فإن كان الفوات بسببه مثل أن يكون ثوبًا فلبسه أو جارية فأحبلها كان له الأكثر من الثمن أو القيمة.
فإن كانت القيمة يوم البيع أكثر أخذها من الوكيل.
فإن كانت يوم الفوات أكثر أخذها من المشتري، وهو قول مطرف في أن القول قول الآمر على الجملة.
وأما التفصيل في القيمة فللشيخ أبي الحسن اللخمي ﵀.
والثاني: أن القول قول المأمور وهو مشهور المذهب، وهو قوله في "المدونة" ونص قول الغير فيها.
فإن كانت تلك السلعة مثلها لا تباع بالعروض فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن القول قول الآمر في القيام والفوات، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" إذا باع إلى أجل أو باع بخمسة وهي من أثمان المائة وهو قوله في "واضحة" ابن حبيب في هذه المسألة نصًا، وبه قال مطرف وابن الماجشون في "الواضحة".
والثاني: أن القول قول الوكيل في الفوات وهو مذهب ابن القاسم في "العتبية" و"الموازية"، وهو نص قول غيره في "المدونة" وقال: فإذا باع بغير العين فإنما هو مبتاع غير بائع وقد عقد هذا الغير في "الكتاب" عقد أو قال: كلها لم تفت وادعى فيه المأمور ما يمكن وادعى الآمر غيره فالمأمور مصدق مع يمينه، وظاهر هذا العقد أن القول قول الآمر في هذا الفصل كما نص عليه ابن القاسم في "الواضحة"، فإن باع بالعين وقال: بذلك أمرني ربها، وقال الآمر: إنما أمرته أن يبيع بالعروض فالمذهب على قولين:
стр. 2732
أحدهما: أن القول قول الوكيل في القيام والفوات لأنه قد ادعى ما يشبه إلا أن يتبين أن لدعوى الآمر وجه، مثل أن يدعي: إنما أمره أن يبيع بعرض ليوفي به دينًا عليه من ذلك الجنس من العروض إما سلفًا وإما سلمًا فيكون القول قول الآمر حينئذ وهو قول ابن القاسم وعبد الملك في "الموازية"، وقال ابن حبيب: وإليه رجع مالك وهو ظاهر "الكتاب" من مسألة القمح.
والثاني: أن القول قول الآمر مع القيام وله الخيار مع الفوات بين أن يجيز البيع فيأخذ الثمن أو يضمنه القيمة وهو قول مطرف في "الواضحة" وأشهب في "الحاوي" فإذا تصادقا على أن الإذن في البيع بالعين فباع بالدنانير ما يباع بالدراهم أو باع بالدراهم ما مثله يباع بالدنانير، هل يضمن ويكون متعديا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه لا ضمان عليه وأن فعله جائز وهو ظاهر قول الغير في "المدونة" حيث قال: وإنما البيع بالأثمان لا بالعروض؛ لأن العين ثمن وما سواه مثمون، وهو نص قول أشهب، وبه قال أصبغ إذا كانت الدراهم التي أمر بها مثل صرف الدنانير التي باع بها، والذي قاله أصبغ تفسير.
والثاني: أنه لا يجوز له أن يبيع بأحد العينين ما يباع بغيره إلا بإذن الآمر وأنه مهما باع بغير ما أمر به من أحد العينين فهو متعدٍ ضامن وهو قوله في "كتاب السلم الثاني" في الذي دفع دنانير لرجل على أن يسلمها له في طعام فلم يسلمها حتى صرفها دراهم حيث قال: فإن كان هو الشأن في تلك السلعة، وكان نظرًا لأن الدراهم فيما تسلف فيه أفضل فذلك جائز وإلا كان متعديًا وضمن الدنانير ولزمه الطعام فقد منعه هنا أن يشتري بالدراهم ما يشتري بالدنانير فالبيع مثل الشراء.
стр. 2733
فإن باع عرضا بعرض وقال: بذلك أمرني ربها، وقال الآمر: إنما أمرتك بعرض آخر خلاف ما بعت أنت به، فلا يخلو من أن تكون السلعة فائتة أو قائمة.
فإن كانت قائمة فالقول قول الآمر مع يمينه ويأخذ سلعته.
فإن فاتت فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن القول قول الآمر في القيام والفوات.
ففي القيام يأخذها، وفي الفوات يخير بين قيمتها وثمنها وهو قول مطرف في واضحة ابن حبيب.
والثاني: أن القول قول المأمور وهو قوله في "المدونة" في الذي دفع دراهم لرجل فاشترى بها تمرًا، وقال: بذلك أمرتني، وقال الآمر: إنما أمرتك بالحنطة، حيث قال القول قول الآمر لفوات الثمن ولأنهما أيضًا قد اتفقا أن الثمن عرضًا وكل واحد منهما أتى بما يشبه، والوكيل قد أتى بما يشبه فيكون القول قوله بعد الفوات.
فأما الوجه الثالث: إذا اختلفا في نقد الثمن وتأجيله مثل أن يبيع بالثمن إلى أجل، وقال: بذلك أمرتني، وقال: إنما أمرتك بالنقد أو باع بالنقد، وقال الآمر: إنما أمرتك أن تبيع إلى أجل، واختلفا في قدره.
فإن باع إلى أجل وأنكر عليه الآمر فلا يخلو من أن تكون السلعة قائمة أو فائتة.
فإن كانت قائمة خير الآمر بين البيع والإمضاء بالثمن إلى ذلك الأجل.
فإن فاتت السلعة فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن القول قول الآمر في الفوات والقيام وهو قول ابن القاسم
стр. 2734
ومطرف وابن الماجشون في "كتاب ابن حبيب".
والثاني: أن القول قول المأمور وهو قول ابن القاسم في "الموازية".
فإن باع بالنقد وقال الآمر: إنما أمرتك أن تبيع إلى أجل، فلا يخلو المأمور من أن يصدقه أو يكذبه.
فإن صدقه المأمور فلا يخلو من أن يبيع مثل ما سمى له من الثمن أو بمثل قيمتها إن فوض إليه في الثمن أو بأقل.
فإن باع بمثل ما سمى له من الثمن أو بمثل القيمة إن فوض إليه وقد تقدم الكلام عليه في "كتاب السلم الثاني" في مسألة تعدي الوكيل فأغني عن إعادته في هذا الموضع.
فإن باعها بأقل مما سمى به فهو ضامن ويفسخ البيع مع القيام ويغرم المأمور الأكثر مما باعها به أو القيمة فإن كذبه المأمور، وقال: أمرتني أن أبيع بالنقد كان القول قول الآمر مع القيام، والقول قول المأمور مع الفوات، فإن اتفق الآمر والمأمور أن البيع إلى أجل واختلفا في قدره فذلك كاختلاف المتبايعين سواء وقد فرغنا منه في بابه.
وأما الوجه الثاني من أصل التقسيم: وهو اختلافهما في المثمون، مثل أن يقول: أمرتني أن أشتري تمرًا، وقال الآمر: بل أمرتك أن تشتري قمحًا، فالقول قول الآمر مع القيام، أعني قيام رأس المال، وبعد فواته قولان:
أحدهما: أن القول قول المأمور، وهو نص "المدونة".
والثاني: أن القول قول الآمر وهو قوله في "كتاب محمَّد". [والحمد لله وحده] (١).
стр. 2735
المسألة السادسة في الذي اشترى طعاما ثم وجد به عيبا فرد نصف الحمل، واختلف مع البائع في مقداره فالبائع يقول: إنما بعت حملًا بمائة درهم
فقال في "الكتاب": القول قول المشتري إن أشبه أن يكون نصف حمل بمائة؛ لأن البائع قد أقر بالثمن وادعى عليه زيادة في المثمون.
واختلف إذا لم يأت المشتري بما يشبه وأتى البائع بما يشبه هل يلزم المشتري رد تمام الحمل؟ على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدهما: أنه لا يرد شيئا وإنما يرد عليه البائع نصف المائة حسبت وأنه لا يلزم المشتري أكثر مما أقر به، ولا فرق بين الجزاف والمكيل، وإلى هذا ذهب أكثر شيوخ المذهب وحملوا ألفاظ "الكتاب" على ظاهرها.
والثاني: أنه يرد الحمل كاملًا، وتأولوا قوله في "الكتاب": ولا غرم على المشتري في نصف الحمل الثاني على قوله: إذا أتى بما يشبه في أول المسألة، وهو قول عبد الملك في المكيل والموزون، وهو تأويل بعضهم على الكتاب أيضا ولا فرق عندهم بين المكيل والجزاف.
والقول الثالث: التفصيل بين المكيل والجزاف، فيرد وتمام الحمل في المكيل، وفي الجزاف يرد المعيب خاصة؛ لأن الجزاف إذا فات صار كالعروض وهو قول ابن الموَّاز.
وعلى القول بأنه يرد تمام الحمل فإنه يرده من جنس المعيب الذي رد إلا أن هذا النصف يكون سالما.
стр. 2736
ويستفاد من القول الذي قال فيه أنه لا يرد إلا المعيب خاصة أن النصف في حيز القليل على ما سنذكره في "كتاب التدليس بالعيوب" إن شاء الله تعالى. [والحمد لله وحده] (١).
стр. 2737
كتاب العرايا
стр. 2738
كتاب العرايا
تحصيل مشكلات هذا الكتاب وجملتها خمس مسائل:
المسألة الأولى في اشتقاق العرية وتسميتها بذلك
وقد اختلف في تسميتها بذلك على سبعة أقوال:
أحدها: أنها مأخوذة من قولهم عريته أعريه إذا طلب إليه فعيلة بمعنى مفعولة أي عطية، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ (١).
وتكون على هذا أيضًا بمعنى إبانته عنها لأن الذي اعتراها يختلف إليها ويحل بأهله فيها.
والثاني: أنها سميت بذلك؛ لأنها عرت عن السوم عند البيع فعلى هذا كله تكون العرية اسم للثمرة، أو تكون بمعنى أن هذه النخلة عرية من الثمرة بهذه الهيئة فتكون هنا اسم للنخلة.
والثالث: أنها النخلة تكون للرجل في نخل الرجل فيدخل إليها صاحبها فيؤذي صاحب النخل الكثير بدخوله فرخص له في شراء ثمرها منه ليدفع أذاه عنه، وهذا يأتي على مذهب مالك وابن القاسم، فلا يجوز أن يشتريها منه إلا على طريق المعروف معه ويكفيه سقيها لدفع الضرر مجردًا على ما سنبينه بعد هذا إن شاء الله تعالى.
ومعنى تسميتها على هذا الوجه عرية لانفرادها من حمله، يقال: عريت هذه النخلة إذا أفردتها بالبيع والهبة.
стр. 2739
والرابع: أنها شراء من لا يحل له ثمر النخلة من صاحب النخل ليأكلها هو وعياله رطبًا يخرجها تمرًا مما بيده من التمر نقدًا، وهذا مذهب الشافعي ومن وافقه ورأى أن الرخصة في العرايا إنما هي الرفق ويشتريها وحاجته إلى ذلك، وهذا يأتي على التفسير المتقدم أنها لانفرادها أعني النخلة أو اسما للعقد.
والخامس: أن العرية هي الثمرة إذا أرطبت، سميت بذلك لأن الناس يعرونها أي يأتونها لالتقاط ثمرها.
والسادس: أنها إنما سميت بذلك لانعزال مالكها عنها من بين سائر ماله لأنها عرية من جملة النخل، ويكون على هذا فعليه بمعنى فاعله، قال الله تعالى: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ (١)، أي: في الموضع الواسع الخالي من الأرض.
والسابع: أنها سميت بذلك لأنها عرية من جملة تحريم المزابنة وحلت من ذلك، ولا فرق بين اسمها عرية أو هبة أو عطية أو منحة أن ذلك من ألفاظ المعروف إلا في حكم الرخصة في جواز شرائها منه بخرصها إلى الجذاذ، فقد اختلف أئمتنا في ذلك؛ فابن القاسم لا يجري الرخصة إلا فيما منح باسم العرية وعرفها المستعمل فيها، قال: وأما لغير ذلك من ألفاظ والتمليك فلا يحكم لها بحكم العرية ولا يقضي فيها بخرصها.
وأما ابن حبيب فلم يراع اختصاص لفظ العرية من غيرها من تلك الألفاظ ويجري الرخصة عنده في كل الألفاظ، وهي أعني بيع العرية بخرصها مستثناه من أربعة أصول ممنوعة محرمة:
أولها: المزابنة وهي شراء الرطب بالتمر.
стр. 2740
والثاني: بيع الطعام بالطعام إلى أجل.
والثالث: بيع الطعام من جنسه متفاضلا.
والرابع: الرجوع في الهبة.
فإذا ثبت ذلك فشراؤها يخرصها يجوز بعشرة شروط ستة متفق عليها في المذهب، وأربعة مختلف فيها.
فأما السنة المتفق عليها:
[أحدها] (١): أن يكون مشتريها هو معريها.
والثاني: أن تكون قد طابت.
والثالث: ألا يكون تمرًا.
والرابع: ألا يكون إلا بخرصها.
والخامس: ألا تباع إلا بنوعها.
والسادس: ألا تكون إلا إلى الجذاذ.
وأما الأربعة المختلف فيها: ألا تكون إلا باسم العرية وأن تكون خمسة أوسق فأدنى لأكثر منها، وأن يكون للمشتري جملة ما أعرى المعري، وأن يكون مما ييبس ويدخر. فهذه عشرة شروط.
وقد اختلف فيما ييبس ويدخر على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يشتري بخرصها إلا النخل والعنب خاصة.
والثاني: أنه تجوز في كل ما ييبس ويدخر، والقولان لمالك في "كتاب محمَّد".
стр. 2741
والثالث: أنه يجوز في المدخر وغيره من الثمار وهو قول محمَّد، واختلف في خمسة أوسق هل يجوز شراؤها بالخرص أو لا يجوز إلا فيما دون الخمسة على قولين. [والحمد لله وحده] (١).
стр. 2742
المسألة الثانية في عَرِيَّة الواحد للواحد أو للجماعة
ولا يخلو ذلك من أربعة أوجه:
أحدها: أنه يعري واحدًا لواحد في حائط واحد.
والثاني: أن يعري واحد لواحد في حوائط متعددة.
والثالث: أن يعري واحد لجماعة.
والرابع: أن يعري الجماعة للواحد، وذلك كله في حائط أو حوائط.
فأما عرية الواحد للواحد في حائط واحد فلا خلاف في المذهب في جواز شراء ما دون خمسة أوسق ويخرصها تمرًا عند الجذاذ إلا رواية شاذة رويت عن مالك أنه منع شراء العرية بخرصها تمرًا عند الجذاذ وأجازه بالعين وغيره.
وفي خمسة أوسق قولان، مشهور المذهب جوازه وهو مذهب "المدونة".
والثاني: المنع وهو الأظهر في النظر، وذلك أن الراوي شك في خمسة أوسق هل وردت فيها الإباحة أو لا؟ والشك لا يقدح في اليقين، ونحن على اليقين في تحريم المزابنة عمومًا حتى يثبت دليل التخصيص.
ووردت الرخصة بجواز شراء العرايا بخرصها تمرًا عند الجذاذ مما دون خمسة أوسق، وشك الراوي في الخمسة، فالإباحة فيما دون الخمسة لا في الخمسة إذ لابد أن يبقى للرخصة محل، ويبقى على أصل المنع محل فيما دون الخمسة محل للرخصة وهي أربعة فدون؛ وفوق الخمسة محل للمنع بالأصل، والتوسط بينهما هو المشكوك فيه.
стр. 2743
فوجه قول من يقول: أن الرخصة جملة أو يبقى لها أقل القليل الذي بنوه منصب الشارع عن التعرض لذكره فضلا عن أن ينصبه محلا للإباحة بعد الخطر إذ الشك صالح أن يجري في الجميع، فقطعنا نحن مادة الشك واستعملنا الرخصة في الخمسة فدون لاسيما، والرخصة وردت من طريق لا شك فيه.
وعلى القول في الخمسة فدون أو فيما دون الخمسة على الخصوص هل ذلك لمعنى أو لا لمعنى؟ فالمذهب على أربعة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن الرخصة معللة بدفع الضرر وإكفاء المؤونة على الضم والجمع وهو نص قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أن ذلك لدفع الضرر خاصة دون إفكاء المؤنة وهو قول غيره في "الكتاب".
والثالث: أنه لإكفاء المؤونة خاصة وهو ظاهر قول ابن القاسم في "الكتاب" فيمن له نخلة في حائط رجل حيث جوز لرب الحائط شراء تلك النخلة بخرصها عند الجذاذ فليس في ذلك دفع الضرر ولا إكفاء المؤونة وهو قوله في "الكتاب" فيما إذا أعرى الرجل من حائطه أكثر من خمسة أوسق فقد قال: أنه أجوز للمعري أن يشتري من عريته خمسة أوسق، فهذا ليس فيه دفع ضرر ولا إكفاء المؤونة لأن الباقي من العرية في يد المعري أو الضرر فيه قائم للدخول والخروج والمؤونة؛ دائمة على المعري له في تكلفة القيام بما بقي ولا احتفال بقول من يقول أن المؤونة والكلفة قد انقضت عنه وخفت وذلك باطل، ولاسيما إن كان المشتري في جنبه ما يفي أيسر اليسير وذلك كله إذا أعرى الواحد للواحد في حائط واحد.
وأما الوجه الثاني: إذا أعرى الواحد للواحد في حوائط، هل يجوز له
стр. 2744
أن يشتري من كل حائط خمسة أوسق أم لا؟
[على] (١) ثلاثة أقوال كلها متأولة على "المدونة":
أحدها: أنه يجوز له أن يشتري من كل حائط خمسة أوسق ويكون كحائط واحد وهو تأويل القابسي على "المدونة".
والثاني: أنه لا يشتري من الجميع إلا خمسة أوسق كان ذلك بلفظ واحد أو بألفاظ متعددة وهو تأويل ابن أبي زيد ويحيى بن عمر على "المدونة".
والثالث: التفصيل بين أن يكون ذلك بلفظ واحد فيكون كما قال ابن أبي زيد، أو يكون بألفاظ فيكون كما قال القابسي، وهو تأويل ابن الكاتب على "المدونة"، ويشهد لهذا التأويل ما وقع في "كتاب الجوائح" فيمن اشترى حوائط فاجتيحت حيث قال: فإن كانت في صفقة واحدة فإنه يعتبر ثلث الجميع، وإن كانت في صفقات فيعتبر كل واحد.
وأما الوجه الثالث: إذا أعرى الواحد للجماعة في حائط أو حوائط.
فإن كان ذلك في حوائط فالجواز ولا إشكال لأن كل واحد مستقل بعريته فيجوز له أن يشتري خمسة أوسق من كل حائط.
وإن كان ذلك في حائط واحد فيتخرج الخلاف على الخلاف في شراء العرية بالخرص، هل هو معلل أو غير معلل؟
فعلى القول بتعليله فيمنع الشراء في هذا الوجه لعدم العلة وعلى القول بأنه معلل فيجوز الشراء.
وأما الوجه الرابع: إذا أعرى الجماعة للواحد في حائط أو حوائط
стр. 2745
فالجواز إطلاقا.
وأما الوجه الخامس: إذا أعرى الجماعة للجماعة.
فإن تساوى عدد من أعرى [مع] (١) عدد من أعرى له أو كان عدد من أعرى أقل فإنه يجوز لمن أعرى أن يشتري منهم جميع ما أعرى له إذا كان خمسة أوسق أو دون.
فإن كان عدد من أعرى أكثر فلا يجوز لواحد منهم أن يشتري جميع سهم من أعرى له وإن كان أقل من خمسة أوسق، لأنه اشترى ما أعرى وما أعرى غيره، والرخصة إنما وردت في شراء المعري عرية نفسه لا فيما أعرى غيره.
ولا خلاف في مذهب مالك في ذلك، وإنما يجوز ذلك في مذهب الشافعي، [والحمد لله وحده] (٢).
стр. 2746
المسألة الثالثة بما تصح العرية للمعري إذا مات المعرِي أو مات المعرَى
فإن مات المعرِي فلا يخلو من أن يموت بعد طيب الثمرة وبعد قبضها أو مات قبل الطيب.
فإن مات بعد طيب الثمرة وبعد الجذاذ فلا خلاف أعلمه في المذهب أن الثمرة للمعرَى دون ورثة المعرِي.
فإن مات المعرِي قبل طيب الثمرة وقد أبرت فلا يخلو من أن يقبضها المعرَى ويجوزها أو لم يقبضها.
فإن مات قبل القبض والحوز فلا خلاف في المذهب أنها لورثة المعرِي ولا شيء فيها للمعرَى.
فإن مات المعرِي قبل قبض المعرَى وحوزه للأصول قبل أن يطلع في النخل شيء فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن العرية تصح للمعرَى بحوز الأصول ويكون أحق بما يطلع فيها من الثمار بعد موت المعرِي، وهو تأويل بعض المتأخرين، على "المدونة" قياسا على الهبة والصدقة.
قال في "كتاب الهبة" في هبة الثمر والجنين أن ذلك جائز إذا حوزه الأصول والأمة.
والثاني: أنه لا شيء فيه للمعرَى إلا إذا قبض الأصول بعد طلوع الثمار فيها وهو تأويل بعضهم على "الكتاب" أيضًا، وهو مذهب ابن حبيب أن
стр. 2747
الحوز فيها لا يصح إلا بحوز الرقاب [وطلوع] (١) الثمر فيها، وإلى هذا الذي قاله ابن حبيب ذهبت طائفة من الأندلسيين.
وسبب الخلاف:
اختلافهم في تأويل ما وقع في "الكتاب" من قوله فيمن أعرى لرجل نخلًا فمات ربها قبل أن يطلع في النخل شيء وقبل أن يحوز المعرَى عريته: إن العرية غير جائزة وللورثة إبطالها.
فقوله: قبل أن يطلع في النخل شيء وقبل أن يحوز المعرَى عريته، هل لابد من اعتبار الشرطين جميعًا، أو لا يعتبر إلا قبض الأصول خاصة.
واختلفوا في الهبة والصدقة هل يجري فيهما هذا الخلاف أم لا؟ على ثلاثة أقوال كلها متأولة على "المدونة":
أحدها: أن الهبة والعرية والصدقة في الأصول والإماء واحد لا يتم حوزها إلا بحوز الأصول وخروج الثمرة وخروج الولد وهو مذهب ابن حبيب.
والقول الثالث: التفصيل بين العرية والهبة والصدقة، وأن الخلاف والتوقف في العرية دون الهبة والصدقة.
وأن مذهب "الكتاب" التفريق بينهما، وهو تأويل أبي جعفر بن رزق.
والرابع: التفصيل بين أن يتصدق عليه بما في بطن أمته وبين العرية وبين هبة ما بثمر النخل وصدقته.
ففي العرية والهبة، والهبة والصدقة في الأصول لابد من اعتبار الشرطين: الحوز وطلع الثمر.
стр. 2748
وفي الجنين يكون حوز الأم حوزًا له، وإلى هذا ذهب فضل بن سلمة تأويلًا على "المدونة".
وسبب الخلاف:
قبض الأصول هل هو قبض لما يأتي من الثمار أم لا؟
وأما اختلافهم في قبض الأمة فمبني على اختلافهم في الجنين في بطن أمه هل يطعى له حكم الوجود أو يعطى له حكم العدم.
فإن مات المعرى فقد اختلف المذهب بماذا تصح للورثة على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه لا يجب لهم إذا مات بعد طيبها وهو قول ابن القاسم في "العتبية" وظاهر "المدونة" في "كتاب الحبس".
والثاني: أنها تجب للورثة بالإبار وهو قول أشهب في "كتاب الحبس" من "المدونة" أيضًا.
ويتخرج في المسألة قول ثالث: أنها تجب للورثة بحوز الأصول كانت فيها ثمرة أم لا؛ على القول بأنها تجب للمعرِي بالحوز؛ لأن ذلك حق ثابت له، فوجب أن يورث لقول النبي ﷺ : "من مات عن حق فلورثته" (١). [والحمد لله وحده] (٢).
стр. 2749
المسألة الرابعة في زكاة العرية على من تجب هل هي على المعرِي أو على المعرَى وزكاة الهبة والصدقة والسقى في ذلك
فلا تخلو العرية والهبة من أن تكون بعد الطيب أو قبله فإن كانت بعد طيب الثمرة فالزكاة والسقي إن احتيج إليه على المعرَى له والموهوب قولًا واحدًا.
فإن كان قبل طيب الثمرة فعلى من تكون الزكاة والسقي؟
فالمذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أن السقي والزكاة والعلاج على المعرَى والموهوب له وهو قول كبار أصحاب مالك في "الكتاب".
والثاني: أن الزكاة والسقي والعلاج على المعرِي، وزكاة الهبة على الموهوب له سواء أعرى جزءًا شائعًا أو معينًا وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والرابع: التفصيل بين الزكاة ولا سقي، فالزكاة على المعرَى له والسقي على المعرِي وهو قول ابن الموَّاز.
وينبني الخلاف على الخلاف في العرية متى يمكلها المعرَى؟ هل يملكها الآن أو لا يمكلها إلا بعد طيبها؟
والحمد لله وحده.
стр. 2750
المسألة الخامسة في بيع الثمار
وموضع ذكر هذه المسألة في "كتاب البيوع الفاسدة" إلا أنا أغفلنا تنزيلها هنالك فاستدركناها آخر هذا الكتاب؛ لأن لها فيه تعلقًا، فنقول من حيث التقريب: بيع الثمر قبل بدو الصلاح على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يشتريها بشرط الحد.
والثاني: أن يشتريها بشرط البقاء.
والثالث: أن يبهم الأمر.
فأما الوجه الأول: إذا اشتراها على الجذ فجحدها فلا خلاف في الجواز.
وأما الوجه الثاني: إذا اشتراها على البقاء فلا خلاف في البطلان، ثم لا يخلو من أن يعثر على ذلك قبل الجذاذ أو بعد الجذاذ.
فإن عثر على ذلك فلا يخلو من أن يدرك ذلك قبل أن يفوتها بالبيع أو بعد أن فوتها.
فإن أدرك ذلك قبل أن يفوتها فالبيع يفسخ اتفاقًا.
فإن أدرك ذلك بعد أن فوتها بالبيع بعد طيبها فذلك فوت قولًا واحدًا.
واختلف ما الذي يجب على المشتري الأول على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن عليه قيمتها يوم بدو صلاحها.
والثاني: أن عليه قيمتها يوم باعها وهو قول ابن الموَّاز.
стр. 2751
والثالث: أنه يرد عدد المكيلة التي قبض منها المشتري الثاني، وهو قول مالك في "الموَّازية".
فإن عثر على ذلك بعد الجذاذ فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يجذها بسرًا؛ وإما أن يجذها رطبًا؛ وإما أن يجذها تمرًا.
فإن جذها بسرًا أو تمرًا فعليه قيمتها يوم جذها.
فإن جذها رطبًا فلا تخلو من أن تكون قائمة العين أو فائتة.
فإن كانت قائمة العين فلا تخلو من تكون العادة فيها أن تجذ رطبًا أو تترك إلى أن تيبس.
فإن جرت العادة بجذاذها رطبًا كان في غرم قيمتها قولان:
أحدهما: أن البائع يأخذها، وهذا القول مخرج غير منصوص عليه.
والثاني: أن يغرم قيمتها يوم جذها.
فإن كانت العادة أن تترك إلى أن تيبس فعليه القيمة قولًا واحدًا، وكذلك إذا فاتت الثمرة بعد الجذاذ فإنه يغرم قيمتها يوم الجذ قولًا واحدًا.
فإن جذها فإنه يرد المكيلة إن عرفت أو القيمة إن جهلت.
فأما الوجه الثاني: إذا أبهم الأمر فهل يحمل على الجذ فيجوز [أو] (١) يحيى على البقاء فلا يجوز؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن البيع إذا أطلق فيها ولم يشرط الجذ أو البقاء أنه يحمل على الجذ فيجوز حتى يشرط البقاء إلى الطياب وهو ظاهر "المدونة" في "كتاب البيوع الفاسدة" في الذي اشترى ثمرًا فجذها قبل بدو
стр. 2752
صلاحها حيث قال: البيع جائز إذا لم يكن في البيع شرط أنه يتركها حتى يبدو صلاحها.
وظاهر هذا الكلام الجواز متى أطلق حتى يشترط، وإليه مال الأبهري وغيره.
والثاني: أنه على البقاء حتى يشترط الجذ وهو ظاهر قوله في "كتاب العرايا" من "المدونة" حيث قال: لا يجوز شراؤها قبل زهوها بعين ولا بعرض إلا على أن يجذها مكانه، وإليه ذهب القاضيان أبو محمَّد وأبو الحسن وغيرهما من المتأخرين.
وتأول الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد ما وقع في "كتاب البيوع الفاسدة" على أنه اشترط الجذ، وعليه اختصر هو وغيره، واستدلوا بقوله في "الكتاب": فجذها.
فوجه القول على الجذ حتى يقطع الشرط أن نفس العقد يقتضي التسليم عقيبه.
فإذا كان ذلك فالعقد يقتضي الجذ وإن لم يشترطا له إلا أن تكون عادتهم التبقية فيفسخ البيع بينهم لأن العرف كالشرط، وعلى ذلك حمل فضل بن سلمة البيع الفاسد [في] (١) مسألة البيع الفاسد أن العرف الجذ، فلذلك جاز إذا أطلق العقد.
ووجه القول الثاني: أن الإطلاق يحتمل الأمرين عدم العرف احتمالًا متساويًا فيغلب حكم التبقية على الجذاذ؛ لأن ذلك من باب تغليب الخطر على الإباحة. والحمد لله وحده.
стр. 2753
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
стр. 2754
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
تحصيل مشكلات هذا الكتاب وجملتها ثمان مسائل:
المسألة الأولى في البيع والشراء مع المشركين
ولا يخلو المشركون من وجهين:
أحدهما: أن يكونوا أهل حرب.
والثاني: أن يكونوا أهل ذمة.
فإن كانوا أهل حرب فلا تخلو المعاملة معهم من أن تكون في بلادهم أو في بلاد الإِسلام.
فإن كانت المعاملة معهم في أرض الحرب فإن ذلك لا يجوز باتفاق المذهب، والدليل على ذلك أن الله تعالى أوجب الهجرة على من أسلم ببلد الفكر إلى بلاد الإِسلام حيث تجري عليه أحكامهم فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ الآية (٢).
نزلت هذه الآية فيما قال ابن عباس وغيره من علماء التأويل: في قوم من أهل مكة كانوا قد أسلموا وآمنوا بالله ورسوله فتخلفوا عن الهجرة فعرضوا على الفتنة فافتتنوا وشهدوا مع المشركين حرب المسلمين، فأبى الله
стр. 2755
قبول معذرتهم التي اعتذروا بها حيث يقول إخبارًا عنهم: ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ أي: فتتركوا الذين يستضعفونكم ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ الآية.
ثم إن الله تعالى عذر أهل الصدق فقال: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ﴾، إلى قوله: ﴿لَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ (١) أي: لا يهتدون سبيلا يتوجهون إليه لو خرجوا لهلكوا ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ (٢) في إقامتهم بين أظهر المشركين، فكانت الهجرة إلى النبي ﷺ قبل فتح مكة على من أسلم بها واجبة فريدة إذ فرض الله عليهم فيها البقاء مع رسوله حيث استقر والتحول معه حيث تحول لنصرته ومؤازرته وصحبته ويحفظوا عنه ما يشرع لأمته ويبلغوا ذلك عنه للأمة، ولم يرخص لأحد منهم في الرجوع إلى وطنه وترك رسول الله ﷺ .
ولذلك قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع: "لا يقيمن مهاجر بمكة بعقد قضاء نسكه فوق ثلاث" (٣) خص الله تعالى من آمن بالنبي ﷺ وهاجر إليه ليتم له بالهجرة إليه والمقام معه وترك العودة إلى الوطن الغاية من الفضل الذي سبق لهم في سابق علمه، وهم الذين سماهم الله تعالى بالمهاجرين ومدحهم بذلك فلا ينطلق هذا الاسم على أحد سواهم، فلما فتح الله مكة قال ﷺ : "مضت الهجرة لأهلها" (٤) أي فازوا بها وحصلوا عليها وانفردوا بفضلها دون من بعدهم.
وقال أيضا: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية فإذا استنفرتم
стр. 2756
فانفروا" (١)، أي لا يبتدئ أحد من أهل مكة ولا غيرهم هجرة بعد الفتح فينال بذلك درجة من هاجر قبل الفتح ويستحق أن يسمى باسمهم ويلحق بجملتهم لأن فرض الهجرة ساقط بل إن الهجرة باقية لازمة إلى يوم القيامة بإجماع المسلمين على كل مسلم يقيم عند المشركين إلا أن هذه الهجرة لا يحرم على المهاجر منها الرجوع إلى وطنه إن عاد دار إسلام واستسلام فإذا وجب بالكتاب والسنة وإجماع الأمة على من أسلم ببلد الحرب أن يهاجر ويلحق بدار الإِسلام ولا ينثوي بين المشركين ويقيم بين أظهرهم لئلا تجري عليه أحكامهم فكيف يباح لأحد الدخول إلى بلادهم حيث تجري عليه أحكامهم في تجارة أو غيرها فلذلك شدد مالك الكراهة، وقد سئل عن ذلك فقال: قد جعل الله لكل نفس أجلا تبلغه ورزقا تنفده وهو يجري عليه أحكامهم فلا أرى ذلك.
وكره مالك أن يسكن أحد ببلد يسب فيه السلف فكيف ببلد (يفكر في بالرحمن) (*) ويعبد فيه من دونه الأوثان لا تستقر نفس أحد على هذا وهو مسلم سوى مريض الإيمان.
وقد صرح سحنون ﵁ بأن الدخول إلى أرض العدو للتجارة اختيارا أنه جرحه، وهو تفسير لما وقع في "المدونة" في "كتاب الولاء" وقد بيناه هناك بيانا كافيا.
فواجب على والي المسلمين أن يمنع الدخول إلى أرض الشرك للتجارة ويضع المراصد ويسد المسالك حتى لا يجد أحد السبيل إلى ذلك ولاسيما إن خشى أن يحمل إليهم ما لا يحل بيعه منهم مما هو قوة الإِسلام لاستعانتهم به في حروبهم فمن أخذه الإمام ممن حمل إليهم تجارة فواجب أن يؤدبه
стр. 2757
ويعاقبه عقوبة مثله على قدر حاله في حزبه وتفحمه وذلك موكول إلى اجتهاد الإمام.
فأما الوجه الثاني من الوجه الأول في معاملة أهل الحرب في البيع والشراء إذا قوموا إلينا بأمان فلا خلاف في جوازها على الجملة.
والدليل على ذلك ما خرجه البخاري من طريق عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵁ قال: بينما نحن عند النبي ﷺ إذا برجل مشرك جاء بغنم يسوقها، فقال له رسول الله ﷺ : "أبيعًا أو عطية أو هبة"، فقال: بل بيع، فاشترى رسول الله ﷺ شاة (١).
فهذا دليل على جواز مبايعتهم، ثم لا تخلو مبايعتهم من أن تكون بالعين أو بالعرض.
فإن كانت بالعين الممسوحة التي يكتب فيها اسم الله فلا خلاف في جواز مبايعتهم بها.
وأما الدنانير والدراهم المنقوشة التي فيها اسم الله فذلك مكروه غير محظور.
وأما مبايعتهم بما سوى الدنانير والدراهم من جميع الأشياء فلا يخلو من أربعة أوجه:
أحدها: أن يكون مما يعود بالضرر على المسلمين.
والثاني: أن يكون مما يعود وباله على المسلمين إلا أن [فيه] (٢) إعانة لهم مما هم عليه من عمارة الكنائس.
стр. 2758
والثالث: أن يكون فيه إذلالا للمسلمين.
والرابع: أن يكون مما لا يعود ضرره على المسلمين ولا فيه إقامة لعمارة كنائسهم.
فإن كان ذلك مما يعود وباله على المسلمين كمبايعتهم بما يستعينون [به] (١) في حروبهم ويتقوون به على أهل الإِسلام كالخيل والسلاح وما منه تستعمل الآلات المستعدة للكفاح كالحديد والنحاس والحرير وكل شيء يرهنون به على المسلمين، فلا يجوز أن يباع منهم قولًا واحدًا؛ لأن النحاس منه يعملون الطبول، والحرير يعملون منه البنود والرايات.
وكذلك لا يجوز أن يباع منهم العبد النصراني لأنه يكون دليلًا على المسلمين وعورة عليهم.
وأما ما لا يعود وباله على المسلمين إلا أن فيه إعانة لهم على عمارة كنائسهم كالثياب التي يتزينون بها في كنائسهم هل يجوز أن يباع منهم ذلك أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن ذلك جائز وهو قول ابن القاسم في "العتبية".
والثاني: أن ذلك لا يجوز، وهذا القول حكاه ابن مزين عن أصبغ، وأما ما فيه إذلال بالمسلمين وإهانة لهم كعبيد مسلمين طلبوا شراءهم من المسلمين فلا خلاف في المذهب أن ذلك لا يجوز ابتداء.
فإذا وقع ونزل هل يفسخ العقد أو يمضي أو يباع عليه؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن البيع ناقد ويباع عليه، وهو قول ابن القاسم في
стр. 2759
"الكتاب".
والثاني: أن البيع مفسوخ وهو قول أشهب في "كتاب المدبر" في الذمي يشتري مسلمًا، ويؤخذ لابن القاسم من "كتاب الشفعة"، من "المدونة" في الذي اشترى الدين على رجل قاصدًا إعنات الذي عليه الدين قال: إن البيع لا يجوز ويفسخ إن نزل؛ لأن العلة في الجميع إعنات المسلم وإضراره.
فإذا منع ذلك للمسلم مع تساويهما في الإِسلامية فبأن لا يجوز للكافر مع اختلاف الدينية والملة أولى وأحرى.
وأما ما لا ضرر فيه على المسلمين ولا يعود عليهم بالوبال في أغلب الأحوال كالعروض التي ليست بآلة للقتال مثل أن يبتاع منهم ما يقي الحر والبرد من الثياب أو ما هو مصلح للقوت كالملح والزيت وما أشبه ذلك فلا إشكال في جواز ذلك.
وأما إذا طلبوا ذلك منا في مفاداة الأسارى، فلا يخلو ما طلبوه منا من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون ذلك مما يجوز أن يباع منهم.
والثاني: أن يطلبوا ما لا يجوز أن يباع منهم.
والئالث: أن يطلبوا منا ما لا يجوز تملكه لنا.
فإن طلبوا منا ما يجوز لنا بيعه منهم مما هو متفق عليه أو يختلف فيه فإنهم يساعدوا على ما طلبوا قولًا واحدا.
فإن طلبوا ما لا يجوز لنا أن نبيعه منهم كالخيل والسلاح والقمح والشعير ولم يطلبوا منا في الفداء إلا ذلك فلا يخلو من أن يكون الأسارى في بلادهم أو قدموا منهم بأمان.
стр. 2760
فإن كانوا في بلاد العدو فلا يخلو من أن يكون الأسارى عددهم كثير أو يسير.
فإن كان عددهم كثير فالمذهب على قولين:
أحدهما: الجواز، وهو مذهب سحنون، وهو الأظهر في النظر.
والثاني: أن ذلك لا يجوز لما في ذلك من إعانة المشركين وقوة لمددهم وعددهم أو هو قول ابن حبيب.
فإن كان عددهم يسيرا فلا خلاف في الجواز.
فإن قدموا منهم بأمان للفداء أو أبوا أن يفدوا منهم إلا بما ذكرنا فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنهم يجبرون على أن يفديهم منهم ولا يتركوا أن يرجعوا بهم إلى بلادهم وهو قول ابن حبيب في "الواضحة".
والثاني: أنهم لا يجبرون على ذلك ولهم الرجوع بهم إلى بلادهم وهو أحد قولي ابن القاسم في "العتبية"، فيمن أسلم من عبيدهم إذا دخلوا إلينا بأمان أنهم لا يجبرون على بيعهم.
فإن طلبوا إلينا ما لا يجوز لنا تملكه مثل الخمر وغيره فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك جائز وهو قول أشهب في "العتبية" لأن ذلك طاعة لا تنال إلا بمعصية وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب أن كل طاعة لا تنال إلا بارتكاب معصية فهي ساقطة -كانت فرضًا أو نفلا.
والثاني: أن ذلك جائز لأنها ضرورة وهو قول سحنون وابن القاسم، وروى عنه أن ذلك أخف من الخيل والسلاح يريد على المسلمين من الضرر
стр. 2761
في فدائهم بالخيل والسلاح.
وأحسب أني قد رأيت لبعض المتأخرين أن ذلك جائز، ويؤخذ الخمر من أهل الذمة بقيمته.
فإن صح ذلك يكون تفسيرًا لما قاله ابن القاسم وسحنون ﵄ إذ لا يصح إلا كذا, ولا يجوز عصر الخمر ولا تملكه بإجماع.
وأما من يجوز أن يبيعه منهم ممن دان بغير دين الإِسلام من سائر أجناس الكفار وأنواعهم من كتابي ومجوسي، ففي أهل الكتاب قولان:
أحدهما: أنه لا يباع بعضهم من بعض أصلًا -يهودي من نصراني، أو نصراني من يهودي- للعداوة التي بينهم -صغيرًا أو كبيرًا- وبه قال ابن وهب وسحنون وهو ظاهر "المدونة" عند بعضهم.
والثاني: أنه يجوز أن يباع بعضهم من بعض ومن غيرهم جملة بلا تفصيل.
والثالث: التفصيل بين الصغار والكبار، فالكبار يجوز بيعهم إذ لا يجبرون على دين الإِسلام إذا ملكوا قولًا واحدًا. والصغار لا يجوز بيعهم من كافر جملة لأنهم إذا ملكوا جبروا على الإِسلام، وهو قول مالك في "المدونة" في "كتاب التجارة إلى أرض الحرب".
وقد اختلف أصحابنا المتأخرون في تأويل ذلك فمنهم من قال: معنى ذلك يرجع إلى ما قال ابن وهب وسحنون.
ومنهم من قال: معنى ذلك في الصغار الذين لا آباء لهم فيكونون على دينهم، وهؤلاء إذا لم يكن معهم أباؤهم على دين من اشتراهم؛ فإذا اشتراهم مسلم فلا ينبغي له أن يبيعهم من كافر كائنًا من كان، وهذا هو الأصح والأظهر.
стр. 2762
وأما المجوس فهم كل من دان بغير دين الكتابين من الصقالبة والبربر والروم والترك والسودان فإنهم يمنعون أعني أهل الكفر من شرائهم ابتداء.
فإن نزل هل يمضي أو يرد فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن البيع يمضي ولا يرد جملة بلا تفصيل، وهو قول مالك ﵁ في "المدونة" في "كتاب التجارة" في الصقالبة حيث قال: ما أعلمه حراما وغيره أحسن.
الثاني: المنع جملة، وهو قول ابن القاسم وابن نافع في الكتاب المذكور.
والثالث: التفصيل بين الصغار والكبار، فيفسخ البيع في الصغار ويمضي في الكبار وهو أحد قولي مالك في "العتبية"، وهو ظاهر "المدونة" في "كتاب النذور" و"كتاب الظهار" وغيرهما ولا أظنهم يختلفون في أن الصغير من المجوس يجبر على الإِسلام، وإنما اختلفوا هل يكون مسلما بنية المالك إذا اشتراه ونيته أن يدخله في الإِسلام.
وعلى هذا يتخرج ما وقع في "كتاب الجنائز" وغيره فتنبه لهذا المعنى ولا تغفل عنه.
وينبني الخلاف على الخلاف فيمن ملك أن يملك هل يعد مالكا أم لا؟
وأما الشراء منهم فلا يخلو من أن يكون بيننا وبينهم هدنة أولًا.
فإن لم تكن لهم هدنة فلا خلاف أنه يجوز لنا أن نشتري منهم كل ما يجوز لنا تملكه من جميع الحيوانات وسائر العروض من أموالهم.
فإن كان بيننا وبينهم هدنة فهل يجوز لنا أن نشتري منهم أولادهم أو
стр. 2763
يجوز لنا أن نأخذهم فيما صالحناهم عليه من رأس أو مال.
أما الكبار فلا خلاف أعلمه في المذهب أنه لا يجوز لنا أن نشتريهم ولا أن نأخذهم منهم ولا الصغار إذا كانت الهدنة مما يبلغ قبل انقضائها لأن ذلك نقض للعهد.
واختلف في الصغار إذا كانت الهدنة تنقضى قبل أن يبلغوا هل يجوز شراؤهم وأخذهم أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن ذلك جائز وهو نص "المدونة".
والثاني: أن ذلك لا يجوز، وهو ظاهر قوله في "الكتاب" في التعليل بأن للصغار من الهدنة ما للكبار.
وأما الوجه الثاني: إذا كانوا أهل ذمة فلا خلاف في جواز معاملتهم بالدنانير والدراهم غير المنقوشة.
وإن كانوا يستحلون بيع الخمر والخنزير ويعملون بالربا كما قال الله : ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ (١) لأن الله تعالى قد أباح أخذ الجزية منهم وقد علم ما يفعلون وما يأتون وما يدرون لأنهم لو أسلموا لطاب لهم ما بأيديهم من الربا والخمر والخنزير لقوله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ (٢)، ولقوله ﵇: "من أسلم على شيء فهو له" (٣)، وما كره
стр. 2764
مالك ﵁ من بيع سلعة من ذمي بدنانير أو دراهم يعلم أنه أخذها في ثمن خمر أو خنزير وأباح له أن يأخذ ذلك منه على دين له وهو على طريق التنزه والتورع وذلك على خلاف القياس. [والحمد لله وحده] (١).
стр. 2765
المسألة الثانية في معاملة المسلم مع الذمى فيما لا يجوز للمسلم أن يملكه كالخمر
فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون المسلم هو البائع للخمر.
والثاني: أن يكون النصراني هو البائع لها.
فأما الوجه الأول: إذا كان المسلم هو البائع للخمر من مسلم أو نصراني فلا يخلو من أن يعثر على ذلك قبل أن يقبض المشتري الخمر أو بعد أن قبض.
فإن عثر عليه قبل أن يقبضها المشتري فإن البيع ينتقض ويكسر الخمر وسقط الثمن عن المشتري إن لم يدفعه.
فإن كان قد دفعه وقبض منه هل يرد عليه أو يتصدق به؟ على قولين:
أحدهما: أن الثمن يرد على المشتري وهو قول ابن حبيب في "الواضحة".
والثاني: أنه مصدق على المشتري أدبا له وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة".
فإن لم يعثر على ذلك حتى قبضها المبتاع فلا تخلو من أن تكون قائمة بيده أو استهلكها.
فإن كانت الخمر قائمة بيد المشتري فلا خلاف أنها تكسر على البائع، واختلف في البيع هل يفسخ بينهما أم لا؟ على قولين: فعلى القول بفسخ
стр. 2766
البيع فإن الثمن يتخرج على الخلاف الذي قدمناه إذا عثر على ذلك والخمر بيد البائع هل يرد الثمن على المشتري أو يتصدق به عليه؟
فعلى القول بأن البيع لا ينفسخ بينهما فإن الثمن لا يتصدق به على المساكين -قبض أو لم يقبض- إذ لا يحل للبائع ولا يصح تركه للمشتري ولا فرق في ذلك بين أن يكون المشتري نصرانيًا أو مسلمًا.
فإن لم يعثر على ذلك حتى استهلك المشتري الخمر فهاهنا يفرق الحكم بين أن يكون المبتاع مسلمًا أو نصرانيًا.
فإن كان مسلمًا يتصدق بالثمن على المساكين قولًا واحدًا قبض أو لم يقبض -إذ لا سبيل إلى نقض البيع وإغرام المسلم الخمر الذي استهلك وكسرها على البائع.
وإن كان نصرانيًا، فعلى قولين:
أحدهما: أنه يغرم مثل الخمر وتكسر على البائع وينقض البيع ويسقط الثمن عنه إن كان لم يدفعه، وإن كان دفعه رد إليه على قول أو يتصدق به على قول حسبما قدمناه في صدر المسألة.
والثاني: أن البيع يمضي ويتصدق بالثمن على المساكين -قبض أو لم يقبض.
أما الوجه الثاني: إذا كان النصراني هو البائع للخمر من مسلم فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يعثر على ذلك والخمر باقية بيد البائع.
والثاني: أن يعثر على ذلك وهي باقية بيد المشتري بعد قبضها.
والثالث: أن يعثر على ذلك بعد أن قومها المشتري.
стр. 2767
فإن عثر على ذلك قبل أن يقبضها المشتري وهي قائمة بيد البائع فإنها تكسر على البائع وينفسخ البيع ويسقط الثمن عن المبتاع المسلم إن كان لم يدفعه إلى البائع.
وإن كان قد دفعه فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يرد الثمن إلى المبتاع وهو قول ابن حبيب.
والثاني: أنه لا يرد إليه ويتصدق به عليه أدبا وهو ظاهر قول مالك في "المدونة".
فإن عثر على ذلك والخمر قائمة بيد المشتري فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يكسر على البائع ويرد الثمن إلى المبتاع إن كان قد دفعه ويسقط عنه إن كان لم يدفعه وهي رواية [ابن أبي أويس] (١) عن مالك.
والثاني: أنها تكسر على المبتاع ويتصدق بالثمن إن لم يقبضه البائع أدبا، وإن قبضه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يترك له وهو قول ابن القاسم في "المدونة" في "كتاب التجارة".
والثاني: أنه يتصدق به أدبا له -قبضه أو لم يقبضه- وهو قول سحنون.
والثالث: التفصيل بين أن ينقد المشتري الثمن أم لا.
فإن نقد الثمن فإن الخمر تكسر على المشتري، والثمن للبائع.
стр. 2768
وإن لم يؤخذ منه فإن لم ينقد فإنها تكسر على البائع ويفسخ البيع ويسقط الثمن على المبتاع، وهو قول ابن حبيب في "الواضحة".
فإن لم يعثر على ذلك إلا بعد فوات الخمر بيد المشتري المسلم فإنه يؤخذ منه الثمن ويتصدق به على المساكين إن كان لم يدفعه إلى النصراني أدبا له.
وإن كان النصراني البائع قد قبضه منه فعلى قولين:
أحدهما: أنه يسترد منه ويتصدق به وهو قول سحنون.
والثاني: أن الثمن لا يسترد منه وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، وبه قال ابن حبيب في واضحته. [والحمد لله وحده] (١).
стр. 2769
المسألة الثالثة في التفرقة بين الأم وولدها في البيع
والأصل في بيع التفرقة قوله ﷺ : "لا توله والدة بولدها" (١)، من الوله وهو الحيرة. وقال ﷺ : "من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة" (٢).
واختلف العلماء في مقتضى النهي فمنهم من حمله على ظاهره وأنه يقتضي الفساد كنهيه ﷺ عن بيع الغرر الذي النهي فيه معلل بأكل المال بالباطل للإخلال ببعض أركان العقد، وآخرون لا يرونه مقتضيا للفساد معولون على الفرق بينهما من حيث افتراق متعلق بالنهي ومحله لأن الفساد في بيع التفرقة لم يكن في ثمن ولا مثمون فلا معنى لإلحاقه بالغرر والذي اختلت بعض أركانه ولم تنتظمه حقيقة البيع.
فإذا ميزنا بيع التفرقة وبيع الغرر وفرقنا بينهما على مشهور المذهب فما حكمه؟ فقد اختلف الأصحاب في ذلك، فقال بعضهم أن البيع لا يفسخ بل يلاقى بأن يباع الولد والأم على مالكهما ولا يفسخ كالنصراني اشترى عبدًا مسلمًا محافظة على قاعدة البيع المبنية على الأحكام والانبرام فلا يصادمها إلا ما هو مناقض لأصلها من فساد في أحد أعواضها فأما ابن القاسم فمتون الأجوبة التي أجاب بها في الكتاب مختلفة.
وقال في الهبة والصدقة والجناية والوصية: إذا كان الولد لأحدهما بأحد
стр. 2770
الوجوه التي ذكرنا والأم لرجل آخر أنه يكلف لهما الجمع بينهما في ملك واحد.
والثاني: أن يجمع بينهما في حوز، والقولان متأولان على "المدونة".
وقال فيما افترق الملك بالمعاوضة الاختيارية إما أن يجمع بينهما في ملك أحدهما وإلا فسخ البيع فقال هاهنا بالفسخ ولم يقل يباعان عليهما.
وقال فيما إذا باع الأم على خيار المشتري ثم اشترى البائع الولد أنهما يجبران على البيع والجمع وإلا بيعا عليهما, ولم يقل بالفسخ إن امتنعا فذهب أصبغ إلى أن ذلك اختلاف قول وذلك ظاهر.
وذهب بعض حذاق المتأخرين إلى أن ذلك اختلاف يرجع إلى حال وخرج لذلك وجهًا يقتضي التلفيق، وأشار إلى أن المعنى المانع من إطلاق القول بالبيع عليهما جبرًا لما في ذلك من جمع السلعتين في البيع لمالك وذلك غرر وخطر وقال: الفسخ أولى، ولهذا قال في الهبة والصدقة والوصية والجناية بأنهما يباعان عليهما لتعذر الفسخ، والمشتري بالخيار إنما لم يقل فيه بالفسخ لأن البائع يتهم أن يكون إنما اشترى الولد ليفسخ عقد المشتري فاستحق عقد السلعتين في هذه الوجوه لتعذر الفسخ إذ الفسخ في أغلب الأحوال إنما يستعمل في عقود المعاوضات فاستعمل الأصل كما ترى وربك أعلم.
وسبب الخلاف: اختلافهم في النهي عن بيع التفرقة هل ذلك لحق الولد أو ذلك لحق الأم أو ذلك لحق الله؟
فمن رأى أن ذلك حق لله وحق للولد قال بفساد البيع وفسخه.
ومن رأى أن ذلك حق للأم خاصة قال: يجوز البيع إذا أجازته وهو