهر قول مالك في "المدونة" في أول كتاب الصلاة ["الأول" (١)] (٢). سئل مالك عن أهل [الحرس] (٣) في الرباط يؤخرون العشاء إلى ثلث الليل؟ فأنكر ذلك إنكارًا شديدًا؛ فقال: قد صلى الناس قديمًا [وعُرِفَ] (٤) وقت الصلاة. وسبب الخلاف: تعارض الآثار وتجاذب الاعتبار؛ فمن ذلك إمامة جبريل [﵇] (٥) للنبي ﷺ أنه صلى في اليوم الأول في ثلث الليل، ويعارضه ما خرَّجه البخاري من طريق أنس بن مالك: أنه أخر صلاة العشاء إلى ثلث [ق/ ١٩ أ] الليل. وروى أيضًا من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "لولا أن أشق على أمتي لأخرت العشاء إلى نصف الليل" (٦). وحديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ [أعتم ليلة بالعشاء وذلك قبل أن يفشو الإِسلام، فلم يخرج] (٧) حتى ناداه عمر: الصلاة؛ نام [النساء] (٨) والصبيان، فخرج فقال: "ما ينتظرها [أحد] (٩) من

стр. 203

أهل الأرض غيركم"، قال: ولا [يصلي يومئذ] (١) إلا بالمدينة، وكانوا يصلون فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثُلث الليل (٢). ولهذا أنكر مالك القصد بتأخيرها إلى ثلث الليل؛ لأن ذلك ليس بعادة القوم على الدوام. فمن رَجّح حديث أنس بن مالك قال: تؤخر عن ثلث الليل إلى نصفه، ومن رجّح حديث إمامة جبريل بالنبي ﷺ قال: لا تؤخر عن ثلث الليل إلى نصفه. ويؤيد هذا الترجيح: قول عمر ﵁ فإن أخرت فإلى شطر الليل، ولا تكن من الغافلين (٣)، فالتأخير إلى شطر الليل. ومعنى قوله: فإن أخرت فإلى شطر الليل: يعني أخرت لضرورة مانعة [للصلاة] (٤) في الوقت المتقدم، فصل ما بينك وبين شطر الليل، ولا تكن من الغافلين بإعماد التأخير إلى شطر الليل، فتكون من الغافلين. وقيل: إن معنى قوله بتأخيرها عن نصف الليل. وهذا التأويل حكى عن أبي [عمران] (٥) الإشبيلي ﵀ والتأويل الآخر: [يؤيد] (٦) ترجيح من رجح حديث أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري ﵄. وأما آخر وقتها [الاضطراري] (٧): فهو طلوع الفجر.

стр. 204

والمشاركة بين المغرب والعشاء كما هي بين الظهر والعصر، وهل يقع الاختصاص لأحدهما ببعض الوقت أم لا؟ فالخلاف الذي قدمناه يجري في الجميع. وأما صلاة الصبح: فإنها سُميت بذلك [لأنها] (١) من أول النهار، وهو للصبح والصباح. وقيل: من الحُمرة التي فيه عند ظهورها، [وبها سُمي الصبح] (٢). وقال ابن فارس: ويقال: إن [صباحة] (٣) الوجه إنما سُميت بحمرته، والصبح: الحمرة. [وتسمى] (٤) أيضًا: صلاة الفجر؛ وهو الضياء المعترض في الأفق من نور الشمس أول النهار؛ ويسمى بذلك لتفجره وانتشاره. والفجر فجران؛ الأول منهما: [أبيض] (٥) مستدير مستطيل [صاعد إلى] (٦) الأفق، وهو [الفجر] (٧) الكاذب [وهو الشبه بذنب السرحان، وسُمِيَ بذلك لوقته، والسرحان: الذئب، فهذا لا حكم له في الصوم والصلاة] (٨).

стр. 205

[والثاني] (١): الأبيض الساطع؛ وهو الصادق و [هو] (٢) المستطيل -أي: المنتشر - وهو الذاهب في الأفق [عرضًا] (٣) حتى يعم الأفق، وتعقبه الحمرة، وهذا هو الفجر الذي يتعلق به حكم الصلاة عند جميع الأمة، وحكم الصوم عندنا، وعند أكثر الفقهاء. واختلف هل يمتد إلى [الإسفار] (٤) أو إلى طلوع الشمس؟ على قولين: أحدهما: أنه يمتد إلى [الإسفار] (٥) الأعلى، وهو قول مالك في "المختصر"، وهو ظاهر قوله في "المدونة" (٦). والثاني: أن وقته يمتد إلى طلوع الشمس، وهو قول ابن حبيب (٧). [فمن] (٨) قال: إن وقت المختار إلى الإسفرار جعل للصبح وقتًا للاضطرار؛ وهو ما بين الإسفار وطلوع الشمس. ومن قال إلى الطلوع: لم يَرَ له وقتًا للاضطرار. وسبب الخلاف: معارضة الأخبار؛ [فمنها] (٩) حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : "وقت الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس" (١٠).

стр. 206

وهذا حديث صحيح خرَّجه البخاري ومسلم. ومنها: ما خرجه مالك في "الموطأ" (١) عن عطاء بن يسار أنه قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فسأله عن وقت صلاة الصبح .. الحديث,. فقال: "ما بين هذين وقت". ومنها: حديث ابن عباس [﵁] (٢) قال: قال رسول الله ﷺ : "أَمَّني جبريل ﵇ عند البيت، فصلى بي الظهر حين زالت الشمس .. " الحديث (٣) [إلى أن] (٤) قال: "وصلى بي الفجر فأسفر". وحديث ابن عباس، وحديث عطاء يؤذنان بأن الصبح [لها] (٥) وقت الاضطرار. وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص يؤذن بنفيه؛ لأن وقت الاختيار يمتد إلى طلوع الشمس أو قربه؛ لأنه قال في [حديث] (٦) أبي هريرة: "ثم صلى الصبح من الغد ثم انصرف، وقائل يقول طلعت الشمس". واختلف [أيضًا] (٧) هل التغليس بالصبح أفضل [أو] (٨) الإسفار [به أفضل] (٩)؟ فذهب مالك والشافعي إلى أن التغليس بالصبح أفضل، وذهب أبو

стр. 207

حنيفة إلى أن الإسفار [به] (١) أفضل. وسبب الخلاف: معارضة الأخبار؛ منها حديث عائشة ﵂ أنها قالت: [إن] (٢) كان رسول الله ﷺ ليصلي الصبح، فتنصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس (٣). وقولها إن كان يشعر بالتكرار، ولا يطلق مثل هذا اللفظ إلا على ما تكرر وقوعه كثيرًا. وعارضه أبو حنيفة بقوله [أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر، وفي رواية: "أخروا"، وأما قوله] (٤) ﷺ حين سُئِلَ: أي الأعمال أفضل؟ فقال: "الصلاة لأول وقتها" (٥). فذهب الفقهاء في هذه الأخبار مذهب الترجيح. والإسفار: هو الكشف والبيان، فكأن الصبح كشف عن [خبر] (٦) النهار بالضياء، وذلك الضياء من مقدمات طلوع الشمس. ولذلك يكون عند طلوع الفجر بيان ساطع، ثم تليها الحمرة، ثم يملؤها البياض الكلي الذي يليه طلوع الشمس؛ فيسمى ذلك الإسفار. ومنه سُمى السَّفر سَفَرًا؛ لأنه يُسْفِرُ عن أخلاق الرِّجال حتى تظهر الأخلاق الكامنة [ق/ ١٠ ب] فيهم لما فيه من المشقة وضيق الظعن حتى ترى من كان موسومًا بحسن الصحبة، وجميل المعاشرة في الحضر ظهر منه

стр. 208

الأخلاق الذميمة، والأنفاس الوخيمة في السفر. ولهذا قال عمر [بن الخطاب] (١) ﵁ للذي عدَّل الشاهد: هل سافرت معه؟ ولا خلاف [عندنا] (٢) في المذهب أنه لا يجوز [ق/ ١٣ جـ] تأخير الصلاة عن وقتها المختار إلى وقت الاضطرار إلا لعذر؛ لقوله [﵇] (٣): "تلك صلاة المنافقين .. " الحديث. إلى قوله: "لا يذكر الله فيها إلا قليلًا" (٤). إلا أنه إذا صلاها في تلك الساعة، أو أدرك منها ركعة قبل الغروب ثم صلى ما بقى بعد الغروب: فلا خلاف عندنا في المذهب أنه مأثوم، [ولا استحالة في ذلك] (٥)؛ لأنه صار بقوله ﵇: "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر" (٦) مؤديًا. وفائدة الإدراك: أن يكون مؤديًا لا قاضيًا، ويكون مأثومًا بسبب التضييع [والتفريط] (٧) [فشبهه النبي ﷺ فيه بالمنافقين، والذي قدمناه كله في أوقات الاستحباب والاختيار] (٨). فأما [أوقات] (٩) الاضطرار: [فهي لخمسة] (١٠).

стр. 209

[المرأة] (١): تحيض أو تطهر] (٢). والصبي: يحتلم، والكافر: يسلم، والمجنون: يفيق، والمسافر: يَخْرج أو يَقْدم. ومن أصحابنا من [يَعُد] (٣) النائم، وذلك خطأ؛ لأن النائم حاله لا يختلف في صلاته سواء صلاها في الوقت أو بعده بخلاف المسافر؛ فإن صفات صلاته مختلفة باختلاف حالاته، وبخلاف الحائض أيضًا؛ لأن الحائض مخاطبة بما أدركت [وقته] (٤) من الصلوات. والنائم مخاطب بها في كل زمان أداءً وقضاءً، والناسي كذلك أيضًا. وأما الحائض: [فيعتبر] (٥) فيها حالة [الطهر] (٦)، وحالة الحيض؛ فإن حاضت في النهار، وقد بقى فيه [قدر] (٧) ما تصلى فيه ركعة إلى أربع [ركعات] (٨) ولم تصل العصر: فإنها لا قضاء عليها [في العصر] (٩)؛ لأنها حاضت في [وقتها] (١٠). وإن حاضت بمقدار خمس ركعات: فلا قضاء عليها للظهر ولا للعصر؛ لأنها حاضت في وقتيهما، وسقط عنها الخطاب بأدائهما؛ فإذا سقط الخطاب بالأداء سقط القضاء [به] (١١)؛ بدليل قول عائشة [رضي

стр. 210

الله عنها] (١) كنا نؤمر بقضاء [الصيام] (٢)، ولا نؤمر بقضاء الصلاة (٣). وأعتبار أربع ركعات في العصر إذا كانت الحائض في الحضر، ولو كانت مسافرة: لاعتبر ركعتين ركعتين -كما يأت في بابه إن شاء الله-. وهكذا إذا حاضت في الليل، وقد بقى من الليل قدر ما تصلي في خمس ركعات، ولم تصل المغرب والعشاء. ولا خلاف في المذهب في سقوطها [عنها] (٤)؛ لأن الركعة الخامسة هي من صلاة المغرب. ولو بَقِيَ من اللَّيل قَدْر ما تُصلي فيه ركعة إلى ثلاث: فإن العشاء ساقطة عنها، وتقضي المغرب بالاتفاق. وإن حاضت، وقد بقى من الليل قدر أربع ركعات: فالمذهب على قولين: أحدهما: أن المغرب والعشاء ساقطة عنها، وهو قول ابن القاسم؛ لأن الثلاث ركعات للمغرب، وبقيت ركعة للعشاء، فقد حاضت في وقتيهما جميعًا. والثاني: أنه لا يسقط [عنها] (٥) إلا العشاء، وعليها قضاء المغرب، وهو قول عبد الملك؛ لأن أربع ركعات وقت للعشاء، ووقت المغرب قد خَرَج؛ فوجب عليها قضاؤها. وسبب الخلاف: [أواخر] (٦) الأوقات، هل هي لأوائل الصلوات أم

стр. 211

لأواخرها؟ فمن جعل أواخر الأوقات لأواخر الصلوات: قال تقضي المغرب، وهو الذي يقتضيه النظر والأثر. ومن جعلها لأوائل الصلوات: قال يسقط المغرب والعشاء؛ لأنها حاضت في وقتيهما. وهذا إذا كانت حاضرة. ولو كانت مسافرة فحاضت لثلاث ركعات بقين من الليل، فإنها تتخرج على الخلاف الذي قدمناه؛ فعلى قول عبد الملك: سقط عنها المغرب والعشاء؛ لأنها [ق/ ٢٠ أ] إذا صلّت العشاء ركعتين بقيت ركعة للمغرب. وعلى قول ابن القاسم: تقضي المغرب؛ لأنها لو ابتدأت بالغرب لم يبق [للعشاء] (١) شيء، فصار الوقت، وإن فَضَلت منه ركعة [كله للعشاء [وبَقِيَ] (٢) حكم الرّكعة. وإلى هذا المعنى أشار التونسي ﵀] (٣) واختلف إذا بقى [من النهار قدر] (٤) ركعة، ولم تصل العصر، فقامت فَصَلّت ركعة، فغربت الشمس، ثم حاضت في الركعة الثانية هل تقضي العصر أم لا؟ [فالمذهب] (٥) على قولين: أحدهما: أن عليها قضاء [العصر] (٦)؛ لأنها حاضت بعد خروج

стр. 212

وقتها. والثاني: أنه لا قضاء عليها؛ لأنها [إذا أدركت منها] (١) ركعة كانت كالمُدْركة لجميعها؛ لقول [النبي] (٢) ﷺ : "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" (٣). وقد اتفق المذهب أنه ليس بِقَاضٍ، وإن صلى بقيتها بعد [غروب الشمس] (٤). وسبب الخلاف: هل العِبْرة [بالعِبَر والمَعَانِي] (٥)، أو العِبْرة بالصّور والمبَانِي؟ فمن رأى أن [الاعتبار بالعبر والمعاني] (٦) قال: لا [قضاء] عليها (٧)؛ لأن حكم ما أدركت من الصلاة بعد الغروب كحكم ما أدركت قبل الغروب؛ فكأنه صلى الجميع قبل الغروب لكون الشارع سماه مُدْرِكًا؛ ولأن الصلاة لما كان آخره مُرْتَبطًا بأولها، وأولها مُرْتَبِطًا بآخرها: صار حكمها واحدًا، ما صلى قَبْل وما صلى بَعْد [سواء] (٨). ومن اعتبر [الصور والمباني] (٩) قال: إنها تقضي؛ لأنها حاضت في زمان الليل بعد إدبار النهار، ووقت صلاة النهار غاية امتدادها إلى غروب

стр. 213

الشمس، وكون الشارع جعل الذي أدرك ركعة قبل الغروب مدرك لجميع الصلاة، فإن صلى بقيتها بعد الغروب لا يجعل جزءا من الليل وقتا للعصر أصلًا، وإنما ذلك تَفَضّل من الله ونعمة ولُطفٌ بعباده ورحمة. ولو [حاضت] (١) لثلاث ركعات من الليل، ولم تُصَل المغرب والعشاء لم تقضهما؛ لأنها حاضت في وقتهما؛ ولأن الركعتين للعشاء، وبقى للمغرب ركعة. ولو حاضت بعد أن صَلت ركعة بسجدتيها من الغرب: لم تقض إلا المغرب؛ لأنها حاضت، ولم يبق في الليل إلا قدر [ركعتين] (٢). ولو حاضت وقد بقى [من النهار] (٣) قدر ركعة ناسية للظهر، وقد صلت العصر: قال: لا تقضي الظهر؛ لأنها حاضت في وقتها، وبه قال ابن القاسم، ومُطَرِّف وأَصْبَغ، وقال [عبد الملك] (٤): تقضي الظهر والوقت للعصر. [وهذا] (٥) يَتَخَرّج على [الاختلاف] (٦) في الاشتراك هل يقع بين الظهر والعصر أم لا؟ وكذلك إذا صَلَّت العصر، ونَسِيَت الظهر ثم حاضت لمقدار أربع ركعات:

стр. 214

فقيل: تقضي [الظهر] (١)؛ لأن هذه الأربع ركعات إنما هي وقت للعصر، وقد خرج وقت الظهر فعليها قضاؤها. وقيل: لا تقضي الظهر؛ لأن هذا الوقت وقتها، والعصر لما [صلتها وهي ناسية للظهر، فكأنها صلتها في وقتها] (٢)، وهذا مبنى على هذا الأصل، وبالله التوفيق. وأما الحائض تطهر، والصبي يحتلم، والكافر يسلم: [فهل] (٣) يعتبر ما يبقى في النهار أو [في] (٤) الليل. ولا خلاف في الحائض أن المعتبر ما بقى بعد فراغها من الغسل [مجتهدة من غير توانٍ، فإن بقى بعد فراغها من الغسل] (٥) مقدار ركعة إلى أربع، فإنها تصلي العصر. وإن كان إلى خمس: فإنها تصلي الظهر والعصر؛ لأنها طهرت في وقتيهما [جميعًا] (٦). وينبغي أن يكون الصبي يحتلم، والمغمى عليه يفيق كذلك؛ لأن المعتبر ما بقى بعد الفراغ من الغسل. واختلف في النصراني يُسْلِم: هل هو كالحائض أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنهما سواء، وأن المعتبر في الجميع وقت الفراغ من الوضوء

стр. 215

أو [من] (١) الغُسل. والثاني: أن الكافر يُسْلِم، والمُغْمَى عليه يفيق: أن المعتبر ما بقى [في] (٢) النهار -بعد الإفاقة والإِسلام، وهو قول عبد الملك [بن الماجشون وغيره] (٣). وسبب الخلاف: الكفار هل هم مخاطبون بفروع الشريعة أم لا (٤)؟. فمن رأى أنهم مخاطبون بالفروع يقول: إن المعتبر ما بقى من النهار بعد الإِسلام؛ لأنه مُتَعَد في ترك الصلاة، ولكونه قادرًا على رفع المانع [وزواله] (٥)، الذي هو الكفر. ومن رأى أنهم غير مخاطبين [يقول] (٦): هو [كالحائض] (٧)، وهو معذور في تركها. وأما المغمى عليه: فالذي يقتضيه النظر أن يكون كالحائض، والصبي؛ لأنه مغلوب ومعذور؛ فإن بقى [في] (٨) النهار قدر ركعة إلى أربع: سقط الظهر في حق الجميع. وإن بقى قدر خمس ركعات فأكثر: لزمه الظهر، والعصر في حق الجميع.
следующие страницы →