стр. 2101
← Фикх малики следующие страницы →
Фикх малики · id 123685
مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها
الرجراجي، علي بن سعيد
Полный текст (4 240 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.
стр. 2102
كتاب المدبر
стр. 2103
كتاب المدبر
تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتُها خمسُ مسائل.
المسألة الأولى
الفرق بين التدبير والوصيَّة
والتدبير مأخوذ مِن الدُّبر، ودُبُر كل شىءٍ وراءهُ، ولهُ ثلاثة ألفاظ:
أحدها: قوله: أنت مُدبر.
والثانى: قولهُ: أنت حرٌّ عن دبر مني.
والثالث: قولُهُ: أنت حرٌّ بعد موتى، ولا رُجوع [لي فيك] (١).
فإذا تلفظ بأحد هذه الألفاظ الثلاثة، فلا خلاف في المذهب أنَّهُ مدبر، لا [يرث] (٢) فيه.
ولفظ الوصية أن يقول: قد أوصيتُ بعتق فلان، أو قال: أعتقوا فُلانًا بعد موتى، فهذا لا خلاف [فيه] (٣) أنَّها وصيَّة، ولهُ الرجوع فيها.
هناك لفظٌ ثالث متردد بين هذين الأصلين أوجب تردده اختلافًا بين العلماء، هل يُحمل على الوصيَّة أو على التدبير؟، وهو أن يقول لعبده: أنت حرٌّ بعد موتى. فلا يخلو من أن تكون معهُ قرينة تدل على الوصيَّة أَو لم تكن:
فإن كانت معهُ قرينة، كقوله: أنت حرٌّ بعد موتى إنْ متُّ مِن هذا
стр. 2104
المرض، أو هذا السفر. فهي وصيَّة اتفاقًا.
وإن عدمت القرائن: ففى المذهب قولان منصوصان في "المُدوَّنة":
أحدهما: أنَّها وصيَّة حتى يُريد التدبير، وهو قول ابن القاسم.
والثانى: أنَهُ تدبير حتى يُريد الوصيَّة، وهو قول أشهب.
وسبب الخلاف: هل تغلب الدلالة العُرفية على اللغوية أو تغلب اللغوية [على العُرفية] (١)؟
فإن قوله: أنت حرٌّ بعد موتى، تدبير معنى واشتقاقًا. والعرفية: أن العادة جرت باستعمال هذه العبارات في الوصية، فإذا أثبت فلا يخلو التدبير من أن يكون مُطلقًا أو مقيدًا:
فإن كان مُطلقًا، كقوله: أنت مدبر، [فإنه] (٢) يُحمل على إطلاقه بلا خلاف ولا رُجوع لهُ فيه ببيعٍ ولا غيرهِ اختيارًا.
فإن كان مقيدًا، كقوله: إن متُّ مِن مرضى هذا أو سفرى هذا، فأنت مدبر، أو إذا قدم فلان، فأنت مُدبر، وغير ذلك مما يُحتمل أن يكون، ويحتمل ألا يكون، هل يجوز لهُ البيع أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّ البيع جائز، وهو قول ابن القاسم.
والثانى: أنَّ بيعهُ مكروهٌ غير محظور، وهو قول مالك، [لأنَّهُ قال: مرض هلك في بيعه] (٣).
والقولان في "المُدوَّنة".
والحمد لله وحده.
стр. 2105
المسألة الثانية
في رهن المدبر
ولا يخلو مِن أحد وجهين:
أحدهما: أنَّ يكون الراهن مُتطوعًا [به] (١) بعد العقد [والثانى: أن يكون مشروطًا في أصل العقد. وأما الوجه الأول وهو أن يكون الراهن قد تطوع به بعد العقد] (٢): فالرهن جائز اتفاقًا، فإن حل الأجل قبل موت الراهن، نظر إلى الدين:
فإن كان [قبل] (٣) التدبير: بيع [المدبر] (٤) في الدين اتفاقًا.
فإن كان بعد التدبير: فالمدبر لا يُباع، ويبقى رهنًا إلى موت السيِّد.
فإن كان عبدهُ وفَّى به الدين: خرج المُدبر من الرهن، وقوم في الثُلُث.
وإن لم يكن لهُ مال: بطل التدبير، ويُباع العبدُ في الدَّين، ويكون المُرتهن أولى [به] (٥) مِن الغُرماء.
والوجه الثاني: إذا كان الرهن مشروطًا في أصل البيع أو السلف، فإن كان الدين قبل التدبير، فالرهن جائزٌ اتفاقًا [ووفاقًا] (٦).
وإن كان بعد التدبير: لم يُجز للغرر.
стр. 2106
وبيان الغرر: أنَّ صاحب الدَّين لا يدرى متى يقبض دَيْنَهُ، وهو إنَّما [يُريد] (١) قضاء دينه مِن الرهن الذي تحت [يديه] (٢) أو مِن مال السيِّد، ولا يدرى هل يحل أَجلهُ قبل موت السيِّد وهو ملى، [فيأخذه] (٣) لأجلهِ أو يحل وهو عديم، ولا يقدر على بيع الرهن قبل وفاة السيد، فهذا بيان وجه الغرر.
فابن القاسم يُطلق جواز رهن المُدبر في "الكتاب"، وأطلق أشهب المنع في "كتاب الرهون".
واختلف المتأخرون هل ذلك اختلاف حال أو اختلاف أقوال؟
فمنهم مَن حَمَلَ قول ابن القاسم على الوجه الأول، قال: إنَّما تكلَّم ابن القاسم فيما إذا تطوع الراهن بالرَّهن، وكان غير مشروطٍ في أصل العقد.
وأشهب تكلَّم على الوجه الثاني، إذا كان مشروطًا في العقد.
كُلُّ واحدٍ منهما تكلم على ما لم يتكلم عليه الآخر، فيكون ذلك اختلاف حال، وهو تأويلْ جيد.
ومنهم مَن حمل الكلام على ظاهره فقال: ابن القاسم لم يفصِّل، وأشهب فصَّل،
فحمل كلامهما على أنَّهُ اختلاف قول.
واختلف في [وجه] (٤) قول ابن القاسم على هذا التأويل:
стр. 2107
فمنهم مَنْ قال: إنَّ ذلك منهُ جنوح إلى جواز بيع المُدبر ومنهم مَنْ قال: إن ابن القاسم يقول: وإن كان الرهن في أصل العقد، فإنَّ ذلك جائز، فإن حلّ الأجل قبل موت السيِّد، والدَّين بعد التدبير فالعبد يُؤاجر لهُ دون سائر الغُرماء.
فإن وفَّاهُ والسيِّد حىٌ رجع إلى السيِّد.
فإن مات السيِّد، ولم يكن لهُ مال، بيع منهُ بمقدار ما بقى مِن دينهِ، ويعتق ثُلُث ما بقى، إذا لم يكن عليهِ دينٌ سواه.
والحمد لله وحده.
стр. 2108
المسألة الثالثة
في بيع المدبر .
ولا يخلو بيع المُدبر مِن أحد وجهين:
إما أن يكون قائمًا بين المُشترى.
أو فائتًا.
فإن كان قائمًا: فالبيع مردود اتفاقًا.
وإن كان فائتًا، فهل هو في ضمان البائع [أو في ضمان المشترى] (١)؟
[فعن مالك في ذلك قولان] (٢):
أحدهما: أنَّ الضمان [فيهِ من] (٣) البائع، وأن البيع [فيه] (٤) غيرُ مُنعقد.
والثانى: أنَّ الضمان فيه مِن المُشترى.
فعلى القول بأنَّ الضمان فيهِ مِن [المشترى] (٥)، فلا يخلو فواتهُ مِن ثلاثة أوجه:
إمَّا بحدوث عيب.
وإما بموت.
أو بعتق.
стр. 2109
[أو إيلاد] (١) إن كانت أمة.
فإن فات بحدوث عيبٍ: فالبيع مفسوخ، ويردُّ المُشترى العبدَ، مع ما نقصه العيب.
واختلف في أرش العيب، هل يكون للسيد ملكًا أو يجعلهُ في رقبة أُخرى؟ على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يكون للسيد ملكًا، وهو ظاهر "المُدوَّنة"، كأرش بعض أعضائه.
والثانى: أنَّهُ يجعلهُ في [رقبته] (٢) للعِتق.
وإن كان فواتهُ ذهاب [شخصهِ] (٣) بالموت،
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّ البائع يصرف جميع الثمن في رقبة أُخرى، وهو قول أشهب في "الدمياطية".
والثانى: أنَهُ يصرف الفضل إلى الرقبة خاصةً، وهو مذهب "المُدوَّنة".
والثالث: أنَّ الفضل الزائد [على ما] (٤) بين الرَّجاء والخوف يُصرف للمشترى، وهو أحد قولى سحنون ﵁.
وإن كان فواتهُ بعتقِ أو إيلاد إن كانت أمة، هل يفتيهما ذلك أو ينتقض البيع؟ قولان منصوصان في كتاب "المكاتب".
стр. 2110
وعلى القول [بأن ذلك] (١) يُفيتهما البيع، هل يكون الثمن للبائع سائغًا أو يجعلهُ في رقبة أُخرى؟ قولان:
أحدهما: أنَّ الثمن لهُ [سائغ] (٢)، وهو مذهب "المُدوَّنة".
والثانى: أنَّهُ يجعل الثمن كُلّهُ في رقبة أُخرى، وهو قول ابن كنانة في "كتاب المدنيين".
وعلى القول بأنَّ البيع ينتقض [و] (٣) أنَّ العتق لا يُفيتُهُ، فإن لم يحكم بنقضهِ، حتى مات البائع، نظر:
فإن حَمَلهُ الثُلُث نقض البيع، وعتق على الميت.
فإن كان عليهِ ديْن [برقه] (٤): مضى البيع فيه.
وإن لم يكن [عليه] (٥) دين، ولا لهُ ثلث [يحمله] (٦): فإن البيع ينتقض في ثلث العبد ويُعتق على الميت، وينظر في الثُلُثين الباقيين:
فإن كان المُشترى قد أعتقهُ نفد عليه عتق الثُلُثين، ويكون لهُ من الولاء بقدر ذلك.
فإن لم [يعتقه] (٧)، هل يلزمُه البيع في الثلثين أو يملك [الرد] (٨) بعيب العتق.، فإن لم يعلم بالتدبير حتى اشترى [فله] (٩) الرد: فإن
стр. 2111
стр. 2112
المسألة الرابعة
في المدبر يكاتب أو المكاتب يُدبر .
ولا يخلو مِن أن يسبق التدبير بالكتابة أو يتقدم بالكتابة على التدبير.
فإن قدم بالتدبير على الكتابة مثل أن يكاتب مدبره، فإنَّ ذلك جائز، ويكون مُدبرًا مكاتبًا، ثُمَّ لا يخلو مِن ثلاثة أوجه:
إمَّا أن يُؤدى في حياة سيِّدهِ.
وإمَّا أن يعجز.
وإمَّا أن يموت السيد قبل أنْ يُؤدى، ولم يعجز.
فإن أدَّى في حياة السيِّد: كان حُرًا.
فإن عجز عن أداء الكتابة: بقى على حقَّهِ في التدبير وإن لم يُؤد، ولم يعجز حتى مات [السيد] (١)، فلا يخلو مِن أن يكون عليه دين يغترقه أو لا دين عليه.
فإن كان عليهِ ديْن يغترق قيمة المدبر، فلا يخلو مِن أن تكون قيمتهُ مكاتبا أكثر مِن قيمته أو تكون قيمتهِ مكاتبًا أقل.
فإن كانت قيمتهُ مكاتبًا أكثر مِن قيمتهِ غير مُكاتب أو كانت قيمته مُكاتبًا وغير مكاتب سواء: سقط التدبير وبقيت الكتابة، وتباع الكتابة في الدَّين.
فإن كان [في] (٢) بعضها وفَّى به: بيع ذلك منها، وعُتق ثُلُث ما بقى، ويحطَّ عنهُ منها بقدر ثلث ما لم يبع مِن كتابتهِ، وهو ما قابل ثلث
стр. 2113
العتق بعد الذي بيع للديْن.
وإن كانت قيمتهُ مكاتبًا أقل، وقيمة الرقبة أكثر، مِثل: أن تكون رقبتهُ غير مكاتب "مائة"، وقيمتهُ مكاتبًا خمسون، هل يبقى على كتابتهِ أو يعجز؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّه يبقى على كتابتهِ، ويُؤدى لأهل الدَّين نجومًا.
فإن أدى: عُتق كلهُ، وإن عجز: قُضى منه الدين، وعتق ثُلث ما بقى، وهو قول ابن القاسم في "الموَّازية"، وبه قال أصبغ.
والثانى: لابد مِن تعجيزهِ، حتى يعتق منهُ ثُلث ما بقى بعد ما يُباع للدَّين، وهو قول عبد الملك في "الموَّازية".
فإن مات السيد، ولا ديْن عليهِ: فإنَّهُ يقوم بحقِّهِ في التدبير.
فإن حملهُ الثلث على أنَّهُ لا كتابة فيه: عُتق وسقطت الكتابة.
وإن لم يترك مالًا سواه: أعتق ثُلثه لتدبير، وبقى ثُلثاهُ بالكتابة، ويسقط عنهُ مِن كُلِّ نجم ثلثه، وبقى في الثُلُثين.
وأمَّا إن قدَّم الكتابة على التدبير، مثل أن يدبر مكاتبه: كان الجواب على ما تقدم، ولو سبق [التقديم] (١) في جميع ما قدَّمناه.
فإن لم يُؤد الكتابة، ولا عجز حتى مات السيِّد:
كانَّ في الثلث الأقل مِن الكتابة أو [من] (٢) قيمة الرقبة.
[و] (٣) الفرق بينهما أنَّهُ إذا تقدَّم التدبير، ثُمَّ مات السيِّد، كان السيد
стр. 2114
على [حقه في الكتابة لأنه] لم يسقطها.
وإن تقدمت الكتابة: كان قد أسقطها بالتدبير.
وإن مات، فإن كانت قيمته مُكاتبًا أقل، قال العبد: إنَّما [يستحق قبلى مالًا] وقد أسقطهُ بالتدبير، وهو الذي [جعل] (١) في الثلث فإن كانت قيمة الرقبة أقل، قال: إنما بعجز بنفسى [لعتق. فإذا أعجز نفسه] (٢)، كانت الرقبة هى [المملوكة].
والحمد لله وحدهُ.
стр. 2115
المسألة الخامسة
في المدبر يُباع في المقاسم، فلا يخلو مِن ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يعلم أنَّهُ لرجل مِن [المسلمين بعيد فهذا] لا يُقسم، ويوقف لهُ.
والثانى: أن يعلم أنَّهُ مدبر لمسلم، وجهل عين صاحبهِ، فهذا تكون خدمتهُ لأهل الجيش دون [رقبته أو]: أن يجهل أنَّهُ مدبر، فيباع في المقاسم، ثُمَّ قدم صاحبهُ بعد القسم واستحقَّهُ، هل للسيد أن يفدى خدمتهُ أو يبقى رقيقًا [لمشتريه؟ فالمذهب] (١) على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يبقى رقيقًا لمشتريهِ، وهو قول ابن القاسم في "الدمياطية".
والثانى: أن للسيَّد المستحق أنَّ [يفدى خدمته وهو]، قولهُ في "المُدوَّنة".
وسبب الخلاف: ما حازه الكفَّار مِن أموال المسلمين، هل يقطع ملكهم منهُ أم لا؟
وعلى القول بأنَّهُ [يبقى مدبرًا هل تكون] خدمتهُ لمشتريه أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّ جميع خدمته حياة السيد لمشتريه مِن المقاسم ولا شىء فيها [للسيد]، وهو قول ابن الموّاز.
والثانى: أنَّ مُشتريه من المقاسم، يستوفى مِن خدمتهِ ما اشتراهُ بهُ.
стр. 2116
فإن استوفاهُ وسيِّدهُ حى متى [رجع إليه وهو قول ابن القاسم] في "المُدوَّنة".
فإن مات السيِّد قبل أنْ يستوفى في المُشترى مِن الخدمة ما اشترى به، فلا يخلو مِن أن يحملهُ [الثلث أو لا يحمله] (١).
فإن حملهُ الثُلُث كان [عتيقًا. واختلف هل يتبع] [بالفضل] (٢) أم لا؟
على قولين قائمين مِن "المُدوَّنة":
أحدهما: أنَّهُ يُتبع ببقية القيمة في ذمته، وهو قول ابن القاسم.
والثانى: أنَّهُ لا [يتبع بشىء وهو قول]، الغير في "كتاب الجنايات" [في المدبر] (٣) يجنى ثُمَّ يُسلم السيِّد خدمتهُ للمجنى عليه.
وسببُ الخلاف: هل ذلك [تسلم اقتضاء فيرجع] إليه الفضل أو ذلك تسليم [تملُك] (٤)، فتكون جميعُها للمشترى أو المجنى عليه، وإن لم يحملهُ الثُلُث، فإنَّهُ يحسب ما بقى من [الثمن ثم يستوفى] مِن الخدمة، [فيقبض] (٥) على ما أعتق، وعلى ما بقى فما ناب [العتيق] (٦) منه اتبع به، وما لم يحمله الثلث [رق] (٧) للمشترى، وهل للورثة [فيه خيار أم لا]؟ فالمذهب على قولين:
стр. 2117
أحدهما: أنَهُ لا خيار فيهِ للورثة، وهو المنصوص عن مالك.
والثانى: أن الخيار فيهِ للورثة.
والقولان: [قائمان من المدونة].
وسببُ الخلاف: هل ذلك حقٌ يورث عن الميت أو ليس ذلك حقٌ يُورثْ عنهُ؟
والحمد لله وحدهُ.
стр. 2118
كتاب المكاتب
стр. 2119
كتاب المكاتب
تحصيل مشكلات هذا الكتاب وجملتُها سبع عشرة مسألة:
المسألة الأولى
في الكتابة .
كانت الكتابة في [الجاهلية فأقرها] الإِسلام، وهي العتق على مال.
واختلف في اشتقاقها:
فقيل: هى مشتقة مِن الكتاب، وهو: الأجل، قال الله : ﴿إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ (١) أي: أجل معلوم أي مُقدر.
وقيل [هى] (٢) مِن الإيجاب واللزوم، لإلزام السيد ذلك للعبد، ولا رجوع لهُ فيه، وأن ذلك أمرٌ [لازم للعبد]، ولا خروج لهُ [عنه] (٣) أيضًا، كان ذلك برضاهُ على الوِفاق [إلا على القول بأن له أن يعجز بنفسه وإن كان له مال ظاهر] (٤) أو [على غير] (٥) رضاه، على الخلاف في السيِّد، هل له أن يجبر عبده على الكتابة أم لا؟ [وقد اختلف] فيهِ المذهب على قولين قائمين مِن "المُدوَّنة"، وقد قال فيمن كاتب عبدهُ على نفسه [مع] (٦) عبدٍ لهُ غائب: إنَّ ذلك جائز، وذلك
стр. 2120
لازم كتابة [ولا رجوع] (١) لهُ عنهُ، وهو قولهُ في "كتاب العتق الثاني" إذا أعتق عبدهُ على مالٍ، حيثُ قال: إنَّهُ يُتبع في الذمَّة على ما [أحب أو كره. وظاهر] قول ابن القاسم [الذي] (٢) يقول: يُعتق ولا يُتبع، أنَّهُ لا يجوز لهُ أن يُجبرهُ على الكتابة.
والدليل على أنَّها مِن الإيجاب، مِن كتاب الله تعالى [قوله] (٣): ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾ (٤) أي: أوجبها.
وقيل: إنَّ الكتابة مأخوذة مِن الكتاب الذى يكتبونه بينهم في [عقد ذلك ويقدر] فيها كتاب، وكتابة، ومكاتبة قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ (٥) الآية.
[صيغتها] (٦) صيغة الأمر، مقيَّدة بشرط، فإذا وجب هذا الشرط، هل تجب الكتابة أو هى مباحة أو مندوب إليها؟ ولا خلاف عندنا أنَّ الكتابة ليست بواجبة، وبه قال الشافعى وأبو حنيفة خلافًا للظاهرية، ولا خلاف عندنا أنَّها مباحة واختلف عندنا، هل هى مندوب إليها أم لا؟
على قولين:
أحدهما: أنَّها على الإباحة دون المندوب، وهو ظاهر قول مالك في "الموطأ".
والثانى: أنها على الندب، وهو قول القاضى أبى الحسن بن القصَّار،
стр. 2121
وبه قال عبد الملك بن الماجشون [في المبسوط] (١).
وسبب الخلاف: اختلافهم في صيغة الأمر إذا وردت.
فمن حملها على [ظاهر الأمر] (٢) قال بالوجوب.
ومن صرفها عن الوجوب، استدل بالإجماع على أن السيد لا يجبر على عتق عبده ولا على بيعه.
والكتابة لا تخلو مِن أن تكون بيعًا أو عتقًا.
فإذا خرجت عن أن تكون واجبة، ترددت بين الندب والإباحة.
فمن حملها على الندب رأى أن الكتابة عقدٌ مِن عقود الحُرية، الذي هو أفضل أعمال البر، وأجلُّ نوافل الخير، ولاسيما وقد أمر الله تعالى به.
فإذا بطل أن يُحمل [هذا] (٣) الأمر على الوجوب، فأقل مراتبه أن يُحمل على الندب.
[ومن] (٤) حملهُ على الإباحة، رأى أنَّهُ أمرٌ وَرَدَ بعد الحظر ومشهور [مذاهب] (٥) الأصوليين أنَّ صيغة افعل إذا وردت بعد الحظر، [أنه] (٦) [يحمل] (٧) على الإباحة، كالأمر بالصيد بعد الإحلال، والانتشار بعد صلاة الجمعة إلا أن بعض حُذَّاق الأصوليين، قال: إنَّما يصحُّ ذلك، إذا
стр. 2122
كان الحظر [متأصلًا] (١)، فأمَّا إذا كان لعارضٍ طرأ ثُمَّ زال كالإحرام والجمعة والإطعام، وذلك حظرٌ طرأ ليس بأصلى، وإلى هذا ذهب إمام الحرمين في التلخيص، وحظر الكتابة متصلًا.
وبيان وجود الحظر في الكتابة، وأنها على خلاف الأصل، ومقتضى الدليل: ألا تجوز الكتابة, لأن العبد يسعى ويقتحم الأخطار، ويجول في الأقطار، ويُؤدى المال إلى السيد لأمرٍ لا يدرى أيكون أو لا يكون.
ويُحتمل أن يُؤدى جميع الكتابة، فيعتق ويحتمل أن يموت قبل الأداء، ويحتمل أن يعجز بعد أنْ أدى أكثر الكتابة، ويرجع رقيقًا، والمال للسيِّد، ويذهب عناؤه [باطلًا] (٢)، لا هو إلى العتق ولا مالهُ يرجع إليه، فهذا غرر وخطر مع ما فيهِ مِن أكل المال بالباطل، [إلا أنَّ] (٣) الشرع رد بجوازها، وهذا أمر ورد بعد الحظر، والحظر أصل، فوجب أن يُحمل على الندب.
ويختلف هل هى منجمَّة أو حالة؟ على قولين:
أحدهما: أنَّها مُنجمة، ولا يجوز أن تكون حالة، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدوّنة" حيث قال: والكتابة عند الناس منجمة.
وهو قولُ الشيخ أبى محمَّد بن أبي زيد في "رسالتهِ" (٤)، وهو مذهب الشافعى ﵁.
والثانى: أنَهُ يجوز أن تكون حالة، وهذا القول حكاية القاضى أبى
стр. 2123
محمَّد عن مُتأخرى شيوخنا، وهو الذي ارتضاهُ هو وغيرهُ مِن أئمتنا، وهو مذهب أبى حنيفة ﵁.
وسبب الخلاف: اختلافهم في اشتقاق "الكتابة":
فمن رأى أنَّها مشتقة مِن "الكتاب" الذي هو الأجل قال: إنَّها منجمة.
وَمن رأى أنَّها مشتقة مِن الكتاب الذي يُكتب بينهما يقول: إنَّها حالة، إذ ليس في مقتضى إطلاقها ما يدلّ على التنجيم والتأخير إلا ما يُؤخذ من الاشتقاق.
فإن كان هناك دليل عرفى، فينبغى أن يكون الرجوع إليهِ، وكذلك قولهُ تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (١) هو ندب وترغيب للوجوب واللزوم، خلافًا للشافعى، فإنَّهُ حمل الكتابة على الندب، والإيتاء على الوجوب.
وقد اختلف في ذلك على أربعة أقوال:
أحدها: أنَّهُ يوضع عنهُ مِن آخر كتابته شىء، وهو قول مالك في المُدوَّنة، ومَنْ حكى عنه مِن أهل العلم.
والثانى: أنَّهُ يُوضع [عنهُ] (٢) رُبع الكتابة، وهو قول على بن أبى طالب ﵁.
والثالث: أنَّهُ شىءٌ حث عليه المولى وغيرهُ، وهو قول النخعى.
وهذه الأقوال كُلُّها في "المُدوَّنة".
стр. 2124
والرابع: أنَّ الخطاب في ذلك للولاة، يعطونهُ مِن الزكاة التي فرض الله لهم، وهو قول زيد بن أسلم.
وفيها قول خامس: أن الخطاب فيها للسيد أن يعطيهِ [شيئًا] (١) من مالهِ، وهذا القول مروىٌّ عن عمر بن الخطاب ﵁.
واختلف في قوله تعالى: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ (٢)، ما الخير الذي أراد؟ فقيل: [الخير] (٣) المراد [هو] (٤) القوة على الأداء، وهو مشهور قول مالك.
وقيل: المال نفسه، وقالهُ مجاهد وسعيد بن جُبير وزيد بن أسلم والضحَّاك، قال الله تعالى: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾ (٥) و [قيل] (٦) الأمانة [والصدق] (٧) والوفاء، وهو قول النخعى.
وقد اختلف في كتابة مَن لا سعاية [له] (٨) ولا أمانة كالصغير:
قال ابن القاسم: أنَّها جائزة.
قال أشهب: لا تجوز، وترد إلا أن تفوت بالأداء.
стр. 2125
المسألة الثانية
في الكتابة [على غرر] (١)، هل تجوز أو لا تجوز؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال كُلّها قائمة مِن "المُدوّنة":
أحدها: أنَّ الكتابة على الغرر جائزة، وهو مشهور المذهب، وهو ظاهر "المُدوَّنة" بجواز الكتابة على وصف حمران أو سودان، ولم يصفهم جاز، ويعطى وسطًا من وصف الحُمران أو السودان، فظاهر "المُدوَّنة" أنَّهُ تجوز الكتابة على غرر، وقد سألهُ في كتاب "المُدوَّنة" عن الكتابة بالغرر، فأتى بهذه المسألة، ولم يُجبهُ عن الغرر الذي سأل عنهُ، كالعبد الآبق والبعير الشارد.
والثانى: أنَّ الكتابة على غرر لا تجوز، وهذا القول قائم مِن "المُدوَّنة" مِن "مسألة اللؤلؤ" إذا كاتبهُ على لؤلؤ "غير موصوف"، فقال ابن القاسم فى "الكتاب": إن الكتابة لا تجوز، إذ [لا يحاط] (٢) بصفتهِ، وتفسخ الكتابة.
وقال محمَّد بن الموّاز: لا تُفسخ الكتابة، وتكون مِن أوسط الذي يشبه ما بينهما.
والقول الثالث: أنَّ الكتابة بالغرر تُكره ابتداءً، فإن نزلت لم تفسخ، لإجازة غير واحد الربا بين السيد وعبده، وهو قول أشهب في كتاب ابن الموّاز.
وعلى القول بأنَّها تجوز على الغرر، فلا يخلو ذلك الغرر مِن ثلاثة
стр. 2126
أوجه:
إمَّا أن يكون في مِلك العبد.
أو في ملك السيد.
أو في ملك غيرهما.
فإن كان في ملك العبد، مثل: أن يُكاتبهُ على عبد لهُ آبق أو بعيرٍ شارد أو جنين في بطن أُمِّه: فإنَ ذلك جائز، لأنَّهُ قد كان للسيِّد انتزاع ذلك مِن عبدهِ، وأن يجبره على طلبهِ من غير كتابة.
فإذا جعل لهُ العتق على ذلك، فقد [تفضل].
فإن كان ذلك الغرر في ملك السِّيد، مثل: أن يُكاتبهُ على أن [يأتيه] (١) بعبده الآبق وبعيره الشارد، فإنَّ ذلكَ جائز [أيضًا] (٢)، إذ للسيد أن يُجبرهُ على طلب ذلك كما تقدم، لأنَّهُ عبده ولهُ أن يُكلفهُ مِن الأعمال التي له [بها] (٣) طاقة ما شاء، وهو قول ابن القاسم في ["المدونة"] (٤).
فأما إن كان ذلك الغرر في يد غيرهما، مثل: أن يُكاتبهُ على عبدٍ فلان، هل تجوز الكتابة أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّ الكتابة جائزة، فإنَّ جاء به وحصَّلهُ، كان حُرًا، وإلا حكم بعجزهِ، وهو قول ابن القاسم في "المُدوَّنة" و"الموَّازية".
والثانى: أنَّ الكتابة لا تجوز وتفسخ إلا أن يشتريه قبل الفسخ، وهو
стр. 2127
قول أشهب في "كتاب محمَّد".
والثالث: أنَّهُ إن لم يشتره، أدى قيمته، ولا يفسخ ذلك، وهو قول محمَّد [وقال] (١) ابن ميسر لا يتم له شىء إلا بعبدِ فُلان، والذي قالهُ يُحتمل أن يكون تفسيرًا لقول ابن القاسم.
وسبب الخلاف: الكتابة، هل ناحيتها ناحية البيع أو ناحيتها ناحية العتق؟
واختلف إذا كاتبهُ على أن يغرس لهُ كذا وكذا شجرة، هل ذلك كتابة أو وعد؟
وفائدة ذلك وثمرته، إذا فلس السيد أو مات فإن كانت كتابة تثبت، وإن كان وعدًا أُسقط.
والصحيح: أنَّها كتابة، والدليل عليه كتابة سلمان الفارسي ﵁ كاتبهُ [سيده] (٢) على أن يغرس لهُ كذا [وكذا] (٣) واديًا مِن نخل.
والحمدُ لله وحدهُ.
стр. 2128
المسألة الثالثة
في الكتابة على الخدمة .
ولا تخلو الخدمة مِن أن يكون معها مال أو لم يكن:
فإن كان معها مال، مِثل: أن يُكاتبهُ على عشرة دنانير منجمة عليه، يُؤدى كُل شهر دينارين، خدمته حتى يُؤدى كتابته، وأسفارًا يشترطها عَليهِ ما دام في الكتابة، فإنَّ ذلك لازمٌ لهُ ما لم يُؤد كتابتهُ، وإذا أدّى كتابتهُ وعجَّلها قبل حلولها، هل يسقط عنهُ ما كان اشترط عليه مِن الخدمة أم لا؟
ولا يخلو مِن أن يعجل عتقهُ [بعد] (١) قضاء الخدمة والأسفار أم لا.
فإن عجَّل عتقهُ بعد قضاء الخدمة والأسفار، عند حلول أجل الكتابة، فإنَّهُ لا تسقط عنه الخدمة ولا يحصل لهُ العتق إلا بانقضاء أمد الكتابة.
وإن عجل المال قبل ذلك، وهو قول أصبغ في "كتاب ابن حبيب" وبهِ قال ابن الموَّاز.
فإن لم يشترط ذلك، ولا قيَّدهُ، هل يسقط عنهُ إذا عجَّل الكتابة أم لا؟
فعن مالك في ذلك روايتان:
إحداهما: أنَّ الخدمة والأسفار ساقطة عنهُ، وهي رواية ابن القاسم عنهُ في "الموازية".
والثانى: أنَّ يُعطيه مكان الأسفار والخدمة عينًا، ويتم عتقهُ، وهي رواية [أشهب] (٢) عنهُ فى "الموازية" أيضًا.
стр. 2129
وسبب الخلاف: الخدمة، هل هى مقصودة في نفسها أو الكتابة هى المقصودة والخدمة تبعٌ؟
فإن لم يكن مع الخدمة مال، مِثل أن يقول لهُ: أكاتبك على خدمة شهر.
فإن أراد أن يكون العتق بعد الخدمة: فلا خلاف أنَّهُ لا يُعتق حتى [يُؤدى] (١) الخدمة.
فإن مرض في الشهر أو أبق فيه:
فإن كان الشهر معينًا، فإنَّهُ يلزمه البدل والعوض [ولا يعتقه حتى يخدمه شهرًا بخلاف المعتق إلى أجل لأن الكتابة هاهنا كالمعاوضة. فإذا لم يعين الشهر كان أولى في لزوم العوض] (٢).
فإن أعطى العبد قيمة خدمة الشهر للسيِّد، فلا يُجبر السيِّد على القبول.
فإن أراد أن تكون الخدمة بعد العتق، فلا أعلم في المذهب نص خلاف في سقوط الخدمة ولزوم العتق.
فإن أبهم الأمر: فإنَّهُ يحمل على أنَّ العتق يكون بعد الخدمة.
فإن اشترط السيِّد [أن يصيبها] (٣) إن كانت أمة أو استثنى ما [تلد] (٤) في كتابتها، هل تجوز الكتابة أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّ الكتابة باطلة، إلا أن يرضى السيد بترك الشرط، وهو
стр. 2130
قول مالك في "العُتبيَّة" و"الموازية" في سماع أشهب عنهُ، ولا فرق في ذلك بين ولد [المكاتب والمكاتبة] (١).
والثانى: أنَّ الكتابة جائزة، والشرط باطل، وهو قول ابن القاسم في "الموَّازية"، وبهِ قال أصبغ. لأنَّهُ بمنزلة مَنْ أعتق أمة واستثنى ما في بطنها.
والثالث: أنَّها إن أدت مِن الكتابة نجمًا واحدًا: مضت، وبطل الشرط وإن لم تُؤد شيئًا.
فإن ترك السيِّد شرطهُ، وإلا بطلت الكتابة، وكذلك في ولد [المكاتب] (٢)، وهو قول محمَّد بن الموَّاز، واتفقوا على أنَّهُ: إن لم ينظر في أمرها حتى أدت حُرة وما في بطنها والمكاتبة كذلك.
والحمد لله وحده.
стр. 2131
المسألة الرابعة
في القطاعة .
ولا يخلو الحُكم فيها مِن ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون ذلك بلفظ القطاعة، إمَّا صيغة أو فحواها.
والثانى: أن يكون ذلك بلفظ السلف.
والثالث: أن يكون بلفظ [الإنظار].
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كان ذلك بلفظ الكتابة صيغةً أو فحوى، مِثل أن يقول: أقاطعك على عشرين مِن مائة، ولا يخلو مِن وجهين:
أحدها: أن يكون في مكاتب يملك جميعهُ أو في مكاتب بينهُ وبين غيره.
فإن كان ذلك في مكاتب يملك جميعهُ، فلا خلاف في الجواز.
وإن قاطعهُ مِن ذهب على وَرِق أو مِن وَرِق على ذهب أو عروض.
فإن كان [على] (١) النقد وتعجيل العتق، فلا خلاف في المذهب في الجواز فإن كان إلى أجل وتعجَّل العتق، قولان:
مشهور المذهب: الجواز.
وسبب الخلاف: الكتابة، هل طريقها طريق البيع أو طريق العتق؟ وللخلاف فيها مطلق آخر: معاملة السيِّد هلى هى كمعاملة الأجانب أم لا؟
стр. 2132
فإن تعجَّل ما فسخ فيهِ الكتابة، فالعتق مُعجَّل اتفاقًا.
فإن كان إلى أجل، والعتق غير مُعجَّل، هل تجوز القطاعة أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّ القطاعة لا تجوز إلا على تعجيل العتق، وهو قول سحنون في "المُدوَّنة".
والثانى: أنَّ ذلك جائز، سواءٌ عجلَّ عتقهُ أم لا، وهو ظاهر قول ابن القاسم فى "المُدوَّنة".
والخلاف في المذهب مشهور، قد حكاهُ الشيخ أبو إسحاق التونسى وغيره.
فإن كان ذلك في مكاتب بينهُ وبين غيره مثل أن يُقاطعهُ على عشرين من مائة كما قدَّمنا، فلا يخلو مِن أن يكون ذلك بإذن شريكهِ أم لا.
فإن كان ذلك بإذن شريكهِ، فلا يخلو العبد مِن ثلاثة أحوال:
إما أن يُؤدى للشريك الذي لم يقاطع جميع حقِّه مِن الكتابة.
والثانى: أن يعجز.
والثالث: أن يموت قبل أداء.
أمَّا إذا أدى لهُ جميع نصيبه، فالعبد حر والولاء بينهما على قدر أنصبائهما في العبد.
وأمَّا الحالة الثانية: إذا عجز، فلا يخلو عجزهُ مِن وجهين:
أحدهما: أن يعجز قبل أن يستوفى المُتمسك شيئًا.
والثانى: أن يعجز [بعد أن استوفى] (١)، مِثل: الذي قاطع عليهِ
стр. 2133
المقاطع أو أقل أو أكثر.
فإن عجز قبل أن يُؤدى شيئًا، فلا يخلو المُقاطع مِن أحد وجهين:
إمَّا أن يستوفى جميع ما قاطع عليهِ أو بعضه أو لم يستوف شيئًا.
فإن استوفى جميع ما قاطعهُ عليه، فلهُ الخيارين بين أن يُقاسم شريكهُ المتمسك ويدخلهُ فيما قبض على السواء، ويكون العبد بينهما رقًا، كما كان، أو يقتنع بما قبض، ويُؤثرهُ على نصيبه مِن العبد، ويكون جميع العبد للمتمسك.
وهذا الحكم إذا [قبض] (١) البعض، فلهُ الخيار أيضًا، غير أنَّهُ إن اختار الاستبداد بما قاطع.
فينظر إلى ما قبض، فإن قبض خمسة مِن عشرين، فقد [بقى] (٢) لهُ في العبد الرُبع، والثلاثة الأرباع للشريك.
فإن لم يستوفى القاطع شيئًا، فالعبدُ بينهما كما كان.
وأمَّا إن عجز بعد أن يستوفى المُتمسك مقدار ما قاطع عليهِ المقاطع أو أكثر، والمُقاطع قد استوفى جميع ما قاطع عليهِ أيضًا، فالعبد بينهما أيضًا ولا خيار لهما.
فإن استوفى أقل ممَّا قبض المُقاطع، فالخيار للمقاطع أيضًا، إن شاء أن يرد على المُتمسك ما استقصاهُ منهُ حتى يساويه ويُوازيهِ، ويكون العبد بينهما أو يأبى فيكون جميع العبد للمُتمسك.
وأمَّا إن عجز قبل أن يستوفى المُقاطع شيئًا، والمُتمسك قد قبض بعض
стр. 2134
حقّهُ مِن الكتابة، فلا يخلو ما قبضهُ المُتمسك من أن يكون قبضه على النجوم أو تعجله قبل حلول النجم.
فإن قبضهُ على الحلول، هل للمُقاطع الدخول معهُ أم لا؟ قولان:
أحدهما: أنَّهُ لا دخول لهُ معهُ, لأنَّهُ رضي بتأخير المكاتب، وترك لشريكهِ ما أخذ، وهو قول بعض المتأخرين.
والثانى: أنَّ للمقاطع الدخول معهُ فيما قبض، ويتحاصان فيه هذا المقدار ما قاطع عليهِ، والآخر بمقدار ذلك النجم، لأنَّ ذلك النجم الذي حلَّ هو لهما جميعًا، فلا يستبد بهِ واحد منهما دون الآخر، وهو اختيار أبى عبد الله محمَّد بن يونس.
وأمَّا إن تعجلهُ المُتمسك قبل محله، هل يشتركان فيه أو يكون كُله للمقاطع؟ قولان بين المتأخرين أيضًا:
أحدهما: أنَّهما يقتسمانهِ على مقدار أنصابهما في العبد أو على [قدر] (١) ما لهما عليهِ من المال، وهو الأحسن.
والثانى: بالتفصيل بين أن يكون للعبد مالٌ سواه، فيكون للمقاطع أن يأخذ حقَّهُ مِن ذلك المال، ويسلم للمتمسك ما اقتضى، وبين أن لا يكون لهُ مال: فيكون أولى بما عجل [من المتمسك] (٢) حتى يستوفى منهُ مقدار حقِّه.
فإن فضل شىء كان للمتمسك وحدهُ. ووجهه أن حقًا للمقاطع، قد حل وحق الآخر لم يحل، وبعدما قبض المتمسك هبة مِن المكاتب
стр. 2135
، والمقاطع ردّ هبتهُ.
وأمَّا الحالة الثالثة: إذا مات المكاتب، فلا يخلو من أن يموت حتف أنفه أو مات مقتولًا.
فإن مات حتف أنفهِ، وترك مالًا فيهِ: وفَىّ بحق المُتمسك، فهو لهُ.
فإن فضل شىء، كان بينهما.
وإن لم يترك شيئًا: فلا رجوع للمتمسك على المقاطع.
وإن مات مقتولًا، وأخذت قيمتهُ، هل يكون كرقبتهِ أو كماله؟ قولان:
أحدهما: أنَّ قيمتهُ كرقبتهِ.
والثانى: أنها كماله، وهو قول أبى عمران الفاسى [﵁] (١).
وفائدة ذلك وثمرته: أنَّا إن قلنا: إن القيمة كالرقبة: كان الخيار للمقاطع.
وإن قلنا: إنَّ القيمة كالمال، كان للمتمسك أن يستوفى جميع حقِّه مِن تلك القيمة، وما فضل يكون بينهما.
وسبب الخلاف: هل قيمة الشىء كعينه [أم لا؟ ولا خلاف أن ثمن الشىء كعينه] (٢)، على ما قال سحنون، وذلك أنَّ أم الولد لا يجوز بيعها, لأن ثمنها كعينها.
فإذا قلت جاز للسيد أخذ قيمتها وتكون لهُ حلالًا.
وأمَّا الوجه الثاني مِن أصل التقسيم: إذا قاطعهُ بغير إذن شريكهِ،
стр. 2136
وقبض ما قاطع عليهِ، فالخيار للمتمسك إذا عجز المكاتب بين أن يستبدَّ بالعبد أو يدخل مع المقاطع فيما أخذ.
وإن اختار الدخول معهُ، فذلك لهُ، والعبد بينهما.
وإن اختار الاستبداد بالعبد، هل لهُ ذلك أو يرجع الخيار إلى المقاطع؟ قولان:
أحدهما: أنَّهُ لا خيار لهُ، وهو قول ابن القاسم في الكتاب.
والثانى: أنَّ الخيار يرجع إلى المقاطع، وهو قول ابن المواز وأشهب.
وسبب الخلاف: من خيِّر بين شيئين، هل يُعدُّ مختارًا لما ترك أم لا؟
والجواب عن الوجه الثاني مِن أصل المسألة: إذا كان بوجه السلف، مِثل أن يحل النجم، ويحضر المكاتب جميعهُ فيقول أحدهما لصاحبه: بدنى بذلك النجم، وخذ أنت الذي يليه، فللمسلف الرجوع على صاحبهِ اتفاقًا مِن غير اختيار [ولا خيار] (١) , لأنَّ ذلك معاملةً بين الشريكين على سبيل المعروف، ولم يدخل المكاتب فيما بينهما بشىء.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا كان بلفظ الإنظار، وهو أن يُصرح بتأخير، وإسلام ما يحضرهُ المكاتب لشريكه، قصد بذلك الرفق بالعبد، ومعروف صنعهُ معهُ، وهذا لا رجوع لهُ على الشريك فيما قبض.
فهذه الوجوه الثلاثة لا إشكال فيها على ما فصَّلناهُ وحصلناهُ، وإنَّما الغموض والإشكال عند التباس السؤال، وإطلاق الألفاظ مِن غير احتياط، وإهمال التحرز والتحفظ، فهنالك يتبلَّد الخاطر ويتردد الناظر ويتحيَّر
стр. 2137
[الفاكر] (١)، [حتى] (٢) يتعذّر التمييز بين السلف والقطاعة، والإنظار لأجل الامتزاج، [ويعتاض] (٣) التقدير لرد الاحتياج.
فها أنا أُشمِّر الذيل، وأنفس القول طلبًا لإزاحة الإشكال، وقطعًا لمادة الاحتمال، حتى تكون المسألة أجلى مِن النهار، وأشهر في الظلام من النار.
فنقول وبالله التوفيق: لا يخلو المُكاتب [على] (٤) الحالة [الموصوفة] (٥) مِن أربعة أوجه:
أحدها: أن تحل جميع الكتابة، وأحضر المكاتب نصفها.
والثانى: ألا يحل منها شىء، ولا حضر قدر حق أحدهما.
والثالث: أن يحل نجم واحدٍ، فأحضرهُ [كله] (٦).
والرابع: أن يحل نجم واحد وأحضر بعضهُ.
فأمَّا الوجه الأول: وهو أن تحل جميع الكتابة، وأحضر المكاتب نصفها: فسخ أحدهما في اقتضاء جميع نصيبهُ، وأذن لهُ في ذلك صاحبهُ، ورضى بإتباع المكاتب وإنظاره، ثُمَّ عجز قبل أن يقبض منهُ شيئًا، فلا خلاف في المذهب في هذا الوجه: أنَّهُ إنظار وليس بسلف، وأنَّهُ لا رجوع لهُ على شريكهِ بشىء، وأنَّ العبد يكون بينهما إن عجز.
стр. 2138
وأمَّا الوجه الثاني: إذا لم تحل [له] (١) الكتابة، وأحضر المكاتب منها مقدار حق أحدهما، وأذن أحدهما لصاحبه أن يُعجل جميع حقِّهِ، هل ذلك قطاعة أو سلف؟ قولان منصوصان فى "المُدوَّنة":
أحدهما: أنَّهُ كالقطاعة، وهو قول ابن القاسم.
والثانى: أنَّهُ سلف، وهو قول غيرهُ.
وعلى القول بأنَّ ذلك سلف للقابض، هل هو سلف مِن الشريك أو [من] (٢) المكاتب؟ قولان:
أحدهما: [أنه] (٣) مِن المكاتب، وهو قول الغير في "الكتاب".
والثانى: أنَّهُ سلف مِن الشريك، وهو قول ابن الموّاز.
وفائدة الخلاف وثمرتهُ: [أنه] (٤) إن كان سلفًا مِن الشريك، فلهُ الرجوع على القابض إذا عجز المكاتب.
وإن كان سلفًا مِن المكاتب، فلا يرجع الشريك على القابض بشىءٍ، عجز المكاتب أو عتق.
وأمَّا الوجه الثالث: إذا حلّ مِن الكتابة نجم، وأحضرهُ المكاتب كُلَّهُ، فاستبدَّ أحدهما بقبضهِ بإذن شريكه: فذلك سلف مِن الشريك بلا إشكال، لتعيين حق [كل] (٥) واحد منهما فيه، وترك أحدهما الآخر يقبض ويستقل بهِ مِلكًا دونهُ:
стр. 2139
دليلٌ على السلف.
وأمَّا الوجه الرابع: إذا حلَّ نجم وأحضر المُكاتب نصفهُ، مثل أن يكون النجم عشرة، وأحضر "خمسة": فهاهنا يُنظر إلى لفظ القاَبض، ومنهُ يُعرف إن كان ذلك سلفًا أو إنظارًا فإن قال: بدنى به. أو قال: أنا آخذهُ، وأنظرهُ أنت، كان ذلك إنظارًا لا سلفًا، ثُمَّ لا رجوع للشريك على القابض إن عجز المكاتب، ولا خيار لهُ، لانَّ قولهُ "أنظرهُ" معناهُ [أن] (١) نصيبك باق عليهِ.
فإن قال: "وعنى آخذ هذه الخمسة، وخُذ أنت الخمسة الباقية" (أو استوفِ أنت حقَّك مِن الخمسة الباقية): كان ذلك سلفًا من الشريك للقابض بلا إشكال، ويرجع عليهِ بنصف الخمسة إن عجز المكاتب قبل أن يستوفى منهُ تلك الخمسة الباقية مِن ذلك النجم.
والحمدُ لله وحده.
стр. 2140
المسألة الخامسة
في العبيد إذا كوتبوا كتابةً واحدة .
فلا يخلو مِن ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكونوا لمالك واحد.
والثانى: أن يكونوا لملاك [متعددة] (١).
والثالث: أن يكونوا شركة بين أشراك.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كانوا لمالكٍ واحد، فلا يخلو مِن أن يكونوا كبارًا كُلُّهم أو فيهم صغار وكبار:
فإن كانوا كُلُّهم كبارًا يقوون على السعى والكتابة جائزة وكل واحد منهم يسعى لنفسهِ في أداء ما وجب عليهِ من الكتابة فإن أدى ما عليه فإنَّهُ يسعى مع أصحابهِ ويعينهم على الأداء.
فإذا أعتقوا [بالأداء] (٢).
فمن أدى عن أصحابهِ منهم شيئًا، فإنَّهُ يرجع عليهم بهِ على ما [سيأتى] (٣) إن شاء الله تعالى.
ومن مات منهم لم يحط عنهم شىء مِن الكتابة لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم حميل بجميع الكتابةِ وعقد الكتابة يقتضى ذلك.
فإن استحقَّ أحدهم بحرية أو ملك ينبغى أن يسقط عنهم ما ينوبه لأنَّهُ قد تبيَّن أنَّ السيد عقد الكتابة على غير ملكهِ، ولا تلزم الحمالة للسيِّد بما