← Фикх малики

Фикх малики · id 123685

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

الرجراجي، علي بن سعيد

Полный текст (4 240 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

إما أن يستقل بذلك المكان و [يختص به دون] (١) سائر من خلفه، أو يشاركه فيه بعض القوم. فإن اختص [به] (٢) وحده: فلا يخلو ذلك المكان من أن يكون يسير الارتفاع أم لا. فإن كان يسير الارتفاع مثل الشِّبْر أو عَظم الذِّرَاع: فصلاة الكل جائزة. وإن كان كثير الارتفاع: فصلاة الكُل باطلة. وعلَّل مالك في الكتاب بأنه يعبثون إلى الارتفاع (٣). ولا شك في فساد صلاة الإمام؛ لأنه قاصد إلى العبث والتَّجَبُّر والتَّكَبُّر، وذلك مُنَافٍ لمقصود الصلاة الذي هو الخشوع والخضوع [والخُنُوع] (٤) لله تعالى. ولذلك نهى النبي ﷺ أن يصلي الإمام على شيء ["أنْشَز" (٥)] (٦) مما عليه أصحابه. وأما فساد صلاة المأمومين؛ إما لكونهم قصدوا ذلك وتعمدوا [إلى] (٧)

стр. 282

الاقتداء [بهذا الإمام] (١) [وهو] (٢) على تلك الحالة من غير حامل [حملهم] (٣) على ذلك من جهة الإمام إلا حامل الهوى فلا خلاف أيضًا [في بطلان صلاتهم] (٤). وإن [حملهم] (٥) على ذلك [داعي] (٦) الخوف من جهة الإمام -فصلاتهم باطلة أيضًا من وجهين: إما لفساد صلاة الإمام، وصلاة [المأمومين] (٧) مرتبطة بصلاة [إمامهم] (٨). وإما لعدم القصد الكلي إلى أدائها لمشاركة ما كان من سبب داعية الإكراه. فكلا الأمرين لهما تأثير في بُطْلان الصَّلاة على الانفراد. فإن لم ينفرد الإمام بالمكان، بل شاركه فيه بعض القوم، ثم ضاق عن الباقين فصلوا في أسفل: فلا شك في هذا الوجه أن صلاة الإمام، ومن صلى معه فوق جائزة بالاتفاق لعدم العلة؛ لأنهم لم يقصدوا إلى العبث. وصلاة الذين صلوا أسفل جائزة مع الكراهية؛ لأنهم غاب عنهم بعض أفعال الإمام، فكرهت لأجل ذلك، وربك أعلم. والجواب عن السؤال الثالث: في إمامة الفاسق ومن كان في معناه.

стр. 283

والفسق في أصل اللغة (١): الخروج، تقول: فسقت الثمرة: إذا خرجت من غُلفها، وفسقت الفأرة: إذا خرجت من جحرها. وسمى الفاسق فاسقًا لخروجه عن الصراط المستقيم الذي هو الكتاب والسنة، و [ارتكب] (٢) الفجور، وإدْمَانِهِ على المعاصي، وأنه ضَيَّع أوامر الله ظاهرًا وباطنًا في العبادات والعادات، بل غَلَبَتْه شهواته وَاتَّبَع هواه، وكان أمره فُرُطًا. واختلفت المذهب في إمامته على أربعة أقوال (٣): أحدها: أن إمامته جائزة، وتستحب الإعادة في الوقت. والثاني: أنها لا تجزئ، ويعيد من ائتم به أبدًا. والثالث: التفصيل بين أن يكون فسقه [بتأويل] (٤) أو بإجماع؛ فإن كان فسقه بتأويل: أعاد في الوقت. وإن كان بإجماع كمن ترك الطهارة عامدًا، أو شرب الخمر، أو زنا: أعاد أبدًا. وهذا القول حكاه الشيخ [أبو بكر] (٥) الأبهري عن القاضي أبي الحسن بن] (٦) القصار ["﵄" (٧)] (٨).

стр. 284

والرابع: التفصيل بين [أن يكون] (١) مما له تعلق بالصلاة أو يكون مما لا تعلق له بالصلاة. فإن كان مما له تَعَلُق بالصلاة كترك الطهارة، أو تعمد الإخلال بأمر من فرائض الصلاة: فلا يُجزئهم [ويُعِيدُون] (٢). فإن كان مما لا تعلق له بالصلاة كالزنا وغَصْب الأموال، وقتل النفس: فصلاتهم جائزة. وهو اختيار أبي الحسن اللخمى. وسبب الخلاف في ذلك: أنه شيء مَسْكُوت عنه في الشَّرع، والقياس فيه متعارض: فمن رأى أن صلاة المأموم مُرْتَبِطَة بصلاة إمامه يقول: إن صلاته فاسدة؛ لأنه يُتَّهَم أن يصلي صلاة فاسدة كما يُتَّهَم في الشّهادة أن يكذب. ولهذا فَرَّقَ مَنْ فَرَّق بين أن يكون فِسْقه بتأويل أو بغير تأويل. [ومن] (٣) رأى أن صلاته غير مُرْتَبِطَه بصلاة إمامه، وأن فساد صلاة الإمام لا يَسْرِي إلى فساد صلاة المأموم، يقول: إن إمامته جائزة. وهذا في المُجَاهِر بِفِسْقِه، المُعْلِن بارتكاب المعاصي، والفواحش , المُصِرُ على الكبائر، والصغائر. وأما من اقتحم جريمة وارتكب كبيرة، ولم يكن ذلك منه عادة قبل؛ مثل أن يشرب خمرًا أو يقتل نفسًا، فإن شرب خمرًا، وتاب منها [وَطَهَّرَ جَوفه] (٤): فلا خلاف في جواز إمامته.

стр. 285

فإن شربها وخرجت من جَوفه ولم يَتُب منها: فهو كالمصرّ، ومن شربها، ولم يَسْكَر فهل تجوز إمامته والخمر في جوفه أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أن إمامته لا تجوز، ويعيد من صلى خلفه أبدًا، وهو قول مالك في كتاب محمَّد، قال: لأن [النجس] (١) في فيه وفي جوفه (٢). والثاني: أن صلاتهم خلفه جائزة، وهو قول ابن حبيب في الإِمام الذي تُؤَدَى إليه الطاعة [ولا فرق بين الإِمام الذي تؤدي إليه الطاعة] (٣) وغيره؛ فإن عَلَّلْنَا [بالنجاسة أنه حامل لها] (٤): فَالعلة شاملة ولا فرق بينهما. وأما الذي يعصرها ويبيعها ولا يشربها: فقد نص سحنون في كتاب الصلاة [الثاني] (٥) من "النوادر" (٦) أنه لا ينبغي أن يُتخذ إمامًا [راتبًا] (٧) وليُزِيلُوه إن قدروا. وكذلك الذي يعمل بالرّبا. وأما قاتل النفس عمدًا: [فمشهور مذهب مالك] (٨) أن إمامته [لا تجوز] (٩)، وإن تاب.

стр. 286

وفي "المدونة" (١) قولةٌ ضعيفة أن توبته مقبولة. وسبب الخلاف: معارضة آية النساء (٢) لآية الفرقان (٣)؛ أيتهما ناسخة للأخرى؟ فمن رأى أن آية الفرقان ناسخة لآية النساء قال: مقبول التوبة [ق/ ٢٠ جـ] على ما سنبينه بواضح الدليل في كتاب الديات. والجواب عن السؤال الرابع: إمامة الألْكَن وَمَنْ يَلْحَن. وأما الألكن: فقد روى مالك إجازة إمامته إذا كان عَدْلًا (٤). وأما إمامة مَنْ يَلْحَن [فقد] (٥) اختلف فيها المذهب على أربعة أقوال: أحدها: أنها جائزة جملة (٦). والثاني: أنها ممنوعة جملة (٧). والثالث: أنه [إذا] (٨) كان لحنه في أم القرآن لم [تجز] (٩)، وإن

стр. 287

كان في غيرها جازت (١). والرابع: التفصيل بين أن يكون لحنه يغير المعنى: لم تجز إمامته، أو لا يغير المعنى فتجوز إمامته. وإلى هذا التفصيل ذهب [القاضي أبو الحسن] (٢)، بن القصار. وينبني الخلاف: على الخلاف في [أم القرآن] (٣)، هل هي ركن من أركان الصلاة [أم لا] (٤)؛ على حسب ما مضى شرحه. وأما الأعجمي الذي لا يميز بين الضاد والطاء؛ فلا تجوز إمامته ابتداء مع وجود غيره، فإن فعل فصلاته وصلاة من خلفه جائزة؛ لأن لحنه لا يخرجه عن أن يكون قرآنًا. والجواب عن السؤال الخامس: في إمامة الصبي. ولا تخلو إمامة هذا الصبي من أحد وجهين: إما أن يكون في حَد [من] (٥) يَعْقِل القُرْبَة أو في حَدِ مَنْ لا يَعْقِلُها. فإن كان في سِن من يعقلها ويُنْدَبُ إليها ويَعْرِفُ أنها تَنْفَع وَتَضُر. فالمذهب في إمامته على ثلاثة أقوال: أحدها: [أنها] (٦) لا تجوز في الفرض والنفل، وهو مذهب المدونة (٧)؛ لأنه قال في كتاب الصلاة الأول: لا يؤم الصبي في النافلة لا

стр. 288

للرجال ولا للنساء. والثانى: أنها تجوز في الفرض والنفل، وهو قول أبي مصعب؛ لأنه قال: إن أمُّ في الفرض أجزت صلاة من ائتم به. وقال مثله في إمام أحدث فاستخلف صبيًا صغيرًا [فأتم بالقوم] (١) فقال: إن عقل الصلاة وأمرها أجزته، وأعاد من خلفه في الوقت، والإعادة في الوقت استحبابًا. والثالث: التفصيل بين النفل والفرض؛ فتجوز في النفل، ولا تجوز في الفرض. وهو قول مالك في "المستخرجة" (٢). وربما استدل من قال [بجواز إمامته] (٣) بحديث [أبي جميلة] (٤): أنه كان يؤم قومه وهو ابن سبع سنين. وسبب الخلاف: اختلافهم في إمامة المُتَنَفِّل بالمُفْتَرِض، وهذا الخلاف أيضًا له مَطْلَع آخر؛ و [هو] (٥) صلاة المأموم هل هي مرتبطة بصلاة إمامه أم لا؟ وأما إذا كان الصبي في سن من لا يعقل القُرْبَة، [ولا يَعْرِف لها معنى] (٦) مثل ابن خمس سنين، أو أربع: فإنه لا تجوز إمامته باتفاق المذهب؛ لأنه لا يُنْدَبُ إلى فعل [الصلاة] (٧) ولا يُثَابُ عليها -لا هو ولا

стр. 289

وَلِيُّه. والجواب عن السؤال السادس: في إمامة العبد. وقد اختلف المذهب عندنا في إمامة العبد في الفرائض على ثلاثة أقوال، بعد اتفاق الجميع على جواز إمامته في النوافل التي لا أسباب لها كالتهجد بالليل، وقيام رمضان، فاتفقوا على أنه يجوز أن يكون فيها إمامًا راتبًا، فاتفق المذهب على هذا إن كان برضا السيد فَمُسْلَّم. وإن كان بغير إذنه ورضاه، وكان قيامه بالليل يَضُر بالسَّيد في عمل النهار فمشكل. [فإن] (١) كنا أسقطنا عن العبد حضور الجماعة في سائر الصلوات، ومنعناه من التَّأَوب إلى المساجد، وحرمناه من سبع وعشرين درجة، وأسقطنا عنه فرض الجمعة [وشهودها] (٢) مع ورود الأمر على العموم؛ إكرامًا للسيد، وملاحظة لحقه؛ لما يلحقه من الضرر في تعطيل [أشغاله] (٣) [لسبب ذلك] (٤) في أضعاف ذلك، فكيف لا يمنع العبد فيما يجب عليه؟ وأحد تلك الأقوال: أنه لا تجوز [ق/ ٢٨ أ] إمامته في الفرائض، ولا في السنن التي لا أسباب [ق/ ١٤ ب] لها [من قيام الليل وصيام النهار إذا دخل بذلك الضرر على سيده، وقد نص ابن القاسم في كتاب الحج الثالث في العبد المظاهر إذا أراد أن يكفر بالصوم، وكان ذلك يضر بسيده أن له أن يمنعه، وهذا فيما يجب على العبد، فكيف فيما لا يجب عليه، فأحد تلك الأقوال أن لا تجوز إمامته في الفرائض، ولا في السنن التي لا أسباب لها] (٥) كالعيدين غيرهما، وبه قال ابن القاسم (٦) أنه لا

стр. 290

يُتخذ فيها إمامًا راتبًا. ولا فرق عنده بين الجمعة وغيرها في الابتداء. فإن تقدم وصلى بهم، فلا يؤمر بالإعادة في غير الجمعة، وأما الجمعة فيعيد هو ويعيدون. والثاني: أنه يجوز أن يُتخذ إمامًا راتبًا في سائر الصلوات المفروضات، والسنن، ولا يجوز أن يكون إمامًا في الجمعة، وهو قول عبد الملك (١). والثالث: أن الإمامة جائزة في الجمعة، وسائر الصلوات، وهو قول أشهب (٢). وسبب الخلاف: اختلاف الأصوليين في العبد، هل يدخل تحت خطاب الأحرار أم لا؟. فمن [رأى] (٣) أن العبد غير داخل تحت خطاب الأحرار إلا بدليل فقد أراح نفسه. وذلك العبد [آدمي] (٤) [صورةً] (٥) وفرس معنىً لكونه مستغرق في خدمة سيده، [ومنهمكًا في شغل تولَّاه] (٦) طول عمره؛ فكان شبيهًا بالحيوان [المسرحة في المراح] (٧).

стр. 291

فمن هذه صفته كيف يتناوله الخطاب العام (١). ولا خلاف أن قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٢) لا يتناول [العبيد] (٣). وكذلك قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ (٤). وما ذلك [إلا] (٥) لعدم استيفاء شروط الخطاب، ولا امتثال بقول من يقول: إن ذلك لحق السيد؛ إذ لو أذن له السيد فحج [أن هذا الحج] (٦) لا يجزئه عن فرضه إذا عُتق، والزكاة كذلك. ثم قام الدليل القاطع [على] (٧) أنه مخاطب بالصلاة والصيام، وهو الإجماع. وبه يستدل على أن الخطاب [العام] (٨) قد تناوله لا من نفس الخطاب [نعلم] (٩) ذلك، بل بدليل آخر. ومن ذهب إلى أن خطاب الأحرار يدخل تحته [العبد] (١٠) فيقول: لا إشكال أن قوله تعالى: ﴿يَا أَيها الَذِينَ آمَنُوا اركعُوا وَاسْجُدً وا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ (١١)

стр. 292

وقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلى ذِكرِ اللهِ﴾ عام في الأحرار والعبيد إلا أن هذا العموم [خصص] (١) بالعرف، وذلك أن العادة الجارية، والسنة المطردة: أن السيد إنما بذل ماله في شراء العبد [طلبًا] (٢) لمنافعه، [أداء] (٣) لخدمته وامتثالًا لأوامره إذا أمره وإذا نهاه، فيستظهر عليه السيد لحق الربوبية، [ويستشعر] (٤) العبد في نفسه ذل العبودية. فلو أوجبنا على العبد شهود الجمعة والسعى إليها لأدى ذلك إلى الإخلال [بمراد] (٥) السيد، وفوات لهذه المقاصد. فلأجل ذلك مكنا السيد في المنع، وسلَّطنا هذا العرف على [عموم] (٦) قوله جل وعز: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله﴾ (٧). فإذا أذن السيد لعبده بعد ذلك في شهود الجمعة هل يكون من أهلها، ويكمل العدد بحضوره، وينعقد الوجوب به أم لا؟ لأن ذلك نادر وقوعه من السادات لرغبتهم في الدنيا واستعدادهم [لجمعها] (٨)، ولا تكاد نفوسهم تسمح في أن تتعطل [أشغالهم] (٩) ساعة من النهار، فكيف لو تعطل أكثر النهار أو كله، ولاسيما إذا كان [العبد ممن] (١٠) حِرفته المحراث والمسحاة -[وهي] (١١) حرفة أكثرهم-

стр. 293

فلا يكون ذلك في أكثر الأوقات إلا خارج البلد. حتى لو وجد من تطيب نفسه بذلك [فإنما يكون] (١) نادرًا والأحكام إنما تبنى على الغالب. فإذا حضرها وصلى مع الناس: نَابَت له عن ظُهر يومه باتفاق المذهب. ولأجل [هذا] (٢) قال أشهب: إن إمامته [فيها] (٣) جائزة؛ لأنه لما حضرها صار من أهلها. وابن القاسم يقول: لما كان مخيرًا بين أن يصلي الجمعة أو الظهر كان دخوله فيها [[بالتطوع] (٤) يشبه المتنفل [والله أعلم]] (٥). والجواب عن السؤال السابع: في إمامة المرأة، ولا تخلو إمامتها من وجهين: إما [أن تكون] (٦)، للرجال، وإما [أن تكون] (٧) للنساء. أما إمامتها للرجال: ففقهاء الأمصار مجموعون على منع إمامتها في الفرض والنفل (٨). وشذ أبو ثور، والطبري ﵄ فأجازوا إمامتها على

стр. 294

الإطلاق. وإنما صار الجمهور إلى منع إمامتها للرجال؛ لأن الإمامة درجة شريفة، ومرتبة منيفة؛ فلا يتولاها إلا من كان كامل الدين والذات، والمرأة ناقصة الأمرين؛ لقول النبي ﷺ : " [إنكن] (١) ناقصات عقل ودين"، فقامت امرأة فقالت: يا رسول الله وما نقصان عقولنا؟ فقال لها رسول الله ﷺ : "أليست شهادتكن على النصف من شهادة الرجال؟ " فقالت: وما نقصان ديننا؟ فقال: "تمكث إحداكن شطر [عمرها] (٢) لا تصلي" (٣). وأيضًا فإن الأصول مبنية على أن كل مَنْ تلبَّس بنقيصة دنية: فلا حظ له في المراتب العلية. والإجماع على أن المرأة لا تتولى الإمامة الكبري التي قدمناها؛ فالإمامة الصغرى مقيسة عليها؛ ولقوله ﵇: "لا يفلح قوم تولى أمرهم امرأة" (٤). ولقوله ﵇: "أخروهن حيث أخرهن الله" (٥). وقال "أيضًا" (٦): "خير صفوف الرجال أولها [وشرها آخرها]، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها" (٧).

стр. 295

ومن طريق المعنى أن المرأة لَمَّا كان صوتها عورة، وتأمل النظر فيها محظور إلا لضرورة: وجب ألا تجوز إمامتها؛ لأن بالمأمومين ضرورة إلى أن تجهر بصوتها ليسمع من خلفها قراءتها -فيما تجهر فيها بالقراءة- وتكبيرها [في الخفض] (١) والرفع. وليس لمن خلفها مندوحة [عن] (٢) النظر إليها [فهي قبلة لأبصارهم ومعرضًا لخواطرهم ولاسيما على القول بأن الإِمام سترة لمن خلفه، فمنتهى نظر المأموم إلى سترته] (٣)، وذلك غاية الفتنة، واستباحة ما حرم الله تعالى بالكتاب والسنة، فهذا [مما] (٤) لا يحل لمسلم التدين به. وأما إمامتها للنساء: فالمذهب على قولين: أحدهما: أنها لا تجوز، وهو مشهور المذهب (٥). والثاني: جوازها، وهي رواية ابن أيمن عن مالك، وهي من شذوذ المذهب، وهو قول الشافعي. فمن منع إمامتها نظر إلى أن هذا من تفاصيل القواعد أن الذريعة إذا [حميت] (٦) حمل الباب فيها [حملًا] (٧) واحدًا. وهذا هو المشهور في المذهب، إلا أنه ضعيف في النظر. والأصح: جواز إمامتها للنساء، مع عدم من يؤمهن من الرجال.

стр. 296

وهو الذي يعضده النظر والأثر. فالأثر: ما خرَّجه أبو داود من حديث أم ورقة: أن الرسول ﵇ كان يزورها في بيتها، فجعل [لها] (١) مؤذنًا يؤذن لها، وأمرها أن تؤم أهل دارها (٢). إلا أن ظاهر هذا الحديث يدل على أن إمامتها للرجال والنساء جائزة، إلا أن هذا الظاهر يخصصه [ما قدمناه] (٣) [وأما النظر فهو عدم العلة التي قدمناها وجعلناها مقتضية للمنع، وهي معدومة في إمامتها للنساء، فلم يبق إلا الجواز] والله أعلم (٤).

стр. 297

المسألة السابعة [في] (١) إعادة الصلاة [في جماعة] (٢) [ولا] (٣) يخلو [المصلي] (٤) المأمور بالإعادة من [ثلاثة أوجه] (٥): إما أن يصلي وحده، أو في [ق/ ٢١ جـ] جماعة. أو [فيما] (٦) هو مختلف فيه، هل يحكم له بحكم الجماعة أو بحكم الفذ؟ فالجواب عن [الوجه] (٧) الأول: إذا صلى وحده فلا يخلو من أحد وجهين: إما أن تكون صلاته فذًا في أحد المساجد الثلاثة؛ [مكة، والمدينة وإيليا] (٨)، أو [في] (٩) غيرها من المساجد. فإن كانت صلاته في أحد الثلاثة مساجد [مكة، والمدينة، وإيليا] (١٠)، فلا يعيد في جماعة؛ لأن المقصود بالصلاة في الجماعة حصول

стр. 298

الأجر المتضاعف لمن [صلى في جماعة] (١)، وفضل من صلى في [أحد] (٢) هذه الثلاثة مساجد يربو على الفضل الذي يحصل في صلاته في الجماعة في مسجد سواها بأضعاف مضاعفة؛ لأن الصلاة في مسجد الرسول [﵇] (٣) خير من ألف صلاة في غيره (٤)، وفي مسجد بيت المقدس بخمسمائة (٥). واختلف في مسجد الحرام [شرفه] (٦) الله: فالمالكية [تقول] (٧): بدون الأَلْف، والشافعية [تقول:] (٨) بأكثر من ألف، [على حسب] (٩) ما [تضمنته] (١٠) أدلة كل فريق، ولسنا [نذكرها] (١١) الآن. فإن كانت صلاته فَذَّا في غيرها من المساجد فلا يخلو من وجهين:

стр. 299

أحدهما: أن يمر بالمسجد ويسمع الإقامة. والثاني: أن يقعد في المسجد حتى تقام الصلاة. فإن مرَّ بالمسجد فسمع الإقامة: فلا خلاف [في المذهب] (١) نصًا أنه لا يلزمه الدخول في صلاة الإِمام، وهذا فيه نظر. فإن بَنَيْنَا على تضاعف الأجر، وأنه مقصود الشارع بالأمر: فلا فرق بين من كان داخل المسجد أو من كان خارجه. وإن كان ذلك مراعاة لحق الإِمام؛ لما يقدح في نفسه [ولا يحسن] (٢) في خاطره ممن رآه خرج من المسجد [في] (٣) حين الإقامة، فيظهر الفرق بين الحالتين، وهي العلة الظاهرة في المنع من أن يجمع صلاة في مسجد واحد [مرتين] (٤)، إلا أن متأخري المذهب [رضوان الله عليهم] (٥) اعتمدوا [على] (٦) حصول الثواب الجزيل الذي نص [عليه] (٧) الرسول ﵇ أن صلاة الجماعة تفضل [على] (٨) صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة (٩). ولا جرم أن هذا الإلزام لازم لهم على كل حال، إلا أن يعتمدوا على [تجرد] (١٠) لفظ النبي ﵇ في قوله: "إذا جئت فصل مع الناس،

стр. 300

وإن كنت قد صليت" (١). وهذا الخطاب يتناول من كان قصده إلى المسجد، ودخل دون المار والعابر. [فإن] (٢) كان في المسجد ثم أقيمت عليه الصلاة التي صلاها في بيته، فهل يعيدها أم لا؟ أما الصبح، والظهر، والعصر، والعشاء: إذا لم يوتر فلا خلاف في المذهب نصًا أنه يعيدها، ويلزم فيها [ق/ ٢٩ أ] [الخلاف] (٣) في الصبح، والعصر بالمعنى على ما سنبينه إن شاء الله. وأما المغرب: فلا يخلو من وجهين: إما أن تُقَام تلك الصلاة وهو فيها، أو تقام عليه بعد الفراغ منها. فإن أقيمت عليه وهو فيها: فلا يخلو هذا [من وجهين إما] (٤) أن يكون قبل أن يعقد منها ركعة بسجدتيها، أو بعد ما صلاها. فإن كان قبل أن يعقد منها ركعة: قطع بسلام، ودخل مع الإِمام. فإن كان بعد ما صلى ركعة كاملة: هل يقطع بسلام أو يشفع؟ [ففي المذهب قولان قائمان] (٥) من "المدونة" (٦):

стр. 301

أحدهما: أنه يقطع بسلام، ويدخل مع الإِمام. وهو قول ابن القاسم في كتاب الصلاة [الأول] (١) من "المدونة". والثاني: أنه يشفعها بركعة أخرى، ويسلم ويدخل مع الإِمام، وهو قول ابن حبيب في هذا الوجه والذي قبله. إذا أحرم ولم يركع: فابن حبيب يقول: يتم الركعتين أيضًا. ويحتمل قولان في كل وجه. والذي قاله ابن حبيب ظاهر "المدونة". وابن القاسم إنما قال بالقطع على ركعة واحدة، ولم يجزئه أن يشفعها مخافة التنفل قبل صلاة المغرب. وظاهر قوله في "صلاة الجنائز" (٢) حيث جوز تقديم [صلاة الجنائز] (٣) على صلاة المغرب: أن يشفعها. وكذلك ما وقع له في "كتاب الحج" (٤)، حيث قال: أن يقدم ركعتي الطواف على المغرب. وهو الذي يعضده قوله ﵇: "بين كل أذانين صلاة" (٥)] (٦). يريد الأذان والإقامة.

стр. 302

وإن أقيمت عليه وهو في [الثالثة] (١)، فإن كان في الركوع قطع بسلام، ويدخل مع الإِمام. وإن كان بعد الركوع فيها، وبعد الرفع عنه تمادى على تمامها ويسلم ويخرج. وإن كان بعد الركوع وقبل الرفع [منه] (٢): فقولان منصوصان في المذهب، قائمان من "المدونة" (٣). أحدهما: قول ابن القاسم؛ أنه [يتمها] (٤). والثاني: قول أشهب، أنه يرجع إلى الجلوس، ويسلم، ويدخل مع الإمام. وسبب الخلاف: اختلافهم في عقد الركعة: هل هو وضع اليدين على الركبتين، أو الرفع منها؟. فإن أقيمت [عليه] (٥) تلك الصلاة بعد سلامه منها: هل يعيدها أم لا؟ فالمذهب على قولين (٦): أحدهما: أنه لا يعيد، وهو قول ابن القاسم [في الكتاب] (٧). والثاني: أنه يعيدها، وهو قول المغيرة.

стр. 303

وأما العشاء: فلا خلاف في المذهب أنه يعيدها إذا لم يوتر. واختلف المذهب [فيما] (١) إذا أوتر هل يعيد أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه لا [يعيدها] (٢)، وهو قول [مالك] (٣) في "العتبية". والثاني: أنه يعيدها، وهو ظاهر قول المغيرة؛ مساواة بين المغرب والعشاء، والعلة واحدة. وعلى القول بأنه يعيدها: هل يعيد الوتر أم لا؟ قولان: أحدهما: أنه يعيده، وهو قول سحنون في "المجموعة". والثاني: أنه لا يعيده، وهو قول يحيى بن عمر. واختلف أرباب المذهب في العلة التي من أجلها منع من إعادة المغرب مع الإِمام، وإعادة العشاء بعد الوتر. أما المغرب: فبعضهم يقول: [إن] (٤) العلة فيها أن [صلاة] (٥) المغرب هي وتر؛ فلو أعيدت لأشبهت صلاة الوتر مع التي ليست بوتر؛ لأنها كانت تكون لجميع ذلك ست ركعات، فكأنها خرجت من جنسها إلى جنس صلاة أخرى، وذلك مبطل لها. وذلك من باب تخصيص عموم قوله ﵇: "إذا جئت فصل مع الناس، وإن كنت قد صليت" (٦)، وتخصيص العموم بالقياس جائز عند

стр. 304

الأصوليين [على] (١) الجملة، إلا أن هذا القياس الذي خصص به مالك ﵀ قياس الشبه، وهو [في أصله] (٢) ضعيف عند الأصوليين. وهو مع ضعفه في [أصله] (٣) في هذا الموضع ازداد وهنًا على وهن؛ وذلك أن السلام [فصل] (٤) بين الأوتار، فكيف [يقال] (٥) بإضافة أحد الوترين إلى الآخر. ومنهم من سلك في طريق تخريج [المسألة] (٦) طريق السّبْر [والتقسيم] (٧)، فيقول: لا تخلو [الصلاة] (٨) من أن تكون الأولى التي صلى [أولًا] (٩) وحده فرضًا، والثانية نفلًا، أو بالعكس [فأيهما] (١٠) قدر فقد مُنع؛ لأنه إن كانت الأولى هي الفرض فقد صارت الثانية نفلًا، والتنفل بثلاث ركعات ممنوع -على مذهبنا. وإن كانت الثانية هي فرض، والأولى هي نفل: فقد اجتمع فيه المكروهان: أحدهما: التنفل قبل المغرب. والثاني: [التنفل] (١١) بثلاث ركعات.

стр. 305

فخرج من مقتضى السبر [والتقسيم] (١) أن العلة التنفل بثلاث ركعات. وهو ظاهر قول ابن القاسم في "الكتاب"، حيث قال: فإن أعادها [مع الإِمام] (٢) فليشفعها بركعة بعد سلام الإِمام، وتكون أربعًا (٣). قال الشيخ أبو الحسين اللخمى ﵁: يريد إذا أعادها بنية النَّفْل. ولو نوى رفض الأولى لتكون هذه فرضه: لم يشفعها؛ لأن الاحتياط لفرضه أولى ليخرج من الخلاف. فعلى التعليل الذي علل به ابن القاسم أن الآخرة نافلة [لتخرج] (٤) الاعتراض [على القول] (٥) بألَّا يعيد العصر والصبح أيضًا؛ لأن التنفل بعدها ممنوع، وهو قول عبد الله بن عمر في "الموطأ" (٦) في صلاة الصبح. وأما اختلافهم في إعادة العشاء إذا أوتر، واختلافهم [أيضًا] (٧) في إعادة الوتر إذا أعيدت: فينبني الخلاف [على الخلاف في] أيتهما [فرضه] (٨)؟ فمن جعل الأولى فرضه، والثانية نفلًا قال: يعيد مع الإِمام، والتنفل

стр. 306

بعد الوتر سائغ. ومن جعل الأولى نافلة، والثانية فرضه، قال: لا يعيد؛ لأنه بين حالتين ممنوعتين؛ إما أن يعيد الوتر، وذلك [خلاف] (١) السنة، وقد قال الرسول ﵇: "لا وتران في ليلة" (٢). وإما ألا يعيد الوتر، وذلك خلاف السنة أيضًا في ترك الوتر عامدًا؛ إذ لا يعتد بالوتر الأول؛ لأنه بمنزلة من أوتر قبل أن يصلي العشاء. واختلافهم هل يعيد الوتر إذا أعاد العشاء؟ على هذه الأسئلة ينبني، فاحفظه تَرشد إن شاء الله. والجواب عن الوجه الثاني: إذا صلى في جماعة هل يعيد في جماعة أخرى؟ فلا يخلو من أن يصليها في جماعة في أحد المساجد الثلاثة أو [في] (٣) غيرها. فإن صلاها في أحد الثلاثة مساجد: فلا خلاف بين كل مخالف ومؤالف أنه لا يعيدها لحصول [الأجر] (٤) المقصود وأضعافه. فإذا كنا نقول: من صلاها في أحد الثلاثة مساجد فذًا أنه لا يعيدها في

стр. 307

جماعة غيرها. فإذا صلاها في جماعة فأولى [وأحرى، فإن صلى في جماعة] (١) ثم أدرك تلك الصلاة في أحد المساجد الثلاثة فلا إشكال أيضًا أنه يعيدها؛ لأنا نأمره بالإعادة [في الجماعة] (٢) ليتحصل له [الأجر خمسًا وعشرين جزءًا، فكيف لا نأمره بالإعادة ليتحصل له، (٣) الأَلْف أو المئون، وهذا لا إشكال فيه. فإن صلاها في جماعة، ثم أدركها في جماعة أخرى في غير المساجد الثلاثة: فهل يعيدها أم لا؟ فهذا مما اختلف فيه فقهاء الأمصار؛ فذهب مالك، وأبو حنيفة، وغيرهما إلى أنه لا يعيد، وذهب أحمد بن حنبل، وداود إلى أنه يعيد. وسبب الخلاف: في أصل المسألة وفي تفاصيلها: تعارض الأخبار، وتجاذب الاعتبار. فمنها: قوله ﵇ لأبي محجن الثقفي: "إذا جئت فصل مع الناس، وإن كنت قد صليت" (٤). وهذا الحديث يفيد العموم من وجه، والتخصيص من وجه أفاد العموم في جميع الصلوات، وأفاد التخصيص [فمن] (٥) صلى وحده، ولم يصل في جماعة [فله أن يعيدها في جماعة] (٦) لقوله ﵇: "ما

стр. 308

منعك أن تصلي معنا؟ ألست برجل مسلم؟ " [قال: بلى، ولكن صليت في أهلي] (١) -يريد في بيته. ومعلوم أن من صلى في بيته إنما يصلي وحده. ومنها: ما رواه الأسود، قال: شهدت الصبح مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بمسجد الخيف، فلما انصرف رأى رجلين لم يصليا معه، فقال: "عليَّ بهما" فقال: "ما منعكما أن تصليا معنا؟ " قالا: يا رسول الله كنا صلينا في رحالنا، قال: "لا تفعلا؛ إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد [الجماعة] (٢) فصليا معهم؛ فإنها لكم نافلة" (٣). أي: زيادة على [الواجب] (٤) الذي أتيتما به في رحالكما. فيستفاد من هذا الحديث: أن من صلى في جماعة [أنه] (٥) يعيد في جماعة أخرى. وفيه [دليل] (٦) أيضًا: أن الأولى فرضه، و [الأخرى] (٧) نافلة. ومنها: ما روى عنه ﷺ :"لا تصل صلاة واحدة في يوم مرتين" (٨).

стр. 309

ومنها: ما روى أن معاذ بن جبل كان يصلي مع رسول الله ﷺ [ق/ ٢٢ جـ]، ثم يذهب فيؤم قومه في تلك الصلاة (١). فيه دليل على جواز من صلى في جماعة أنه يجوز أن يكون إمامًا لغيره. فاختلف العلماء لاختلاف هذه الأحاديث؛ فمنهم من ذهب مذهب الجمع، ومنهم من ذهب مذهب الترجيح. أما من ذهب مذهب الترجيح: فإنه أخذ بعموم قوله ﷺ : "لا تصلي صلاة في يوم واحد مرتين" (٢)، ولم يستثن من ذلك إلا صلاة المفرد فقط لوقوع الاتفاق عليها. وأما من ذهب مذهب الجمع: فقال إن معنى قوله ﵇: "لا تصلي صلاة واحدة في يوم مرتين" (٣): ألا يصلي الرجل الصلاة [الواحدة] (٤) بعينها [في يوم] (٥) مرتين يعتقد في كل واحدة منها أنها فرضه [وقال قوم: بل معنى الحديث إنما هو للمنفرد يعني: ألا يصلي الرجل المنفرد صلاة واحدة مرتين في يوم] (٦). والذي رجح واستثنى صلاة المنفرد عمومًا لا خصوصًا أصح، وهو مذهب الشافعي ﵁؛ تمسكًا بعموم الخبر في جميع الصلاة. ثم إليه مذهب من خصص الصبح، والعصر لتعارض العمومَيْن؛

стр. 310

الأمر بالإعادة، والنهي عن الصلاة بعد [هاتين] (١) الصلاتين. وأضعف المذاهب [مذهب] (٢) من خصص المغرب من [بين] (٣) سائر الصلوات؛ إذ لا دليل على التخصيص إلا قياس الشبه [ق/ ٣٠ أ]. وهو في نفسه ضعيف، والاستدلال به على المسألة أيضًا ضعيف من وجه آخر، وقد بيناه قبل هذا. فصل فإذا [أعاد] (٤) في جماعة. ثم ظهر له أن إحدى الصلاتين فاسدة؛ إما التي صلى وحده، وإما التي صلى مع [الإِمام] (٥) فلا تخلو إعادته [في الجماعة] (٦) من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يعيدها بنية الفرض. والثاني: أن يعيدها بنية النفل. والثالث: أن [يكل] (٧) الأمر فيها إلى الله . فإذا أعادها بنية الفرض، ثم تبين له فساد إحداهما؛ فإن تبين له فساد الأولى: فالثانية تجزئه بلا خلاف. وإن تبين له فساد الثانية هل [يجتزئ] (٨) بالأولى أو يعيد؟ فالمذهب على قولين. وسبب الخلاف: [الصلاة] (٩) الأولى هل ترتفض بالنية أم لا؟

стр. 311

فمن رأى أنها ترتفض بالنية يقول: لابد من الإعادة. ومن رأى أنها لا ترتفض يقول: لا يعيد. وأما إذا أعادها بنية النفل، فإن فسدت الآخرة فلا يعيدها بالاتفاق. فإن فسدت الأولى هل يعيدها، أو تجزئ الثانية، وتنوب مناب الفرض؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أن النفل لا يجزئ عن الفرض، ويعيد الأولى على كل حال وهو مشهور المذهب [ق/ ١٥ب]. والثاني: أن النفل ينوب عن الفرض، ويجتزئ بالثانية عن الأولى. وهو منصوص في المذهب عن مالك ﵁ وهو ظاهر قوله في "كتاب الحج" (١): فيمن نسى طواف الإفاضة [حتى] (٢) قدم إلى بلده فقال: إنه يرجع ويطوف ويهدي إلا أن يكون طاف بمكة طواف التطوع، فيجزئ عن طواف الإفاضة. وينبني الخلاف: على الخلاف في النفل هل يجزئه عن الفرض أم لا؟ على الخلاف في إمامة المفترض خلف المتنفل هل تجزئ أم لا؟ مثل الإمامة بالصبي، ومثل صلاة معاذ خلف النبي ﷺ [ثم] (٣) قدم إلي بلده فقال: إنه يرجع ويطوف ويهدي يأتي فيؤم قومه في تلك الصلاة. وإن كان مالك ﵀ قال: إن صلاته مع النبي ﷺ -كانت نفلًا، وصلاته مع قومه كانت فرضًا، وغيره يقول: لا، بل صلاته مع النبي

стр. 312

- ﷺ كانت فرضًا، وصلاته بقومه على وجه النفل. وهذا هو الأليق بحرص معاذ ﵁، وأما أن يجعل صلاته مع النبي ﷺ [نفلًا] (١) في مسجده [وهي] (٢) أَلْف، فيقصد إلى النفل، وطفف نفسه هذا القدر الجسيم، والأجر العظيم؛ فلا يليق ذلك بأحد من الصحابة رضوان الله عليهم [فكيف بمعاذ مع جلالته وعلو قدره، بل لو عرف ذلك منه أو من غيره بعد ذلك نقص في حقه، وحط عن رتبته، ومعلوم من عادة الصحابة رضوان الله عليهم] (٣) مهاجريهم وأنصارهم، متقدمهم ومتأخرهم، إلا [المبادرة] (٤) إلى خير الأعمال، والمسابقة إلى غاية الكمال، والحرص على اكتساب الخير من جميع وجوهه بالأفعال والأقوال؛ فعليهم سلام الله ورضوانه ما طلع هلال، وسُمع إهلال. وأما الوجه الثالث: وهو أن يَكِل الأمر [إلى الله تعالى] (٥) فيهما لم تكن عليه إعادة لواحدة منهما، وسواء كانت الأولى فاسدة أو [الثانية] (٦). وهذا قول مالك في "المدونة" (٧): في الذي يصلي في بيته، ثم أتى المسجد، فأقيمت تلك الصلاة: فلا يتقدمهم فيها، فإن فعل: أعاد من خلفه؛ لأنه لا يدري أيتهما صلاته، وإنما ذلك إلى الله . وقد اختلف [فيها] (٨) قول مالك ﵀؛ فمرة يقول: إن الأُولى

стр. 313

صلاته، ومرة يقول: ذلك إلى الله يجعل أيتهما شاء صلاته، والقولان في "المدونة" (١). والجواب عن الوجه الثالث: إذا أعادها فيما هو مختلف فيه، هل يحكم له بحكم الجماعة أم لا؟ ولا خلاف في المذهب في الإِمام الراتب إذا صلى وحده أو [صلى] (٢) مع رجل واحد بالغ عاقل: أنه لا يعيد واحدة منهما [إلا على قول ابن حبيب الذي يرى فضل الجماعة يختلف، وأنه كلما كثرت الجماعة كان أعظم في الأجر على ما نقله الشيخ أبو الحسن اللخمي في باب فضل الصلاة في كتابه، وهو ظاهر قول مالك في ثمانية أبي زيد] (٣) أما المأموم فلكونه صلى في جماعة؛ والاثنان وما فوقهما جماعة. وكذلك إذا صلى رجل وحده فلا يعيد مع رجل واحد، إلا أن يكون هذا الرجل الواحد هو الإِمام الراتب فيعيد معه. وأما الإِمام: فلكونه هو وحده جماعة؛ إذ للشرع إيجاد المعدوم وإعدام الموجود، وتقريب البعيد، وتبعيد القريب، ,وإعداد المتحد واتحاد المتعدد. فأما إيجاد المعدوم: فمثل الجنين، فإن الشرع [أعطى] (٤) له حكم الموجود [معنىً] (٥) وإن كان معدومًا حسًا. وكالذِّمة؛ فالشرع أوجدها معنى، وجعلها محلًا للإلزام والالتزام

стр. 314

شرعًا، وإن كانت معدومة حسًا، وكالأعراض على اصطلاح المتكلمين، فإنها صفات للجواهر وقائمة بها، ومع ذلك فليس لها معان قائمة تدرك بالحواس. وأما إعدام الموجود: فهو أن يكون الشيء موجودًا حِسًا، ومع ذلك صار معدومًا في نظر الشرع. و [هذا] (١) نقيض [الأول] (٢) كأفعال المكره على مذهب من أعذره بالإكراه، فإن [الشرع] (٣) أعذره، وألغاها، وجعلها في خير العدم، وإن كانت مشاهدة بالحس والعيان؛ لكونها لا [تجلب] (٤) حكمًا. وهذا كالقاتل عمدًا؛ فإن الشارع حكم فيه بحكم العدم؛ فورث من لا يرث مع وجوده. وهذا حكم العدم وفائدته. وأما تقريب البعيد: فهو مثل توريث الأبعد مع وجود الأقرب لا يحجب عن الميراث من سواه؛ كالأب إذا قتل ابنه عمدًا لما كان ممنوعًا من الميراث من أجل القتل. وورث الشارع من كان لا يرث مع وجود الأب كالأخ، والعم، ومن سواهما كان البعيد أقرب الأقرباء معنى، والأقرب أبعد الأبعدين معنى؛ حكمة شرعية وسنة متبعة. وأما تبعيد القريب فكذلك أيضًا، وصورتهما واحدة، فلا نطيل بالتكرار بغير فائدة.

стр. 315

وأما إعداد المتحد: فكالإمام، فإنه متحد في رأي العين، لكن [الشرع] (١) عدده، وأقامه مقام العدد والجماعة، إذا صلى وحده، فإنه لا يعيد تلك الصلاة في جماعة [ولا تعاد تلك الصلاة في] (٢) ذلك المسجد بعد صلاته مرة أخرى. و [أما] (٣) اتحاد المتعدد: كالجماعة إذا تمالوا (٤) على قتل رجل واحد، فإنهم يقتلون [فيه] (٥)، ولو كانوا ألفًا؛ فجعلهم الشرع في هذه الحالة كالرجل الواحد، وحكم [فيهم] (٦) بمثل ما يحكم به في المتحد. وأما المختلف فيه: هل يحكم له بحكم الجماعة الذي هو مقصود الكلام مثل: من صلى مع صبي يعقل الصلاة، أو صلى بامرأته ثم أدرك تلك الصلاة في جماعة: فالمذهب على قولين في الوجهين: فالمشهور: أن من صلى بامرأته أنه لا يعيد. والمشهور: أن من صلى مع صبي [أنه] (٧) يعيد. وظاهر المسألة لا فرق بين أن يكون الصبي إمامًا أو مأمومًا. وسبب الخلاف: الإناث هل يندرجن تحت خطاب الذكران أم لا؟ فإن قلنا: إن الإناث يدخلن تحت خطاب الذكران: فلا يعيد من صلى

стр. 316

بامرأته في جماعة، وأقل الجمع اثنان -على رأي بعض أهل الأصول (١). وإن قلنا: إن الإناث لا يندرجن تحت خطاب الذكران إلا بقرينة أو بدليل: فإنه يعيد في جماعة؛ لأنه بمنزلة من صلى وحده [والحمد لله وحده] (٢).

стр. 317

المسألة الثامنة [فيمن] (١) أقيمت عليه الصلاة، وهو في تلك الصلاة، أو في غيرها. فإن كان في تلك الصلاة التي أقيمت عليه بعينها، فلا يخلو من وجهين: إما أن تقام عليه الصلاة بعد إحرامه، وقبل عقد الركعة، أو [يكون] (٢) بعد عقد الركعة. فإن كان ذلك بعد الإحرام وقبل عقد الركعة: فلا يخلو من أن يخشى أن يفوته الإِمام بركعة أم لا. فإن خشى فوات الركعة: فإنه يسلّم، ويدخل مع الإِمام بلا خلاف. وإن لم يخش فوات الركعة: فالذي يتخرج [في المذهب] (٣) في هذه المسألة أربعة أقوال: كلها قائمة من "المدونة" (٤): أحدها: أنه يقطع بسلام، ويدخل مع الإِمام جملة [بغير] (٥) تفصيل. وهو قوله في الكتاب في صلاة الرباعيات والمغرب. والثاني: التفصيل بين النافلة والفرض؛ ففي النافلة يأتي بالركعتين إن

стр. 318

كان ممن يخفف (١)، والفريضة يقطع بسلام ويدخل. والثالث: [التفصيل بين المغرب وغيرها، فالمغرب يقطع ولا يتمادى إلى ركعتين. وغيرها من الصلوات يأتي بركعتين، وهو ظاهر قوله في الكتاب. والرابع] (٢): أنه يتمادى إلى تمام ركعتين ويسلم، ويدخل مع الإِمام [جملة] (٣) بلا تفصيل بين الفرض والنفل، ولا بين المغرب وغيرها. ووجه من قال: يقطع جملة؛ فللنهي عن صلاتين معًا. ووجه [من جوَّز الإتيان] (٤) بالركعتين: الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٥). ووجه من فرق بين الفرض والنفل [قال] (٦): لأن النفل إن قطعها لا تلزمه العودة إليها بعد فراغه من صلاة الإِمام، فلهذا أُبِيح له التمادي ليحصل له أجرها. والفرض يعيدها [بعد سلام] (٧) الإِمام؛ فإنه إن أبطل هذه الفريضة [أتى بها] (٨) مع الإِمام على أحسن ما كان يصليها وحده؛ فلهذا فرق بينهما [والله أعلم] (٩).

стр. 319

ووجه من فرق بين المغرب وغيرها [من الصلوات] (١): لأنا إن أمرناه أن يصلي ركعتين ثم يسلم: فلا خلاف أن هاتين الركعتين نفل، والنفل قبل صلاة المغرب ممنوع؛ فتقابل ممنوعان: أحدهما: إبطال العمل. والثاني: التنفل قبل المغرب، فرجح أحد الممنوعين على الآخر. وسبب الخلاف: تعارض العمومَيْن؛ عموم الكتاب، وعموم السنة. فعموم الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَلا تبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٢). وعموم السنة: نهيه ﵇ عن صلاتين معًا (٣). فمن رجح عموم الكتاب: قال بالتمادي إلى تمام ركعتين في الجميع. ومن رجح عموم [ق/ ٢٣جـ] السنة: قال بالقطع في الجميع. ومن فرق: فقد بينا وجه قوله. وللخلاف [فيه] (٤) سبب آخر، وهو: الإحرام، هل هو ركن أو ليس بركن؟ فمن جعله ركنًا فيقول: [يبنى] (٥). وينبني [ق/ ٣١ أ] الخلاف: على الخلاف في العمومين المذكورين. ومن لم يجعله ركنًا قال: يقطع؛ لأن الإحرام ليس بركن يخشى بطلانه.

стр. 320

فإن كان ذلك بعد ركعة: فهاهنا يفرق بين المغرب وغيرها من الصلوات. فغير المغرب: يشفعها بركعة أخرى، ويسلم ويدخل مع الإِمام كانت فرضًا أو نفلًا. ولا خلاف في المذهب في هذا الوجه، ويدخل فيه الخلاف بالمعنى وسببه الأصل الذي قدمناه من تعارض العمومين. فأما المغرب فهل يسلم على ركعة، ويدخل مع الإِمام، أو يشفعها؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة" (١): أحدهما: أنه يسلم على ركعة [ويدخل مع الإِمام] (٢) وهو قول ابن القاسم في الكتاب. والثاني: أنه يشفعها بركعة ويسلم، وهو نص ابن حبيب فيما إذا أقيمت عليه بعد الإحرام، وقبل أن يصلي شيئًا، فقال: يأتي بركعتين ويسلم؛ فمن باب أولى [وأحرى] (٣) إذا أقيمت عليه بعد أن صلى منها ركعة. وهو ظاهر قوله في المدونة في صلاة النافلة، وهو نص قول ابن القاسم، وأشهب في "المجموعة" (٤). وقد اختلف قول ابن القاسم [فيها] (٥). [وأما إذا] (٦) أقيمت بعد أن صلى منها ركعتين هل يقطع أو يأتي
следующие страницы →