← Фикх малики

Фикх малики · id 123685

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

الرجراجي، علي بن سعيد

Полный текст (4 240 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

لأواخرها؟ فمن جعل أواخر الأوقات لأواخر الصلوات: قال تقضي المغرب، وهو الذي يقتضيه النظر والأثر. ومن جعلها لأوائل الصلوات: قال يسقط المغرب والعشاء؛ لأنها حاضت في وقتيهما. وهذا إذا كانت حاضرة. ولو كانت مسافرة فحاضت لثلاث ركعات بقين من الليل، فإنها تتخرج على الخلاف الذي قدمناه؛ فعلى قول عبد الملك: سقط عنها المغرب والعشاء؛ لأنها [ق/ ٢٠ أ] إذا صلّت العشاء ركعتين بقيت ركعة للمغرب. وعلى قول ابن القاسم: تقضي المغرب؛ لأنها لو ابتدأت بالغرب لم يبق [للعشاء] (١) شيء، فصار الوقت، وإن فَضَلت منه ركعة [كله للعشاء [وبَقِيَ] (٢) حكم الرّكعة. وإلى هذا المعنى أشار التونسي ﵀] (٣) واختلف إذا بقى [من النهار قدر] (٤) ركعة، ولم تصل العصر، فقامت فَصَلّت ركعة، فغربت الشمس، ثم حاضت في الركعة الثانية هل تقضي العصر أم لا؟ [فالمذهب] (٥) على قولين: أحدهما: أن عليها قضاء [العصر] (٦)؛ لأنها حاضت بعد خروج

стр. 212

وقتها. والثاني: أنه لا قضاء عليها؛ لأنها [إذا أدركت منها] (١) ركعة كانت كالمُدْركة لجميعها؛ لقول [النبي] (٢) ﷺ : "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" (٣). وقد اتفق المذهب أنه ليس بِقَاضٍ، وإن صلى بقيتها بعد [غروب الشمس] (٤). وسبب الخلاف: هل العِبْرة [بالعِبَر والمَعَانِي] (٥)، أو العِبْرة بالصّور والمبَانِي؟ فمن رأى أن [الاعتبار بالعبر والمعاني] (٦) قال: لا [قضاء] عليها (٧)؛ لأن حكم ما أدركت من الصلاة بعد الغروب كحكم ما أدركت قبل الغروب؛ فكأنه صلى الجميع قبل الغروب لكون الشارع سماه مُدْرِكًا؛ ولأن الصلاة لما كان آخره مُرْتَبطًا بأولها، وأولها مُرْتَبِطًا بآخرها: صار حكمها واحدًا، ما صلى قَبْل وما صلى بَعْد [سواء] (٨). ومن اعتبر [الصور والمباني] (٩) قال: إنها تقضي؛ لأنها حاضت في زمان الليل بعد إدبار النهار، ووقت صلاة النهار غاية امتدادها إلى غروب

стр. 213

الشمس، وكون الشارع جعل الذي أدرك ركعة قبل الغروب مدرك لجميع الصلاة، فإن صلى بقيتها بعد الغروب لا يجعل جزءا من الليل وقتا للعصر أصلًا، وإنما ذلك تَفَضّل من الله ونعمة ولُطفٌ بعباده ورحمة. ولو [حاضت] (١) لثلاث ركعات من الليل، ولم تُصَل المغرب والعشاء لم تقضهما؛ لأنها حاضت في وقتهما؛ ولأن الركعتين للعشاء، وبقى للمغرب ركعة. ولو حاضت بعد أن صَلت ركعة بسجدتيها من الغرب: لم تقض إلا المغرب؛ لأنها حاضت، ولم يبق في الليل إلا قدر [ركعتين] (٢). ولو حاضت وقد بقى [من النهار] (٣) قدر ركعة ناسية للظهر، وقد صلت العصر: قال: لا تقضي الظهر؛ لأنها حاضت في وقتها، وبه قال ابن القاسم، ومُطَرِّف وأَصْبَغ، وقال [عبد الملك] (٤): تقضي الظهر والوقت للعصر. [وهذا] (٥) يَتَخَرّج على [الاختلاف] (٦) في الاشتراك هل يقع بين الظهر والعصر أم لا؟ وكذلك إذا صَلَّت العصر، ونَسِيَت الظهر ثم حاضت لمقدار أربع ركعات:

стр. 214

فقيل: تقضي [الظهر] (١)؛ لأن هذه الأربع ركعات إنما هي وقت للعصر، وقد خرج وقت الظهر فعليها قضاؤها. وقيل: لا تقضي الظهر؛ لأن هذا الوقت وقتها، والعصر لما [صلتها وهي ناسية للظهر، فكأنها صلتها في وقتها] (٢)، وهذا مبنى على هذا الأصل، وبالله التوفيق. وأما الحائض تطهر، والصبي يحتلم، والكافر يسلم: [فهل] (٣) يعتبر ما يبقى في النهار أو [في] (٤) الليل. ولا خلاف في الحائض أن المعتبر ما بقى بعد فراغها من الغسل [مجتهدة من غير توانٍ، فإن بقى بعد فراغها من الغسل] (٥) مقدار ركعة إلى أربع، فإنها تصلي العصر. وإن كان إلى خمس: فإنها تصلي الظهر والعصر؛ لأنها طهرت في وقتيهما [جميعًا] (٦). وينبغي أن يكون الصبي يحتلم، والمغمى عليه يفيق كذلك؛ لأن المعتبر ما بقى بعد الفراغ من الغسل. واختلف في النصراني يُسْلِم: هل هو كالحائض أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنهما سواء، وأن المعتبر في الجميع وقت الفراغ من الوضوء

стр. 215

أو [من] (١) الغُسل. والثاني: أن الكافر يُسْلِم، والمُغْمَى عليه يفيق: أن المعتبر ما بقى [في] (٢) النهار -بعد الإفاقة والإِسلام، وهو قول عبد الملك [بن الماجشون وغيره] (٣). وسبب الخلاف: الكفار هل هم مخاطبون بفروع الشريعة أم لا (٤)؟. فمن رأى أنهم مخاطبون بالفروع يقول: إن المعتبر ما بقى من النهار بعد الإِسلام؛ لأنه مُتَعَد في ترك الصلاة، ولكونه قادرًا على رفع المانع [وزواله] (٥)، الذي هو الكفر. ومن رأى أنهم غير مخاطبين [يقول] (٦): هو [كالحائض] (٧)، وهو معذور في تركها. وأما المغمى عليه: فالذي يقتضيه النظر أن يكون كالحائض، والصبي؛ لأنه مغلوب ومعذور؛ فإن بقى [في] (٨) النهار قدر ركعة إلى أربع: سقط الظهر في حق الجميع. وإن بقى قدر خمس ركعات فأكثر: لزمه الظهر، والعصر في حق الجميع.

стр. 216

بَيْدَ أن عبد الملك فَرّق بين الإغماء [الكثير، والإغماء القليل] (١)، فقال: إن كان الإغماء يتصل بالمرض قبله أو بعده، فهذا [الذي] (٢) لا يقضي الصلاة. [فأما] (٣) الذي يغمى عليه [أمدًا] (٤) يسيرًا من الفجر إلى طلوع الشمس وهو صحيح: فهذا الذي يقضي الصلاة. وهذا الذي ذهب إليه عبد الملك مخالف لأثر ابن عمر ﵁ أنه أغمى عليه، ولم يقض الصلاة، ولم يذكر أنه اتصل بالمرض لا قبل ولا بعد. فإذا قلنا أن المعتبر ما بقى بعد الفراغ في الحائض على الاتفاق، وفي النصراني [يسلم] (٥) على الخلاف. فإن [توانوا] (٦) في الغسل، أو الوضوء أو فرطوا فيه حتى غربت الشمس أو طلعت: [فإنهم يقضون كلهم] (٧). واختلف [فيهم] (٨) إذا [أحدثوا] (٩) وعلموا قبل الصلاة أن الماء الذي كان به الطهر أو الوضوء نجس, ولم يتغير: على ثلاثة أقوال: أحدها: أن المعتبر ما بقي من النهار بعد الطهارة أو الوضوء الأول،

стр. 217

وهي رواية ابن سحنون [عن] (١) أبيه، مساواة بين الماء النجس والحدث؛ لأن الماء لا تجزئ به الصلاة إن خرج الوقت. والقول الثاني: أنه لا شيء عليها في القياس في نجاسة الماء والحدث، وهي رواية [أبي] (٢) زيد بن أبي العمر عن ابن القاسم. والثالث: التفصيل بين الحدث والماء النجس؛ فيقضوا في الحدث ما وجب عليهم قبل الحدث. وأما الماء النجس: فيعملوا على ما بقى بعد الغسل والوضوء في المرة الثانية، وهو قول ابن القاسم في "المستخرجة". وسبب الخلاف: هل يغلب عليها شائبة التفريط، فتعيد أبدًا، أو تكون معذورة، فيعتبر من حين فرغت من الغسل الثاني؟ وأما الحدث: إن يغلب عليه أو يتعمده، فإنه يعيد أبدًا. فإن غلب عليه الحدث: فالذي يقتضيه النظر أن يعيد أبدًا، وإن كان ابن القاسم في رواية أبي زيد عنه يقول: القياس ألا شيء [عليه] (٣) بل القياس والله أعلم أن الحدث يعيد منه أبدًا؛ لأنه حين توضأ وجبت [عليه] (٤) الصلاة؛ لأنه أدرك وقتها، ثم إن أحدث بعد ذلك صار كغيره ممن لم يتقدم له عذر، وربك أعلم. ولو قدرت بعد طهرها خمس ركعات، فلما صلَّت الظهر غربت الشمس: فلتصل العصر.

стр. 218

ولو قدرت أربعًا فصلت العصر، ثم بقى من النهار [قدر ركعة] (١) فلتصل الظهر فقط، إلا أن يبقى من النهار بعدها ركعة فأكثر: فَلْتُعِد العصر، وهذا قول مالك في "المجموعة"؛ [وقيل] (٢): إنها تصلي [الظهر والعصر] (٣) كما وجب عليها، وذكره ابن حبيب عن مالك (٤). وهذا يتخرج على الخلاف في الاشتراك، وقد [ق/ ١٤ جـ] قدمناه. وفي المسألة قول ثالث بالتفصيل بين أن تعلم قبل أن تُسَلِّم من العصر أنه يبقى ركعة أم لا؟ فإن عَلِمَت أعادت العصر، وإن لم تعلم لم تُعِد العصر. وسبب الخلاف: من ذكر صلاة في صلاة هل [يُعيد] (٥) التي هو فيها أم لا؟ فإذا طهرت الحائض، وقد بقى من الليل قدر خمس ركعات [فلا] (٦) خلاف في أنها تصلي الصلاتين جميعًا المغرب والعشاء؛ لأن الأربع ركعات للعشاء، وبقيت منها ركعة للمغرب، وإن شئت [قلت] (٧) فالثلاث ركعات للمغرب، وبقى للعشاء [ركعة] (٨). وإن بقى بعد طهرها قدر ما تصلي فيه ركعة إلى ثلاث ركعات: فإنها

стр. 219

تصلي العشاء، وتسقط المغرب؛ لأنها لم تدرك من وقتها شيئًا. فإن طَهرت وقد بقى من الليل قدر ما تصلي فيه أربع ركعات، فهل تصلي المغرب والعشاء أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنها تصلي الصلاتين [جميعًا المغرب والعشاء] (١) وهو قول ابن القاسم (٢)؛ لأنا إذا جعلنا الثلاث ركعات للمغرب بقيت ركعة للعشاء. والثاني: أنها تصلي العشاء وتسقط المغرب، وهو قول عبد الملك (٣). وسبب الخلاف: هل أواخر الأوقات لأواخر الصلوات أو لأوائلها. وحُكم الصبي [يحتلم] (٤) والمُغْمَى عليه يَفِيق، والكافر يُسْلم كحكم الحائض في جميع ما ذكرنا. وأما المسافر يَخْرُج أو يَقْدُم؛ فإن خرج وقد بقى من النهار قدر [ركعة أو ركعتين، ولم يصل الظهر والعصر، فإنه يصلي الظهر حضرية والعصر سفرية، ولو بقى من النهار قدر] (٥) ثلاث ركعات: فإنه يصلي الصلاتين سفريتين؛ لأنه سافر في وقتيهما جميعًا. ولو كان صلى العصر دون الظهر ثم خرج لمقدار ركعة: صلى الظهر سفرية، ولا يعيد العصر إلا أن يبقى من النهار [قدر] (٦) ركعة فليعدها سفرية، وكذلك في صلاتي الليل في الدخول والخروج [و] (٧) في نسيان الصلاتين أو إحداهما.

стр. 220

ولو خرج لمقدار ركعة ناسيًا للظهر مصليًا للعصر: [فالمذهب] (١) على قولين: أحدهما: أن الوقت للفائتة ويعيد الظهر [ق/ ٢١ أ] دون العصر، وإلى هذا رجح ابن القاسم، وقاله أصبغ وجماعة من أصحاب مالك (٢). الثاني: أنه يصلي الصلاتين؛ الظهر حضرية، والعصر سفرية، وهو قول ابن عبد الحكم. وأما إن قدم وقد بقى من النهار قدر ركعة إلى أربع: فإنه يصلي الظهر سفرية، والعصر حضرية. ولو بقى في النهار قدر خمس ركعات: فإنه يصلي الظهر والعصر حضريتين. ولو [قدم] (٣) وقد بقى من النهار قدر ركعة ناسيًا للظهر: فهو على الخلاف الذي قدمناه في الخروج. فهذا بيان أوقات الاضطرار، وتفسير أحوال ذوي الأعذار، وقد طولنا التفسير في هذا الفصل حتى خرجنا فيه عن حد [هذا] (٤) الكتاب؛ لأنه مما يعم البلوى وتمس إليه الحاجة [صباحًا ومساءً] (٥)، واعتمدت فيه على النقل من [كتاب] (٦) "النوادر"، وغيره من الأُمهات الصحاح، و [الحمد لله وحده] (٧). ...

стр. 221

المسألة الثالثة في الإحرام في الصلاة والنية فيها وهذه الترجمة تشتمل على خمسة أسئلة منها: تكبيرة الإحرام: هل [يتعين] (١) لها لفظ أم لا؟ ومنها: النية، وهل من شرطها أن تكون مقارنة للفظ التكبير أم لا؟ ومنها: تكبيرة الإحرام هل هي فرض أم لا؟ ومنها: رفع اليدين [مع] (٢) الإحرام، هل هو مشروع أم لا؟. ومنها: الحكم فيمن نسى تكبيرة الإحرام مِنْ فَذّ [أو إمام] (٣) أو مأموم. فالجواب عن السؤال الأول: [وهي] (٤) تكبيرة الإحرام، هل [يتعين] (٥) لها لفظ [أم] (٦) لا يتعين ولا ينقل عن معناه، وقد قال النبي ﷺ : "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم" (٧). وهذا الحديث خرّجه أبو عيسى الترمذي واستحسنه.

стр. 222

فذهب مالك ﵀ إلى أن لفظ التكبير [يتعين] (١) لا يتغير بالزيادة ولا بالمعنى، ووافقه الشافعي في أن ذلك منحصر في جنس التكبير، وخالف فيما [يتعرف] (٢) منه، ومنه قوله الله [الكبير] (٣)، والله الأكبر. وذهب أبو حنيفة ﵁ [إلى] (٤) أن ذلك يتعدى إلى كل لفظ في معناه مما يتضمن عظمة الله وتعظيمه مثل الله الأعظم، والله الأجلّ. وسبب الخلاف: هل التّعَبّد بالألفاظ أو التعَبّد بالمعاني؟ فمن رأى أن التعَبّد بالألفاظ قال: لا يتغير عن وضعه الذي نَصَّ عليه رسول الله ﷺ . [ومن رأى أن التعَبّد بالمعنى هو المقصود، ولاسيما أنها أعمُّ من الألفاظ] (٥) قال: يجوز الإحرام بكل لفظ يَتَضَمَن عظمة الله. وأما [اختلاف] (٦) مالك والشافعي ﵄ فإنه يرجع إلى المشاحة في اللفظ، والمعنى متقارب. وأيضًا فقد قالوا: إن الوصف بأكبر أبلغ من كبير والأكبر. والجواب عن السؤال الثاني: النية هل من شرطها أن تكون مقارنة [بالتكبير] (٧) أو يجوز تقديمها [عليه] (٨) بزمان يسير بَيْدَ أن العلماء

стр. 223

اتفقوا أنه لا يجوز تقديمها بزمان كثير، ولا أن يتقدمها عن لفظ التكبير [بزمان] (١) يسير [ولا] (٢) كثير. فذهب القاضي [أبو محمَّد] (٣) عبد الوهاب إلى أنه لا يجوز تقديم النية على اللفظ بيسير ولا بكثير، وهو مذهب الشافعي وهو ظاهر قول [الشيخ] (٤) أبي محمَّد بن أبي زيد في "رسالته" (٥) [حيث قال:] (٦) والدخول في الصلاة بنية الفرض فريضة، وذهب القاضي أبو الوليد بن رشد ﵁ إلى أنه يجوز تقديمها على اللفظ بزمان يسير قياسًا على الوضوء [والغسل] (٧)، ولا خلاف [عندنا] (٨) في [جواز] (٩) تقديم النية على الوضوء، والغسل [بيسير] (١٠)، وإن عرفت فيما بينه وبين التلبس بالوضوء أو الغسل. واختلف فيه إذا تقدمت عليه بزمان كثير كمن ذهب إلى البحر أو النهر أو الحَمّام، وبينه وبين هذا الموضع مسافة فعرفت [له] (١١) النية في أثناء المسافة. وقياسًا على الصيام، فالمتفق عليه عند القائلين بأنه يفتقر إلى النية أنه

стр. 224

يجزئه التّبْيِيت أول ليلة؛ إما في أول الليلة الأولى على مشهور مذهب مالك ﵀، وإما في أول كل ليلة على مذهب الشافعي ﵁. ولما لم يكف لمالك نص في المسألة، ولا لأحد من أصحابه المتقدمين: دل ذلك على أنه ليس من فروض الصلاة؛ إذ لو كان من فروضها لَتكَلّمُوا عليه [ولأودعوه] (١) في كتبهم، ولا أغفلوا [عن] (٢) ذكره، ولا وَسِعَ أحد جهله، ولا أجازوا إمامة من جهله كما لا يجيزوا إمامة من جهل [أن] (٣) القبلة، [والمباشرة] (٤) تنقضان الوضوء، وغير ذلك مما اعتنوا بذكره؛ فدل ذلك والحالة هذه أن من قام إلى الصلاة، ولم [يجدد] (٥) النية عند الإحرام [ناسيًا] (٦) أن صلاته جائزة؛ لأن النية [الأولى] (٧) متضمنة مع التكبير لقرب ما بينهما. ولو [قيل] (٨) فيمن خرج من بيته قاصدًا بنيته إلى المسجد [ليصلي فيه] (٩) ظهر يومه فعدمت له النية عند الإحرام [ناسيًا] (١٠) أن صلاته جائزة لكان أقرب إلى الصواب، لكنني ما رأيت من تكلم عليه.

стр. 225

وسبب الخلاف: ما قارب الشيء هل يعطى له حكمه أم لا؟ وهذا أصْل مُتَدَاعٍ في [أكثر] (١) الشريعة. والجواب عن السؤال الثالث: [في] (٢) تكبيرة الإحرام، هل هي من فرائض الصلاة، أو مِنْ سُنَنِهَا؟ [فقد] (٣) اختلف فيه العلماء؛ فذهب محمَّد بن شهاب الزهري والأوزاعي [إلى] (٤) أنها سنة. واختلف عن سعيد بن المسيب، هل مذهبه كمذهب [هذين] (٥) في أنها سنة أم لا؟ فظاهر قول مالك في "المدونة" (٦) و"الموطأ" أنها سنة [وذهب مالك إلى أنها فريضة من فرائض الصلاة، وهو مشهور مذهبه، وظاهر رواية ابن وهب عنه أنها سنة] (٧) على [مذهبه] (٨)؛ لأنه قال في الكتاب -أعني سعيد بن المسيب-: تجزئ الرجل تكبيرة الركوع إذا نسى تكبيرة الإحرام؛ بناءً [منه] (٩) على أنها سنة؛ لأنه روى عن مالك أن المأموم إذا نسى تكبيرة الإحرام وتكبيرة الركوع: أنه [يجزئ] (١٠) عنه إحرام الإِمام؛ فهذا دليل على أنها سنة؛ لأن الفرض لا يحمله الإِمام عن

стр. 226

المأموم كالركعة والسجدة. فعلى القول بأنها فريضة على كل مُصَل: فإن كَبَّر الإِمام، ونَسِيَ من كان خلفه أن يُكَبِّر فلا يخلو من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يُكَبِّر للركوع، ويَنْوي بِذَلك تَكْبِيرة الإحرام، أو كَبَّر للركوع، ولم يَنْو بذلك تكبيرة الإحرام، أو لَم يُكَبّر لا للركوع ولا للافتتاح. فإن كَبّر للركوع [ونوى] (١) بذلك تكبيرة الإحرام: فإنه [يجزئه] (٢) باتفاق المذهب. واخْتُلِفَ هل من شرط تكبيرة الركوع التي ينوي بها تكبيرة الإحرام أن يُكَبّرها في حالة القيام أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنها لا تجزئه حتى يكبرها في حالة القيام، ومهما كَبّر في حالة الانحطاط لم تجزئه، وهو قول [ابن القاسم] (٣) وتأوله بعض [المتأخرين] (٤) على "المدونة". والثاني: أنها تجزئه وإن كبر في حالة الانحطاط؛ لأنه لا ينوي بتكبيرة الركوع تكبيرة الإحرام إلا إذا كَبَّر في حال الانحطاط؛ لأنه لو كَبّر وهو قائم لكان ذلك تكبيرة الإحرام نية وصفة ولا يقال لها تكبيرة الركوع؛ لأن من شرط تكبيرة [الخفض] (٥) والرفع أن تكون في أثناء الفعل، ولا تُقَدَّم

стр. 227

عليه، ولا تُؤَخّر عنه، وإلى هذا القول ذهب أبو الوليد الباجي، وهو ظاهر "المدونة"، بل الذي في "المدونة" (١) يكاد أن يكون نصًا؛ لأنه قال: "ولا ينبغي أن يبتدئ صلاته بالركوع، وذلك يجزئ [من خلف الإمام] (٢). فظاهر هذا أنه يجوز [للمأموم] (٣) أن يبتدئ صلاته بالركوع. وأما إن كبّر للركوع، ولم يَنْو بذلك تكبيرة [الإحرام] (٤): فلا يخلو [من] (٥) أن يكون قادرًا على أن يرفع ويُكَبّر ويُدْرِك الإِمام في الركوع [أم لا] (٦). فإن كان قادرًا هل يرفع أم لا؟ قولان: أحدهما: أنه يَرْفَع ويُكَبّر [ثم يركع] (٧) ويُدْرِك الإِمام، وهو قول مالك في كتاب محمَّد. والثاني: أنه لا يَرْفَع؛ لأنه لو رَفَع لكانت خامسة، وهو قول ابن القاسم. وعلى القول بأنه [يرفع] (٨) فهل يَقْطَع بِسَلَام أم لا؟ قولان: أحدهما: أنه يَقْطَع بِسَلَام.

стр. 228

والثاني: أنه لا يَفْتَقِر إلى سَلَام، ويُكَبّر ويَرْفَع ثم [يعود إلى] (١) الركوع، وتُجزئه صلاته؛ لأنه إن كان الحق عند الله [سبحانه] (٢): إن الإِمام لا يحملها عنه، فهو في غير صلاة فلا يحتاج إلى تسليم، وإن كان الحق عنده: إنه في صلاة، وإن كان الإِمام يحملها. وإن رفع إذا رفع يبطل ما هو فيه فلا يحتاج إلى تسليم أيضًا ولا تكون خامسة. وسبب الخلاف: [اختلافهم في] (٣) الركعة بماذا تَنْعَقِد؟ هل بوضع اليدين علي الرُّكْبَتين أَم [بالرَّفع] (٤) منها؟ فمن رأى أن الركعة تَنْعَقِد بوضع اليدين علي الرّكبتين قال: [إنه] (٥) لا يَرْفَع؛ لأن الرّكعة فَاتَت له، وَجَواز الرَّفعْ له مِنْ باب القضاء [في حُكْم] (٦) الإِمام، مع اختلاف ركعة القضاء [والركعة التي فيها الإِمام، ذلك لا يجوز، ومن رأى أن الركعة لا تنعقد إلا برفع الرأس، قال: إنه يرفع، ويكبر، ويدرك الإِمام] (٧) في الركوع. ويكون [حكمه] (٨) حُكم مَنْ دَخَل في الصلاة، وأدرك الإِمام راكعًا، فإنه [ق/ ١٥ جـ] يُحْرِم ويَدْخل مع الإِمام، وَيَعْتَد بتلك الركعة.

стр. 229

واختلافهم في كونه يقطع بَسَلَام أو بغير سَلَام على هذا الأصل ينبني. فإن لم يَقْدِر على أن يَرْفَع ويُدْرِك الإِمام: هل يقطع أو يتمادى مع الإِمام ويُعِيد؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يَقْطَع ويُكَبّر، وَيَدْخل مع الإِمام، ويكون الآن داخلًا في الصلاة. والثاني: أنه يتمادى ويُعِيد، وهو قول مالك في "المدونة". وينبني الخلاف: على الخلاف في [خلاف غير] (١) المذهب هل يُرَاعَى أو لا يرَاعَى؟ ولاسِيَمَا ما فيه وصف زائد يُراد الخير لأَجْلِه كمسألتنا الآن؛ فإنها صلاة الجماعة والأجر فيه [يزداد] (٢) على صلاة الفذ حسب ما روى في الخبر (٣)، ولأنها صلاة جائزة على قول، فعسى أن يتمادى مع الإِمام، ويتحصل له أجر الجماعة، ولئلَّا [ق/ ٢٢ أ] يبطل عمله، والله تعالى يقول: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٤)، ثم يُعيده على ما يَقْتَضِيه أصل مذهبه ليخرج من الخلاف. ومن رأى أنها صلاة لا تَبْرَأ بها الذّمة، ولا تَقَع [عنده] (٥) مَوقع الإجزاء، وأن فَضْل الجماعة يَقْدِرُ على استدراكه بأن يَقْطَع ويُحرم ويَدْخل مع الإِمام مِنْ ساعته مهما بَقِي من الصلاة [رُكن] (٦) يكون بإدراكه

стр. 230

مُدْرِكًا، قال: يقطع، وهو الذي يقتضيه النظر. وعلى القول بأنه يقطع: هل يقطع بسلام أو بكلام؟ قولان: وقد قدمناهما وبَيَّناهُما. وهذا [كله] (١) في الركعة الأولى، وأما إن فاتته الأولى، وأدرك الإِمام في الثانية: فإن كَبّر للركوع، ولم يَنْو بذلك تكبيرة الإحرام: فعلى القولين المتقدمين. فإن كَبّر للركوع، ونَوَى بذلك تكبيرة الإحرام: فهل تُجزئه كالركعة الأولى؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: الجواز، مساواة بين الأولى والثانية، وهي رواية على بن زياد عن مالك (٢). والثاني: أنه يقطع على كل حال، فرقًا بين الأولى والثانية، وهو قول ابن حبيب (٣). ولا يخفى على لبيب بُعد قول ابن حبيب. وإن دخل مع الإِمام في الأولى، فنسى تكبيرة الإحرام، وتكبيرة الركوع، وكبر للركوع في الثانية، ولم ينو بها تكبيرة الإحرام: فقال مالك في "موطئه" (٤): إنه يقطع. والفرق [عنده] (٥) بين هذه وبين الأولى: تباعد ما بين النية،

стр. 231

والتكبيرة، والله أعلم. وأما إن لم يُكَبّر للركوع، ولا للافتتاح: فهل يقطع أو يتمادى أو يُعِيد؟ ثلاثة أقوال في المذهب: أحدها: أنه يقطع ويدخل مع الإِمام، ويكون الآن داخلًا في الصلاة، وهو قوله في "المدونة" (١). والثاني: أنه يتمادى مع الإِمام وتُجزِئه، وهي رواية ابن وهب عن مالك. [وقد قدمناه ونص عليه اللخمي أيضًا] (٢). والثالث: [ذكره أبو الحسن] (٣) أنه مُخَيّر، إن شاء قَطَعَ ويُحْرِم، ويَدْخُل مع الإِمام، وإن شاء تمادى [مع الإِمام] (٤) وهو قول أبو مصعب. وسبب الخلاف: ما قدمناه [في] (٥) تكبيرة الإحرام: هل هي فرض أو سُنة، والقول بالتَخْيِير لا وَجْه له. فإن شك في التكبير هل كَبّر أم لا: فلا يخلو من أن يكون ذلك قبل الركوع أو بَعْدَه، ولم يكن كَبّر للركوع، وقد كَبّر للركوع. فإن طرأ عليه الشّك قبل الركوع أو بَعْدَه، ولم يكن كَبّر للركوع، فهل يتمادى أو يَقْطع؟ قولان: أحدهما: أنه يقطع.

стр. 232

والثاني: أنه يتمادى. وعلى القول بأنه يقطع: هل بسلام أو بغير سلام؟ قولان: أحدهما: أنه بسَلَام. وفي "واضحة" (١) ابن حبيب: بغير سلام. [فمن] (٢) قال: [إن القَطع] (٣) بسلام لاحتمال أن يكون كَبّر. [ومن] (٤) قال: بغير سلام لاحتمال أن يكون لم يُكَبّر. فهذا وجه قول [من قال] (٥) أنه يتمادى ويُعِيد احتياطًا للعبادة، فإن أيقن أنه كبر فلا يخلو من [ثلاثة أوجه] (٦): [أحدها: أن يكبر بعد تكبيرة الإِمام] (٧). والثاني: أن يُحْرِم قَبْل إمامه. والثالث: أن يُكَبّر مع الإِمام في زَمَان واحد. فإن كَبّر بَعْد تكبيرة الإِمام: فلا خلاف في الجواز؛ لأنه فَعَل ما أُمِرَ به مِنْ مُتَابعة الإِمام والاقْتِدَاء به؛ لقوله ﵇: "إنما جعل الإِمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه" (٨). وأما إن كَبّر قَبل إمامه: فإنه يَقْطَع ويُكَبّر بعد الإِمام. وهل يكون القَطْع بسَلام؟ قولان (٩):

стр. 233

أحدهما: بغير سلام، وهو قول مالك. والثاني: أنه يقطع بسلام، وهو قول سحنون. فلو صلى لنفسه بذلك الإحرام: فهل تجزئه صلاته أم لا؟. [فالمذهب] (١) على قولين: أحدهما: أنها لا تجزئه، وهو قول مالك، وسحنون في كتاب ابنه. والثاني: أنها تجزئه، وهو قول سحنون أيضًا؛ لأنه عَقَد على نَفْسِه الصلاة بالإحرام، فلم يَسقُط حكم الإحرام. وسبب الخلاف: هل النظر إلى حالة وقوع الإحرام، أو النّظَر إلى ما آلَ إليه حُكمه؟ [فمن] (٢) نظر إلى حالة الوقوع قال: لا يجوز له أن يصلي بذلك الإحرام وحده؛ لأنه وقع موقع الفساد لمسابقة الإِمام. ومن نظر إلى ما آل إليه حكمه من كونه صلى وحده، وأنه خارج عن حكم الإِمام، وأن إحرامه كان لصلاته وَحْدَه، وقال: [إن] (٣) صلاته بذلك الإحرام جائزة. وأما إن كَبّر الإِمام والمأموم مَعًا مِنْ غَير أن يَسْبِق أحدهما الآخر، فهل يتساويا [وَيَتسَابَقَا] (٤) لأن المأموم لا [تخلو حالته] (٥) مع الإِمام في الإحرام [والسَّلام] (٦) من هذه الأوجه الثلاثة لا رابع لها؛ أن يسْبِق

стр. 234

الإِمام، وقد تكلّمنا عليه. فالمُسَابِق: أن يَسْبِق الإِمام، وقد تكلّمنا. والمُلَاحِق: أن يَسْبِقه الإِمام، وقد تقدم أيضًا. [والمساوي] (١): وهو المُطَابق أن يكَبّر مع الإِمام من غير أن يَسْبِق أحدهما الآخر. واختلف المذهب في ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يعيد الصلاة، وهو قول مالك في "المجموعة" وبه قال أصبغ. والثاني: أنه يعيد التكبير، فإن لم يفعل أجزأته صلاته، وهو قول ابن القاسم. والثالث: التفصيل بين أن يسبقه الإِمام بشيء من حروف التكبير: فيجزئه [أو] (٢) لا يسبقه بشيء ولو بحرف واحد: فلا يجزئه، وهو قول ابن عبد الحكم. وسبب الخلاف: اختلافهم فيما يفهم من قوله [ ﷺ ] (٣): "إنما جعل الإِمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا كبر فكبروا" (٤) الحديث. فهل مراده ﷺ مُعَاقَبة الإِمام في أفعاله وأقواله حتى لا يسبق ولا يتأخر عنه بتكبير، وأن يكون فعل المأموم، وقوله عقيب فعله وقوله، ولاسِيّما

стр. 235

أن موضوعية الفاء عند العرب للتعْقِيب، فتكون صلاته [مطابقة] (١)، وعلى هذا المعنى فاسدة. أو مُراد النبي ﷺ [بذلك] (٢) اتباع الإِمام واعتقاد [الاقتداء] (٣) به واستشعار النية بأنه في حكمه وأن أفعاله مَنُوطة بأفعاله، وصلاته مُرْتبطة بصلاته حتى لا يجوز [له] (٤) أن يتقدم عليه بشيء من أفعال الصلاة وأقوالها، حتى أن المأموم يعتقد أن مطابقة الإِمام في سائر [الأركان] (٥) أولى وأجدر بالاقتداء، ولم يتعرض النبي ﷺ بموضوعية الفاء، فتكون صلاة المأموم على هذا جائزة صحيحة، وبالله التوفيق. وهذا كله في حكم المأموم. وأما [حكم] (٦) الإِمام والفَّذ [إذا نسيا تكبيرة الإحرام أو شكا فكيف] (٧) إذا نسيها الإِمام وكَبّر من كان خلفه: فحكمهما يجري على التفصيل الذي [فصلناه] (٨) في حكم المأموم. فإن كَبَّر للركوع، وقَصَد بذلك تكبيرة الافتتاح هل تجزئهما أم لا؟ على ثلاثة أقوال في المذهب: أحدها: [أنها] (٩) لا تجزئهما، وهو قول مالك، وظاهره: [أنه] (١٠)

стр. 236

لا فرق بين العمد والنِّسْيَان. [والثاني: أن صلاتهما جائزة جملة، وهو قول أبي الفرج المالكي في "الحاوي". والقول الثالث: التفصيل بين العمد والنسيان] (١). فإن [كانا ناسيين] (٢): جازت [صلاتهما ويسجد السهو بهما] (٣) قبل السلام، وإن [تركا] (٤) التكبير [عمدًا] (٥): بطلت [صلاتهما] (٦)، وبه قال ابن شعبان في "الزاهي". وسبب الخلاف: [قراءة] (٧) أُم القرآن هل هي فرض في كل ركعة، أو في [جملة] (٨) الصلاة؟ فمن رأى أنها فَرْض في كل ركعة [يقول] (٩): إنها لا تجزئه لترك قراءة أُم القرآن في تلك الرّكعة. ومن رأى أنها فرض في جُملة الصّلاة، وأنه إن قَرَأ في بعضها، فقد أدَّى وظيفة الفرض، وتكون [قراءتها] (١٠) في بقية الصلاة سنة: قال بالإجزاء.

стр. 237

وَمَنْ فَرّق بين العَمد والنسيان يقول: المتهاون بالسنن كتارك الفرض [ويعيد الصلاة] (١)، وذلك أن القيام من فرائض الصلاة، إلا أنه غير مُرَاد لِعَيْنه، وإنما هو مُرَاد لغيره. وحَد الفرض فيه على الفَذّ والإمام [مقدار] (٢) ما يُوقِع فيه تكبيرة الإحرام [مع قراءة] (٣) أم القرآن على القول بأنها واجبة في كل ركعة. وعلى المأموم مِقْدَار ما يُوقِع فيه تكبيرة الإحرام خاصة؛ لأن الإِمام يحمل عنه قراءة أُم القرآن على القول بأن تكبيرة الإحرام [فرض] (٤)، وهو المشهور (٥). [وأما إذا] (٦) شَكّ الإِمام في إحرامه: فالمذهب [فيه] (٧) على قولين: أحدهما: أنه يتمادى على صلاته، فإذا فرغ سألهم، فإن أخبروه أنه كَبَّر أجزأتهم صلاتهم، وإن أخبروه أنه لم يُكَبّر وشَكّوا كَشَكِه: فإنه يعيد بِهم الصَّلاة، وهو قول سحنون (٨). والثاني: أنه يَقْطَع [متى] (٩) ما ذكر ولا يَتَمَادَى. والأصح أنه يَقْطَع مَتَى عَلِمَ، و [على] (١٠) القول بالتَّمَادِي فإنه يَسأَل

стр. 238

القوم إذا فَرَغ [استحسانًا] (١). وهكذا الفَّذ إذا شَكّ في الإحرام: قيل: يتمادى ويُعِيد، وقيل: يَقْطَع، ويَبْتَدِئ. وأما إذا كَبَّر المأموم تكبيرة الإحرام، ونَسِيَها الإِمام: فإن عَلِمَ القَوم أنه لم يُكَبِّر [فإن] (٢) صلاتهم باطلة، ويُعيد بهم صلاته، وإن لم يَعْلَموا فصلاتهم جائزة على مشهور المذهب في الإِمام إذا صلى بالنّاس [وهو] (٣) جُنُب نَاسِيًا لجنابته. والجواب عن السؤال الخامس: وهو رَفع اليَدَيْن عِنْدَ تَكْبِيرَة الإحرام. وكان هذا السؤال مِنْ حَقِه في التّرتِيب أن يكون رَابعًا، وهو الذي وقع عليه التَّرتيب في أول القِسْم، إلا أن النِّسيان أَخّره حتى أُخرَّ عن مَحِلِّه، والخَطْبُ في ذلك يَسِير. وهذا السُّؤال يَشْتَمِلُ على ثلاثة فصول: منها: هل الرَّفْع مشْرُوع أَمْ لا؟ ومنها: في كيفية الرَّفع. ومنها: في معنى الرَّفع. فالجواب عن الفصل الأول: في الرَّفع هل هو مَشْرُوع أم لا؟. وعلى القول بأنه مَشْرُوع، هل هو مَشْرُوع في كل خَفْضٍ ورَفع أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال؛ كلها قائمة من "المدونة":

стр. 239

أحدها: [ق/ ١١ ب] أنه يَرْفَع في كُل خَفْضٍ ورَفْع [ق/ ٢٣ أ] وهي رواية ابن وَهْب، وأَشْهَب عن مالك، وهو مذهب الشافعى، وهو قول ابن وَهْب في "كتاب الجنائز" من "المدونة" (١). والثاني: أن الرَّفع غير مَشْرُوع لا في أَوَّل، ولا في آخِر، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "كتاب الصلاة الأول" من "المدونة" (٢) على ما تأوله الأَشْيَاخ عليه، وهو نَص قوله في بعض روايات "المدونة" في "كتاب الحج الأول" (٣): وكان رَفع اليَدَين عند مالك ضَعِيف، فقيل له: في تكبيرة الإحرام، قال: نعم، وفي تكبيرة الإحرام. وصَرّح به الشيخ أبو إسحاق بن شعبان عن ابن القاسم في [ق/ ١٦ جـ] "مُخْتَصَرِه". وأما ما تَأَوَّل عليه [من المدونة من قوله] (٤): في "كتاب الصلاة الأول": فقد قال: وقد رُؤِيَ مالك رَافِعًا يَدَيْه حِين عَزَمَ عليه الإِمام، فجعل بُطُونهما مِمَا يَلِي الأرض، وظُهُورهما مِمَا يَلِيَ وجهه، فقال ابن القاسم: إن كان الرّفع فهكذا مَثل ما صَنَع مالك، فقوله: "إن كان" يُشْعِرُ بِأنّه غَيْرُ مَشْرُوع عِنْدَه. [وقال] (٥) في موضع آخر: وكان رَفْعُ اليَدَين عِنْد مالك ضعيفا إلا في تَكبِيرة الإحْرَام. فقيل: إن قوله: "في تَكْبِيرة الإحْرَام": ليس من كلام ابن القاسم،

стр. 240

وإنما هو مِنْ كَلَام سَحْنُون. وقَدْ أَخْبَرَ بذلك ابن وَضَّاح عن سحنون: أن ذلك من قوله لا مِنْ قول ابن القاسم. و [القول] (١) الثالث: أنه يَرْفَعُهما في التكبيرة الأولى، ثم لا يَرْفَعْهُما بَعْدَ ذلك، وهو القول المنصوص عن مالك في "المدونة" (٢)، وهو مشهور المذهب. وسبب الخلاف: اختلاف الآثار [وتجاذب الاعتبار] (٣) فمنها ما رواه عاصم بن كُلَيْب عن أبيه عن عليّ بن أبي طالب ﵁: أنه كَان يَرْفَع يَدَيْه في أَوَّل [افتِتَاح] (٤) الصّلاة، ثم لا يَعُود" (٥)، وهذا [حديث] (٦) صحيح موقوف عن علي ﵁. ومنها: ما أرسله مالك عن سليمان بن يسار أن [النبي] (٧) ﷺ : "كان يرفع يديه في الصلاة" (٨). ومنها: ما [أخرجه] (٩) [مالك] (١٠) عن ابن عمر: "أنه كان إذا افتَتَح الصّلاة رَفَعَ يَدَيْه حَذْو مِنْكَبَيْه، وإذا رَفَعَ رأسه مِنَ الرُّكُوع رَفَعَهُما دُون

стр. 241

ذلك" (١) فمن رَجَّح حديث عليّ ﵁ قال: إِنّ الرَّفعْ مَشْرُوع في التكبيرة الأولى خَاصّة. ومن رَجَّح حديث ابن عمر: قال [يرفع] (٢) في كُلِ خَفْضِ وَرَفع، ولاسِيما [أن] (٣) حديث ابن عمر مُسْنَد من طِرِيق آخر. وهذا تأويل ما أَرْسَله سليمان بن يَسَار. وأن رسول الله ﷺ كان يَرْفَع يَدَيْه [فإنه دليل] (٤) على أنه مَشْروع خَاصّة؛ إذ هو الظَّاهر مِنْ ظَاهِر الخَبَر؛ لأنه لم يُبَيِّن فيه [موضعًا] (٥) هل كان ذلك في أول الصلاة، أو ذلك في كل خفْضٍ وَرَفع؟ وَأمَا مَنْ ذَهَبَ إلى أنَّ الرَّفْع غير مَشْروع، فيُستدل [بظاهر] (٦) الأخبار المطلقة [منها: ما خرجه مالك] (٧) من طريق علي بن أبي طالب ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يُكَبّر في الصّلاة كُلما خَفَض ورَفَع، فَلَم تَزَل تِلْك صَلَاته حتى لَقى الله " (٨)، ولم يذكر الرفع. ومنها حديث جابر بن عبد الله: أنه كان يعلمهم التكبير في الصلاة،

стр. 242

ولم يذكر الرفع (١). إلا أن الاستدلال بهذا [وأمثاله] (٢) ضعيف جدًا. والجواب عن الفصل الثاني: في كيفية الرفع ونهايته: وهو أن يرفع يديه إلى منكبيه، وهما قائمان. وهذا هو المشهور عن مالك، وبه قال الشافعي ﵁. والثاني: أنه يرفعهما إلى صدره. وقال أبو حنيفة: يرفعهما إلى أذنيه. وسبب الخلاف: تعارض الأخبار، فمنها حديث ابن عمر أنه كان يرفع يديه حذو منكبيه (٣). ومنها: حديث مالك بن [الحويرث] (٤) أن الرسول ﵇ كان إذا كبر رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه (٥). فمن ذهب مذهب الترجيح: أخذ بحديث ابن عمر؛ لأنه أصحب من حديث مالك بن [الحويرث] (٦). ومن ذهب مذهب الجمع بين الحديثين قال: كان يحاذي بكفيه منكبيه، وأطراف أصابعه عند [ضماختي] (٧) أو أذنيه.

стр. 243

فالجمع بين الحديثين [مع الإمكان] (١) أولى من الطرح. والجواب عن الفصل الثالث: في معنى الرفع وفائدته: [فقد] (٢) اختلف العلماء في معناه اختلافًا كثيرًا (٣): فقيل: [خلعه عن] (٤) كل شيء من أمور الدنيا وطرحها وراء ظهر المصلي، ودبر أذنيه. وقيل: هو علم للتكبير ليرى ذلك من قرب ومن بعد. وقيل: بل ذلك من تمام القيام. وقيل: [الاستشعار عظم] (٥) ما دخل فيه [وأشبه بابه] (٦)؛ إذا كل من استعظم أمرًا تلقاه [بيديه] (٧) بتلك الهيئة. وقيل: بل علامة للتذلل والاستسلام. وهذه الوجوه على [مذهب] (٨) رأى كونهما منتصبتين. وفي انتصاب الأصابع معهما، أو حنوهما قليلًا خلاف بين من اختار إقامتهما. وقيل: بل ذلك إشارة إلى الخضوع والرهب، وهذا [على] (٩) مذهب من يرى بسطهما، وظهورهما إلى السماء [وهو الرهب، وقيل:

стр. 244

بل إظهارًا للفاقة والسؤال وطلبًا للرحمة، وهذه عادة من يبسطهما وبطونهما للسماء] (١) قبل إرسالهما مع التكبير قبلهما، فيجمع بين الرغب والرهب. وقد ورد في بعض الأخبار العلة الموجبة للرفع، وذلك أن المنافقين في بدء الإِسلام كانوا إذا صلوا مع رسول الله ﷺ تأبطوا أصنامهم تحت ثيابهم ثم أطلع الله نبيه ﷺ على ذلك؛ إذ لا يعلم إلا ما علمه الله بالوحي، فأمره الله [تعالى] (٢) أن يأمرهم برفع أيديهم عند الإحرام، فلما [رفعوا أيديهم] (٣) تساقطت الأصنام من تحت أباطيهم فافتضحوا. فإن صح الخبر [كأن يكون] (٤) هذا من الأحكام الباقية مع عدم العلة الموجبة لها [كالرمل] (٥) في الطواف، والله أعلم بحقيقة ذلك [والحمد لله وحده] (٦). ...

стр. 245

المسألة الرابعة القراءة في الصلاة فجمهور العلماء على أن القراءة في الصلاة واجبة، وذهب ربيعة و [عبد العزيز] (١) بن أبي سلمة إلى أنها غير واجبة (٢). وروى [مثل] (٣) ذلك عن علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب ﵄. والذي روى عن علي [﵁] (٤) أنه [قال] (٥): لا إعادة على من ترك القراءة [في] (٦) صلاته إذا كان الركوع والسجود حسنًا. والذي روى عن عمر [بن الخطاب] (٧) ﵁ أنه صلى بالناس المغرب، فلم يقرأ فيها، فلما انصرف قيل له: ما قرأت، قال: كيف كان الركوع والسجود؟ [قالوا: حسن] (٨)، قال: فلا بأس إذًا (٩).

стр. 246

وقد أنكر ذلك مالك عن عمر بن الخطاب [وعلى] (١) رضي الله [عنهما] (٢) فقال: أنكر أن يكون فعله، وإنما هو حديث سمعناه، وما أدري حقيقته (٣). وقد روى أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ دخل عليه فقال: يا أمير المؤمنين: صليت بنا، ولم تقرأ، فقال: [أجل] (٤) إني جهزت [قافلة] (٥) إلى الشام فأنزلتها منازلها، فخرج عمر إلى الناس، فأعاد بهم الصلاة. وهذا الذي رواه وكيع في "المدونة" (٦) [عن عمر] (٧) أنه أعاد بهم. وسبب الخلاف: [فعل] (٨) الصحابي هل تقوم به حجة أم لا؟ فمن رأى أن الحجة تقوم به (٩) ولاسيما في ترك القراءة [في الصلاة] (١٠) مع مشاهدته لرسول الله ﷺ وملازمته إياه، وحضوره الصلاة [معه] (١١) في كل يوم وليلة خمس مرات، ومثل [هذا] (١٢) لا يكون

стр. 247

إلا توقيفًا إن صح ذلك عن عليّ وعمر ﵄، قال: إن القراءة غير مشروعة. وعلى القول بأن القراءة واجبة في الصلاة، هل هي واجبة في [جملة الصلاة] (١) أو في كل ركعة منها؟ فالشافعي ﵁ [يرى] (٢) أنها واجبة في كل ركعة. والحسن البصري وغيره يرى أنها واجبة في ركعة واحدة خاصة. وأما أبو حنيفة: فالواجب عنده قراءة أي آية اتفقت أن يقرأها ولو "مدهامتان" (٣). ومالك ﵀ تردد مذهبه بين هذه المذاهب على ما سنبينه ونتقنه [اتقان من طب لمن حب] (٤) إن شاء الله تعالى. وسبب الخلاف: تعارض الأخبار وتجاذب الاعتبار مع معارضة [ظاهر] (٥) كتاب الله لبعض هذه الأخبار ومساعدته لبعضها: قال الله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (٦) [ق/ ١٢ ب]. قيل: أراد بذلك الصلاة، وهو أظهر التأويلات. ويوافقه من الأخبار: ما روى أبو هريرة في الحديث الصحيح: أن رجلاً دخل المسجد فصلى، ثم جاء فسلم على رسول الله ﷺ فرد [النبي] (٧) ﷺ وقال له: "ارجع فصل، فإنك لم تصل"، ثم جاء فأمره

стр. 248

بالرجوع حتى فعل ذلك ثلاث مرات، فقال: والذي بعثك بالحق، ما أُحسن غير هذا، فقال ﵇: "إذا قمت إلى الصلاة، فأسبغ الوضوء، واستقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن" (١). [وهذا] (٢) الحديث موافق لظاهر القرآن، وبه تقوم الحجة للحنفي، وأما المعارض لهذا فحديثان قائمان متفق عليهما: حديث عبادة بن الصامت أنه [قال: قال رسول الله] (٣): "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن" (٤). وفي حديث آخر: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (٥). وحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي [خداج خداج] (٦) خداج غير تمام ثلاث مرات" (٧). وحديث أبي هريرة وعبادة [ق/ ٢٤ أ] بن الصامت يقتضي أن قراءة أم القرآن شرط في صحة الصلاة. وحديث أبي هريرة في الأعرابي مع ظاهر القرآن يقتضي جواز الاقتصار على ما تيسر ولو آية. وأما مالك ﵁ فقد اضطرب مذهبه اضطرابًا شديدًا، ونحن نحصله تحصيلًا مفيدًا، ونقيد ما أشكل منه تقييدًا حتى يمسك بروابط

стр. 249

الاختصار، وينحصر ما في سمط الانحصار، فأقول وبالله التوفيق: القدر الذي وقع فيه الخلاف بين العلماء في الصلاة هي سورة أم القرآن، والزائد عليها متفق على سقوطه عن درجة الوجوب. ثم المصلون على قسمين: إمام ومأموم، والفذ: حكمه حكم الإِمام بلا إشكال. فالمأموم لا خلاف في مذهب مالك ﵀ أن القراءة لا تجب عليه، ولا يجوز له أن يقرأ فيما بجهر فيه الإِمام بالقراءة لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (١). قيل: إن ذلك في الصلاة (٢)، فأوجب الله تعالى الإنصات على المأموم. ولا شك أن قراءته تشغله عن الإنصات، والتفهم عن الإِمام أيضًا. ويؤيده أيضًا ما رواه أبو صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما جعل الإِمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا" (٣). وهذا أمر، والأمر [يحمل] (٤) على الوجوب (٥). وأما ما يُسِر فيه الإِمام بالقراءة، فهل يندب فيه المأموم إلى قراءة أُم القرآن أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يندب إلى القراءة، وهو مشهور المذهب.

стр. 250

والثاني: أنه لا يندب إليها، وأن المأموم لا يقرأ في الصلاة [أصلًا] (١) وبه قال ابن وهب، ورواه ابن المواز عن أشهب (٢). وسبب الخلاف: معارضة القياس ["لخبر" (٣)] (٤) الواحد (٥)، [والخبر هو حديث] (٦) عمران بن حصين أن النبي ﷺ صلى صلاة الظهر أو العصر، ورجل يقرأ خلفه، فلما انصرف قال: "أيكم قرأ بسبح اسم ربك الأعلى؟ " [فقال] (٧) رجل من القوم: أنا، ما أردت بهذا إلا الخير، فقال النبي ﷺ : "قد عرفت أن بعضكم [خالجنيها] " (٨). والقياس يقتضي قراءة المأموم خلف الإمام فيما يُسر فيه الإمام بالقراءة؛ لأن العلة الموجبة للمنع: الجهر مع الإمام، فإذا عدم: جاز. فإن ترك الأموم القراءة فيما يُسر فيه الإمام عامدًا، أو قرأ فيما يجهر
следующие страницы →