← Фикх малики

Фикх малики · id 123685

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

الرجراجي، علي بن سعيد

Полный текст (4 240 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

المسألة الحادية عشرة في تضمين الأجراء والصناع مع تقدم الكلام في تضمينهم أما الأجراء فهم على ضربين: أجراء الصناع، وأجراء الحفظ والرعاية. فأما أجراء الصنع فقد أطلق ابن القاسم في "المدونة" و"الموازية" سقوط الضمان عنهم فيما إذا ادعو الضياع، وفرق بينهم وبين الصناع بأن الأصل سقوط الضمان عن الجميع؛ بدليل الأمانة؛ لأن المالك ما أسلم ملكه إلا لغرض له في ذلك، فضارع المودع؛ لأن السر في سقوط الضمان عنه حصول الغرض الناجز للمودع بحفظ المودع له سلعة لا الحفظ العاري عن الأجرة؛ بدليل أنه لو أخذها لم يخرجه أخذها عن قانون الأمناء في سقوط الضمان، وهذا هو الأصل المستمر في قواعد الشرع، لكن استولى التعبد على تفصيله، فضمن باعتبار عموم البلوى على ما تقدم تفصيلًا وتحصيلًا، وبقى الأجير على الأصل، هكذا جاءت الرواية عن ابن القاسم بسقوط الضمان عن الأجير الصانع، وأن الضمان على الصانع الأجير، فاختلف الأصحاب في تأويل قول ابن القاسم فمنهم من قال: إنما يصح ما قال ابن القاسم إذا كان الأجير يعمل بين يديه، ونصب عينيه، وأما إذا كان يغيب على أخذه [ويجوزه] (١) فإنه يضمن كالصانع، وهو قول أشهب في "الموازية"، ولابن القاسم في "العتبية" مثله. ومنهم من قال: إذا كان الأجير يعمل مقاطعة على العمل فلا فرق بينه

стр. 2977

وبين الصانع في الضمان، فإذا كان يعمل مياومة التحق بالأجراء الساقط عنهم الضمان وانقطع عن الصناع الثابت عليهم الضمان. والتأويل الأول أظهر ولاسيما مع نص أشهب، ونص قوله في "الموازية"، وإذا ذهب أجير الغسال بالثياب إلى البحر فزعم أنها ضاعت ضمن، وقال في الخياط: يدفع الثيات إلى أجرائه، فينقلبون بها فيزعمون أنها ضاعت، فإنهم ضامنون. وأما أجراء الحفظ والرعاية فعلى ضربين: فضرب لهم تعلق بالعمل، وضرب آخر لهم حفظ ورعاية مجرد عن العمل. وأما من له تعلق بالعمل كصاحب الحمام تضيع عنده ثياب الناس، هل يضمنها أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه ضامن لها، وهي رواية ابن القاسم في "العتبية" أنه قال: أمرت صاحب السوق يضمنون أصحاب الحمامات ثياب الناس، أو يأتون بمن يحرسها. والثاني: أنه لا ضمان عليه، وهو اختيار اللخمي. وسبب الخلاف: اختلافهم في صاحب الحمام، هل يلحق بالصناع أو بالأجراء؛ فمن ألحقه بالصناع قال: يضمن؛ لأن المقصود منه العمل والتنظف في الاغتسال فيضمن ما لا يستغني عنه الداخل في الحمام وهي ثيابه [وفرقه] (١)؛ لأن ثياب الداخل جرت العادة من أهل الحمامات بالجناية عليها [والشروع] (٢) إلى إتلافها، فاقتضت المصلحة تضمينهم لها

стр. 2978

تضمين الحمالين الطعام وحده لكونه محل الجناية غالبًا، فمن ألحقه بالأجراء وقال: وإن كان صاحب الحمام من الصناع المنتصبين والعمال المتصديين فإن الداخل في الحمام إنما اشترى منافع هو يتولى قبضها بنفسه وهو الانتفاع بالحمام وثيابه خارجًا في حكم الوديعة لا صنعة فيها، ولا إجارة عليها، وإن دفع صاحب الثياب أجرة الحارس كانت الأجرة للأمانة، فصار بمنزلة من أودع وديعة، فليس له أخذ الأجرة عليها بالذي يخرجه عن أن يكون أمينًا إلا أن تظهر الجناية فيضمن الأجراء من هذا الوجه. فإن أتي بحارس هل يضمن الحارس ما تلف منها أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه ضامن؛ لأنه أجير مشترك، وهو قول ابن حبيب. والثاني: أنه لا يضمن، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" في أجير الصانع، وهو قوله في "كتاب محمَّد" أيضًا. فقد اختلف المتأخرون في تأويل قول مالك في "المدونة": "لا ضمان على حارس ثياب من دخل الحمام" هل أراد بذلك صاحب الحمام نفسه؟ وهو ظاهر قول أبي محمَّد في "النوادر" حيث قال بتضمينه على قول مالك في "العتبية" قد قال في كتاب آخر: لا يضمنون. وقال بعض المتأخرين: ما لوح به أبو محمَّد إنما هو عندي ما وقع في المدونة في الجعل، والإجارة منها من قوله: لا ضمان على حارس ثياب من دخل الحمام، وقال هذا المتأخر: هذا خارج عما نحن فيه، وأشار إلى أن ما في المدونة إنما هو في الأجير على الحفظ قد استؤجر على الحراسة للعرية عن العمل، فصار أجيرًا لصانع، ومنهم من حمل الكلام على ظاهره، وأشار إلى أن ما في "المدونة" إنما هو صاحب الحمام نفسه، والكلام محتمل كما ترى.

стр. 2979

وأما الأجير الحافظ غير العمل، مثل أن يستأجر على حرس الثياب في منشر القصار أو على حرس الطعام في الأندار أو على ساحل البحر أو استأجره البحار على حرس الأحمال في الرحبة، إنه يسقط عنه الضمان إذا ادعى الضياع، ولا يضمن إلا بالتعدي والغفلة، وليس النوم من ذلك إلا أن يفرط فيه فيضمن. وقال بعض المتأخرين في الراعي إذا نام في الشتاء أول النهار أو في آخره في الصيف ضمن؛ فكذلك الأجير على الحفظ؛ إذ لا فرق في ذلك بين ما يغاب عنه، وما لا يغاب عنه، وإنما التعدي أن يذهب، ويترك ما استحفظ أو يشتبه عليه السارق، فيتركه حتى [يأخذ] (١) المتاع ظنًا أنه مالكه، فهذا يضمن وهو قول ابن القاسم في "العتبية" [والحمد لله وحده] (٢).

стр. 2980

المسألة الثانية عشرة في الذي أجر عبده ثم يبيعه قبل انقضاء أمد الإجارة فالإجارة أولى بذلك اتفاقًا ثم لا يخلو المشتري من أن يعلم بذلك أو لا يعلم، فإن علم بذلك قبل انقضاء المدة فلا يخلو ما بقى من أمد الإجارة من أن يكون يسيرًا أو كثيرًا. فإن كان يسيرًا كاليوم واليومين وما أشبه ذلك، فالبيع جائز إذا رضي المشتري بذلك قولًا واحدًا؛ إذ يجوز للبائع أن يستثنى هذا القدر في أصل العقد. فإن كره المبتاع انتظار مضى باقي المدة، هل يلزمه ذلك البيع ويجبر على التربص؛ إذ لا ضرر عليه في ذلك؛ لأنه شيء أوجبته الأحكام، وهو تأويل بعضهم أيضًا. فإن كان كثيرًا، فهل يجوز للمشتري الرضا بالتربص إلى انقضاء أمد الإجارة، ويجوز البيع أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه لا يجوز له الرضا بذلك لوقوع العقد على الفساد؛ لأنه من المعين يقبض إلى أجل، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب". والثاني: أنه يجوز للمشتري الرضا بذلك، ويجوز البيع؛ لأن العلة في المعين يقبض إلى أجل ضمان بجعل؛ وذلك أن المشتري اتهم في أن يشتريه بأكثر من ثمنه ليبقى في ضمان البائع إلى ذلك الأجل فتلحقهم التهمة في التواطؤ على ذلك، ولا تهمة في مسألتنا هذه؛ لأن ذلك شيء أوجبه الحكم، ومشهور المذهب أن ما يوجبه الشرط على خلاف ما يوجبه الحكم، وهذا القول يستقرأ من المدونة من غير ما موضع.

стр. 2981

فإن لم يعلم المشتري بذلك إلا بعد انقضاء أمد الإجارة، فلا يخلو تأتيها من أن يكون يسيرًا أو كثيرًا. فإن كان يسيرًا، فالبيع لازم للمشتري قولًا واحدًا، وهل له المقال في أجرة هذين اليومين أم لا؟ على قولين: فعلى القول بأنه يجبر على التربص إذا علم قبل مضي بقية المدة، وإن كان ما بقى منها يومًا أو يومين تكون الإجارة للبائع. وعلى القول بأنه لا يجبر تكون الإجارة له. فإن كان باقي المدة كثيرًا، فهل يجوز للمشتري الرضا بهذا البيع أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه يجوز له الرضا بذلك؛ بل يلزمه؛ لأنه كعيب ذهب قبل علمه، وهو تأويل بعضهم. والثاني: أنه لا يجوز له الرضا به؛ لأنه بيع وقع على الفساد، وهو تأويل بعضهم أيضًا. وعلى القول بأنه يجوز له الرضا بذلك البيع لمن تكون إجارة بقية المدة؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها للبائع، ويغرم المشتري جميع الثمن. والثاني: أنها للمشتري. والثالث: أنها للبائع ويرجع عليه المشتري بما بين قيمة البيع على القبض ناجزًا وقيمته حتى يخرج من الإجارة أن لو جاز البيع على ذلك، فيرد عليه قدر ذلك من الثمن يقال: ما يساوي على أن يقبضه في الحال مثلًا؟ فيقال: عشرة، ويقال: ما يساوي على أن يقبض بعد شهر؟ فيقال:

стр. 2982

ثمانية، فيرد عليه البائع خمس الثمن. والأقوال الثلاثة كلها للمتأخرين [والحمد لله وحده] (١).

стр. 2983

المسألة الثالثة عشرة في مرض أحد الأجيرين أو الشريكين أو المستأجرين على حفر بئر إذا مرض أحدهما فلا يخلو حالهما من ثلاثة أوجه: إما أن يكون العمل بينهما مضمونًا، وإما أن يكون معينًا، وإما أن يبهم الأمر. فإن كان العمل مضمونًا، فمرض أحدهما وقال الآخر: جميع العمل فعلى رب البئر جميع الأجرة لهما نصفان: نصفها للمستوفي، ونصفها الآخر للمؤوف، ولا سلطان لرب البئر عليهما؛ لأن العمل بينهما مضمون وها هو موفور. وهل للمستوفي مطالبة المؤوف في أجرة ما عمله له أم لا؟ فإنه يتخرج على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا مطالبة له عليه؛ لأنه في حكم المتطوع له، وهو ظاهر قول ابن القاسم في الكتاب. والثاني: التفصيل بين أن يكون حفره في أول مرضه، ثم لا شيء له عليه لتركه التثبت لعله يصح فيحفر معه، وإن كان بعد أن طال به المرض فله عليه الأقل من إجارة مثله أو إجارة غيره ممن كان يعمل معه أو استبانة المؤوف. فإن كانت إجارته أقل لم يكن له غير ذلك، فإن كانت إجارة غيره أقل لم يكن له إلا ذلك، وهو [قول] (١) اللخمي.

стр. 2984

والثالث: التفصيل بين أن يكون المؤوف ممن عادته مباشرة الخدمة، أو كان ممن يفتقر إلى الاستئجار؛ فإن كان ممن يتولى العمل بنفسه، ويباشره بيده، فلا شيء للمستوفي عليه، فإن كان مفتقرًا إلى الاستئجار في الصحة والمرض، فللمستوفي عليه ما كان يستأجر به في مثل ذلك قياسًا على من حصد زرعًا لغيره بغير إذنه أو حفر كرمه أو حرث أرضه، فإن ابن حبيب قال فيه بالتفصيل الذي قدمناه. فإن كان العمل معينًا حيث تنفسخ الإجارة بالموت والمرض فللمستوفي له نصف الأجرة على صاحب البئر، وهل له عليه نصفها الآخر أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه لا شيء له عليه، وهو له متطوع، وهو قول ابن القاسم وسحنون. والثاني: أن له عليه الأجرة كاملة، وهو قوله في "كتاب ابن حبيب". واختلف هل ينفسخ العقد على المؤوف، ولا شيء له على صاحبه أو له أن يستعمله في مثل ذلك؛ فإنه يتخرج على قولين: أحدهما: أنه يستعمله في مثل ذلك إن أمكن؛ لأن محل الأجير لا يتعين، وهو قول ابن القاسم في البقعة إذا غرقت بعد أن استؤجر على حرثها. والثاني: أن الإجارة تنفسخ بينهما بناء على تعيين محل العمل، وهو قول أشهب في البقعة المذكورة. فإذا قلنا بالفسخ لتعذر الخلف عاد مقام المؤوف مع المستوفي فيقول له: أبطلت عليّ حقي، ولم آمرك بحفر نصيبي، فإن كان حفر المستوفي بعد

стр. 2985

طول المرض، فلا شيء له لضرورة التربص، وإن كان في أوله، فللمؤوف عليه أجرة المسمى؛ لأنه أبطله عليه، ثم للمستوفي أن يستعمل المؤوف في مثل ذلك، هكذا قيل. وأما الوجه الثالث: إذا أبهم الأمر، وأطلق العقد، فابن القاسم يرى في العمل مضمونًا في كون المستوفي متطوعًا للمؤوف، وسحنون يراه معينًا في كون المستوفي لصاحب البئر متطوعًا ولا مشاحة بينهما مهما فهم الغرض. وأما الجواب عن الوجه الثاني: إذا مرض أحد الشريكين، ولا تخلو الشركة من أن تكون بدنية أو مالية، فإن كانت مالية فالربح بين المستوفي والمؤوف، وله عليه أجر عمله؛ لأن المال سبب للربح، وهو مما يختلف. وأما البدنية فلا يخلو المرض من أن يكون يسيرًا أو كثيرًا، فإن كان يسيرًا فما الغالب فيه التسامح، فالربح بينهما، ولا شيء [للمعافي] (١) على المؤوف. فإن كان كثيرًا، فهل يكون [المعافى] (٢) متطوعًا للمؤوف؟ قولان: أحدهما: أنه متطوع له، وهو قول أشهب. والثاني: أنه لا يكون متطوعًا، وهو قول ابن القاسم، فعلى قوله يكون الربح بينهما، ويطالبه بأجرة عمله، وأما سحنون فقد اعتبرهما بالأجيرين؛ لاعتقاده أن شريكي البدن لا يلزم أحدهما ما أخذه الآخر إلا ما اجتمعا على أخذه والتزماه من الضمان، وابن القاسم يرى هذا الإلزام مستفاد من تفسير العقد لا من الشرط ويفرق بينهما وبين الأجيرين؛ فإن

стр. 2986

الشريكين كل واحد منهما حميل على صاحبه ضامن عنه ما تقبلاه؛ إذ المبتاع مما يضمن، فلهذا لم يصر الصحيح متطوعًا، وأما الأجيران فليس أحدهما ضمينًا ولا حميلًا؛ إذ البئر لا يضمن فلذا صار الحافر متطوعًا، والحمد لله وحده.

стр. 2987

المسألة الرابعة عشرة فيمن استأجر رجلًا يبنى له حائطًا فبنى نصفه فانهدم قبل تمامه فقد قال ابن القاسم في "الكتاب": له بحساب ما بني، وليس عليه بناؤه ثانية -كان الآجر والطين من عند الأجير أو من عند صاحب الحائط- ثم قال: وقال غيره: لا يكون هذا إلا في عمل رجل بعينه، ولا يكون مضمونًا. وقال سحنون: وإذا كان مضمونًا كان عليه تمام العمل، وهذا في رواية ابن أبان، وفي رواية الدباغ إلا أن اسم سحنون سقط [عند] (١) الدباغ، وعلى هذه الرواية نقلها ابن أبان، وعلى هذا المعنى اختصرها ابن أبي زيد، فقال: هذا في عمل رجل بعينه، وعليه في المضمون تمام العمل، ووقع في بعض الأمهات، قال غيره: لا يكون هذا في عمل رجل بعينه، ولا يكون إلا مضمونًا، وعليه في المضمون تمام العمل، وقال سحنون في بعض الأمهات: مسألة الغير أصح مسائلنا، وهو أصل جيد، فعلى ما اختصر عليه الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد يكون قول الغير وفاقًا لقول ابن القاسم، وهي الرواية المشهورة، وعلى الثانية التي قال فيها لا يكون هذا في عمل رجل بعينه يكون خلاف قول ابن القاسم، ويكون قول الغير هاهنا مثل قوله في المسألة الواقعة في أول الكتاب في الذي يستأجر رجلًا على أن يبني له دارًا على أن الجص والآجر من عند البناء، فقال مالك وابن القاسم: إن ذلك جائز قالا: لأنها إجارة وشراء جص

стр. 2988

وآجر صفقة واحدة. وقال غيره: إذا كان على وجه القبالة، ولم يشترط عليه عمل يده، فلا بأس به إذا قدم نقده فحمل الغير المسألة أنها كالسلم، فيلزم فيها شروطية، وإن لم يذكر ضرب الأجل؛ لأنه يرى المقبوض والمعجل في جنب ما بقى تبعًا وقليلًا، وأمد الفراغ منها معلوم، وما يدخل فيها من جص، وآجر معلوم لا يخفى على الناس، فاستغنى عن ذكره، وابن القاسم لم يراع هذا؛ بل رآها إجارة وبيعًا -كانت من عمل رجل بعينه أو بغير عينه-؛ فصار شبيهًا ببيع السلعة للحاجة إلى ذلك؛ ولأن أمد فراغها معلوم وما يدخلها معلوم، وأنه يشرع في العمل، وأنه أمر قد [تعارفه] (١) الناس، ومسألة بناء الحائط من هذا القبيل، فكل ما بني فقد برئ منه، وصار في حكم المقبوض، فإذا انهدم قبل تمامه كان ضمانه من الأجر وللأجير من الأجر قدر ذلك، ولا تلزمه الإعادة ثانية إلا أن يكون سقوطه من سوء صنعته، فيلزمه البناء ثانية، وتمام المسألة في الأسدية قال فيها: فإن تشاحا فعليه أن يبني ما بقى من العمل فيما يشبه، وله أجره كله إلا أن يكون ذلك من سوء صنعة البناء فعليه أن يعيده حتى يبني الحائط كله. قلت: فإن لم يكن من سوء صنعة البناء فهل له أجرة كله، وعليه أن يبني ما بقى من العمل فيما يشبهه وله أجره إذا تشاحا وطلبا ذلك؟ قال: نعم. وبهذه الزيادة يتبين معنى المسألة ويزول ما فيها من [الإشكال] (٢) [والحمد لله وحده] (٣).

стр. 2989

المسألة الخامسة عشرة في التداعي بين الآجر والأجير اعلم أن التداعي يحتوى على عدة مسائل [لاكنا] (١) نقتصر منها على الغامض ونغضي عن الواضح، فنقول وبالله التوفيق: لا يخلو من ثلاثة فصول: أحدها: أن يتقاررا على التسليم، والتسليط على العمل، ويختلفا فيه. والثاني: أن يتقاررا على التسليم، ويختلفا في التسليط على العمل. والثالث: أن يشاركا التسليم رأسًا. والجواب عن الصورة الأولى: نورده في خمسة معارض متدانية الجواب متقاربة المآخذ: منها أن يتفقا على العمل لكن صاحب السلعة يقول بغير أجر [والصانع] (٢) يقول بأجر. ومنها: أن يختلفا في عين العمل المراد. ومنها: أن يختلفا في مقداره. ومنها: أن يختلفا في السكوت عن ترك ذكر الصفة، فيقول الآجر: أمرتك بكذا، ويقول الأجير: ما أمرتني بشيء، ومنها أن يتفقا على ترك الذكر ثم يختلفا بعد ذلك فيقول الآجر: ما أردت هذا، ويقول الأجير:

стр. 2990

رأيته مما يصلح لك. فالأول: إذا اتفقا على العمل لكن صاحب السلعة يقول بغير أجر، والصانع يقول بأجر، ففيه قولان منصوصان في الكتاب: أحدهما: أن القول قول الصانع مع يمينه إذا أتى بما يشبه، وإن لم يأت بما يشبه، فإنه يرد إلى إجارة المثل، وهو قول ابن القاسم في الكتاب. والثاني: أن الصانع يحلف، ويأخذ الأقل مما ادعى أو من أجرة المثل، وهو قول الغير في الكتاب. ووجه قول ابن القاسم: قيام الدلالة على قبول قول مدعي الاشتباه دون من لم يدعه، ولا خفاء أن الصانع إنما انتصب وتصدى غالبًا للاكتساب لا للتعب والانتهاب، والآجر يدعي خلاف هذا الظاهر فعليه البيان. ووجه قول الغير: أنه لا يصدق واحد منهما؛ لأن كل واحد منهما مدع على صاحبه صاحب السلعة يدعي الهبة، فعليه الدليل، والآجر يدعي الأجرة، فعليه البيان، فيحلف على كل حال ليحقق المال الذي ادعاه، وأما يمين صاحب السلطة، فتسقط تارة، وتثبت أخرى تسقط فيما إذا كان المدعي أقل من إجارة المثل أو مثلها، وتثبت إذا كان زائدًا عليها ليحط عن نفسه النائف. وأما الثاني: إذا اختلفا في عين المراد هذا يقول أحمر، وهذا يقول أخضر أو بالعكس. والثالث: أن يختلفا في مقدار الأجر هذا يقول عشرة، وهذا يقول خمسة فجواب القسمين واحد؛ وهو أن ينظر فإن كان ذلك قبل العمل فلابد من التحالف على ما ذكرناه في البيوع، فإن كان بعد العمل، فالقول قول الصانع إلا في البناء، فالقول فيه قول رب العرصة إذا اختلفا في

стр. 2991

الأجرة على ما نقله أبو محمَّد في "النوادر" عن ابن نافع عن مالك إذا اختلفا في المراد، فقال صاحب العرصة: أردت عشرة في عشرة، وقال البناء: خمسًا في خمس تحالفا، فإن نكل أحدهما وحلف الآخر، فالقول قول الحالف فإن حلف فسخ ذلك، ويقلع البناء نقصه إلا أن يريد صاحب العرصة أن يأخذ نقضه مقلوعة، والذي أوجب داره أن التصديق لدلالة وضع اليد على الشيء المدعي فيه له أصل في الشرع، ونظير في السمع كما نقله في تكافؤ الدعاوى وعدم الترجيح، فإذا ثبت ذلك، فتصديق الصناع؛ لأنهم حائزون لما قبضوا فلا يؤخذ منهم إلا بما قالوا. وأما البناء فليس بحائز للعرصة، ولا لما فيها؛ بل الحائز ربها على القول بأن الأملاك تحرز على ملاكها؛ فلهذا لم يصدق البناء. ومما ينخرط في سلك التداعي في عين المراد مسألة الحجام الواقعة في الباب جرى فيها ابن القاسم وسحنون على المقول الذي فرغنا منه آنفًا؛ فابن القاسم يصدقه في الأجرة، وفي طرح العداء عن نفسه؛ لأنه من البعيد أن يمكنه العليل من قلع ما لا يريد، وسحنون يصدقه في طرح العداء إلا في الأجرة ويتحالفا فيدفع الحجام شبهة العداء، ويدفع العليل بيمينه ما ناف على أجرة المثل حتى لو كانت تسميه مثل إجارة المثل أو أقل لم يكن ليمينه وجه. وقال في بعض الأشياخ: إنما يتصور الخلاف في هذه المسألة بحصول الأشباه بكون الذاهبة معتلة، والباقية مختلة، فأمَّا إن كان الذاهبة معتلة، والباقية غير مختلة لكان القول قول الحجام لانفراده بالأشباه، والآخر يريد سقوط الأجرة. ولو كانت الباقية مختلة والذاهبة غير معتلة علم ذلك بالنظر إليها في موضعها إلا أن القول قول العليل، ويحلف حذار الغلط منه في الذاهبة

стр. 2992

لمعاراتها الباقية في الألم، ويستحق دية الذاهبة إلا أن يكون في الباقية دليل على فسادها من اسودادها وصفًا للذاهبة، فيصدق العليل من غير يمين. وأما الوجه الرابع: وهو الاختلاف في ترك الذكر مثل أن يقول الصانع بعد أن قطع الثوب قميصًا مثلًا: لم تأمرني بشيء، وقال صاحبه: بل أمرتك بقطعه فيتقاررا أو لا، فالمذهب على قولين: أحدهما: أن القول قول الصانع مع يمينه إلا أن يقطعه قطعًا لا يلبسه الآجر، وهو قوله في "الموازية". والثاني: إذا أقر الصانع أنه لم يأمره بشيء فهو متعد، وهو قول أحمد ابن ميسر قال: وإنما يصح الجواب على ما في الموازية إذا قال له صاحب الثوب: اقطعه على ما ترى، وقد عرف ما يقطع الرجل. فوجه القول الأول: أنه لما صدق في الاختلاف، ففي المقدار، وفي المراد لما قدمناه من قوة دلالة اليد؛ فكذلك يصدق في إنكار الصفة. ووجه القول الثاني: أن الصانع إذا أقر أنه لم يؤمر بشيء، فهو مبعد لإقدامه على العمل دون صفة، ودون ما يقوم مقامه من العرف. وأما الخامس: إذا اتفقا على ترك الذكر، فيختلفا بعد ذلك فقال الآجر: ما أردت هذا، وقال الأجير: رأيته مما يصلح لك، فنص المذهب على أنه إن عمل ما يشبه لباس الرجل لم يضمن، وإن كانت الصنعة عامة بفحواها شاملة لمبناها، فالواجب تنزيلها على محل أحكام العرف؛ لأنه أصل في الأحكام والقيد العرفي كالقيد الشرطي. والجواب عن التفصيل الثاني: إذا اتفقا في التسليم واختلفا في التسليط؛ مثل أن يدعي الصانع أنه استعمله فيه، والآجر يقول: بل استودعتكه، فالمذهب على قولين أيضًا:

стр. 2993

أحدهما: أن القول قول الصانع مع يمينه إذا أتى بما يشبه، ووجهه: ما قدمنا الإشارة إليه من شهادة العرف للصانع؛ لأن استصناعهم هو الغالب المعتاد واستيداعهم هو النادر الشاذ، وهو قول ابن القاسم. والثاني: أنه مصدق في طرح العداء مع يمينه، ولا يصدق في التسمية إذا زادت على إجارة المثل، فأقل لم يكن عليه يمين، وهو قول الغير. والتوجيه ما تقدم من مسألة الحجام. والجواب عن الفصل الثالث: إذا تناكر التسليم رأسًا، وقال: سرق مني، وقال له صاحبه وهو يحاوره وهو الأجير: بل استعملتني، وجاء معمولًا، فلا يخلو من أن يضيف إليه السرقة، أو قال: سرق مني ولم يضفها إليه. فإن قال: سرق مني، ولم يضفها إليه، ولا عين عمرًا من زيد، فالمذهب على قولين منصوصين في "المدونة": أحدهما: أن كل واحد منهما مدع على صاحبه، وهو قول ابن القاسم، ووجهه أن كل واحد منهما جاء بما يشبه؛ لأن الصانع يدعي الاستصناع، ولها حلس والأجير لما أنكر التسليم والتسليط صار مدعى عليه، قال ابن القاسم: يتحالفان، فإذا تحالفا فصاحب الثوب بالخيار؛ لأن الأصل له، وقيل له: ادفع إليه أجر عمله، فإن أبى قيل للآخر: ادفع إليه قيمة ثوبه غير معمول، وهذا بقيمة عمله. والثاني: أن العامل مدع، ولا يكونا شريكين -يريد؛ لأنه ادعى الاستعمال على المالك- ويجبر على غرم القيمة، وإن أراد صاحب الثوب، ولا يكونان شريكين، وهو قول غيره في المدونة، وإنما جعلهما ابن القاسم شريكين؛ لأن اختلافهما شبهة على ما قدرناه، فإذنهما الإباه إلى الشركة

стр. 2994

كالأنثى تشبهه. وأما إذا أضاف السرقة إليه، فقال: سرقت متاعي، فإن كان الصانع ممن يشاء إليه بذلك، وهو صانع منتصب كان الجواب على ما تقدم من الخلاف لقيام الشبهة، ولا عقوبة على المدعي. وإن كان ممن لا يشار إليه بذلك كان القول قول الصانع، ويعاقب الآجر. واختلف أشياخنا في تأويل هذه المسألة؛ فمنهم من حملها على ظاهرها، وقال: التحالف قبل التخيير يحلف صاحب الثوب أولًا ليدفع عن نفسه ما ادعى عليه من التسليط، ويحلف الآخر ليدفع ما ادعى عليه من التعدي؛ لأن التخيير إنما يستحق بالتحالف؛ يقال لصاحب الثوب: ما تريد؟ فإذا قال: تضمين قيمة ثوبي، كان التحالف على ما في "المدونة"، فإن قال: أريد ثوبي نظر إلى قيمة ما فيه من العمل. فإن كان أكثر من دعوى الصانع، أو مثله فلا أيمان بينهما، ويقال له: هبك أن الأمر كما قلت أما كنت تقدر على أخذه إلا بعد غرم إجارة المثل أو ما ادعى الصانع إن كان أقل لأجل الشبهة. فإن كان مما ادعى الصانع أكثر حلف صاحب الثوب وحده يسقط الزائد، وإن نكل حلف الصانع وأخذ المسمى، قال: وهذا إذا لم يضف السرقة إليه، فأما إن أضافها إليه، فلابد من التحالف ليوجب أحدهما الضمان، ويبرأ منه الآخر. ومن هذا القبيل فمسألة اللات الذي قال: أمرتني أن ألته بكذا، وقال الآخر: ما أمرتك بشيء، قال في الكتاب: يقال لصاحب السويق: إن شئت فأعطه ما ألته به وخذ السويق، وإن أبى قيل للآخر: اعطه مثل

стр. 2995

سويقه غير ملتوت وإلا فأسلمه ملتوتًا، ولا يكونان شريكين لوجود المثل القائم مقام العين، وهذا قول ابن القاسم وغيره يقول: إذا أبى صاحب السويق من دفع الأجرة كان على اللات أن يغرم مثل سويقه غير ملتوت، وهذا السؤال كالذي قبله؛ لأن رب السويق ما أقر بالتسليم فضلًا عن التسليط، وإنما قال: سرق مني؛ فرأى ابن القاسم أن التعدي لا يثبت بالتداعي فلم يضمنه المثل؛ ولهذا جوز أخذه ملتوتًا، ولم يره طعامًا بطعام متفاضلًا، والغير يراه متعديًا بوضع اليد على مال الغير العاري عن الإذن، فألزمه المثل عند الامتناع عن الأخذ، ولم ير ذلك طعامًا بطعام متفاضلًا؛ لأنه عن ذمته يعتاض، ومن الأصحاب من لا يرى قول الغير خلافًا لقول ابن القاسم قائلًا بأن قوله وإلا قضى على اللَّات، يريد: إذا أبى صاحب السويق من أخذ الملتوت، فللنظر فيما قال مجال [والحمد لله وحده] (١).

стр. 2996

المسألة السادسة عشرة في الذي يقول للرجل: احصد زرعي هذا ولك نصفه، أو جذ نخلي هذا، أو التقط زيتوني هذا ولك نصفه ولا يخلو ذلك من أربعة أقسام: أحدها: أن يقول: احصد زرعي هذا، ولك نصفه. والثاني: أن يقول: فما حصدت أو لقطت، فلك نصفه. والثالث: أن يقول: فما حصدت اليوم، أو لقطت فلك نصفه. والرابع: أن يقول: احصده وادرسه وذره على أن لك نصف ما يخرج منه. فالجواب عن القسم الأول: إذا قال له: احصد زرعي هذا ولك نصفه، فلا خلاف في المذهب في جواز ذلك لجواز بيعه على تلك الصفة، وكل ما يجوز بيعه تجوز الإجارة به، فإذا حصد جميع الزرع، فقد استحق نصفه، ثم يكون ما بقى من العمل بينهما أنصافًا، وكذلك الحكم إذا لم يقل كله، فإن ضاع الزرع بعد الحصاد كان الضمان منهما جميعًا. فإن هلك الزرع قبل الحصاد؛ مثل أن يحترق أو يصيبه جليد وهو قائم هل يكون الضمان منهما جميعًا أم لا؟ على قولين: أحدهما: أن الضمان من ربه خاصة؛ لأنه لا يدخل في ملك الأجير إلا بعد الحصاد، وهذا القول يستقرأ من "المدونة" من غير ما موضع منها قوله في آخر "كتاب الجعل والإجارة" حيث قال: فأمَّا الحصاد فهو من حين يحصده وجب له نصفه، فقال بعض المتأخرين: بهذا يستدل على أنه

стр. 2997

إنما يجب له بعد حصاده، ونصوص المذهب أن الأجير لا يستحق الإجارة إلا بعد استيفاء العمل، فكيف يقال في هذه المسألة أن الضمان منهما جميعًا، ويجعل الأجير يملك الأجر بنفس العقد؟ ولا حجة لمن احتج بكون الأجير معينًا، والمعين يدخل في الملك بنفس العقد، وإلا كان من باب المعين يتأخر قبضه بدليل تعيين السلعة في البيع؛ إذ للبائع أن يحجبها حتى يقبض الثمن، ولاسيما على القول بأن المشتري هو المخاطب بتسليم الثمن أولًا، فما دام المشتري لم يدفع الثمن، فالسلعة في ضمان البائع والإجارة بيع؛ إذ لا فرق بين بيع المنافع وبيع الأعيان. فإذا جعلنا الأجير هاهنا كالمشتري ورب الزرع كالبائع والأجير مخاطب بتسليم المنافع أولًا، فإذا مسكها صح له الزرع، ودخل في ملكه، وقبل أن يشرع في الحصاد يعني الزرع في ضمان ربه، وذلك لا يخفى على من اعتاد اختراع أبكار المعاني، وراض فكره في اقتباسها بالمعاني، وأما من طبع بطبائع البليد، وقيد بسلاسل التقليد، فإنه عنده أخفى من الخفاء وأبعد من السماء. وعلى القول بأنه في ضمانه بنفس العقد، فما الذي يجب لرب الزرع على الأجير؟ فإن المذهب فيه على قولين: أحدهما: أن يستحصد الأجير في مثل ذلك الزرع، وهو قول ابن القاسم في "العتبية". والثاني: أن عليه نصف قيمة الزرع، وليس عليه [باقي] (١) نصفه، وهو قول سحنون في الكتاب المذكور. قال يحيى بن عمر: لأن الزرع يختلف، وقاله ابن القاسم أيضًا.

стр. 2998

والجواب عن القسم الثاني: إذا قال: فما حصدت أو لقطت فلك نصفه، هل يجوز ذلك أم لا؟ ففي الكتاب قولان: أحدهما: الجواز، وهو قول ابن القاسم. والثاني: أن ذلك لا يجوز، وهو قول غيره. ووجه قول ابن القاسم: أن الأجير عالم بما ينفع من الزرع؛ لأنه كلما أراد أن يقطع عرجونًا أو يحصد موضعًا، فإذا وضع يده عليه فيحده علمه حينئذ قبل أن يجذه وجذه على علم أن له نصفه. ووجه قول الغير: أن ذلك غرر وخطر لا يدري قدر ما يجذ، ولا ما حصد، ولا ما يلقط، ولا يدري متى شاء، وهل يترك بعد ما عمل قليلًا أو كثيرًا؟ والجواب عن القسم الثالث: إذا قال له: فما حصدت اليوم أو لقطت فلك نصفه: فإن ذلك لا يجوز؛ لأنه جعل والجعل لا يجوز فيه الأجل؛ لأن الأجير غير عالم بما يصح له في ذلك إلا أن يشترط له أن يترك متى شاء، فيتخرج على الخلاف الذي قدمناه في الجعل إذا ضرب فيه أجل؛ فظاهر "المدونة" الجواز، ولابن القاسم في "المدونة" أنه لا يجوز، وقد قال في الذي قال: جذ نخلي هذا، واترك متى شئت ولك نصف ما عملت أنه لا أجر فيه. والجواب عن القسم الرابع: إذا قال: احصد زرعي هذا وادرسه، ولك نصفه، فهل يجوز ذلك أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أن ذلك لا يجوز، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" وغيرها.

стр. 2999

والثاني: أن ذلك جائز، وهي رواية أشهب عن مالك في "العتبية"، وهذا القول قائم من المدونة. وعند ذكر منشأ الخلاف يتبين لك الاستقراء. وسبب الخلاف: اختلافهم في بيع الزرع بعد حصاده وقبل دراسه، هل يجوز أم لا؟ فمن رأى أن ذلك لا يجوز قال: لا تجوز به الإجارة؛ لأنه استأجره بما يخرج من حبه، وذلك مجهول قدره؛ لأن بيعه على تلك الحالة غرر وخطر لكون الزرع أغمار لا يقدر على حرزه لتغيب بعضه بعض، وهذا هو المشهور الذي عليه الجمهور، ومن رأى أن ذلك جائز، وأن بيعه أغمار أو حالًا لا غرر فيه، وأن ذلك يدرك حرزه بالتحري كما يدرك وهو قائم، وهو محل الاتفاق قال: بجواز الإجارة بذلك. والقول بجواز بيعه بعد حصاده قائم من المدونة من أول "كتاب الجعل والإجارة" حيث قال مالك: لو أن رجلًا باع حنطة في سنبلها على أن يدرسها، ويدريها كل قفيز بدرهم أن ذلك جائز، فلم يذكر الحصاد، وظاهره أنه مخصور: فقال بعض المحققين: فيه دليل على جواز بيع الزرع المحصود حزمًا. ويؤخذ له من آخر الكتاب المذكور: حين يحصده وجب له نصفه، وهي رواية ابن نافع، وأشهب عن مالك. وأما قوله: "انقض زيتوني هذا، فما نقضت من شيء فلك نصفه"، فإن ذلك لا يجوز، ولا أعرف في المذهب فيها نص خلاف إلا شيئًا وقع في "النوادر" نقله الشيخ أبو محمَّد عن مطرف، وابن الماجشون في الذي قال لرجل: انقض زيتوني هذا -أو قال القطه- ولك نصفه فجائز، وكذلك إن قال: فما لقطت أو نقضت فلك نصفه، وقال: وأجازه ابن

стр. 3000

القاسم في اللقط، ولم يجزه في النقض، وهذا نص قوله. فقال الشيخ أبو محمَّد: ومحمل قوله: فما نقضت يقول: ما جمعت؛ كقوله: اقطف كرمي، أو جذ تمري بنصفه. فإن كان مرادهما كما تأوله الشيخ كان كما قال ابن القاسم، وإن كان مذهبهما المساواة بين النقض واللقط كان خلافًا، وربك أعلم. والفرق بين اللقط والنقض أن اللقط من جنس مقدور العبد، وأنه متمكن منه، ولا حاجز -يحجزه إلا العجز والكسل، وذلك يرجع إلى أمر معلوم إن جد جلب وجمع الحب، وإن تكاسل قل ما يتحوصل له من الحاصل؛ فذلك يرجع إلى بذل الجد والاجتهاد. وأما النقض، فإنه غير منوط بمقدوره؛ إذ قد يجد ويقصد، ولا يسقط شيئًا، وقدره يتساقط، والذي يسقط مجهول تارة يكثر، وذلك غاية الغرر، ونهاية في الخطر. [والحمد لله وحده] (١).

стр. 3001

المسألة السابعة عشرة في الجعل على طلب الآبق ولا يخلو من وجهين: إما أن يجعل فيه لمعين، أو لغير معين. فإن جعل فيه لمعين فلا يخلو من أن يجعل لواحد في اثنين أو لاثنين في واحد. فإن جعل لواحد في اثنين، فلا يخلو الجعل الذي جعل عليهما من أن يكون متساويًا أو مختلفًا. فإن كان متساويًا وقد عرفهما المجعول له أو جهلهما، فالجعل فاسد، فإن نزل ووقع وأتى بهما جميعًا، ففيه قولان: أحدهما: أن له العشرة التي سمى. والثاني: أن له جعل مثله. والقولان لابن القاسم في "الواضحة". وإن أبى أحدهما، فالمذهب على أربعة أقوال: أحدها: أن له نصف العشر، وهو قول ابن نافع في "الكتاب" -اتفقت قيمتها أو اختلفت. والثاني: أن العشرة تقسم على قدر قيمته من قيمة الآخر من يوم أبقا، فيعطى له العشرة بقدر ذلك، وهو قول أشهب، وأصبغ في "كتاب ابن المواز". والثالث: أنه له فيه جعل مثله على قدر عنائه وتعبه، وهو قول ابن

стр. 3002

القاسم في "المدونة" و"الواضحة". والرابع: التفصيل بين أن تتفق قيمتها أو تختلف؛ فإن اتفقت قيمتها كان له نصف العشرة، فإن اختلفت كان له جعل المثل، وهو قول ابن القاسم في "الموازية" أيضًا، والذي ينبغي إذا اتفقت قيمتهما أن يكون له نصف العشرة بلا خلاف وإلا فما وجه الخلاف في هذا الوجه. فإن كان الجعل مختلفًا؛ مثل أن يجعل في ناصح ستة دنانير، وفي مرزوق أربعة فلا يخلو المجعول له من أن يكون يعرفهما أو لا يعرفهما. فإن كان يعرفهما جاز قولًا واحدًا. فإن كان لا يعرفهما، فهل يجوز الجمع أم لا؟ على قولين: أحدهما: أن ذلك لا يجوز، وهو الأحسن؛ لأن من شرط الجعل أن يكون معلومًا، ولا يجوز الجهل بمقداره، وقد يسمع بواحد منهما في بلد ويقصده، ولا يدري هل هو ناصح أو مرزوق، والإجارة عليهما مختلفة. والثاني: أن ذلك جائز، وذلك الجهل مستخف لوجود مثل ذلك بعد معرفته بهما، فقد يدل على عبد منهما، ويسمع به، ولا يعرف أيهم هو فيجوز له أن يمضي لطلبه قبل معرفته، هل هو ناصح أو مرزوق؛ لأن هذه ضرورة. والقولان لابن القاسم في "كتاب محمَّد"؛ فلهذا جوز الجعل في الكتاب المذكور، وإن كان مختلفًا من غير مراعاة لقيمتهما هل هي متساوية أو مختلفة. وأما إن جعل الاثنين في واحد؛ مثل أن يجعل للواحد عشرة وللآخر خمسة فأتى بهما فالمذهب على قولين منصوصين في الكتاب: أحدهما: أن العشرة بينهما أثلاثًا: لصاحب العشرة ثلثاها، ولصاحب

стр. 3003

الحسبة ثلثها، وهو قول ابن القاسم. والثاني: أن يكون لكل واحد منهما نصف ما جعل له؛ لأن كل واحد منهما أتى بنصفه، وهو قول ابن نافع، وقول ابن القاسم أوفى لصاحب الخمسة، وقول ابن نافع أصح، وأجرى على أصول الحساب. وأما الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا جعل فيه لغير معين مثل أن يقول من جاءني بعبدي الآبق فله عشرة دنانير، فجاء به رجل فلا يخلو هذا الذي من أن يسمع ذلك من الجاعل أو لم يسمع، فإن سمع ذلك من الجاعل فله عشرة دنانير وسواء كان شأنه طلب الآباق أم لا. فإنه جاء به من لم يسمع السيد ولا علم بالجعل، فلا يخلو من أن يكون ذلك شأنه أم لا؟ فإن كان ذلك شأنه فله الأقل من جعل المثل، والمسمى وهو قول ابن القاسم في المدونة، والعتبية، وقد قال في كتاب اللقطة من المدونة: فله أجر مثله على قدر عنائه وتعبه. فإن لم يعلم بالجعل ولا كان شأنه فالمذهب على قولين: أحدهما: أن الجعل ثابت إذا قال عملت على الجعل، ولم أتطوع بعملي، ويكون له الأقل من المسمى أو المثل وهو قول ابن حبيب في واضحته. والثاني: أن له النفقة، ولا جعل له، وهو قول ابن القاسم في كتاب اللقطة من المدونة. واختلف إذا طلبه من علم موضعه ثم أتى سيده، فقال له: اجعل لي هل يجوز ذلك أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه لا شىء له؛ لأنه أخذ الجعل على ما وجب عليه فعله، وهو قول ابن حبيب.

стр. 3004

والثاني: أن يعطى له على قدر عنائه فيه إلى ذلك الموضع، وهو قول ابن القاسم في "العتبية". واتفقوا على أنه لا يجوز له الجعل على موضعه ومكانه؛ لأنه قد وجب عليه إعلامه بذلك. تم الكتاب بحمد الله وبحسن عونه.

стр. 3005

كتاب المساقاة

стр. 3006

كتاب المساقاة تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها ثلاث مسائل: المسألة الأولى في جواز المساقاة وشروطها التي يتوقف الجواز عليها والمساقاة مشتق من سقي المثمرة؛ إذ هو معظم عملها، وأصل منفعتها، وهي سنة على حيالها وهي مستثناة من المخابرة وهي كراء الأرض بما يخرج منها من بيع الثمرة قبل طيبها، وقيل: وجودها، ومن الإجارة بالغرر والمجهول. والأصل في جوازها مساقاة رسول الله ﷺ أهل خيبر ومعاملته إياهم على ذلك، وللضرورة الداعية إلى ذلك، وهي أصل منفرد بأحكام تختص به، وتنعقد بالقول كسائر الإجارات والمعاوضات، واختلف هل تنعقد بغير لفظها أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنها لا تنعقد إلا بلفظة المساقاة، وهو قول ابن القاسم. والثاني: أنها تنعقد بلفظ الإجارة، وهو مذهب سحنون. فإذا ثبت ذلك، فاعلم أن الأصول في المساقاة ثلاثة: أصل له ساق ثابت تجني ثمارها. والثاني: ما ليس له ساق ثابت. والثالث: ما يجز ويخلف. فأمَّا الأصل الأول وهو ما له ساق ثابت يجني ثمارها وهو قائم كالنخل والأعناب، وما في معناهما فلا خلاف في جواز المساقاة فيها بشرط واحد

стр. 3007

وهو أن تكون المساقاة قبل الإزهاء لارتفاع الضرورة؛ إذ به يحل البيع فإذا جاز البيع منعت المساقاة. وأمَّا الأصل الثاني -وهو ما ليس له ساق ثابت يجني من أصله كالزرع، وقصب السكر، والبصل واللفت، وسائر المقاني، فقد اختلف في جواز مساقاته على ثلاثة أقوال: أحدهما: جواز مساقاته جملة بلا تفصيل، وهو قول ابن نافع. والثاني: أنه لا تجوز فيه المساقاة جملة بلا تفصيل بين أن يعجز أو لا يعجز. والثالث: التفصيل بين أن يعجز أو لا يعجز. فإن عجز عنه صاحبه جازت فيه المساقاة. وإن لم يعجز عنه لم تجز المساقاة، وهو قول ابن القاسم في الكتاب. فعلى القول بجواز المساقاة على هذا التفصيل، فلجوازه ثلاثة شروط: أحدها: أن يكون ذلك بعد ظهوره من الأرض، وإن كانت معينًا فيها، لم يجز لعدم شبهيته بالأصول قبل الإثبات. والشرط الثاني: أن يكون ذلك قبل أن يحل فيه البيع لما تقدم. والشرط الثالث: أن يعجز عنه صاحبه عجزًا ينعدم فيه لو ترك، فإن لم يوجد العجز لم يجز. والأصل الثالث من أصل التقسيم: وهو ما يجز ويخلف؛ كالموز، والقصب، وسائر البقول، هل تجوز فيه المساقاة أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أن مساقاتها لا تجوز بوجه، وهو مذهب "المدونة"، وهو

стр. 3008

المشهور؛ لأنها على أحد وجهين: إما أن لا ينبت بعد، ومساقاة المغيب لا تجوز. وإما أن يكون قد نبت: فكذلك أيضًا لجواز بيعها باستقلالها، فلا مساقاة بعد جواز البيع. والثاني: جواز المساقاة فيها، وهو قول ابن نافع وغيره. والأصل في المساقاة ألا تجوز إلا في الأصول التي يتكدد بكدها الكادح؛ كالنحل والعنب؛ إذ للعمل فيهما أمد بعيد، وفيهما جاء الشرع بها. فإذا ثبت هذا، فمن منع المساقاة فيما تقدم رأى أن عملها متقاصر عن بلوغ المرتبة في الكد المتقضي للإجزاء. ومن قال بالإجزاء قاسها على الأصول بعلة الأصالة. ومن فصل فقد حصل ورآها عند عدم العجز بعيدة عن الأصول لتفاهة عملها، وبالعجز تنحو نحوها، وأقيم العجز مقام دوام العمل المتفق عليها، والحمد لله وحده.

стр. 3009

المسألة الثانية في حكم المساقاة الفاسدة اعلم أن المساقاة الفاسدة والقراض الفاسد: الكلام بينهما واحد، فلنجمع بينهما في الكلام في هذا المقام، فنقول وبالله التوفيق: اختلف أرباب المذهب في القراض الفاسد والمساقاة الفاسدة؛ إذ فات بالعمل على أربعة أقوال: أحدها: أنه يرد إلى قراض المثل، أو إلى مساقاة المثل، أو إلى إجارة المثل، جملة بغير تفصيل، وهو قول عبد الملك بن الماجشون، وروايته عن مالك، ويحكى هذا عن أشهب أيضًا. والثاني: أن الحكم فيها إجارة المثل جملة بلا تفصيل، وهذا القول مروي عن مالك أيضًا، وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة في القراض الفاسد. والثالث: أنهما يردان إلى الأقل من الجز المسمى، أو من قراض المثل، أو مساقاة المثل إن كان الشرط من رب المال، وإن كان العامل: فله الأكثر مما ذكرنا، وهذا القول حكاه ابن المواز في القراض بالضمان. والقول الرابع: إن ما كان من زيادة يزدادها أحدهما على الآخر على وجه ممنوع: ففيه يرد إلى إجارة المثل في القراض والمساقاة. وإن كان شرط داخل من زيادة يزدادهما أحدهما على الآخر على وجه ممنوع: ففيه يرد إلى إجارة المثل في القراض والمساقاة، وإن كان شرط داخل في المال غير خارج عنه: ففيه يرد إلى قراض المثل أو مساقاة المثل، وهو مذهب ابن القاسم على تقييد وتفصيل لأشياخنا فيه نورده آخر المسألة

стр. 3010

إن شاء الله. ولا خفاء لما في هذين القولين من الضعف والوهاء، وإنما يتردد النظر بين القولين الأولين؛ إذ هما الجاريان على جادة القياس والطريق المقاس. وينبني الخلاف: على الخلاف في نفي الحكم عن الأسماء الحكمية، هل تنتفي الأسماء بانتفاء أحكامها أم لا؟ والأسماء هاهنا تسمية هذا قراض، وتسمية هذه مساقاة والأحكام التي تصورها هذه الأسامي وتتوارد عليه الصحة. فإذا انتفت هل ينتفي الاسم والبطلان؟ والمقصود هذا الموضع أحكام الصحة، فإذا انتفت هل ينتفي الاسم حتى لا يسمى قراضًا، ولا مساقاة أم لا؟ فهذا معنى الحكم. والقول بإجارة المثل مبني على نفي الاسم بنفي الحكم؛ لأنه من جملة أوصافه ينتقل بانتقالها، فإذا وجدنا الاسم والحكم منتف عنه: وجب بذلك نفي الاسم، فإذا قلنا بخروجه عن اسمه لمحض أن تكون إجارة، وصار إجارة معنى، وإن كان قراضًا لفظًا. والقول بالقراض المثل أو بالمساقاة المثل مبني على أن الاسم لا ينتفي بنفي الحكم؛ لأنه ليس بمعنى ذاتي، وإنما هو معنى منفصل عن الاسم بدليل أنه يتعلق بالاسم بعد ثبوته؛ لأنه يسمى قراضًا قبل أن يتصف بالصحة أو بالبطلان. فإذا ثبت أن الاسم لا ينتفي بانتفاء الحكم: فإنه يرد فاسده إلى صحيحه لا إلى إجارة لبعدها منه وقربه إلى قراض صحيح لبقاء الاسم؛ فالأوضح الأقيسة على رد النظير إلى النظير، وإلحاق الشبيه بشبيهه؛ إذ الشيء ينحو إلى شكله، ويتنحى عن ضده، وهذا البناء

стр. 3011

يروق، ولكن لا يستنشق أريجه إلا الغواصون في بحار المعانى، وعن هذين القولين يجب البحث لا ما ورائهما من الخلاف في تعليل الفرق روايتان: إحداهما: أن قراض المثل أو مساقاة المثل متعلق بالربح إن كان ويفوت فسخه بالعمل وأجرة المثل متعلقة بذمة رب المال، وإن لم يوجد الربح، ويفسخ أبدًا، وهذا هو المشهور عن أصحابنا. والثانية: الفرق بين القراض والمساقاة؛ فالقراض يفسخ أبدًا، ورد إلى قراض المثل، وإجارة المثل؛ لأنه لا غاية له محصورة ولا نهاية معلومة. فإن كان مما يرد فيه إلى إجارة المثل: كانت الإجارة متعلقة بربح المال، وإذا لم يكن في المال ربح لم تكن له إجارة، ويرد ما بيده مع السلع إلى رب المال، وتكون له أجرة المثل في شرائها والفسخ فيما يرد إلى قراض مثله، فلا ترد العروض إلى صاحب المال، وإنما معناه أنه لا يتمادى على العمل إذا نض المال بيده على ذلك القراض الفاسد. وأما المساقاة: فالحكم فيها على ما قيل في الرواية الأولى، وهذا قول ابن حبيب في "الواضحة". وأما قولنا: يرد ما بيده من السلع، إلى قوله: على ذلك القراض الفاسد: فليس هو من كلام ابن حبيب، وإنما هو تفسير القاضي أبي الوليد بن رشد، وقد حكى أبو محمَّد عبد الوهاب عن القاضي أبي الحسن ابن القصار أنه قال: يحتمل قول مالك عندي أن يكون له ما يساوي قراض مثله، وإن كان في المال وضيعة أيضًا، وقال القاضي أبو محمَّد: فالفرق على هذين قراض المثل وإجارة المثل: أن إجارة المثل متعلقة بالإطلاق، وقراض المثل متعلق بالشرط الذي شرطاه، وتفسير ذلك أن يقال في الإجارة: إن استأجرت المال من عمل له هذا العمل كم تكون إجارته، فيكون ذلك للعامل، ويقال في القراض إذا كان العامل قد رضي بجز كذا

стр. 3012

وكذا على هذا الشرط الفاسد، فكم كان ينبغي أن يكون له؟ فما قل من شيء فهو قراض المثل على تأويل القاضي أبي الحسن راجع إلى إجارة المثل، وإنما يختلف ذلك على تأويله في صفة التقويم، وهو بعيد جدًا. فإذا قلنا بأنها متعلقة بذمة رب المال، فهل يكون أحق بربح المال من الغرماء أم لا؟ ففي ذلك قولان: أحدهما: أنه يكون أحق به من الغرماء. والثاني: أنه لا يكون أحق به منهم، وهو قوله في "كتاب ابن المواز"، وهو ظاهر "المدونة". وقد تأول ما في "الكتاب" على أنه قد دفع المال لربحه، وأخرجه من يده، ولذلك جعله أسوة الغرماء. والقولان قائمان من "المدونة". وسبب الخلاف: اختلافهم في الرهن، هل يكون رهنًا بغير لفظه أم لا على ما وقع في كتاب الرهون من أن البقعة على الراهن، ومن أشياخنا من قيد المذهب الذي أشرنا إلى ضعفه من حيث القياس، فقال مذهب ابن القاسم أنه أجبر في فاسد المساقاة أجمع: لا في أربع مسائل، منها: مسألة المساقاة والبيع، ومساقاة المذهبي من الثمار إذا ساقاه فيه سدس فهو أجبر في السنة الأولى دون ما بعدها، ومساقاة الحائطين في صفقة على أجزاء مختلفة، أو حائط واحد في سدس على أجزاء مختلفة، أو ساقاة حائطًا على أن يكفيه مؤونة حائط آخر فهو أجير في الحائط المكفي مؤونته، وفي الآخر مساقاة المثل، وكل هذا أصل واحد. والرابع: أن يشترط العامل مؤنة رب المال. قالوا: وأما في القراض: فهو أجير إلا في سبع مسائل على مذهبه في "المدونة" منها:

стр. 3013

مسألة القراض بالعروض، ويكون له الأجرة في بيع العروض، ويرد الثمن إلى قراض المثل، وهذا إذا قال: بعه، واعمل بثمنه قراضًا. وأما إن قال له خذه على أن يكون هو رأس المال، أو قيمته يوم العقد، أو يوم التفاصل: فهو أجير. والثانية: القراض المبهم إذا لم يسم له جزاءً معلومًا. والثالثة: القراض بالضمان. والرابعة: قراض إلى أجل. والخامسة: إذا قال له: اعمل على أن لك شركاء في المال. والسادسة: إذا اختلفا وأتيا جميعًا بما لا يشبه، فحلفا على ذلك. والسابعة: إذا نهاه أن يبيع بالنقد، فباع به أو نهاه أن يشتري غير السلعة الفلانية غير عامة الوجود، فاشترى غيرها، وعبر عن هذا النوع بالقراض المكروه، وعن ما عداه بالقراض الفاسد، والحمد لله وحده.

стр. 3014

المسألة الثالثة في دواب الحائط المساقي وعبيده ولا يخلو الحائط في حين المساقاة من وجهين: إما أن يكون مشغولًا بدواب رب الحائط، أو كان فارغًا منها. فإن كان مشغولًا بدواب رب الحائط وعبيده: هل يجوز لرب الحائط إخراجهم إذا لم يشترط العامل بقاءهم في الحائط أو الحكم يوجب بقاءهم للعامل؟ فإن لم يشترطهم: فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أن الحكم يوجب بقاءهم للعامل، وإن لم يشترطهم فإنه لا يجوز لرب الحائط إخراجهم عند عقد المساقاة إلا أن يكون قد أخرجهم قبل عقد المساقاة، فإن اشترط إخراجهم عند العقد: كانت مساقاة فاسدة يرد فيها إلى إجارة المثل، والثمر لرب الحائط، وهذا نص قول ابن القاسم في "المدونة" وهو مشهور المذهب؛ بناء على أن الحكم يوجب بقاءهم في الحائط دون الشرط. والثاني: أنه يجوز لرب الحائط إلا أن يشترطهم العامل، وهو قول ابن نافع، ويحيى بن عمر في "كتاب ابن مزين"، وهو ظاهر قوله في "المدونة": إذا كان في الحائط دواب وغلمان يعملون، ويشترطهم العامل: فلا بأس بذلك. ولفظ الاشتراط موقوف في أكثر الأمهات ثابت في الأسدية: فإذا هلكت تلك الدواب والغلمان: فعلى رب الحائط خلفهم على القولين جميعًا.

стр. 3015

فإن كان الحائط فارغًا من الدواب في حين التعاقد، فاشترط العامل على رب الحائط أن يعينه بدابة أو غلام: فلا يخلو الحائط من أن يكون صغيرًا أو كبيرًا؛ فإن كان صغيرًا مما تكفيه دابة واحدة: فلا يجوز للعامل اشتراطها على رب الحائط؛ لأن ذلك زيادة ازدادها العامل. فإن كان الحائط كبيرًا: فإنه يجوز للعامل أن يشترط على رب الحائط أن يعينه بدابة أو غلام؛ لأن ذلك لم يزل من عمل الناس. تم "كتاب المساقاة" بحمد الله وحسن عونه، وصلى الله على محمَّد نبيه وعبده.
следующие страницы →