← Фикх малики

Фикх малики · id 123685

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

الرجراجي، علي بن سعيد

Полный текст (4 240 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

بامرأته في جماعة، وأقل الجمع اثنان -على رأي بعض أهل الأصول (١). وإن قلنا: إن الإناث لا يندرجن تحت خطاب الذكران إلا بقرينة أو بدليل: فإنه يعيد في جماعة؛ لأنه بمنزلة من صلى وحده [والحمد لله وحده] (٢).

стр. 317

المسألة الثامنة [فيمن] (١) أقيمت عليه الصلاة، وهو في تلك الصلاة، أو في غيرها. فإن كان في تلك الصلاة التي أقيمت عليه بعينها، فلا يخلو من وجهين: إما أن تقام عليه الصلاة بعد إحرامه، وقبل عقد الركعة، أو [يكون] (٢) بعد عقد الركعة. فإن كان ذلك بعد الإحرام وقبل عقد الركعة: فلا يخلو من أن يخشى أن يفوته الإِمام بركعة أم لا. فإن خشى فوات الركعة: فإنه يسلّم، ويدخل مع الإِمام بلا خلاف. وإن لم يخش فوات الركعة: فالذي يتخرج [في المذهب] (٣) في هذه المسألة أربعة أقوال: كلها قائمة من "المدونة" (٤): أحدها: أنه يقطع بسلام، ويدخل مع الإِمام جملة [بغير] (٥) تفصيل. وهو قوله في الكتاب في صلاة الرباعيات والمغرب. والثاني: التفصيل بين النافلة والفرض؛ ففي النافلة يأتي بالركعتين إن

стр. 318

كان ممن يخفف (١)، والفريضة يقطع بسلام ويدخل. والثالث: [التفصيل بين المغرب وغيرها، فالمغرب يقطع ولا يتمادى إلى ركعتين. وغيرها من الصلوات يأتي بركعتين، وهو ظاهر قوله في الكتاب. والرابع] (٢): أنه يتمادى إلى تمام ركعتين ويسلم، ويدخل مع الإِمام [جملة] (٣) بلا تفصيل بين الفرض والنفل، ولا بين المغرب وغيرها. ووجه من قال: يقطع جملة؛ فللنهي عن صلاتين معًا. ووجه [من جوَّز الإتيان] (٤) بالركعتين: الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٥). ووجه من فرق بين الفرض والنفل [قال] (٦): لأن النفل إن قطعها لا تلزمه العودة إليها بعد فراغه من صلاة الإِمام، فلهذا أُبِيح له التمادي ليحصل له أجرها. والفرض يعيدها [بعد سلام] (٧) الإِمام؛ فإنه إن أبطل هذه الفريضة [أتى بها] (٨) مع الإِمام على أحسن ما كان يصليها وحده؛ فلهذا فرق بينهما [والله أعلم] (٩).

стр. 319

ووجه من فرق بين المغرب وغيرها [من الصلوات] (١): لأنا إن أمرناه أن يصلي ركعتين ثم يسلم: فلا خلاف أن هاتين الركعتين نفل، والنفل قبل صلاة المغرب ممنوع؛ فتقابل ممنوعان: أحدهما: إبطال العمل. والثاني: التنفل قبل المغرب، فرجح أحد الممنوعين على الآخر. وسبب الخلاف: تعارض العمومَيْن؛ عموم الكتاب، وعموم السنة. فعموم الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَلا تبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٢). وعموم السنة: نهيه ﵇ عن صلاتين معًا (٣). فمن رجح عموم الكتاب: قال بالتمادي إلى تمام ركعتين في الجميع. ومن رجح عموم [ق/ ٢٣جـ] السنة: قال بالقطع في الجميع. ومن فرق: فقد بينا وجه قوله. وللخلاف [فيه] (٤) سبب آخر، وهو: الإحرام، هل هو ركن أو ليس بركن؟ فمن جعله ركنًا فيقول: [يبنى] (٥). وينبني [ق/ ٣١ أ] الخلاف: على الخلاف في العمومين المذكورين. ومن لم يجعله ركنًا قال: يقطع؛ لأن الإحرام ليس بركن يخشى بطلانه.

стр. 320

فإن كان ذلك بعد ركعة: فهاهنا يفرق بين المغرب وغيرها من الصلوات. فغير المغرب: يشفعها بركعة أخرى، ويسلم ويدخل مع الإِمام كانت فرضًا أو نفلًا. ولا خلاف في المذهب في هذا الوجه، ويدخل فيه الخلاف بالمعنى وسببه الأصل الذي قدمناه من تعارض العمومين. فأما المغرب فهل يسلم على ركعة، ويدخل مع الإِمام، أو يشفعها؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة" (١): أحدهما: أنه يسلم على ركعة [ويدخل مع الإِمام] (٢) وهو قول ابن القاسم في الكتاب. والثاني: أنه يشفعها بركعة ويسلم، وهو نص ابن حبيب فيما إذا أقيمت عليه بعد الإحرام، وقبل أن يصلي شيئًا، فقال: يأتي بركعتين ويسلم؛ فمن باب أولى [وأحرى] (٣) إذا أقيمت عليه بعد أن صلى منها ركعة. وهو ظاهر قوله في المدونة في صلاة النافلة، وهو نص قول ابن القاسم، وأشهب في "المجموعة" (٤). وقد اختلف قول ابن القاسم [فيها] (٥). [وأما إذا] (٦) أقيمت بعد أن صلى منها ركعتين هل يقطع أو يأتي

стр. 321

بثلاث فيسلم؟ فالمذهب على قولين (١): أحدهما: أنه يأتي بثلاث ويسلم ويخرج. وهو قول ابن القاسم في بعض روايات "المدونة"، وهي رواية أحمد ابن سليمان، وعليها اختصرها أكثر المختصرين. والثاني: أنه يُسَلِّم ما لم يركع في الثالثة، فإنه يتمها ويسلم ويخرج. وهذا كله إذا لم يخش فوات الركعة كما قدمناه في التقسيم، فإن كان غيرها مثل أن يدخل في صلاة الظهر، ثم أقيمت عليه صلاة العصر، هل يعتبر فيها فوات الركعة، أو فوات جميع الصلاة؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يتمادى ما لم يخش فوات الركعة، فإذا خشى قطع على وتر، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" (٢) [وغيرها] (٣). والثاني: [أن المعتبر] (٤) فوات جميع الصلاة؛ فليتمادى ما لم يخش أن يسلم الإِمام من صلاته، وتفوت جميع الصلاة. وهو قول مالك، وابن القاسم في "العتبية" (٥). والثالث: أنه يتمادى على صلاته، ويخفف حتى يتمها، فإذا أدرك شيئًا مع الإِمام دخل معه وصلى، فإن لم يدرك شيئًا صلى لنفسه.

стр. 322

وهو قول ابن عبد الحكم وسبب الخلاف: تعارض المحظورين وتقابل المكروهين، وذلك أن ترتيب الصلوات واجب مع الذكر، فلا يجوز تقديم العصر على الظهر [مع] (١) الاختيار، ومخالفة الإِمام كذلك أيضًا [فإنه] (٢) لا يجوز أن يُحْرم في فريضة في المسجد [والإمام] (٣) في تلك الفريضة أو في غيرها من الصلوات [المفروضة] (٤)؛ لما في ذلك من المخالفة المنهي عنها في الشرع. وهذا يُسْلك فيه مَسَالك الترجيح. والحمد لله وحده.

стр. 323

المسألة التاسعة في الموضع الذي تجوز فيه الصلاة، وما تكره فيه الصلوات والمصلي مأمور بأن يتقرب إلى الله بقلب طاهر [وبدن طاهر] (١) و [ثياب طاهرة] (٢)، وبقعة طاهرة. أما طهارة القلب: فمن الكفر، والنفاق، والرياء، والسمعة، وطلب [الغيلة] (٣) وغير ذلك من الكبائر [الموبقات] (٤) التي لا تكتسب إلا بالقلب. فمن كانت فيه إحدى هذه الخصال فإن صلاته لا تزيده من الله إلا بعدًا. وكذلك طهارة البدن والثياب: ولا خلاف عندنا أن من صلى بثوب نجس، [أو ببدن نجس] (٥) عامدًا أنه يعيد أبدًا. وإنما الخلاف عندنا فيمن صلى بذلك ناسيًا، هل يعيد أبدًا، أو [يعيد] (٦) في الوقت؟ على ما لا يخفى [على] (٧) من طالع المذهب. وأما طهارة البقعة: فكذلك [أيضًا] (٨)؛ فقد ثبت نهى رسول الله

стр. 324

- ﷺ عن الصلاة في سبعة مواضع (١) [منها] (٢): المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، ومحجة الطريق، وفي الحمام، و [معاطن] (٣) الإبل، و [على] (٤) ظهر بيت الله الحرام. وأما نهيه ﵇ عن الصلاة في المزبلة؛ فلنجاستها، ولأنها في موضع يقصد فيه إلقاء الأقذار. والمجزرة كذلك؛ فإنها نجسة، وكونها موضع الشيطان أيضًا. وأما المقبرة: فلا تخلو من أن تكون مقبرة للمسلمين أو مقبرة للمشركين. فأما مقبرة المسلمين: فاختلف فيها المذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: الجواز جملة، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" (٥)، وإن كانت القبور بين يديه. والثاني: أن الصلاة فيها مكروهة على الجملة. والقول الثالث: التفصيل بين أن تكون جديدة أو داثرة، فإن كانت جديدة: كرهت الصلاة فيها.

стр. 325

ووجهه: مخافة أن يتفجر منها شيء فيظهر خارجًا، وإن كانت دائرة ولم يكن فيها بشر [جازت الصلاة، وإن لم يكن فيها بشر] (١): لم تجز. وهو قول القاضي أبي محمَّد عبد الوهاب. وسبب الخلاف: اختلافهم في نهيه ﵇ عن الصلاة في المقبرة، هل هو على عمومه في مقابر المسلمين والمشركين، أو خرج عن العموم، والمراد به مقابر المشركين. وأما مقابر المشركين: فاتفقوا على أن الصلاة فيها مكروهة جملة من غير تفصيل. فإن صلى فيها: فقيل: إن الصلاة جائزة إذا لم تظهر [النجاسة] (٢) قاله أبو الحسن اللخمي. وقيل: التفصيل بين القديمة والجديدة؛ فإن كانت جديدة: أعاد أبدًا، سواء صلى فيها عمدًا أو [جهلًا] (٣). فإن كانت قديمة: فصلاته جائزة، وهو قول ابن حبيب. ووجه من جوز الصلاة بعد وقوعها كون البقعة طاهرة، والنهي محمول على الكراهية. ووجه من منع [قال] (٤): لأنها حفرة من حفر النار؛ ولأن البقعة نجسة لنجاسة أقدامهم [التي تطول فيها تلك البقعة] (٥) في ترددهم إلى

стр. 326

زيارة تلك القبور. وَمَنْ فَصّل فقد حَصّل. وأما محجة الطريق (١): فالنهي [فيها] (٢) محمول على الكراهة أيضًا؛ لأن محجة الطريق وقارعته لا تخلو في غالب [الأحوال] (٣) من أرواث الدواب وأبوالها، فيستحب له أن يتنحى عن ذلك قليلًا في حالة الاختيار. وأما حالة الاضطرار: فالصلاة فيها جائزة. وهو قوله في كتاب الصلاة الثاني في صلاة الجمعة [إذا ضاق المسجد بأهله فقال [لا بأس] (٤) بالصلاة في الطريق الملاصقة بالمسجد، وإن كانت فيها أرواث الدواب، وأبوالها -يريد ما لم يكن للنجاسة عين قائمة] (٥). وأما الحمام: [فإنه] (٦) نهى عن الصلاة فيه [لنجاسته] (٧) أيضًا، إلا أن يكون فيه موضع يوقن طهارته فيصلى فيه. فهذا يصح إذا كان فيه موضع محجوز لا يدخله إلا طاهر، وإلا فالحمام [الأصل فيه] (٨) النجاسة؛ لما عُلم بالعادة أن الناس لا يتحفظون فيه من البول ولا النجاسات.

стр. 327

وعلى هذا يحمل عرق الحمامات التي تستعمل في الاغتسال؛ فمنها مياه الحياض النجسة؛ لأنه منعقد الرطوبات التي تصعد مع البخار المتولد من الماء النجس المستعمل في الاغتسال مع ما انضاف إليه من الأبوال. والأنجاس التي لا يتحفظ [منها] (١) في الحمام كثير ممن يدخله. ولا شك أن النجاسة ودخانها بعض أجزائها، وإلى هذا ذهب القاضي أبو الفضل. فلو كان المستعمل فيه طاهر، و [أن] (٢) الناس يتحفظون فيه من البول [والنجاسة] (٣) لكان العرق الذي يقطر [فيه] (٤) طاهرًا. وإن أضرم تحته بنجاسة؛ لأن رطوبة النجاسة لا تصعد إلى ذلك العرق؛ ولأن أرض الحمام حائل بينها وبين العرق ودخانها يخرج خارجًا، وإلى هذا ذهب أبو عمران الفارسي، وأما نهيه ﵇ عن الصلوات في أعطان الإبل: فاختلف في علته: فمنهم من قال: النهي غير معلل، وهو [ظاهر] (٥) قول مالك في "المجموعة" حيث قال: لا خبر في الصلاة في أعطان الإبل، وإن بسط عليها ثوبا [طاهرًا] (٦) فلا يصلي فيها. ومنهم من عَلّل بِعِلل كلها لا تَسْلَم من الاعتراض، وأظهر ما فيها أن الناس كانوا يستترون فيها [للذهاب] (٧).

стр. 328

وهذا في المناهل. وأما [المدينة] (١) فلا بأس. وهذا التعليل باطل لمن بسط عليها ثوبًا طاهرًا، ولا خلاف عندنا أن من بسط ثوبه على موضع نجس، والنجاسة يابسة وصلى: أن صلاته جائزة. وهم يقولون في هذه الصورة: إن بسط عليها ثوبًا طاهرًا، وصلى أعاد أبدًا في العمد والجهل. ومنهم من علَّل بأن الفَّحْل يحتلم، والناقة تحيض، وهذا يرجع إلى التعليل الأول. ومنهم من علَّل وقال: إنها خلقت من جان؛ فكأنها تشغلهم عن الصلاة. كما نهى [﵇] (٢) عن الصلاة في الوادي فقال: "إن هذا وادٍ به شيطان" (٣). وهذه [العلة] (٤) أيضًا باطلة؛ لأن ذلك لا يُعلم [بالقياس] (٥)، وإنما يُدْرَكُ بالتّوقيف من صاحب الشريعة، ولا توقيف. ومنهم من قال: إن نفورها جناية، فيخشى أن تنفر عليه، وهو في الصلاة فتصدمه، وهذا أيضًا باطل بما لو سُرِّحَت، وبقى المنهل خاليًا.

стр. 329

فثبت بما ذكرناه أن النهي غير معلّل. وأما الصلاة على ظهر بيت الله الحرام: وهي هذه [التي سنشرع فيها] (١) [ق/٣٢].

стр. 330

المسألة العاشرة في الصلاة إلى الكعبة أو فيها أو عليها واستقبال القبلة [فريضة] (١) من فرائض الصلاة لقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٢). وهي تنقسم على ثلاثة أقسام: قبلة عيان، وقبلة قطع [ويقين] (٣)، وقبلة اجتهاد. فأما قبلة عيان: فهي قبلة أهل مكة؛ [فهذه] (٤) لا يجوز فيها الاجتهاد أصلًا؛ لأن المصلي بمكة إن صلى [في المسجد] (٥) أو على شرف مما حولها كالصلاة على أبي قبيس وقعيقعان، فقد شهدها وشافعهها مشافهة العيان، وصلاته صلاة إلى القبلة [بالاتفاق] (٦) إلا على تأويل من تأول أن الصلاة إنما كرهت على أبي القبيس [وقعيقعان] (٧)، لكونه صلى إلى الهواء ورد الكعبة إلى أسفل منه، وهذا باطل. وإن صلى في بيته بمكة، وحيث خفي عليه [عينها] (٨) كان عليه التوجه إليها على وجه القطع لا على وجه الاجتهاد؛ لأنه كان قادرًا على

стр. 331

أن يحقق [الصوب الذي يؤدي إليه] (١)؛ لأنه إذا كان في بيته كان مصليًا إليها بأن يطلع موضعًا مرتفعًا يرى منه [بيته] (٢) والكعبة حتى يحقق الصوب الذي يؤديها إليه إذا هو في بيته [والاجتهاد فيها] (٣) مع القدرة على ما وصفناه كالاجتهاد في الحكم في نازلة مع وجود النص فيها، وذلك ممنوع بالاتفاق. وأما القسم الثاني -وهو قِبلَة أهل المدينة- فلا شك أيضًا قبلة [قطعية] (٤)؛ لأن جبريل ﵇ أقامها للنبي ﷺ وقطع له بها مع أنه لا يَبْعُد في حق النبي ﷺ أن تُطْوَى له الأرض من المدينة إلى مكة، ويكشف له عنها حتى يراها مشافهة ويستقبلها في مسجده. وإن كنت لم أر هذا في حديث صحيح، لكني رأيت من أشار إليه من أهل التواريخ. و [يظهر] (٥) من معجزاته ﵇ [ق/٢٤جـ] ما يدل على هذا وأكثر منه. فلا يجوز لمن كان في مسجد النبي ﵇، ومن كان في مدينته أن يجتهد أيضًا كما لا يجوز ذلك لمن بمكة. وأما القسم الثالث -وهو القبلة [الاجتهادية] (٦) وهي قبلة أهل الآفاق و [أهل] (٧) البلاد النائية عن مكة [والمدينة] (٨) جنوبًا وشمالًا،

стр. 332

ووجهًا ودبورًا، فإن وظيفتهم الاجتهاد؛ إذ لا قدرة لهم على أكثر من ذلك، إلا أن الاجتهاد لا يكون مع عدم الدلائل المنصوبة على القبلة. وقد روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما بين المشرق إلى المغرب قبلة" (١). وذكر مالك عن عمر بن الخطاب ﵁، وقال فيه إذا توجه قِبَل البيت (٢)، فبين النبي ﷺ الجهة التي تطلب فيها القبلة. وقال أحمد بن خالد: إنما ذلك لأهل المدينة، ومن كان مثلهم ممن كانت قبلتهم بين المشرق والمغرب. وهذا الذي قاله صحيح؛ ﵁. وقول عمر ﵁: إذا توجه قِبَل [الكعبة] (٣) يريد أنه لا اجتهاد له في ذلك، وإنما الاجتهاد في تعيين جهة القبلة في هذه الجملة دون سائر الجهات. ثم لا يخلو المصلي من وجهين؛ إما أن يكون من أهل الاجتهاد، أو من أهل التقليد. فإن كان من أهل الاجتهاد، فلا يخلو من وجهين [ق/ ١٦ ب]. أحدهما: أن تكون [العلامة] (٤) الدَّالة على القبلة لائحة، والأعلام ظاهرة واضحة. أو تكون الآثار مُنْطَمِسَة، والأعلام مُنْدَرِسَة.

стр. 333

فإن لاحت الدّلالات، وظهرت العلامات: فيفرض المجتهد حينئذ الطلب في الجهة التي ذكرها عمر بن الخطاب ﵁، وهل هو في السَّمْة أو في الجهة؟ على قولين: أحدهما: أن المطلوب الجهة لا العين. وهذا قول أبي محمَّد عبد الوهاب (١)، وأكثر المتأخرين استدلوا على ذلك بقوله : ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٢). والشّطر: [النحو] (٣)، [والجهة] (٤). والثاني: أن المطلوب بالاجتهاد العين؛ فإن لم يلزمنا إصابته فقد لزمنا إصابة الجهة، [والسَّمْت] (٥). وهو اختيار الباجي. وسبب الخلاف: هل كل مجتهد مصيب، أو المصيب واحد؛ لأن هناك عين مطلوبة و ["الدلائل عليه منصوبة" (٦)] (٧).

стр. 334

[فإن] (١) قلنا: إن كل مجتهد مصيب: فالجهة هي المطلوبة. وإن قلنا: المصيب واحد: فالمطلوب العين. ولكن لا يعلم المصيب من المخطئ إلا الله تعالى. و [الدلائل] (٢) المنصوبة أمارة على معرفة القبلة. قال الشيخ أبو محمَّد عبد الله بن أبي زيد (٣) [في النوادر] (٤): رأيت لبعض أصحابنا أن الدليل في النهار على رَسْمِ القبلة إلى انتهاء آخر نقصان الظل، وهو أن يأخذ في الزيادة، فإن الظل حينئذ قِبَالَة رَسْم القبلة، وذلك قبل أن يأخذ في الزيادة فيعرض إلى المشرق. واعترض بعض المتأخرين على الاستدلال، وقال: إنما يصح هذا في زمان الصّيف خاصة حيث تطلع الشمس من المشرق، وأما زمان الشتاء الذي تطلع فيه قريب من القبلة فلا. [والذي] (٥) قاله صحيح، والله أعلم. و [المعترض] (٦) أبو عبد الله محمَّد بن يونس، ويستدل عليها في الميل بالقطب الذي تدور عليه بنات نعش؛ فاجعله على [ناحية] (٧) كتفك الأيسر، واستقبل الجنوب فما لقى بصرك فهو القبلة.

стр. 335

[والذي] (١) قاله صحيح مُجَرَّب، وقد جَرَّبْنَاه واعتبرناه عند البيت الحرام المطهر [شرفه] (٢) الله ورزقنا العودة إليه، فجعلنا النجم المذكور على الكتف الأيسر، وقابل الوجه من البيت الحجر، وبعض جدار الكعبة على الخرط. ولم يقابل الوجه الميزاب على الحقيقة، بل عزفت عنه إلى [ركن الشام] (٣) قليلًا؛ فهذا الذي رأيناه وجربناه. قال الشيخ: والقطب: نجم خفي وسط السمكة التي تدور عليه بنات نعش الصغرى والكبرى وراء السمكة أحد الفردقين وذنبها الجدي. فإذا ثبت أن وظيفة الاجتهاد [أنه] (٤) لا قدرة له على غيرها، فإذا أتى بالاجتهاد على وجهه، وجدَّ في النظر على صوبه حتى استفرغ [منزع] (٥) اجتهاده، ثم انزاح الغطاء واتضح الخطأ، فهل تصح صلاته أم لا؟ فذلك على ثلاث صور: الصورة الأولى: إذا انطمست الدنيا وتغيمت السماء، وكانت السماء في الآثار منطمسة، والأعلام مندرسة،، و [لم] (٦) يمكنه الوقوف على [الآثار] (٧) الموضوعة، والأعلام الهادية إلى المطلوب في غالب ظنه. والظنون فيما يتصور على وجوه؛ مثل أن يرى ضوءًا في قطر [يظن

стр. 336

أنه ضوء صبح] (١) فيستدل به على القبلة، أو يتحقق مواضع الغروب، فيستدل به على القبلة، فيتضح له الخطأ بعد الفراغ من الصلاة. الصورة الثانية: أن تكون الأعلام ظاهرة، واضحة الإمارات الدّالة على القبلة، بينةً، فاجتهد وصلى، ثم تبين له الخطأ بعد الصلاة. فهاتان الصورتان الجواب فيهما واحد، [والمذهب على قولين] (٢)؛ الجواز، والمنع [والإجزاء أشهر] (٣). وسبب الخلاف: المجتهد هل يعذر باجتهاده أم لا؟ فإن قلنا: إنه [يعذر باجتهاده] (٤): فصلاته مجزئة. وإن قلنا: [إنه] (٥) غير معذور: فصلاته باطلة؛ فيؤمر بالإعادة في الوقت على طريق الاستحباب. والصورة الثالثة: أن [يصلى] (٦) في بيت مظلم من غير أن يخرج إلى صحن الدار، فينظر إلى الأعلام والآثار الدالة على القبلة -وهو متمكن من الخروج- فلا خلاف في هذه الصورة [على] (٧) وجوب الإعادة إذا تبين الخطأ؛ إذ لو خرج لأصاب، فلما لم يفعل وغُرّ [وفرط] (٨) كان وَبَالَ الغُرور عليه. فأما إن كان من أهل التَقْلِيد الذي هو حكم البَّرية: فوظيفته أن يُقَلِّد

стр. 337

غيره، ويصلي أبدًا مأمومًا. غير أن تقليده ينقسم [إلى] (١) قسمين: أحدهما: أن يُقَلِّد من كان عنده العلْم بالقِبْلَة، ويصلي خلفه، أو يصلى إلى الجهة التي أشار له إليها أن فيها القبلة. فهذا لا إشكال في جواز صلاته إذا كان المقلد ممن يقتدى به [وهو عالم] (٢). والقسم الثاني: أن يُقَلِّد المساجد والأطلال المُنْدَرسة، وفيها محاريب، فلا تخلو [المساجد] (٣) من أن تكون في الصحاري، أو الحواضر، والبوادي. فإن كان ذلك في الصحاري، مثل هذه المحاريب التي يحدثها الناس في الطرقات، وينصبونها على قوارع [المسالك] (٤): فلا إشكال أن الصلاة في هذه المساجد ممنوعة لوجوه: منها: أنها [نصبت] (٥) على قارعة الطريق، وقد نهى ﵇ عن الصلاة على قارعة الطريق (٦). ومنها: أنه ينصبها من لا يعرف القبلة، والصلاة إلى غير القبلة عامدًا تبطل بالاتفاق.

стр. 338

ومنها: أنا تُنْصَبُ في أرض لم يأذن [له] (١) فيها أصحابها، [فيشبه بالصلاة] (٢) في أرض مغصوبة. وبين العلماء فيها خلاف؛ حتى نسبوا إلى مالك ﵁ أن من صلى فيها أعاد [الصلاة] (٣). غير أن شيوخ المذهب أنكروا هذه الرواية المعزية إلى مالك، وقالوا: إنها إفك وزور، وأن مالكًا [﵀] (٤) برىء منها. فإن كان في الحواضر وأُمْهَات البلاد: فإنه يجوز للمُقَلِّد تَقْلِيد ما فيها من المساجد؛ لأن الغالب فيها أن قبلتها مستقيمة؛ إذ لو كانت على خلاف الاستقامة لما وسع من كان فيها من العلماء [ق/ ٣٣ أ] السكوت والتمادي على ترك الإنكار، ووجب عليهم التكاثر، والتظاهر على هدمها، ونقض [بنيانها] (٥) حتى يُحَوِّلُوا قبلتها إلى القبلة المحمدية، وهذا إذا لم تمكنهم إقامة القبلة على وجهها مع قيام حيطانها وبنيانها؛ لأن ذلك من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك واجب عليهم، ولاسيما إذا كان ذلك مما يؤدي إلى إضلال الأمة قرنًا بعد قرن. فإن لم يتهيأ لهم [فعل] (٦)؛ إما لما يخافون من هيجان الفتنة وفساد الأمة، حتى [تستباح] (٧) المحارم، وتفسد الأموال، وتسفك الدماء،

стр. 339

وتضطرب الدهماء. أو يكون المسجد المذكور في حظ ذوي ولاية، ومن له يد قاهرة، وسطوة ظاهرة، يخشى الاصطلاء بناره، ولا تؤمن بوادره. سقط عنهم [فرض] (١) الفعل، وتعين عليهم الإنكار باللسان والبيان لعامة المسلمين. ولما لم يُسمع في تلك البلدة [تكبير] (٢)، ولا يعلم أن فيها مسجدًا على غير الاستقامة: كان للمقلد الصلاة فيها؛ لأن الأمصار الكبار لا تخلو كل زمان وعصر من العلماء والصالحين، ولو كان منهم إنكار في بعض المساجد لسُمع [وانتشر] (٣) واشتُهر؛ لأنه مما تُوفّر الدَّواعي على نَقْلِه. [فإن] (٤) كان ذلك في مساجد البوادي هل [يقلد أهلها بقبلتهم أو ماذا يفعل أما إن كان من أهل الاجتهاد فلا خلاف أنه لا] (٥) يجوز له [تقليد أهلها] (٦) بل الواجب عليه أن يَعْرِضْهَا على أَدِلّة القبلة، فإن وافقتها، وإلا صلى إلى الجهة التي أَدّاه إليها اجتهاده؛ لأن الذي بناها لا يخلو من أن يكون من أهل الاجتهاد أو لا. فإن كان من أهل الاجتهاد: فالظاهر من مذاهب الأصوليين أنه لا يجوز للمجتهد تقليد مجتهد آخر فيما لا يخشى فواته قبل نظره.

стр. 340

فإن لم يكن من أهل الاجتهاد: فلا خلاف أنه لا يجوز تقليده، فإذا جهل [أمره] (١): أعاد إن صلى فيها أبدًا كما قدمناه. وأما العَامِّي: فإنه يُؤْمَر بالصّلاة في مساجد البوادي وتقليد أهلها في ذلك، فهو أولى من أن يصلي إلى جهة يختارها؛ لأن ذلك وظيفته إذا كان وحده في غير [المسجد] (٢). وقد اتفق المذهب أنه يصلي إلى جهة يغلب على ظنه أن القبلة فيها. وقال الشيخ أبو الحسن ﵁: لو قيل إنه يصلي إلى الجهات الأربع لكان مذهبنا قياسًا على الأواني المختلطة. فإذا صلى في مساجد البادية كان ذلك أصح من اجتهاد؛ لأن العامي لابد له من بعض الاجتهاد كيف ما كان، فالخطأ يقرب إلى الواحد أكثر من الجماعة. وهذا الذي ذكرته إنما حَكَكْتُه على مَحَكّ النَّظَر واعتبرته، غير أن الشرح تجده صحيحًا لا وصم فيه، ولعل قائلًا يقول: أطْنَبْتَ في هذه المسألة وخَرَجْتَ فيها عن مقصود الكتاب، ولعمري إنه لقليل في جنب ما يحتاج إليه من الشرح والبيان، وهذا حكم الصلاة إلى الكعبة. وأما الصلاة [في الكعبة] (٣): فاختلف المذهب فيها على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها لا تجوز في الفرض والنفل و [السنن] (٤)، وهو قوله في "المدونة" (٥).

стр. 341

والثاني: أنها جائزة في الفرض و [السنن] (١)، وهو قول ابن المواز (٢). والثالث: [التفصيل] (٣) بين الفرض و [السنن] (٤)؛ فيجوز في السنن، ولا يجوز في [الفرائض] (٥)، وهو قوله في "النوادر" (٦). وعلى القول بأنه لا يجوز فيها الصلاة -أعني الفرض- فهل يعيد أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: الأول: أنه يعيد [أبدًا] (٧) وهو قول أصبغ في "النوادر" (٨). والثاني: أنه لا يعيد أصلًا، وهو قول [ق/ ٢٥ جـ] ابن المواز. والثالث: الإعادة في الوقت، وهو قوله في "المدونة" (٩). وسبب الخلاف: تعارض الأخبار وتجاذب الاعتبار. أما الآثار: فقد روى في ذلك حديثان متعارضان، كلاهما ثابتان: أحدهما: حديث ابن عباس، قال: لما دخل النبي ﷺ البيت دعى في نواحيها كلها، ولم يصل حتى خرج فلما خرج ركع ركعتن في [قبال] (١٠)

стр. 342

الكعبة، وقال: "هذه القبلة" (١). والثاني: حديث عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ دخل الكعبة هو وأسامة ابن زيد، وعثمان بن طلحة [وبلال] (٢) فأغلقها عليه فمكث فيها، فسألت بلالًا حين خرج: ماذا صنع النبي ﷺ ؟ قال: جعل عمودًا عن يمينه وعمودًا عن يساره، وثلاثة أعمدة وراءه فصلى (٣). فمن [ذهب مذهب] (٤) الترجيح، إما [منع] (٥) الصلاة مطلقًا إن رجح حديث ابن عباس، وإما جوزها مطلقًا إن رجح حديث ابن عمر. ومن [ذهب مذهب] (٦) الجمع بينهما حمل حديث ابن عباس في المنع على الفّرْض، وحديث ابن عمر على النَّفْل. فالجمع بينهما عَسِير؛ لأن الركعتين اللتين صلاهما النبي ﷺ خارج الكعبة نفل، والقول بالإعادة مراعاة [للخلاف] (٧). ومن طريق المعنى أنه استقبل بعض القبلة واستدبر بعضها. وأما الصلاة فوقها: فاختلف فيها المذهب على ثلاثة أقوال (٨): أحدها: [أنها لا تجوز في الفرض] (٩) وأنه يعيد أبدًا إن صلى وهو قول مالك في "المختصر".

стр. 343

والثاني: أنه يعيد في الوقت [وهو قول أشهب] (١). والثالث: أن الصلاة جائزة، وهو قول [محمَّد] (٢) بن المواز. وسبب الخلاف: [هل] (٣) المقصود في استقبال العين، والبناء، [أو] (٤) السمة والهواء. فمن رأى أن المقصود العين والبناء فقال: يعيد أبدًا. ومن رأى أن المقصود السمة والهواء فقال: لا إعادة عليه. والقولان بين المتأخرين في المذهب. اللهم إلا أن يكون بين يديه من بنائها [فوقها] (٥) ما يكون سُترة؛ فيكون الحكم في الصلاة فوقها كالحكم في الصلاة فيها [والحمد لله وحده] (٦).

стр. 344

المسألة الحادية عشرة في اللباس في الصلاة والأصل فيه على الجملة، قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (١). قال مالك في "العتبية" (٢): ذلك في الصلاة في المساجد، وقال في "شرح الموطأ لابن مزين" في الآية: الزِّينَة: الأَرْدِيَة، والمساجد: الصلوات. ولا خلاف بين الأمة أن ستر العورة فرض على الجملة، وإنما وقع الخلاف بينهم هل هي فرض من فروض الصلاة أم لا؟ فالذي [يُنتخل] (٣) من المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: [أنه] (٤) فرض من فروض الصلاة، وهو قول القاضي أبي الفرج في "الحاوي". والثاني: [أنه] (٥) من سنن الصلاة، وهو قول [القاضي] (٦) أبي إسحاق بن شعبان، وابن بكير، وأبي بكر الأبهري. ويتخرج في المذهب قول ثالث: [أنه] (٧) فرض مع الذكر، ساقط مع

стр. 345

النسيان [والعذر] (١) كزوال النجاسة من الثوب والبدن. وفائدة الخلاف وثمرته: أنَّا إذا قلنا: إنها من فروض الصلاة بطلت إذا [صلى] (٢) وعورته بادية. وإذا قلنا: إنها سنة: [فقد] (٣) أثم التارك ولم تبطل الصلاة. وسبب الخلاف: اختلافهم في المفهوم من قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٤). هل الأمر بذلك على الوجوب [أو] (٥) على الندب؟ فمن حمله على الوجوب قال: المراد به ستر العورة، واحتج لذلك بأن سبب نزول [هذه] (٦) الآية: أن امرأة كانت تطوف بالبيت، وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا [أحله] (٧) فنزلت هذه الآية. وأمر رسول الله ﷺ ألا يطوف بعد هذا العام مشرك، وأن لا يطوف بالبيت عريان (٨). ومن حمله على الندب قال: المراد بذلك الزينة الظاهرة؛ [مثل] (٩)

стр. 346

الرداء وغيره [من اللباس] (١) واحتج لذلك بما جاء في الحديث من: أنه كان رجال يصلون مع رسول الله ﷺ عاقدي أزرهم على أعتاقهم كهيئة الصبيان، ويقال للنساء: [لا ترفعن رؤوسكن] (٢) حتى يستوي الرجال جلوسًا (٣). ثم المصلون [ينقسمون] (٤) [قسمين] (٥)؛ ذكرانًا وإناثًا. فالذكران لا يخلو حالهم من خمسة أوجه: أحدها: أن يجدوا ثيابًا طاهرة مما يجوز لهم لباسها عرفًا وشرعًا. والثاني: أن يجدوا ثيابًا نجسة. والثالث: أن يجدوا ثيابًا محرمة اللباس. والرابع: أن يجدوا ثيابًا بخسة، وثيابًا محرمة من الحرير. والخامس: ألا يجدوا ثيابًا أصلًا. فالجواب عن الوجه الأول: إذا وجد المصلي ثيابًا طاهرة [مما] (٦) يجوز لبسها عُرْفًا وشرعًا كسائر اللبالس [سوى] (٧) الحرير: فإنه يتعين ستر عورته وجوبًا، أو ندبًا؛ على الخلاف الذي قدمناه أول المسألة، ثم يستر ما بقى من جسده بعد العورة على معنى الفضيلة والكمال. واختلف في حَدّ ما يكون عورة من جسده الذي يتعين عليه ستره في

стр. 347

الصلاة على ثلاثة أقوال منصوصة في المذهب، قائمة من "المدونة". أحدها: أن جميع جسده عورة، وهو قول [القاضي] (١) أبي الفرج، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب النذور"؛ لأنه [قال] (٢) إن كسا المساكين و [إن] (٣) كن نساء فدرع وخمار. وإن كانوا رجالًا: فثوب [واحد] (٤)، وذلك أدنى ما [تجزئ] (٥) فيه الصلاة؛ لأن مالكًا لا يرى أن يجزئ المئزر المُكْفت، ويؤيد ذلك قوله ﵇: "لا يصل الرجل في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء" (٦). لأن الزينة لا تقع على من صلى بمئزر في وسطه [لا غير ذلك] (٧). والقول الثاني: أن العورة التي يجب عليه سترها: من الصرة إلى الركبتين، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الصلاة الأول" من "المدونة" (٨) حيث قال فيمن صلى بالمئزر أو بالسراويل، وهو يقدر على الثياب فإن صلاته جائزة، فإن صلى عريانا وهو يقدر على الثياب: أعاد [ق/ ٣٤ أ] أبدًا. والثالث: أن العورة السوءتان خاصة، وهو قول أصبغ في كتاب ابن حبيب، وهو قول مالك في "كتاب الجنائز" من "المدونة" (٩) [في ستر

стр. 348

عورة الميت أنها السوءتان خاصة] (١). ويتخرج في المذهب قول رابع بالتفصيل بين البيوت والمساجد؛ إن صلى في المساجد سترها، وإن صلى في بيته فلا شيء عليه إذا لم يسترها. ولا شك أن سترها عن المخلوقين وعن الملائكة [مستحب] (٢). وسبب الخلاف: تعارض الأخبار، من ذلك قول النبي ﷺ : "لا يصلي الرجل في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء" (٣). ومنها: ما روى أيضًا أن النبي ﷺ قال: "الفخذ عورة" (٤). ومنها: حديث أنس أن النبي ﷺ حسر عن فخذه، وهو جالس مع أصحابه (٥). والأحاديث كلها ثابتة عن النبي ﷺ -فمن سلك مسلك الترجيح، رجح الحديث الأول: "لا يصلي الرجل في ثوب واحد"؛ [يقول] (٦): الجسد كله عورة. ومن رجح [الحديث الثاني] (٧): "الفخذ عورة"، قال: العورة من الصرة إلى الركبتين. ومن رجح حديث أنس، قال: العورة السوءتان خاصة، فإن كان معه

стр. 349

رداء وقميص، فإنه يستحب له أن يتجمل بهما في الصلاة، سواء صلى في بيته أو في المسجد، وهو الذي [اختاره] (١) بعض العلماء لقوله تعالى: ﴿خُذُوا زينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٢) -يريد الصلاة- على [معنى] (٣) الاستحباب. وأما الجواز فقد قدمنا ما تجوز به الصلاة. وحديث أبي هريرة أيضًا [أنه قال] (٤): لا أصلي في ثوب واحد، وإن ثيابي لعلى المشجب، وذلك في بيته. وأما الصلاة في [المساجد] (٥) فينبغي أن يخرج إليها على أحسن [ثيابه] (٦)، [حتى] (٧) قال بعض العلماء: لا ينبغي للرجل أن يمشي في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء كما لا ينبغي للإمام أن يصلي بغير رداء، [كأنه] (٨) يرى ذلك من قلة المروءة. والذي قاله يختلف باختلاف البلدان، فيصح ذلك في البلاد التي جرت العادة [بالأردية] (٩) على الثياب؛ فيكون من خرج بغير رداء شهرة بين القوم. وأما البلاد التي جرت عادته بترك الارتداء: فلا وصم في ذلك، والله

стр. 350

أعلم. فإن لم [يجد] (١) إلا ثوبًا واحدًا: فلا يخلو من أن يكون قصيرًا أو طويلًا. فإن كان قصيرًا: فإنه يأتزر به، وإن كان طويلًا: كيف يصنع في لبسه؟ وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه نهى عن اشتمال الصَّمَّاء (٢). وروى عنه ﷺ أنه صلى في ثوب واحد متوشحًا (٣). والتوشح: ضرب من الاشتمال، فالاشتمال عند العرب على ثلاثة [أوجه] (٤): [منها] (٥) اشتمال الصَّمَّاء: وهو أن يلتوي في ثوبه، ولا يدع ليديه مخرجًا إلا من أسفله. وهذه اللبسة التي نهى عنها مأخوذ من الصَّمَم؛ لأنه لا منفذ ليديه إلا من تحت الثوب، فإذا أخرجهما ورفعهما انكشف فرجه. و [الضرب] (٦) الثاني: الاضطباع: وهو أن يرتدي ويخرج الثوب من تحت يده اليمنى. فقال ابن القاسم: هو من ناحية الصماء. ولا خلاف أن اللبستين ممنوعتان مع عدم الإزار.

стр. 351

ومع وجود الإزار: الكراهة، والإجازة [بغير] (١) كراهة. و [الضرب] (٢) الثالث: التوشح المباح في الصلاة وغيرها؛ أن يأخذ ثوبه تحت يده اليمنى فوضعه على كتفه الأيسر، وأخذ الطرف الآخر من تحت يده اليسرى فوضعه على كتفه اليمنى. فهذه صفة التوشح [المباح] (٣)، وهو تفسير [القاضي] (٤) أبي الوليد الباجي [﵁] (٥). والجواب عن الوجه الثاني: [إن] (٦) لم يجد إلا ثوبًا نجسًا؛ فإنه يصلي به ولا يصلي عريانًا مع وجوده. فإن وجد ثوبًا طاهرًا في الوقت، أو ما يغسله به، فإنه يعيد في الوقت. واختلف في حد الوقت على قولين: أحدهما: [أن آخر الوقت] (٧) الاصفرار [في الظهر والعصر] (٨) والمغرب، والعشاء: الليل كله؛ بمنزلة ما لو صلى به ناسيًا. وهو قوله في "المدونة".

стр. 352

والثاني: أن الوقت [فيه] (١) بغروب الشمس [في الظهر والعصر] (٢) والليل كله إلى طلوع الفجر في المغرب والعشاء. وهو قول ابن المواز في الغروب [ق/ ١٧ ب]. والفرق بين الليل [والنهار] (٣) أن الإعادة في الوقت استحبابًا، فأشبهت التنفل، فكما لا يجوز التنفل إذا اصفرت الشمس، فكذلك لا يعيد به ما وجب فيه إعادته. ولما جاز التنفل في الليل كله: جازت الإعادة [فيه] (٤) والله أعلم. و [أما] (٥) الجواب عن الوجه الثالث: إذا لم يجد إلا ثوب حرير، هل يصلي به أم لا؟. فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يصلي [فيه] (٦) ولا يصلي عريانًا. وهو قول ابن القاسم في "المدونة" (٧)؛ لأنه قال: يصلي بالحرير [أحب إليَّ] (٨) مع وجود الثوب النجس. والثانى: أنه يصلي عريانًا ولا يصلي به.

стр. 353

وهو قول أشهب في "الموازية" (١)، وهو قول ابن القاسم في سماع أصبغ عنه. فوجه القول إنه يصلي عريانًا؛ بناء على أن وجوده كالعدم على سواء؛ لنهيه ﵇ [الذكور] (٢) عن لباس الحرير. ووجه [قول] (٣) من [ق/٢٦جـ]، جوز [الصلاة به] (٤): بناء على أن النهي لما كان للسرف؛ فإن من اضطر إليه غير قاصد إلى السَّرَف: فيجوز له لبسه. فكيف الصلاة فيه، وقد أجاز النبي ﷺ لباسه لعبد الرحمن بن عوف لأجل الحَكَّة التي كانت ["به" (٥)] (٦)؟. [واختلفوا] (٧) فيمن صلى فيه [مختارا] (٨) على ثلاثة أقوال: أحدها: أن صلاته جائزة ولا يعيد، وهو قول ابن عبد الحكم. والثاني: أنه يعيد أبدًا، وهو قول ابن حبيب. والثالث: أنه يعيد في الوقت، وهو قول أشهب. وسبب الخلاف: النهي هل يدل على فساد المنهي عنه أم لا؟ (٩).

стр. 354

فمن رأى أن النهي يدل على فساد المنهي عنه، قال: يعيد أبدًا؛ لأنه ارتكب محظورًا في لبس ما حرم عليه لبسه، اتفاقًا في المذهب؛ فصار بمنزلة من صلى عريانًا مع [وجود] (١) القدرة على الثياب. ومن رأى أنه لا يدل على الفساد، قال: لا يعيد الصلاة؛ لأنه ليس كالعريان. والمرأة لو صَلّت فيه لجازت صلاتها، وإنما هو عَاصٍ في اللبس مُطِيعًا في الصلاة، كمن صلى بثوب مغصوب، فإن صلاته تجزئه. والجواب عن الفصل الرابع: إذا كان معه ثوبان؛ نجس وحرير [طاهر] (٢)، هل يصلى بالحرير أو بالنجس؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يصلي بالحرير ويعيد في الوقت إذا وجد ثوبًا طاهرًا أو ما يغسل به [النجس] (٣) وهو قول ابن القاسم في "المدونة" (٤). والثاني: أنه يصلي بالنجس، ولا يصلي بالحرير، فإن صلى بالنجس: أعاد في الوقت، وإن صلى بالحرير فلا [يعيد أصلًا] (٥) وهو قول أصبغ

стр. 355

في "كتاب محمَّد" (١). وسبب الخلاف: تعارض العمومين، قوله ﷺ : "الحرير محرم على ذكور أمتي" (٢). [فظاهره] (٣) العموم في الصلاة وفي غيرها، والنهي يدل على فساد المنهي عنه. والثاني: عموم قوله تعالى: ﴿[يَا بَنِي آدَمَ] (٤) خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٥). ويعضده الإجماع [على] (٦) أن ستر العورة واجب جملة في الصلاة، وفي غير الصلاة، وأن المساجد المرادة في الآية هي الصلاة. والإجماع أيضًا على أن من تعمد الصلاة بثوب نجس مع القدرة على ثوب طاهر يجوز [له] (٧) لبسه: لا تجوز [الصلاة فيه] (٨) [فنهى] (٩) النبي ﵇ عن لباس الحرير يقتضي ألا تجوز الصلاة به عمومًا أصلًا. وانعقاد الإجماع يقتضي أيضًا ألا يصلي بثوب نجس عامدًا عمومًا.
следующие страницы →