← Фикх малики

Фикх малики · id 123685

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

الرجراجي، علي بن سعيد

Полный текст (4 240 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

يروق، ولكن لا يستنشق أريجه إلا الغواصون في بحار المعانى، وعن هذين القولين يجب البحث لا ما ورائهما من الخلاف في تعليل الفرق روايتان: إحداهما: أن قراض المثل أو مساقاة المثل متعلق بالربح إن كان ويفوت فسخه بالعمل وأجرة المثل متعلقة بذمة رب المال، وإن لم يوجد الربح، ويفسخ أبدًا، وهذا هو المشهور عن أصحابنا. والثانية: الفرق بين القراض والمساقاة؛ فالقراض يفسخ أبدًا، ورد إلى قراض المثل، وإجارة المثل؛ لأنه لا غاية له محصورة ولا نهاية معلومة. فإن كان مما يرد فيه إلى إجارة المثل: كانت الإجارة متعلقة بربح المال، وإذا لم يكن في المال ربح لم تكن له إجارة، ويرد ما بيده مع السلع إلى رب المال، وتكون له أجرة المثل في شرائها والفسخ فيما يرد إلى قراض مثله، فلا ترد العروض إلى صاحب المال، وإنما معناه أنه لا يتمادى على العمل إذا نض المال بيده على ذلك القراض الفاسد. وأما المساقاة: فالحكم فيها على ما قيل في الرواية الأولى، وهذا قول ابن حبيب في "الواضحة". وأما قولنا: يرد ما بيده من السلع، إلى قوله: على ذلك القراض الفاسد: فليس هو من كلام ابن حبيب، وإنما هو تفسير القاضي أبي الوليد بن رشد، وقد حكى أبو محمَّد عبد الوهاب عن القاضي أبي الحسن ابن القصار أنه قال: يحتمل قول مالك عندي أن يكون له ما يساوي قراض مثله، وإن كان في المال وضيعة أيضًا، وقال القاضي أبو محمَّد: فالفرق على هذين قراض المثل وإجارة المثل: أن إجارة المثل متعلقة بالإطلاق، وقراض المثل متعلق بالشرط الذي شرطاه، وتفسير ذلك أن يقال في الإجارة: إن استأجرت المال من عمل له هذا العمل كم تكون إجارته، فيكون ذلك للعامل، ويقال في القراض إذا كان العامل قد رضي بجز كذا

стр. 3012

وكذا على هذا الشرط الفاسد، فكم كان ينبغي أن يكون له؟ فما قل من شيء فهو قراض المثل على تأويل القاضي أبي الحسن راجع إلى إجارة المثل، وإنما يختلف ذلك على تأويله في صفة التقويم، وهو بعيد جدًا. فإذا قلنا بأنها متعلقة بذمة رب المال، فهل يكون أحق بربح المال من الغرماء أم لا؟ ففي ذلك قولان: أحدهما: أنه يكون أحق به من الغرماء. والثاني: أنه لا يكون أحق به منهم، وهو قوله في "كتاب ابن المواز"، وهو ظاهر "المدونة". وقد تأول ما في "الكتاب" على أنه قد دفع المال لربحه، وأخرجه من يده، ولذلك جعله أسوة الغرماء. والقولان قائمان من "المدونة". وسبب الخلاف: اختلافهم في الرهن، هل يكون رهنًا بغير لفظه أم لا على ما وقع في كتاب الرهون من أن البقعة على الراهن، ومن أشياخنا من قيد المذهب الذي أشرنا إلى ضعفه من حيث القياس، فقال مذهب ابن القاسم أنه أجبر في فاسد المساقاة أجمع: لا في أربع مسائل، منها: مسألة المساقاة والبيع، ومساقاة المذهبي من الثمار إذا ساقاه فيه سدس فهو أجبر في السنة الأولى دون ما بعدها، ومساقاة الحائطين في صفقة على أجزاء مختلفة، أو حائط واحد في سدس على أجزاء مختلفة، أو ساقاة حائطًا على أن يكفيه مؤونة حائط آخر فهو أجير في الحائط المكفي مؤونته، وفي الآخر مساقاة المثل، وكل هذا أصل واحد. والرابع: أن يشترط العامل مؤنة رب المال. قالوا: وأما في القراض: فهو أجير إلا في سبع مسائل على مذهبه في "المدونة" منها:

стр. 3013

مسألة القراض بالعروض، ويكون له الأجرة في بيع العروض، ويرد الثمن إلى قراض المثل، وهذا إذا قال: بعه، واعمل بثمنه قراضًا. وأما إن قال له خذه على أن يكون هو رأس المال، أو قيمته يوم العقد، أو يوم التفاصل: فهو أجير. والثانية: القراض المبهم إذا لم يسم له جزاءً معلومًا. والثالثة: القراض بالضمان. والرابعة: قراض إلى أجل. والخامسة: إذا قال له: اعمل على أن لك شركاء في المال. والسادسة: إذا اختلفا وأتيا جميعًا بما لا يشبه، فحلفا على ذلك. والسابعة: إذا نهاه أن يبيع بالنقد، فباع به أو نهاه أن يشتري غير السلعة الفلانية غير عامة الوجود، فاشترى غيرها، وعبر عن هذا النوع بالقراض المكروه، وعن ما عداه بالقراض الفاسد، والحمد لله وحده.

стр. 3014

المسألة الثالثة في دواب الحائط المساقي وعبيده ولا يخلو الحائط في حين المساقاة من وجهين: إما أن يكون مشغولًا بدواب رب الحائط، أو كان فارغًا منها. فإن كان مشغولًا بدواب رب الحائط وعبيده: هل يجوز لرب الحائط إخراجهم إذا لم يشترط العامل بقاءهم في الحائط أو الحكم يوجب بقاءهم للعامل؟ فإن لم يشترطهم: فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أن الحكم يوجب بقاءهم للعامل، وإن لم يشترطهم فإنه لا يجوز لرب الحائط إخراجهم عند عقد المساقاة إلا أن يكون قد أخرجهم قبل عقد المساقاة، فإن اشترط إخراجهم عند العقد: كانت مساقاة فاسدة يرد فيها إلى إجارة المثل، والثمر لرب الحائط، وهذا نص قول ابن القاسم في "المدونة" وهو مشهور المذهب؛ بناء على أن الحكم يوجب بقاءهم في الحائط دون الشرط. والثاني: أنه يجوز لرب الحائط إلا أن يشترطهم العامل، وهو قول ابن نافع، ويحيى بن عمر في "كتاب ابن مزين"، وهو ظاهر قوله في "المدونة": إذا كان في الحائط دواب وغلمان يعملون، ويشترطهم العامل: فلا بأس بذلك. ولفظ الاشتراط موقوف في أكثر الأمهات ثابت في الأسدية: فإذا هلكت تلك الدواب والغلمان: فعلى رب الحائط خلفهم على القولين جميعًا.

стр. 3015

فإن كان الحائط فارغًا من الدواب في حين التعاقد، فاشترط العامل على رب الحائط أن يعينه بدابة أو غلام: فلا يخلو الحائط من أن يكون صغيرًا أو كبيرًا؛ فإن كان صغيرًا مما تكفيه دابة واحدة: فلا يجوز للعامل اشتراطها على رب الحائط؛ لأن ذلك زيادة ازدادها العامل. فإن كان الحائط كبيرًا: فإنه يجوز للعامل أن يشترط على رب الحائط أن يعينه بدابة أو غلام؛ لأن ذلك لم يزل من عمل الناس. تم "كتاب المساقاة" بحمد الله وحسن عونه، وصلى الله على محمَّد نبيه وعبده.

стр. 3016

كتاب الجوائح

стр. 3017

كتاب الجوائح تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها ثلاث مسائل: المسألة الأولى في معرفة ما توضع في الجائحة مما لا توضع فيه اعلم أن المبيع الموضوع فيه الجائحة على ثلاثة أضرب: ثمار يجنس أولها على آخرها؛ كالنخيل، والعنب، والزيتون، والجوز، والتفاح، وما يجري مجراها: فهذه يراعى في جوائحها الثلث بثلث الثمرة، ونصفها بنصفها إجماعًا؛ لأن المذهب عند اتحاد الجنسية والنوعية. والضرب الثاني: ما كان الغرض في أعيانها دون ما يخرج منها؛ كالبقول، والأصول المغيبة، فهل فيها جائحة أم لا؟ فالمذهب على أربعة أقوال: أحدها: أنه توضع فيه الجائحة في القليل والكثير من غير اعتبار الثلث، وهو قول ابن القاسم في الكتاب. والثاني: أنه لا توضع فيه الجائحة أصلًا، وهذا القول مروي عن مالك أيضًا. والثالث: أنها توضع في الثلث فصاعدًا، ولا توضع فيما دون الثلث كالثمار، وهي رواية علي بن زياد، وابن أشرس عن مالك في "الكتاب". والرابع: التفصيل بين ما تجوز فيه المساقاة مع العجز كالفجل والاسفنارية واللفت: فلا توضع فيه الجائحة إلى أن يبلغ الثلث، وبين ما

стр. 3018

لا تجوز فيه المساقاة من البقول، فإن الجائحة توضع في قليله وكثيره، وهي رواية سحنون عن ابن القاسم في "العتبية" ومثله في "كتاب ابن المواز". وسبب الخلاف بين القولين المتقابلين: في وضع جائحة البقول هل يلحق بالأصول الذي هو الثمار أو لا يلحق بها؟ وأما اختلافهم في اعتبار الثلث بعد اتفاقهم على وضعها: التعلق بالعموم في أمره ﷺ بوضع الجوائح، هل يسوغ في كل ما توضع فيه الجائحة في القليل والكثير إلا ما خصصه العرف من الثمار التي جرت العادة بأن يتساقط بعضها ويتعض، وأن عواف الطير تأكل منه في أغلب الأحوال فكأن المشتري دخل على ذلك، فلذلك لا توضع فيه الجائحة حتى يبلغ الثلث، وبقى ما عداها على الأصل مما لم تجر العادة بتساقط بعضها مثل البقول وغيرها، ثم لا يقاس عليها؛ لأنها من أصول المستثناة، ويجوز قياس البقول على الثمار، فيعتبر الثلث في الجميع. والضرب الثالث: متردد بين البقول والأصول، له شبه في البقول بأن أصله مبيع مع ثمره، وله شبه بالأصول بأن المقصود منه ثمرته كالمقاني والمباطخ والقرع والباذنجان وما أشبه ذلك، فهذه من مسائل الاشتراك المستحيل خلوصها من الرقاع المتعذر سلامتها من النزاع؛ فمن حيث النظر إلى أشبهيته بالبقول تعينت الحطيطة -قلَّ المجاح أو كثر- على أصل من رأى ذلك فيها، وعليه اليسير من الأصحاب، وهو مذهب أشهب في "الموازية" ومن حيث النظر إلى شبهيته للأصول تعلقت الحطيطة بالحمل الفاصل المضبوط، وعليه الجمهور من الأصحاب، فإذا قلنا بهذا افتقر إلى تقويم، ومعنى ذلك أن ننظر إلى المجاح، فإن كان ثلثًا فصاعدًا من الباقي منه على ما عرف وعده منه في القلة والكثرة حط من الثمن قدر قيمته في زمانه من قيمة باقية على رخصه أو غلائه.

стр. 3019

فإن كان أقل من ثلثه كيلًا أو وزنًا لا في القيمة: فلا حطيطة، وهل المراعى ثلث القيمة، أو ثلث المثمون؟ فالمذهب على قولين منصوصين في "الكتاب": أحدهما: أن المراعى في ذلك المثمون؛ فإن بلغته الجائحة تعين الموضع، وإن لم تبلغه: فلا حطيطة، وإن نافت على ثلث القيمة، وهو قول ابن القاسم؛ لأن المثمون محل الجائحة لا القيمة، فكان اعتبار الحد في المحل أولى. والثاني: أن المراعى في ذلك ثلث القيمة، فإن بلغته الجائحة تعين الوضع، وإن لم يبلغ ثلث المثمون، وإن لم تبلغه لم تتعين الحطيطة، وإن أربت على ثلث المثمون، وهو قول أشهب؛ لأن الرجوع بحصة المجاح من حقوق المشتري، فما كان أضر به فهو المعتبر. واختلف في القيمة متى تعتبر؟ على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أنه ينظر إلى قيمته يوم وقع البيع بقدر قيمة كل بطن في زمانه على ما عرف من عادته، وليس يوم نزول الجائحة، وهو قول سحنون فيما حكاه بعض شيوخنا، وهو تأويل ابن أبي زمنين وغيره على "المدونة" من قوله أول المسألة: ويقوم ما بقى من الثمن مما لم يأت بعد في كثرة نباته ونفاقه مما يعرف ناحيته، وهو قوله أيضًا في الباب الآخر نظرًا إلى قيمة هذا البطن المجاح في غلائه ورخصه، ثم ينظر إلى ما يأتي من شأنها في المستقبل، وقوله في تفسيرها ينظر إلى ما يأتي بعد، فيقوم بطنًا بعد بطن على ما عرف من رغبة الناس فيه، وإلى هذا ذهب ابن زرب وغيره من الشيوخ، وهذا الذي يأتي على أصل ابن القاسم فيمن اشترى سلعًا كثيرة، فاستحق بعضها أنها تقوم بما تساوي يوم الصفقة. والثاني: أنه ينظر في ذلك يوم النازلة بالمجاح ويستأنفا بما بقى من

стр. 3020

البطون حتى يأتي جميعها، وتقوم على حقيقة، ويقين لا على ظن وتخمين، وهو اختيار الشيخ أبي محمَّد عبد الحق وغيره من المتأخرين، ويحتج هؤلاء بما وقع في "الكتاب"، وربما كانت الفقوسة في أول الزمان تباع بنصف درهم، وفي آخر الزمان تباع بفلس أو بفلسين وبقوله في تقويم البطون في الباب في الآخر، وانقطعت الثمرة، ولم يكن فيها إلا ثلاثة بطون، وقد عرف ناحية البطن الآخر، والقولان ثابتان ظاهران قائمان من "المدونة"، والحمد لله وحده.

стр. 3021

المسألة الثانية في حكم جائحة الحائط المتحد أما المتعدد: فهو على وجهين: أحدهما: أن تتعدد نوعًا. والثاني: أن تتعدد جنسًا. أما المتعدد نوعًا لا جنسًا كحائط الثمر فيها برنى وعجوة وغيره إلا أنه تمر كله، فاتفق الأصحاب على أن الاعتبار بثلث جميع البيع، وإنما وقع اختلافهم في الثلث المعتبر، هل هو ثلث المكيلة أو ثلث القيمة على قولين: أحدهما: ثلث المكيلة، وهو قول ابن القاسم. والثاني: ثلث القيمة، وهو قول أشهب على ما قدمناه. فعلى القول باعتبار ثلث المكيلة، هل يوضع ثلث الثمن بثلث الثمرة دون تقويم، وهو قول ابن القاسم في "الواضحة" وغيرها. والثاني: أنه لابد من التقويم في ذلك لتفاوت قيمة الأنواع، وقد يكن النوع المجاح هو ثلث الحائط في المكيلة، وإذا قوم تكون قيمته أقل من ثلث قيمة جميع الحائط؛ لدناءة ذلك النوع كالجعرور والبرني، وهو قول مطرف، وابن الماجشون، وابن عبد الحكم، وأصبغ فيما حكاه ابن حبيب. وأما المتعدد جنسًا كعنب وزيتون ورمان ونخل إذا أجيح جنس منها وسلم ما عداه، فهل يعتبر المجاح بنفسه أم بغيره: فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه معتبر بنفسه لا غيره، فإن اجتيح ثلثه وضع عنه ثلث حصته من الثمن بالقيمة وإلا فلا؛ لأنه مستقل بنفسه قائم برأسه لا يضم

стр. 3022

إلى غيره، وهو قول مالك في "كتاب ابن حبيب" أيضًا. والثاني: أنه معتبر بغيره، ويعتبر في المجاح أن يكون ثلث جميع الحائط كالمتحد جنسًا لاتحاد الصفة، وهذا القول مروي عن ابن القاسم. وعلى القول باعتبار الصنف المجاح أن يكون ثلث جميع الحائط فما كيفية ذلك؟ فلا يخلو الجنس المجاح بين المتعدد أن يستوعب أو يبقى منه، فإن استوعب واستوصل نظر إلى القيمة لو لم يجح، فإن كان ثلث قيمة الجملة وضع عنه ذلك من الثمن بالقيمة، فإن كانت قيمته لو لم يجح لا تبلغ ثلث قيمة الجعلة: فلا جائحة فيه أصلًا. فإن أصابت الجائحة بعضه وسلم البعض، هل يعتبر الصنف المجاح من غير جملة، ولا تفصيل أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يعتبر به جملة وتفصيلًا، وينظر إلى ثلث القيمة، فإن أصيب من الجنس الواحد ما يبلغ ثلث قيمة الجملة حط من الثمن مقداره بالقيمة، فإن كان أقل من ثلث الجنس المجاح، وإن لم يبلغ المجاح ثلث قيمة الجملة: فلا جائحة، وإن أربت الجائحة على ثلث: بطل هذا بتعيين الذي قبله، وهو اعتبار ثلث الجملة، أما الجمع بينهما فغير معقول وخلاف للأصول، وبه قال أصبغ. والثاني: أنه يعتبر بغيره في الجملة دون التفصيل، فينظر إلى ثلث قيمة الجملة فلا جائحة فيه -اجتيح كله أو بعضه- فهذا قد اعتبره بغيره في الجملة في هذا الوجه، فإن بلغ ثلث قيمة الجملة: نظر إلى الجنس المجاح منه، فإن اجتيح قدر ثلث ثمرته: وضع قدر ثلث قيمة المجاح من الثمن. فإن اجتيح أقل من ثلث ثمرته: لم يوضع عنه شيء، وبه قال ابن القاسم على ما رواه أصبغ في "كتاب محمَّد" وقاله غيره، وهذا قد

стр. 3023

ناقضه فيه ما أخلفه في الجملة إذا كانت قيمة الجنس المجاح، واعتبر التفصيل آخرًا، واعتبر الجملة، وهذا عين التناقض؛ لأنه لو اعتبره بغيره جملة وتفصيلًا لقل كما قال الأقل حيث اعتبر المجاح أن تكون قيمة ثلث الجملة، فإن كانت كذلك وضعت الجائحة، وإن تقاصرت عنه: لم توضع، وإن زادت على ثلث جنس المجاح. ومعنى قوله في اعتبار ثلث القيمة على الجملة اعتبار ثلث الثمرة على التفصيل أن الجنس المجاح قد يكون أفخر أجناس ثمار الحائط، فتكون قيمة المجاح منه تعدل ثلث قيمة جملة الأجناس. وإن كانت مكيلة أقل من الثلث، وليس من شرط مساواة القيمة التساوي في المكيلة. والذي أوجب ما أشرنا إليه من التناقض كون الفرع أخذ شائبة من الأصلين؛ فمن حيث النظر إلى شائبة اتحاد العقد الوارد على الأصل: تعين اعتبار الجملة، ومن حيث النظر إلى شائبة الاستقلال من الجنسية: تعين اعتبار التفصيل ومن حق الفرع إذا تداعاه أصلان وتجاذبه طرفان أن يوفر عليه مقتضى الشائبتين لميلها إليهما ميلًا متحدًا، فإلحاقه بأحدهما على وجه التمحص نوع من التحكم، وضرب من الدعوى والعمل بقدر الدليل واجب على ما لا خفاء به على من طالع علم الأصول فتنبه بعد هذا التفصيل أيها المسترشد بأن في فهمه غموضًا، ولهذا بسطت الكلام فيه في زيادة الشرح والبيان، والحمد لله وحده.

стр. 3024

المسألة الثالثة في معرفة ما هو بجائحة مما ليس بجائحة فتحصيله أن الجوائح تنقسم على قسمين: أحدهما: ما لم يكن أمرًا غالبًا، وأمكن دفعه، والاحتراس منه. والثاني: ما كان أمرًا غالبًا، ولم يمكن دفعه والاحتراس منه. فأما ما لم يكن أمرًا بالغًا، وأمكن دفعه والاحتراس منه، فليس بجائحة أصلًا. وأما ما كان أمرًا غالبًا، ولم يمكن دفعه، ولا قدر على الاحتراس منه، فإن ذلك ينقسم إلى قسمين: أحدهما: أن يكون ذلك من فعل الله تعالى، لا اكتساب فيه لمخلوق مكلف: فلا خلاف أنه جائحة يجب القضاء بها، كالريح، والمطر، والبرد، وما أشبه ذلك من الجليد، والجراد، والطير الغلب، وأما انقطاع الماء: فإنه جائحة في القليل والكثير بإجماع. وأما ما كان من اكتساب المخلوقين المكلفين، ولا يمكن الاحتراس منه؛ كالجيش، والسارق: فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه جائحة في الجيش، والسارق، وهو قول ابن القاسم في الكتاب؛ لأن ذلك عنده مما لا يقدر على دفعه. والثاني: أن ذلك ليس جائحة؛ لأن السلطان يكف الجيش ويرده، والسارق يتحصن منه، وهو قول مطرف وابن الماجشون. والثالث: التفصيل بين الجيش والسارق؛ فيكون الجيش جائحة،

стр. 3025

والسارق بجائحة، وهو قول ابن نافع في "الكتاب"؛ وكأنه يرى الجيش مما لا يمكن دفعه، وأن السارق يقدر على التحفظ والتحصن منه. وفي المسألة قول رابع: في العكس بين أن يكون فائدة لمن يوزع الجيش ويضبطه، فلا يكون جائحة، أو يكون ممن يغلبه أشرار جنده، ولا يخافون من استطارة شرار ناره إذا أورى زناده، أو يكون في نفسه مجبولًا على الفساد وسعى في خراب البلاد: فإنه يكون جائحة، وكذلك السارق. وهذا التفصيل رأيته لبعض المتأخرين، وذهب بعضهم إلى أن ما في "الكتاب" يرجع إلى اختلاف أحوال، وأن ابن القاسم إنما تكلم عن الجيش الذي لا ينضبط، والسارق المجهول، وعبد الملك تكلم على ما هو مضبوط، والسارق المعروف، والأمر محتمل لما قالوه، وصلى الله على نبينا محمَّد وآله وصحبه.

стр. 3026

كتاب كراء الرواحل والدواب

стр. 3027

كتاب كراء الرواحل والدواب تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها ست مسائل: المسألة الأولى في حكم كراء المعين والمضمون اعلم أن الكراء على وجهين: مضمون ومعين. فالمضمون: أن يقول أكرني دابة، أو راحلة، وسواء كان ذلك ببيان، أو بغير بيان، فإن الكراء جائز بشرط تعجيل أحد الطرفين؛ إما الأجرة، وإما الاستيفاء خيفة الدَّين بالدَّين متى لم يحصل أحد الطرفين كالسلم الثابت في الذمة، إلا أن مالكًا قد سامح في الحج إذا وقع في الكراء قبل إبانة أن يتأخر الشروع إلى وقت الأرش، وإن لم يقبض المكرى جميع الكراء، ولكن يقدم له المكتري جميع الأجرة دينارًا أو دينارين؛ لأن الأكرياء قد قطعوا أموال الناس. ولم يختلف قوله في الحج، وإنما اختلف في غير الحج؛ فقال مرة: لا يجوز أن يتأخر شيء من الأجرة، وهو التباس كالسلم، وجوزه تارة كالحج للضرورة العامة لأبناء الدنيا الكافة العامة الورى. ولا ينفسخ الكراء بموت الدابة في المضمون، إلا أن المكري إذا قدم الدابة للمكتري يركبها، فليس له أن يزيلها من تحته إلا برضاه. وإن فلس المكري: كان المكتري أحق بها من الغرماء إلى منتهى غايته إلا كان قبضها. فإن كان ببدل لدواب من تحته، فهو أحق بما كان تحته يوم التفليس. وإن كان قد نزل عنها، وأخرجت إلى الرعي: فليس ذلك بمانع من

стр. 3028

أن يكون أحق به من الغرماء، وهو قول ابن القاسم في "العتبية" وغيرها، على ما سنوردها بيانًا فيما يلي في أثناء هذا الكتاب إن شاء الله. فإن فلس المكري قبل أن يقبض المكتري الدابة كان أسوة الغرماء. وأما المعين فإن شرع في الاستيفاء، فهل يجوز نقد الكراء أم لا؟ فإن تأخر الشروع إلى أجل قريب جاز، وإن نقد على خلاف في حد القرب؛ لأن مالكًا يرى العشرة الأيام في حيز القليل وأباه ابن القاسم. وأما إلى أبعد من ذلك: فلا يجوز النقد فيه بوجه؛ لأن النقد مع الفوات سلفًا، ومع الحياة بيعًا. واختلف في العقد العري عن النقد على قولين منصوصين في المذهب: أحدهما: الجواز، وهو قول ابن القاسم. والثاني: المنع، وهو قول الغير، ووجهه: أنه لا فائدة في العقد إذا تراخى عنه المقصود الذي هو الشروع في الاستيفاء، إلا محض التخيير قياسًا على البيع. ووجه القول بالجواز: أن اليسير معفو عنه في العقود، وتقدم العقد لا يمنع منه مخافة فوات المقصود، وإنما يقدح ذلك في النقد. والفرق بين الكراء، والشراء من وجهين: أحدهما: أن النافع المعقود عليها في الكراء غير متعينة، والأعيان المعقود عليها في الشراء متعينة. ولعدم التعيين في إباحة التأخير في المبيع، ولوجود التعيين تأثير، ومنع التأخير في الشرع، والصافي ينافي المقتضى والوصفين، فمقتضى مطلق إطلاق العقد في الشراء تخير العوض؛ فتأخيره يؤثر في مقتضاه، وفي الكراء تأخير العوض، فتأخيره لا يتأثر به المقتضي، فتنافى المقتضي

стр. 3029

والوصفين، اختلف جواز الصورتين. وأما فسخ الإجارة بفوات المعين فعلى ضربين: عين مستأجر عليها، وعين مستأجر لها. فأما العين المستأجر عليها: فإن الإجارة تنفسخ بفواتها، إجماعًا من أهل المذهب من غير خلاف -أعلمه في هذا الوقت- كالدابة المعينة، والراعي، والطير، وسائر الأعيان المعقود عليها. ووجه هذا: أن العقد إنما ارتبط بعين مقصود تأثر بفواته؛ إذ الخلف لا يكاد يوازي التالف؛ وعليه يجوز الخلف إذا تراضيا، ويكون ذلك كراء مبتدأ. فإن نقده: فلا يخلو موت الدابة من أن يكون في مستعتب أو في مسبعة. فإن كان في مسبعة ومضيعة: فإن ذلك جائز للضرورة، وقال ابن حبيب: جائز للضرورة، وقال ابن حبيب: كما يجوز للمضطر أكل الميتة. فإن كان في مستعتب، فهل يجوز ذلك أم لا؟ على قولين قائمين من "الكتاب": أحدهما: أن ذلك لا يجوز، وهو قول ابن القاسم؛ لأن ذلك فسخ دين في دين. والثاني: أن ذلك جائز، وهو قول أشهب؛ لأنه إنما تحول إلى الانتفاع بشيء معين، فجعل قبضه إياه لاستيفاء المنافع منه قبضًا بجميع المنافع. وأما المعين المستأجر لها إذا كان معينًا، هل تنفسخ الإجارة بتلفه أم لا؟ على أربعة أقوال:

стр. 3030

أحدها: أن الإجارة لا تنتقض؛ لأن تعيين المعين المستأجر على حملها إنما هو صفة لما يحمل، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" و"العتبية"، وبه قال ابن المواز، وهو مشهور المذهب. والثاني: [أن] (١) الإجارة تنتقض بتلفه، وهو قول أصبغ، وروايته عن ابن القاسم، ويكون له من كرائه ما سار من الطريق. والثالث: التفصيل بين أن يكون تلفه من قبل ما عليه استحمل، أو من أمر سماوي. فإن كان تلفه من قبل ما عليه استحمل: انفسخ الكراء فيما بقى، وكان له من كرائه بقدر ما مضى من الطريق. وإن كان تلفه بأمر سماوي: أتاه المكتري، ولم ينتقض الكراء بينهما، وهو قول مالك في "العتبية". والرابع: أنه إن كان تلفه من قبل ما عليه استحمل: انفسخ الكراء، ولم يكن فيما مضى كراء. وإن كان تلفه بأمر سماوي: أتاه المكترى بمثله، ولم ينفسخ الكراء، وهو مذهب ابن القاسم في "المدونة" وروايته عن مالك. وسبب الخلاف: اختلافهم في تعيين الحمل المستأجر على حملها، هل يتعين بالتعيين، أو تعيينه يعد كالصفة؟ وهو اختيار القاضي أبي محمَّد عبد الوهاب، والحمد لله وحده.

стр. 3031

المسألة الثانية في التعدي في الكراء ولا يخلو ذلك من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يتعدى بالزيادة على الزمان. والثاني: أن يتعدى بالزيادة على المكان. والثالث: أن يتعدى بالزيادة على الحملان قدرًا، أو ضررًا. فالجواب عن الوجه الأول: إذا تعدى بالزيادة على الزمان؛ مثل أن يكتري دابة شهرًا، ثم حبسها بعد انقضاء الشهر: فلا يخلو صاحبها من أن يكون حاضرًا معه، أو غائبًا عنه. فإن كان حاضرًا معه: فلا ضمان على المكتري المتعدي -سلمت أو هلكت، زادت أو نقصت، حبسها بعد المدة يسيرًا أو كثيرًا- وإنما عليه الكراء خاصة. والعلة الموجبة لإسقاط الضمان عنه حضور صاحبها معه؛ فكأن تركه إياها في يد المكتري مع القدرة على أخذها رضًا بأمانته. فإن كان عنه غائبًا ونائيًا غير ثاوٍ: فلا يخلو من أن يحبسها بعد مدة الكراء يسيرًا، أو كثيرًا. فإن كان يسيرًا؛ كاليوم ونحوه، والدابة قائمة لم تتغير تغيرًا يوجب الضمان: لم يضمنه المكتري، وإنما يضمن الكراء مع النقصان إذا كان يسيرًا. فإن فاتت فواتًا حسيًا أو معنويًا: فصاحبها مخير بين التضمين، أو

стр. 3032

أخذ كراء المدة التي حبسها فيها مع الكراء الأول. فإن حبسها عن زمن الكراء مدة كثيرة مما تتغير فيها الدابة كالشهر، أو مدة لا تتغير فيه: فالمكري بالخيار بين أن يضمن، أو يأخذ الكراء. فإن اختار أخذ القيمة: فقيمتها يوم التعدي. فإن اختار الكراء: فقد اختلف فيه في "الكتاب" على قولين: أحدهما: أنه له كراءها عليها معطلة، وهو قول ابن القاسم، وكيفية معرفته أن يقال: ما كراءها معطلة شهرًا، محبوسة عن منافع ربها، فما قيل في ذلك حكم له به، وقيل غير هذا، وهو أصح. والقول الثاني: التفصيل بين أن يكون رب الدابة ثاويًا معه، أو نائيًا عنه. فإن ثوى معه: فله بحساب الكراء الأول، فإن نأى عنه: فله الأكثر من المسمى، أو كراء المثل، وهو قول غيره في "الكتاب". والجواب عن الوجه الثاني: وهو التعدي بالزيادة على المكان؛ مثل أن يكتريها إلى مسافة معلومة فزاد عليها، ولا تخلو تلك الزيادة أن تكون مما يعطب في مثله أم لا. فإن كان مما لا يعطب في مثله؛ كزيادة الميل ونحوه، فسلمت: فليس لربها إلا الكراء. فإن عطبت: فلا يخلو من أن تعطب في مسافة التعدي، أو بعد أن رجعت إلى مسافة الإذن. فإن عطبت في مسافة التعدي، هل يضمن أم لا؟ قولان قائمان من "المدونة":

стр. 3033

أحدهما: وجوب الضمان عليه، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الرواحل والدواب". والثاني: أنه لا ضمان عليه، وهو قول ابن القاسم، وابن وهب في "كتاب الجعل والإجارة" في مسألة استخدام العبد واليتيم. فإن عطبت بعد أن رجعت إلى المسافة المأذون فيها، فهل يضمن أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: وجوب الضمان عليه، وهو ظاهر قوله في "كتاب الرواحل والدواب"؛ حيث قال: إذا زاد على المسافة فعطبت: ضمن، فظاهره ألَّا فرق بين أن تعطب في مسافة التعدي، أو بعد أن رجع بها إلى المسافة المأذون فيها، وهو قوله في "كتاب العارية" أيضًا، ورواه ابن القاسم عن مالك أيضًا. والثاني: أنه لا ضمان عليه، وإنما عليه كراء الزيادة مع كراء الأول، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "كتاب الرواحل والدواب" أيضًا؛ حيث قال: ولو ردها بعد زيادة ميل أو أميال، أو بعد أن حبسها اليوم ونحوه: لم يضمن إلا الكراء -يريد: وإن هلكت. ويحتمل أن يريد بذلك ردها إلى المسافة المأذون فيها. والتأويل ظاهر -لقوله: أو بعد أن حبسها اليوم ونحوه، إلا أنه يستقرأ من "كتاب العارية" ما هو أظهر من هذا: إذا زاد على الحمولة ما لا يعطب في مثله فالمكري بالخيار بين أن يضمنه قيمته يوم التعدي، أو يأخذ كراء الزيادة. وله في الوجهين كراء الأول -سلمت أو هلكت.

стр. 3034

والجواب عن الوجه الثالث: وهو الزيادة على الحملان قدرًا أو ضررًا؛ مثل أن يكري لحملان الأردب، فحمل أكثر منه، أو أكثر الحمل المتاع، فحمل عليها وزنه حديدًا أو رصاصًا، أو ما ضرره أكثر من ضرر ما أكراها له، فإن كانت تلك الزيادة يسيرة لا تعطب في مثلها، أو يكون ما بين الضررين تفاوت يسير مما الأغلب من الجميع السلامة، فسلمت الدابة: فلا ضمان عليه، قولًا واحدًا في المذهب، وله كراء تلك الزيادة؛ يقال: كم يكرى لهذه الزيادة على مثل هذه الدابة المثقلة، فما قيل فيه، فله أخذه. فإن عطبت من ذلك، فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه لا ضمان عليه، وهو نص "المدونة"، وهو المشهور في النقل. والثاني: وجوب الضمان عليه، وهو مذهب سحنون في غير "المدونة" وهذا القول قائم من "المدونة" من مسألة الزيادة على مسافات ما لا يعطب في مثله، فعطبت الدابة؛ إذ لا فرق بين السؤالين إلا شيئًا ذكره بعض المتأخرين أضربتُ عن ذكره لضعفه. فإن كانت تلك الزيادة مما يعطب في مثلها: فللمكري أن يضمنه -سلمت أو هلكت- إلا في زيادة الحاج إذا زاد زيادة معروفة غير خارجة عن المألوف، فإنها تشد عن هذا التحصيل. ويلتحق بهذا التقسيم وجه آخر؛ وهو أن يكتري إلى مسافة، فصرفها إلى مثلها في السهولة والوعورة، والخصب والجدب، أو يكتريها لركوبه، فركب عليها من يساويه في الثقل والخفة والسوق والأمانة: فلا خلاف -أعلمه- في المذهب بعد الوقوع أنه لا يضمن.

стр. 3035

وهل يجوز ذلك للمكتري ابتداءً؟ فالمذهب على أربعة أقوال: أحدها: الجواز جملة بلا تفصيل، وهو قوله في "الكتاب"؛ حيث قال: وأكثر قول مالك أن ذلك في الحياة. والثاني: المنع جملة، وهو قول الغير في صرفها إلى مسافة أخرى، وقال: لأن ذلك فسخ دين في دين، والمسافة والراكب سواء. والثالث: التفصيل بين الإذن، وعدمه؛ فإن أذن له في ذلك رب الدابة: جاز، وإلا لم يجز، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب" في المسافة أيضًا. والرابع: التفصيل بين الراكب والمسافة؛ فيجوز في الراكب، ولا يجوز في المسافة، وإن أذن له رب الدابة. وسبب الخلاف: اختلافهم في محل الاستيفاء، هل يتعين بالتعيين، أو لا يتعين؛ فعلى القول بأنه يتعين بالتعيين: فلا يجوز؛ لأن الأعيان تتعلق بها الأغراض بخصائص صفاتها، وقد يختار المكري مسافة على مسافة أخرى لغرض له، وإن اتفقت المسافتان في الغاية والوعورة والسهولة والجدوبة والخصوبة. ويختار الشخص على شخص، وإن اتفقا في جميع الصفات لغرض ما. وعلى القول بأنه لا يتعين فيجوز، إذ لا علة تبقى، وما عداها من الأقوال فإنها جارية على الاستحسان، والحمد لله وحده.

стр. 3036

المسألة الثالثة في اختلاف المتكاريين وهذه المسألة مشهورة في الطُّبُولِيَّات، معدودة من جملة المشكلات، وقد تعرض لشرحها أكثر الأشياخ، وأطنبوا في شرحها بالبيان والإيضاح، غير أن كلامهم على الجمليات، ولم يتعرضوا للجزئيات، ومن حق الفروعي الدرب بالمذهب والتشوف إلى الحقائق، والوقوف عليها، والتصدي لجزئيات دقائق الفقه. ونحن الآن نلخص هذه المسألة تلخيصًا لم نسبق إليه، ونحصل الإشكال الواقع في الكتاب، وما احتوت عليه بواطن الأبواب، فنقول -وبالله التوفيق: لا يخلو اختلافهما من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يختلفا في الكراء. والثاني: أن يختلفا في نوعه وجنسه. والثالث: أن يختلفا في عدده وصفته. فإن اختلفا في نوعه وجنسه؛ مثل أن يقول أحدهما: وقع الكراء بدنانير، وقال الآخر: بدراهم، أو قال أحدهما: بطعام، وقال الآخر: بل بدنانير: فالحكم في هذا الوجه التحالف والتفاسخ من غير اعتبار بالأشباه، باتفاق المذهب قبل الركوب وبعد الركوب، ويكون له فيما ركب كراء المثل. فإن اختلفا في عدده وصفته؛ مثل أن يقول أحدهما: وقع الكراء بعشرة، وقال الآخر: بل بخمسة، أو يدعي أحدهما أن الكراء بدنانير

стр. 3037

هاشمية، والآخر يقول: بدنانير عتق: فلا يخلو من أن يختلفا قبل الركوب، أو بعد الركوب يكون عليه الرجوع ضرر. فإن كان قبل الركوب، أو بعد ركوب يسير لا ضرر عليه في الرجوع: فقد اختلف فيه المذهب على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: التحالف والتفاسخ من غير اعتبار بالأشباه، وهو نص "المدونة". والثاني: مراعاة الشبه فيه؛ فيقبل قول من ادعى منهما، وهو ظاهر قوله في "كتاب السلم الثاني" من "المدونة" حيث قال: القول قول مدعي الحال منهما. وعلى القول بأن الأشباه لا تراعى، فهل يعتبر النقد فيقبل قول من أجازه وجوزه؟ فالمذهب على قولين قائمين من المدونة من "كتاب الرواحل والدواب"، و"كتاب تضمين الصناع". أحدهما: أنه لا يعتبر النقد، ولابد من التحالف والتفاسخ مع وجوده، وهو قول ابن القاسم. والثاني: أنه يعتبر، وأن القول قول المكري إذا انتقد، وهو قول غيره. فإن اختلفا بعد ركوبه يكون عليه في الرجوع ضرر: فالقول قول المكتري إن أشبه ما قال -نقد أم لا- لأنه قد فوت بعض المنافع بالتمكين، على القول بأن فوات البعض كفوات الكل. فإن لم يأت بما يشبه: فالقول قول المكري مع الشبه. فإن ادعياه: فالقول قول المكتري. فإن اختلفا: فلا يخلو موضع الاختلاف من أن يكتري: فالتحالف

стр. 3038

والتفاسخ بينهما في الحال، ومن نكل منهما: قُبل عليه قول الحالف. وإن نكلا جميعًا هل يكون النكول كالتحالف أم لا؟ على قولين؛ وقد قدمناهما في "كتاب السلم الثاني". فإن كان في مسبعة ومضيعة، هل يقع التحالف بينهما في الحال، أو يكون له في المستوفي كراء المثل، أو لابد أن يبلغه رأس كراء المسافة، أو يجد مستغنيًا دونه؟ قولان قائمان من "المدونة": أحدهما: أنه لابد من التحالف والتفاسخ في الحال دون امتداد، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الرواحل والدواب". والثاني: أنه لابد من المد إلى رأس المسافة، أو يجد محطًا دونه، وهو ظاهر قول الغير في "كتاب كراء الأرض" من "المدونة" في باب الدعوى في الكراء، ويكون له في الجميع كراء المثل. ولا فرق عند ابن القاسم بين المعين والمضمون وغيره في المدونة فرق بين الراحلة المعينة والمضمونة. وقد اختلف المتأخرون في تأويل قوله؛ فمنهم من حمل قول الغير على مسألة التفليس؛ لوقوع كلامه عقيب التفليس، فيكون المكتري أولى بالمعين من الغرماء، وهو في المضمون أسوة، وهو ظاهر كلام حمديس، وعليه تأوله القاضي ابن سهل الأندلسي من شيوخ المذهب، وهو قول ابن المواز. ومنهم من تأوله على مسألة المسافة -وهو الأصح- بيد أنهم اختلفوا في هذا الوجه من التأويل أيضًا في ماذا يقع التحالف على قولين: أحدهما: أن التحالف والتفاسخ في بقية المسافة في الراحلة كالدور؛ لأن الدور محل الاتفاق؛ إذ لا ضرر عليها في الفسخ، بخلاف الراحلة

стр. 3039

المضمونة، فإنها في الذمة، وهو تأويل ابن أبي زمنين على "المدونة". والثاني: أن التفاسخ بعد التحالف في المضمون دون المعين؛ لأن المضمون في الذمة غير مقبوض، والتحالف يكون فيما لم يقبض، وأما المعين فيبلغه إلى رأس المسافة. والجواب عن السؤال الثاني: إذا اختلفا في المسافة؛ مثل أن يقول المكري إلى برقة بمائة، ويقول المكتري: إلى أفريقية بمائة. فلا يخلو من أن يكون قبل الركوب، أو بعد الركوب الكثير. فإن كان قبل الركوب، أو بعد الركوب اليسير: فالكلام فيه كالكلام في فصل اختلافهما في مقدار الكراء صرفيًا، وقد بيناه. وإن كان بعد الركوب الكثير، وقد بلغا الغاية أم لا. فلا يخلو من أن يكون قبل النقد أو بعده. فإن كان قبل النقد، فلا يخلو من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يتفقا في الشبه، أو ينفرد به المكتري. والثاني: أن يتفقا على مخالفة الشبه. والثالث: أن ينفرد به المكتري دون المكترى. فإن اتفقا على مصادقة الشبه، وانفرد به المكتري. فإنهما يتحالفان، ويفسخ الكراء بينهما في الغاية المختلف فيها، ويقبل فيها قول المكري أنه لم يناوله العقد، من غير اكتراث بالأشباه، ويقبض الكراء على المسافتين، فما ناب المسافة المتفق عليها كان للمكري، ويستوفي المكتري بقيمتها قبل التناهي إلى نهايتها. وما ناب المسافة المختلف فيها يسقط عن المكتري بفسخ الكراء فيها.

стр. 3040

ومن نكل منهما كان القول قول الحالف؛ لأن النكول كالإقرار على مشهور المذهب. وإن اتفقا على مخالفة الشبه: فالتحالف والتفاسخ في المسافتين جميعًا باتفاق المذهب، ويكون له في المستوفي كراء المثل إن بلغ الغاية المتفق عليها. فإن اختلفا قبل بلوغها: فإنه يتخرج على التفصيل الذي قدمناه إذا كانت في متعتب أو في مسبعة، فلا معنى لإعادته مرة أخرى. والناكل منهما كالمقر كما تقدم، والحالف مصدق لنكول صاحبه، وإن أخطأ الشبه. فإن انفرد المكري بالشبه دون المكتري: فالقول قوله مع يمينه، فإن نكل: كان القول قول المكتري، ويركب إلى حيث ادعى، وإن أخطأ الشبه؛ لأن المكري قد مكنه بنكوله. فإن كان اختلافهما بعد النقد: فلا يخلو من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يتفقا في الشبه، أو يتفرد به المكري. والثاني: أن يتفقا على خطأ الشبه. والثالث: أن يتفرد به المكتري. فإن اتفقا في الشبه، أو تفرد به المكري: كان القول قول المكتري مع يمينه، ويكون له جميع ما انتقد إلى الغاية المتفق عليها، فإن نكل: حلف المكتري وركب إلى الغاية التي ادعاها بما نقد. فإن اتفقا على عدم الشبه: فإنهما يتحالفان ويتفاسخان في المسافة المختلف فيها [وللمكتري] (١) المسافة المتفق عليها بكراء المثل إن استوفاها،

стр. 3041

وله الركوب إلى غايتها: إن اختلفا قبل بلوغها على التفصيل الذي قدمناه، وكراء المثل في ذلك بالغ ما بلغ، كان أكثر مما انتقد أو أقل -ومن له الدرك على صاحبه فليرجع عليه به. فإن انفرد المكتري بالشبه: فإنهما يتحالفان ويقبض الكراء المنقود على المسافتين؛ فما ناب المسافة المتفق عليها كان للمكري، وما ناب المختلف فيها سقط عن المكتري. والجواب عن الوجه الثالث: وهو اختلافهما في الأمرين؛ المسافة والكراء؛ مثل أن يقول المكري: اكتريت منك إلى المدينة بمائتين، ويقول المكتري: إلى مكة بمائة: فالتحالف والتفاسخ في المسافة المختلف فيها من غير اعتبار بالنقد، ولا بالشبه؛ لأن المكري مدعى عليه بيع ما لم يقر ببيعه، كاختلافهما في مبتدأ الأمر قبل الركوب، سواء إذا نكل المكري عن اليمين: كان القول قول المكتري من غير اعتبار بالنقد، ولا بالقيمة؛ لأن المكري قد مكنه بنكوله. وأما المسافة المتفق عليها: فلا يخلو الأمر فيها من أن يكون ذلك قبل الركوب، أو بعد الركوب. فإن كان ذلك قبل الركوب: فالتحالف والتفاسخ اتفاقًا من غير مراعاة الشبه، ولا النقد. فإن كان بعد الركوب الكثير، وقد بلغ الغاية المتفق عليها أم لا: فلا يخلو من أن يكون قبل النقد أو بعد النقد. فإن كان قبل النقد، فإن اتفقا في الشبه، وانفرد به المكتري: فالقول قوله مع يمينه، ويقبض ما أقرَّ به من الكراء على المسافتين؛ فما ناب مسافة المدينة كان للمكري، وما ناب مسافة مكة سقط عن المكتري، ويكون له

стр. 3042

الركوب إلى المدينة إن اختلفا قبل بلوغها. فإن اتفقا في عدم الشبه: فإنهما يتحالفان، ويكون للمكري كراء المثل في المسافة المتفق عليها بالغ ما بلغ، فمن نكل منهما: قبل عليه قول صاحبه مع يمينه، كما سبق. فإن انفرد المكري بالشبه دون المكتري: كان القول قوله مع يمينه، ويكون له جميع ما ادعاه. فإن كان اختلافهما بعد النقد: فإن اتفقا في الشبه، أو انفرد به المكري: كان القول قوله فيما انتقد مع يمينه -كان ما انتقد كل الذي ادعى أو بعضه- ويحلف له المكتري فيما لم ينقده. فإن اتفقا على عدم الشبه: فالتحالف والتفاسخ، ويكون المكري في المسافة المتفق عليها كراء المثل. فإن انفرد المكتري بالشبه: فالقول قوله مع يمينه، وتقبض المائة على المسافتين؛ فما ناب المسافة المتفق عليها: كان المكري، وما ناب المسافة المختلف فيها: رده المكري على المكتري. فإن نكل عن اليمين: كان القول قول المكري، ويأخذ ما ادعى؛ لأن المكتري مكنه بنكوله، والحمد لله حده.

стр. 3043

المسألة الرابعة في الحمل التالف قبل بلوغ الغاية ولا يخلو تلفه من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون بسبب حامله. والثاني: أن يكون بسبب سماوي. والثالث: أن يجهل السبب. فأما الوجه الأول: فلا يخلو من أن يكون ذلك على معنى الغلبة والاضطرار؛ كالعثار غير المعتاد، وانقطاع الحبال المشدود بها المتاع، ولم يفر منها، وانفلات الدابة والسفينة بما عليها حتى تكسر أو تبدد، هل الكراء بينهما قائم، أو يفسخ؟ قولان: أحدهما: أن الكراء يفسخ بينهما، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب"، ولا فرق عنده بين السفينة والدابة والحامل على رقبته. والثاني: أن الكراء قائم بينهما، وهو قول الغير في "الكتاب" فيما عدا السفينة. وسبب الخلاف: اختلافهم في العمل المستأجر على حمله، هل يتعين أو لا يتعين؛ فمن قال يتعين: قال بفسخ الكراء، ومن رأى أنه لا يتعين قال: الكراء بينهما قائم، ويكلف المكتري الإتيان بمثل الحمل الأول يحمل إلى الغاية التي وقع الكراء إليها. وعلى القول بأن الإجارة تنفسخ، هل للمكري من الكراء بحساب المستوفي من المسافة أم لا؟

стр. 3044

على قولين منصوصين في "الكتاب": أحدهما: أنه لا شيء له، ولا عليه جملة، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب". والثاني: أن له حساب المستوفي في السفينة دون غيرها، وهو قول ابن نافع في "الكتاب". وسبب الخلاف: اختلافهم في ذلك، هل ذلك إجارة، أو جعالة؛ فمن رأى أن طريقه طريق الجعالة قال: لأنه ولاه عليه ولا يطلب، ولا يطالب بدليل العرف؛ لأن الناس على البلاغ يدخلوا في مثل ذلك، والمتعارف كالمتشارط لا جرم علق الاستحقاق بالفراغ به الذي هو تمام النفع، إلا أن يشترط التوزيع فيحكم به؛ لأن ذلك من خاصية الإجارة. ومن رأى أنها من طريق الإجارة قال: يوزعها على المسافة؛ لأنه على الإجارة عقد فنحا نحوه، على ما قدرنا في ملاحظة الفرق من حيث اللفظ في "كتاب الجعل والإجارة" قال: فإنه يكون له بحساب ما مضى من المسافة. فإن كان ذلك على معنى الترفه والاختيار؛ كالحمل على الدابة المتمرنة على الكبو والعثور، أو الشد على الحبال المتمزقة هما للعدول، فهناك يفترق العروض من الطعام في الكراء، ويتفقان في الضمان؛ ففي العروض يكون له كراء المستوفي من المسافة ويضمنها، وينفسخ ما بينهما أيضًا. واختلف في وقت الضمان على قولين منصوصين في المدونة: أحدهما: أنه ضامن في موضع التلف، وهو قول ابن القاسم. والثاني: أنه ضامن من وقت التعدي إن أراد المكتري، وهو قول غيره

стр. 3045

في "الكتاب". ووجه قول ابن القاسم: أن المكري لم يتحقق تعديه إلا وقت التلف لجواز السلامة، وإنما يتحقق وصفه بالتعدي؛ لأن وقع الأمر المحذور، ويوجب ضمانه حينئذ لا قبله. ووجه قول غيره: أن الكري غار، ووبال الغرور على الغار؛ لأن المعرض كالمصرح في بعض المحال، وهذا الغار قد عرضه للتلف حين حمله على النعت المذكور، فصار كالتلف حينئذ، وإن شاء ضمنه وقت التلف لكمال العدوان ساعتئذ قطعًا؛ لأنه من يوم العقد والرفع صار متعديًا، والعداء مصطحب عليه إلى أن يتحقق التلف، فيكون مخيرًا عليه، بخلاف الغاصب؛ لأن ضمانه تفويت يد، وتفويت يد كتفويت عين؛ فلم يتخير في الغاصب لكمال العدوان بوضع اليد المبطلة بإزاء اليد المحقة. وقد ذهب بعض المتأخرين إلى التعليق والتأليف بين قول ابن القاسم والغير؛ وهو أن قول ابن القاسم لم ينف التخيير الذي صار إليه الغير، وإنما قال قيمته في موضع التلف؛ لأنه ذكر في صدر المسألة أن قيمته بالعريش أضعاف قيمته بالفسطاط، والإنسان عادة وعرفًا يختار الأكثر، وعليه خرج جوابه. وهذا تأويل ينتج منه تلفيق الأقوال. ومسألة "الكتاب" صورها في الزيت والطعام إذا جهلت مكيلته ووزنه: فحكمه حكم العروض في القيمة، وأما الطعام: فإن الحمال يضمن مثله في البلد الذي اشترط الوصول، ويكون له جميع الكراء. وإنما كان ذلك كذلك؛ لأنَّا لو لم نقل به لأدى ذلك إلى خرم أحد الأصلين من المتماثلين؛ إما ألا يضمن أصلًا ورأسًا مع تحقق العدوان،

стр. 3046

وذلك ما لا سبيل إليه؛ لأنه إهدار في محل الإحرام والإكرام. أو يضمن في موضع التلف، وذلك أيضًا إبطال لما أصلناه، وإهدام لما أسسناه من المصير إلى الفسخ مهما كان الفوات بسبب صدر من المكري الحامل؛ لأن مثل ماله مثل كعينه في نظر الشرع ومقتضى السمع، ولهذا لا يفوت في العقود المردودة، فكان الحكم بغرم المثل في موضع التلف داعية إلى الانعقاد في مظنة الانفساخ. والجواب عن الوجه الثاني: إذا كان التلف بسبب سماوي، أو بسرقة أو يغصب: فهذا لا ينفسخ الكراء بينهما، والكراء للجمال كاملًا، ويأتي المكتري بالحلف إن شاء؛ وإنما قلنا ذلك؛ لأن نفي الفسخ بتلف الحمل هو الأصل، كما أسلفناه، وإنما خرج عنه الفسخ بالإتلاف لما تقدم بيانه. والجواب عن الوجه الثالث: إذا جهل سبب التلف، فإنه يضمن الطعام في بلد الشرط، ويكون له جميع الكراء، وقد قدمنا ذلك. وأما أصل الضمان، فقد تكلمنا عليه فيما مضى من "الكتاب"، ويصدق في العروض. واختلف في الكراء هل ينفسخ بينهما أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه لا ينفسخ، وعليه أن يأتي بالخلف، وهو المشهور. والثاني: أنه ينفسخ، وله كراء ما استوفى من المسافة؛ كالغار، وبه قال ابن حبيب، والحمد لله وحده.

стр. 3047

المسألة الخامسة في هروب أحد المتكاريين ولا يخلو الهارب من أن يكون مكريًا، أو مكتريًا. فإن كان مكتريًا: فالكراء قائم بينهما، ويكري السلطان الإبل عليه، ويستوفي للجمال أجرته من ذلك كأن لم يقبضها، ويتبعه بالباقي إن كان هناك، قال في "الكتاب": فكذلك لو استأجره يحمل له متاعًا من عند وكيله في بلد من البلدان، ثم لم يصادف الجمال الوكيل. فإن الإبل تكرى للمكتري بعد التلوم إن لم يجد الجمال الوكيل، أو وجده وقد تلف المتاع الذي عنده: فلا يخلو من أن يكون الكراء موجود، أو غير موجود. فإن كان الكراء غير موجود في البلد الذي فيه الوكيل: فللجمال الرجوع دون أن يرفع أمره إلى السلطان، إلا أنه يلزمه أن يطلب وينشده في إنشاء الطريق، فإن وجده كان ذلك ما يجب للمكتري ورزقه، وإلا فلا شيء عليه، ويكون له جميع الكراء، ولا يكلف الرجوع ثانية. فإن كان الكراء موجودًا: فلا يخلو من أن يرجع فارغًا، أو أكرى إبله. فإن رجع فارغًا: فهل ينفسخ الكراء بينهما، أو يكلف الرجوع ثانية؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أن الكراء ينفسخ بينهما، ولا شيء للجمال، ولا عليه؛ لأن تكليف الرجوع عليه ضرب وظلم به. وهذا القول مروي عن مالك، وهو ظاهر رواية ابن وهب عنه في

стр. 3048

"الكتاب"؛ لأنه قال: إذا انصرف ولم يدخل على الإمام، ولم يكن والكراء موجود: فلا شيء له، ولم يقل: يكلف الرجوع ثانية. والثاني: أن الكراء قائم بينهما، وأنه يكلف الرجوع ثانية؛ لأنه باع منافعًا فيجب عليه الوفاء بتحصيلها، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب". وقد قال بعض حذاق المتأخرين: إنه إذا لم يجد الكراء في البلد، وكان السلطان، ولم يرفع أمره إليه، ولا دخل عليه أن الكراء بينهما قائم، فيكون الدخول عليه كحكمه بفسخ الكراء على الغائب، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "الكتاب"، فكيف إذا كان الكراء موجودًا، خلاف ما نص عليه ابن وهب في "الكتاب". فإن أكرى إبله فلا يخلو من أن يكريها لنفسه، أو للمكتري. فإن أكراها لنفسه، هل يكلف الرجوع ثانية، أو يخير عليه المكتري؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يكون له الكراء، ويكلف الرجوع ثانية في حق المكتري، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب"؛ لأن الكراء غير معين، بل هو في الذمة، فينفذ فيه بيعه؛ لأنه باع ما ضمانه منه. والثاني: أن المكتري مخير عليه؛ إن شاء سلم له ما أخذ في الكراء، ويكلف له الرجوع ثانية، وإن شاء أخذ الكراء إن كان ما به اكترى أولا أو أقل، فإن كان في الثمن فضل فهو للمكري إن انتقد الكراء الأول من المكتري؛ لأنه إن أخذه المكتري، فقد أخذ أكثر مما دفع؛ فصار سلفًا بزيادة. وهو قول ابن حبيب في الواضحة. فإن اكترى للمكتري: فلا يخلو أن يكون الجمال هو المتولي للكراء،

стр. 3049

أو السلطان هو المتولي له. فإن كان الجمال هو المتولي للكراء، فلا يلزم ذلك المكتري؛ لأن الكراء عليه بيع، فلا يتولاه إلا السلطان، أو من أقيم مقامه، وعليه الرجوع ثانية على أصل ابن القاسم. وإن رضي المكتري بصنعه، وأخذ ذلك الكراء: فإن ذلك له -قلَّ أو كثر- إن كان لم ينقده. وإن نقده: لم يجز له أخذ ما زاد على الأول؛ خيفة أن يأخذ أكثر مما أعطى، كما تقدم. فإن كان السلطان هو المتولي للكراء، فذلك لازم للمكتري -قلَّ أو كثر- ويكون عليه الكراء الأول، وإن لم ينقده؛ لعدم التهمة في فعل السلطان؛ لأن ذلك من باب دفع الضرر على معنى النظر. فأما الوجه الثاني: إذا كان الهارب مكريًا: فلا يخلو من أن يهرب بإبله، أو يتركها في يد المكتري. فإن تركها في يد المكتري: استعملها، ويرجع على الجمال بما أنفق عليها، وبما أكرى به من يترحلها، وغير ذلك مما كان اشترطه على الجمال. فإن هرب بإبله، فذلك على وجهين: إما أن يكون الكراء مضمونًا، أو معينًا. فإن كان مضمونًا: فلا يخلو من أن يكون له مال أم لا. فإن كان له مال: فإن السلطان يكرى عليه للمكتري، ويرجع عليه بذلك. فإن لم يكن له مال، هل يكري عليه أم لا؟ على قولين:

стр. 3050

أحدهما: أنه لا يكري عليه، وهو قول في "كتاب ابن المواز". والثاني: أنه يكرى عليه إذا طلب ذلك المكتري لأجل الضرورة، وهو ظاهر "المدونة". فإن كان الكراء معينًا: لم يكر عليه، وإنما مقال المكتري في الفسخ، وهو على ثلاثة أقسام: مفتقر إلى حكم حاكم، أو غير مفتقر إليه، ومختلف فيه. أما المفتقر إليه: فهو إذا لم يتعين الزمن، ولا فات المقصود، فإنه إن رفع إلى السلطان نظر في ذلك، فيفسخه عنه إن كان في الصبر مضرة، ولا يتعجل في الفسخ إن لم يكن فيه مضرة. وأما غير المفتقر إليه فهو الكراء الذي يتقدر بزمن معين، فإنه يفوت بفواته، وإن لم يحكم حاكم. وأما المختلف فيه: فهو ماله إبان يفوت بفواته؛ كالحج، أو يريد الخروج إلى البلدان المتباينة مع القوافل المتعاظمة، فجاءه الجمال بالإبل بعد أن فات له المأمول: فلا يخلو من أن يحكم الإمام بفسخه، هل ينفسخ بعد فوات ذلك كالمعين أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدهما: ينفسخ بفوات الإبان، أو ما هو مثل الإبان كفوات القوافل. والثاني: أنه لا ينفسخ؛ لأنه العقد لازم من طرفيه. والثالث: أنه يفسخ في الحج دون غيره، وهو قول مالك في "الكتاب"، والحمد لله وحده.
следующие страницы →