← Фикх малики

Фикх малики · id 123685

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

الرجراجي، علي بن سعيد

Полный текст (4 240 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

وإهمال مقدار الأجل الذي بيع ما بينه، وبين حلوله بقدرٍ كالعرف، ويكون له من الآخر قدر ما يباع إليه على الاجتهاد، وذلك القدر يحط من جملة ما اشتراه المشتري إن باع قبل الوقت المقدر. ووجه القول الثالث: بالتفصيل بين بيعه في البلد وغيره أن ذلك من باب التحجير على المشتري؛ إذ لا يقدر على أن يتصرف في حقه حتى يصل إلى ذلك البلد. وذلك ضعيف لوجود هذا المعنى في البلد تبايعا فيه ومع ذلك جور. ووجه القول الرابع: التفصيل بين أن يضرب أجلًا أم لا؛ لأنه إذا ضرب أجلًا كان ذلك إجارة، والبيع والإجارة يجوز أن يجتمعا في ظاهر المذهب. وإن لم يضرب أجلًا كان ذلك جعلًا، والجعل لا يجوز اجتماعهما على مشهور المذهب. ووجه القول الخامس: أن ذلك جائز إن لم يضرب أجلًا، ويكره إن ضربه؛ لأنه إذا لم يضربه كان البيع ثابتًا، وإن ضربه كان الحكم فيه كالحكم فيمن باع سلعة بدراهم وعروض يسيرة إذا استحق ذلك العرض، هل يرجع بما ينوب ذلك العرض في ذمة بائعه أو في عين سلعته؟ فقد اختلف المذهب في ذلك؛ فمن قال يرجع بذلك قيمة في الذمة قال بجواز البيع في مسألتنا، ويقبض المشتري جميع النصف المشتري، فإن باع في بعض الأجل رجع عليه البائع بما ينوب الإجارة قيمة، ومن قال: إن الحكم الرجوع في عين السلعة لم يجز البيع؛ إذ لا يدري هل يصح له جميع المشتري أو بعضه، وذلك البعض كم هو؟

стр. 2942

ووجه القول السادس: بالتفصيل بين ما يعرف بعد الغيبة، وما لا يعرف أنه إذا كان مما لا يعرف بعد الغيبة عليه كالمكيل والموزون يبقى فيه البيع تارة، والسلف تارة؛ لأنه إن مضى الأجل، ولم يبع صح له جميع المشتري وكان بيعًا. فإن باع في بعض الأجل فلابد أن يرد جميع المشتري؛ لأنه لم يستوجب جميعه؛ لأن الثمن بعضه عينًا وبعضه إجارة. فإذا باع في بعض الأجل لم تعرف له جميع الإجارة، فإذا لم تعرف جميعها لم يستحق جميع المشتري. فإذا لم يستحق جميعه فلابد أن يرد بعضه بعد الغيبة عليه، وذلك عين البيع والسلف فيما مضى فيه البيع، فهو بيع وما رد فهو سلف. ووجه القول السابع: بالتفصيل بين ما ينقسم وما لا ينقسم ملاحظة لما قدمناه في توجيه القول الثالث من التحجير على المشتري فيما اشتراه؛ وذلك أنه إذا باع المبيع مما لا ينقسم كالعبد والدابة، فإن المشتري محجور عليه في التصرف فيما اشتراه؛ بل في قبضه على الجعلة لعدم تمييزه لكونه اشترى مشاعًا فيما لا يمكن قسمه حيًا. فإن كان مما ينقسم جاز لكونه قادر على القسمة إن شاء؛ إذ لو طلبها لجرى عليها شريكه. ووجه القول الثامن: بالتفصيل بين المعين والمضمون أنه إذا كان مضمونًا جاز؛ إذ لا يتقي فيه البيع والسلف، ولا الجهل في قدر المشتري؛ لأنه إذا اشترى منه سلعة على أن يبيع له سلعة أخرى غير معينة إلى أجل كذا وكذا، فصار البائع كأنه قد استغرق منافع المشتري في تلك المدة؛ بمعنى أنه إذا باع قبل انقضاء تلك المدة كان للبائع أن يكلف له بيع سلعة أخرى هكذا

стр. 2943

تنقضي تلك المدة، فإذا كانت سلعة معينة عاد الأمر فيه إلى ما قدمناه من الغرر والخطر [والحمد لله وحده] (١).

стр. 2944

المسألة الثالثة في ماهية الجعل وأصل جوازه فأمَّا ماهيته فهو أن يجعل الرجل للرجل جعلًا على عمل يعمله له إن أكمل العمل كان له جعله، وإن لم يكمله لم يكن له شيء وذهب عناؤه باطلًا، فهذا قد أجازه مالك وأصحابه فيما لا منفعة فيه للجاعل إلا بتمام العمل، وهو في القياس عذرًا إلا أن الشرع ورد بجوازه على ما أحكمته الشريعة كتابًا وسنة، وكان موجودًا في معاملات الناس جاهلية وإسلامًا؛ فأقر النبي ﷺ على فعله، ولم يتعرض لإبطاله مع علمه بذلك؛ إذ لا فرق بين ما يبتدأ في إجارته شرعًا وبين ما يقر على إجارته. وأيضًا فإن الضرورة تدعو إلى ذلك أشد مما تدعو إلى القراض والمساقاة، والضرورة مستثناة من الأصول، وقد مضى عمل المسلمين على ذلك في سائر الأمصار على قديم الأوقات والأعصار. ومن شروط صحته أن يكون الجعل معلومًا، وأن لا ينقد، وأن يكون مما لا منفعة فيه للجاعل إلا بتمامه، وأن لا يضرب للعمل المجعول فيه أجلًا، فهذه أربعة شروط، وقولنا: "أن يكون الجعل معلومًا" احترازًا من أن يكون مجهولًا. فإذا كان الجعل مجهولًا والثمن مجهولًا، ولم يكن في الثمن إلى اجتهاد المجعول له لم يجز باتفاق المذهب. وإن سمى له الثمن أو فوض إليه، ولم يسم الجعل جاز إذا كان هناك عرف جاز، وجاز في جعل مثل ذلك العمل. وقولنا: "وأن لا ينقد"؛ لأنه إذا انتقد الجعل كان بيعًا تارة، وسلفًا

стр. 2945

تارة، وقد يبيع فيستحق الجعل، وقد لا يبيع فلا يستحق شيئًا؛ إذ لا يستحق الجعل إلا بتمام العمل. وقولنا: "وأن يكون لا منفعة فيه للجاعل" احترازًا من أن تكون له منفعة فيما عمله؛ ويؤدي ذلك انتفاع الجاعل بعمل المجعول له باطلًا، وهذا على الخلاف في الجعل على حفر بئر فيما يملك من الأرض، هل يجوز أو لا يجوز؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أن ذلك لا يجوز إلا فيما يملك من الأرضين، وهو قوله في "الكتاب" وهو ظاهر المذهب. والثاني: فيما يملكه من الأرضين وفيما لا يملك، وهو قوله في مسألة المغارسة؛ لأنه جواز المغارسة فيما يملك من الأرض مع جواز عجز الغارس مع تمام غرسه؛ فينتفع الجاعل بعمل المجعول له، ثم إن جاعل الجاعل من يتم له في ذلك العمل، وأنه يكون للمجعول الأول بحساب عمله سواء كان ذلك في حفر أو حمل أو نقل مثل أن يجاعله على حفر بئر، فعجز قبل تمامه، ثم جاعل عليه غيره فأتمه، أو جاعله على نقل خشبة من موضع إلى موضع فجاء بها إلى نصف الطريق فرماها ثم جاعل عليها من يوصلها لربها، فقد قال ابن القاسم في "كتاب محمَّد": أنه يكون للأول من الجعل بقدر ما عمل مما انتفع به ربها. وهذا بخلاف البيع إذا عجز عن بيع ما جوعل عليه من السلع إلا أن يبيعها ربها بسوم الأول أو قريب منه فيما قرب من الزمان كبعد يوم أو يومين. وكذلك إن جاعله على حمل متاع من بلد إلى بلد على معنى البلاغ، ثم عجز في بعض الطريق، ثم وصله ربه أو استأجر عليه من يوصله؛ فعلى ما ذكرناه في البئر والخشب.

стр. 2946

وقولنا: "وأن لا يضرب للعمل المجعول فيه أجلًا"، ولم يشترط أن يترك متى شاء، فهل يجوز ذلك أم لا؟ فالمذهب يتخرج على قولين من "المدونة": أحدهما: أن ذلك لا يجوز؛ لأن الجعل لا يصلح فيه الأجل كما يجوز في الإجارة، وهذا القول قائم من "المدونة" من قوله في "كتاب الجعل": من جاءني بعبدي الآبق وهو بموضع كذا، فله كذا وكذا؛ حيث قال: إن ذلك جائز؛ لأن تسمية المواضع في الجعل كضرب الأجل، وقد قال في غير ما موضع من "المدونة": إن تلك البلدان بمنزلة الآجال، ولأجل هذا اعترض المسألة سحنون وفضل بن مسلمة. فإن ضرب له الأجل واشترط أن يترك متى شاء، وقد قال في "المدونة" فيمن قال لرجل بع لي هذا الثوب اليوم، ولك درهم إن ذلك لا يجوز إلا أن يشترط أن يترك متى شاء تركه، ثم ذكر المسألة إلى آخرها فقال: لا يؤقت في الجعل يوم، ولا يومان إلا أن يكون متى شاء [] (١) مثل هذا أنه جائز، وهو جل قوله الذي يعتمد عليه. وقد اختلف المتأخرون في تأويل هذا الكلام، وحيث هو الخلاف حيث هو وما القول المعتمد عليه في ذلك على أربعة أقوال: أحدها: أن الخلاف في ضرب أجل اليوم واليومين، وأن [] (٢) دون شرط الترك متى شاء، وهذا تأويل ابن أبي زيد، وعليه اختصر المسألة، وقد وهمه بعضهم في هذا قال: لأن الأجل في الجعل دون اشتراط الترك متى شاء لا يجوز باتفاق. وما قاله هذا المعترض لا يلزم ابن أبي زيد [] (٣)، والخلاف في

стр. 2947

المسألة قائم من "الكتاب" على ما استقرأناه من المدونة آنفًا، وربما أنه به استدل الشيخ على هذا التأويل. والثاني: أنه إنما لم يختلف قول ابن القاسم في "الكتاب" أنه إجارة، وإنما اختلف هل هي جائزة [] (١) أمر هي إجارة فاسدة، وهو تأويل ابن لبابة، واستدل على تأويله بقوله في "الكتاب" في إثر المسألة [] (٢) الجعل تجوز فيه الإجارة إذا ضرب لذلك أجلًا. وقد استبعد غيره تأويله أيضًا؛ لأنها لو كانت [] (٣) لفساده وجه. والثالث: أن مراده بالإجارة المسألة المذكورة التي اشترط فيها أنه متى شاء، قاله أيضًا أنه جائز، وهو جل قوله فكرر الجواب، وليس بخلاف، وإنما أخبر أنه جل قوله الذي اعتمد عليه، وجل قوله يقتضي الخلاف ويشعر بأن له قولًا آخر أنه لا يجوز، وهو قول منصوص في رواية عيسى عنه في الذي قال لرجل: جذ نخلي هذا اليوم فما جذذت بيني وبينك ومتى شئت [] (٤) ولك نصف ما عملت فقال: لا خير فيه، وهذا تأويل أبي عمرو بن القطان، وهو تأويل بعيد أيضًا. والرابع: أن ذلك منه اضطراب رأي واختلاف قول، وأنه إذا قال له: بع لي هذا الثوب [] (٥) فقال في الباب أنه جعل، ولا يجوز إلا أن يشترط أن يترك ما شاء، وله قول آخر أن ذلك جائز [] (٦) خيار لا جعل. فإن باع في بعض اليوم كان له من الأجر بحساب ذلك، فقال سحنون: إن هذا القول [] (٧) من قول ابن القاسم، وهذا القول لابن القاسم قائم من أول "الكتاب"، وقد قال في الذي [] (٨) نصف الثوب

стр. 2948

على أن يبيع له النصف الآخر أن ذلك جائز إذا ضربا لذلك أجلًا؛ لأنه [] (١) أجلًا كانت إجارة، واختار سحنون هذا القول؛ لأنه إذا قال: بع لي هذا الثوب اليوم ولك [] (٢) يريد على وجه الجعل، فيكون جعلًا فاسدًا، واحتمل أن يريد على وجه الإجارة، فيكون جائزًا [] (٣) محتملًا للفساد، وللجواز مترددًا بينهما، فإنه على مذهب سحنون يحمل على الجواز حتى يتبين [] (٤) قوله في مسألة الراعي والثوب في الخلف، وهذا تأويل القاضي أبي الوليد بن رشد. واختلف هل يلزم بالعقد أم لا؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يلزم بالعقد، وكل واحد منهما بالخيار ما لم يشرع في العمل، فيسقط خيار الجاعل، ويبقى الآخر على خياره حتى يفرغ من العمل، وهي رواية عليّ بن زيادة [] (٥) أشهب عنه في "العتبية". والثالث: أنه يلزمها جميعًا بالعقد كالإجارة على سواء، وهذا القول حكاه اللخمي، ولم يسم قائله. وفائدة الخلاف وثمرته: إذا مات الجاعل والمجعول له [] (٦) لازمًا لورثته أم لا؟ ويمكن أن ينزل هذا الخلاف على أن ذلك اختلاف الأسئلة، وفيه أقوال. فنقول: إذا كان الثمن والعمل فيه مجهولين كان الخيار لكل واحد منهما؛ لأن الذي يصح [] (٧) مجهول ومقدار عمل العامل مجهول أيضًا. فإن كان الثمن معلومًا والعمل مجهولًا بالجعالة على [] (٨) بيع السلعة كان لازمًا للجاعل؛ لأن الثمن الذي يبذله معلومًا وغير لازم للعامل؛ لأن عمله [] (٩) الثمن والعمل معلومين بحفر البئر وما أشبهه كان لازمًا

стр. 2949

لهما بالعقد؛ لأن الذي يبذله الجاعل من الثمن معلوم، والذي يلزم العامل من العمل معلوم. ولا خلاف في الجواز في الجعل في قليل السلع، وهل يجوز في كثيرها أم لا؟ على خمسة أقوال: أحدها: جواز الجعالة في القليل والكثير، وهذا القول قائم من المدونة من مسألة المغارسة وكلب الآبق، وقد جوز أن يعطي الرجل أرضه لمن يغرسها نخلًا أو شجرًا، فإذا بلغت كذا سفعة أو بلغ الشجر [] (١) كذا وكذا كانت الأرض بينهما والشجر، وذلك مما تطول فيه خدمة المجعول له، وقد لا يشاركه بعمل آخر، ولا يكاد يتفرغ لاستغراقه فيه، وكذلك في طلب الآبق يطول عليه الطلب، ويعطله ذلك عن جميع الصنع التي منها يحق الكسب على العادة المألوفة. فإذا كانت العلة في منع الجعل في كثير من السلع كون ذلك يشغله عن معاشه وعن الاحتراف بغير ذلك مما ينال منه عيشه، فذلك موجود في المغارسة، وطلب الآبق أو أشد، وذلك ظاهر لا مراء فيه. والثاني: أنها جائزة في يسير السلع دون كثيرها، وهو نص المدونة. والثالث: التفصيل بين البيع والشراء؛ فإن جاعله على البيع جاز في القليل دون الكثير، وإن جاعله على الشراء جاز في القليل والكثير؛ لأنه في البيع قد انتفع الجاعل بعمل المجعول لكون السلع في صيانته، وفي حفظه مدة معلومة، وذلك معدوم في الشراء إذا كان كلما اشترى وداه للمشتري، وهو تأويل بعضهم على "المدونة". والرابع: التفصيل بين أن يجعل له في ثوب يبيعه جعلًا مسمى فيجوز إذا لم يتول حفظ جميع الثياب، ولا يجعل له جعلًا إلا على بيع جميعها، فإن باع بعضًا ولم يبع بعضًا، فلا يجوز قولًا -حفظها أو كانت عند

стр. 2950

مولاها- وهو تأويل أبي الوليد وغيره. والخامس: التفصيل بين ما ينقل ويحول كالعروض والحيوان وغيرهما، فلا يجوز الجعل في كثيره، وبين ما لا ينقل ولا يحول كالرياع والعقار فيجوز؛ لأنه لا يتكلف إلا الضياع عليهما دون حفظها، وليس في ذلك للجاعل كثير منفعة، وهو قوله في "العتبية"، و"الموازية". وسبب الخلاف: اختلافهم في المستثناة من أصول فاسدة، هل يقتصر بها على الأقل الذي تدعو الضرورة إليه أو يلحق بها ما هو مباح من أصله؛ فيجوز في القليل والكثير؛ كاختلافهم في الميتة في حق المضطر إليها، هل يأخذ منها ما يسد بها الرمق أو يشبع ويتزود وغير ذلك مما لا يخفى على من طالع المذهب [والحمد لله وحده] (١).

стр. 2951

المسألة الرابعة في الفرق بين الإجارة والجعالة وينبغي للعالم أن يعلم أن الجعل والإجارة يتواردان موردًا متقابلًا، وكلاهما عوض عن عمل، فاعتمد على الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: لفظي، والآخر: معنوي، والمعنوي أوسع وأوضح. فأمَّا اللفظي: فهو أن يقول: أجاعلك على كذا وكذا تعمله، ولك كذا وكذا بكذا، هذا في الإجارة؛ لأنه أوردها باسمها، ويراعى لها شروطها أيضًا كما قدمناه، فلا ينبغي إهمال هذه الألفاظ. ولو عقدا عقدًا بينهما لا بواسطة الجعالة، ولا بواسطة الإجارة، فهناك تلاحظ الفرق المعنوي الحكمي؛ فإن وجد فيها معنى الإجارة، فهي هي وإن وجد فيها معنى الجعالة فهي هي؛ فإن قال: بع لي هذا الثوب، ولك ألف درهم، فإن لم تبعه فلا شيء لك، فهذه جعالة؛ لأن الاستحقاق فيها نيط بالفراغ من العمل وتصرمه، فإذا قال: بعه لي، ولك درهم بعته، أو لم تبعه فهي إجارة، ولابد من الأجل؛ لأن الاستحقاق فيها ليس بمنوط بالفراغ من العمل، وبين هاتين المقدمتين واسطة مشكلة؛ وهي إذا أبهم الأمر، فقال: بعه ولك كذا؛ إذ قد يحتمل أن تكون إجارة تفسد لعقد [] (١)، ويحتمل أن تكون جعالة فيصح. أما رأي من غلب شائبة الصحة في اللفظ المتردد بين الفساد والصحة صيانة للمسألة عن الإبطال، فحمله على الجعالة مطرد غير مطرب، وأما رأي من غلب الفساد على الصحة عند التزاحم كابن القاسم، فإنه قد عهد

стр. 2952

منه ذلك في مذهبه، فإن صحت المسألة على هذا الأصل ففيه نظر، وابن القاسم يقول بصحتها حملًا على ما ترى، ويشبه أن تكون قد تحسن لمفهوم الصيغة في ارتباط الاستحقاق بانبرام العمل، فإذا كان ارتباط الاستحقاق [] (١) العمل إذا عقل نصًا بمحض شائبة الجعالة؛ فكذلك الارتباط المعقول من الصيغة لحنًا ضمنًا. فإذا علم ذلك فمن وجوه الفرق بينهما أن الإجارة تلزم من الطرفين، فليس لأحدهما فسخها مع التمكين في الاستيفاء والجعالة لا تلزم من الطرفين؛ لأنها من قبيل الجائز لا من قبيل اللازم على مشهور المذهب؛ لأن العمل مجهول فلا يتمادى. وأما الإجارة فالعمل فيها مقدر معلوم. ومن وجوه الفرق بينهما أن الجعالة لا يجوز فيها [] (٢) شرطه؛ لأنه سلف تارة وجعل أخرى؛ فهو جائز بالعقد في الإجارة بل يلزم، أو بالشروع في العمل لابد لأحدهما احترازًا من الدين بالدين إن كانت الإجارة على موصوف، وإن كانت على بيع معين، فإن النقد بالنقد في الجعالة لا يجوز بشرط، والتوجيه ما قدمناه. ومن وجوه الفرق بينهما: أن التأقيت بأجل لا يصح في الجعالة، ويصح في الإجارة، بل يجب فيها؛ لما قدمناه من أن الجعالة من قبيل الجائز دون اللازم، ولا مجال للتأقيت فيها؛ إذ الغرض به منتهى اللزوم، فلا لزوم ولا تأقيت، بخلاف الإجارة لأنها من قبيل اللازم، ولابد للازم من غاية ونهاية، غير أنا نقول ما قدحت الجعالة في العقود بلغتها؛ بل لما فيها من الفساد المقتفي لإبطالها من ارتكاب الإغرار، واقتحام الأخطار، ولو ساع التأقيت في الجعالة لأمكن دفعها قبل الفراغ من العمل، فيذهب

стр. 2953

كده باطلًا؛ فنظام الجعالة إذًا إنما يتقرر بإهمال المدة فيها؛ لأن ذلك من مصالح العقد، وما كان من مصالحه فلا يكر ببطلانه، هذا كما نقوله في النكاح، والإجارة فإنهما متآخيان [] (١) لما نص المناكحة عن التأقيت؛ إذا لا يتم مقصودها الذي هو السكن والازدواج والتناسل الإعضاد [] (٢) جهل التأقيت؛ إذ لا يحصل مقصودها إلا بمعرفة مدتها؛ فصارت الجهالة فيها مفسدة لا مصلحة [] (٣) ذلك؛ فاعلم أن الجعالة والإجارة مثل أن تكون له غاية معلومة، ونهاية محصورة كخياطة الثوب [] (٤) فإذا ضم إلى ذلك الزمان، فهل يصح في الإجارة أم لا يصح؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أنه لا يجوز؛ لأنه من باب مدتين في مدة وشرطين في بيع، وهو قوله في كراء الرواحل، والدواب فيمن تكارى دابة من رجل على أنه إن بلغه إلى موضع في كذا، وإلا فلا كراء له، فقال مالك: لا خير في ذلك؛ لأنه شرط لا يدري هل يتم فيه الكراء أم لا؟ وأشار بعض المحققين من المتأخرين إلى أن وجه فساده؛ لأنه من مدتين في مدة وشرطين في بيع. والثاني: أن ذلك جائز، ويؤخذ من مسألة الثور إذا استأجره يطحن له كل يوم أردبين بدرهم، فوجده لم يطحن له إلا أردبًا واحدًا في اليوم، فقال له أن يرده ويغرم نصف الدرهم؛ فقد جوز في هذه المسألة [] (٥) في مدة؛ لأن التقييد باليوم مدة، والتقييد بالأردبين مدة؛ فإحداهما تغني عن الأخرى.

стр. 2954

والقولان مرويان عن مالك مشهوران في "العتبية" وغيرها، والمشهور المنع. وقال بعض المتأخرين: يمكن أن يكون قصد بالشرط هاهنا هذا الشرط في التقييد بمدة الزمان مع التقييد بمقدار العمل؛ مثل قوله: خط لي هذا الثوب، ولك درهم على التعجيل والاستحثاث ودفع التكلي والوأن؛ فتحصيل هذا الغرض هو المقصود لا الزمان، وهذا منه جنوح إلى التلفيق والخلاف في المسألة من كل طريق وثبت عند كل فريق. وأما الوجه الثاني: وهو تقدير [] (١) بزمن يقتضب منه فجائز في الإجارات بل واجب؛ وأما في الجعالة إذا قيدت بزمن، وإن لم يشترط أن يترك متى شيئًا لم يجز لما قدمناه، وإن اشترط ذلك، فهل يجوز أم لا؟ فإنه يتخرج على الخلاف الذي استقصيناه في المسألة التي قبل هذا استقصاءً لم أسبق إليه، ولا زاحمتني أقدام المتأخرين عليه [والحمد لله وحده] (٢).

стр. 2955

المسألة الخامسة فيمن دفع دابته لرجل على النصف فلا يخلو من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يقول له: أكرها. والثاني: أن يقول له: اعمل عليها. والثالث: أن يقول له: اعمل لي عليها. فأما الوجه الأول: إذا قال له: أكرها ولك نصف ما تكريها به فلا يخلو من أن يكون عمل بمقتضى قوله أو خالفه. فإن عمل بمقتضى قوله وإذنه، فالكراء لصاحب الدابة، وللآخر إجارة المثل على ما قدر عنائه وتعبه؛ لأن رب الدابة قد استأجره إجارة فاسدة. فإن خالفه فيما أذن له فيه؛ مثل أن يأمره فيكريها فعمل عليها كان ما عمل عليها له، ولصاحبها إجارة المثل؛ لأن نقد على منافع الدابة في غير ما أذن له فيه. وأما الوجه الثاني: إذا قال اعمل عليها فما عملت عليها من شيء؛ فلك نصفه فلا يخلو من أربعة أوجه: إما أن يقول له اعمل عليها، ولك نصف ثمن ما اكتسبت، أو يقول له: اعمل عليها على أن نصف عين ما حملت عليها لك، أو يقول له: اعمل عليها ولك كل يوم درهم، أو يقول له: احمل عليها لك نقلة ولي نقلة. فإن قال له: اعمل عليها ولك نصف ثمن ما كسبت عليها؛ مثل أن يأخذها، ويحتطب عليها فيبيع أو يحتش عليها أو يستغني عليها، فإن

стр. 2956

المكسب للعامل، وعليه إجارة المثل لصاحب الدابة؛ لأن تلك الأشياء ملك للعامل بنفس أخذه لها، والدابة قد اكتراها كراء فاسدًا، وإن عاقه عائق وعرف ذلك بأمر معروف، فلا شيء عليه؛ إذ لم يحمل له عليها شيئًا مضمونًا، وهو قول ابن حبيب في الواضحة. واختلف إذا قال اعمل عليها فأكراها لمن يكون الكراء على قولين: أحدهما: أن الكراء للمستأجر، ولصاحب الدابة أجرة المثل. والثاني: أن الكراء لصاحب الدابة؛ لأنه ضمن منافعها، وللمستأجر كراء المثل. والقولان لابن القاسم في "التبصرة". فإن قال له: اعمل عليها على أن لك نصف ما حملت عليها من حطب، أو حشيش، أو ماء، أو ثمار البرية، فإن ذلك أمر ممكن لا يتعذر وجوده لم يجز؛ لأنه مخاطرة. فإن قال له: اعمل عليها، ولك كل يوم درهم جاز ذلك، ويكون ثمن ما باع به مما عمل عليها لصاحب الدابة، ولا يكون ذلك دراهم في اكترائها؛ لأن الملك يتعين لصاحب الدابة في تلك الأشياء بالنية قبل بيعها، ولو أخذه بدراهم أبو بدنانير ودفع إليه دابته على أن يأتيه كل يوم بدرهم سنة أو شهرًا لم يجز باتفاق المذهب. فإن كان على أن يأتيه بغير الدنانير، والدراهم كالعروض، والطعام وغيره، فالمذهب على قولين: أحدهما: المنع إذا اشترط عليه قدرًا معلومًا، وهو قول مالك في "المدونة" و"الموازية". والثاني: الجواز، وهو إذا وصف وأجل، وهو قول أحمد بن ميسر،

стр. 2957

ومحمد بن المواز. وإن قال له: احمل عليها نقلة لك، ونقلة لي، فإن ذلك جائز؛ لأن النقل معلومة، وهو قول ابن المواز. فإن قال: ما تنقل عليها اليوم لك، وغدًا لي فذلك جائز أيضًا. فإن نفقت الدابة قبل أن يعمل في اليوم الثاني، فلا يخلو من أن يعمل في اليوم الأول لنفسه، أو لرب الدابة. فإن عمل لرب الدابة ثم نفقت الدابة في اليوم الثاني قبل أن يعمل لنفسه كان على صاحب الدابة للعامل إجارة المثل، وليس له أن يكلفه أن يأتي بدابة أخرى؛ لأنه إنما باع غدًا منافع الدابة بعينها والمعين لا يخلف على ظاهر المذهب. فإن عمل لنفسه أولًا ثم ضاعت الدابة أو نفقت قبل أن يعمل لربها، هل يكون له كراء دابته ذلك اليوم. وهي رواية ابن أبي زيد عن ابن القاسم في "العتبية" لتعذر الخلف في مثل ذلك؛ كقولهم في الثوب اللبيس يستأجر على أن يأتي بدابة أخرى تعمل له؛ لأن حق رب الدابة مضمون في ذمة المستأجر في عين الدابة، وهذا القول حكاه الشيخ أبو محمَّد في "النوادر" قال: وهذا هو أصلهم. فرع من قال لرجل: أعنِّي بغلامك خمسة أيام وأعينك بغلامي مثلها جاز ذلك في الحصاد وغيره. وكذلك إن قال له: اعطني عبدك النجار يعمل اليوم بعبدي الخياط يخيط لك غدًا فلا بأس به، وهو قول أشهب، وأصبغ في "العتبية".

стр. 2958

ولا يؤثر في ذلك اختلاف الصنائع؛ لأن ذلك مبايعة باع عمل عبده اليوم بعمل عبد الآخر غدًا كما تجوز إجارة كل واحد منهما على أن يعمل مدة معلومة؛ فكذلك يجوز أن يباع عمل بعضهم بعمل بعض. وأما الوجه الثالث من أصل التقسيم: إذا قال له: اعمل لي عليها لمن يكون الكسب؟ على قولين: أحدهما: أنه للعامل، وعليه كراء الدابة، وهو قول ابن القاسم في رواية الدباغ في "المدونة". والثاني: أن الكسب لربها وعليه الأجر للعمل، وهو قول ابن الجلاب، [والحمد لله وحده] (١).

стр. 2959

المسألة السادسة في إجارة رحى الماء وانقطاع الماء عنها في بعض مدة الإجارة وكراء أريحة الماء جائز بكل شيء يجوز التبايع به من طعام وغيره، وهي المسألة التي سأل فقهاء الأندلس مالكًا عنها. فإن انقطع عنها الماء وطلب المفاسخة، فلا يخلو من أن ترجى عودته عن قرب، أو كان يرجى بعد بعد. فإن كان يرجى عن قرب لم يفسخ إلا بتراض منهما، فإن كان لا يرجى إلا بعد بعد كان له أن يفاسخه. فإن عاد الماء قبل انقضاء بقية المدة، فلا يخلو من أن يعود قبل الفسخ أو بعده. فإن عاد قبل الفسخ فلا يخلو من أن يعود عن قرب أو بعد بُعد. فإن عاد عن قرب، فإن الكراء بينهما قائم على حاله. فإن عاد عن بعد، فإنه يتخرج على قولين: أحدهما: أن طول المدة في انقطاعه كالفسخ. والثاني: أن الكراء بينهما قائم إلا أن يتفاسخا أو يفسخ بينهما بحكم؛ قياسًا على الذي اكترى السفينة في الصيف، فيدخل الشتاء، وكان الحكم الفسخ فلم يتفاسخا حتى صار إلى الصيف، فقد اختلف في المذهب على قولين.

стр. 2960

فإن عاد [بعد] (١) الفسخ، هل يثبت ما فسخ الحكم بينهما أو ترجع الإجارة على حالها؟ على قولين: أحدهما: إمضاء الفسخ بينهما، وهو ظاهر قول غيره في "المدونة" في العبد إذا مرض في أثناء المدة ثم برئ. والثاني: أن الإجارة ترجع على حالها؛ لأنهم في التقدير إلا أن يكون المكتري بعد الفسخ قد عقد موضعًا غيره، فإن الفسخ يمضي بينهما قولًا واحدًا. فإن عاد الماء وعاد إلى العمل، فلما انقضت السنة اختلفا في مدة انقطاع الماء؛ هذا يقول شهر والمكتري يقول: شهران فلا يخلو من أمرين إما أن يتفقا على أول انقطاعه، واختلفا في وقت رجوعه أو اتفقا في وقت رجوعه، واختلفا في مبدأ انقطاعه. فإن اتفقا على أول انقطاعه، واختلفا في وقت رجوعه المكري يقول رجع بعد شهرين والمكتري يقول بعد شهر، فإن القول قول المكتري؛ لأن ذلك في يديه قد سلم إليه واؤتمن عليه. فإن اتفقا في وقت رجوعه، واختلفا في مبدأ انقطاعه؛ مثل أن يتفقا أنه رجع في شعبان، وقال المكتري: كان انقطاعه في رجب، وقال المكتري: كان في جمادى، فالمذهب على قولين: أحدهما: أن القول قول المكري؛ لأن الكراء قد وجب على المتكاري، فهو يريد أن يحط عن نفسه بقوله، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" وغيرها. والأصل استصحاب الحال؛ فلا تبرأ ذمته بدعواه.

стр. 2961

وقال سحنون: هذه عراقية، يريد: أن القول قول المكتري، وهو القول الثاني؛ لأن الأمر فيه مكشل، والأصل براءة الذمة من الدين، ولا تعمر بالشك، فلو انقطع ذلك الماء إلا أن أهل ذلك المكان قد أخلوا من فتنة أصابتهم أو سنة مستهم، وأخلى هذا المكتري معهم أو أقام آمنًا غير أنه لا يأتيه أحد ولا يغشاه بالطعام، فقد قال: إن ذلك كبطلان الرحى من نقصان الماء، ويوضع عنه الكراء، وينبغي أيضًا أن الناس إذا أصابتهم السنة أو أمر ذهب بأموالهم حتى لا يعيشوا إلا بالبقول والحشائش، وتعطل عليهم العمل، وأهل البلد في البلد آمنون إن لم يخلو أن يكون ذلك كانجلائهم؛ لأن النظر إلى بطلان الرحى لعدم ما يطحن لا لعدم أهل البلاد وانجلائهم، وذلك ظاهر لمن تأمله [والحمد لله وحده] (١).

стр. 2962

المسألة السابعة في إجارة الثيات والحُلِي واختلف في إجارة الثيات والحلي وجميع الماعون الذي يستخدمه الناس ويمتهنونه، هل يجوز أو يكره، على قولين: أحدهما: أن ذلك جائز دون كراهية، وهو المشهور من قول مالك، وهو اختيار ابن القاسم في "الكتاب". والثاني: أن ذلك مكروه في كل شيء، وهو أحد قولي مالك في الحلي حيث قال ابن القاسم: وقد أجازه مالك مرة، واستثقله مرة أخرى، وقال: لست أراه بالحرام البين، وليس كراء الحلي من أخلاق الناس، ولا أرى به بأسًا. ووجه الكراهية في ذلك ما خرَّجه البخاري ومسلم أن النبي ﷺ قال: "لأن يمنح أحدكم أخاه أرضه خير من أن يأخذ عليه خرجًا معلومًا" (١)، وقد قيل في معنى قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (٢)، وأن ذلك في مثل الدلو، والفأس، وسائر ماعون البيت، وقيل: أراد به الزكاة المفروضة، وهو المشهور. وعلى القول بأن ذلك جائز دون كراهة، هل يصدق المكتري إذا ادعى الضياع أم لا؟ فلا يخلو من أن تقوم له بينة على ما يدعيه أو لم تقم. فإن قامت البينة البينة على الضياع بغير تضييع، ولا تفريط فلا تفريغ.

стр. 2963

وإن لم يكن إلا مجرد دعواه، فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة": أحدها: أنه مصدق في الكراء، والضياع، ولا يلزمه من الأجرة إلا ما قال أنه قد انتفع به، وهو قول غيره في "المدونة". والثاني: أنه لا يصدق لا في الكرى، ولا في الضياع، وهو ضامن لقيمة الشيء المستأجر، وهو قول أشهب عن مالك في "الكتاب" في مسألة الجفنة على رواية الضياع، وهي الرواية المشهورة، وهذا القول نقله ابن سحنون في غير "المدونة". والرواية الأخرى أنه إذا ادعى الكسر؛ ولذا قال مالك في غير "المدونة"، وأين فلقها. والثالث: أنه مصدق في الضياع دون الإجارة، وتلزمه جميع الإجارة، وهو قول ابن القاسم في "المدونة". وسبب الخلاف: اختلافهم في الشيء المستأجر، هل طريقه طريق الرهان، والعواري أو طريقه طريق الودائع والبضائع؛ فمن سلك به مسلك الرهان والعواري قال بتضمينه، ومن سلك به مسلك الودائع والبضائع قال بسقوط الضمان؛ لأن حقه في الانتفاع به، والرقاب في يديه أمانة لا حق له فيها. ومن فرق بين الإجارة وعين الشيء المستأجر، فقد لاحظ المعنيين وراعى الشقين، وذلك دأب ابن القاسم في أكثر المواضع [والحمد لله وحده] (١).

стр. 2964

المسألة الثامنة في إجارة المسجد والبناء عليه ولا يخلو بناؤه للمسجد من وجهين: إما أن يبنيه ليكريه، أو يبنيه ليصلي فيه. فإن بناه ليكريه لمن يصلي فيه، فإن ذلك لا يخرجه عن ملكه قولًا واحدًا، وله أن يبيعه، ويورث عنه. وهل يجوز له إجادته لمن يصلي فيه أم لا؟ وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى. فإن بناه لمن يصلي فيه، فلا يخلو من أن يبيحه للناس أو لا. فإن أباحه للناس، وخلا بينهم وبينه وحيز عنه في صحته، فلا خلاف أنه حبس لا يورث عنه، ولا يباع. فإن لم يحز عنه، ولا أباحه لمن يصلي فيه، وامتنع من أن يخرجه من يده لم يجبر على ذلك، وهو ظاهر "المدونة" من غير ما موضع، وقد قال في آخر "كتاب الصلاة الأول": والمسجد حبس إذا كان صاحبه قد أباحه للناس؛ فمفهومه إذا لم يبحه ورث. والأصل في كل شيء مما أوجبه الإنسان لله تعالى، ولم يعين له محلًا ألا يجبر على إنفاذه. فإن مات قبل أن يحاز عنه، وكان على نفاذه، فإنه يتخرج على قولين، وهل يمضي حبسًا أو ميراثًا؛ قياسًا على الهبة إذا لم يفرط في حوزها حتى مات. فإن بناه على ظهر بيته، فالحكم فيه كما قدمناه؛ فإذا أباحه للناس،

стр. 2965

وأخرجه من ملكه، فلا خلاف أنه حبس لا يجوز بيعه. وهل يجوز [بيع] (١) ما تحته من البنيان أم لا؟ فإنه يتخرج على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: جواز بيعه، وهو نص قوله في آخر كتاب الصلاة الأول حيث قال: ويورث ذلك البنيان، والمسجد حبس لا يورث. والثاني: [أنه لا يجوز بيعه] (٢) وله حكم ما عليه، وهو ظاهر قوله في "كتاب الشفعة" فيمن بني مسجدًا على ظهر بيته أو في أرضه على وجه الصدقة، والإباحة، أو حبس عرصة له، أو بيتًا في المساكين، أو على المساكين لم يجز له بيع ذلك، وظاهر الكلام يعود على ما تقدم ذكره من البنيان السفلي، والعرصة؛ لأن قوله ذلك يتناول الجميع، وعليه جمع بعض شيوخ الأندلسيين، وقد رأيت اسم سحنون على المسألة في بعض نسخ المدونة مكتوب في الطرة، قال سحنون: يجوز له بيع ذلك، وذلك يدل على أن قوله في الشفعة مناقض لقوله في "كتاب الصلاة"، وإلا فأي شيء استراب سحنون من قوله حتى قال يجوز له بيعه؟ وأما إجارة المسجد والدار والبيت للصلاة فقد اضطربت فيها أجوبة الكتاب اضطرابًا أوجب اختلاف آراء المتأخرين في تأويلها، ونص ما في الكتاب: قلت: أرأيت إن أجر بيته من قوم ليصلوا فيه رمضان؟ قال: لا يعجبني؛ لأن من أكرى بيته كمن أكرى المسجد، والإجارة فيه غير جائزة؛ لأن الإجارة في المساجد غير جائزة، وقال غيره: لا بأس بذلك في كراء البيت.

стр. 2966

ثم قال: أرأيت إن أكريت دارًا لي على أن يتخذوها مسجدًا عشر سنين؟ قال: ذلك جائز، قلت: فإذا مضت العشر سنين؟ قال: إذا انقضت المدة رجعت الدار إلى ربها، ويكون نقض المسجد لأهل النقض الذي اشتروا وبنوا به المسجد. فانظر كيف جوز إجارة الدار لمن يبنيها مسجدًا، ومنع من أن يبني هو مسجدًا يبنيها، ومنع من كراء البيت لمن يصلي فيه، وجوز إجارة الدار، فذهب بعضهم إلى تلفيق الأجوبة، وتأويلها على الوفاق فقال: إنما تكلم ابن القاسم قبل الوقوع فكرهه؛ لأن ذلك ليس من مكارم الأخلاق، وأنه إن فعل جاز، كما أنه أجاز إجارة المصحف لكنه ليس من مكارم الأخلاق، وهذا معنى منع محمَّد إجارة المصحف، والذي أكرى أرضه أو داره لم يتخذه مسجدًا؛ لأنه أكرى ما يجوز له كراؤه، وليفعل مكتريه ما شاء، ولو سلم البيت لمكتريه لكان كالدار، وإنما أكره له كراءه منهم أوقات الصلاة فقط، فإذا فرغوا وخرجوا رجع إلى ربه ينتفع به ما بينه، وبين الصلاة الأخرى. فلو اكتروها جملة ينتفعون به مدة كرائهم وغيرها مما هو جنس الصلاة لجاز ابتداء كما جوز في الدار. فلو كان اكتراؤهم للدار في أوقات الصلاة خاصة لقبح، ولم يصلح كما قال في البيت؛ إذ ليس من مكارم الأخلاق، ويحمل قول الغير على أن ذلك بعد الوقوع والنزول، وابن القاسم تكلم على ما كان قبل الوقوع، وهذا تأويل أبي الفضل وغيره. وذهب غيرهم إلى أن ذلك اختلاف قول، وأن قوله في الدار خلاف قوله في البيت، وأنه لا فرق بينهما، وهذا قول حمديس. وقال القاضي: أبو الفضل: فعلى قول حمديس يدخل من الخلاف

стр. 2967

في مسألة الدار ما يدخل في مسألة البيت، وما قاله صحيح ظاهر. وعلى القول بالتلفيق لا تفريع. وعلى القول بأن ذلك اختلاف قول يتحصل في المسألة أربعة أقوال: أحدها: أن ذلك ممنوع في المسجد والدار والبيت، وهو قول ابن القاسم في البيت والمسجد. والثاني: الجواز في الجميع، وهو قول الغير في البيت، وابن القاسم في الدار، والمسجد إذا لم يتخذ للناس كالبيت. والثالث: التفصيل بين البيت وغيره؛ فيجوز في البيت ولا يجوز في المسجد والدار، وهو ظاهر قول الغير في الكتاب. والرابع: أنه يجوز في الدار، ولا يجوز في المسجد والبيت، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "الكتاب" أيضًا. فهذا تخيل المسألة وتحصيلها، ومن له أنس بمعاني الكتاب هان على ما أشرنا إليه [والحمد لله وحده] (١).

стр. 2968

المسألة التاسعة في الصغير والعبد يؤاجران أنفسهما بغير إذن الأولياء أو استعملا في إجارة أو استعين بهما في عمل من الأعمال، ولا شك ولا خفاء أن رأى الشارحين من المتأخرين اختلفوا في تأويل ما وقع في تأويل هذه المسألة من الاضطراب من قول ابن القاسم، وابن وهب، وسحنون في الكتاب مع ما وقع منها في "كتاب الرواحل والدواب"، وأطنبوا في ذلك إطنابًا يخل تشعبه بالفائدة، ونحن إن شاء الله نلخصها أيّ تلخيص، ونحصلها أحسن تحصيل، فنقول من حيث التفصيل، فلا يخلو من وجهين: إما أن يستعمله فيما لا تبتغي فيه الإجارة، أو فيما تبتغي في مثله الإجارة. فإن استعمله فيما لا تبتغي في مثله الإجارة كمناولة القدح، والنعل فلا ضمان عليه سلم أو هلك. فإن استعمله فيما يبتغي في مثله الإجارة، فلا يخلو من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يستعمله فيما لا يعطب في مثله أصلًا. والثاني: أن يستعمله فيما يعطب في مثله نادرًا. والثالث: أن يستعمله فيما يعطب في مثله غالبًا. فالجواب عن الوجه الأول: إذا استعمل فيما لا يعطب في مثله أصلًا؛ مثل أن يستعمله في تعليم الصبيان أو في حراسة البساتين أو نفش الصوف، فإن سلم فلا ضمان عليه قولًا واحدًا وعليه أجرة المثل إن استعان به، فإن واجره كان عليه الأكثر مما سمى أو إجارة المثل، فإن عطب فقولان:

стр. 2969

أحدهما: أنه ضامن، وهو قول سحنون في بعض روايات المدونة في الذي استأجر عبدًا في الخياطة كل شهر بكذا، ثم حوله بغير إذن أهله في غير ما استأجره له أنه ضامن وصار متعديًا؛ فأشبه الغاصب، وهو نص قول ربيعة في الكتاب، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "كتاب الرواحل والدواب" في الزيادة على المسافة فيما لا يعطب في مثله فعطبت الدابة حيث قال: يضمن، وذلك ضمان بمحض التعدي. والثاني: أنه لا ضمان عليه، وهو قول ابن القاسم وابن وهب في "كتاب الجعل والإجارة" من "المدونة". وعلى القول بالضمان، فإن كان حرًا فهلك كانت ديته على عاقلة الذي استخدمه، وعليه هو أجرة المثل إن استعان به، أو الأكثر من المسمى أو إجارة المثل إن استأجره. فإن كان عبدًا واستعان به كان للمثيل الأكثر من المسمى أو من إجارة المثل أو ما نقصه العيب إن عطب وعاش، فإن مات كان له الأكثر من إجارة المثل، أو القيمة يوم التعدي، فإن واجره كان للسيد الأكثر من المسمى أو إجارة المثل أو القيمة أيها شاء، وهذا إذا لم يأذن له في الإجارة أصلًا. فإن أذن له في نوع من الأعمال فاستعمله في غير ما أذن له فيه، فلا يخلو الذي استعمله من أن يكون عالمًا بذلك أو غير عالم. فإن كان عالمًا فتعدى فاستعمله في غير ما أذن للعبد فيه كان بمنزلة ما لم يؤذن له فيه أصلًا. فإن لم يعلم بالتخصيص هل يضمن أو لا؟ قولان قائمان من "المدونة":

стр. 2970

أحدهما: أنه لا يضمن، وهو ظاهر قوله في "كتاب المأذون له في التجارة" إذا أذن لعبده في شيء ثم عمل في غيره أنه يلزمه ذلك؛ لأن أقعده للتجارة ولا يدري الناس لأي أنواع التجارة أقعده، وهي رواية عن مالك في "العتبية" في العبد الخياط أو النجار يستعمل في البناء أو غيره، فهلك فيه أنه لا ضمان على من استعمله إلا أن يدخله في عمل مخوف. والثاني: أنه ضامن؛ لأنه قد استعمله فيما لم يؤذن له فيه أصلًا؛ فأشبه التعدي المحض كما لو حوله من عمل إلى غيره بغير إذن مولاه. والجواب عن الوجه الثاني: إذا استعمله فيما يعطب في مثله نادرًا؛ مثل أن يستعمله في نقل الخشب، والحجارة، والخياطة، فوكزته الإبرة أو وقعت عليه الخشبة، أو الحجارة فعطب من ذلك، أو مات بأمر من الله، فإن سلم من ذلك، ومات بسبب سماوي، ففي ضمانه قولان: أحدهما: أنه ضامن له، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الرواحل والدواب". والثاني: أنه لا ضمان عليه فيه، وهو قول أشهب وابن القاسم في "كتاب الجعل والإجارة" من "المدونة". فإن هلك من ذلك السبب فقولان أيضًا في "الكتاب": أحدهما: وجوب الضمان عليه، وهو قول ابن القاسم. والثاني: أنه لا ضمان عليه، وهو قول أشهب. والجواب عن الوجه الثالث: إذا استعمله فيما يعطب في مثله غالبًا؛ مثل أن يستعمله في غرر مخوف كالنزول في البئر التي قتلت أهلها حماة، وهدم الجدران أو الحفر بجنبها، أو العمل على الزرانق. فإن سلم منها فقولان في وجوب الضمان:

стр. 2971

أحدهما: أنه ضامن لقيمته إن كان عبدًا، وهو ظاهر قوله ابن القاسم في "كتاب كراء الرواحل والدواب" إذا نفد وزاد على المسافة ما تعطب الدابة في مثله، فسلمت حيث قال: فإن صاحبها بالخيار بين أن يأخذ كراء الزيادة أو يضمنه قيمة الدابة يوم تعدى عليها، وله في الوجهين كراء الأول؛ فكذلك ينبغي أن يخير سيد العبد في هذه المسألة أيضًا، والمجمع بينهما محض التعدي، واستعمال [العبد] (١) والدابة فيما يعطب في مثله. والثاني: نفي الضمان عنه، وهو قول ابن القاسم وابن وهب وسحنون في "كتاب الجعل والإجارة"، فإن هلك فلا يخلو هلاكه من أن يكون بسبب سماوي أو بسبب ما استعمل فيه من الأغرار والأخطار. فإن كان بسبب سماوي، ففي ضمانه قولان: أحدهما: أنه ضامن سواء أذن له وليه في الإجارة أو لم يأذن له؛ لأنه إن أذن له في الإجارة لم يأذن له في الأغرار؛ فصار بنفس التعدي ضامنًا كما بيناه آنفًا. والثاني: التفصيل بين أن يأذن له في الإجارة أو لم يأذن؛ فإن أذن له فلا ضمان عليه، فإن لم يأذن له ضمن؛ لأنه إن لم يأذن له كان استعماله إياه تعديًا محضًا، وإن أذن له كان تعديًا مستندًا إلى إذن. فإن كان هلاكه بسبب ذلك العمل في مخوف وغرر ضمن قولًا واحدًا، [والحمد لله وحده] (٢).

стр. 2972

المسألة العاشرة في الإجارة على رعاية غنم وهي على أربعة أوجه: أحدها: أن يقول: أستأجرك أن ترعى لي غنمًا، ولا يسمى له عدة. والثاني: أن يسمى له عدة ويعينها، فيقول: ترعى هذه المائة. والثالث: أن يشترط عدة ولا يعينها. والرابع: أن يسمي عدة معينة أو غير معينة، ويشترط أن لا يرعى معها غيرها. فالجواب عن الوجه الأول: إذا استأجره على رعاية غنم، ولا يسمى له عدة، ولا عين له شيئًا جاز ذلك، وحملا على [استغراق جميع] (١) منافعه، ولرب الغنم أن يأتيه من ذلك بما يقدر على رعايته، ثم لا يكون للراعي أن يرعى معها غيرها، فإن فعل كان الخيار لرب الغنم إن شاء أخذ الأجرة التي أخذ الراعي في الثانية، ويكون له جميع أجرته على رب الغنم الأول، فإن شاء أن يحط عنه من الأجر الذي عليه قدر ما ينوب رعاية الغنم الثانية كان ذلك كله، وهو قول ابن القاسم. والجواب عن الوجه الثاني: إذا سمى عدة وعينها فيقول: ترعى هذه المائة، هل تتعين بذلك أو لا تتعين؟ على قولين: أحدهما: أنها لا تتعين بذلك، وأن قوله هذه صفة، ويلزم الخلف إن أصيبت، وهذا قول سحنون في غير "المدونة"، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الرواحل والدواب" من "المدونة" في الأحمال إذا استأجره على

стр. 2973

حمل هذه الأحمال إلى بلد كذا وكذا حيث قال: لا يتعين. وأما الأحمال إن أصيبت لم ينفسخ الكراء بينهما على تفصيل لباقي سبب تلف الأحمال يأتي بيانها في مسألة مفردة إن شاء الله تعالى. والثاني: أنها تتعين ولابد من اشتراط الخلف إن هلكت، وهو قوله في "كتاب العمل والإجارة"، فإن لم يشترط الخلف هل تجوز الإجارة أو لا تجوز؟ فالمذهب على أربعة أقوال: أحدها: أن الإجارة فاسدة، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب" حيث قال: لا خير في ذلك؛ لأن فيه تحجيرًا على صاحب الغنم، فلا يقدر على بيعها. والثاني: أن الإجارة جائزة، وإنما تتعين لأن رب الغنم يشترط ذلك لئلَّا يتكلف الخلف. والثالث: التفصيل بين أن تكون قريبة فتجوز أو تكون بعيدة، فلا تجوز، والقولان في "التبصرة". والقول الرابع: التفصيل بين أن تكون الشرط من رب الغنم فيجوز؛ لأنه يكره أن يتكلف الخلف، وأن يكون من الراعي فلا تجوز وتكون إجارة فاسدة، وهو خلاف للخمي. والجواب عن الوجه الثالث: إذا اشترط عدة لا يعينها مثل أن يشترط على [] (١) فذلك هجر، والحكم يوجب الخلف، وإن لم يشترطه باتفاق المذهب أو اشتراط عليه أن لا يرعى معها غيرها، فإنه يجب عليه أن يوفى له بشرطه، فإذا توالدت حملًا على رعاية الأولاد على سنة أهل البلد الذي هم فيه والمتعارف عليه [] (٢) حملًا عليها لم يلزم الراعي رعاية الأولاد إلا

стр. 2974

بزيادة الأجر إن شاء؛ لأن ذلك عليه تعب ومشقة، وذلك لازم في المعينة والمضمونة، وهو نصه في "المدونة". والجواب عن الوجه الرابع: إذا سمى عدة معينة أو غير معينة، ويشترط ألا يرعى معها غيرها مثل أن يستأجره على أن يرعى مائة معينة أو غير معينة كان للراعي أن يؤاجر نفسه في رعاية غيرها إذا كان لا يضر بالأولى، وكان يقوى على أكثر منها. فإن كان لا يقوى إلا أن يدخل فيه من يرعى معه، هل يجوز ذلك أم لا؟ على قولين: أحدهما: أن ذلك جائز إذا لم يدخل بالثانية على الأولى ضررًا، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب". والثاني: أن ذلك لا يجوز له؛ لأنه فسخ عمل معين في غيره؛ لأن منافعه قد عينت في رعاية جميع ذلك العدد، فإذا أدخل معه راعيًا آخر يعينه على رعايتها فقد تولى الثاني بعض العمل الذي استؤجر عليه فسخ الأولى، وذلك فسخ المعين في غيره، وذلك ظاهر لمن أنصف. فإن دخل في الثانية على الأولى مضرة، فلربها أن يمنعه من ذلك، وإن شرط عليه في أصل عقد الإجارة ألا يرعى معها كان ذلك له، وعلى الراعي أن يفي بعهدة الشرط، فإن لم يف به ورعى معها غيرها كان في الإجارة الثانية قولان: أحدهما: أنها للأول ويخير بين أخذها أو يفسخ عن نفسه ما زاد في الأجرة لمكان ذلك الشرط وإن أحب أخذ قيمة تلك الزيادة، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" إلا أني زدت في كلامه بيانًا وتفسيرًا بما يقتضيه. والثاني: أن الأجرة للراعي إذا لم يدخل على الغنم الأولى ضررًا،

стр. 2975

وأنه لا يحط له من الأجر الأول شيء، وهو قول غيره في "المدونة". ووجه قول ابن القاسم: أن الأول قد زاد في الأجرة احتياطًا لغنمه فلا تبطل [مقالته] (١) في تلك الزيادة. ووجه قول غيره أن الأجير قد يحط من أجرته لمكان راحته ورغبة في دفع المؤونة العظيمة عن نفسه. وهذا السؤال مشترك الإلزام. فإن انتقصت الأولى لمكان رعاية الثانية معها فلا يخلو من أن يكون قد اختار فيما يجب له فيما [أجربه] (٢) نفسه في الثانية أو يكون قد اختار أن يفسخ عن نفسه ما ينوب ذلك الشرط أو أخذ قيمة تلك الزيادة كان له أخذا مع قيمة ذلك النقص [والحمد لله وحده] (٣).

стр. 2976

المسألة الحادية عشرة في تضمين الأجراء والصناع مع تقدم الكلام في تضمينهم أما الأجراء فهم على ضربين: أجراء الصناع، وأجراء الحفظ والرعاية. فأما أجراء الصنع فقد أطلق ابن القاسم في "المدونة" و"الموازية" سقوط الضمان عنهم فيما إذا ادعو الضياع، وفرق بينهم وبين الصناع بأن الأصل سقوط الضمان عن الجميع؛ بدليل الأمانة؛ لأن المالك ما أسلم ملكه إلا لغرض له في ذلك، فضارع المودع؛ لأن السر في سقوط الضمان عنه حصول الغرض الناجز للمودع بحفظ المودع له سلعة لا الحفظ العاري عن الأجرة؛ بدليل أنه لو أخذها لم يخرجه أخذها عن قانون الأمناء في سقوط الضمان، وهذا هو الأصل المستمر في قواعد الشرع، لكن استولى التعبد على تفصيله، فضمن باعتبار عموم البلوى على ما تقدم تفصيلًا وتحصيلًا، وبقى الأجير على الأصل، هكذا جاءت الرواية عن ابن القاسم بسقوط الضمان عن الأجير الصانع، وأن الضمان على الصانع الأجير، فاختلف الأصحاب في تأويل قول ابن القاسم فمنهم من قال: إنما يصح ما قال ابن القاسم إذا كان الأجير يعمل بين يديه، ونصب عينيه، وأما إذا كان يغيب على أخذه [ويجوزه] (١) فإنه يضمن كالصانع، وهو قول أشهب في "الموازية"، ولابن القاسم في "العتبية" مثله. ومنهم من قال: إذا كان الأجير يعمل مقاطعة على العمل فلا فرق بينه

стр. 2977

وبين الصانع في الضمان، فإذا كان يعمل مياومة التحق بالأجراء الساقط عنهم الضمان وانقطع عن الصناع الثابت عليهم الضمان. والتأويل الأول أظهر ولاسيما مع نص أشهب، ونص قوله في "الموازية"، وإذا ذهب أجير الغسال بالثياب إلى البحر فزعم أنها ضاعت ضمن، وقال في الخياط: يدفع الثيات إلى أجرائه، فينقلبون بها فيزعمون أنها ضاعت، فإنهم ضامنون. وأما أجراء الحفظ والرعاية فعلى ضربين: فضرب لهم تعلق بالعمل، وضرب آخر لهم حفظ ورعاية مجرد عن العمل. وأما من له تعلق بالعمل كصاحب الحمام تضيع عنده ثياب الناس، هل يضمنها أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه ضامن لها، وهي رواية ابن القاسم في "العتبية" أنه قال: أمرت صاحب السوق يضمنون أصحاب الحمامات ثياب الناس، أو يأتون بمن يحرسها. والثاني: أنه لا ضمان عليه، وهو اختيار اللخمي. وسبب الخلاف: اختلافهم في صاحب الحمام، هل يلحق بالصناع أو بالأجراء؛ فمن ألحقه بالصناع قال: يضمن؛ لأن المقصود منه العمل والتنظف في الاغتسال فيضمن ما لا يستغني عنه الداخل في الحمام وهي ثيابه [وفرقه] (١)؛ لأن ثياب الداخل جرت العادة من أهل الحمامات بالجناية عليها [والشروع] (٢) إلى إتلافها، فاقتضت المصلحة تضمينهم لها

стр. 2978

تضمين الحمالين الطعام وحده لكونه محل الجناية غالبًا، فمن ألحقه بالأجراء وقال: وإن كان صاحب الحمام من الصناع المنتصبين والعمال المتصديين فإن الداخل في الحمام إنما اشترى منافع هو يتولى قبضها بنفسه وهو الانتفاع بالحمام وثيابه خارجًا في حكم الوديعة لا صنعة فيها، ولا إجارة عليها، وإن دفع صاحب الثياب أجرة الحارس كانت الأجرة للأمانة، فصار بمنزلة من أودع وديعة، فليس له أخذ الأجرة عليها بالذي يخرجه عن أن يكون أمينًا إلا أن تظهر الجناية فيضمن الأجراء من هذا الوجه. فإن أتي بحارس هل يضمن الحارس ما تلف منها أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه ضامن؛ لأنه أجير مشترك، وهو قول ابن حبيب. والثاني: أنه لا يضمن، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" في أجير الصانع، وهو قوله في "كتاب محمَّد" أيضًا. فقد اختلف المتأخرون في تأويل قول مالك في "المدونة": "لا ضمان على حارس ثياب من دخل الحمام" هل أراد بذلك صاحب الحمام نفسه؟ وهو ظاهر قول أبي محمَّد في "النوادر" حيث قال بتضمينه على قول مالك في "العتبية" قد قال في كتاب آخر: لا يضمنون. وقال بعض المتأخرين: ما لوح به أبو محمَّد إنما هو عندي ما وقع في المدونة في الجعل، والإجارة منها من قوله: لا ضمان على حارس ثياب من دخل الحمام، وقال هذا المتأخر: هذا خارج عما نحن فيه، وأشار إلى أن ما في المدونة إنما هو في الأجير على الحفظ قد استؤجر على الحراسة للعرية عن العمل، فصار أجيرًا لصانع، ومنهم من حمل الكلام على ظاهره، وأشار إلى أن ما في "المدونة" إنما هو صاحب الحمام نفسه، والكلام محتمل كما ترى.

стр. 2979

وأما الأجير الحافظ غير العمل، مثل أن يستأجر على حرس الثياب في منشر القصار أو على حرس الطعام في الأندار أو على ساحل البحر أو استأجره البحار على حرس الأحمال في الرحبة، إنه يسقط عنه الضمان إذا ادعى الضياع، ولا يضمن إلا بالتعدي والغفلة، وليس النوم من ذلك إلا أن يفرط فيه فيضمن. وقال بعض المتأخرين في الراعي إذا نام في الشتاء أول النهار أو في آخره في الصيف ضمن؛ فكذلك الأجير على الحفظ؛ إذ لا فرق في ذلك بين ما يغاب عنه، وما لا يغاب عنه، وإنما التعدي أن يذهب، ويترك ما استحفظ أو يشتبه عليه السارق، فيتركه حتى [يأخذ] (١) المتاع ظنًا أنه مالكه، فهذا يضمن وهو قول ابن القاسم في "العتبية" [والحمد لله وحده] (٢).

стр. 2980

المسألة الثانية عشرة في الذي أجر عبده ثم يبيعه قبل انقضاء أمد الإجارة فالإجارة أولى بذلك اتفاقًا ثم لا يخلو المشتري من أن يعلم بذلك أو لا يعلم، فإن علم بذلك قبل انقضاء المدة فلا يخلو ما بقى من أمد الإجارة من أن يكون يسيرًا أو كثيرًا. فإن كان يسيرًا كاليوم واليومين وما أشبه ذلك، فالبيع جائز إذا رضي المشتري بذلك قولًا واحدًا؛ إذ يجوز للبائع أن يستثنى هذا القدر في أصل العقد. فإن كره المبتاع انتظار مضى باقي المدة، هل يلزمه ذلك البيع ويجبر على التربص؛ إذ لا ضرر عليه في ذلك؛ لأنه شيء أوجبته الأحكام، وهو تأويل بعضهم أيضًا. فإن كان كثيرًا، فهل يجوز للمشتري الرضا بالتربص إلى انقضاء أمد الإجارة، ويجوز البيع أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه لا يجوز له الرضا بذلك لوقوع العقد على الفساد؛ لأنه من المعين يقبض إلى أجل، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب". والثاني: أنه يجوز للمشتري الرضا بذلك، ويجوز البيع؛ لأن العلة في المعين يقبض إلى أجل ضمان بجعل؛ وذلك أن المشتري اتهم في أن يشتريه بأكثر من ثمنه ليبقى في ضمان البائع إلى ذلك الأجل فتلحقهم التهمة في التواطؤ على ذلك، ولا تهمة في مسألتنا هذه؛ لأن ذلك شيء أوجبه الحكم، ومشهور المذهب أن ما يوجبه الشرط على خلاف ما يوجبه الحكم، وهذا القول يستقرأ من المدونة من غير ما موضع.
следующие страницы →