المسألة الثانية (١)
في أجل الإيلاء.
ولا خلاف في مذهب مالك ﵀ أن أجل الإيلاء لا يكون دون أربعة أشهر، وإنما الخلاف عندما عندنا في الأربعة الأشهر هل يكون مؤليًا إذا حلف ألا يطأها أربعة أشهر أو لا يكون مؤليًا حتى يزيد عليها؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يكون مؤليًا إذا حلف ألا يطأ امرأته أربعة أشهر، وهو مشهور المذهب.
والثانى: أنه يكون مؤليًا بالأربعة الأشهر، وهي رواية أشهب عن مالك وحكاه عبد الملك وابن نافع [وابن خويز منداد] (٢) عن مالك أيضًا أن الطلاق يقع على المؤلى بمرور الأربعة الأشهر، وهو قول جماعة السلف، وهو مذهب أبى حنيفة.
وسبب الخلاف: اختلافهم في المفهوم من قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا. .﴾ هل أراد أن تكون الفيئة داخلة في الأربعة، أو هى بعد الأربعة؟
فمن فهم من الآية أن الأربعة الأشهر [أجل] (٣)، لا يُزاد عليه، لنصه عليها بلا زيادة ولا نقصان، قال: الفيئة [داخلة] (٤) في
стр. 1997
الأربعة ويجوز أن يكون بعد الأربعة، لأن ذلك زيادة على ما حد الله وقدره، والزيادة على مقادير الشريعة لا تجوز بغير دليل، [ومن فهم] (١) منها أن الأربعة الأشهر إنما جُعلت لأنها [مدة] (٢) تستضر فيها الزوجة بعدم الوطء كل الضرر، ولا يعظم عليها فيها المضرة إلا بالزيادة عليها، قال: [الوقف] (٣) إنما يكون بعد الأربعة الأشهر، كما هو مشهور مذهب مالك، وذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عليه سأل النساء في المدينة في كم تشتاق المرأة إلى زرجها؟ وكم تقدر على الصبر [عنه] (٤)؟ فقلن: "في شهرين، ويقلَّ الصبر في ثلاثة، ويفنى الصبر في أربعة أشهر"، فجعل ﵁ [مغازى الناس] (٥) أربعة أشهر.
وعلى القول بأنه لا يكون مؤليًا إلا بزيادة على أربعة أشهر.
وكم قدر تلك الزيادة؟ فقد اختلف فيه المذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن زيادة اليوم تؤثر، وهو قوله في "كتاب محمَّد".
والثانى: أن زيادة اليوم غير مؤثرة.
والثالث: أنه لا يكون مؤليا بزيادة تكون مثل أجل التلوم، ولا شكَّ ولا خفاء أنه لابد من زيادة يمكن فيها الإنفاق، [ويحصل التأني] (٦) للزوج [بين] (٧) أن يفيء أو يطلق، وأدناه أن يكون ثلاثة أيام وهو أدنى
стр. 1998
مدة الخيار في البيع.
وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ [تَرَبُّصُ] أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ فالآية فيها تقدير مضمر، وتقديره للذين يحلفون على اعتزال نسائهم تربص أربعة أشهر، "فإن فاؤا" أي فإن رجعوا على ما حلفوا عليه من ترك الوطء، فإن الله غفور لهم ما اجترموه من الذنب في ترك الوطء، وقصدهم الإضرار بهن، [رحيم بهم] (١) ولسائر المؤمنين، "فإن عزموا [الطلاق] (٢): أي فإن امتنعوا من الفيئة وعولوا على الطلاق فإن الله سميع للفظهم عليم بما في قلوبهم.
وبهذه المعانى يستدل على أن الطلاق لا يكون بمضى الأربعة الأشهر، لأن "الفاء" في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ فاءُوا﴾ للتعقيب. ولقوله أيضًا: ﴿فَإِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ولا يسمع إلا الأصوات.
واختلفوا هل كل حالف على ترك الوطء يكون مؤليًا أو لا يكون مؤليًا إلا من قصد الضرر؟ على قولين قائمين من "المُدوّنة":
أحدهما: أنه لا يكون مؤليًا إلا من قصد الضرر بترك الوطء، وأما من قصد [بذك الصلاح] (٣) [فلا] (٤) ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا﴾، وهو قول ابن القاسم في الذي حلف ألا يطأ امرأته، حتى تفطم ولدها، قال: لا يلزمه الإيلاء لأنه إنما قصد صلاح ولده.
والقول الثاني: أنه يكون مؤليًا سواء قصد [إلى] (٥) الصلاح أم لا
стр. 1999
وهو ظاهر قوله آخر "الكتاب" في المريض الذي حلف ألا يطأ امرأته حتى يبرأ من مرضه، فقال هو مؤلٍ، ومعلوم أن المريض إنما قصد صلاح نفسه، ومن قصد صلاح نفسه أعذر ممن قصد صلاح غيره، والحمد لله وحده.
стр. 2000
المسألة الثالثة (١)
فيما تكون به فيئة المؤلى، وقد وقع في الكتاب ألفاظ مضطربة ومعان مختلفة تشعر بالخلاف.
ونحن [لكل] (٢) ذلك واضحون بحمد الله وعونه، فنقول وبالله التوفيق:
ولا يخلو من أن يكون يمين المؤلى بالله تعالى أو بغيره فإن كانت يمينه بالله تعالى، فلا يخلو من أن يعلقها بفعل أو لا يعلقها بشىء.
فإن علقها [بفعل] (٣) مثل أن يحلف بالله ألا يطأ حتى يدخل الدار أو حتى يخرج إلى بعض البلدان، ففيئه هاهُنا الفعل مع التمكين.
فإن أطلق بيمينه، فهل تصح [فيئته] بتقديم الكفارة على الوطء [أم لا] (٤)؟ فالمذهب على قولين منصوصين في "الكتاب":
أحدهما: [أنها] (٥) تصح، وهو قول ابن القاسم.
والثانى: أنها لا تصح بتقدم الكفارة حتى يطأ، وهو قول الغير في "المُدوّنة" ولابن القاسم مثل قول غيره في "المُدوّنة"، وذلك أنه قال في المريض إذا فاء بلسانه أجزأه.
وقد اختلف في ذوي الأعذار هل يقبل منهم الفيئة باللسان مع القدرة
стр. 2001
على الكفارة إن كانت يمينه بالله تعالى؟ على قولين قائمين من "المُدوّنة":
أحدهما: قول ابن القاسم أنها تقبل منهم، وهو قوله في المريض.
والثانى: أنها لا تقبل منهم, لأنه قادر على أن يكفر، وهو قول مالك في "الكتاب" في [الغائب] (١).
فإن كانت يمينه بغير الله تعالى، كالعتق والصدقة والطلاق، فلا يخلو ما حلف به من أن يكون معينًا أو مضمونًا.
فإن كان معينًا وكان الطلاق بتاتًا في غير المؤلى منها، [فلا خلاف] (٢) عندنا أن الفيئة تصح بفعل ما حلف على فعله إن كان له عذر فإن لم يكن له عذر فقولان:
أحدهما: أنه كالمعذور، وهو قوله في "الكتاب".
والثانى: أن فيئته الوطء دون [فعل] (٣) ما حلف على فعله وهو قول عبد الملك في "الواضحة"، ومثله في "المختصر".
وإن كان غير معين أو كان الطلاق دون البتات في غير المدخول بها، فهل تصح الفيئة بفعل ذلك دون الوطء أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المُدوّنة":
أحدهما: أن الفيئة تصح به دون الوطء، وهو قوله في آخر "كتاب الظهار" من "المُدؤنة" في الذي حلف بعتق رقبة أن لا يطأ أهله فعتق الرقبه لإسقاط الإيلاء، أتراه مجزئًا عنه ولا إيلاء عليه؟ قال: نعم، وهو قوله في "كتاب محمَّد".
стр. 2002
والثانى: أن فيئته لا تصح إلا بالوطء دون فعل ما حلف على فعله، وهو قوله في "كتاب الإيلاء" لاحتمال أن يفعل ذلك عن شىء قد سلف.
والحمد لله وحده [تم الكتاب بحمد الله وعونه وصلى الله على محمَّد خاتم النبيين وإمام المرسلين] (١).
стр. 2003
كتاب اللعان
стр. 2004
كتاب اللعان
تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها مسألتان:
المسألة الأولى
[في حده] (١) وهو مأخوذ من اللعنة وهو الإبعاد، أعاذنا الله وإياكم من الإبعاد.
وسمى بذلك لأن الزوج يخمس بها، وهي التي تبعده [عن] (٢) العذاب الواجب عليه بالقذف.
وسمى بذلك لتباعد ما بين الزوجين، إذ لا تحل له أبدا بعد أن كانت [أقرب] الناس إليه.
والكلام في هذه المسألة في أربعة مواضع:
أحدها: في صفة اليمين.
والثانى: في المبدى باليمين.
والثالث: متى تنقطع العصمة بينهما؟
والرابع: في الفرقه بينهما، هل هى [فسخ] (٣) أو طلاق؟
فأما الموضع الأول: في صفة [أيمان اللعان] (٤)، وصفتها كصفة سائر الأيمان بالله تعالى.
стр. 2005
واختلف إذا قال: أشهد بالله دون أن يزيد عليها الذي لا إله إلا هو، هل يُجزئُهُ أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنَّه يجزئه، وهو قوله في "المُدوّنة".
والثانى: أنه لا يجزئه، وهو قول "أشهب".
وكذلك إذا حلف بالصفات، هل هو كالحالف بالذات أم لا؟
على قولين:
مثل قوله: أشهد بعلم الله فأشهب يمنعه، وابن القاسم يجيزه.
وكذلك إذا جعل [من] (١) موضع "إِنه لمن الصادقين" ما هو من الكذابين، هل يجزئه أو لا؟ على قولين [أيضًا] (٢).
ظاهر "المُدوّنة" الجواز، وهو قوله في "كتاب محمَّد"، وقال القاضى أبو محمَّد عبد الوهاب: النظر، بمقتضى ألا يجوز.
واختلف إذا قذفها برؤية، هل يصف نفسه بالصدق ويصف الزنا أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يحتاج إلى صفة الزنا ولا إلى صفة نفسه بالصدق، وهو ظاهر "المُدوّنة".
والثانى: أنه لابد من أن يقول: وإنى لمن الصادقين، لرأيتها تزنى كالمرود في المكحلة، وهو قول ابن القاسم في وصف نفسه بالصدق في "كتاب محمَّد"، وهو قول محمَّد أيضًا في "كتابه" في صفة الزنا قال: وهو قول مالك وجميع أصحابه.
стр. 2006
وإن كان في لعانه ينفى الحمل، هل يقتصر على مجرد القذف أو لابد من إضافة نفى الحمل إليه؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن يقول: أشهد بالله [أنها] (١) زنت، دون أن يصف شيئًا وهو مذهبه في "المُدوّنة".
والثانى: أنه لابد أن يضيف إليه: ما هذا الحمل مني، وهو قول ابن القاسم في "كتاب محمَّد".
والموضع الثاني: من المبدى [باليمين] (٢) من الزوجين:
ولا خلاف أعلمه في المذهب أن المبدى باللعان هو الزوج، لقوله تعالى: ﴿وَالَذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ. .﴾ الآية.
فإن كان هذا عكسًا للأصول، والأصول [موضوعة] (٣) على أن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، كما نص عليه الشارع، إلا [أن] (٤) أيمان اللعان وأيمان القسامة قد بدأ فيها بأيمان المدعين والحكمة في ذلك صيانة الدماء والأنساب، فكانت أيمانهم تقوم مقام البينة لتعذر الشهود على دعواهم.
واختلف إذا بدأت المرأة باللعان على الزوج، هل يعاد لعانها أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن اللعان لا يعاد عليها, ولا على الطالب في الحقوق، وهو قول ابن القاسم.
стр. 2007
والثانى: أنه يعاد عليها باللعان بعد لعان الزوج، وهو قول أشهب.
وقال أبو القاسم بن الكاتب: قول أشهب أحسن, لأن لعانها إنما تدرأ به [عنها] (١) ما يجب عليها [من العذاب] (٢) بالتعانه.
واختلف إذا نكلت عن اللعان بعد لعان الزوج، ثم أرادت أن تلاعن بعد نكولها فبين المتأخرين قولان:
أحدهما: أن لها [معاودة اللعان] (٣) كما [لها] (٤) الرجوع عن الزنا إذا أقرت به على نفسها، وهو قول أبى بكر بن عبد الرحمن، وأبى على ابن خلدون وغيرهما.
والثانى: أنها لا تمكن من اللعان بعد نكولها لما يتعلق للزوج عليها في ذلك من الحق، وهو قول أبى القاسم بن الكاتب، وأبى محمَّد بن اللؤلؤى وأبى عمران الفاسى ﵃ أجمعين.
وأما الموضع الثالث: متى تنقطع العصمة بينهما؟ هل بتمام لعان المرأة أو بتمام لعان الزوج إذا [التعنت] (٥) الزوجة؟
فلا خلاف أعلمه في المذهب في الزوج إذا مات قبل أن يتم لعانه أو ماتت المرأة أن الميراث بينهما ثابت والعصمة بينهما قائمة.
واختلف المذهب عندنا إذا مات أحدهما بعد تمام لعان الزوج،
стр. 2008
وقبل أن تلتعن هى، هل يتوارثان أم لا؟ [فالمذهب] (١) على ثلاثة أقوال [كلها قائمة من المدونة] (٢):
أحدها: أن التوارث بينهما قائم، وهو مشهور المذهب، وهذا القول قائم من "المُدوّنة" من قوله: إذا كذب الزوج نفسه، [قد] (٣) بقى من التعان الزوجة مرة واحدة أنه يجلد الحد، وكانت امرأته.
فعلى هذا إذا مات الزوج بعد أن التعن، وقبل أن تلتعن هى فإنها ترثه، التعنت [بعده] (٤) أو لم تلتعن، وهو قول مطرف، واختيار ابن حبيب.
والثانى: أنهما لا يتوارثان، وأنه بتمام لعان الزوج: تنقطع العصمة [بينهما] (٥)، وهو قول سحنون فى "العتبية إذا لاعن الزوج ونكلت المرأة ثم أكذب الزوج نفسه، قال: لعانه، قطعًا لعصمته ولا ميراث بينهما، ونحوه لأصبغ في "العتبية": في التى تزوجت في عدتها، فتأتى بولد، فلاعن الزوج أنها تحرم للأبد على الذي لاعنها ولم تلاعنه، وهو ظاهر قولُ مالك في "المُوطأ"، ونص كلامه فيه، قال مالك في الرجل يلاعن [امرأتهُ] (٦) فينزع ويُكِّذب نفسه بعد يمين أو يمينين ما لم يلتعن في الخامسة أنه إذا [نزع قبل أن تلتعن جلد الحد ولم يفرق بينهما. وقوله ما لم تلتعن في الخامسة مفهومه أنه إذا] (٧) التعن فيها فرق بينهما،
стр. 2009
وهو قول [عبد الله بن عمرو بن العاص] (١) في أثر "المُدوّنة"، وهو مذهب الشافعى ﵀.
والقول الثالث: [أنها] (٢) إن ماتت بعد لعان الزوج، وقبل لعانها هى ورثها.
وإن مات هو بعد أن التعن، فإن لاعنت فلا ميراث لها وإن لم تُلاعن فإنَّها ترثه وتحد، وهو نص "المُدوّنة".
والموضع الرابع: في [الفرقة] بين المتلاعنين، هل هى فسخ أو طلاق؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المُدوّنة":
أحدهما: أن الفرقة بين المتلاعنين فسخ لا طلاق، وهو مشهور المذهب.
[والثانى] (٣): [أنها] (٤) فسخ بطلاق، وهذا القول متأول على "المذهب"، ولابن نافع في "كتاب ابن مزين"، ولعيسى: أحبُ للزوج أن يطلقها بعد تمام اللعان ثلاثًا، كما جاء في الحديث، فإن لم يفعل فهو فراق ولا تراجع واختارهُ ابن لُبابة، ورأى لهُ الرجعة بعد زوجٍ مع كراهيته لهُ في ذلك، وهذا القول قائم من "المُدوّنة" [من قوله] (٥) في غير المدخول بها إذا جاءت بولدٍ لستَّة أشهر، وادعت أنهُ من الزوج وأنكرهُ الزوج، حيث قال: إنهما يتلاعنان، ولها نصف الصداق.
وقال ابن الجلاب: لا شىء لها من الصداق.
стр. 2010
وقد اختلف المتأخرون في تأويل ما وقع له في "المُدوّنة" على أربعة أقوال:
أحدها: أن ذلك يتخرج على الخلاف عندنا في اللعان، هل هو فسخ أو طلاق؟ فإثباتهِ فيهِ الصداق يدل على أنه طلاق.
وقد يحتج قائلُ هذا بقوله في "الكتاب": لأنها [في] (١) عدة منه، وهى مبتوتة.
والثانى: أنها أثبتت الدخول بأيمانها، والزوج نفاهُ بأيمانه، فتساوت [الدعاوى] (٢) في الصداق، فقسم بينهما كما لو تعارضت الشهادتان والأيمان في اللعان مقام الشهادة.
واعترض على هذا التأويل بأن مجرد دعواه هو لو لم يكن لعانًا يوجب له نصف الصداق، ودعواها هى توجب لها جميعه، فلم تعدل القسمة بينهما على النصف.
والقول الثالث: أنا إذا لم نعلم صدق الزوج، ويتهم أنه أراد أن يطلقها وتحريمها باللعان ليسقط عن نفسه الصداق ألزمناه نصفه إذا حلف على نفى الدخول.
والقول الرابع: أن ذلك لاختلاف الناس في اللعان، هل هو فسخ أو طلاق؟ فأوجب لها نصف الصداق [مراعاة للخلاف] (٣).
وربك أعلم [والحمد لله وحده] (٤).
стр. 2011
المسألة الثانية
إذا ادعى رؤية لا مسيس بعدها ولم يدع الاستبراء أو ادعاه على ما في الكتاب من الاضطراب واختلاف القول، واختلاف المتأخرين في تحصيل ذلك، ومعناه.
فمنهم من قال: جميع ما فى الكتاب يرجع إلى قولين:
أحدهما: أن الولد بقى باللعان الأول جملة.
والثانى: بالتفصيل بين أن تأتى به لأقل من ستة أشهر، فيكون للفراش أو تأتى به لستة أشهر فأكثر، فيكون [للرؤية] (١)، فينفى [الولد] (٢) باللعان [الأول] (٣)، وصار قوله ومرة قال بنفيه وإن كانت حاملًا تكرارًا لا يفيد.
وإلى هذا التأويل ذهب ابن لبابة.
وقيل معنى قوله: تنفيه وإن كانت حاملًا بلعان ثان، وهو قوله في باب لعان الأخرس على الرواية بإثبات الواو، في قوله، ويكون [اللعان إذا قال ذلك والذي كان نفيًا للولد ويؤخذ من قوله في الباب المذكور] (٤) أيضًا، أن الذي كان لما ادعى الاستبراء بعدما وضعته، فقد قال نفيًا للولد، فلما استلحقه وأكذب نفسه في الاستبراء صار قاذفًا.
ويؤخذ أيضًا من قوله هذا "صار قاذفًا أن من قذف زوجته بعد تمام
стр. 2012
اللعان: أنه يحد، والخلاف فيه في المذهب.
فعلى هذا التأويل: يرجع ما في "الكتاب" إلى ثلاثة أقوال:
أحدها: [مرةً] (١) ألزمه الولد على التفصيل المتقدم.
والثانى: أنه ينفيه باللعان الأول.
والثالث: أنه ينفيه بلعان ثان، وإن لم يدع الاستبراء، وهو قول [محمد بن عبد الحكم] (٢) وأصبغ في [غير "المُدوّنة"] (٣).
وقيل: أن ما في الكتاب يرجع إلى أربعة أقوال.
ويستخرج القول الرابع من قوله في "الكتاب" ومرة [ألزمه] (٤) الولد [بلا تفصيل] (٥) بين أن تأتى به لأقلِّ من [سته أشهر] (٦) أو لأكثر، ولا [ينفعه] (٧) اللعان لأنه لم يدّع الاستبراء، وهو قوله في "كتاب محمَّد"، ولعبد الملك وأشهب نحوه.
ثم اختلف على هذا التأويل في معنى قوله: ينفيه وإن كانت حاملًا، هل هو مقر بالحمل، علم به أو لم يعلم بذلك إلا [بعد الوضع] (٨)؟
واختلف في تأويل [قول] (٩) المخزومي الواقع في الكتاب على ثلاثة
стр. 2013
أقوال:
أحدها: [أنه] (١) سواءٌ علم الزوج [بالحمل] (٢) أو لم يعلم، أقر بالحمل أم لا، وهو نص قوله في كتاب محمَّد، لأن الزوجة كانت مأمونة عنده على فراشه.
فلما اطلع على خيانتها: صح له نفى ما كان أمر به، إذ لا يؤمن [أن يكون] (٣) ذلك عادةً لها قبل ذلك، ويدل عليه من قول المخزومي في الكتاب، وقد أقر بالحمل.
[والثانى: أن معنى قول المخزومي] (٤): إذا لم يعلم بالحمل وعليه يدل تفسيره آخر كلامه، ويكون معنى قوله: [وهو] (٥) أقر بالحمل أي بالوطء، [من باب] (٦) تسمية الشىء بما يكون منه، وهو اختيار الشيخ أبى القاسم [بن محرز] (٧).
والثالث: أن معنى قوله: [وقد] (٨) اعترف بالحمل أي اعترف به حين وضعته، أنها كانت حاملًا، وأنها [ولدته] (٩) ثم ينظر إلى [مدة] (١٠) الوضع، وإن [كان] (١١) لسته أشهر أو لأقل. هو تأويل التونسى، وهو
стр. 2014
أضعف التأويل.
فيأتى على [قول] (١) المخزومى ثلاث تأويلات:
الاعتراف بالحمل والاعتراف بالوطء والاعتراف به [حين] (٢) الوضع لا حين اللعان.
والحمد لله. [تمت رزمة الأنكحة بحمد الله وحسن عونه يتلوه رزمة العبيد إن شاء الله] (٣).
стр. 2015
كتاب العتق الأول
стр. 2016
كتاب العتق الأول
تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها [إحدى عشرة] (١) مسألة:
المسألة الأولى
في اشتقاق العتق، والأسباب التى يلزم بها .
والعتق عبارة عن ارتفاع الملك عن العبد، ولذلك سميت الكعبة بالبيت العتيق, لأنه لم يملكه أحد من الجبابرة.
وقد يكون اشتقاق العتق من الجود والكرم، منه سمى الفرس العتيق إذا كان سابقًا، وعتق الرجل كرمه، فكان العبد لما زال عنه الرق، ولحق بالأحرار وتم فصله سمى عتيقًا.
وهو من أفضل أعمال البشر، وأجل نوافل الخير، وهو ينقسم إلى:
واجب وتطوع.
فالواجب قد يكون بعشرة أسباب:
السبب الأول: بالتزام الرجل ذلك نفسه، وتبتله عتق عبده ابتداءً.
والسبب الثاني: أن ينذر ذلك بأمرٍ كان أو يكون أو بالحنث أو غيره.
والسبب الثالث: أن تحمل [أمَتَهُ منهُ] (٢).
والرابع: أن يعتق بعض عبده، فيُكمل عليه باقيهِ.
والخامس: أن يُمثل بعبده مثلة ظاهرة.
стр. 2017
والسادس: أن يقتل نفسًا خطأ.
والسابع: وطء المتظاهر.
والثامن: كتابة العبد.
والتاسع: مقاطعة العبد على مال.
والعاشر: أن يعتق عليه.
وأما التطوع فهو ما يوافقه الإنسان ابتداءً من غير تقدم سبب أوجبه.
واختلف فيما إذا كان ينذر من غير سبب، كقوله: لله علىَّ عتق رقيقى [هل] (١) الأصل يجبر على عتقهم أو يؤمر؟
قولان قائمان من "المُدوّنة":
أحدهما: أنه يؤمر، ولا يخير، وهو قوله في "كتاب العتق الأول".
والثانى: أنه يجبر، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "كتاب الهبات"، إذا تصدق على معين في غير يمين، حيث: قال إنه يجبر والمتصدق عليه معين في غير يمين في كلا الموضعين، وهو قول أشهب في "مسألة العتق" في غير "المُدوّنة".
وقد قيل: "إن ذلك اختلاف يرجع إلى حال، وأن ابن القاسم إنما قال: يؤمر إذا قال: أنا أفعل، لينال مقصودة من الأجر والقربة لأن الخبر ينافى الثواب المترقب، حتى إذا ظهر وتحقق أنه لا يفعل فخير حينئذٍ، كما قال أشهب.
والحمد لله وحده.
стр. 2018
المسألة الثانية
إذا قال: عبيدى أحرار، ففى ذلك ثلاثة أسئلة:
الأول: إذا قال: رقيقى أحرار.
والثانى: إذا قال: ممالكى أحرار.
والثالث: إذا قال: عبيدى أحرار.
فالجواب عن السؤال الأول: إذا قال: رقيقى أحرار، فلا خلاف عندنا في المذهب أن الإناث يدخُلن تحت لفظه، إذ ليس في كلام العرب صيغة ينفردن بها في هذا اللفظ، فإذا قال: رقيقى أحرار عتق عليه جميعُ ما عندهُ مِن الذُكران والإناث، ولا يصدق إذا ادعى أنهُ أراد الذكران دون الإناث.
والجواب عن السؤال الثاني: ممالكى أحرار هل [يتناول] لفظه [الذكور] (١) [و] (٢) الإناث أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن الإناث يدخلن تحت لفظه، وهو قوله في "المُدوّنة".
والثانى: أن الإناث [لا] (٣) يدخلن، وأن اللفظ لا يتناولُهُنَّ.
والقولان لسحنون في "العُتبيَّة".
وسبب الخلاف هل تغلب الدلالة العُرفية على الدلالة الوضعية أم لا؟ و [ذلك] (٤) أن عرف الاستعمال في المماليك يشمل الذكور والإناث،
стр. 2019
حتى [لا يعقل] (١) من لفظ [من تلفظ] (٢) [بهذا] (٣) إلا العموم والشمول.
وأما الدلالة الوضعية: [فمعلوم] (٤) من مواصفات العرب، إفراد كلِّ واحدٍ بصفته، فنقول: مملوك ومملوكة، وهذا على القول بأن اللغة [إنما] (٥) تؤخذ اصطلاحًا، وهي مسألة اختلف فيها الأصوليون.
والجواب عن السؤال الثالث: إذا قال عبيدى [أحرار] (٦) فهل يندرج الإناث تحت [اللفظ] (٧) أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين في "المُدوّنة":
أحدهما: [أن الإناث] (٨) لا يدخُلن تحته، وهو ظاهر قوله في "كتاب العتق الأول" حيث قال: "كل عبدٍ اشتريته أو كل جارية" اشتريتها، فهي حرة، وهو ظاهر قوله في "كتاب الصيام" من "المُدوّنة" [في قوله] (٩) شهادة العبيد والإماء، هل تجوز بانفراد كل واحد منهما بصيغته، ويشهد لهذا القول منِ كتاب الله تعالى: ﴿مِنْ عِبَادِكم وَإِمَائِكُمْ﴾، وقال أيضًا: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾ [البقرة: ٢٢١].
والقول الثاني: أن الإناث يدخلن تحت لفظة العبيد، وهو ظاهر قوله في
стр. 2020
"كتاب القذف" من "المُدوّنة": في العبد والأمة إذا أُعتقا، فقال لهما رجل: زنيتما في حال العبودية، حيثُ قال: لا حدَّ عليه إذا أقام البينة أنهما زنيا، وهما عبدان، ويدلُّ عليه من كتاب الله تعالى قولهُ: وما ربك بظلام للعبيد ولا خلاف بين الأمة أن ذلك عام في الجميع، ومصداق ذلك أيضًا أن العرب تقول للأمة عبدة.
ولهذا اتفق العلماء في قوله ﵇ "من أعتق شركًا له فى عبد" أن الأمة في معنى العبد، إما لاشتراكهما في [الصفة] (١) كما قال بعضهم، وإما لكونه قياسًا على الأصل، وهو مذهب حُذَّاق الأصوليين. [وإلى] (٢) أن لفظ [العبيد] يتناول الذكور والإناث ذهب فضل بن سلمة واعتمد ما استقرأ من "كتاب القذف"، ولا معتمد له فيه، [لأن قوله] (٣): وهما عبدان من باب تغليب المذكر على المؤنث إذا اجتمعا.
وسبب الخلاف: ما تقدم من الدلالة العرفية والوضعية أيهما يغلب.
والحمد لله وحده.
стр. 2021
المسألة الثالثة
إذا قال: كل عبدٍ أمْلُكُه أو أشتريه فهو حُر ولا يخلو ذلك من ثلاثة أوْجه:
أحدها: أنْ يُعبر بلفظ الاستقبال.
والثانى: أن يعبر بلفظ يقتضى [الحال] (١).
والثالث: أن يعبر بلفظ مشكل [مضارع] (٢) للحالتين.
فأمَّا الوجهُ الأول: إذا عبر بلفظ يقتضى الاستقبال أو [ما] (٣) في معناه، مثل قوله: كلُّ عبدٍ أملكُهُ فيما أستقبل. أو غدًا أو أبدًا، وقال: أكتسبهُ أو أستفديه أو يدخُل في ملكى أو أملكه إلى شهر أو سنة.
فلا خلاف في هذا الوجه أنَّهُ لا يدخل فيه ما في ملكه، وإنما يلزمه في الاستقبال [مع] (٤)، التخصيص إمَّا بالزمان أو بالبلدان وإما بالجنس والأعيان، [ويسقط] (٥) مع الشمول والعموم, لأن ذلك من باب تضييق الواسع وسد باب الإباحة.
وأما الوجه الثاني: إذا عبر بلفظ الحال، مثل قوله: كل عبد أملكه الآن، أو ملكته، أو في ملكى، أو تحت يدي، أو عبدي، أو عبيدي، أو مماليكي، أو رقيقي، فلا خلاف في المذهب أنهم يدخلون في اليمين ويعتقون عليه، دون ما يستأنف تملكه بعد اليمين. وأما
стр. 2022
الوجه الثالث: إذا عبر بلفظ مشكل مضارع للحالتين حالة الماضي وحالة الاستقبال.
والمضارع في وضع اللغة: المشابهة، كقوله: كُلَّ عبد أملُكُهُ أو أشتريهِ، هل يختص بالحال أو بالاستقبال أو يعم الوجهين؟
فعلى هذا الاحتمال تتخرج أجوبة الكتاب، وعليه يتنزل تأويل ما تأول فيه من الاضطراب، هل إنما اختلف الجواب لأجل اختلاف السؤال أو لأجل اختلاف الأحوال أو إنما هو اختلاف أقوال؟
فمرَّه جعله للحال خصوصًا، وهو قوله: [إذا قال: إن: دخلت الدار فكل مملوك أملكه أبدًا فهو حرٌّ فدخلها فقال: يعتق عليه إذا حنث إلا فيما عنده يوم حلف ومرة جعله للاستقبال [خصوصًا] (١) وهو قوله] (٢).
إن كلمت فلانًا أبدًا، فكل مملوك أملكه من [الصقالبة] فهو حر، قال: فذلك عليه عند مالك إذا كلم فلانًا، فكل مملوك يملكه بعد ذلك من الصقالية حر، قال: ذلك عليه عند مالك إذا كلم.
وقوله: "بعد ذلك" يريد بعد يمينه، يشعر بأنه لا شىء عليه فيما عنده من الصقالبة قبل يمينه، وهذا ظاهر قوله في "الكتاب".
ومرةً يرى أن قوله: أملُكُهُ أو أشتريه يعم الوجهين وهو قوله في "الكتاب" إذا قال: كل عبد أملكه فهو حر. أو قال: كل جاريةٍ أشتريها فهي حرة. فلا شىء عليه, لأنه قد عم ومفهوم قوله: أنه لو خص ذلك بزمان أو بمكان أو بجنس للزمه العتق فيما عنده قبل يمينه، وفيما يملكه بعد
стр. 2023
يمينه. وعلى هذا تأويل بعضهم "مسألة الصقالبة" وقال: معناها لم يكن عنده صقلبى، ولو كان عنده لعتق.
ومن المتأولين من جعل ما في الكتاب اختلاف سؤال، وأن الأبد عند مالك عائد على دخول الدار، وعند أشهب عائد "على الملك وإن كان كل واحد منهما تكلم على ما لم يتكلم عليه الآخر، ولاسيما [على نقل أبى سعيد] (١) [البراذعى] (٢) [في التهذيب] (٣).
وفي الرواية الصحيحة, رواية يحيى بن عمر أن "أبدًا" في الدخول لا في الملك، وأنه لا تأثير له في الفقه أيضًا في إثباته الدخول ولا في إسقاطه، وإنما تأثيره إذا كان عائدًا على الملك في الإثبات والإسقاط.
وهكذا اختلفت أجوبة ابن القاسم في "المُدوّنة" أيضًا في دخول الدار.
وكلام زيد في مسألة الصقالبة: إما أن يحمل على أنه اختلاف سؤال.
وفي بعض روايات "المُدوّنة": فكل مملوك أملكُهُ بعد ذلك. حكاها ابن أبي زمنين، فعلى هذا يكون اختلافُ سؤال فلا إشكال، ويحمل على أنهُ اختلاف [حال] (٤) [على] (٥) الرواية المشهورة، كُلَّ مملوك أملُكُهُ مِن الصقالبة بهد ذلك. بإسقاط "بعد ذلك" الذي هو للاستئناف.
أو يحمل [جوابه] (٦): في "مسألة الصقالبة" على أنه لم يكن عنده
стр. 2024
يوم اليمين عبد صقلبى، ولو كان عنده لعُتق مع ما يملكه في المستقبل لأنَّ يمينه على الخصوص، كما لزمهُ العتق فيما عنده في مسألة الدخول، وإلى هذا التأويل مال أكثر شيوخ المتأخرين.
ومنهم من حمل الكلام على ظاهره، وجعل ذلك اختلاف قولٍ واضطراب رأى، وهو الصحيح، وهو مذهب سحنون فيها أملكُهُ أن ذلك للاستقبال.
فيتحصَّل مِن الكتاب على هذا التأويل إذا قال: كُلُّ عبد أملكه أو أشتريه، ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّهُ للحال خاصة، وهو قوله في مسألة الدخول.
والثانى: أنَّهُ للاستقبال مجردًا، وهو قولُهُ في مسألة الصقالبة.
والثالث: أنه للعموم في الحال والاستقبال، وهو قوله في "الكتاب" كُلُّ عبد أملكه أو كل جارية أشتريها فهي حُرَّة، [حيث] (١) قال: لا شىء عليه, لأنَّهُ قد عمَّ.
وظاهر قوله أنَّهُ لا شىء عليه لا في الحال ولا في الاستقبال.
[لأجل العموم. مفهومه أنه لو خص ألزمه فيما عنده وفيما يملك] (٢) والحمد لله وحده على كل حال.
стр. 2025
المسألة الرابعة
إذا قال: إن كلمت زيدًا، فعبدى فلان حر .
فلا يخلو من أن يحنث قبل أن يخرجه من ملكه أو بعد أن أخرجه من ملكه.
فإن حنث قبل أن يخرجه من ملكه عتق عليه، بلا خلاف.
فإن حنث بعد أن أخرجه من ملكه، ثم عاد إليه بعد ذلك، فلا يخلو من أربعة أوجه:
أحدها: أن يخرج العبد من يده اختيارًا [وعاد إليه اختيارًا] (١).
والثانى: أن يخرج من يده اضطرارًا، وعاد [إليه] (٢) اضطرارًا.
والثالث: أن يخرج من يده اضطرارًا، وعاد إليه اختيارًا.
والرابع: أن يخرج من يده اختيارًا، وعاد إليه اضطرارًا.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا خرج من يده من يده اختيارًا، وعاد إليه اختيارًا مثل: أن يبيعه ثم اشتراه ثم كلم زيدًا، هل يعود عليه اليمين أم لا فالمذهب على قولين قائمين من "المُدوّنة":
أحدهما: أن اليمين ساقط عنه ولا يعود إليه، لزوال الملك الأول الذي وقع فيه اليمين، [وهو قول ابن بكير] (٣)، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "كتاب الأيمان بالطلاق" فيما إذا حلف بطلاق امرأتهُ البتة إن فعل كذا
стр. 2026
وكذا، فطلقها ثلاثًا، ثمَّ تزوجها بعد زوج، ثم فعل ما حلف عليه أن اليمين ساقط عنه لزوال الملك الذي فيه.
والثانى: أنَّ اليمين يعود عليه، وهو نصُّ قول ابن القاسم في الكتاب.
وسبب الخلاف: هل يُتَّهم السيد في إخراج العبد من ملكه في الفرار من الحنث أم لا؟
فابن القاسم اتَّهمه أن يتواطئ مع المشترى فيما أظهراهُ من صورة البيع، ليسلم من الحنث، ولهذا فرق بين البيع والميراث.
وابن بكير لم يتهمه لضعف الأسباب المؤثرة في قيام التهمة، بل لعدمها جُملةً.
فإذا كانت التهمة في أن يتفق البائع والمشترى فيما أظهراهُ من البيع، وأين التهمة إذا مات المشترى، ثُمَّ اشتراه البائع من ورثته أو تداولته الأملاك في حياة المشترى الأول [حتى] (١) اشتراه الحالف البائع من آخرهم مع طول الزمان.
وهذا كُلَّهُ يؤخذ [من] قول ابن القاسم في مراعاة التُّهمة، وبهذا وأمثاله صار قول ابن بكير أصح من قول ابن القاسم في المسألة، وأن التهمة لو كانت محققة لحنث إذا كلم زيدًا، والعبد في ملك غيره، ولأن العبد لم يخرجه [ذلك] (٢) من ملكه.
والجواب عن الوجه الثاني والثالث: إذا خرج من يده اضطرارًا واختيارًا، وعاد إليه اضطرارًا [أو اختيارًا] (٣) مثل أن يبيعه الحالف باختياره أو باعه
стр. 2027
عليه [الإِمام] (١) في فلس ثم ورثه بعد ذلك، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يصير له من الميراث مقاسمة، أو اشتراه من تركة من هو وارثه.
فإن أخذه في سهمه في المقاسمة: فلا خلاف أن اليمين ساقط عنه ولا يعود عليه.
فإن اشتراه من جملة التركة، فإن كان مثل ميراثهِ أو أقل [فقولان] (٢):
أحدهما: أن اليمين [ساقطة] (٣) لا تعود عليه، وهو نصُّ المُدوّنة.
ويتخرج من الكتاب قولٌ ثان: أن اليمين تعود عليه، إذ لا فرق بين أن يشتريه [من تركه] (٤) من يرثه أو [من تركة] (٥) غيره، لأن سهمه من الميراث لم يتعين في عين ذلك العبد، بل [هى] (٦) في بعضه، ثم إنه [قد] (٧) اشترى [بقيته] (٨) لبقية سهمه من جملة التركة، فصار بمنزلة ما لو كانت قيمته أكثر من سهمه، [فأدى] (٩) بقية الثمن من عنده. وهذا الفصل قد منعه في "الكتاب"، ولا فرق بين [الفصلين] (١٠) فلو كان في التركة من العبيد ما ينقسم، فقسموهم، فصار سهمه على
стр. 2028
ذلك العبد [بعينه] (١)، يتخرج عتقه [عليه] (٢) على [الخلاف] (٣) في القسمة هل هى بيع أو تمييز حق؟
فإن كان العبد [أكثر] (٤) من ميراثه، فهل يعتق عليه إذا [حنث] (٥) أو يسقط عنه اليمين؟ قولان:
أحدهما: أن اليمين [يعود عليه لأنه اشترى بعضًا وورث بعضًا وهو نص قوله في المدونة.
والثانى: أن اليمين] (٦) تسقط، ولا تعود عليه، وهو اختيار اللخمى، لضعف أمر التهمة، وتغليبًا لشائبة الميراث.
والجواب عن الوجه الرابع: إذا خرج من يده اضطرارًا، وعاد إليه اختيارًا مثل: أن يبيعه عليه السلطان في فلس، ثم اشتراه بعد ذلك ليسر حدث أو قبله من واهب أو موصٍ، هل يعود عليه اليمين أم لا؟ فالمذهب على قولين [قائمين] (٧) منصوصين في "المدونة":
أحدهما: أن اليمين يعود عليه، وهو قول ابن القاسم في "المُدوّنة".
والثانى: سقوطها، وهو قول أشهب.
وسبب الخلاف في بيع السلطان، هل يسقط عنه التهمة ويزيل الظنة أم لا؟
فابن القاسم يقول: لا يزيلها, لاحتمال أن يكون قد أخفى ماله وأظهر
стр. 2029
الفلس حيلةَّ في إسقاط اليمين عن نفسه، يبيع السُلطان العبد [ثم يسترجعه] (١) في ثانى حال.
والغير يقول: [يزيل] (٢) التهمة, لأن بيع السلطان العبد، يسقط كل تهمة، لاستحالتها عادة وعرفا أو يعرض الإنسان عرضه [ومهمته] (٣) لليمين في محافل القضاة وأندية الولاة مع ما في ذلك من الابتلاء بأنواع من التهديد، وضروب من الوعيد المحتوم باليمين في مقطع الحق وملأ من الخلق، أنه ما ألد ولا شرك وليس وجد للقضاء موضعًا لفعل.
[فأين تبقى] (٤) التهمة، مع هذا [الامتحان] (٥) الواجب على السُلطان: أن يستديم العمل به في كل زمان وأوان، وهو الحقُّ إن شاء الله تعالى.
ويلتحق بالمسألة وجهٌ آخر: إذا باعهُ ثُمَّ رُدَّ إليه بعيبٍ، هل يحنت بكلام زيد قبل أن يرد عليه أم لا؟ قولان قائمان في "المُدوّنة":
وسبب الخلاف: الرد بالعيب، هل هو نقض بيع أو [هو] (٦) بيع مبتدأ؟
فعلى القول بأنَّهُ نقض بيع: فإنه يحنث ويعتق عليه إذا رد، وهو قول أشهب في "كتاب الاستبراء".
وعلى القول بأنه بيع مبتدأ، فيتخرج على الخلاف الذي قدمناه بين ابن
стр. 2030
القاسم وابن بكير، وهو قول [ابن القاسم] (١) [في "كتاب الاستبراء"] (٢)، في الأمة الرائعة إذا رُدَّت بعيب، فالمواضعة فيها على المشترى، وهذا منه بناءً على أنَّ الرد بالعيب بيع مبتدأ.
والحمد لله وحده.
стр. 2031
المسألة الخامسة
في اليمين بالعتق على فعل، ولا يخلو الحالف من، وجهين:
[أحدهما] (١): أن يحلف على فعل نفسه.
[والثانى] (٢): أن يحلف على فعل غيره.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا حلف على فعل نفسه، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يحلف [ألا يفعل. والثانى: أن يحلف ليفعلن فإن حلف ألا يفعل من أن يحلف] (٣) بعتق عبده ألا يفعل فعلًا، فإنه على بر، ويحل له البيع والوطء حتى بفعل ذلك الفعل.
فإن فعله والعبد في ملكه: عتق من رأس ماله إن كان [فعله] (٤) في الصحه أو من الثلث إن كان فعله في المرض.
واختلف [فيما إذا ولد] (٥) للعبد من أمته قبل الحنث، هل يدخل معه في الحرية أم لا؟ قولان:
أحدهما: أنه لا يدخل معه، وهو قول ابن القاسم [وهو مذهب] (٦) "المُدوّنة".
стр. 2032
والثانى: أنه يدخل معه، وهو قول أصبغ.
وأما إن حلف ليفعلن، فلا يخلو من أن يضرب ليمينه أجلًا أم لا؟
فإن ضرب ليمينه أجلًا: فإنه يمنع من البيع اتفاقًا، وفي الوطء قولان:
أحدهما: أنه [لا] (١) يمنع منه، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثانى: [أنه] (٢) يمنع منه، وهو قول مالك أيضًا في "المُدوّنة"، وهو قول ابن القاسم في "العتبية".
وسبب الخلاف: هل ذلك شبيه بنكاح [المتعة] (٣) أم لا؟
فإن مضى الأجل ولم يفعل: فإن العبد يعتق من رأس المال، إن حل الأجل والسيد صحيح.
وإن مات السيد في الأجل، فهل يُعتقُ العبد أم لا؟ قولان:
أحدهما: أنه لا يُعتق عليه، وهو نصَّ ابن القاسم في "المُدوّنة"، وهو المشهور, لأنَّهُ صار في ملك الوارث قبل بلوغ وقت حنثه.
والثانى: أن العبد يُعتقُ، وأنه يحنث وإن مات في الأجل، وهو قول ابن كنانة, لأن الحنث يقع عليه.
وأما إذا لم يضرب ليمينه أجلًا، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يحلف ليفعلن فعلًا في عبدهِ.
والثانى: أن يحلف أن يفعله في غيره.
فإن حلف ليفعلنَّهُ في [غيره] (٤) مثل: أن يحلف بعتقه ليضربنَّهُ.
стр. 2033
فإن حلف على ضرب يجوز له، فإنَّه يمكن من ضربه ويبر في يمينه.
فإن باعهُ قبل أن يضربهُ: فالبيع مردود مع القيام، وهل يرد إلى الإيقاف أو إلى حُرِّية؟ قولان قائمان من "المُدوّنة":
أحدهما: أنَّهُ يُرد إلى الإيقاف [وهو قول ابن القاسم] (١).
والثانى: أنَهُ يُردُّ إلى الحريَّة، وهو قول ابن دينار.
فإن مكنه المشترى من الضرب من ملكه، فضربه، فهل يبرأ بذلك أم لا؟ قولان قائمان من "المُدوّنة" منصوصان في المذهب.
وسبب الخلاف: هل المعتبر في الأيمان ما يوجبه اللفظ أو المُعتبر المقصد؟
وعلى القول بأنَّه يُردُّ إلى الملك، فإن كاتبه سيدهُ وضربهُ في كتابته، هل يُبرئُهُ ذلك الضرب ويستمر على كتابته؟ قولان قائمان من "المُدوّنة" منصوصان في المذهب:
أحدهما: أنَّهُ يبرأ، وهو قولُ مالك وابن القاسم.
والثانى: أنه لا يبرأ، وهو قول أشهب.
وسبب الخلاف: تردُّد [المكاتب] (٢) بين البقاء في الملك والخروج منه. وعلى القول بأنَّ ذلك الضرب لا يبرئُهُ: فإنَّ الكتابة تُوقَّف، فإن أداها بعد أن كان عتيقًا بالحنث، ويرد عليه جميع الكتابة، وكأنُّه لم يزل عتيقًا، وهذا مثل أحد قولى مالك في آخر "كتاب العدة" في أُمِّ ولد المكاتب، [أنها] (٣) تكون أُمَّ ولد بما ولدت [في] (٤) الكتابة إذا أدى.
стр. 2034
فإن عجز ورجع رقيقًا للسيد، هل يبرئُهُ ذلك الضرب [أو لا يبرئه إلا ضربًا آخر] (١)؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَهُ يُجزئُهُ [وهو قول أشهب] (٢).
والثانى: أنه لا [يجزئه] (٣) إلا ضرب آخر، وهو قول أصبغ.
وسبب الخلاف: اعتبار الحال والمآل، كما تقدم
فإن مات السيد قبل الضرب: فإن العبد يعتق من الثلث.
فإن حلف على ضربٍ لا يجوز. فإنه لا يمكن منه، ويعجل عليه العتق في الحال.
فإن اجترأ وضربه، فإنه يبرأ من الحنث، ويكون [مأثومًا فيما] (٤) بينه وبين الله تعالى.
وأما إذا حلف على فعل يفعله في [غير عبده] (٥) كقوله: إذا لم أدخل الدار، فعبدى فلان حُرٌ. فإنه يمنع من البيع اتفاقًا، وفي الوطء أربعة أقوال:
أحدها: أنه يمنع منه جملة [وهو نص المدونة] (٦).
والثانى: التفصيل بين أن يكون [يمينه] (٧) على ما هو كالأجل، مِثل أن يحلف ليكلمن زيدًا أو ليركبن هذه الدابة، فلهُ أن يطأ, لأن حساة
стр. 2035
المحلوف عليه، كالأجل أو تكون يمينه على دخول الدار وشبهه، فيمنع من الوطء، وهو قول مالك في "كتاب محمَّد".
والقول الثالث: عكس ذلك أنه إن كانت يمينه مما يقع عليه الحنث في حياته يومًا ما منع من الوطء.
وإن كان مما لا يقع الحنث [فيه] (١) إلا بموت نفسه مثل: أن يحلف إن سافر ليتزوجن، فلا شىء عليه، لأن الحنث والعتق إنما يقع عليه بموته ليس في حياته، وهو قول ابن كنانة في "كتاب ابن حبيب".
والقول الرابع: أنه لا يمنع من الوطء جملة، وهو ظاهر قوله مالك: أن ترك الوطء محدث، ليس من الأمر القديم. يريد أنه لا يمنع منه على حال من الحالات قال: والاستحسان [منع] (٢) الوطء، وليس بواجب، ولأنه منع منه [من منع] (٣)، لأنه شبيه بنكاح المتعة واختلف فيما ولد العبد من أمته، هل يدخل معه في العتق أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه يدخل معه، وهو مشهور المذهب.
والثانى: أنه لا يدخل معه، وهو قول الغير، وهو قول شاذ.
والجواب عن الوجه الثاني من أصل التقسيم: وهو أن يحلف على فعل غيره فلا يخلو من أن يحلف ألا يفعل أو يحلف ليفعلن.
فإن حلف ألا يفعل مثل أن يقول: عبدى حر إن فعل فلان كذا فهو كالحالف على فعل نفسه أيضًا.
فإن لم يضرب أجلًا، فلا يخلو من وجهين: