شبيهة بالإجارة في أنها تلزم بالقول، وشبيهة بالجعالة في أنه لا شيء له إلا بعد بلوغه للحد المشروط؛ فإن بطل قبل ذلك: لم يكن له شيء.
وهل من حقه أن يعيده مرة أخرى؟ قولان:
فإن وقعت هذه المغارسة على الوجه الذي منعنا إيقاعها عليه: فذلك على وجهين:
إما أن يجعل له جزءًا من الأرض، أو لا يجعل له.
فإن لم يجعل له جزءًا من الأرض، ولكن دخل الغارس على أن يكون له جزء من الغرس على الخصوص أو من الثمار بانفرادها: فلا خفاء بفساد ذلك، واختلف في حكمه على قولين:
أحدهما: أنه كراء فاسد.
والثاني: أنه إجارة فاسدة.
ومن جعله كراء فاسدًا كأن الغارس اكترى منه الأرض إلى أمد غير معلوم بنصف الثمرة، أو بنصف الشجر، يدفع ذلك إليه عند الحد المشروط والغروس على ملك الغارس، أو يكون عليه كراء الأرض.
واختلف في حد ما يلزمه فيه الكراء على ثلاثة أقوال:
قيل: يوم أخذه وقبضه.
وقيل: من يوم وضع فيه الغرس.
وقيل: من يوم أثمر الشجر.
وكل ذلك عن ابن القاسم ﵀.
وتكون له الغلة جميعها، ويرد رب الأرض ما فوت منها، ويقلع غرسه إلا أن يشاء رب الأرض أن يأخذ بقيمته.
стр. 3082
ومن جعله إجارة فاسدة: إذا كان رب الأرض استأجر الغارس على أن يغرس له هذه الأرض بجزء من الثمار أو الشجر يدفع ذلك عند بلوغ الحد المشروط: رأى أن الغرس على ملك رب الأرض، ويكون عليه للغارس قيمتها يوم وضعها في الأرض مقلوعة، وأجرة مثله في غرسه وقيامه عليه، وتكون الغلة كلها لرب الأرض، ويرد الغارس عليه ما فوت منها مكيلتها إن عرفت، أو خرصها إن جهلت.
فإن جعل له جزءًا من الأرض، ولكنه أخلَّ ببعض الشروط المذكورة في الصحة، ففي ذلك ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها إجارة فاسدة، وعلى رب الأرض قيمة الغروس وقت وضعت في الأرض، وأجرة المثل للغارس في قيامه به، وخدمته، وحرسه، ومحافظته عليه، وله جميع الغلة، ويرد عليه العامل ما فوت منها، كما تقدم، وهذا مذهب سحنون.
والثاني: أنه بيع فاسد في نصف الأرض، وقد فوته الغارس بالغرس، وتكون عليه فيه قيمته يوم غرسه براحًا، وكراء فاسد في النصف الثاني، ويكون على الغارس فيه كراءه لرب الأرض، إما يوم الأخذ، أو الغرس، أو الإثمار على ما تقدم من الخلاف.
وللغارس قلعه، إلا أن يعطيه رب الأرض قيمته مقلوعًا، وللغارس جميع الغلة، ويرد عليه رب الأرض ما فوت منها. وهذا القول مروي عن ابن القاسم.
والثالث: أنه بيع فاسد في نصف الأرض -كما قدمنا- وفي النصف الثاني إجارة فاسدة، يكون فيه على رب الأرض للغارس قيمة غرسه مقلوعًا يوم وضعه، وأجرة مثله في غرسه، وقيامه عليه إلى وقت الحكم بينهما على ما اشترطناه.
стр. 3083
وقيل: إنه يكون عليه للغارس نصف قيمة الغرس قائمًا، ويحكم فيه من أجل سقيه وعلاجه، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم.
وقيل: إنه يكون عليه قيمة نصف غرسه يوم بلغ وأثمر، وأحرثه من يومئذ في قيامه عليه إلى يوم يحكم فيه، وهو قول ابن حبيب في "الواضحة".
والغلة بينهما في جميع ذلك على ما اشترطناه، والصحيح من ذلك ما بدأنا به أن يكون عليه نصف قيمة الغرس مقلوعًا يوم وضعه في الأرض، وأجرة مثله في غرسه وقيامه عليه إلى يوم الحكم، وهذا يأتي على أن الغرس نصفه على ملك الغارس ونصفه على ملك رب الأرض، وصلى الله على نبينا محمَّد.
стр. 3084
منَاهِجُ التَّحصِيلِ
وَنتَائجُ لَطائِفِ التَّأوِيلِ
في
شَرحِ المدَوَّنَةِ وحَلِّ مُشكِلاتهَا
تَأليف
أبي الحَسَن عليّ بن سَعيد الرجراجي
تَقديم
فَضيلَة الشّيخ الأستاذ الدكتور عَلي عَلي لُقَم
اعتَنَي بِه
أبو الفَضل الدّميَاطي
أحمَد بن عَليّ
الجُزءُ الثَّامِن
مَركز التّراث الثقَافي المغربي
دار ابن حزم
стр. 3085
حُقُوقُ الطَّبع مَحفوظَةٌ
الطّبعَة الأولي
١٤٢٨هـ - ٢٠٠٧م
ISBN ٩٩٥٣ - ٨١ - ٤٣١ - ٧
الكتب والدراسات التي تصدرها الدار تعبر عن آراء واجتهادات أصحابها
مركز التراث الثقافي المغربي
الدار البيضاء - ٥٢ شارع القسطلاني - الأحباس
هاتف: ٤٤٢٩٣١ - ٠٢٢/ فاكس: ٤٤٢٩٣٥ - ٠٢٢
المملكة المغربية
دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع
بيروت - لبنان - ص. ب: ٦٣٦٦/ ١٤
هاتف وفاكس: ٧٠١٩٧٤ - ٣٠٠٢٢٧ (٠٠٩٦١١)
بريد إلكتروني: ibnhazim@cyberia.net.lb
كتاب الشركة
تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها خمس مسائل:
المسألة الأولى في تقاسم الشركة
اعلم أنهم قالوا: إن الشركة على ثلاثة أضرب:
شركة مال، وشركة أبدان، وشركة ذمم.
فأما الشركة بالمال: فالإجماع على جوازها على شروط مختلف فيها، يأتي بيانها في مسألة مفردة إن شاء الله.
فعندنا: أن الربح فيها يتوزع على قدر مالية كل واحد منهما، وعليه يكون العمل.
فإن تفاضلا في المال على شريطة تشطير الربح: لم يجز، وكذلك لو تماثلا في رأس المال على أن يتفاضلا في الربح لم يجز، وفاقًا في الصورتين من المدني والحجازي، خلافًا للعراقي فيهما.
ومستندنا كلام مخيل نجمعه في تحرير، فنقول:
الاشتراط على غير سبيل الاشتراك فلم يجز؛ لأنَّا معاشر العباد ليس إلينا تغيير وضع الأسباب، وإنما إلينا مباشرة الأسباب، وترتيب أحكامها إلى الله تعالى، فإذا كان الأمر هكذا وجب توزيع النماء المستفاد من متخذ الاشتراك على قدر المالية؛ قياسًا للاشتراط على إطلاق المسببات أبدًا لابد أن تكون على وفق الأسباب.
وأما شركة بدن: فهي جائزة وفاقًا من العراقي والمدني، خلافًا للحجازي.
стр. 3090
ولها على رأى المدني ثلاثة شروط:
اتفاق الصنعة، واتحاد البقعة، وعدم التفاضل إلا الشيء المغتفر.
وقولنا: اتفاق الصنعة، مثل أن يكونا خياطين، أو صائغين، أو حدادين؛ احترازًا من أن يكون أحدهما خياطًا والآخر حدادًا، فإن ذلك لا يجوز باتفاق المذهب؛ لما في ذلك من الغرر والخطر؛ إذ قد تتفق صنعة أحدهما وتكسد صنعة الآخر، وذلك من باب أكل المال بالباطل.
وقولنا: اتحاد البقعة؛ احترازًا من أن يكونا في موضعين، هذا في موضع، وهذا في موضع.
فإذا اتحدت الصنعة وتفرقا في المواضع، فهل تجوز الشركة بينهما أو لا تجوز؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها لا تجوز؛ لأن ذلك غرر وأكل المال بالباطل؛ إذ قد يعمل أحدهما، ويتعطل الآخر.
والثاني: أن ذلك جائز، وهو قول أصبغ عن ابن القاسم في "العتبية"؛ حيث قال: فإن اتفقت الصنعة، والحانوتان متفرقان: فلا بأس به.
وقد اختلف المتأخرون في تأويل ما وقع في العتبية هل هو وفاق للمدونة أم لا؟ فمنهم من حمل الكلام على ظاهره، وقال: إن ذلك خلاف.
ومنهم من قال: إن ذلك تباعد المواضع؛ حيث يصير هذا في بلد، وهذا في بلد فلا يجوز، وإن تقاربت المواضع، وتدانت الحوانيت حتى تكون أيديهما تلج في الحانوتين جميعًا، ويتعاونان في العمل: فذلك جائز؛ إذ ليس المقصود بالجلوس في موضع واحد إلا لتقارب
стр. 3091
الأسواق ومنافعه.
وعلى هذا التأويل يتلفق [ما] (١) في الكتابين.
وقولنا: وعدم التفاضل إلا الشيء المغتفر؛ احترازًا من أن يتفاضلا في العمل، ويتفقا في الكسب.
ولا تخلو شركتهما من أن يحتاجا [فيها] (٢) إلى رأس المال أم لا، فإن لم يحتاجا [فيها] (٣) إلى رأس المال؛ كالشركة في تعليم الصغار، فإن تساويا في الحفظ وحسن التعليم: فلا إشكال في الجواز.
فإن كان أحدهما أغزر علمًا، أو أجود تعليمًا، والكسب بتفاضل ذلك، فالمذهب على جواز شركتهما على قولين:
أحدهما: الجواز.
والآخر: المنع.
والقولان لمالك في "الموازية".
فإن احتاجا في شركتهما إلى رأس المال؛ كالحدادين، والإسكافة والقرازين: فإنهم يحتاجون إلى آلة الصنعة والصيد بالجوارح والحمل على الدواب، فهذا لابد لهم من الاعتدال والتساوي فيما يخرجاه، وهل من شرطها الاشتراك في الرقاب أم لا؟.
أما ما لابد فيه من عمل الأيدي؛ كالصناعات بأسرها: فقد اختلف فيها على ثلاثة أقوال:
أحدهما: أنه لابد لهما من الاشتراك في الرقاب.
стр. 3092
والثاني: أنه يجوز، وإن لم يشتركا في الرقاب، ولكنهما يتكاريان ما أخرجاه بينهما، ويؤدي كل واحد منهما كراء نصف ما أخرج صاحبه.
والثالث: أن الشركة جائزة، وإن لم يشتركا في الرقاب، ولا يتكاريانها.
والثلاثة الأقوال كلها لمالك، قائمة من "المدونة" من كتاب [. .] (١) وهي أظهر من أن تتعرض للتنبيه على مواضعها.
وأما ما لا مدخل فيه لعمل اليد لكون عمل اليد فيه تبعًا؛ كالصيد بالبزاة والكلاب، والاحتشاش، والاحتطاب، والحمل على ظهور الدواب: فالمذهب على أربعة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أنه لابد من الاشتراك في الرقاب، والتعاون في العمل، ولا يجوز الافتراق يكون هذا في موضع، وهذا في موضع، وهو قول ابن القاسم، ومالك في "الكتاب".
والثاني: أنه يجوز وإن لم يشتركا في الرقاب إذا اكترى كل واحد منهما نصف ما أخرج صاحبه، ويكون عملهما في موضع واحد، وحملها إلى غاية واحدة، ولا يجوز لهما أن يفترقا، وهو قول مالك في "الكتاب" أيضًا.
والثالث: أن الشركة جائزة، وإن لم يشتركا في ملك الرقاب، ولا تكارياها إذا كان عملهما في موضع واحد، وحملهما إلى غاية واحدة، وهو قول مالك في "الكتاب" أيضًا.
والرابع: التفصيل بين أن يشتركا في الرقاب، أو لم يشتركا؛ فإن اشتركا في ملك الرقاب: فالشركة جائزة، وإن افترقا.
стр. 3093
وإن لم يشتركا في الرقاب: فلا تجوز الشركة حتى يكون عملهما في موضع واحد.
وهو قول ابن حبيب في المشتركين في الدابتين، وهو تأويل بعض الأشياخ على المدونة في الاشتراك في الصيد بالبزاة، والكلاب على اختلاف الروايات في "الكتاب" في إثبات الألف وإسقاطه؛ وذلك أنه سئل هل الاشتراك في الصيد بالبزاة والكلاب؟ فقال: لا أرى ذلك، إلا أن تكون البزاة والكلاب بينهما، ويكون الكلبان، والبازان بيعًا وإن طلبهما واحد، وأخذهما واحد، لا يفترقان.
هكذا في أكثر النسخ، وهي الرواية المشهورة أنه لابد من الاشتراك في الرقاب، وأنه لا يجوز الافتراق.
ووقع في بعض الأمهات رواية بزيادة الألف في قوله: "أن يكون الكلبان والبازان يتعاونان"، فاستخرج منها بعض الأشياخ أن الاشتراك إذا حصل بينهما في الرقاب: لم يلزم اجتماعهما، وجاز الافتراق، كما هو منصوص عليه في الدواب في "كتاب ابن حبيب"؛ بناء على أن الجوارح كرؤوس الأموال؛ لأن الجوارح معظم عمل الصيد، إذا اشتركا فيها لم يضرهما الافتراق؛ كما لو اشتركا بالمال، فسافر هذا إلى ناحية، وهذا إلى ناحية.
فأما الضرب الثالث: وهي الشركة بالذمم: فلا تخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يشتركا في شيء بعينه: فهذا جائز، ويتتبع كل واحد من ثمن تلك السلعة بقدر نصيبه.
والثاني: اشتراكهما في معين على أن يتعين كل واحد منهما لصاحبه؛ فإن كانا معتدلين فيها: جازت الشركة والبيع، وإن كانا مختلفين فيها: لم تجز.
стр. 3094
والثالث: أن يشتركا على غير معين: فهذا لا يجوز، فهذا من باب تحمل عني وأتحمل عنك، وأسلفني وأسلفك، فإن نزل ووقع هل ينفرد كل واحد منهما بما اشتركا، أو يكون بينهما؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن ذلك لا يجوز، ولكل واحد منهما ما اشتراه، وهو ظاهر "المدونة"؛ لأنه قال: لا تعجبني هذه الشركة، وهو مذهب سحنون.
والثاني: أن كل ما اشتراه أحدهما، فإنه يكون بينه وبين صاحبه، وهو ظاهر قوله في باب شركة المفاوضة؛ لأن صاحبه قد أمره أن يشتري عليه.
وقال بعض المتأخرين: هكذا كان في هذا الباب في "الأسدية" بعد قوله لا تعجبني هذه الشركة، قال: فإن نزلت: رأيت أن يكون ما اشترى كل واحد منهما يلزم نصفه صاحبه؛ لأنه قد اشتراه بإذن صاحبه.
وقال حمديس: كأنه حمله على محمل الوكالة، ولأصبغ نحوه.
стр. 3095
المسألة الثانية في الشركة في النصف المتحد والمتعدد
اعلم أن المال الذي ذكرنا الإجماع على جواز الشركة به لا يخلو من وجهين: إما أن يكون صنفًا واحدًا، أو أصنافًا.
فإن كان صنفًا واحدًا؛ كالدنانير من كليهما، أو الدراهم، أو الطعامين من صنف واحد، أو العرضين من صنف واحد؛ أما العين: فالإجماع على جواز الشركة به عند اتحاد الجنسية، وكذلك العرضين من صنف واحد -عندنا.
أما بالطعامين المتفقين ففي جواز الشركة بينهما قولان منصوصان في الكتاب:
أحدهما: أنها جائزة، وهو قول ابن القاسم، وهو أحد قولي مالك في "الكتاب": وقد رجع مالك عن إجازة الشركة بالطعامين إن تكافئا، فلم يجزه لنا منذ لقيناه، ولا أعلم للكراهية فيه وجهًا.
وهذا القول الثاني منصوص عن مالك في "الكتاب"؛ حيث قال: ولا تجوز الشركة عند مالك بشيء من الطعام، والشراب -كان مما يكال أو يوزن أم لا، من صنف واحد، أو من صنفين.
فإن كانا أصنافًا مختلفة؛ كالطعامين المختلفين أو العرضين المختلفين، أو الدنانير من عند واحد والدراهم من عند الآخر، أو العرض من عند أحدهما، والعين من عند الآخر، أو بالعرض والطعام: فقد جوز ذلك كله سحنون، واختلف فيه قول مالك، واضطرب فيه قول ابن القاسم.
أما الصنف المحدد: فقد اتفق المذهب على جواز الشركة فيه، إلا في
стр. 3096
الطعامين على ما تقدم.
والدليل الدال على جواز الشركة عند اتحاد الجنسية: الإجماع الواجب الاتباع، المحرم التداع.
أما العرضين المتحدين: فالدليل عليه: عدم العلتين، وفقد المحذورين -البيع والشركة- وعدم جريان الربا فيهما.
أمَّا البيع: فإنه يتصور عند اتفاق الأعراض؛ لأن ما بيد أحدهما مثل ما بيد الآخر، وإنما يتصور التشوف عند اختلاف الأعراض بأن يطمح كل واحد منهما إلى ما بيد صاحبه.
وأما الطعامان المختلفان: وسبب الخلاف فيه أن يقال: من جوزها قاسها على العين؛ لعلة أنه مال ربوي كهو.
ومن منعها: فقد وجه قوله بأربعة معان: منها: عدم المناجزة ببقاء يد كل واحد منهما على شبه الذي باعه، وساغ ذلك في العين؛ لأنها رخصة لا يعقل لها معنى، فلم تقس عليه لخروجه عن قياس الأوضاع ومنهاج القواعد.
ومنها: أن ذلك من جهة الخلط للطعام الجيد بالطعام الردىء، وإذا لم يخلطاهما فكمكتل؛ لأنه بيع عرى عن التقابض.
ومنها: أنه بيع الطعام قبل الاستيفاء؛ لكون كل واحد منهما متصرفًا في النصف الذي باعه لشريكه قبل قبضه له؛ لبقاء يد كل واحد منهما على عين شيئه.
ومنها: أن الشركة تفتقر إلى الاستواء بين الكيل والقيمة، وحصول ذلك عزيز، بخلاف البيع الذي لا يفتقر إلى الاستواء في المعيار الشرعي، ويلزم هذا على ما قاله إلزامًا ينطبق عليه انطباقًا، مخففًا تحرير ذلك في
стр. 3097
الطعامين المختلفين؛ لسقوط الاستواء في المعيار الشرعي فيه، وكل ذلك معدوم في العرضين المتفقين، وكذلك ارتفع النزاع عندنا فيهما.
أما النصف المتعدد: فقد ذكرنا الخلاف فيه؛ فمن جوز على الإطلاق، فقد تحسس إلى جواز البيع، والشركة، ولاسيما إذا كان داخلًا فيهما، وهو مذهب سحنون؛ لأن الدليل الدال على جواز الشركة لم يفصل بين كونها مقرونة، أو مفروزة.
ومن منع ذلك على الإطلاق لم يسلم اجتماع البيع والشركة، وإن كان داخلًا فيهما؛ لأنهما متناقضي المعنى، متنافرين في المغزى.
أما ابن القاسم: فقد أنبأناك باضطراب مذهبه؛ لأنه منع الشركة بالطعامين المختلفين وبالدنانير والدراهم؛ حذار الإخلال بالقاعدتين المدعمتين؛ وهما: عدم المناجزة المشروعة، وجواز البيع والشركة، وجوزها في العرضين المختلفين، وفي العين من واحد، والغرض من آخر؛ لسقوط قاعدة الربا، وإن كان ثم بيع وشراء كمتفقد اغتفره لدخوله فيهما؛ ولأن الدليل الدال على الإجزاء عام في كونها جائزة حسًا وركزًا، فإذا جوزنا الشركة فيما يحرم فيه التفاضل، فإنما نراعي الاتفاق في الكيل والقيمة، وإذا جاز التفاضل، فإنما يراعى الاتفاق في القيمة، والحمد لله وحده.
стр. 3098
المسألة الثالثة في اعتبار الخلط في مال الشركة
فينبغي أن تعلم أن الأصحاب ترددوا في الخلط، هل هو شرط في صحة عقد الشركة أم لا؟ فذهبت طائفة إلى أن خلط المالين شرط في انعقاد الشركة، فمتى لم يحصل لم ينعقد عقد الشركة بينهما، وهو نص قول الغير في المدونة، وذهبت طائفة إلى أن الخلط شرط في صحة العقد، وبه قال بعض المحققين.
وذهب ابن القاسم إلى أن الخلط شرط الانعقاد في الثواء، لا في النماء؛ لأنه قال: ما اشتراه أحدهما بماله قبل الخلط فهو بينهما، وما ضاع فهو من صاحبه.
فأنت ترى ترداد هذا المذهب في الخلط، وقد يعتذر عن هذا التناقض بأن يقال: أن المشتري إنما كان بينهما ليكون لذكر الشركة تأثير بأن يشتركا في النماء، وأما الثواء فإنه اختص به صاحب المال الثاوي؛ لبقاء التوفية عليه كالبيع، حتى إذا تناقداها ووزناها، ثم ائتلفت في ملكه لتوزيع الثواء توزيع النماء عليهما.
ثم لا يخلو المشتري ماله منهما من أن يشتري بعد تلف مال صاحبه، أو قبل تلفه؛ فإن اشترى قبل تلف مال الآخر: فالمشتري بينهما لا محالة، فإن اشترى بعد التلف -وهو عالم به: كان المشتري له، قولًا واحدًا، وإن لم يعلم فهو بالخيار بين أن يشركه فيه ويلزمه له، أو يتفرد به دونه؛ لأنه يقول لو علمت بالتلف لاشتريت لنفسى بخلاف ما اشتراه قبل التلف كما تقدم.
стр. 3099
وعلى القول بأن الخلط شرط إما في الانعقاد، وإما في الصحة، فإن الشركة موضوعها التعاون في العمل، والإذن في الاتجار مطلقًا بتعافي العقود مرة بعد أخرى على وجه يكثر به المال، ويحصل به الربح، وذلك لا يحصل كما يجب إلا بالخلط؛ لأنه إذا كثر المال اتسعت التصرفات فيه، وكثر الربح، وظهر النماء، وإذا قلَّ عسر استنماؤه، وتعذر استمداده؛ لأن نفس الشركة هي خلط المالين؛ إذ لا تسمى الشركة في عرف الشرع إلا كذلك، وإلا فلا يطلق عليها ذلك الاسم إلا مجازًا.
فإذا ثبت ذلك، فما الخلط المعتبر؟ هل الخلط الحسي أم الخلط المعنوي؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن المراعى الخلط الحسي؛ بأن تخلط العين حتى لا يتمكن التمييز أصلًا، وهو مذهب سحنون، وهو ظاهر قول الغير في المدونة.
والثاني: أن المعتبر الخلط المعنوي؛ فإذا وجد صحت الشركة؛ وهو أن يجمع المال أحدهما في تابوته، أو في خريطته، وإن لم يخلطا وكانت كل صرة على حدة، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
стр. 3100
المسألة الرابعة في حكم المزارعة
اعلم أنهم قالوا: إذا سلم المتزارعان من أن تكون الأرض التي لها بالٌ في الكراء من واحد، والبذر من الآخر: جاز إذا تكافئا.
واختلف في التكافؤ المعتبر على قولين:
أحدهما: أن التكافؤ لا يكون إلا بالتساوي في الرقاب حتى يستويا في ضمان التالف.
والثاني: أنه يجوز وإن لم يشتركا في الرقاب بأن تكون قيمة كراء ما يخرجه أحدهما مكافئًا بقيمة كراء ما يخرجه صاحبه.
والقولان لمالك في أصل "الكتاب"، وقد قدمناهما في شركة الأبدان، بيد أن لنا في التكافؤ، هل هي معتبرة أم لا؟ أربعة أقوال:
أحدها: أنه معتبر، ولا يصح التفاضل، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أنه غير معتبر، والتفاضل سائغ، وهو قول سحنون.
والثالث: مقيد بأن لا يتفاحش بما لا يتغابن بمثله، وهو قول ابن حبيب.
والرابع: التفصيل بين التفاضل المتصل والمنفصل؛ فيجوز في المتصل، ولا يجوز في المنفصل.
ومعنى المتصل: هو المقابل له عوض، ومعنى المنفصل: وهو المتبارز الذي لم يقابل بشيء؛ مثل أن يخرج أحدهما ما ليس له نظير من الآخر،
стр. 3101
وهو قول سحنون أيضًا.
وهذان القولان المقيدان آيلان عن العفو عن قليل الفضل دون جمهوره، ولهما وجه في الجملة، وإن لم يشف غليلًا، ولا يبرئ قتيلًا، وهو كيف وصلنا بين الحظير والحقير من الغرر في البيع.
وأما القولان المطلقان فحاصلان، وشاهدهما ومثارهما تردد المزارعة بين أصلين متنافري المعنى؛ أحدهما: الإجارة، والتماثل ليس من خصائصها، فمن محض النظر إلى أحد الأصلين خرج له منه حكمها حتى صمم على الجواز أو على المنع، وهذا محض التحقيق.
فإن وقعت على وجه فاسد على التفاضل على رأي من منعها، أو يكون مخرج البذر غير مخرج الأرض لمن يكون الزرع؟
فالمذهب على ستة أقوال:
أحدها: أن الزرع لصاحب البذر، ويؤدي لأصحابه كراء ما أخرجوه، وهو مذهب ابن غانم.
والثاني: أن الزرع لصاحب العمل، وهي رواية أبي زيد عن ابن القاسم فيما حكاه عنه ابن المواز.
والثالث: أن الزرع لمن اجتمع له شيئان من ثلاثة أصول؛ وهي البذر والأرض، والعمل، فإن كانوا ثلاثة فاجتمع لكل واحد منهم شيئان، أو انفرد كل واحد منهم بشيء منها كان الزرع بينهم أثلاثًا، وإن اجتمع لواحد منهم شيئان منها دون أصحابه: كان له الزرع دونهم، وهو مذهب ابن القاسم، واختيار ابن المواز على ما تأول أبو إسحاق.
والرابع: أنه يكون لمن اجتمع له ثلاثة أشياء على هذا الترتيب؛ وهي: الأرض، والبقر، والعمل.
стр. 3102
والخامس: أنه يكون لمن اجتمع له شيئان من أربعة أشياء على هذا الترتيب أيضًا؛ وهي البذر، والأرض، والبقر، والعمل.
والسادس: أن الفساد إذا سلم من كراء الأرض ما يخرج منها: كان الزرع بينهم على ما اشترطوه وتعادلوا فيما أخرجوه.
وإن دخله كراء الأرض بما يخرج منها: كان الزرع لصاحب الأرض، وهو قول ابن حبيب.
وهذا الخلاف تارة يقدر أنه أكرى الأرض كراء فاسدًا، وتارة يقدر إجارة العامل إجارة فاسدة، والحمد لله وحده.
стр. 3103
المسألة الخامسة في إقرار أحد الشريكين على الشركة
فلا يخلو ذلك من وجهين: إما أن يكون ذلك قبل افتراقهما، أو بعده.
فإن كان الإقرار قبل الافتراق: فلا يخلو أن يكون شريكًا مفاوضًا، أو شريك عنان.
فإن كان شريك عنان: فلا يخلو إقراره من أن يكون في شيء بعينه، أو فيما يتعلق بالذمة.
فإن كان في شيء بعينه: فلا يجوز إقراره على شريكه بوجه إلا أن المقر شاهد لمن أقر له يحلف معه، ويستحق حقه إن كان عدلًا.
فإن كان مما يتعلق بالذمة: فحكمه حكم المفاوض، وها أنا أتكلم عليه إن شاء الله.
فإن كان مفاوضًا حيث يصير حميلًا عن صاحبه حتى صار في حكم المتحد، فهل يجوز إقراره عليه بدين أم لا؟
فلا يخلو من أن يكون ممن يتهم عليه، أو لا يتهم عليه.
فإن كان المقر له ممن يتهم عليه كالصديق الحميم وغيره من قرابته، فإنه يتخرج على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أن ذلك لا يلزم المقر عليه، وهو نص قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أن ذلك جائز، وهذا القول يؤخذ من المدونة من "كتاب
стр. 3104
التفليس" من إقران مفترق الذمة قبل التفليس لمن لا يتهم عليه حيث قال بجوازه ببقاء الدين في ذمته فلم يتهم، والمنع أظهر لإضراره لشريكه؛ فهذا دأب الشرع في كل إقرار يتضرر به الغير، ويرجع وباله على غير ألا يجوز كالعبد، والمريض، والمديان، فإن كان المقر له ممن لا يتهم عليه: فلا إشكال في جوازه، ولزوم إقراره لشريكه.
فأما الوجه الثاني: إذا كان الإقرار بعد الافتراق: فلا يجوز إقرار الشريك الخاص.
وهل يجوز إقرار العام؟
فلا يخلو من أن يكون ذلك بقرب الافتراق، أو بعد طول الزمان.
فإن كان ذلك بعد طول الزمان: فلا يجوز إقراره لانقطاع الحبل وانفتات الوصل بينهما كالأجنبي.
فإن كان بالقرب هل يجوز أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك لا يجوز، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أن ذلك جائز، وهو قول سحنون.
وكذلك الحكم في إقرار أحدهما بعد موت الآخر في التفصيل بين القرب والبعد، وإن كان ابن القاسم قد أطلق في "الكتاب" في أن ذلك لا يجوز، والمقر شاهد للمقر له، فإذا قلنا بقول ابن القاسم، فهل هو شاهد ويحلف معه صاحب الدين، فإن نكل أخذ منه حصته أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه شاهد ويحلف معه، ويستحق حقه، وهو ظاهر قول ابن القاسم في آخر "كتاب الشركة" من "المدونة".
стр. 3105
والثاني: أنه ليس بشاهد؛ لأنه مطلوب بجميع الدين لكونه حميل، فيدفع عن نفسه الغرم بشهادة كالخلاف في شهادة الحميل على ما لا خفاء به على من طالع المذهب، والحمد لله وحده.
стр. 3106
كتاب القراض
стр. 3107
كتاب القراض
المسألة الأولي في تسميته قراضًا ومضاربة على لغة أهل العراق
فالقراض: مأخوذ من القرض؛ قال صاحب العين: أقرضت الرجل إذا أعطيته ليعطيك، وهي عطية يجازي بها صاحبها؛ قال الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ (١).
والقراض عطيه ليجازي عليها بجزء من ربحها، والقرض في السلف من هذا، فكأن القرض ينتفع به آخذه لكن لا ضمان عليه فيه، وعليه رده ومكافأة ما صنع مع صاحبه ما يدخله عليه من ربح، ولهذا سمى هذا مقارضة؛ إذ المنفعة فيه والرغبة من اثنين، التي هي المفاعلة، ولا يكون ذلك في السلف؛ إذ النفع فيه للمسلف وحده.
وقد قيل: سمى هذا قرضًا؛ لأن الله ﵎ يجازي عليه بثوابه، وهذا معترض؛ لأن هذا الاسم كان في الجاهلية معروفًا، وهم لا يطلبون عند الله جزاءً، ولا يعترف أكثرهم بمعاد.
وأما تسميته مضاربة: فمن الضرب في الأرض، وهو السفر بها، قال الله العظيم: ﴿يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (٢)، وكان أصل القرض في الجاهلية دفع المال للمسافر، فتكون المضاربة هنا إما بمعنى السفر الذي جاء فيه فاعل من المؤاجر، فقالوا سافر أو لأجل عقد من اثنين.
ولا خلاف في جوازه بين المسلمين، وأنه رخصة مستثناة من الإجارة
стр. 3108
المجهولة، ومن السلف بمنفعة، وهو معنى قول بعض شيوخنا أنه سنة أي: إباحة أو رخصة، وهو من العقود الجائزة، ولأحدهما الترك متى شاء ما لم يتعلق بالمال حق لأحدهما، والحمد لله وحده.
стр. 3109
المسألة الثانية في معرفة ما يجوز به القراض
والقراض لا خلاف في جوازه بالدنانير والدراهم.
وفي جوازه بنقار الذهب والفضة قولان لمالك في الكتاب في "أول كتاب القراض" من "المدونة".
وفي جوازه بالفلوس قولان:
المنع: وهو المنصوص المشهور، ويستقرأ من المدونة الجواز من غير ما موضع؛ بناءً على أن لها حكم العين.
ولا يجوز بشيء من العروض المعينات، ولا بشىء من المكيلات والموزونات عند مالك وجميع أصحابه، ولا عند أحد من فقهاء الأمصار؛ لأن القراض في الأصل غرر؛ لأنه إجارة مجهولة؛ إذ لا يدرك العامل، فهل يربح في المال أم لا؟ ولا مقدار ما يربح إن ربح، إلا أن الشرع جوزه للضرورة إليه، وحاجة الناس إلى التعامل به، فيجب ألا يجوز منه إلا مقدار ما جوز الشرع، وأن يكون ما عداه ممنوعًا بالأصل.
وأيضًا فإن القراض بالعروض لا يخلو من أربعة أوجه:
إما أن يجعل رأس المال القراض العروض بعينه.
أو ثمنه الذي يببيعه به.
أو قيمته يوم العقد.
أو قيمته يوم التفاضل؛ لأن معرفة رأس المال ومقداره لابد منه في القراض ليعرف العامل على ما يعمل، فإن كان عين القراض هو رأس المال
стр. 3110
فذلك غرر؛ لأنه يأخذ السلعة وقيمتها مائة دينار ويردها وقيمتها عشرة دنانير، ويذهب العامل ببعض رأس المال، فيأخذها وقيمتها عشرة فيردها وهي تساوي مائة دينار، فيذهب رب المال بأجرة العامل.
فإن كان الثمن الذي يبيعه به هو رأس المال، فقد اشترط رب المال المنفعة لشيئه على العامل فيما تحمل عنه من مؤنة البيع وما يكفيه من ذلك.
وإن كان قيمتها يوم يدفعها إليه هو رأس المال كان رب المال قد باع منه العروض بما قوماه به على أنه إن باعه بأقل من ذلك: جبره من ربحه، وإن باعه بأكثر من ذلك: كان له نصف الفضل، وذلك من الغرر البين والمزابنة؛ كمن دفع إلى رجل ثوبًا ليبيعه بعشرة دنانير على أن عليه ما نقص وله بعض زاد.
وإن كان رأس المال قيمته يوم التفاضل: فذلك أيضًا غرر بين؛ لأن قيمته يوم التفاضل مجهولة فيكون العامل يعمل على رأس مال مجهول قد يكثر، ويغرمه ربحه أو يقل، فيذهب ببعض مال رب المال، فصارت جميع وجوه هذه المسألة إلى غرر وفساد، غير أن الحكم يختلف فيها إذا نزلت على مذهب ابن القاسم.
فأمَّا إذا جعلا رأس المال الثمن الذي يبيعه به: فإنه تكون له إجارة المثل في بيعه العروض، ثم يرد إلى قراض المثل في الثمن إذا لم يعثر عليه إلا بعد العمل، وهي في سائر الوجوه أجير له إجارة مثله على خلاف وتحصيل قد قدمناه في كتاب المساقاة، فلا نطول بذكره مرة أخرى، والحمد لله وحده.
стр. 3111
المسألة الثالثة في نفقة العامل من مال القراض
ولا يخلو العامل من أن يكون في السفر أو في الحضر، فإن كان في الحضر: فلا يخلو من أن يكون في موضع استيطان أم لا.
فإن كان في موضع له فيه استيطان: فلا نفقة له.
وإن لم يكن فيه استيطان كالغريب المقيم في بلد ليس له فيه أهل، ولا هي له بوطن: فهذا تكون له النفقة، ووجهه: أنه إذا كان غير مستوطن تلك البلدة، ولا فيها أهل، فما حبسه فيها إلا العامل بالمال، فصار كالمسافر.
وإن كان في السفر: فالسفر ضربان:
سفر القرب والطاعات، وسفر طلب المتاجر والحاجات.
فأمَّا سفر البر والطاعات كالسفر إلى الحج، أو إلى الغزو إذا خرج بمال القراض: هل تكون له فيه النفقة أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا نفقة لحاج ولا لغاز في طوري الإياب والذهاب، وهو قول مالك في "المدونة".
والثاني: أن لهما النفقة من مال القراض في الإياب والذهاب، وهو قول ابن المواز.
والثالث: التفصيل بين الإياب والذهاب؛ فتكون له النفقة في الذهاب دون الإياب، وهذا القول يؤخذ من المدونة من مسألة المسافر في طلب
стр. 3112
الأرباح؛ حيث قال: "فإذا رجع إلى أهله لم يأكل منه"، إلا أن المشهور ما بدأنا به ألا نفقة لهما.
ويتخرج في المسألة قول رابع: أن النفقة تقصي على قدر نفقته في سفره إلى الحج، وعلى مال القراض، وهذا القول يؤخذ من "المدونة" من مسألة الذي سافر إلى حاجته، ثم أخذ مالًا قراضًا، حيث قال تقصي النفقة، على ما سنبين كيفية التقصيص إن شاء الله.
فأما الوجه الثاني وهو السفر في طلب المآرب والحاجات فلا يخلو من وجهين: إما أن يكون في موضع استيطان، فللمذهب في ثبوت النفقة وإسقاطها على قولين:
أحدهما: إسقاطها في طوري الإياب والذهاب، وهو مذهب المدونة وعليه الجمهور.
والثاني: ثبوتها فيهما، وهو قول أشهب فيما رواه البرقي عنه في "المدونة".
فإن سافر من موضع استيطان إلى غير استيطان، فهل تكون له النفقة في طوري الإياب والذهاب؟
فلا يخلو من أربعة أوجه:
إما أن يكون السفر بعيدًا والمال كثير.
وإما أن يكون السفر قريبًا، والمال قليل.
وإما أن يكون السفر بعيدًا، والمال قليل.
وإما أن يكون السفر قريبًا، والمال كثير.
فأما الوجه الأول: إذا كان السفر بعيدًا والمال كثير، فله الأمران جميعًا -الكسوة والنفقة- في الذهاب، قولًا واحدًا، وفي الإياب قولان:
стр. 3113
أحدهما: وجوب النفقة والكسورة، وهو نص قوله في المدونة؛ قياسًا للإياب على الذهاب.
والثاني: أنه لا نفقة له ولا كسوة، وهو ظاهر قوله في المدونة؛ حيث قال: "فإذا رجع إلى مصره لم يأكل منه"، فيحتمل أن يريد بقوله: "إذا رجع": أي: إذا وصل إلى مصره، ويؤخذ أيضًا من قوله في "الكتاب" في الذي أخذ مالًا قراضًا من بلد له فيها أهل فخرج به إلى بلد له فيها أهل: وإنه لا نفقة له في الذهاب والرجوع؛ لأنه ذهب إلى أهله ورجع إلى أهله، وهذا الاستقراء ظاهر جدًا.
وأما الوجه الثاني: إذا كان السفر قريبًا والمال قليل، فلا كسوة له قولًا واحدًا، وفي النفقة قولان:
أحدهما: وجوب النفقة له، وهو قول ابن القاسم في سماع عيسى عنه في "العتبية".
والثاني: أنه لا نفقة له، وهو ظاهر المدونة و"الواضحة"، وقد قال في "الكتاب": "إنما تكون له النفقة إذا كان المال يحمل ذلك".
وأما الوجه الثالث: إذا كان السفر بعيدًا، والمال قليلًا: فلا نفقة له ولا كسوة، ولا أعرف في هذا الوجه نص خلاف.
وأما الوجه الرابع: إذا كان السفر قريبًا، والمال كثير: فله فيه النفقة دون الكسوة، إلا أن تكون له إقامة بموضع مثل الشهر والشهرين حتى يحتاج فيه إلى الكسوة، فيجوز له أن يكسي منه، وهو قوله في "المدونة" و"العتبية".
وحد المال الكثير الذي تجب فيه النفقة والكسوة: إذا سافر مثل الأربعين دينارًا أو الخمسين، وهو نص قول مالك في "الموازية".
стр. 3114
واختلف إذا خرج لحاجة تعرضت له في بلد من البلدان، فأخذ مالًا قراضًا فخرج، هل له فيه النفقة أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن له فيه النفقة على قدره، وأنه ينظر إلى قدر نفقته في سفره، فيجعلها كمال آخر، فتقصي النفقة عليها وعلى ما أخذ من المال؛ فإن كانت قدر مائة والقراض سبعمائة: فعلى المال سبعة أثمان النفقة، وعلى العامل ثمن في خالص ماله، وهذا قول ابن القاسم في "المدونة"، و"العتبية"، و"الموازية".
والثاني: أنه لا نفقة له في مال القراض أصلًا؛ لأنه إنما خرج لحاجته لا بسبب القراض، وهو قول سحنون في بعض روايات المدونة في رواية "المدونة" في رواية ابن لبابة، وهو قول ابن عبد الحكم في "مختصره"، ويؤخذ لابن القاسم من "المدونة" من مسألة الحاج إذا أخذ مالًا قراضًا فخرج به إلى الموسم والأصل في هذه الجملة: أن المراعي في استحقاق النفقة أن يكون خروجه من أجل المال، وأن يكون السبب الباعث له على الخروج طلبًا لتنميته بتكثير المالية دون أن يكون ليبتاع حاجته، وعارض ضرورة؛ لأن الأصل عدم التسليط وعدم التصرف في ملك الغير إلا بحصول شرطه، فإذا ثبت ذلك، فإنه إنما يستحق من مال القراض على الشريعة المتقدمة ما لا ينفك منه الإنسان غالبًا كالنفقة، والكسوة، وكراء الركوب، وكراء المسكن، ودخول الحمام، والحاجة، وحلق الرأس، وغسل الثوب، وما أشبه ذلك، وما فضل عند العامل إذا قدم من سفره، فإنه يرده ويكون من جملة المال.
وأما خلق الثوب، والجبة، والقربة، والغرارة، والإداوة: فلا يرده، وهذا قول ابن القاسم عن مالك في "المدونة"، و"الموازية".
والبضاعة إذا أخذها مثل القراض ينفق منها إذا شخص بها، ولا
стр. 3115
يكتسي منها.
وكذلك إذا دفع إليه سلعة يبيعها له، فله أن ينفق منها إذا باع، ويكون ذلك على وجه المعروف، وكان المال يحمل ذلك مثل القدر الذي قدرناه في القراض، وهذا كله قول مالك في "كتاب محمَّد"، والحمد لله وحده.
стр. 3116
المسألة الرابعة في خلط المالين المأخوذين في القراض
ولا يخلو المالان من أن يكونا لملَّاك متعددة، أو لمالك متحد.
فإن كانا لملاك متعددة: فالخلط جائز للعامل ابتداءً، وهل يجوز له بشرط أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: الجواز.
[والثاني: المنع] (١).
ووجه القول الأول: أنه لا تهمة في ذلك؛ إذ لا يأخذ كل واحد منهما إلا ربح ماله.
ووجه القول الثاني: كون رب المال يفيد له هذا الشرط غرضًا ناجزًا من استقراء الربح بمال العامل وغيره؛ لأن التجارة لكثرة المال أشد تأتيًا وأشد تمكنًا.
وأما إذا كان لمالك متحد؛ مثل أن يعطي له مالًا قراضًا، ثم زاد له مالًا آخر: فلا يخلو ذلك من ثلاثة أوجه:
إما أن يكون قبل العمل بالأول، وإما أن يكون ذلك بعد التنضيض.
فإن كان ذلك قبل العمل: فلا يخلو من أن يشترط عليه الخلط، أو لا يشترطه عليه.
فإن اشترط عليه الخلط: فالإجزاء حاصل -اتفقت الأجزاء أو اختلفت.
стр. 3117
فإن اشترط ألا يخلطهما، وأن يعمل بكل مال على حدة: فلا يخلو من أن تتفق الأجزاء أو تختلف.
فإن اتفقت الأجزاء، فقولان:
أحدهما: الجواز، وهو ظاهر المدونة من قول الغير.
والثاني: أنه لا يجوز إلا بشرط الخلط؛ كما في اختلاط الأجزاء.
فإذا اختلفت الأجزاء: فلا يجوز قولًا واحدًا، للغرر والخطر.
فإن أخذ الثاني بعد استشغال الأول: فلا يخلو من أن يشترط الخلط، أو لا يشترطه.
فإن لم يشترط الخلط: جاز، ويعمل بكل مال على حدة، ثم لا جبران بعد المالين.
فإن اشترط الخلط: فالإجزاء غير حاصل -اتفقت الأجزاء أو اختلفت.
حذار الخسران المفتقر إلى الجبران في الثاني، ولزوم إجباره من الأول ظلم على العامل.
وأما الوجه الثالث: وهو أن يكون أخذه للثاني بعد تنضيض الأول: فلا يخلو من وجهين:
إما أن يكون المنضود هو رأس المال الأول من غير أن يزيد، أو ينقص، فإن لم يزد ولا نقص، فإن اشترط الخلط: فالإجزاء حاصل -اتفقت الأجزاء أو اختلفت.
فإن أخذه على ترك الخلط: فالإجزاء غير حاصل، وعند اتفاقهما قولان، وقد قدمناهما في الوجه الأول.
فإن نقص عن رأس المال: لم يجز أخذ الثاني على وجه -اتفقت
стр. 3118
الأجزاء أو اختلفت، اشترط الخلط أم لا- كأنه زيادة ازدادها رب المال؛ إذ كأنه قصده ملاقاة الوضيعة ولزوم الإبقاء لقدرة العامل على رد رأس المال بالتنضيض.
فأما إذا زاد على رأس المال: فإن اختلفت الأجزاء، أو اشترط ألا يخلطهما: فالإطباق على أن ذلك لا يجوز، كما قدمناه في الوجه الأول للغرر والخطر؛ فكأنه أخذ أحدهما لأجل الآخر.
فإن اتفقت الأجزاء، أو شرط ألا يخلطهما: فالمذهب على قولين منصوصين في "الكتاب":
أحدهما: أن ذلك لا يجوز جملة، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أن ذلك جائز، وهو قول غيره في المدونة لبعد التهمة لزوال الخسران المفتقر إلى الجبران.
ووجه قول ابن القاسم: ما قدمناه من قدرة العامل على فك عقد القراض عن نفسه بالتنضيض فكان أخذ الثاني عوضًا عن ترك الفك ولزوم الإبقاء، وذلك زيادة، والقراض لا يغلبها، والحمد لله وحده.
стр. 3119
المسألة الخامسة في نهي المالك للعامل عن الاسترسال في التصرف
اعلم أن رب المال إذا نهاه عن التصرف في بعض الأعيان وأباح له بعضها: فلا يخلو ذلك البعض المباح من وجهين:
إما أن يكون أكثر من البعض الآخر، وإما أن يكون أقل منه.
فإن كان أكثر منه: فذلك غير جائز؛ لأنه يخل بمقصود القراض الذي هو الاستمناء والاستكثار لسهولية وجوده شرقًا وغربًا، متهمًا ومتحدًا في كل صوب وأوب.
وإن كانت أقل منه: فلا يخلو من ثلاثة أقسام: إما أن يعين له سلعة، وينهاه عن التصرف في غيرها.
وأما القسم الأول: فلا يجوز إلا أن تكون تلك السلعة عامة الوجود في الشتاء والصيف.
وأما الثاني: فلا يجوز على الإطلاق، وسواء كان ذلك الرجل موسرًا لا تقدم منه السلع والمتاجر، أو معسرًا يعدم ذلك عنده لإخلاله بمقصود القراض الذي هو النمو والزيادة لتجويز امتناعه عن مبايعة العامل صنفًا منه بماليته، أو أنه لا يبيع إلا بالثمن المجحف العري عن الربح، وبهذا فارق القسم الأول لبعد فرض امتناع كافة ملاكها عن بيعها.
وأما تعيين البلد: فذلك على قسمين:
أحدهما: أن تكون البلد حيث عقد القراض، فذلك جائز؛ لأنه يتجسم مشقة الحل والترحال، وهذا إذا كان البلد المسمى لا تعدم منه السلع والمتاجر لسعته.
стр. 3120
وأما إن كانت تلك المتاجر تعدم منه لصغره: فلا يجوز، وتجري مجرى ما تقدم في إخلاله بمقصود القراض الذي بيناه.
والثاني: أن تكون البلد بغير موضع العقد حيث يتجسم الحل والترحال إليه، فذلك على ضربين:
أحدهما: أن يخرج إليه ليتجر به، وكانت التجارة موجودة فيه: فذلك جائز.
والثاني: أن يخرج إليه ليبيع فيه ما يحمل إليه أو يجلب منه ما يشتري فيه: فهذا للأصحاب فيه قولان: الجواز، والمنع والتوجيه مأخوذ مما تقدم، والحمد لله وحده.