← Фикх малики

Фикх малики · id 123685

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

الرجراجي، علي بن سعيد

Полный текст (4 240 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

والاستبيان، وهو قول سحنون. وعلى القول بأنه على حجته إذا قدم: فإنه يعرف بمن شهد عليه، فإن كان عنده ما يدفع به شهادة الشهود عن نفسه؛ مثل أن يثبت أنهم عبيد، أو على غير الإِسلام. فالحكم بالقضاء عليه مردود، قولًا واحدًا في المذهب، وهو قول مالك في "كتاب الرجم" إذا صح فيما [إذا] (١) شهدوا على مال ثم تبين أن أحدهما عبد، فنكل الطالب عن اليمين مع الشاهد الباقي فحلف المطلوب: أن الحكم يرد. وأما إن جرحهم بأمر ينافي العدالة، وهم أحرار مسلمون كالزنا وشرب الخمر أو بأمر يوجد مع العدالة كالعداوة في غير حق الله، فهل ينتقض الحكم بذلك أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أن الحكم لا يرد، ويكون البيع نافذًا، وهو قول عبد الملك في "كتاب ابن حبيب": فإن قدم الغائب، فأقام بينة على البراءة من الحق الذي [قضى] (٢) عليه به، وبيع فيه ريعه لمضى البيع لمبتاعه، ولا ينتقض، ويكون للقادم الرجوع على المقضي له بما أخذ من الثمن، وهو قول مالك وأصحابه في "الموازية" وهو قول أصبغ في "الواضحة"؛ لأن ذلك حكم قد مضى على وجه شبهة، ولا فرق في ذلك بين الرياع وغيره في جميع ما بيع عليه من ماله ثم قدم وأثبت البراءة من ذلك أن البيع يمضي ويكون حقه في الثمن. والحمد لله وحده.

стр. 3677

المسألة الخامسة في قسمة الأصول بالثمار والأرض بما فيها من زرع والكلام في هذه المسألة في هذين السؤالين. فالجواب عن السؤال الأول: في قسمة الأصول بالثمار: ولا تخلو الثمار المتصلة بتلك الأصول من ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون الثمار غير مأبورة. والثاني: أن تكون مأبورة. والثالث: أن تكون مزهية. فأما إذا كان ما فيها من الثمار غير مأبور: فلا يخلو من أن يقتسما على أن تبقى لأربابها، أو على أن تدخل في المقاسمة. فإن اقتسما على أن تبقى الثمار لأربابها، فهل يجوز ذلك أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من المدونة: أحدهما: أن القسمة لا تجوز جملة، وهو قول ابن القاسم؛ لأن استثنائها في البيع لا يجوز عنده، وهو من بيعها قبل قبضها، والقسمة بيع من البيوع على أحد قولي المذهب، وهو نص المدونة. والثاني: أن ذلك جائز، وهذا القول قائم من المدونة أيضًا. وينبني الخلاف: على الخلاف في المستثنى، هل هو مشتري أو مبقى؛ فعلى القول بأنه مشتري: منعت القسمة في مسألتنا، وعلى القول بأنه مبقى: جازت القسمة. وقد حكى الشيخ أبو الحسن اللخمي في استثناء ما لم يؤبر من الثمار

стр. 3678

في البيع قولان. فإن اقتسما على أن تدخل في القسمة، فهل يجوز ذلك أم لا؟ على قولين: أحدهما: أن ذلك لا يجوز؛ لأنها تؤول إلى أن تصير طعامًا، فيؤدي ذلك إلى طعام بطعام متفاضل، وهو قول ابن القاسم في الكتاب. والثاني: أن ذلك يجوز، وهو ظاهر قول محمَّد بن مسلمة؛ لأنه قال فيمن باع [نخلًا وفيها] (١) تمر لم يطب -أبر، أو لم يؤبر- فلا بأس أن يبيعها بالطعام والشراب من قبل أن [المقصود] (٢) بالبيع، والشراء الأصل، فإذا جوز بيعها مع الأصول بسائر أنواع الطعام، ولم يعتبر لها وجودًا، فبأن تجوز قسمتها مع الأصول أولى [وأحق] (٣). وسبب الخلاف: اختلافهم في اعتبار الحال والمآل، هل يراعى أم لا؟ فإن اشتراها أحدهما أن ما وقع في نصيبه من الثمن، فهو داخل في القسمة، وما وقع في نصيب صاحبه فهو باق على أصل الشركة: فذلك جائز، ولا أظنهم يختلفون في ذلك لعدم العلة المتقاة. وإن كانت إحدى الثمرتين مأبورة، والأخرى غير مأبورة: فالتي هي مأبورة: غير داخلة في القسمة، وإنها باقية على أصل الشركة، قولًا واحدًا، وغير المأبورة داخلة في القسمة بلا إشكال، وهو يجوز استثناؤها أم لا؟ قولان: الجواز، والمنع. فإطلاق القسمة دون إدخال المأبورة فيها بالشرط، وإخراج غير المأبورة

стр. 3679

منها غير المأبور منها بالاستثناء: جائز من غير خلاف في المذهب بأنه يركب [على] (١) كل شائبة مقتضاها. فأما إن اشترطا إدخال المأبور [في القسمة] (٢)، وقد استثنى غير المأبورة: فإنه يتخرج على الخلاف الذي قدمناه؛ لأنها إذا أدخلا المأبورة بالشرط وغير المأبورة داخلة بمقتضى الإطلاق، وهي تؤول إلى أن تصير طعامًا، فيؤدي ذلك إلى طعام بطعام متفاضلًا. فإن وقع الاستثناء في غير المأبورة: فإنه يتخرج على الخلاف الذي قدمناه أيضًا في استثناء ما لم يؤبر من الثمار، وأما إن كانت الثمار مأبورة، وهي بلح صغير أو كبير: كان إطلاق المقاسمة على الجواز؛ لأن الثمار في جميع ذلك غير داخلة في القسمة؛ بل هي باقية على أصل الشركة. فإن اشترطا دخولهما في المقاسمة، فهل يجوز أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من المدونة: أحدهما: أن ذلك لا يجوز، وهو قول ابن القاسم في المدونة، وهو المشهور. والثاني: أن ذلك جائز، وهو ظاهر قول محمَّد بن مسلمة؛ لأنه جوز بيع الأصول مع ما فيها من الثمار المأبورة بالطعام إلى أجل كالسيفين مع حليتهما إذا كانت الحلية تبعًا، فإنه يجوز بيع أحدهما بالأخرى نقدًا أو إلى أجل على القول بأن الأتباع لا تراعى جملة. وسبب الخلاف: الأتباع هل تراعى أو لا تراعى؟ فإن كانت إحداهما مأبورة، والأخرى غير مأبورة: قد تقدم

стр. 3680

الكلام عليه. وأما إذا كان [ما] (١) فيه من الثمار مزهية: فإطلاق المقاسمة على الجواز؛ لأن الثمار غير داخلة، وهي باقية على أصل الشركة. فإن اشترطا دخولها في المقاسمة، فهل يجوز ذلك أم لا؟ [فالمذهب] (٢) على قولين: أحدهما: أن ذلك لا يجوز، جملة بلا تفصيل، وهو مذهب ابن القاسم في "المدونة" وغيرها. والثاني: أن ذلك جائز، وهو ظاهر قول سحنون في "السليمانية"؛ لأنه قال: من اشترى نخلًا فيه ثمر قد طاب، أو لم يطب بطعام نقدًا أو إلى أجل: لا بأس به؛ لأن الثمر [تبع للنخل] (٣) كالعبد يباع، ويستثنى ماله، فإن ذلك جائز نقدًا، أو إلى أجل؛ لأن ماله ملغي، وهو قول سحنون، وهو أضعف الأقوال. وقول محمَّد بن مسلمة أقرب إلى الصواب؛ لأن التقابض والمناجزة قد حصلت فيما بينهما؛ لأنها إن كانت في [حين] (٤) المقاسمة طعامًا فقد حصل التناجز، وإن كان غير طعام؛ لأنها تصير طعامًا بعد انتقال الملك [بعد أن] (٥) صارت في سهمه بخلاف إذا كانت مزهية؛ لأنها مقصودة حينئذ فيدخلها التفاضل. والجواب عن السؤال الثاني: في قسمة الأرض بما فيها

стр. 3681

من الزرع: فلا يخلو من الأوجه الثلاثة التي قسمنا عليها الثمر؛ إما أن تكون قبل إبار الزرع، أو بعد الإبار، وقبل أن يطيب، وإما أن تكون بعد طيب الزرع. فأما إن كانت القسمة قبل إبار الزرع، فهل تجوز القسمة أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنها لا تجوز، جملة بلا تفصيل؛ لأن إطلاق القسمة يقتضي دخول الزرع في القسمة، وذلك يؤول إلى التفاضل بين الطعامين، واستثنى الزرع من القسمة وبقاؤه على أصل الشركة لا يجوز أيضًا؛ لأن ذلك بيعه قبل طيبه على البقية، وذلك حرام، وهو قول ابن القاسم. والثاني: أن القسمة جائزة استثنى، أو دخل في القسمة؛ لأن [استثناءها] (١) جائز على أحد قولي المذهب، ودخوله في القسمة لا تأثير له على قول محمَّد بن مسلمة وغيره؛ لأنه ليس بطعام في الحال، وما يؤول إليه في ثاني حال غير معتبر. فأما إن كان الزرع مأبورًا: فإطلاق القسمة جائز؛ لأن الزرع غير داخل في القسمة إلا بالاشتراط، فإن أدخلاه في القسمة، هل يجوز ذلك أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أن ذلك لا يجوز، وهو قول ابن القاسم؛ لأن ذلك طعام بطعام متفاضل. والثاني: أن ذلك جائز، وهو قول محمَّد بن مسلمة. وسبب الخلاف: اختلافهم في الأتباع هل تراعى، أو لا تراعى؛ فمن قال أنها تراعى منع، ومن قال لا تراعى جوز. فإن كان أحد الزرعين

стр. 3682

مأبورًا، والآخر غير مأبور: وقعت القسمة على إطلاقها، فهي جائزة اتفاقًا؛ لأن المأبور بقى على أصل الشركة وغير المأبور داخل في القسمة. فإن وقع الشرط إما بإدخال المأبور في القسمة مع الأرض، وإما باستثناء غير المأبور [وبقائه] (١) على أصل الشركة، ففي كل فصل من ذلك قولان. وقد اختلف في إبار الزرع على ثلاثة أقوال: أحدها: ظهوره وبروزه من الأرض، وهو قول ابن القاسم في المدونة في كتاب الشفعة. والثاني: أن إبار الزرع بذاره في الأرض، وإن لم يطلع، وهو قول [القاضي أبي محمَّد عبد الوهاب] (٢). والثالث: أن إبار الزرع أن يَسْبل، وهو قول محمَّد. والأظهر [في الصواب] (٣): ما ذهب إليه القاضي؛ لأن البذر كسلعة أودعت [في] (٤) الأرض، فوجب حمل المقاسمة على الأرض دون ما فيها بخلاف الثمار التي هي ولادة. وأما إن كان ذلك بعد طيب الزرع: فلا خلاف في هذا الوجه أن الزرع لا يقسم مع الأرض، بل تقسم الأرض على حدة، ويبقى الزرع شركة بينهما [والحمد لله وحده] (٥).

стр. 3683

المسألة السادسة في قسمة الثمار والزروع والكلام في هذه المسألة في أربعة أسئلة: أحدها: قسمة الثمرة. والثاني: قسمة الزرع. والثالث: قسمة البقل. والرابع: قسمة اللبن. والجواب عن السؤال الأول: في قسمة الزرع: ولا يخلو من أن يكون [ذلك] (١) قبل طيب الزرع، أو بعد طيبه. فإن كان ذلك قبل طيب الزرع، فأراد قسمته فصيلًا: فلا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن يتفقا على جذه في الحال، وإما أن يتفقا على تركه حتى يطيب، وإما أن يجد أحدهما ويترك الآخر. فإن كان على أن يجذا جميعًا في الحال: فذلك جائز، ويقسم بينهما بالتحري إن كان يستطاع أن يعدل [بينهما] (٢)، وهو قوله في "الكتاب". فإن حصد أحدهم حصته، وترك الآخر نصيبه حتى تحبب الزرع انتقض القسم؛ إذ لا يجوز بيع الزرع على أن يترك إلى طيبه، وليرد الذي حصد قيمة ما حصد فتكون تلك القيمة مع الزرع القادم بينهما، وقال في

стр. 3684

"الكتاب": لأن القسمة هاهنا بيع من البيوع. فإن اتفقا على تركه جميعًا أو حصة أحدهما حتى يطيب: فإن القسمة فاسدة لا تجوز؛ لأن ذلك بيع الزرع قبل بدو صلاحه على البقاء. وأما إن كان ذلك بعد طيب الزرع: فلا تجوز قسمته فدادين، ولا مدارعة، ولا قتتا, ولا يقسم إلا كيلًا؛ لأن ذلك مزابنة. والجواب عن السؤال الثاني: في قسمة الثمار بعد طيبها، وقبل جذاذها، أو قبل طيبها، وهي بلح صغير أو كبير، ولا يخلو الشركاء في ذلك من وجهين: إما أن تتفق حاجتهم [في ذلك] (١)، أو تختلف. فإن اتفقت حاجتهم: فلا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن يتفقا على التيبيس [وإما أن يتفقا على البيع] (٢)، وإما أن يتفقا على الجذاذ. فإن اتفقا على التيبيس: فلا خلاف أنهما لا يقتسمان حتى ييبس الثمر، ويقتسماه كيلًا، وكذلك الحكم إذا اتفقا على البيع، وحاجة كل واحد منهما إلى بيع نصيبه رطبًا، فليبيعاه ويقتسمان الثمن بينهما, ولا يقتسمانها بالخرص. فإن اتفقت حاجتهما على الجذاذ للأكل: فلا يخلو من أن يتساويا عيالهما، أو يكون أحدهما أكثر عيالًا من الآخر. فإن تساوت العيال، ويكون الذي يجد كل واحد منهما في كل يوم مثل ما يجد الآخر: فلا يقتسمان بالخرص [لعدم الحاجة إليه، فإن كان

стр. 3685

أحدهما أكثر عيالًا من صاحبه جاز أن يقتسماه بالخرص] (١) [ليتوسع] (٢) صاحب العيال الكثير؛ لأنَّا إن قصرنا أكثرهما عيالًا عما يحتاجه أضربه، وإن كلفه الآخر أن يجد كثيرًا على قدر ما يحتاج إليه [صار] (٣) صاحبه [فسد] (٤) عليه، فاقتضت المصلحة القسم بينهما بالخرص حتى يأخذ كل واحد منهما القدر الذي يقوم به. فإن أخذ أحدهما، وأبقى الآخر نصيبه حتى أزهى: انتقض القسم، وكان الذي أزهى، وقيمة الذي لم يزه شركة بينهما، والقيمة يوم كان جذ على أنه مجذوذ، وليس على الرَّجاء والخوف؛ لأنه جذه بإذن شريكه. فأما إذا اختلف حاجتهم، فأراد أحدهما أن يأكل رطبًا، وأراد الآخر أن يتمر: جاز القسم بالخرص إذا وجد من يعرف ذلك لاختلاف الحاجة، والأغراض في ذلك. فإن أراد أحدهما البيع، وأراد الآخر أن يتمر: فلا يخلو الذي يريد أن يشتري من أن يكون مراده الجذاذ، أو الإتمار، فإن كان مراده الجذاذ: جاز القسم بالخرص لأجل اختلاف الأغراض. وإن كان مراده الإتمار: فلا يقسم بينهما بالخرص لاتحاد غرض المشتري والشريك. فإن أراد أحدهما الجذاذ، وأراد الآخر البيع: فلا يخلو المشتري من أن يشتري للبيع، أو يشتري للأكل. فإن اشترى للبيع: هل يجوز أن يقتسما بالخرص أم لا؟ على قولين:

стр. 3686

أحدهما: أن ذلك لا يجوز؛ لأن المشتري على الجذاذ اشترى، فقد اجتمعا عليه، وهو قول سحنون في البلح الكبير. والثاني: أن ذلك جائز، وإن لم يجد الذي حاجته للأكل إلا بعد يومين أو ثلاثة إذا لم يتركه حتى يزهو، وهو قول ابن القاسم؛ لأن المشتري، وإن اشترى على الجذ، وقد يجد ما اشتراه على مرة أو مرتين ليدرك بها الأسواق، والآخر يجذ شيئًا بعد شيء على قدر حاجته وعياله. وأما البلح: فلا يخلو من أن يكون صغيرًا، أو كبيرًا؛ فإن كان كبيرًا، فهل يقسم بينهما بالخرص مع اختلاف الحاجة أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يقسم بينهما بالخرص إذا اختلفت حاجتهما كما تقسم إذا أزهت، وهو قول ابن القاسم في المدونة وغيرها. فإن أراد أحدهما أكله، والآخر بيعه، هل يقسم بينهما بالخرص أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه يقسم [بينهما] (١)، وهو قول ابن القاسم، وأشهب. والثاني: أنه لا يقسم بينهما بالخرص؛ لأن ذلك ليس باختلاف حاجة، وهو قول سحنون. والقول الثاني من الأول: أنه لا يجوز قسمة البلح الكبير بالخرص، وإنما يجوز بالتراضي مع اختلاف الحاجة بخلاف الرطب، وهو قول بعض المتأخرين، وهو اختيار التونسي [﵀] (٢). فإذا قسماه بالخرص للحاجة، فجذ أحدهما نصيبه، وترك الآخر ما

стр. 3687

صار له حتى أزهى: فإن القسمة تنتقض بينهما، ويرد الذي جذ حصته قيمة ذلك يوم جذه، ويقسمانه مع نصيب الآخر الذي تركه، بخلاف المزهي من الثمار إذا اقتسماه وترك أحدهما نصيبه حتى يتمر: فإن القسمة بينهما لا تنتقض؛ لأن البيع لو وقع على ذلك بالعقد على قول، وبالقبض على آخر. واختلف إذا اجتيح نصيب أحدهما، هل توضع فيه الجائحة أم لا على قولين؛ فقال ابن الماجشون: لا جائحة في ذلك، وظاهر قول ابن القاسم: أنه توضع فيه الجائحة؛ لأنه يقول في "الكتاب": إن القسمة تنتقض فيه إذا تركه حتى أزهى. وسبب الخلاف: اختلافه في القسمة، هل هي بيع، أو تمييز حق. وأما البلح الصغير: فقد اختلف فيه، هل له حكم الطعام، أو هو علف لا غير؟ فقد قال مالك في المدونة في كتاب القسمة أنه علف، وقال ابن القاسم: هو بمنزلة البقل، وإلى هذا التخريج أشار اللخمي. فعلى القول بأن له حكم العلف: جازت قسمته، وإن لم تختلف الحاجة فيه. وإن جذ أحدهما نصيبه، وأبقى الآخر إلى الآخر إلى الأيام ما لم يتركه حتى يصير زهوًا. وعلى القول بأن له حكم الطعام لم تجز المقاسمة إلا أن يجذا معًا. فإن اقتسماه على المفاضلة بالأمر البين جاز؛ لأن التفاضل فيه جائز يدًا بيد على القول [بأن له حكم الطعام، وإلى أجل على القول] (١) بأنه

стр. 3688

علف. فإن اقتسماه ثم لا يجذا حتى صار بلحًا كبيرًا [فإنك تنظر. فإن اقتسماه على التعديل، وكان لا يختلف الآن إذا كبر فالقسمة جائزة، وإن اقتسماه على المفاضلة أو كان إذا كبر تفاضل انتقضت القسمة، فإن جذ أحدهما نصيبه، وترك الآخر حتى صار بلحًا كبيرًا] (١) لم تنتقض القسمة لجواز التفاضل بين البلح الصغير والكبير. وإن تركه حتى أزهى انتقض القسم بينهما، ويرد الذي جنى نصيبه قيمته يوم جناه ويقتسمانه مع نصيب الآخر. فانظر كيف جوز قسمة البلح الصغير بالتحري، وهو مما يكال، وما يكال [غيره] (٢) لا يقسم بالتحري، وقد يعتذر عن ذلك بأن يقال: إنما أجاز هذا؛ لأنه لا يمكن كيله؛ لأنه مما أصله الخرص، فإذا خرجا من الخطار جاز. وأما قسمته الفواكه بالخرص: فلا تخلو من أن تتفق الحاجة أو تختلف فيها. فإن اتفقت الحاجة: فيمنع قولًا واحدًا، وإن اختلف الحاجة: ففي جواز قسمتها بالخرص قولان قائمان من "المدونة": أحدهما: أن ذلك لا يجوز، وهو نص قول مالك في "المدونة" في "كتاب القسمة"، وقال: إنما مضى الخرص في النخل والعنب، وليس الخرص في هذا من عمل الناس. والثاني: أن ذلك جائز، وهو قول أشهب في "المجموعة"، وهذا القول يؤخذ من المدونة من "كتاب العَرَايا"؛ حيث قال فيما سوى النخل

стр. 3689

والعنب: إذا أعرى يجوز أن تشتري بخرصها، فإذا جوز أن تشتري الفواكه بخرصها إذا أعرت فما المانع من أن تقسم بالخرص إذا اختلفت الحاجة، وذلك ظاهر. والجواب عن السؤال الثالث: في قسمة البقل: فلا تخلو من أن تتفق فيه الحاجة، أو تختلف. فإن اتفقت فيه الحاجة: فلا إشكال، وإن اختلفت، فهل تجوز قسمته بالخرص أم لا؟ على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أن ذلك لا يجوز، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، واحتج بأن مالكًا لم يجوز الخرص فيما يجوز فيه التفاضل مثل التفاح وغيره. والثاني: أن ذلك جائز، وهو مذهب أشهب في "مدونته"، وهو ظاهر "المدونة" أيضًا؛ لأن ابن القاسم إنما منع ذلك لعدم من يعرف الخرص، فإذا تحققت المفاضلة بين القسمين فما المانع من الجواز، وواحد [في ذلك] (١) باثنين جائز، وهو قول ابن القاسم في قسمة اللبن إذا اقتسما الغنم للحِلَاب على ما يأتي في فصله إن شاء الله. والجواب عن السؤال الرابع: في قسمة اللبن في ضُرُوع الماشية مثل أن يشتركا في ماشية فيقتسماها للحلاب، فيأخذ هذا غنمًا يحلبها، ويأخذ هذا مثلها يحلبها: فلا يخلو من وجهين: إما أن يكون ذلك على أن من هلكت الغنم التي بيده فلا يرجع في حِلَاب ما بيد صاحبه. وإما إن هلك ما بيده من الماشية: لم يرجع فيما بيد صاحبه بشيء،

стр. 3690

فإن ذلك لا يجوز، قولًا واحدًا؛ لأن ذلك مخاطرة وقمار. فأما إن كان ذلك منهما على وجه المعروف، وفضل أحدهما الآخر على أنه إن هلك ما بيد أحدهما رجع فيما بيد صاحبه، فهل يجوز ذلك أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أن ذلك جائز -افترقا للحلَاب أو اجتمعا- وهو قول ابن القاسم في "المدونة" في "كتاب القسمة". والثاني: أن ذلك لا يجوز -افترقا أو اجتمعا- وهو قول أشهب؛ لأنه لبن بلبن متفاضلًا، وهو لا يجيز قسمته محلوبًا تحريًا، فإذا فَضَّلَه فهو حرام. والثالث: التفصيل بين أن يكون ذلك قبل التفرق، أو بعده؛ فإن حلباه قبل التفرق: جاز إذا فَضَل أحدهما الآخر بشيء بين. فإذا حلباه بعد التفرق: فلا يجوز؛ لأن ذلك طعام بطعام؟ وليس يدًا بيد، وهو قول سحنون، وهو ظاهر "المدونة"؛ لأنه أجاز في [القسمة] (١) أن يأخذ أحدهما أقل من نصفها بالأمر البين، ويسلم الآخر بقيمتها، فانظر كيف جوز ابن القاسم قسمة اللبن على التحري، وهو مما يكال، ومذهبهم أن التحري لا يجوز في المكيل من الطعام؛ وإنما يجوز في الموزون في القليل، والكثير منه على قول، وأما في اليسير منه على رواية عيسى عن ابن القاسم في "العتبية". وأما [ما لا يجوز] (٢) في المكيل من الطعام: فلا يجوز جملة، وهذا القول حكاه أبو الحسن بن القصار عن مالك في كتاب "عيون

стр. 3691

الأدلة"؛ لأن بيع الجزاف بالجزاف من صنف واحد مخاطرة، وهو حرام، وإن كان ترابًا من أجل أن الميزان عندهم ربما يُعْدم في الأسفار والبوادي، والكيل لا يكاد يعدم، ولو كان بالألف، وبهذا فرق أكثرهم بين المكيل والموزون، وذلك فرق استئناس؛ لأن الكيل بمكيال غير الجاري، والكيل به ممنوع على مشهور المذهب؛ لأن ذلك مخاطرة، والمخاطرة فيه أشد من المخاطرة في التحري؛ لأن التحري معيار شرعي، وفي بعض الحالات يتوصل به إلى معرفة المقادير التي لا يمكن فيها الكيل والوزن [والحمد لله وحده] (١).

стр. 3692

المسألة السابعة في الثمار إذا قُسِّمَت بعد الأصول على مَنْ يكون سَقيِها مثل أن يقتسموا الأصول، وفيها ثمرة، وتركوا الثمرة ثم قسموها بعد زهوها لاختلاف حاجتهم في ذلك، فهل على كل واحد سقى نخله، وإن كانت ثمرته لغيره أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أن السقي على صاحب الأصل، وإن كانت الثمرة لغيره، وهو مذهب ابن القاسم في "المدونة". والثاني: أن السقي على من له الثمرة دون صاحب الأصل كمن أوصى بالأصل لرجل، وفيها ثمرة مأبورة أو مزهية: فالسقي على ورثة الموصي بخلاف البيع، وهو مذهب سحنون. وسبب الخلاف: اختلافهم في القسمة هل هي بيع، أو تمييز حق، فمن رأى أنها بيع قال: السقي على من له الأصل كما لو باع الثمرة دون الأصل، فإن السقي على البائع ما دامت الثمرة متصلة بأصوله. ومن رأى أنها تمييز حق، قال: السقي على من له الثمرة، فيقدر الأصل الذي وقع له في القسم كأنه لم يزل، وكأن هذه الثمرة التي صارت في أصول هذا لغيره كأنها لم تزل ملكًا لصاحبها الذي وقعت له في القسم، فكان السقى على صاحب الثمرة كما لو وهب له الثمرة، فإن السقى على الوهوب له؛ لأنَّ صاحب الأصول لم يمنع منه الثمرة، فيكون قد التزم له السقى. وأما على قول ابن القاسم بأن القسمة بيع: فقد اعترضه بعض المتأخرين، وقال: إذا اقتسموا الأصول أولًا، فصار لهذا عشر نخلات،

стр. 3693

ولهذا خمس عشرة نخلة، ولم يقتسموا الثمرة بعد، فإذا قدرنا أنه بيع: كان على كل واحد سقي نصف ما في يديه من النخل؛ لأنها للذي له في الأصل، والنصف الآخر اشتراه، وهو مذهب ابن القاسم: أن من اشترى أصلًا دون ما فيه من الثمرة أن السقي على البائع فيما أبقى من الثمرة، ومذهب المخزومي على أن مشترى الأصول يسقي ثمرة البائع. فإذا اقتسما الثمرة بعد ذلك فصار لصاحب الخمس عشر نخلات ما في العشر من الثمر، وصار لصاحب العشر ما في الخمس عشرة: كان على مذهب ابن القاسم أن يلزم صاحب خمس عشرة نخلة سقى نصفها؛ لأنه باع ثمرة نصفها، وكان على شريكه سقى النصف الآخر؛ لأنه باع نصف الأصل، وأبقى الثمرة له، ومن باع أصلًا دون ثمرته، فالسقي على البائع. وأما على قول المخزومي: فإنه يلزمه سقي الجميع؛ لأن نصف النخل له، وقد باع ثمرها، والنصف الآخر اشتراه، فعليه سقيه، وإن بقيت ثمرته للبائع. فإن كان ابن القاسم قد رجع إلى قول المخزومي استقام الجواب، وأما بناء مذهبه الذي يرى أن من باع الأصل: فالسقى على البائع فيما أبقى من الثمرة: فلا يستقيم الجواب إذا سلك بالقسمة مسلك البياعات [والحمد لله وحده] (١).

стр. 3694

المسألة الثامنة في قسمة الساحة [والأبنية فأما قسمة الساحة] (١) مع البيوت، فلا تخلو من أربعة أوجه: إما أن تحتمل الساحة الدار، وبيوتها القسمة. أو لا تحتمل القسمة لا الساحة ولا البيوت. وإما أن تحتمل البيوت القسمة دون الساحة. وإما أن تحتمل الساحة القسمة دون البيوت. فأما الوجه الأول: إذا احتملت الساحة، والبيوت القسمة: فإن البيوت تنقسم، قولًا واحدًا. وهل تقسم الساحة معها أو يجعل لكل نصيب من البيوت ما يقابله [من الساحة] (٢) أم لا؟ على أربعة أقوال: أحدها: أن الساحة تقتسم مع البيوت، ويجعل لكل نصيب من البيوت ما يقابله من الساحة، وهو قول ابن القاسم [في "المدونة"] (٣). والثاني: أن قسمتها مع البيوت تجوز بالتراضي، ولا تجوز بالقرعة, وهو ظاهر قوله في "كتاب القسم"، وهو مشهور المذهب إذا عدل ذلك بالقيمة ثم استهم عليها على ما تأوله الشيخ أبو عمران الفاسي. والثالث: أن البيوت تقسم [على حدة، ولا تقسم الساحة أصلًا،

стр. 3695

وهو قول مطرف، وعليه تأويل قول مالك حيث قال: تقسم] (١) الساحة بين الورثة، وإن احتملت القسمة. والرابع: التفصيل بين أن يكون على البيوت حجر، فلا تقسم الساحة أصلًا، أو لا يحجر عليها فتقسم، وهو قول ابن القاسم، وأشهب في "المجموعة". وأما الوجه الثاني: إذا كانت البيوت والساحة لم يحتملا القسمة، فهل تقسم أم لا؟ فقد تقدم الكلام على ذلك بما لا مزيد عليه. وأما الوجه الثالث: إذا كانت البيوت تحتمل القسمة دون الساحة: فإنهم يقسمون البيوت، ويتركوه الساحة يرتفقون بها على السواء، فيرتفق صاحب السهم القليل كما يرتفق صاحب السهم الكثير. فإن اتفقوا على قسمتها، فهل تقسم أو لا تقسم أصلًا؟ فإنها تتخرج على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أنها تقسم إذا اجتمعوا على قسمتها، وهو مشهور المذهب. والثاني: أنها لا تقسم أصلًا، وهو تأويل مطرف عن مالك في الساحة إذا كانت واسعة تنقسم، فإذا كنت ضيقة لا تحتمل القسم. وأما الوجه الرابع: إذا كانت البيوت لا تحتمل القسم، واحتملتها الساحة، فهل تجمع مع البيوت في القسم، فتكون البيوت قسمًا، وتكون الساحة قسمًا أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنهما لا يُجمعان في القسم، وأن الساحة بينهما إلا بالتراضي دون القرعة، وهو الذي يأتي على مذهب ابن القاسم؛ لأنها إن جمعت في القسمة بالسهم خرج سهم بعضهم في البيوت، وبعضهم في

стр. 3696

الساحة، فيؤدي ذلك إلى المخاطرة التي منع لأجلها الصنفين المختلفين في قسمة السهم، وهذا هو مشهور المذهب. والثاني: أنه يضم البنيان في القسمة إلى الساحة حتى كأنه منها ثم تقسم كلها قسمًا واحدًا، وإن لم يقع انقسام كلها في البنيان، وهو قول ابن حبيب، وهو مذهب أشهب في جوازه جمع الصنفين المختلفين في القسم بالسهم، وهو ظاهر قول ابن القاسم في مسألة النخلة، والزيتونة. وأما قسمة الأفنية: فإنها على قسمين فناء يكون أمام دور القوم إلى جنب الطريق، وفناء [يكون] (١) بين دور القوم. فأما فناء يكون أمام دار القوم إلى جنب الطريق: فلا خلاف في المذهب أنه لا يقسم ابتداء، وإن اجتمعوا على قسمته؛ لأن لعامة الناس فيه حق وموقف عند تضايق الناس في الزِّحَام. فإن اقتسموه هل ترد القسمة أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنها تنتقض، ويبقى الفناء على حاله، وهو الأظهر. والثاني: أنها لا تنتقض، وهو قول أصبغ. وأما فناء يكون بأن دور القوم ليس إلى جانب الطريق، ولا لأحد من المارة فيه مرفق، فإن اتفقوا على قسمته قسم قسمًا واحدًا، فقيل [على] (٢) ما تراضوا عليه، وهو قول ابن القاسم، وقيل: على حال منازلهم، وهي رواية ابن وهب، وابن نافع عن مالك. فإن أبا بعضهم القسمة لم يحكم بها بينهما على رواية ابن وهب، وابن

стр. 3697

نافع، وقيل: إنه يحكم بينهم به، وهو أحد قولي المذهب في الأنادر والمسارح، فعلى القول بأنها تقسم، فإن الفناء يُقَسَّم، وإن أبى بعضهم؛ إذ لا فرق بينهما [والحمد لله وحده] (١).

стр. 3698

المسألة التاسعة في دعوى الغلط بعد القسمة فالكلام في هذه المسألة على فصلين: أحدهما: أنْ يَدَّعِي [أحدهم] (١) الغلط في القسمة. والثاني: أنْ يَدَّعِي أحد المتبايعين الغلط في البيع. أما الفصل الأول: إذا ادعى أحد المتبايعين الغلط في البيع، فذلك على وجهين: أحدهما: أن يتولوا القسم بأنفسهم. والثاني: أنْ يُقَدِّمُوا من يقسم بينهم أو يقدمه الحاكم. فإن كانوا تولوا القسم بأنفسهم ثم ادعى أحدهم الغلط، فلا يخلو ذلك من أربعة أوجه: أحدها: أن يعدلا [على] (٢) ذلك بالقيمة، ثم يقترعا أو يأخذا ذلك بغير قرعة. والثاني: أن يقولا: هذه الدار تكافئ هذه، وهذا العبد يكافئ هذا من غير ذكر القيمة، ثم يقترعا أو يأخذا ذلك بغير قرعة. والثالث: أن يقول أحدهما لصاحبه: خذ أنت هذه الدار وهذا العبد، وآخذُ أنا هذه الدار، وهذا العبد من غير تقويم، ولا ذكر مكافأة. والرابع: أن يختلفا في الصفة التي وقعت عليها القسمة مثل أن يقتسما

стр. 3699

عشرة أثواب، فكان في يد أحدهما ستة أثواب، وفي يد الآخر أربعة، وادعى أن الثوب السادس في نصيبه. فأما الوجه الأول: إذا عدلا ذلك بالقيمة ثم يقترعا أو يأخذا ذلك بغير قرعة ثم يَدَّعِي أحدهما غلطًا: فهذا ينظر إليه أهل المعرفة، فإن كان سواء أو قريبًا من السواء وإلا نقض القسم، وكان القول قول من ادعى الوهم أو الغلط. وأما الوجه الثاني: إذا قالا: هذه الدار تكافئ هذه، وهذا العبد يكافئ هذا من غير [ذكر] (١) القيمة ثم يقترعان، أو يأخذا ذلك بغير قرعة، فإنَّ الحُكم فيه كالحكم في الوجه الأول؛ لأن مفهوم القصد إلى التعديل المساواة في القِيَم، وذلك إذا قالا: هذه الدار تكافئ هذا المتاع أو هذا العبد، ثم أخذ كل واحد منهم أحد الصنفين بالتراضي بغير قرعة، ثم ذكر أن القيمة مختلفة. وأما الوجه الثالث: إذا قال أحدهما لصاحبه: خذ أنت هذه الدار، وهذا العبد، وآخذ أنا هذه الدار وهذا العبد من غير تقويم، ولا ذكر مكافأة. فإن كانت القسمة بالتراضي: مضت المقاسمة على من كانت في نصيبه كما تمضي في البيع، إلا على القول بالقيام بالغبن فيما زاد على الثلث. فإن كانت [القسمة] (٢) بالقرعة: فلا يخلو من أن يكونا عالمين، أو غير عالمين. فإن كانا عالمين بفسخ ذلك: فإن القسمة تفسخ بينهما بالجبر، وإن لم

стр. 3700

يدع واحد منهما إليه؛ لأن القرعة على ذلك غرر. فإن كانا غير عالمين بفساد ذلك، ويظنان أنه جائز: فإن [القسمة] (١) بينهما نافذة، ويكون القيام بالغبن في ذلك كالقيام بالعيب، فإن قام به من عنده ذلك الغبن: فسخت القسمة، فإن رضي به مضت. وأما الوجه الرابع: إذا اختلفا في الصفة التي وقعت عليها القسمة؛ مثل أن يقتسما عشرة أثواب، فكان في يد أحدهما ستة أثواب، وقال: هي في نصيبي، وعلى هذا اقتسمنا، وقال الآخر: بل الثوب السادس منها لي أنا، وقد كانت قسمتها خمسة خمسة، وإنما سلمته غلطًا: فلا يخلو من أن تكون القسمة بالقرعة، أو بالتراضي. فإن كانت بالقرعة: فالمذهب فيها على قولين: أحدهما: أن القول قول الحائز للثوب السادس مع يمينه إذا أتى بما يشبه أن يتقاسم الناس عليه، وهو قول ابن القاسم؛ لأن الآخر قد أقر بالقسم، وادعى ما في يد صاحبه. والثاني: التفصيل بين أن يدعي الآخر أنه سلمه إليه غلطًا، أو ادعى أنه سلمه على وجه الإيداع. فإن ادعى أنه سلمه على وجه الإيداع: كان القول قوله أنه قاسمه خمسة خمسة مع يمينه، ثم يكون الآخر بالخيار بين أن يسلمه، ويحلف أنه قاسمه ستة وأربعة، ويتفاسخان القسمة كلها، وهو قول أشهب في "مدونته". وقال محمَّد بن عبد الحكم: يتحالفان ويتفاسخان في ذلك الثوب وحده.

стр. 3701

فيتحصل في التحالف والتفاسخ قولان: قيل: في الثياب كلها، وقيل: في الثوب وحده، ويكون بينهما شركة على السواء. فإن كانت القسمة بالتراضي: لم ينظر إلى الدعوى، وإن كان الغلط؛ لأنه كبيع المساومة، فيلزمه التغابن، وهو قول ابن حبيب، وهو وفاق المذهب. والجواب عن الوجه الثاني من الفصل الأول: إذا قدَّمُوا لأنفسهم من يقسم بينهم من غير أن يتولوا القسمة، فادعى بعضهم أن القاسم غلط: [أو جار] (١) فقد قال ابن القاسم في "المدونة": لا يلتفت القاسم إلى قولهم وليتم على قسمته، فإذا فرغ منها نظر السلطان [فيها] (٢) فإن وجدها على التعديل مضى ما قسم ولا يرد، فإن رضي جميعهم بِرَده ونقضه ليستأنفا القرعة أو التراضي بقسمته مرة أخرى: لم يجز؛ لأنهم ينتقلون من معلوم إلى مجهول، وهو ما يخرج لهم في المستقبل، ولو تراضوا بنقضه بشرط أن يأخذ كل واحد شيئًا معلومًا معينًا: جاز فإن وجد فيه غيبًا: فلا يخلو من أن يكون غبنًا فاحشًا، أو غير فاحش. فإن كان فاحشًا: فللسطان أن ينقضه، قولًا وحدًا. وإن كان غير فاحش، هل تنتقض قسمته ويُرَد أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أن قسمة يُرَد ويَرُده هو وغيره، وهو قول ابن القاسم في المدونة؛ لأنه قال في الكتاب: ولم ير مالك في قسم القاسم بمنزلة حكم

стр. 3702

الحاكم. والثاني: أن القاضي والقاسم في ذلك سواء، وأن القاسم لا يَرُد من قسمه إلا ما كان غلطًا بينًا كالقضاء على سواء، وهو قول أشهب. ووجه [قول] (١) من يساوي بين القاسم والقاضي: أن كل واحد منهما يعمل على نظره، واجتهاده، فلا ينقض ما قسمه بنظره بنظر غيره إلا أن يتبين الغلط. ووجه من فرق بينهما: أن القاضي، والقاسم وإن اجتمعا أن كل واحد منهما عمل باجتهاد، إلا أن الحكم يختلف فيما أدى إليه الاجتهادان؛ فالذي يؤدي إليه اجتهاد القاضي مظنون، والذي يؤدي إليه اجتهاد القاسم محقق تُدْرَك معرفته قطعًا؛ لأن الغلط إن كان هناك يدرك حقيقة وقطعًا فافترقا، وهذا يحرك سلسلة باب تصويب المجتهدين، والكلام عليه مُحَال على فن الأصول. فالجواب عن الفصل الثاني: إذا ادّعى أحد المتبايعين الغلط في البيع؛ مثل أن يدعي المشتري أنه اشترى عشرة أثواب بعشرة دنانير، وقال البائع: بل هذه التسعة بعشرة، والعاشر غلط مني، أو هو عندك وديعة: فلا يخلو من أن تكون الثياب قائمة، أو دخلها فوت. فإن كانت قائمة: فالقول قول من ادّعى ما يشبه على الخلاف في اعتبار الشبهة مع القيام. فإن أتيا جميعًا بما يشبه، أو بما لا يشبه: فإنهما يتحالفان ويتفاسخان. فإن فاتت بحوالة الأسواق فاعلًا كان ذلك فوتًا في التسعة دون العاشر لم يُقر ببيعه، فيحلف المشتري أنه اشترى العشرة بعشرة دنانير، ويغرم ما

стр. 3703

ينوب التسعة على أنه ذلك العاشر داخل في البيع، ويُرَد العاشر على ما هو به من عيب، ولا شيء على المشتري إذا كان العيب من غير سببه، فإن كان من سببه، وكان العيب يسيرًا: أخذه صاحبه وما نقصه العيب، وإن كان كثيرًا غرم جميع قيمته إلا أن يكون الثمن أكثر [فيضمنه له بالثمن؛ لأنه قد أقر أنه اشترى بذلك الثمن، وإن باعه المشتري كان لصاحبه أكثر من ثلاثة أوجه من قيمته يوم باعه المشتري أو الثمن الذي باعه به، أو ما ينوبه من الثمن في العقد الأول، وأما إذا كان الثمن الأول أكثر] (١) فحلف المشتري: استغنى عن يمين البائع [والحمد لله وحده] (٢).

стр. 3704

المسألة العاشرة في قسمة الوصي على من يلي عليه من اليتامى وقسمة الوصي لا تخلو من ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون بين صغير وكبير رشيد. والثاني: أن تكون بين صغيرين ورشيد. والثالث: أن تكون بين الصغار. فأما الوجه الأول: إذا كانت القسمة بين صغير وكبير رشيد: فمقاسمة الوصي على الصغير جائزة دون مطالعة الحاكم قولًا واحدًا؛ لأنه يتهم أن يميل عما هو في ولايته إلى من هو رشيد؛ إذ لا غرض. وأما الوجه الثاني: إذا [قسم الوصي] (١) بين صغيرين ورشيد: فلا يخلو ما يأخذه الوصي للصغيرين من أن يكون مشاعًا بينهما أو غير مشاع. فإن كان مشاعًا: فالجواز قولًا واحدًا كما لو كان صغيرًا واحدًا، [وإن] (٢) كانا اثنين فأكثر فإن كان سهم كل واحد منهما مَفْرُوزًا، فهل تجوز قسمة الوصي عليهما أم لا؟ فعلى قولين: أحدهما: الجواز من غير كراهة، وهو مذهب "المدونة". والثاني: الجواز مع الكراهة مخافة أن يميل بالأفضل إلى أحد الصغيرين.

стр. 3705

وأما الوجه الثالث: إذا كانوا صغارًا كلهم، وليس بينهم كبير، فهل تجوز قسمة الوصي بينهم أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة": أحدها: [أنها] (١) لا تجوز، وأنه لا يقسم بينهم إلا السلطان، وهو قوله في المدونة. والثاني: أنه يجوز مع الكراهة، وهو قوله في "الكتاب" أيضًا. والثالث: الجواز بلا كراهة، وهو قول سحنون، وهذا القول قائم من "المدونة" من "كتاب الرهون" من قول ابن القاسم حيث قال: يجوز للأب أن يشتري لابنه الصغير من ابن له صغير، والوصي كذلك. فعلى هذا يجوز أن يقسم بينهم. والقول بالجواز من غير كراهة أصح؛ لأن القسمة أعلى مراتبها أن تكون بيعًا، وبيع الوصي عليهم، وشراؤه لهم لبعض من بعض أو من غيرهم جائز، والقول بالرفع إلى السلطان ضرب من الاستحسان [والحمد لله وحده].

стр. 3706

المسألة الحادية عشرة في قسمة الماء بالقِلْد والقِلْد: بكسر القاف وسكون اللام، واختلف أهل اللغة في تفسيره. فقيل: هي القِدْر [التي] (١) يقسم به الماء، وبه فسر في بعض نسخ المدونة، وثبت في كتاب ابن المرابط. وقيل: هو الحظ من الماء؛ يقال: سقينا أرضنا قلدنا، أي: حظنا من الماء، وهو قول ابن دُرَيْد. وقيل: هو سقي الزرع وقت حاجته؛ يقال: أقمت قلدي: إذا سقى زرعًا يوم حاجته إلى السقي، وهو قول ابن قُتَيْبَة. والمعنى الأول أقرب وأسعد بظاهر الكتاب؛ إذ هو المراد هنا. وأما صفة قسم الماء بالقلد: فقد اختلف فيه المتقدمون، والمتأخرون اختلافًا كثيرًا، وتعقب بعضهم كلام بعض، ولم يسلم المُتَعَقِب من الاعتراض فيما عقب به، فقال ابن حبيب عن ابن الماجشون وغيره من علماء المدينة، وأصبغ من المصريين: هو أن يؤخذ قدر من الفخار وغيره، فيثقب في أسفلها بمثقب يمسكه الأمين عنده، ثم يعلقونها عند انصداع الفجر، وقد جعلت تحتها قصرية، واستعدت جرار المياه، فإذا انصدع الفجر صب الماء في القدر فسال من الثقب، وكلما هم الماء أن ينضب ويفرغ زادوا الصب [في القدر] (٢) حتى يكون سيل الماء من الثقب معتدلًا النهار كله، والليل كله فينحونها ويقتسمون ما اجتمع من الماء على أقلهم سهامًا

стр. 3707

كيلًا أو وزنًا، ثم يجعلون لكل وارث قدرًا يحمل سهمه من الماء، ويثقبون كل قدر بالمثقب الأول، فإذا أراد أحدهم السقى علق قدره، وصرف الماء إلى أرضه، فيسقى ما دام الماء يسيل من القدر، ثم كذلك بقيتهم. ثم إن تَشَاحّوا في التبدئة استهموا فيه، فيتتابعون على ذلك، انتهى كلامه. وقال بعض الصقليين: قوله: "ثم يجعلون لكل وارث قدرًا يحمل سهمه": فإنما يصح ذلك إذا تساوت أنصباؤهم خاصة، وأما إذا اختلفت وكان لبعضهم أكثر، ولبعضهم أقل: كان صاحب الكثير مغبونًا؛ لأن القدر كلما كثرت ثقل فيها [الماء] (١) وقوي جريه من الثقب لزوم الماء بعضه بعضًا إلى الخروج بالقوة حتى [يوافي] (٢) [زمن] (٣) خروجه وفراغه [زمن] (٤) جريه، وفراغه من القدر الصغير؛ لأن أحدهم قد يكون له عشرة أسهم، وللآخر سهم، فإذا أخذ حقه في قدر صغير: خف جرى الماء منها، فيأخذ أكثر من حقه، قال: والذي أرى: أن يقسم الماء على أقلهم [سهامًا] (٥)، فيأخذ صاحب السهم الواحد [سهمه] (٦) في قدر واحد، ويأخذ الآخر سهمه في عشرة قدور، فيكون جري الماء على حد واحد. وقال بعضهم: وهذا الاعتراض الذي اعترض به أبو عبد الله الصقلي صحيح، إلا أنه يرد عليه هو [من الاعتراض مثل ما أوردوا على ابن

стр. 3708

حبيب؛ لأنه أغفل ما هو أشد مما تعقب به عليه، وذلك قوله أولًا: وكل ما هم الماء أن ينصب صبوًا، فهذا عليه من الاعتراض] (١) مثل ما ذكره؛ لأن صب الماء في القدر من الثقب، وهي بخلاف صبه بعد نقصها, ولو [قال] (٢) كل ما نقص من الماء شيء داركوه، كان أسلم حتى يكون جري الماء من الثقب على جري واحد، وقد تفطن لهذا أبو عبد الله بن العطار، وقال: يصب [من الماء] (٣) قدر ما ينتقص به الماء من القدر، ويبقى على ابن حبيب، والصقلي أيضًا في قسمة الماء على ما ذكروه من قدور متفرقة صغارًا كلها على قول الصقلي، أو صغارًا وكبارًا بقدر الأنصباء على قول ابن حبيب أن الليل والنهار ينقصان ويذهبان قبل تمام جري ماء هذه القدور؛ لأنه إن كانت قدرًا كبيرة يجري منها الماء يومًا وليلة، فلا يمكن أن يجري ذلك الماء من قدور صغار وكبار في تلك المُدَّة لقوة جري الماء في الكبار، وضعف اندفاعه من الصغار، فلو قسم الماء على ما قالاه لتمت الليلة واليوم، وبقي بعض الأنصباء ومن الأشراك من لم يسبق، وقد تكلم أبو عبد الله بن العطار فيها، وأخذ طريقًا آخر لم يسلم هو فيه من الاعتراض أيضًا، فقال: إذا أرادوا السقي بعد قسمة الماء، وابتدأ أحدهم بالقرعة أو التراضي يؤخذ ما جاز للمبتدئ بالسقي من مكيلة الماء، ويجمع في الغلة، فإذا فرغ أخذت منه مكيلة الذي يليه، ثم هكذا يفعل لكل واحد منهم إلى أن ينقضي اليوم والليلة [وهما] (٤) الدَّهر كله. قال بعضهم: فاعتراض الصقلي على ابن حبيب لازم لابن العطار؛ لقوة اندفاع الماء الكثير وضعف القليل، وأنه قد يمكن أن يمتد جري هذا

стр. 3709

القليل لضعفه حتى يأخذ من النهار مثل ما أخذ من له مثل سهمه أو أكثر لقوة اندفاع الماء الكثير. قال: وكذلك يبقى عليه ما صورناه من الاعتراض بانقضاء اليوم والليلة قبل فراغ الماء، وهذا مما لا شك فيه، ولولا قولهم: "يفعل ذلك لكل واحد منهم إلى أن ينقضي اليوم والليلة، وهما الدهر كله"، لقيل: لعلهم لم يقصدوا في القسمة بهذا قسمة كل يوم وليلة، وإنما أرادوا بقية الماء قسم الدول المذكورة -كانت في يوم وليلتين، أو دون ذلك، أو أكثر- لكنه ليس مرادهم. ويبقى فيه أيضًا على هذا اعتراض آخر سنذكره في مراعاة سقي الليل من سقي النهار. ويمكن أن يحمل كلام ابن حبيب وأبي عبد الله الصقلي معناه، وأنهما لم يقصدا في القسمة كل يوم وليلة، وإنما قصدا ذلك في الاختيار في أول وهلة، ثم بعد ذلك عند شروعهم في السقي يبدأ الأول -أي: وقت شاء- حتى يتم سقيه، فيأخذ الذي يليه هكذا حتى تتم دولتهم متى تمت من الزمان، ثم يرجعون إلى الأول، كان ذلك في يوم وليلة أو أكثر من ذلك، ويستريح من الاعتراض باختلاف سقي الليل من سقي النهار على ما يأتي؛ إذ باختلاف الدول تأتي دولة بهذا مرة نهارًا ومرة ليلًا، وكذلك الآخر فيعتدلون في ذلك. وذهب ابن لبابة إلى مثل ما ذهب إليه ابن العطار في قسمته من قدر واحد غير أنه سلك في مسلكًا آخر، فقال: إنه يؤخذ قدر [مستوفيه] (١) ويثقب في جانب القدر ثقبًا بقدر الأنصباء لكل قسط من الماء ثقبه في جانب القدر بعد أن يوضع قسط الماء فيها وبعد أن يعلق الثقب الذي في أسفل

стр. 3710

القدر, وتكون ثقبة القسط الثاني من مبلغ القسط الأول في جانب القدر، ثم يثقب للثالث ثقبه عند آخر القسط الثاني، وكذلك يفعل بكل قسط إلى آخرهم سهمًا، فمن خرج سهمه أولًا ألقى ماؤه في القدر، فإن خرجت القرعة لمن له ثلاثة أقساط فتح أول الثقب الأول، فإذا أنقض القسط الذي فوقه فتح للثاني، ثم كذلك الثالث، فإذا تم فقد انقضى سهمه، وكذلك يفعل بمن له قسط وقسطان. وهذا الذي قاله ابن لبابة أيضًا، وإن سَلِم من اعتراض الصقلي، فلا يَسْلَم من اعتراض الثاني؛ لأن خروج الماء من ثقب تحته في جانب القدر ليس في القوة كخروجه أولًا من أسفل القدر مملوءًا في حين الاختبار لقوة اندفاع الماء بسرعة في أول الاختبار إلا أن ذلك لا يضر، ولا يؤثر إلا على مذهب من اعتبر انقضاء الدول في كل يوم وليلة أبدًا على الدوام، وهو ظاهر قول ابن حبيب وغيره. وقد أشار ابن أبي زمنين إلى [نحو] (١) ما ذهب إليه ابن لبابة، وقال: يثقب لصاحب الثلث [في القدر] (٢) ثقبه في مقدار ثلثها، ولصاحب النصف في مقدار نصفها على مقدار أسهامهم، قال: "هكذا رأيته لبعض العلماء"، وهذا يلزمه فيه من الاعتراض ما يلزم ابن لبابة. وقال القاضي أبو الفضل: والذي يظهر مما يقطع هذه الاعتراضات كلها، وهو أقرب في العمل، وأقل في التعب، وأكثر الأواني أن تكون صفة هذه القسمة على ما يرد، وذلك أنا نصبنا القدر مع الفجر، وهي ملأى ولم يغفل عن تدريك الماء [فيها] (٣) أبدًا, ولا يتركوها تنقص حتى

стр. 3711

يكون جري الماء من الثقب طول اليوم والليلة معتدلًا، وإن شئنا جمعنا الماء الخارج في أسفل القدر في آنية ثم قسمناه على أقلهم سهمًا، وإن شئنا جعلنا تحت القدر المعلق آنية عرفنا كيلها أو وزنها، وتدرك بالتي عزلنا هذا القدر المعلق، كلما نقص منها شيء، ثم هكذا يتداول تحتها الآنيتين اليوم والليلة، وقد عرفنا عدد ما ملأناه من الأواني، ونستغني بذلك عن استعداد الماء في الجِرَار لتدريك الماء في القدر، عن استعداد القمار بجميع الماء، فإذا عرفنا عدد الجميع من الأواني وما فيها: قسمنا ذلك على الأنصباء، وعرفنا ما يقع لكل سهم بتلك الآنيتين، فإذا احتاجوا إلى السقي علقنا القدر مملوءًا ونصبنا تحته تلك الآنية مع الفجر، وبدأنا بالأول على ما تقدم، وفتحنا الثقب، وكلما صب من الماء شيء داركناه على ما ذكرنا أولًا حتى يعتدل جريه عند السقي كما كان اعتدل عند الاختبار والقياس، وإذا امتلأت هذه الآنية، فإن كان ذلك قدر نصيبه: أمر بتحويل الماء وجعلت الأخرى لغيره، ورفعت هذه وأدرك بها ما يصب من القدر، ومن كانت له اثنان حتى يمتلئ اثنان، وكذلك من له ثلاثة وأكثر، فإن المدولة بين اثنين أبدًا على ما ذكرناه، ولا يحتاج لغيرهما، والقدر في أثناء ذلك يتعاهد في الصب منها في حين القسمة، والسقي على جريه ما كان منها في حين القياس والاختبار، قال: ولا خلاف ولا مزية أن اليوم والليلة لا يتمان إلا بتمام السقي وانقضاء الدول، واستيفاء جميع الأسهم من هاتين الآنيتين لاعتدل خروج الماء من الثقب الواحد في اليوم والليلة أولًا وآخرًا، قال: ولا يبقى على الاعتراض جملة إلا من وجه واحد لابد من تصويره على كل حال، وقد أشار إليه ابن لبابة، وهو من اختلاف السقي بالليل والنهار، فإن من الناس من يرغب في سقي الليل لكثرة الماء فيه، وسرعته والراحة من معاناة الشمس في تصرف الساقي؛ ولأنه أنفع لما يسقى.

стр. 3712

وقد نقل ابن أبي زيد في آخر "كتاب الدور والأرضين" من "كتاب النوادر" من تعدي على نوبة رجل بالليل، فسقى بها، فأراد أن يعطيه فيها نوبة النهار: أن ذلك لا يلزم المتعدى عليه إلا برضاه؛ لأن سقي الليل أفضل من سقي النهار، ومنهم من يرغب في سقي النهار، لكونه أقل مؤنة ومشقة من معاناة الظلام والسهر. فإذا اختلفت الأغراض هكذا: فلا يصح جمعه في قرعته؛ لأن من خرج سهمه بالليل قد لا يوافقه ذلك [وكذلك من خرج له سهمه بالنهار قد لا يوافقه ذلك] (١) لما ذكرناه، فإذا قلنا بتفريق قسمة القِلد بين الليل والنهار، وأن تجعل قسمة الليل على حدة، والنهار على حدة: فإنه يسلم من هذا الاعتراض إذا كان مدة السقي قريبة من مدة القياس، والاختبار لأجل اختلاف الليالي والأيام بالطول والقصر، إلا أن يقال: إن الضرورة داعية إلى هذا، و [هو] (٢) غاية المقدور كما يجوز أن تقسم الدَّار الواحدة، وبعضها جيد البناء، وبعضها رديء، والأرض الواحدة بعضها كريم، وبعضها رديء مع اختلاف الأغراض في ذلك. قال ابن لبابة: لو قسم ماء كل [ليلة وماء كل] (٣) يوم عرف ما لكل ليلة، وكل يوم على شهور العجم كان أحب إليَّ وأجود لاختلاف الليالي والأيام. وقال بعض المتأخرين: ولكن مثل هذا يشق ويحتاجون أن يعملوا ذلك السنة كلها [للقيام] (٤) ثم بعد [ذلك] (٥) يجرون ما يأتي من السنين

стр. 3713

المقبلة، ولياليها على ما تقرر عندهم في السنة التي اختبروا فيها، فإن كان بعض الأرض قريبة من البلد، وبعضها بعيدة منه فمتى يحسب [له] (١) شربه من الماء، فهذا يحتاج إلى تفصيل، وتحصيل القول ثم لا يخلو الشركاء في ذلك الماء من أن يكون ابتداء شركتهم في الأرض معلوم إما بميراث وغيره، أو كان أمرًا مجهولًا. فإن كان ابتداء شركتهم أمرًا معلومًا، ثم تقاسموها بعد ذلك، فإن من بَعُدَت أرضه يحسب له من حين علق سهمه في القدر، وليس له أن يقول: لا تحسبوا عليّ حتى يصل الماء أرضي؛ لأن أرضه حين القسمة قد قومت لبعدها من القلد بدون ما قومت به القريبة منه التي صارت لغيره، ولو كان لا يحسب له الماء حتى يصل أرضه لاستوت به القريبة التي صارت لغيره، ولو كان لا يحسب [له] (٢) الماء حتى يصل أرضه [لاستوت] (٣) في التقويم [القريبة] (٤) والبعيدة، وذلك مما لا يعمل به في قسمة القرعة بعد التقويم والتعديل. فإن جهل أمر ذلك، ولم يعلم أصل هذه الأراضي، ولا كيف كان أصل ملكهم فيها إلا أنهم شركاء في الماء والقلد: فلا يحسب على البعيد الأرض السقي حتى يبلغ أرض، وإلى هذا ذهب [أبو] (٥) عبد الله بن العطار في "ثمانية أبي زيد"، وعن [ابن القاسم وعبد الملك] (٦) مثله في القوم يرثون الأرض، وعليها ماء مأمون كثير، فيقتسمون الأرض

стр. 3714

والشرب، وبعضهم أقرب إلى العين، ثم يقل الماء، فيقوم بمن قربت أرضه، ولا يقوم بمن بعدت، فأراد رد القسم فيقال: أما قسمة الأرض فقد مضت، وترك قسمة الماء، فيزاد لمن بعد على من قرب بقدر ما يستوي البعيد، والقريب في السقي، فيكون للبعيد منه أكثر مما للقريب على مثل ما لو قسمت بالماء قسمًا واحدًا لكانت كذلك، وهذا مثل ما قال ابن العطار لأن قسمتهم الأولى فيها مراعاة قرب الماء من بعده، لا من قلَّة الماء وكثرته كما لو كانت أرض مطر. وما قاله ابن العطار هو عين المذهب، ولا أعلم من أهل المذهب من يقول غير ذلك، وتأمل ذلك كله وقف عليه، فإنك لا تجده مجموعًا [ولا] (١) مشروحًا موضوعًا نحو هذا الموضع، وبه قال أصبغ: وكان ابن القاسم [يقول] (٢) يقسم الماء بالقلد، ولم يفسره ولا شرحه [والحمد لله وحده] (٣).

стр. 3715

المسألة الثانية عشر [في] (١) طرءان الموصى له أو وارث على الورثة بعد القسمة وإن كان قد تقدم الكلام على طروء الوارث على الورثة بعد القسمة في كتاب المديان، فإنا نكرر ذكره في هذه المسألة لزيادة بيان ووضوح إشكال. فأما طروء الموصى له: فلا يخلو من أن يطرأ على الورثة، أو يطرأ على الموصى لهم. فإن طرأ على الورثة: فلا تخلو التركة من أربعة أوجه: أحدها: أن تكون عينًا. والثاني: أن تكون عروضًا. والثالث: أن تكون عقارًا أو رياعًا. والرابع: أن تشتمل على جميع ذلك. فإن كانت التركة عينًا؛ دنانير ودراهم، أو يقضي بمثله من المكيل، والموزون من الطعام والعروض: فلا يخلو الورثة من أن يكونوا كلهم مياسير، أو يكون بعضهم موسرًا، وبعضهم معسرًا. فإن استووا في اليسر: فإن الموصى له يتبع كل واحد من الورثة بقدر ما ينوبه من تلك الوصية، ولا تنتقض القسمة إلا على مذهب من يرى أن نقضها من حق الله تعالى. فإن كان بعضهم موسرًا، وبعضهم معسرًا، هل يتبع الموسر بقدره
следующие страницы →