وقبض ما قاطع عليهِ، فالخيار للمتمسك إذا عجز المكاتب بين أن يستبدَّ بالعبد أو يدخل مع المقاطع فيما أخذ.
وإن اختار الدخول معهُ، فذلك لهُ، والعبد بينهما.
وإن اختار الاستبداد بالعبد، هل لهُ ذلك أو يرجع الخيار إلى المقاطع؟ قولان:
أحدهما: أنَّهُ لا خيار لهُ، وهو قول ابن القاسم في الكتاب.
والثانى: أنَّ الخيار يرجع إلى المقاطع، وهو قول ابن المواز وأشهب.
وسبب الخلاف: من خيِّر بين شيئين، هل يُعدُّ مختارًا لما ترك أم لا؟
والجواب عن الوجه الثاني مِن أصل المسألة: إذا كان بوجه السلف، مِثل أن يحل النجم، ويحضر المكاتب جميعهُ فيقول أحدهما لصاحبه: بدنى بذلك النجم، وخذ أنت الذي يليه، فللمسلف الرجوع على صاحبهِ اتفاقًا مِن غير اختيار [ولا خيار] (١) , لأنَّ ذلك معاملةً بين الشريكين على سبيل المعروف، ولم يدخل المكاتب فيما بينهما بشىء.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا كان بلفظ الإنظار، وهو أن يُصرح بتأخير، وإسلام ما يحضرهُ المكاتب لشريكه، قصد بذلك الرفق بالعبد، ومعروف صنعهُ معهُ، وهذا لا رجوع لهُ على الشريك فيما قبض.
فهذه الوجوه الثلاثة لا إشكال فيها على ما فصَّلناهُ وحصلناهُ، وإنَّما الغموض والإشكال عند التباس السؤال، وإطلاق الألفاظ مِن غير احتياط، وإهمال التحرز والتحفظ، فهنالك يتبلَّد الخاطر ويتردد الناظر ويتحيَّر
стр. 2137
[الفاكر] (١)، [حتى] (٢) يتعذّر التمييز بين السلف والقطاعة، والإنظار لأجل الامتزاج، [ويعتاض] (٣) التقدير لرد الاحتياج.
فها أنا أُشمِّر الذيل، وأنفس القول طلبًا لإزاحة الإشكال، وقطعًا لمادة الاحتمال، حتى تكون المسألة أجلى مِن النهار، وأشهر في الظلام من النار.
فنقول وبالله التوفيق: لا يخلو المُكاتب [على] (٤) الحالة [الموصوفة] (٥) مِن أربعة أوجه:
أحدها: أن تحل جميع الكتابة، وأحضر المكاتب نصفها.
والثانى: ألا يحل منها شىء، ولا حضر قدر حق أحدهما.
والثالث: أن يحل نجم واحدٍ، فأحضرهُ [كله] (٦).
والرابع: أن يحل نجم واحد وأحضر بعضهُ.
فأمَّا الوجه الأول: وهو أن تحل جميع الكتابة، وأحضر المكاتب نصفها: فسخ أحدهما في اقتضاء جميع نصيبهُ، وأذن لهُ في ذلك صاحبهُ، ورضى بإتباع المكاتب وإنظاره، ثُمَّ عجز قبل أن يقبض منهُ شيئًا، فلا خلاف في المذهب في هذا الوجه: أنَّهُ إنظار وليس بسلف، وأنَّهُ لا رجوع لهُ على شريكهِ بشىء، وأنَّ العبد يكون بينهما إن عجز.
стр. 2138
وأمَّا الوجه الثاني: إذا لم تحل [له] (١) الكتابة، وأحضر المكاتب منها مقدار حق أحدهما، وأذن أحدهما لصاحبه أن يُعجل جميع حقِّهِ، هل ذلك قطاعة أو سلف؟ قولان منصوصان فى "المُدوَّنة":
أحدهما: أنَّهُ كالقطاعة، وهو قول ابن القاسم.
والثانى: أنَّهُ سلف، وهو قول غيرهُ.
وعلى القول بأنَّ ذلك سلف للقابض، هل هو سلف مِن الشريك أو [من] (٢) المكاتب؟ قولان:
أحدهما: [أنه] (٣) مِن المكاتب، وهو قول الغير في "الكتاب".
والثانى: أنَّهُ سلف مِن الشريك، وهو قول ابن الموّاز.
وفائدة الخلاف وثمرتهُ: [أنه] (٤) إن كان سلفًا مِن الشريك، فلهُ الرجوع على القابض إذا عجز المكاتب.
وإن كان سلفًا مِن المكاتب، فلا يرجع الشريك على القابض بشىءٍ، عجز المكاتب أو عتق.
وأمَّا الوجه الثالث: إذا حلّ مِن الكتابة نجم، وأحضرهُ المكاتب كُلَّهُ، فاستبدَّ أحدهما بقبضهِ بإذن شريكه: فذلك سلف مِن الشريك بلا إشكال، لتعيين حق [كل] (٥) واحد منهما فيه، وترك أحدهما الآخر يقبض ويستقل بهِ مِلكًا دونهُ:
стр. 2139
دليلٌ على السلف.
وأمَّا الوجه الرابع: إذا حلَّ نجم وأحضر المُكاتب نصفهُ، مثل أن يكون النجم عشرة، وأحضر "خمسة": فهاهنا يُنظر إلى لفظ القاَبض، ومنهُ يُعرف إن كان ذلك سلفًا أو إنظارًا فإن قال: بدنى به. أو قال: أنا آخذهُ، وأنظرهُ أنت، كان ذلك إنظارًا لا سلفًا، ثُمَّ لا رجوع للشريك على القابض إن عجز المكاتب، ولا خيار لهُ، لانَّ قولهُ "أنظرهُ" معناهُ [أن] (١) نصيبك باق عليهِ.
فإن قال: "وعنى آخذ هذه الخمسة، وخُذ أنت الخمسة الباقية" (أو استوفِ أنت حقَّك مِن الخمسة الباقية): كان ذلك سلفًا من الشريك للقابض بلا إشكال، ويرجع عليهِ بنصف الخمسة إن عجز المكاتب قبل أن يستوفى منهُ تلك الخمسة الباقية مِن ذلك النجم.
والحمدُ لله وحده.
стр. 2140
المسألة الخامسة
في العبيد إذا كوتبوا كتابةً واحدة .
فلا يخلو مِن ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكونوا لمالك واحد.
والثانى: أن يكونوا لملاك [متعددة] (١).
والثالث: أن يكونوا شركة بين أشراك.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كانوا لمالكٍ واحد، فلا يخلو مِن أن يكونوا كبارًا كُلُّهم أو فيهم صغار وكبار:
فإن كانوا كُلُّهم كبارًا يقوون على السعى والكتابة جائزة وكل واحد منهم يسعى لنفسهِ في أداء ما وجب عليهِ من الكتابة فإن أدى ما عليه فإنَّهُ يسعى مع أصحابهِ ويعينهم على الأداء.
فإذا أعتقوا [بالأداء] (٢).
فمن أدى عن أصحابهِ منهم شيئًا، فإنَّهُ يرجع عليهم بهِ على ما [سيأتى] (٣) إن شاء الله تعالى.
ومن مات منهم لم يحط عنهم شىء مِن الكتابة لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم حميل بجميع الكتابةِ وعقد الكتابة يقتضى ذلك.
فإن استحقَّ أحدهم بحرية أو ملك ينبغى أن يسقط عنهم ما ينوبه لأنَّهُ قد تبيَّن أنَّ السيد عقد الكتابة على غير ملكهِ، ولا تلزم الحمالة للسيِّد بما
стр. 2141
هو ملكٌ لغيرهِ.
وإلى هذا ذهب الشيخ أبو الحسن اللخمى، وهو قول ابن الماجشون في "الموَّازية".
واختلف في كيفية فض الكتابة عليهم على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّها تفض على قدر قوتهم عليها وهو قول مالك في "المُدوَّنة".
والثانى: أنَّها تفض على قدر القوة على الأداء أو قيمة الرقاب وهو قول ابن الماجشون.
والثالث: أنَّها تُقسَّم على العدد وهذا القول حكاهُ ابن الموّاز عن عبد الملك.
فإن عجز بعضهم وأدَّى الآخر جميع الكتابة فإنَّهُ يرجع عليهم على قدر قوتهم على الكتابة كما فضت عليهم أولا وهو قول ابن القاسم في "المُدوَّنة".
والثانى: أنَّهُ يرجع عليهم على قدر قوّتهم يوم كُوتبوا، وهو قول مطرف وابن الماجشون.
والثالث: أنَّهُ يرجع عليهم على قدر قوتهم يوم كوتبوا.
والرابع: أنه يرجع عليهم على قدر قوتهم يوم كوتبوا وحالهم يوم عُتقوا وهو قول أصبغ.
والخامس: أنَّهُ يرجع عليهم على عددهم. كما أنَّ الكتابة تقضى عليهم [على عددهم] (١) على ما حكاهُ ابن الموَّاز عن عبد الملك خلاف
стр. 2142
ما ذكر عنه ابن حبيب: أنَّهُ يرجع عليهم على قدر قيمتهم يوم عُتقوا.
فإذا ثبت لهُ الرجوع على أي صفة [كان] (١)، هل يرجع عليهم على النجوم أو يرجع عليهم على الحلول؟ فلا يخلو مِن أن يُؤديهما على النجوم أو يُعجِّلها.
فإن أداها على النجوم فلا خلاف أنَّهُ [يرجع] (٢) مُعجلًا.
فإن عجَّلها فهل يرجع [عليهم] (٣) على النجوم أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يرجع عليهم على النجوم، وهو قوله في "المدونة".
والثانى: أنَهُ يرجع عليهم معجلًا وهو قوله في كتاب "محمد" حيث قال في باب آخر أنه يرجع عليهم.
وسبب الخلاف: في جميع ما قدَّمناهُ اختلافهم في الكتابة هل طريقها طريق العتق أو البيع؟
فمن رأى أنَّ طريقها طريق البيع قال: تُعتبر قيمتهم يوم الكتابة.
ومن رأى أنَّ طريقها طريق العتق قال: تُعتبر قوتهم على الأداء وما عدا ذلك استحباب.
فإن كان فيهم صغارٌ وكبار فلا يخلو حالة مَن فيهم مِن الصغار مِن ثلاثة أوجه:
стр. 2143
إمَّا أن يكون عاجزًا عن السعى غيرُ قادرٍ على الأداء حتى انقضت الكتابة.
أو كان قادرًا عليهِ يوم الكتابة وقوى على السعى بعد مضى بعضها.
فإن كان لا يقوى على السعى حتى مضت الكتابة لم يُتبع بشىءٍ.
وإن كان يقوى على السعى يوم الكتابة فض عليهِ كما يفض على الكبير ويجتهد عليه على قدر ما يرى أنه يقوى عليهِ في كُلِّ سنة [لأنَّ قوتهُ] (١) تتزايد بمرور السنين.
فإن قوى على السعى بعد مضى النجوم فقد اختلف في كيفية الكتابة عليهم علي قولين:
أحدهما: أنَّهُ ينظر إلى حاله يوم عُقدت لهُ الكتابة، يُريد أشهب على ما يُرجى [من أنه يبلغ السعاية إلى الوقت الفلانى فيكون عليه من ذلك الوقت على التقدير يوم عقدت الكتابة كما يقوم الزرع] (٢) إذا فسد [على ما يرجى منه] (٣)، وهذا تأويل الشيخ أبى إسحاق التونسى [﵀] (٤).
والثانى: أنَّهُ ينظر إلى حالهِ يوم بلغ السعى أنْ لو كان على هذه الحالة يوم الكتابة وقال الشيخ أيضًا: وينبغى أن يحط عنهُ هذا القدر الذي كان فيه لا قُدرة لهَ على السعاية إذ لو انقضت الكتابة قبل بلوغه السعاية ما كان عليه شىء. والذي قاله أبو إسحاق صحيح ولا يكون الحُكم إلا كذلك وألا يؤدى ذلك إلى من تَوظف عليهِ الكتابة بنفس العقد وهو عاجز عن السعى
стр. 2144
وذلك لا سبيل إليهِ.
وأمَّا الوجه الثاني: إذا كان المُلاك متعدِّدة فجمعوهم في كتابة واحدة فلا إشكال أنَّ ذلك ممنوع ابتداءً.
فإن نزل [ذلك] (١) فلا يخلو مِن أن يعثر على ذلك قبل الأداء أو بعده:
فإن عثر على ذلك قبل الأداء فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّ الكتابة باطلة لأنَّ كُلَّ واحدٍ منهم حميل بما على صاحبهِ إذ لو هلك أحدهما أخذ سيِّد الهالك مال الآخر باطلا وهذا يُشبه الرقباء وهو قول مالك في "المُدوَّنة".
والثانى: أن الكتابة تمضى ويبطل الشرط وتفض عليهم وتسقط حمالة بعضهم عن بعض وهو ظاهر قول ابن القاسم في الأمة التي يُكاتبها ويستثنى ما في بطنها وهو قولهُ في "الموَّازية".
والثالث: أنَّهُ يُفسخ ما لم يُؤد نجمًا أو قدرًا منها كما قال محمد في تلك المسألة.
فإن عثر على ذلك بعد الأداء فإنَّ الكتابة تمضى وعتقهم نافذ.
ومَن أدى منهم شيئًا عن أصحابه [رجع] (٢) عليهم بهِ كالحمالة بالكتابة إذا فاتت بالأداء، فإنَّ الكفيل يرجع على المكاتب بما أدى.
وأمَّا الوجه الثالث: في العبيد إذا كانوا بين أشراك فكاتبوهم جميعًا كتابةً واحدة. هل تجوز الكتابة أم لا؟
стр. 2145
فالمذهب على قولين؟
أحدهما: أنَّ الكتابة لا تجوز لأن كلَّ عبدٍ تحمل لغير سيَّده بحصتَّهِ في كل عبد، فهي كتابة منتقضة إلا أن تسقط حمالة بعضهم [عن بعض] (١) فتجوز [و] (٢) على كُلِّ واحد بقدر ما يلزمهُ مِن الكتابة يوم عقدت وهو قول أشهب في [الموَّازية].
والثانى: أنَّ الكتابة جائزة لأنَّ لكلِّ واحدٍ من الأشراك سهم معلوم فى كُلِّ عبد. وإنما يقبض كُلُّ واحدٍ [منهم] (٣) عن سهمهِ لا غير ولم يقبض أحدهم عن غير ملكه شيئًا وهو قول أحمد بن ميسر في "الموَّازية".
والحمد لله وحده.
стр. 2146
المسألة السادسة
في المُكاتب هل يجوز لهُ أن يعجز نفسهُ أم لا ؟
ولا يخلو تعجيز المكاتب مِن ثلاثة أوجه:
إمَّا أن يكون بتواطئهِ مع السيَّد.
أو بإرادة المكاتب منفردًا.
أو بإرادة السيد متحدًا.
فإن كان بتواطئهِ مع السيِّد فلا يخلو مِن أن يكون لهُ مالٌ ظاهر [أم لا؟ فإن كان له مال ظاهر] (١) أو قوة على السعى، فالمذهب على ثلاثة أقوال كُلها قائمة مِن "المُدوَّنة".
أحدها: أنَّ لهُ أن يعجز نفسهُ جُملةً.
والثانى: عكسهُ.
والقولان عن مالك فيما رواه ابن القاسم وابن نافع في "العُتبيَّة".
والثالث: بالتفصيل بين المال والقوة فيكون العجز مع القوة لا مع المال وهو قول ابن الموَّاز.
وسبب الخلاف: هل يغلب حقِّهما [في الكتابة] (٢) على حقِّ الله تعالى فيكون العجز لهما دون السُلطان أو يغلب حقِّ الله لما يُرجى لهُ مِن الحُرَّية ثُمَّ لا يجوز؟
فإن لم يكُن لهُ مال ظاهر فهل لهم العجز دون السُلطان أم لا؟
стр. 2147
قولان قائمان مِن "المُدوَّنة":
أحدهما: أنَّ [له] (١) العجز دون السُلطان وهو قول ابن القاسم.
والثانى: أنَّهُ لا يعجزهُ إلا السُّلطان وهو قول سحنون.
والقولان في "العُتبيَّة".
وسبب الخلاف: هل يُتهمان بالمواطأة على إبطال حقِّ الله تعالى في العتق؟
فمن اتَّهمها قال: لابُدَّ مِن السلطان فإنَّهُ مُتولى البحث والكشف عن مثلِ ذلك.
فإن انفرد السيِّد بإرادة العجز ونابا العبد أو انفرد بهِ العبد دون السيَّد قولان في كل فصل في "الكتاب".
وسبب الخلاف: هل المُغلب في الكتابة حق العبد أو حقِّ السيد؟
والحمدُ للهِ وحده.
стр. 2148
المسألة السابعة
إذا قاطعه سيده على مال ثُمَّ استحقَّ ذلك المال .
وقد اختلفت أجوبة الكتاب في ذلك على ما قال ابن القاسم وأشهب وابن نافع والرواة. ونصُّ " [ما في] (١) المُدوَّنة": وإذا أدى المُكاتب كتابتهُ إلى سيده وعليهِ ديْن فقام الغُرماء فأرادوا أن يأخذوا مِن السيِّد ما اقتضى.
فقال ابن القاسم: إن كان يعلم أنَّهُ مِن أموالهم [أخذوه وإن لم يعلم أنه من أموالهم] (٢) لم يرجعوا على السيِّد.
وقال ابن القاسم: فإن أخذوا ذلك منهُ ردَّ المكاتب إلى الرق.
وقال ابن نافع وأشهب: إذا قاطع السيد مما بقى مِن الكتابة فاعترف بسرقة فإنَّهُ يرجع على المكاتب بقيمة ما أخذ منهُ.
قال ابن نافع: "وهذا إذا كان لهُ مال فإن لم يكن له مال رد مكاتبًا.
وقال أشهب: لا يُرد ويتبع لأنَّهُ كان عتيقًا بالقطاعة وثبتت خدمته وجازت شهادتهُ.
ثُمَّ قال أشهب وابن نافع في المكاتب يُقاطه سيدهُ على شىءٍ استرفعهُ واستودعهُ فيُؤخذ بملك فلا يُؤخذ الحق بالباطل [أي لا يعتق] (٣).
وقال بعض الرواة: ما كان فيه شبهة ملك مضى عتقُهُ ويُتبع بقيمة ذلك، وما لم تكن فيه شبهة ملك ردَّ مكاتبًا.
وهذا ما قيل في "المُدوَّنة" بجُملتهِ وتحصيلهُ تفصيلًا أن تقول: لا
стр. 2149
يخلو المُكاتب مِن أن يكون مُوسرًا أو مُعسرًا:
فإن كان مُوسرًا غرم للسيَّد مثل ما أخذ منهُ أو قيمتهُ إن كان ممَّا يرجع إلى القيمة ومضى عتقهِ وسواء تقدمت فيه شبهة ملك أم لا, ولا خلاف في ذلك.
فإن كان مُعسرًا فالذي في الكتاب يتخرّج على أربعة أقوال:
أحدها: أنَّ عتقهُ مردود جُملةً وهو قول مالك في أول الباب إذا علم أن ذلك مِن أموالهم أو ما تولَّد من عين أموالهم على الخلاف في هذا الوجه.
والثانى: أن عتقهُ ماضٍ ولا يُرد ويتبع لأنَّهُ كان عتيقًا بالقطاعة وتمَّت حُرمتهُ وجازت شهادتهُ وهو قول أشهب في "الكتاب".
والثالث: التفصيل بين ما تقدمت فيه شُبهة مِلك فيمضى عتقهُ [فيه] (١) ويُتبع بقيمتهِ ذلك، وما لم يتقدَّم لهُ فيهِ شبهة مِلك فيردُّ السيَّد عتقهُ [فيه] (٢)، وهو قول الرواة في "المُدوَّنة" وهو ظاهر قول أشهب وابن نافع في المكاتب الذي يقاطع على وديعة حيثُ قال: لا يُؤخذُ الحقُّ بالباطل.
والقول الرابع: بالتفصيل بين أن يطُول الزمان أو يقصر:
فإن كان ذلك [بعد طول الزمان وجازت شهادته ووارث الأحرار فعتقه ماضٍ ولا يرد وإن كان ذلك] (٣) بالقُرب فإنَّ عتقهُ يرد وهو قول مالك فى الأب إذا أعتق عبد ابنهِ الصغير ولا مال للأب.
فإن عتقهُ يرد إلا أن يطول الزمان وجازت شهادتهُ ووارث الأحرار.
وعلى القول بأنَّ عتقهُ مردود هل يُرد إلى رق أو إلى حرية؟ فالمذهب
стр. 2150
على ثلاثة أقوال كُلّها مُستقرأة مِن "الكتاب":
أحدها: أنَّهُ يرد إلى الرق لا إلى الكتابة وهو ظاهر قول ابن القاسم في الكتابة.
والثانى: أنَّهُ يُرد إلى كتابة، وهو قول الرواة.
والثالث: التفصيل بين أن يرجى لهُ مال، فيُرد [إلى الكتابة] (١) أو لا يرجى لهُ مال فيُرد إلى الرق وهو اختيار أبى الحسن اللخمى.
وسبب الخلاف: هل العتق لأجل ما أداهُ المُكاتب أو يحمل على أنه مِن السيد؟
فمن رأى أنَّ أداء الكتابة يوجب العتق لأنَّ السيِّد هو المُعتق.
فإذا استحقَّ ما دفع [كشف] (٢) الغيبُ [أنه] (٣) لم يُعتق ويجب على هذا أن [يستبرئ] (٤) مالهُ فيه شبهة ملك وما سرقهُ.
وإن عد ذلك كالعتق مِن السيِّد كان ينبغى أن يمضي عتقهُ على كُلِّ حالٍ سواءٌ سرق ذلك أو كان له فيه شبهة مِلك لأنَّ العتق [فرط] (٥) مِن السيِّد فلا يقدر على ردِّهِ.
والتفريق بين مَن تعدَّى ومَنْ لهُ فيه شبهة مِلك ضربٌ مِن الاستحسان.
والله أعلم.
والحمد لله.
стр. 2151
المسألة الثامنة
إذا وطئ السيد مُكاتبتهُ .
[وفي هذه المسألة] (١) أربعة أسئلة:
الأول: إذا وطئ السيد مُكاتبتهُ.
الثاني: فيما إذا وطئ السيد مُكاتبة [مكاتبه] (٢)، [هل يدرأ عنه الحد؟] (٣).
الثالث: إذا وطئ السيِّد أمة مُكاتبه [فحملت] (٤).
والرابع: في المُكاتب إذا وطئ مكاتبتهُ.
فالجواب عن السؤال الأول: إذا وطئ السيد مكاتبتهُ. فلا يخلو من أن تكون حائلًا أو حاملًا:
فإن كانت حائلأ ولم تحمل مِن وطئه فإنَّها تستمر على كتابتها ثُمَّ لا تخلو مِن أن يكون السيد أكرهها على الوطئ أو طاوعتهُ:
فإن أكرهها على نفسها فلا تخلو مِن أن تكون بكرًا أو ثيِّبًا:
فإن كانت بكرًا فعليهِ ما نقصها.
وإن كانت ثيِّبًا فهل يغرم بالنقص شيئًا أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدوَّنة":
стр. 2152
أحدهما: أنَّهُ يغرم قيمة ما نقصها وهو قولهُ في كتاب الرهون.
والثانى: أنَّهُ لا شىء عليهِ.
وإن طاوعتهُ هل عليه [للنقص] (١) شىءٌ أم لا؟
وينبنى الخلاف على الخلاف في المُكاتب هل لهُ أن يُعجز نفسهُ أم لا؟
وإن كان لهُ مال ظاهر أم لا؟
فإن كانت حاملًا فهي مُخيَّرة بين أن تعجز نفسها وتكون على حُكم أم الولد، أو تستمر على كتابتها.
فإن أدَّت عُتقت.
وإن عجزت صارت أم ولد.
واختلف في نفقتها إذا اختارت المضى على كتابتها على قولين:
أحدهما: أنَّ نفقتها على السيِّد ما دامت حاملًا وهو قول مالك في "كتاب ابن سحنون".
والثانى: أنَّ نفقتها على نفسها ولا شىء لها على سيِّدها وهو قول أصبغ في "كتاب ابن حبيب".
وفي "المُدوَّنة" في هذه المسألة أقاويل خارجة [عن المذهب: أحدها: أنها إن حملت بطلت كتابتها وتكون أم ولد. وهو قول سعيد بن المسيب. وحجته أنها أم ولد] (٢).
لا خدمة [له] (٣) فيها ولا غلة [و] (٤) في استدامتها في الكتابة
стр. 2153
إخراج لأُمِّ الولد عن حكمها [فبطلت وبقيت أُم ولد.
والثانى: أنَّها تبقى مكاتبة فإن عجزت كانت أُم ولد.
وحجته: أنَّ أُم الولد] (١) لم يُتفق على منع خدمتها وإن لم يتقدَّم فيها كتابة [قط] (٢)، والمكاتبة متفق على منع وطئها.
وإذا لم يكن بُد مِن أحد الأمرين إمَّا بُطلان الكتابة أو بقاؤها عليها كان بقاؤها أفضل لأنَّ بطلانها يُؤدى إلى وطءٍ قد حُرِّم باتفاق.
وبقاؤها على الكتابة لا يُؤدى [إلى استباحة] (٣) ما اتفق على منعه فكان بالحكم أولى وهو قول النخعى.
والثالث: بالتفصيل بين أن يكون قد أكرهها أو قد طاوعتهُ:
فإن أكرهها، فهي حُرَّة، [وإن طاوعته فهي أمة لا كتابة فيها يريد أم ولد وهو قول ربيعة وهو أحسن ما قيل فيها] (٤) وذلك أنَّها إذا لم تُطاوعهُ فهي لم ترض بالعجز بعد. فلمَّا حملت لم يكن سبيل إلى استخدامها لأنَّ ذلك خلاف سُنَّة أم الولد ولا إلى وطئها للحظر المُتقدم ولم تعجز، فلم يبق إلا أنَّها أُم ولد حرم الاستمتاع بها فوجب عتقُها.
وإذا رضيت بالوطء كأنَّها رضيت بالعجز إذ الحمل غالبًا يأتى [عن] (٥) الوطء.
فالجواب عن السؤال الثاني: إذا وطئ مكاتبة مكاتبه، فإنَّهُ يُدرأ عنهُ الحد ويلحق بهِ الولد، وتُخيَّر الأمة بين أن تعجز نفسها وتكون أُم ولد
стр. 2154
للواطئ أو تبقى على كتابتها.
فإن أعجزت نفسها فإنَّها تكون أُم ولد للواطئ ويغرم قيمتها [للمكاتب] (١) يوم الوطء ولا شىء عليهِ في الولد وهذا قول ابن القاسم في "العُتبيَّة".
واختُلف هل [يقاصصه] (٢) السيد بتلك [القيمة] (٣) في الكتابة التي عليه؟
على قولين: [فإن اختارت البقاء على الكتابة هل تؤخذ القيمة من السيد الواطئ فتوقف أو لا تؤخذ منه على قولين] (٤):
أحدهما: أنَّ القيمة تُؤخذ منهُ فتوقف مخافة العجز فترجع تكون أُم ولد بلا قيمة. وهو قول ابن القاسم في "العُتبيَّة" و"الموَّازية".
والثانى: أنَّ القيمة لا تُؤخذ مِن الواطىء حتى تعجز، فإذا عجزت كُلِّف القيمة وهو قول ابن الموّاز.
واختلف على هذا القول متى تقوّم؟ على قولين:
أحدهما: أنَها تقوّم عليهِ بقيمتها يوم الوطء وهو قول ابن القاسم وبهِ قال ابن الموَّاز.
والثانى: أنها تقوم عليه بقيمتها يوم العجز وهو قول أصبغ.
وهل تقوم بولدها أم لا؟ قولان لأصبغ.
وعلى القول بأنَّها القيمة توقف فلا تخلو حالة المُكاتبة مِن ثلاثة
стр. 2155
[أوجه] (١):
إمَّا أن تعجز.
وإمَّا أن تُؤدى.
وإمَّا أن تموت قبل العجز وقبل الأداء.
فإن أدت عتقت وأخذ الواطئ القيمة التي وقفت.
وإن عجزت كانت القيمة لسيِّدها المكاتب و [تكون] (٢) هى أُم ولد للواطئ.
وقال في "العُتبيَّة": ولم يكن عليهِ في ولدها شىء.
فإن ماتت قبل الأداء لمن تكُون القيمة [الموقوفة] (٣)؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّها تكون لسيِّدها المُكاتب إذ لا ضرر عليهِ في هذا (٤) [وهو قول ابن القاسم في "الموَّازية".
والثانى: أنَّها تُرد إلى السيَّد الواطئ ولا شىء فيها لسيِّدها المُكاتب لأنَّ الحمل لم يضرُّهُ وقد ماتت في كتابتها مِن غير حمل وهو قول أصبغ في "كتاب محمد".
والثالث: أنَّهُ يُؤخذ مِن القيمة الموقوفة قيمة الولد ويدفع إلى المُكاتب ويؤدى باقى القيمة إلى الواطئ وهو قول ابن القاسم في "العُتبيَّة".
والجواب عن السؤال الثالث: إذا وطئ السيِّد أمة مكاتبه فحملت.
стр. 2156
فلا يخلو مِن أن يكون مُوسرًا بقيمتها أو مُعسرًا:
فإن كان مُوسرًا فالقيمة تلزم السيِّد. وهل يقابض بهِ المُكاتب ويتعجَّل عتقهُ أو يأخذها ويُؤديها على النجوم؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يقابضه بها ويخرج المكاتب حُرًا إن كانت القيمة مِثل الكتابة ويُتبع السيد بالفضل إن كانت أكثر وهو قول ابن القاسم في كتاب "ابن المواز".
والثانى: أنَّ المكاتب يقبض القيمة ويُؤديها على النجوم وهو قول ابن الموَّاز وسحنون في "كتاب ابنه".
فإن لم يكن للسيِّد مال يبعث عليهِ كتابة مكاتبهِ ويكون المكاتب أولى بما يُمنع مِن ذلك وهو قول أحمد بن ميسر.
فإن ساوت قيمة الكتابة قيمة الأمة خرج حرًا إن كان هو المشترى لها.
فإن ساوى مِثل نصف قيمة الأمة فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّ المكاتب يأخذ ذلك القدر ويُبقى نصف الأمة للمكاتب رقيقًا ونصفها للسيِّد على حساب أم الولد ويتبع المكاتب السيِّد بنصف قيمة الولد، وهو قول ابن الموَّاز.
والثانى: أنَّهُ إن كان في قيمة الكتابة وفَّى بقيمتها عتق المُكاتب وإن لم يف بقيمتها بقيت أمة للمكاتب ويتبع سيدهُ بقيمة ولدهِ وهو قول أشهب فى "الموَّازية".
والجواب عن الوجه الرابع: في المكاتب إذا وطئ مُكاتبتهُ فحملت منهُ. فلا خيار لها في تعجيز نفسها.
فإن أدت خرجت مع ولدها أحرارًا.
стр. 2157
وإن أدى هو قبلها فولدهُ يخرج معهُ ولها أن تُعجز نفسها.
فإن مات في كتابته قبل خروجها وترك مالًا فيه وفاء بكتابتهِ خرجت هى حُرَّة وولدها.
ولو قوى الولد فعل عتقها سعى مع أقربهما عتقًا فيُعتق بقيتهُ.
ولو كان معهُ ما يُؤدى عن أبويهِ أخذ مِن مالهِ ما يُؤدى عنهما وعتق.
وإن ماتت أولًا وتركت مالًا أخذ من مالها بقية الكتابة وعتق ولدها وورث ما بقى.
وإن لم يكن فيه وفاء فللولد أخذه والسعاية فيهِ وكذلك لو لم يدع شيئًا.
فإن أدوا عنه عُتقوا.
وإن عجزوا كانوا في كتابة أبيهم. [والحمد لله وحده] (١).
стр. 2158
المسألة التاسعة
في كتابة بعض العبد .
ولا يخلو مِن وجهين:
أحدهما: أن يكاتب بعض عبدٍ ملك جميعهُ فلا خلاف في المذهب أنَّ ذلك لا يجوز، وتُردُّ فيه الكتابة.
واختلف إذا فات الأداء على قولين:
أحدهما: أنَهُ يكون رقيقًا لسيِّده ولا يُعتق منهُ شىء وهو قولهُ في "المُدوَّنة".
والثانى: أن السيِّد يحلف ما كان يعلم أنَهُ يُعتق عليه إذا أدى فإن حلف لم يستتم عليهِ.
فإن نَكَلَ يستتم عليه، وهو قولهُ في "المبسوط" في العبد بين الشريكين إذا كاتبه أحدهما نصيبه.
فإن كان عبدًا بينهُ وبين غيره، فلا يخلو من أن يُكاتب شريكه حصَّتهُ أو يتماسك بها.
فإن تماسك بها فإنَّ ذلك لا يجوز اتفاقًا لأنَّ ذلك يصير إلى عتق النصيب بغير تقويم مع ما في ذلك [من] (١) المخاطرة.
لأنَّ أحدهما يأخذ بخراج والآخر يأخذ بنجوم.
واختلف فيه إذا نزل هل تُفسخ الكتابة أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنَّ الكتابة تسقط ويُؤدى عليهِ جميع ما أخذا منهُ ويكون جميعهُ رقيقًا وهو قول ابن القاسم في "المُدوَّنة".
стр. 2159
والثانى: أنَّ السيِّد يحلف أنَّهُ كان يعلم أنَّهُ يُعتق عليه إذا أدى، فإن حلف لم يقوم عليهِ بقيتهُ وهو قولهُ في "المبسوط". وظَاهر قوله أنَّهُ لا يرد عتق ذلك النصيب لأنَّهُ لم يقُل: إذا حلف رقّ الذي أدَّى، وإنما قال: "لم يقوم".
وعلى القول بأنَّ الكتابة تسقط ويكون جميعهُ رقيقًا، فإنَّهُ يرد ما أخذ فيكون بينهُ وبين شريكه مع رقبةِ العبد، وسواءٌ قبض الكتابة أو بعضها، وقال غيره في "المُدوَّنة": إنَّما يكون ذلك بينهما إذا اجتمعا على قيمتهِ.
ومَن دعى إلى رده إلى العبد. فذلك لهُ إذ لا يُنتزع مالهُ حتى يجتمعا عليهِ.
فإن كاتب الشريك حصَّتهُ فلا يخلو مِن خمسة أوجه:
أحدها: أن يتفقا في العقد والنجوم والعدد.
والثانى: أن يختلفا في العقد والنجوم والعدد.
والثالث: أن يتحد العقد ويشترط أن يختلف العدد أو النجوم.
والرابع: أن يختلف العقد ويتَّفقا في العدد والنجوم.
والخامس: أن يختلفا ويختلف نوع المال الذي كاتباهُ عليهِ.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا اتفقا في العقد والنجوم والعدد فلا خلاف في الجواز ويكون اقتضاؤهما واحدًا على الشركة ولا إشكال في ذلك.
والجواب عن الوجه الثانى: إذا اختلف العقد واختلف العدد والنجوم مثل أن يُكاتبهُ أحدهما على مائة والآخر على مائتين وكلاهما إلى سنة، أو كَاتباهُ على مائة أو أحدهما إلى سنة والآخر إلى سنتين فلا خلاف أنَّ ذلك لا يجوز ابتداءً.
стр. 2160
فإن نزل فإنَّهُ يرد النظر إلى العبد أو إلى أحد السيدين.
فإن رضي العبد أن يُلحق الأدنى بالأعلى أو يرضى صاحب الأكثر أن يحط عن العبدى ذلك الفضل حتى يتساوى مع صاحب القليل أو يرضى صاحب المدة القريبة أن يتساوى مع صاحب المدة البعيدة في الاقتضاء أو برضا العبد أن يجعل نجومهُ لصاحب المُدَّة البعيدة في الاقتضاء حتى يساويهِ مع صاحب المدة القريبة في الأقصى فإنَّ الكتابة ثابتة جائزة.
فإن أنهى ذلك فمشهور المذهب أنَّ الكتابة باطلة ما لم يفت بالأداء. [والجواب عن الوجه الثالث: إذا اتحد العقد واشترط أن يختلفا العدد. فالكتابة جائزة والشرط باطل] (١).
والجواب عن الوجه الرابع: إذا اختلف العقد، ويتقفان في العدد والنجوم فهل تُفسخ الكتابة أم لا؟ فالمذهب على قولين منصوصين فى "المُدوَّنة":
أحدهما: أنَّ الكتابة تفسخ إلا أن يتراضيا [بالتساوى] (٢) وهو قول ابن القاسم.
والثانى: أنَّ الكتابة جائزة يريد ويسقط الشرط. وهو قول الغير. ويكون القضاء بينهما واحدًا.
والجواب عن الوجه الخامس: إذا اختلف العقد ويختلف نوع المال الذى كاتباه مثل: أن يُكاتبهُ أحدهما على دنانير ويُكاتبه الآخر على عروض فالكتابَة بينهما مفسوخة قبل الأداء وبعده إلا أن يرضى السيَّد أن تكون الدنانير والعروض شركة بينهما وتصحُّ الكتابة.
والحمد لله وحده.
стр. 2161
المسألة العاشرة
في الذي يُكاتب عبده وعلى السيِّد ديْن، وقد جنى العبد جناية .
فلا يخلو المكاتب مِن أن يكون قادرًا على أداء جميع ذلك أو يعجز عن بعضه:
فإن كان قادرًا على أداء جميع الدَّين والجناية والكتابة فإنَّهُ يمضي على كتابتهِ.
فإن أدَّى الدَّين الذي على السيِّد فهل له أن يحاسبه به مِن نجومهِ أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يُحاسبه بهِ إذ لا ضرر في ذلك على سيِّدهِ، إذ لو عجَّل لهُ الكتابة لأدى. إذ قال: لَم يكُن لهُ الكتاب. وإلى هذا ذهب الشيخ أبو إسحاق التونسى.
والثانى: أنَّهُ لا يُحاسبه بهِ وهو ظاهر قول مالك في "المُدوَّنة" لأنَّهُ قال: إذا قال العبد: أنا أؤدى الذي مِن أجله تردنى والحماسة. وأبقى على كتابتى. كان ذلك له. وظاهر هذا الكلام أنَّهُ لا يُحاسب السيِّد بذلك. ومفهوم مِن فحوى الكلام أنَّ الدين التزم أداءه كالتزامهِ للكتابة فكأنَّهُ مِن جملتها.
وأمَّا الجناية التي جناها العبد فهل يحاسب بها السيد إذا أداها أم لا؟ فالمذهب يتخرج على قولين:
أحدهما: أنَّهُ لا يُحاسبه بها، وهو ظاهر "المُدوَّنة"، وهو مشهور المذهب.
стр. 2162
والثانى: أنَّهُ لا يُحاسبه بها. قال بعض المتأخرين وهو أشبه في النظر. قال: وبيان ذلك أنَهُ إذا جنى جناية تُساوى عشرة وقيمتهُ عشرون وكُوتب بثلاثين"، فقال للسيد: أنا أؤدى عشرة الجناية وتبقى علىَّ مِن كتابتى عشرون، لأنِّى لو لم أؤد الجناية جبرت على دفعى في الجناية إذا افتدى بعشرة، فلا حُجَّة لك في الامتناع مِن أن يُحاسب بعشرة مِن الكتابة في الجناية، إذ لا ضرر عليهِ في هذا] (١).
ويُعارضه على هذا التقدي أن يُقال: إن الجناية كان أصلها مِن العبد لم يجب على السيِّد أن يقاص من الكتابة منها، ومِن حجَّتهُ أن يقول: إنَّما كاتبتُهُ على أن تحملها. أو يقول: ظننت أن المجنى عليه يتبعهُ بذلك دينًا كالمعتق، ويُقبل قولهُ في ذلك إذا ادّعاهُ.
والحمد لله وحده.
стр. 2163
المسألة الحادية عشرة
في الرهن في الكتابة .
ولا يخلو الرهن في الكتابة مِن وجهين:
أحدهما: أن يكون في عقد الكتابة.
والثانى: أن يكون بعد العقد.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كان الرهنُ في عقد الكتابة والسيِّد حى لم يمُت ولم يُفلس فلهُ حَكم الرهن اتفاقًا في القيام والفوات.
وإن مات السيِّد أو فلس فهل يخرج عن حكم الرهن ويعدُّ ذلك [منه] (١) انتزاعًا؟ فالمذهب على قولين منصوصين في "المُدوَّنة":
أحدهما: أنَّ ذلك انتزاع وليس لهُ حُكم الرهن، وهو قول ابن القاسم.
والثانى: أنَّ لهُ حكم الرهن، وهو قول غيره.
وسبب الخلاف: مُعاملة السيد عبدهُ في المعاوضات هل هى مُعاملة صحيحة أم لا؟
فعلى قوله في هذه المسألة أنَّ الربا جائز بين العبد وسيِّدهِ، وإن سمَّى ذلك سلفًا أو بيعًا وهو انتزاع معنوى على ما يقول ابن القاسم.
لأنَّ السيد إن ردَّ على العبد أكثر ممَّا أخذ منهُ فالزيادة منهُ هبة للعبد وليس بزيادة في السلف.
وعلى ما قال في "كتاب الصرف" أنَّ الربا يجرى بين العبد وسيدهِ
стр. 2164
كالأجنبى.
ومن حكم فيهِ بأنَّهُ انتزاع فلا يرى فيهِ حقًا للمكاتب لا مع القيام ولا مع الفوات.
ومَن حكم فيه بحكم الرهن قال: فإن المكاتب يكون أحق بعينه فى القيام وهو في الفوات أسوة الغرماء.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا كان الرهن بعد العقد مثل أن يحل عليه نجم فطلب التأخير على رهن يضعهُ. فالاتفاق في هذا الوجه أنَّ ذلك ليس بانتزاع وأن [له حكم] (١) الرهن مع القيام عاش العبدُ أو مات.
فإن ضاع الرهن عند السيِّد ولم يعلم إلا بدعواه فلا يخلو السيد [من] (٢) أن يكون مديانًا أو غير مديان:
فإن كان مديانًا، فللمكاتب محاصة الغرماء بقيمة الرهن في مال السيَّد. ثُمَّ ينظر إلى ما نابه في المحاصة.
فإن كان مقدار ما بقى عليه مِن الكتابة عتق واتبع ذمة السيد بما بقى مِن قيمةِ رهنه.
فإن كان الذي نابه في [الحصاص] (٣) أقل مما عليه في الكتابة وأكثر ممَّا عليهِ مِن النجوم فليحسب ذلك بما حل ثُمَّ مِن النجوم التي تليهِ فيأخذهُ الغرماء ثُمَّ تُباع لهم بقية الكتابة في بقية دينهم.
فإن أدَّى المكاتب لمشترى الكتابة عُتق ويكون ولاؤه لعاقدها.
وإن عجز رق لمشترى الكتابة ويُتبع السيد بما بقى لهُ مِن قيمةِ رهنه فى
стр. 2165
الوجهين جميعًا.
وأمَّا إن كان السيِّد ليس بمديان فهل يُقاصصهُ المكاتب في الكتابة بقيمته أو تُؤخذ القيمة مِن السيد، فتوقف؟ قولان منصوصان في "المُدوّنة":
أحدهما: أنَّهما يتقاصان بهما جُملةً [بلا] (١) تفصيل.
فإن تساوت القيمة والكتابة عتق.
وإن نافت [قيمتهُ] (٢) على الكتابة اتبع السيد.
وإن قصرت عن الكتابة قوصص بها على النجوم ويسعى المُكاتب فيما بقى وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
ووجهُهُ: [أن] (٣) الرهن لما جُهل أمره ولا يدرى هل [تلفه] (٤) بتعد مِن السيد فيكون الحكم أن تُؤخذ القيمة منهُ وتُوقف.
فإن أتى المُكاتب برهن ثقة أخذها كما قال في "كتاب الرهون" أو كان هلاكُه بغير سببهِ ولا بتعد منه فيسقط الضمان عن السيد ويكون التلف من الراهن فلمَّا كان الأمر هكذا توسط فيهِ بالضمان ويُحكم [له] (٥) فيهِ بالقصاص في الحال، والتوسط سوق الاعتدال.
والقول الثاني: بالتفصيل بين أن يتهم السيِّد بالعداء على الرهن أو لا يتهم.
فإن اتُّهم بالعداء أُخذت منهُ القيمة ووقِّفت وتُؤدى على النجوم.
стр. 2166
فإن أتى المُكاتب برهن ثقة أخذ القيمة لنفسهِ ويُؤدى المُكاتب على نجومها.
فإن لم يتهم بالعداء عليه فلا تخلو الكتابة مِن أن تكون عينًا أو عرضًا:
فإن كانت الكتابة دنانير والقيمة دنانير كانت قصاصًا [بما] (١) على المكاتب، لأن وقفُها يؤول إلى ضرر وخطر وغرر.
فإن كانت الكتابة عروضًا وطعامًا والقيمة عينًا، فإن رجى رخص ما عليه حتى يشتريه باليسير مِن الثمن [أوقفت القيمة] (٢).
فإن لم يُرج ذلك قوصص بها في قيمة ما عليهِ مِن العروض في الحال، وهو قول أشهب في "المُدوّنة".
ووجههُ: أنَّ القيمة [قد وجبت] (٣) على السيِّد بهلاك الرهن فكان القصاص بها أولى مِن الإيقاف [المعرض] (٤) للإتلاف إذ بها يحصُل للعبد العتق المُتبغى وينالُ بها السيِّد الثواب المُرتجى.
حتى إذا ظهرت دلائل التهمة، ولاحت أمارة الظنَّة بالعداء مِن السيد كان إيقافُ القيمة أوْلى لئلا يصل السيد بتعديه إلى ما لا يُريد، لاحتمال أن يقصد بذلك استعجال الكتابة قبل محلها فيُعاقب بنقيض مقصودهِ.
والحمد لله وحده.
стр. 2167
المسألة الثانية عشرة
شراء المُكاتب مَن يعتق على الحر بالمِلك إذا ملكه .
ولا يخلو شراؤهُ مِن وجهين:
إمَّا أن يشتريه بغير إذن سيَّدهِ.
[والثانى: أن] (١) يشتريهِ بإذنهِ.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا اشتراهُ بغير إذنهِ هل يدخل في الكتابة أم لا؟ قولان قائمان مِن "المُدوّنة":
أحدهما: أنَّهُ لا يدخل معهُ في الكتابة ولهُ أن يتبعهُ إذا خشى العجز وهو قولُ مالك في "المُدوَّنة".
والثانى: أنَهُ يدخُل معهُ ويكون لهُ حُكم مَنْ انعقدت عليهِ الكتابة وهذا القول يُستقرأ مِن "المُدوَّنة".
وينبنى الخلاف على الخلاف: في المكاتب هل لهُ أن يُعجز نفسهُ مع القُدرة على الأداء أو لا يجوز لهُ؟
فمن رأى أنَّ لهُ أن يُعجز نفسهُ قال: يدخُل معهُ.
ومن رأى أنَّهُ ليس لهُ أن يُعجز نفسهُ قال: لا يدخُل معهُ لأنَّ شراءهُ تعطيل لماله عن التَّنمية التي يحصل بها الأداء والعتق.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا اشتراهُ بإذن سيدهِ هل يدخُل معهُ في الكتابة أو لا؟ قولان قائمان مِن "المُدونة":
أحدهما: أنَّهُ يدخُل معهُ وهو نصُّ "المُدوَّنة".
стр. 2168
والثانى: أنَّهُ لا يدخُل معهُ، وهو مُستقرأ مِن "المُدونة".
وسبب الخلاف: هل يجوز اتفاق السيد والمُكاتب على عجزهِ مع القُدرة على الأداء أم لا؟
فمن رأى أنَهُ يجوز لهُ عجزهُ مع اتفاقهما قال: يدخُل معهُ.
ومن رأى أنَّهُ لا يجوز أن يتَّفقا على ذلك قال: لا يدخل معهُ لأنَّ ذلك [داعٍ] (١) إلى عجزهِ.
وعلى القول بأنَّهُ يدخل معه مِن [الذي يدخل معه من] (٢) قرابتهِ؟ فالمذهب على أربعة أقوال كلها قائمة مِن "المُدوَّنة":
أحدها: أنَّهُ يدخل معهُ كُل مَنْ كان يعتق على الحر بالملك إذا ملكهُ، ويدخُل في ذلك الأخوة، وهو قول مالك في "المُدوَّنة".
والثانى: أنَّهُ لا يدخل معهُ إلا الأبوة والبنوَّة خاصة، وهو قول أشهب في "المُدوَّنة" ومثلهُ لابن القاسم في "الموَّازية".
والثالث: أنَّه لا يدخل إلا الولد خاصة بإذن سيِّده إذ لهُ أن [يستلحقه] (٣)، وهو قول ابن نافع في "المُدوَّنة".
والرابع: أنَّهُ يدخل معهُ الولد وان اشتراهُ بغير إذن سيَّدهِ وهو قول ابن نافع في غير "كتاب محمد"، على قول أبى محمد في "النوادر"، وهو ظاهر تعليل ابن نافع في "الكتاب" حيث قال: إن له أن يستحدثهُ واستحداثهُ لا اختيار فيهِ للسيد فينبغى أن يكون الشراء كذلك.
стр. 2169
وسبب الخلاف: بين القولين الأولين اختلاف العلماء فيمن يعتق على الحر بالملك.
فأشهب راعى ما وقع عليهِ الإجماع في الحر.
ومالك راعى مشهور مذهبهِ في عتق الأخوة، فاطَّرد ذلك في المكاتب.
وأمَّا الابن فسببُ الخلاف فيه ما قدَّمناهُ في المكاتب هل يجوز لهُ أن يعجز نفسهُ وإن كان لهُ مال ظاهر؟
فمن رأى ذلك لم يُفرق بين الولد وغيرهِ.
ومَنْ منع فقد فرق بين الولد وغيره للعلة التي ذكرها ابن نافع.
وهذا كُلَّهُ إذا لم يكن على المكاتب ديْن.
وأمَّا إن كان عليهِ ديْن فلا [يجوز] (١) شراؤهُ مِن أن يعتق عليهِ إلا بإذن الغرماء.
والحمد لله وحده.
стр. 2170
المسألة الثالثة عشرة
في عتق السيِّد أحد المكاتبين .
ولا يخلو المعتق مِن [أحد] (١) وجهين:
أحدهما: أن يكون لهُ قوة.
والثانى: أن يكون ممن لا قُوَّة لهُ إمَّا لزمانة طرأت عليه بعد الكتابة، أو لكونه صغيرًا لا حرفة لهُ ولا قوة [فإن كان لا قوة] (٢) لهُ في الحال ويقوى في أثناء الكتابة فهو كالصحيح المستوى.
فإن كان أمرَ الكتابة ينقضى قبل أن يبلغ السعى، فهو كالزمن، وقد تقدَّم الكلام عليهِ في باب "توظيف الكتابة".
فإن كان مِمن لا قوة لهُ على السعى، لا في الحال ولا في المآل فلا يخلو ذلك مِن أن يكون ذلك بإذنهم أو بغير إذنهم.
فإن كان ذلك بإذنهم فلا خلاف في جواز عتقهِ لدفعهم عن أنفسهم ضررًا ناجزًا وهو نفقتهُ وكسوتهُ.
والكتابة عليهم كما كانت.
فإن أعتقه بغير إذنهم هل يُنفذ العتق أو يُوقف؟ قولان قائمان مِن "المُدوَّنة":
أحدهما: أنَّ العتق نافذ لا يُوضع عنهم مِن الكتابة [سهم] (٣) العتيق وهو نصُّ "المُدوَّنة".
стр. 2171
والثانى: أنَّ عتقهُ موقوف إلى العجز أو الأداء، وهو ظاهر "المُدونة" مِن قولهِ: إن لهم الرجوع عليهِ إذا أدوا عنهُ. وهو نصُّ "المُدوَّنة": أنَّ لهم الرجوع على الزمن.
وسبب الخلاف: هل النظر إلى الضرر الذي درأ عنهم فى الحال مِن مؤنتهِ ونقله أو النظر إلى ما فوت لهم فى المال مِن الرُجوع عليهِ إذا أدوا؟
فإن كان العتيق لهُ قوة وسعاية إمَّا بيدهِ وحرفتهِ أو بمالهِ الحاصل عندهُ فلا يخلو مِن أن يكون ذلك بإذن أصحابهِ أو بغير إذنهم.
فإن كان ذلك بغير إذنهم فقولان قائمان مِن "المُدونة":
أحدهما: أنَّ العتق موقوف وهو قولهُ فى المُدوَّنة.
والثانى: أنَّ العتق نافذ وهو قولهُ فى آخر الكتاب فى الزمن الذي لهُ مال.
وسبب الخلاف: هل للسيَّد أن يعجز مكاتبه وإن أراد البقاء على الكتابة أو ليس لهُ ذلك؟
فعلى القول بنفوذ العتق فى الحال فلهُ أن يعجزه إذ فعلهُ يُؤدى إلى [عجز] (١) الباقين.
فإذا قُلنا بنفوذ العتق فى الحال هل يوضع الباقين منابة العتيق مِن الكتابة أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يُوضع عنهم شىء، وهو قولُ مالك فى "المُدوَّنة".
والثانى: أنَّهم توضع عنهم حصتهُ، وهو ظاهر قوله فى "الكتاب" فى الأمة التي أحبلها السيَّد فى الكتابة فرضيت هى ومَن معها فى الكتابة
стр. 2172
بتسليمها إلى السيد حيث قال: يوضع عنهم جميع حقها مِن الكتابة، فإذا قال: يوضع عنهم جميع حقها من الكتابة، فإذا قال: يوضع عنهم مع رضاهم بالتسليم، وإخراجها مِن الكتابة بفعل السيِّد فبأن توضع عنهم جميعهم مع الإكراه أولى وأحق.
وسبب الخلاف: هل للسيِّد أن يُجبر عبده على الكتابة أم لا؟
فعلى القول بأنَّ لهُ الجبر فلهُ أن يعتق وتبقى جميع الكتابة على مَن بقى كماله أن يوصف ذلك القدر عليهم [ابتداءً] (١).
وعلى القول بنفى الجبر فتسقط عنهم.
وعلى القول بأن العتق موقوف على الأداء أو العجز فإذا أعتق بالأداء فهل يرجع على سيِّده بما أدى إن أدى عن نفسه، وهل يرجع عليهِ أصحابه إن هم أدوا عنهُ؟ قولان منصوصان فى المذهب قائمان مِن "المُدوَّنة":
أحدهما: أنَهُ لا يرجع على السيد بشىء ولا يرجع عليهِ أصحابه وهو نص "المُدوّنة".
والثانى: أنَّهُ يرجع [هو] (٢) على سيده ويرجع عليه أصحابهُ إن أدوا عنه، وهذا القول قائم مِن "المُدوَّنة " مِنَ "كتاب العتق الثاني" مِن مسألة العبد المستأجر إذا أعتقه سيدهُ قبل تمام الإجارة ولم يشترط أن يكون لهُ جميع الإجارة، وأن المُستأجر لهُ مِن إسقاط حقِّه مِن بقية الإجارة. فقد تأوَّل بعض الشيوخ على "المُدوَّنة" أنَّ بقية الإجارة للعبد ويرجع بها على السيِّد إنْ كان قد قبض جميعها عند العقد إذ لا سبيل له إن مد الإجارة عن الحر، وهي مسألتنا بعينها.
стр. 2173
وسبب الخلاف: هل تغلب فيه شائبة الرق مِن حيثُ أنَّ العتق مُيسر ثُمَّ مِن جهة السيد حتى لا يلحقه ديْن حدث. أو تغلب فيه شائبة الرق مِن حيثُ أنَّهُ يستسعى بالرق على وجهٍ شرعى.
فإن أعتقهُ بإذنهم ورضاهم هل ينفذ فيه العتق أو يتوقف؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال كُلها قائمة مِن "المُدوَّنة":
أحدها: أنَّ العتق نافذ جُملةً وهو قول ابن القاسم.
والثانى: أن العتق موقوف وهو قول الغير فى المُدونة ولابن القاسم مثله من مسألة النصراني إذا أسلم حيثُ قال: يُباع عليهِ مكاتبتهما جميعًا لحقِّ الحمالة رضي أم كره.
والقول الثالث: التفصيل بين أن يتساويا فى القوة فيجوز أو يكون العتيق أفضلهم وفيه ترجى علتهم ثم لا تجوز ويوقف.
وسبب الخلاف: هل له أن يعجز نفسهُ أم لا؟ [والحمد لله وحده] (١).
стр. 2174
المسألة الرابعة عشرة
فى المكاتب إذا مات ومعه أولاد وأمهات أولاد فى كتابته .
ولا يخلو ذلك من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يترك مالًا فيه وفاء بالكتابة.
والثانى: أن يترك مالًا لا وفاء فيه بالكتابة (١).
والثالث: أن يموت ولم يترك مالًا.
فإن ترك مالًا فيه وفاء بالكتابة فلا خلاف أن من معه فى الكتابة يعتقون فيه عاجلًا.
فإن ترك مالًا لا وفاء فيه بالكتابة فلا يخلو الأولاد مِن أن يكونوا صغارًا أو كبارًا:
فإن كانوا صغارًا عاجزين عن السعى فلا يخلو ذلك المال من وجهين:
إمَّا: أن يكون [فيه] (٢) ما يبلغهم السعى.
والثانى: أن يكون ذلك مما لا يبلغهم السعى (٣).
فإن كان فيه ما يبلغهم السعى، فإنه يُؤدى عنهم [على] (٤) النجوم حتى يبلغهم السعى.
فإن كانوا كبارًا، فهل يُدفع لهم المال ويسعون فيه؟ فلا يخلو الولد من
стр. 2175
أن يكون مأمونًا أم لا:
فإن كان الولد مأمونا قائما بالمال مشتغلًا بالاشتغال به فلا خلاف فى المذهب أنه يدفع له خلافًا لقول ربيعة فى "الكتاب" حيث قال: [لا يدفع إلا للسيد] (١).
فإن كان الولد غير مأمون فالمذهب على ثلاثة أقوال كُلَّها قائمة منِ "المدوَّنة":
أحدها: أنَّه لا يدفع إلا للولد إن كان مأمونًا ولا يُدفع لأُم الولد وإن كانت معهُ، وهو قول مالك فى كتاب المكاتب من "المُدوَّنة".
والثانى: أنَّهُ يدفع لأُم الولد خاصة إذا لم يستقل بهِ الولد إمَّا لكونهِ صغيرًا وإمَّا لكونهِ غير مأمون ولا يدفع لغيرها وهو ظاهر قوله فى "كتاب الجنايات".
والقول الثالث: أنَّهُ يدفع لكل مَن كان معه فى الكتابة ويسعى فيه، وإن كان أخًا أو أجنبيًا، وهو قول أشهب فى "الموَّازية".
وعلى القول بأنَّهُ لا يدفع لأحد إلا للولد.
فإن كان الولد غير مأمون أو لم يترك ولدًا معهُ فى الكتابة أصلًا كان للسيَّد أن يأخذ ذلك المال.
واختلف هل يُؤديه على النجوم أو يحسب ذلك [لهم] (٢) من أول الكتابة أو مِن آخرها؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّهُ يحسب ذلك لهم مِن آخر كتابتهم، وهو قول ابن القاسم