← Фикх малики

Фикх малики · id 123685

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

الرجراجي، علي بن سعيد

Полный текст (4 240 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وقد أنكر ذلك مالك عن عمر بن الخطاب [وعلى] (١) رضي الله [عنهما] (٢) فقال: أنكر أن يكون فعله، وإنما هو حديث سمعناه، وما أدري حقيقته (٣). وقد روى أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ دخل عليه فقال: يا أمير المؤمنين: صليت بنا، ولم تقرأ، فقال: [أجل] (٤) إني جهزت [قافلة] (٥) إلى الشام فأنزلتها منازلها، فخرج عمر إلى الناس، فأعاد بهم الصلاة. وهذا الذي رواه وكيع في "المدونة" (٦) [عن عمر] (٧) أنه أعاد بهم. وسبب الخلاف: [فعل] (٨) الصحابي هل تقوم به حجة أم لا؟ فمن رأى أن الحجة تقوم به (٩) ولاسيما في ترك القراءة [في الصلاة] (١٠) مع مشاهدته لرسول الله ﷺ وملازمته إياه، وحضوره الصلاة [معه] (١١) في كل يوم وليلة خمس مرات، ومثل [هذا] (١٢) لا يكون

стр. 247

إلا توقيفًا إن صح ذلك عن عليّ وعمر ﵄، قال: إن القراءة غير مشروعة. وعلى القول بأن القراءة واجبة في الصلاة، هل هي واجبة في [جملة الصلاة] (١) أو في كل ركعة منها؟ فالشافعي ﵁ [يرى] (٢) أنها واجبة في كل ركعة. والحسن البصري وغيره يرى أنها واجبة في ركعة واحدة خاصة. وأما أبو حنيفة: فالواجب عنده قراءة أي آية اتفقت أن يقرأها ولو "مدهامتان" (٣). ومالك ﵀ تردد مذهبه بين هذه المذاهب على ما سنبينه ونتقنه [اتقان من طب لمن حب] (٤) إن شاء الله تعالى. وسبب الخلاف: تعارض الأخبار وتجاذب الاعتبار مع معارضة [ظاهر] (٥) كتاب الله لبعض هذه الأخبار ومساعدته لبعضها: قال الله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (٦) [ق/ ١٢ ب]. قيل: أراد بذلك الصلاة، وهو أظهر التأويلات. ويوافقه من الأخبار: ما روى أبو هريرة في الحديث الصحيح: أن رجلاً دخل المسجد فصلى، ثم جاء فسلم على رسول الله ﷺ فرد [النبي] (٧) ﷺ وقال له: "ارجع فصل، فإنك لم تصل"، ثم جاء فأمره

стр. 248

بالرجوع حتى فعل ذلك ثلاث مرات، فقال: والذي بعثك بالحق، ما أُحسن غير هذا، فقال ﵇: "إذا قمت إلى الصلاة، فأسبغ الوضوء، واستقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن" (١). [وهذا] (٢) الحديث موافق لظاهر القرآن، وبه تقوم الحجة للحنفي، وأما المعارض لهذا فحديثان قائمان متفق عليهما: حديث عبادة بن الصامت أنه [قال: قال رسول الله] (٣): "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن" (٤). وفي حديث آخر: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (٥). وحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي [خداج خداج] (٦) خداج غير تمام ثلاث مرات" (٧). وحديث أبي هريرة وعبادة [ق/ ٢٤ أ] بن الصامت يقتضي أن قراءة أم القرآن شرط في صحة الصلاة. وحديث أبي هريرة في الأعرابي مع ظاهر القرآن يقتضي جواز الاقتصار على ما تيسر ولو آية. وأما مالك ﵁ فقد اضطرب مذهبه اضطرابًا شديدًا، ونحن نحصله تحصيلًا مفيدًا، ونقيد ما أشكل منه تقييدًا حتى يمسك بروابط

стр. 249

الاختصار، وينحصر ما في سمط الانحصار، فأقول وبالله التوفيق: القدر الذي وقع فيه الخلاف بين العلماء في الصلاة هي سورة أم القرآن، والزائد عليها متفق على سقوطه عن درجة الوجوب. ثم المصلون على قسمين: إمام ومأموم، والفذ: حكمه حكم الإِمام بلا إشكال. فالمأموم لا خلاف في مذهب مالك ﵀ أن القراءة لا تجب عليه، ولا يجوز له أن يقرأ فيما بجهر فيه الإِمام بالقراءة لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (١). قيل: إن ذلك في الصلاة (٢)، فأوجب الله تعالى الإنصات على المأموم. ولا شك أن قراءته تشغله عن الإنصات، والتفهم عن الإِمام أيضًا. ويؤيده أيضًا ما رواه أبو صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما جعل الإِمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا" (٣). وهذا أمر، والأمر [يحمل] (٤) على الوجوب (٥). وأما ما يُسِر فيه الإِمام بالقراءة، فهل يندب فيه المأموم إلى قراءة أُم القرآن أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يندب إلى القراءة، وهو مشهور المذهب.

стр. 250

والثاني: أنه لا يندب إليها، وأن المأموم لا يقرأ في الصلاة [أصلًا] (١) وبه قال ابن وهب، ورواه ابن المواز عن أشهب (٢). وسبب الخلاف: معارضة القياس ["لخبر" (٣)] (٤) الواحد (٥)، [والخبر هو حديث] (٦) عمران بن حصين أن النبي ﷺ صلى صلاة الظهر أو العصر، ورجل يقرأ خلفه، فلما انصرف قال: "أيكم قرأ بسبح اسم ربك الأعلى؟ " [فقال] (٧) رجل من القوم: أنا، ما أردت بهذا إلا الخير، فقال النبي ﷺ : "قد عرفت أن بعضكم [خالجنيها] " (٨). والقياس يقتضي قراءة المأموم خلف الإمام فيما يُسر فيه الإمام بالقراءة؛ لأن العلة الموجبة للمنع: الجهر مع الإمام، فإذا عدم: جاز. فإن ترك الأموم القراءة فيما يُسر فيه الإمام عامدًا، أو قرأ فيما يجهر

стр. 251

[فيه الإمام] (١) عامدًا: فصلاته في [الوجهين] (٢) جائزة إلا أنه قد أساء فيما تعمد من ذلك، وإساءته في القراءة فيما يجهر فيه أبلغ. وأما حكم الإمام والفذ في القراءة [فلا يخلو] (٣) من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يقرأ بأم القرآن في جميع صلاته. والثاني: أن يترك القراءة في جميعها. والثالث: أن يقرأ في بعضها، ويترك في بعض. فإن قرأ في جميعها: فلا خلاف في الجواز؛ لأنه أتى بالوجه المتفق عليه. فإن ترك القراءة في جميعها: فالمذهب على قولين: أحدهما: البطلان [وأن] (٤) صلاته [ق/ ١٧ جـ] فاسدة، وهو المشهور الذي عليه الجمهور. والثاني: أن صلاته جائزة، وهي رواية رواها الواقدي عن مالك، وهي مهجور المذهب. وسبب الخلاف: فعل الصحابي هل يكون حجة أم لا؟. فإن [قرأها] (٥) في بعضها [وتركها في بعض] (٦): فلا يخلو ذلك من ثلاثة أوجه:

стр. 252

إما أن يكون ذلك في صلاة رباعية كالظهر، والعصر، والعشاء. أو في صلاة هي [ثلاث ركعات] (١): كالمغرب. أو في صلاة هي ركعتان: كالصبح، والجمعة، و [في] (٢) صلاة المسافر: فإن كان ذلك في صلاة هي أربع: فإن تركها في أكثرها، مثل أن يترك القراءة في ثلاث ركعات: فالمذهب على قولين: أحدهما: الإعادة، وهو مشهور المذهب (٣). والثاني: الإلغاء، وهو مذهب أشهب، وابن عبد الحكم، وأصبغ (٤). فإن تركها في ركعتين: فالمذهب على قولين أيضًا. وإن تركها في ركعة واحدة: فالمذهب على أربعة أقوال كلها قائمة من "المدونة" (٥). أحدها: أنه يلغي الركعة، ويأتي بغيرها. والثاني: أنه يعيد الصلاة. والثالث: أنه يسجد قبل السلام وتجزئه صلاته، وما هو بالبَّيِّن. والرابع: أنه يسجد قبل السلام، ويعيد الصلاة [أيضًا] (٦)، وهو قوله في "كتاب الوضوء" (٧).

стр. 253

ورام بعض المتأخرين أن يرد قوله في "كتاب الصلاة" بالإعادة إلى ما فسره في كتاب الوضوء، وهو تأويل [الشيخ أبي محمَّد] (١) بن أبي زيد وغيره، فقالوا: معناه يسجد ويعيد. ولا فائدة للتأويل مع نصه على المسألة، فإن حمل الكلام على ظاهره، فيتخرج على أربعة أقوال، وإن تأول فيتخرج على ثلاثة [أقوال] (٢). واختلف أيضًا في اختيار ابن القاسم، فمرة أخذ بالإلغاء، وهو اختياره في [كتاب] (٣) الصلاة الأول من "المدونة"، ومرة أخذ بالإعادة بعد السجود، وهو قوله في "كتاب الوضوء"، [وفي] (٤) كتاب ابن المواز. وسبب الخلاف: تعارض الأخبار، فمنها قوله ﷺ : "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" (٥). [ومنها] (٦) قوله [ ﷺ ] (٧): "كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهى خداج غير تمام" (٨). فهذان [الحديثان] (٩) مقتضاهما: أنها فرض في جملة الصلاة لا في كل ركعة.

стр. 254

و [يعارضهما] (١) حديث: "كل ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلا تصلها إلا وراء الإمام" (٢). إلا أن هذا [الحديث] (٣) موقوف، والأول مسند، والمسند [أقوى] (٤) من الموقوف، فكان تقديم الخبر المسند أولى إلا أن فيه معنى يوجب مساواته مع الموقوف في المرتبة. وقوله: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" (٥) هل أراد بذلك لا صلاة جائزة، أو [لا] (٦) صلاة كاملة. وهذا مما يحتمله اللفظ. فإذا احتمل هذا الاحتمال [فكان] (٧) فيه ضرب من الإجمال، [فيسقط] (٨) به الاستدلال. وكذلك قوله ﷺ : "كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج [فهي خداج] (٩) غير تمام ثلاث مرات" (١٠). وهل هذا [النقصان] (١١) مما يؤثر في بطلان الصلاة، ويمنع من الإجزاء [أو] (١٢) إنما تأثيره في نفي الكمال خاصة، وإليه مال بعض

стр. 255

المتأخرين. فبهذا الاعتبار تصح المعارضة بين الخبر وبين حديث جابر ﵁. وأما إذا تركها في ركعة من صلاة هي ركعتان: فهل هي بمنزلة [من] (١) تركها في ركعة من صلاة هي أربع: فيدخلها أربعة أقوال، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة" (٢)، حيث قال: وإنما سألنا مالكًا عن [الصلوات] (٣) [كلها] (٤)، ولم يكشف عن الصبح والمغرب. أو هو بمنزلة من تركها في ركعتين من صلاة هي أربع: فيدخل فيها قولان، وهو نصه في الدونة، فالمذهب فيه على قولين قائمين من المدونة كما ترى. وسبب الخلاف: هل النظر إلى قلة السهو وكثرته أم النظر إلى مقدار ما يكون السهو [فيه] (٥) من الصلاة من نصف أو أقل أو أكثر. وأما إن تركها في ركعة من صلاة هي [ثلاث ركعات] (٦) كالمغرب [فهل هو] (٧) بمنزلة من تركها [في] (٨) ركعة واحدة من صلاة هي أربع

стр. 256

[ركعات] (١)؟ [فيدخل فيه] (٢) الأقوال الأربعة، وهو ظاهر المدونة. أو هو بمنزلة من تركها من ركعة واحدة من صلاة هي ركعتان، [فلا يدخلها إلا قولان] (٣). فالمذهب [فيها] (٤) على قولين منصوصين [أيضًا] (٥). وسبب الخلاف: ما قدمناه هل النظر إلى قلة السهو وكثرته أم النظر إلى قدر ذلك من الصلاة، هل هو في حيز الكثير أو حيز اليسير؟ ولا شك أن الثلاث جعلها الشرع في حيز الكثير في غير ما موضع. وأما إن تركها في ركعتين من المغرب فقولان: قول بالإجزاء، وقول بالإبطال؛ وهو الصحيح لأنه ترك القراءة في جُلّ صلاته. والقول الآخر يتخرج على القول بأن القراءة في الصلاة غير مشروعة وهذا كله فيمن كان يحسن القراءة فتركها، إما [عامدًا] (٦) وإما ناسيًا. وأما الأمي الذي لا يكتب ولا يقرأ ولا ينفع فيه التعليم، ولا يجد من يأتم به، فقد اختلف فيه المذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يقف ويذكر الله تعالى في موضع القراءة، وهو قول [محمد] (٧) بن سحنون.

стр. 257

والثاني: أنه يقف مقدار ما [يقرأ] (١) فيه أم القرآن، ولا يلزمه من طريق الوجوب تحميد ولا تسبيح، وهو قول القاضي [أبي] (٢) محمَّد عبد الوهاب. والثالث: [أنه] (٣) يكبر تكبيرة الإحرام [قائمًا] (٤) ويركع متابعة, ولا ينتظر واقفًا؛ إذ لا فائدة لوقوفه وقيامه؛ لأن القيام في الصلاة غير مراد لنفسه، إنما هو مراد لتكبيرة الإحرام في حق المأموم، والتكبير والقراءة في حق الفذ والإمام. فإذا قلنا: يقف وقوفًا ما: فقد تعمد إلى أن يزيد في صلاته زيادة مستغنى عنها، وقول ابن سحنون أن فرضه الذكر أيضًا ليس بظاهر؛ لأن قراءة أم القرآن في الصلاة لا بدل لها، والقرآن لو قرأه كله في الصلاة ما وقع موقع الإجزاء، فكيف يكون الذكر بدلًا منها، والله المستعان. ومن هذا المعنى اختلفوا في الأعجمي الذي لا يحسن العربية: كيف يفتتح الصلاة؟ فقال ابن القاسم في "المدونة" (٥): لا يفتتح الصلاة بالعجمية ولم يذكر كيف يفعل. وقال أبو الفرج: لا يجزئه غير التكبير [يدخل به] (٦) أو الحروف

стр. 258

التي أسلم بها. وقال أبو محمَّد عبد الوهاب (١): من شيوخنا من يقول: يُحْرِمُ بلسانه -يريد بالعجمية- ومنهم من يقول: يعتقد الدخول في الصلاة بقلبه من غير نُطق. فيتحصل من هذه [الجملة] (٢) ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يجزئه إلا التكبير. والثاني: أنه يجزئه أن يُحْرِمُ بالعجمية. والثالث: [يجزئه] (٣) أن يعتقد الدخول فيها [ق/ ٢٥ أ] بقلبه. وسبب الخلاف: اختلاف الأصوليين في القرآن هل اشتمل على لغة سوى العرب، أم لا؟ (٤). فمن ذهب إلى أن القرآن نزل بلغة العرب [خصوصًا] (٥) وخلوصًا، وأنه كله عربي مُبين، ولم يوجد فيه من العجمية شيء: يقول: إنه لا يُحرم بالعجمية؛ لأن الذي فهم من كلام العرب [في] (٦) لفظ التكبير لم يفهم من إحرامه بالعجمية؛ لأنه لا يدري أنه كما قال، وأنه يسم الله بما لم يسم به نفسه. ولا خلاف بين أهل السنة أن من سمَّى الله بما لم يسم به نفسه

стр. 259

[أن ذلك] (١) كفر. ومن ذهب إلى أن القرآن فيه ما ليس [من] (٢) لغة العرب "كالأبِّ"، و ﴿أَنْ أَدُّوا﴾ (٣) وأن "الأبَّ" (٤): كلمة فارسية، و"أن أدوا": كلمة بربرية: يقول: إن [له] (٥) الإحرام بالعجمية؛ لأن الله تعالى سمى نفسه بكل لسان، [أعلمهم] (٦) كيف يدعونه بألسنتهم، فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُول إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ (٧). وقال [تعالى] (٨): ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كلَّهَا﴾ (٩). [وإلى أن القرآن] (١٠) اشتمل على كلام سوى كلام العرب، وإلى أن قوله: ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ الله﴾ (١١)، لغة بربرية: ذهب الفقيه الأجل الإمام الأنبل أبو زكريا يحيى بن [ملول] (١٢) [الزناتي] (١٣) في تعليقه على "البرهان". وأما السورة التي مع أم القرآن: فقد اختلف [فيها] (١٤) المذهب على

стр. 260

ثلاثة أقوال. أحدها: أنها واجبة، [فإن] (١) تركها عمدًا أو جاهلًا: أعاد الصلاة، وبه قال عيسى بن دينار. والثاني: أنها مستحبة، وإن تركها فلا شيء عليه، ولا سجود عليه، وقاله مالك وأشهب في "مختصر ما ليس في المختصر". والثالث: أنها سنة؛ فإن تركها ناسيًا: سجد قبل السلام، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" (٢)، فإن نسيها حتى تطاول بها: فلا شيء عليه وهو قوله في العتبية" (٣)، وإن تركها عامدًا استغفر الله، ولا شيء عليه. وسبب الخلاف: اختلافهم في [المفهوم من] (٤) قوله ﷺ : "لا صلاة إلا [بفاتحة الكتاب] (٥) وشيء معها". وفي حديث آخر: "لا صلاة لمن لم يقرأ ["بفاتحة الكتاب" (٦)] (٧) فصاعدًا". فمن فهم منه جواز الاقتصار على أم القرآن، وأن الزائد عليها لا حكم له، وهو كقوله ﵇: "القطع في ربع دينار فصاعدًا" (٨).

стр. 261

والحكم متعلق بربع دينار [فصاعدًا] (١)، والزائد عليه لا حكم له؛ [يقول] (٢) لا شيء عليه، لا إعادة ولا سجود. ومن فهم منه أن معنى قوله [﵇] (٣): "لا صلاة" أي: لا صلاة جائزة، قال: بإعادة الصلاة. فمن فهم منه: لا صلاة كاملة، قال: إنها سنة؛ يستغفر الله العامد، ويسجد الساهي [والحمد لله وحده] (٤).

стр. 262

المسألة الخامسة في الناعس والغافل والمزحوم وأما الناعس والغافل: فالمذهب على [أن] (١) [أحكامهما] (٢) واحدة؛ فإذا نفس المأموم خلف إمامه حتى فاته ركن من صلاته مثل أن يفوته بركوع أو سجود: فهل يتبعه المأموم بالقضاء أو يلغي، ويدخل مع الإمام في الركن الذي هو فيه؟ فالمذهب على [أربعة] (٣) أقوال كلها قائمة من المدونة: أحدها: أنه يتبعه سواء نابه ذلك في الركعة الأولى أو في الثانية، وهذا إذا نعس في الركوع أو غفل عنه حتى سبقه به الإمام، وهو ظاهر قوله في كتاب الوضوء من "المدونة" في "باب الرعاف" (٤). والثاني: أنه لا يتبعه، ويلغى تلك الركعة، ويدخل مع الإمام من حيث انتهى، ويقضي إذا سلم الإمام [وهو ظاهر المدونة في غير ما موضع؛ لأن ذلك من باب القضاء في حكم الإمام] (٥)، ولا فرق بين الركعة الأولى والثانية (٦). والثالث: التفصيل بين [الركعة] (٧) الأولى والثانية؛ [فإن نابه ذلك

стр. 263

في الركعة الأولى فلا يتبعه] (١)؛ لأنه لم يحصل له [معه] (٢) ركن سوى الإحرام، ويتبعه في الثانية إذا عقد معه الأولى بسجدتيها، وهو قول مالك في كتاب الصلاة [الأول] (٣) من "المدونة" (٤). [والقول الرابع: التفصيل بين الجمعة وغيرها فلا يتبعه في الجمعة ويتبعه في غيرها، وهو قول محمَّد بن عبد الحكم] (٥). وسبب الخلاف: بين من منع الاتباع جملة وبين من جوزه جملة [في الأولى وفي الثانية] (٦): اختلافهم في المفهوم من قوله [﵇] (٧): "إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه [فإذا ركع فاركعوا] (٨) " (٩): هل من شرط [ق/ ١٨ جـ] فعل [المأموم] (١٠) أن يقارن فعل [الإمام] (١١) في جميع أجزاء الركعة -أعني القيام والانحناء والسجود-[أو] (١٢) إنما هو شرط في بعضها؟ فمن رأى أنه شرط في كل جزء من أجزاء الركعة الواحدة -أعني أن يقارن فعل المأموم فعل إمامه، وإلا كان اختلافًا عليه فمتى لم يدرك معه من

стр. 264

الركوع ولو جزءًا يسيرًا: لم يعتد بتلك الركعة. ومن رأى أنه ليس من شرطه، [وأن] (١) له أن يتبعه ما لم يعقد الركعة الثانية، [وأنه] (٢) ليس من شرط فعل المأموم أن يكون بعضه قارن بعض فعل الإمام ولا كله، وإنما من شرطه أن يكون [بعده] (٣) فقط، ويكون ذلك مفهوم قوله ﵇. وسبب الخلاف: بين من فصَّل، ومن أطلق بعد اتفاقهم في جواز الاتباع إذا حصل له معه ركن [من الصلاة] (٤) الإحرام هل يكون هو ركن يبنى عليه أم لا؟. فمرة رأى أن الإحرام ركن يبنى عليه: [فيجزيه] (٥) الاتباع، وهو ظاهر قوله في كتاب "الوضوء" في "الرعاف" (٦). ومرة لم يره ركنا، فمنعه البناء والاتباع، وهو قوله في "كتاب الصلاة [الأول] (٧) ". [فعلى القول بأنه يجوز له اتباع الإمام يتبعه إلى متى؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من المدونة: أحدها: أنه يتبع الإمام ما لم يرفع رأسه من سجوده وهو قوله في كتاب الصلاة الأول] (٨).

стр. 265

والثاني: أنه يتبعه ما لم [يرفع] (١) الإمام [إلى التي تليها] (٢) وهو قول مالك، وهو ظاهر قوله في "المزحوم" في "كتاب الصلاة الثاني" من "المدونة" (٣)، إذا زوحم عن السجود؛ إذ لا فرق بين أن يُزَاحم عن السجود أو عن الركوع، أو ينعس على القول بجواز الاتباع. والثالث: أنه يتبعه ما لم يرفع رأسه من ركوع الثانية. وقاله مالك مرة أخرى، وهو ظاهر المدونة في أن عقد الركعة [إنما هو] (٤) رفع الرأس منها. [وعلى القول بأنه يتبعه ما لم يرفع رأسه من سجودها فهل المراد بذلك السجدتن جميعًا أو إنما أراد رفع رأسه من السجدة الأولى! قولان: أحدهما: أن المراد السجدتين جميعًا. والثاني: أن المراد السجدة الأولى؛ لأنه إذا رفع رأسه منها فقد حال بينه وبن الاتباع عمل كامل، وهو أداء السجدتين، وهو قول بعض الأندلسيين] (٥). وسبب الخلاف: اختلافهم في عقد الركعة هل هو الرفع منها، أو هو وضع اليدين على الركبتين؟ وهذا الخلاف أيضًا ينبني على الخلاف في الرفع من الركوع هل هو واجب، أو ليس بواجب؟. فمن رأى أنه واجب يقول: عقد الركعة رفع الرأس منها.

стр. 266

ومن رأى أن الرفع ليس بواجب [يقول] (١): عقدها وضع اليدين على الركبتين. وسبب الخلاف: بين من قال: يتبعه ما لم يرفع رأسه من السجود، وبين من قال: يتبعه ما لم يعقد الركعة الثانية: اختلافهم في القضاء الذي لا يجوز في حكم الإمام ويعد [مخالفًا] (٢). هل المراد بذلك [قضاء] (٣) ما سبقه به الإمام قبل أن يدخل معه في الصلاة دون ما سبقه به الإمام بعد الدخول في الصلاة لأجل الغفلة [أو] (٤) النعاس، [و] (٥) ذلك عام في الجميع؛ لأنه [يسمى] (٦) قاضيًا؛ إذ القضاء عبارة عن فعل ما سُبق به، وهذا كله إذا نعس في الركوع. وأما إذا نعس في السجود بعد أن عقد مع الإمام الركعة: فلا خلاف أنه يتبعه ما لم يعقد عليه الركعة التي تليها إما بوضع اليدين على الركبتين، [أو] (٧) بالرفع منها، على الخلاف [الذي قدمناه] (٨). والغافل كالناسي في جميع ما ذكرناه. والمزحوم [إذا زوحم عن] (٩) السجود: حكمه حكم الناعس بلا إشكال.

стр. 267

وإذا زوحم عن الركوع، فالمذهب على قولين [قائمين من المدونة] (١): أحدهما: أنه يتبعه قياسًا على الناعس [وهو ظاهر المدونة] (٢). والثاني: أنه لا يتبعه، ويلغي تلك الركعة، وتكون أول صلاته الركعة التي أدرك فيها الإمام، وهو أيضًا ظاهر "المدونة" (٣). وينبني الخلاف على الخلاف في المزحوم، هل هو معذور بالزحام كما يعذر الناعس بالنعاس على مشهور المذهب [أم لا] (٤)؟ فمن ساوى بينهما في العذر لكونهما مغلوبين، بل المزحوم أبين عذرًا؛ لأنه غير مفرط: قال يتبع المزحوم كما يتبع الناعس، وهو نص [قول] (٥) عبد الملك في كتاب محمَّد. ومن فرق بينهما -وهو قول ابن القاسم (٦) - يقول: الناعس معذور بالنوم؛ إذ لا يملك الإنسان دفعه عن نفسه، ولا التحرز عنه؛ لأنه خصم ألد أو خطب لا يُرد [فيجوز له الاتباع] (٧)، بخلاف المزحوم؛ لأنه مفرط؛ إما [في] (٨) المسابقة [إلى السجود] (٩) حتى يأخذ مكانًا واسعًا، وإما لكونه قادرًا على الدفع عن نفسه حتى يجد [مكانًا] (١٠) متسعًا؛

стр. 268

لأن ذلك من جنس مقدوره، وكان التفريط من جهته أظهر من الناعس والغافل [والله أعلم والحمد لله وحده] (١).

стр. 269

المسألة السادسة الإمامة في الصلاة وفيها سبعة أسئلة: الأول: معرفة أحكام الإمامة، ومن هو أولى بها؟ والثاني: إمامة المريض. والثالث: إمامة الفاسق. والرابع: إمامة الأَلْكَن [ومن يلحن] (١). والخامس: إمامة الصبي. والسادس: إمام العبد. والسابع: إمامة المرأة. والجواب عن السؤال الأول: [في معرفة أحكام الإمامة] (٢) وقد قال النبي ﷺ : "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه" (٣) الحديث. فمن أحكام الإمامة: الاقتداء بأفعال الإمام، وأقواله ومتابعته [ق/ ١٣ ب] فيما يفعله ويقوله من غير أن يتقدم عليه، ولا أن يتأخر عنه. وأن يكون الاقتداء حسًا ومعنىً، سرًا وعلانية، ظاهرًا وباطنًا. فإذا فعل ذلك: فقد جعل الاقتداء المأمور به من غير خلاف. فإن خالفه في الأفعال أو في الأقوال: هل تبطل صلاته أو تصح؟

стр. 270

فقد تقدم الكلام عليه. فإن حصل الاقتداء في الظاهر، وخالفه في الباطن، مثل أن ينوي المأموم صلاة، والإمام في غيرها: فهل [تجزئه] (١) أم لا؟ فالمذهب على [ثلاثة أقوال كلها قائمة] (٢) من المدونة: أحدها: أنها تجزئه جملة، سواء كانت إحداهما بدلًا من الأخرى كالظهر [مع] (٣) الجمعة، أو كانت مستقلة بنفسها كالظهر والعصر [وهو نقل أبي الحسن اللخمي في الظهر والعصر؛ لأنه قال: يعيد في الوقت استحسانًا] (٤). وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة" (٥)؛ لأنه قال: من أتى [المسجد] (٦) يوم الخميس يظنه يوم الجمعة، فصلى مع الإمام [ق/ ٢٦ أ] [ظهرًا] (٧) أربعًا: قال: صلاته جائزة. فقد جوز الصلاة هاهنا مع اختلاف نية الإمام والمأموم. وأي اختلاف أشد ممن دخل على ركعتين، والإمام في صلاة هي أربع؟ فقال: إن صلاته تجزئه عنه، فكذلك ينبغي إذا أتى يوم جمعة يظنه يوم خميس أن تكون صلاته مجزئة عنه [وهو قوله في السليمانية] (٨) خلاف ما قاله في الكتاب، وعلل فيه بأن الجمعة لا تكون إلا بنية.

стр. 271

وهذا التعليل الذي علل به ابن القاسم في الجمعة موجود في غيرها؛ إذ لا تجوز الصلاة إلا بنية باتفاق العلماء. وكيف تختص الجمعة عن غيرها بأنها تفتقر إلى النية؟ ويعد ذلك من ابن القاسم اضطرابًا من القول. والثاني: [أنها] (١) لا تجزئه صلاته جملة، وهو قول أشهب (٢). [والثالث: التفصيل بين الصلاتين المختلطي الوقت فلا تجوز، وهذا في الصلاتين، إحداهما: بدل من الأخرى، فيجزئ المأموم على المشهور من المذهب، وصلاة الإمام جائزة اتفاقًا] (٣). وينبني الخلاف: على الخلاف في صلاة المأموم هل هي مرتبطة بصلاة الإمام أم لا؟ فإن قلنا بالارتباط: فلا ينبغي أن تخالف نية المأموم نية إمأمه؛ لا في الزمان، ولا في المقدار، وهو مشهور المذهب. فإن قلنا [بعدم الارتباط] (٤) فيجوز مخالفة نية المأموم نية إمامه في الزمان والمقدار. وذلك موجود في أكثر مسائل المذهب، فمن اقتفاها ظهر له ما قلناه، ولاسيما في مسائل المحدث إذا صلى بالناس ناسيًا لحدثه، فقد قال بالإجزاء. وعلى هذا الأصل ينبني الخلاف في إمامة الصبي على ما يأتي [بيانه] (٥)

стр. 272

إن شاء الله تعالى. وهو ظاهر لمن تأمله. [فإن] (١) حصل الاقتداء في الباطن، و [أخل] (٢) بصورته في الظاهر [و] (٣) أخل بمعناه في الظاهر مثل أن يصلي أَمَامَ إمامه أو [صلى] (٤) على ظهر المسجد بصلاة إمامه، [أو صلى في دور وراءه، وبينه وبين الإمام حائل. فأما إذا صلى أمام إمامه، أو على ظهر المسجد بصلاة إمامه] (٥): [فصلاته جائزة] (٦) مع الكراهة في ذلك إذا كانت في غير الجمعة. ووجه [الكراهة] (٧) في ذلك: أن اقتداءه بأقوال الإمام وأفعاله ليس على يقين، وإنما هو على الحرز والتخمين. وأما إذا حال بينه، وبين الإمام حائل من ورائه: فلا يخلو [ذلك] (٨) من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يرى أفعال الإمام ويسمع أقواله. والثاني: أن [يغيب] (٩) عنه أفعال الإمام ولا يسمع أقواله. والثالث: أن يغيب عنه أفعاله، ويسمع أقواله.

стр. 273

فإن كان [شاهدًا] (١) للأمرين؛ يرى [الأفعال] (٢) ويسمع [الأقوال] (٣): فالصلاة جائزة باتفاق، كان الموضع الذي صلى فيه محجورًا عليه أو مأذونًا [له] (٤) فيه، غير أنه لا ينبغي له التمادي على ذلك لما فيه من الرغبة عن إتيان المسجد و [تقاعد] (٥) الهمة عن حصول الأجر الذي ندب الله تعالى إليه وحث عليه في الصف الأول. فإن كان [بموضع] (٦) لا يرى منه أفعال الإمام ولا يسمع أقواله: فالذي تقتضيه أصول المذهب أن تبطل صلاته [لعدم] (٧) الاقتداء المقصود شرعًا؛ وقد يكون في السجود والإمام في الركوع، وقد يكون في ركعة، والإمام في أخرى غيرها، فهذه عين المخالفة التي نهى عنه [الشارع ﷺ ] (٨). فإن كان بموضع يرى [منه] (٩) أفعال الإمام، ولا يسمع أقواله، أو يسمع أقواله، ولا يرى أفعاله: فصلاته جائزة مع [الكراهة] (١٠)؛ لأنه مع الإمام في حرز و [تخمين] (١١).

стр. 274

ولهذا كره مالك الصلاة على أبي قبيس (١) وقعيقعان (٢) بصلاة الإمام في المسجد الحرام؛ لبعده عن أفعال الإمام. وأما الذي هو أولى بالإمامة فقد قال النبي ﷺ : "ويؤم القوم أقرؤهم" (٣). وفي حديث آخر: "يؤم القوم أفضلهم إذا كان أفقههم" (٤). وفي حديث آخر: "الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن" (٥). ومن شرط الضامن أن يكون [عالمًا] (٦)، [بالمضمون فخرج] (٧) من هذا أن إمامة الجاهل لا تجوز، وأنه لابد للإمام أن يكو عالمًا بما يصلح الصلاة و [ما] (٨) يفسدها. وقوله ﵇: "يؤم القوم أقرؤهم" (٩): [يريد] (١٠) أفقههم؛ لأن القراء هم الفقهاء [في ذلك الوقت] (١١)؛

стр. 275

لأنهم [كانوا] (١) يستنبطون الأحكام من كتاب الله تعالى. وأما من يقرأ القرآن، ولا يعلم تأويله: فهو ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ (٢). ولهذا قال مالك (٣) ﵀: قد يقرأ من لا [ق/ ١٩جـ] [يريد] (٤) من لا خير فيه. وقال في موضع آخر: من لا يرضى [حاله] (٥) الناس. فإذا اجتمعت جماعة للصلاة فلا تخلو حالتهم من أن تتفق أو تختلف. فإن اتفقت حالاتهم في الصلاة، والعلم، والسِّن، والجمال، وسائر الأوصاف المعتبرة حتى لا ترجيح: فإنهم يقدمون لأنفسهم من يصلي بهم. فإن وقع التنافس والحرص على الإمامة، وكل واحد يخطبها لنفسه: فإنهم يتقارعون، فمن خرج سهمه كان أحق بالإمامة دون سائرهم. وهذا [دأب] (٦) الشرع في كل ما يقع فيه التداعي وتساوت فيه الأقدام، [فبابه] (٧) أن [يقترع] (٨) فيه. كما قال النبي ﷺ : "لو يعلم الناس ما في النداء، والصف الأول ثم

стр. 276

لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا" (١). وكما فعل في الغزو حين قرع بين نسائه (٢). فإن اختلفت حالاتهم في الصفات المحمودة، وبعضهم حائز لبعضها؛ فمن [حصلت فيه] (٣) أكثر الأوصاف فهو أولى بالإمامة. [والأصل] (٤): الفقه، وصلاح الحال [فمن] (٥) كان [عنده] (٦) العلم والدين [والسن كان أولى بالاتفاق. وإن كان عنده العلم والدين] (٧) وغيره أسن منه، وهو دونه في العلم: فالفقيه مقدم على المشهور، فهذا مع التنافس والتناحر كما قدمنا. وأما ما يرجع إلى الجواز فمهما قدموا من يصلي بهم، وهو عالم بما يصلح الصلاة وما يفسدها، وهو دونهم في الفقه، فصلاتهم جائزة بالاتفاق. وليس من شرطه أن يستظهر [بالقرآن جميعه] (٨)، بل تجوز إمامته، وإن كان لا يقرأ إلا من سورة: ﴿والضحى﴾ إلى ﴿من الجنة والناس﴾، قاله بعض علمائنا إذا كان فقيهًا عالمًا في دينه. والجواب عن السؤال الثاني: في إمامة الجالس: والمراد بالجالس هنا:

стр. 277

المريض الذي لا يقدر على القيام. وأما الصحيح السَّوي: فلا خلاف أنه لا يجوز [له] (١) أن يصلي الفريضة، وهو جالس، فمهما صلاها جالسًا أعاد أبدًا، ثم لا يخلو [حال] (٢) الإمام و [المأموم] (٣) من أحد وجهين: إما أن يتساووا معه في الحال، والعذر ويخالفوه، فإن تساووا في الحال، وعدم القدرة على القيام: فهل تجوز إمامة بعضهم لبعض أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: الجواز، وهو قول ابن القاسم في [كتاب] (٤) النوادر (٥): [و] (٦) لا بأس بالمرضى والضعفاء والميداء (٧) في السفينة أن [يؤمهم] (٨) أحدهم في الفريضة إذا كانوا كلهم جلوسًا. والثاني: أنه لا يؤمهم أحدهم [في الفريضة] (٩) جالسًا، فإن أمهم أعادوا وأجزأت الإمام صلاته، وهو قول سحنون بن سعيد في الكتاب المذكور (١٠).

стр. 278

وذكر ابن حبيب عن مطرف، وابن الماجشون مثل قول ابن القاسم (١). وسبب الخلاف: تعارض الأخبار الواردة عن [النبي] (٢) ﷺ في هذا الباب: فمن ذلك حديث أنس قال: ركب رسول الله ﷺ فرسًا فصرع عنه فجحش (٣) شقه الأيمن، فصلى صلاة من الصلوات قاعدًا، وصلينا وراءه قعودًا، فقال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا" (٤). ويعارضه قوله ﷺ : "لا يَؤُمَنَّ أحد بعدي جالسًا" (٥). فمن رجح حديث أنس [جوَّز] (٦) إمامته، ومن رجح حديث الآخر منعها. وأما إذا اختلفت [حالتهم وحال] (٧) الإمام؛ فإن كان الإمام قادرًا على القيام، ووراءه مرضى لا يقدرون على القيام، فينبغي أن [تصح] (٨) الإمامة في هذا الوجه بالاتفاق.

стр. 279

وإن كان الإمام مريضًا لا يقدر على القيام، والقوم أصحاء يقدرون على القيام، فهل تجوز لهم الصلاة خلفه [قائمين] (١). فأما صلاتهم خلفه جلوسًا: فلا خلاف في المذهب أن صلاتهم فاسدة، ويُعيدُون أبدًا؛ لأنهم تركوا القيام والركوع مع القُدرة على الإتيان [بهما] (٢) [وذهب] (٣) أحمد والأوزاعي: أنهم يُصَلّون خلفه جُلُوسًا، وروى ذلك عن أبي هريرة، وجماعة من الصحابة ﵃ أجمعين (٤). وأما صلاتهم خلفه قيامًا: فالمذهب على قولين: أحدهما: أن صلاتهم وصلاته جائزة، وهو قول مُطَرِّف وابن المَاجِشُون (٥). والثاني: أنها جائزة للإمام، ويعيد من خلفه، وبه قال أشهب. [وهي رواية الوليد بن مسلم عن مالك] (٦)، وقال أحمد بن المعذل: لا ينبغي ذلك؛ لأنهم إن جلسوا معه كانوا قد فعلوا خلاف ما فعله الناس خلف [النبي] (٧) ﷺ حين استخلف أبا بكر ﵁. وسبب الخلاف: حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ لما ثقل مرضه قال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس" -أو كما قال] (٨) - ثم

стр. 280

وجد [من] (١) نفسه خفة، فأتى فجلس إلى جنب أبي بكر، فصلى جالسًا و [وأبو بكر] (٢) والناس قيامًا (٣). فاختلف العلماء هل النبي ﷺ كان إمامًا، وأبو بكر يُسمع الناس، ويبلغ عن النبي ﷺ أو كان أبو بكر [إمامًا] (٤) والنبى ﷺ هو المأموم؟ فمن ذهب إلى أن النبي ﷺ كان إمامًا، وأبو بكر [يسمع الناس] (٥) قال: تجوز إمامة الجالس، وأن فعله ناسخ لقوله: "لا يَؤمُنَّ أحد بعدي جالسًا .. " (٦). ومن ذهب إلى أن أبا بكر هو [الإمام] (٧) يقول: إن إمامة الجالس لا تجوز؛ لقوله [﵇] (٨): "لا يَؤُمنَّ أحد بعدي جالسًا" (٩) [ق ٢٧ أ] أو ثبت عنده أن النبي ﷺ كان إمامًا، ويكون ذلك من خصائصه ﷺ ، ولا يتعدى إلا بدليل، ولاسيما على مذهب من يقول: إن الفعل لا عموم له. ويندرج تحت هذا السؤال: إذا صلى الإمام على شيء أرفع مما عليه أصحابه، فلا يخلو من [أحد] (١٠) وجهين:

стр. 281

إما أن يستقل بذلك المكان و [يختص به دون] (١) سائر من خلفه، أو يشاركه فيه بعض القوم. فإن اختص [به] (٢) وحده: فلا يخلو ذلك المكان من أن يكون يسير الارتفاع أم لا. فإن كان يسير الارتفاع مثل الشِّبْر أو عَظم الذِّرَاع: فصلاة الكل جائزة. وإن كان كثير الارتفاع: فصلاة الكُل باطلة. وعلَّل مالك في الكتاب بأنه يعبثون إلى الارتفاع (٣). ولا شك في فساد صلاة الإمام؛ لأنه قاصد إلى العبث والتَّجَبُّر والتَّكَبُّر، وذلك مُنَافٍ لمقصود الصلاة الذي هو الخشوع والخضوع [والخُنُوع] (٤) لله تعالى. ولذلك نهى النبي ﷺ أن يصلي الإمام على شيء ["أنْشَز" (٥)] (٦) مما عليه أصحابه. وأما فساد صلاة المأمومين؛ إما لكونهم قصدوا ذلك وتعمدوا [إلى] (٧)

стр. 282

الاقتداء [بهذا الإمام] (١) [وهو] (٢) على تلك الحالة من غير حامل [حملهم] (٣) على ذلك من جهة الإمام إلا حامل الهوى فلا خلاف أيضًا [في بطلان صلاتهم] (٤). وإن [حملهم] (٥) على ذلك [داعي] (٦) الخوف من جهة الإمام -فصلاتهم باطلة أيضًا من وجهين: إما لفساد صلاة الإمام، وصلاة [المأمومين] (٧) مرتبطة بصلاة [إمامهم] (٨). وإما لعدم القصد الكلي إلى أدائها لمشاركة ما كان من سبب داعية الإكراه. فكلا الأمرين لهما تأثير في بُطْلان الصَّلاة على الانفراد. فإن لم ينفرد الإمام بالمكان، بل شاركه فيه بعض القوم، ثم ضاق عن الباقين فصلوا في أسفل: فلا شك في هذا الوجه أن صلاة الإمام، ومن صلى معه فوق جائزة بالاتفاق لعدم العلة؛ لأنهم لم يقصدوا إلى العبث. وصلاة الذين صلوا أسفل جائزة مع الكراهية؛ لأنهم غاب عنهم بعض أفعال الإمام، فكرهت لأجل ذلك، وربك أعلم. والجواب عن السؤال الثالث: في إمامة الفاسق ومن كان في معناه.

стр. 283

والفسق في أصل اللغة (١): الخروج، تقول: فسقت الثمرة: إذا خرجت من غُلفها، وفسقت الفأرة: إذا خرجت من جحرها. وسمى الفاسق فاسقًا لخروجه عن الصراط المستقيم الذي هو الكتاب والسنة، و [ارتكب] (٢) الفجور، وإدْمَانِهِ على المعاصي، وأنه ضَيَّع أوامر الله ظاهرًا وباطنًا في العبادات والعادات، بل غَلَبَتْه شهواته وَاتَّبَع هواه، وكان أمره فُرُطًا. واختلفت المذهب في إمامته على أربعة أقوال (٣): أحدها: أن إمامته جائزة، وتستحب الإعادة في الوقت. والثاني: أنها لا تجزئ، ويعيد من ائتم به أبدًا. والثالث: التفصيل بين أن يكون فسقه [بتأويل] (٤) أو بإجماع؛ فإن كان فسقه بتأويل: أعاد في الوقت. وإن كان بإجماع كمن ترك الطهارة عامدًا، أو شرب الخمر، أو زنا: أعاد أبدًا. وهذا القول حكاه الشيخ [أبو بكر] (٥) الأبهري عن القاضي أبي الحسن بن] (٦) القصار ["﵄" (٧)] (٨).

стр. 284

والرابع: التفصيل بين [أن يكون] (١) مما له تعلق بالصلاة أو يكون مما لا تعلق له بالصلاة. فإن كان مما له تَعَلُق بالصلاة كترك الطهارة، أو تعمد الإخلال بأمر من فرائض الصلاة: فلا يُجزئهم [ويُعِيدُون] (٢). فإن كان مما لا تعلق له بالصلاة كالزنا وغَصْب الأموال، وقتل النفس: فصلاتهم جائزة. وهو اختيار أبي الحسن اللخمى. وسبب الخلاف في ذلك: أنه شيء مَسْكُوت عنه في الشَّرع، والقياس فيه متعارض: فمن رأى أن صلاة المأموم مُرْتَبِطَة بصلاة إمامه يقول: إن صلاته فاسدة؛ لأنه يُتَّهَم أن يصلي صلاة فاسدة كما يُتَّهَم في الشّهادة أن يكذب. ولهذا فَرَّقَ مَنْ فَرَّق بين أن يكون فِسْقه بتأويل أو بغير تأويل. [ومن] (٣) رأى أن صلاته غير مُرْتَبِطَه بصلاة إمامه، وأن فساد صلاة الإمام لا يَسْرِي إلى فساد صلاة المأموم، يقول: إن إمامته جائزة. وهذا في المُجَاهِر بِفِسْقِه، المُعْلِن بارتكاب المعاصي، والفواحش , المُصِرُ على الكبائر، والصغائر. وأما من اقتحم جريمة وارتكب كبيرة، ولم يكن ذلك منه عادة قبل؛ مثل أن يشرب خمرًا أو يقتل نفسًا، فإن شرب خمرًا، وتاب منها [وَطَهَّرَ جَوفه] (٤): فلا خلاف في جواز إمامته.

стр. 285

فإن شربها وخرجت من جَوفه ولم يَتُب منها: فهو كالمصرّ، ومن شربها، ولم يَسْكَر فهل تجوز إمامته والخمر في جوفه أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أن إمامته لا تجوز، ويعيد من صلى خلفه أبدًا، وهو قول مالك في كتاب محمَّد، قال: لأن [النجس] (١) في فيه وفي جوفه (٢). والثاني: أن صلاتهم خلفه جائزة، وهو قول ابن حبيب في الإِمام الذي تُؤَدَى إليه الطاعة [ولا فرق بين الإِمام الذي تؤدي إليه الطاعة] (٣) وغيره؛ فإن عَلَّلْنَا [بالنجاسة أنه حامل لها] (٤): فَالعلة شاملة ولا فرق بينهما. وأما الذي يعصرها ويبيعها ولا يشربها: فقد نص سحنون في كتاب الصلاة [الثاني] (٥) من "النوادر" (٦) أنه لا ينبغي أن يُتخذ إمامًا [راتبًا] (٧) وليُزِيلُوه إن قدروا. وكذلك الذي يعمل بالرّبا. وأما قاتل النفس عمدًا: [فمشهور مذهب مالك] (٨) أن إمامته [لا تجوز] (٩)، وإن تاب.
следующие страницы →