← Фикх малики

Фикх малики · id 123685

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

الرجراجي، علي بن سعيد

Полный текст (4 240 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.

стр. 3711

يكون جري الماء من الثقب طول اليوم والليلة معتدلًا، وإن شئنا جمعنا الماء الخارج في أسفل القدر في آنية ثم قسمناه على أقلهم سهمًا، وإن شئنا جعلنا تحت القدر المعلق آنية عرفنا كيلها أو وزنها، وتدرك بالتي عزلنا هذا القدر المعلق، كلما نقص منها شيء، ثم هكذا يتداول تحتها الآنيتين اليوم والليلة، وقد عرفنا عدد ما ملأناه من الأواني، ونستغني بذلك عن استعداد الماء في الجِرَار لتدريك الماء في القدر، عن استعداد القمار بجميع الماء، فإذا عرفنا عدد الجميع من الأواني وما فيها: قسمنا ذلك على الأنصباء، وعرفنا ما يقع لكل سهم بتلك الآنيتين، فإذا احتاجوا إلى السقي علقنا القدر مملوءًا ونصبنا تحته تلك الآنية مع الفجر، وبدأنا بالأول على ما تقدم، وفتحنا الثقب، وكلما صب من الماء شيء داركناه على ما ذكرنا أولًا حتى يعتدل جريه عند السقي كما كان اعتدل عند الاختبار والقياس، وإذا امتلأت هذه الآنية، فإن كان ذلك قدر نصيبه: أمر بتحويل الماء وجعلت الأخرى لغيره، ورفعت هذه وأدرك بها ما يصب من القدر، ومن كانت له اثنان حتى يمتلئ اثنان، وكذلك من له ثلاثة وأكثر، فإن المدولة بين اثنين أبدًا على ما ذكرناه، ولا يحتاج لغيرهما، والقدر في أثناء ذلك يتعاهد في الصب منها في حين القسمة، والسقي على جريه ما كان منها في حين القياس والاختبار، قال: ولا خلاف ولا مزية أن اليوم والليلة لا يتمان إلا بتمام السقي وانقضاء الدول، واستيفاء جميع الأسهم من هاتين الآنيتين لاعتدل خروج الماء من الثقب الواحد في اليوم والليلة أولًا وآخرًا، قال: ولا يبقى على الاعتراض جملة إلا من وجه واحد لابد من تصويره على كل حال، وقد أشار إليه ابن لبابة، وهو من اختلاف السقي بالليل والنهار، فإن من الناس من يرغب في سقي الليل لكثرة الماء فيه، وسرعته والراحة من معاناة الشمس في تصرف الساقي؛ ولأنه أنفع لما يسقى.

стр. 3712

وقد نقل ابن أبي زيد في آخر "كتاب الدور والأرضين" من "كتاب النوادر" من تعدي على نوبة رجل بالليل، فسقى بها، فأراد أن يعطيه فيها نوبة النهار: أن ذلك لا يلزم المتعدى عليه إلا برضاه؛ لأن سقي الليل أفضل من سقي النهار، ومنهم من يرغب في سقي النهار، لكونه أقل مؤنة ومشقة من معاناة الظلام والسهر. فإذا اختلفت الأغراض هكذا: فلا يصح جمعه في قرعته؛ لأن من خرج سهمه بالليل قد لا يوافقه ذلك [وكذلك من خرج له سهمه بالنهار قد لا يوافقه ذلك] (١) لما ذكرناه، فإذا قلنا بتفريق قسمة القِلد بين الليل والنهار، وأن تجعل قسمة الليل على حدة، والنهار على حدة: فإنه يسلم من هذا الاعتراض إذا كان مدة السقي قريبة من مدة القياس، والاختبار لأجل اختلاف الليالي والأيام بالطول والقصر، إلا أن يقال: إن الضرورة داعية إلى هذا، و [هو] (٢) غاية المقدور كما يجوز أن تقسم الدَّار الواحدة، وبعضها جيد البناء، وبعضها رديء، والأرض الواحدة بعضها كريم، وبعضها رديء مع اختلاف الأغراض في ذلك. قال ابن لبابة: لو قسم ماء كل [ليلة وماء كل] (٣) يوم عرف ما لكل ليلة، وكل يوم على شهور العجم كان أحب إليَّ وأجود لاختلاف الليالي والأيام. وقال بعض المتأخرين: ولكن مثل هذا يشق ويحتاجون أن يعملوا ذلك السنة كلها [للقيام] (٤) ثم بعد [ذلك] (٥) يجرون ما يأتي من السنين

стр. 3713

المقبلة، ولياليها على ما تقرر عندهم في السنة التي اختبروا فيها، فإن كان بعض الأرض قريبة من البلد، وبعضها بعيدة منه فمتى يحسب [له] (١) شربه من الماء، فهذا يحتاج إلى تفصيل، وتحصيل القول ثم لا يخلو الشركاء في ذلك الماء من أن يكون ابتداء شركتهم في الأرض معلوم إما بميراث وغيره، أو كان أمرًا مجهولًا. فإن كان ابتداء شركتهم أمرًا معلومًا، ثم تقاسموها بعد ذلك، فإن من بَعُدَت أرضه يحسب له من حين علق سهمه في القدر، وليس له أن يقول: لا تحسبوا عليّ حتى يصل الماء أرضي؛ لأن أرضه حين القسمة قد قومت لبعدها من القلد بدون ما قومت به القريبة منه التي صارت لغيره، ولو كان لا يحسب له الماء حتى يصل أرضه لاستوت به القريبة التي صارت لغيره، ولو كان لا يحسب [له] (٢) الماء حتى يصل أرضه [لاستوت] (٣) في التقويم [القريبة] (٤) والبعيدة، وذلك مما لا يعمل به في قسمة القرعة بعد التقويم والتعديل. فإن جهل أمر ذلك، ولم يعلم أصل هذه الأراضي، ولا كيف كان أصل ملكهم فيها إلا أنهم شركاء في الماء والقلد: فلا يحسب على البعيد الأرض السقي حتى يبلغ أرض، وإلى هذا ذهب [أبو] (٥) عبد الله بن العطار في "ثمانية أبي زيد"، وعن [ابن القاسم وعبد الملك] (٦) مثله في القوم يرثون الأرض، وعليها ماء مأمون كثير، فيقتسمون الأرض

стр. 3714

والشرب، وبعضهم أقرب إلى العين، ثم يقل الماء، فيقوم بمن قربت أرضه، ولا يقوم بمن بعدت، فأراد رد القسم فيقال: أما قسمة الأرض فقد مضت، وترك قسمة الماء، فيزاد لمن بعد على من قرب بقدر ما يستوي البعيد، والقريب في السقي، فيكون للبعيد منه أكثر مما للقريب على مثل ما لو قسمت بالماء قسمًا واحدًا لكانت كذلك، وهذا مثل ما قال ابن العطار لأن قسمتهم الأولى فيها مراعاة قرب الماء من بعده، لا من قلَّة الماء وكثرته كما لو كانت أرض مطر. وما قاله ابن العطار هو عين المذهب، ولا أعلم من أهل المذهب من يقول غير ذلك، وتأمل ذلك كله وقف عليه، فإنك لا تجده مجموعًا [ولا] (١) مشروحًا موضوعًا نحو هذا الموضع، وبه قال أصبغ: وكان ابن القاسم [يقول] (٢) يقسم الماء بالقلد، ولم يفسره ولا شرحه [والحمد لله وحده] (٣).

стр. 3715

المسألة الثانية عشر [في] (١) طرءان الموصى له أو وارث على الورثة بعد القسمة وإن كان قد تقدم الكلام على طروء الوارث على الورثة بعد القسمة في كتاب المديان، فإنا نكرر ذكره في هذه المسألة لزيادة بيان ووضوح إشكال. فأما طروء الموصى له: فلا يخلو من أن يطرأ على الورثة، أو يطرأ على الموصى لهم. فإن طرأ على الورثة: فلا تخلو التركة من أربعة أوجه: أحدها: أن تكون عينًا. والثاني: أن تكون عروضًا. والثالث: أن تكون عقارًا أو رياعًا. والرابع: أن تشتمل على جميع ذلك. فإن كانت التركة عينًا؛ دنانير ودراهم، أو يقضي بمثله من المكيل، والموزون من الطعام والعروض: فلا يخلو الورثة من أن يكونوا كلهم مياسير، أو يكون بعضهم موسرًا، وبعضهم معسرًا. فإن استووا في اليسر: فإن الموصى له يتبع كل واحد من الورثة بقدر ما ينوبه من تلك الوصية، ولا تنتقض القسمة إلا على مذهب من يرى أن نقضها من حق الله تعالى. فإن كان بعضهم موسرًا، وبعضهم معسرًا، هل يتبع الموسر بقدره

стр. 3716

[والمعسر بقدره] (١) أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يتبع كل واحد بقدر ما ينوبه، ولا يأخذ الملي بالمعدم، وهو قول مالك في "الكتاب". والثاني: أنه يقاسم الموسر جميع ما في يديه ثم يرجعان جميعًا على الوارث المعدم فيتبعانه، وهو قول أشهب، وابن عبد الحكم في الوارث يطرأ على الورثة، ويطرأ الموصى له بجزء غير معين على الورثة كطروء الوارث على الورثة على مشهور المذهب. والثالث: أنه يستوفي من الموسر جميع وصيته، ثم يرجع الموسر على بقية الورثة كغريم طرأ على الورثة، وهو قول ابن حبيب، ومثله في "كتاب ابن المواز". وسبب الخلاف: اختلافهم [في فهم] (٢) طروء الموصى له بجزء على الورثة، هل هو كوارث طرأ على الورثة، أو كغريم طرأ على الغُرَمَاء؟ فمن شبهه بالغريم لاحظ قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٣). فمن شبهه بالوارث رأى أن له جزءًا معلومًا كواحد منهم، وهو المشهور في النقل. فإن كان التركة عروضًا لا تكال ولا توزن: فقد طرأ عليهم موصى له فقد ساوى في [جواب] (٤) المسألة في "كتاب القسمة" من "المدونة"

стр. 3717

بين العين والعروض، فقال: إن كانت دراهم أو عروضًا: فإنما لهذا الموصى له أن يتبع كل وارث بما صار في يده من حقه، وقد اختلف في تأويل ذلك على قولين: أحدهما: أن تلك العروض مستوية القيم، وهو تأويل أصبغ، وقال بعض المتأخرين، يريد أصبغ: إذا كان يخرج نصيب الطارئ في عين من هذه العروض [لاستوائها] (١) واستواء أنصبائهم في الميراث؛ مثل أن يكون الورثة ابنين، أو أخوين، وترك الميت ستة أثواب أو ستة أعبد مستوية القيم، فقسماها ثلاثة ثلاثة: بهذا الطارئ الموصى له يأخذ ثلث كل ما بيد واحد منهما ثوبًا أو عبدًا؛ إذ هو حقه من وصيته، فحصل له ثوبان كما حصل لكل واحد منهما، ويكون ذلك كالعين ولا تنتقض القسمة. والثاني: أن مراده بالعروض المذكورة: المكيل والموزون دون المعدودة منها، وهو تأويل بعض الأصحاب، وضعفوا قول أصبغ في ذلك، وما قالوه ليس بظاهر، وتأويل أصبغ أظهر، وأصح علي ما فسر به بعضهم مراده، وهو أسعد بظاهر الكتاب، وأسلم من التناقض. وأما إن كانت التركة عقارًا، أو رياعًا: فلا يخلو الموصى له من وجهين: إما أن يوصى [له] (٢) بشيء بعينه، وإما أن يوصى له بجزء شائع. فإن أوصى له بشيء بعينه: فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن تكون الوصية بعين بعينه. والثاني: أن تكون في جنس بعينه.

стр. 3718

فإن كانت الوصية في عين بعينه؛ مثل أن يوصى له بعبد بعينه أو بدار بعينها، والثلث يحملها، فللموصى له أن يأخذ ذلك من الوارث إن أدركه بيده كالاستحقاق، ويرجع الوارث المأخوذ منه على الورثة كأن الميت لم يخلف ذلك. فإن فات من يد الوارث: فلا يخلو ذلك الفوت من أن يكون باختياره أو بغير اختياره. فإن كان ذلك باختياره؛ مثل أن يبيعه، أو يهبه، أو يعتقه: فالهبة، والعتق يكون فيهما الرَّد للموصى، ويأخذ عين ما أوصى له [به] (١) وليس له إلى التضمين سبيلًا. وفي البيع يكون له الخيار مع قيامه عند المشتري، إن شاء أخذ عين شيئه، وإن شاء جوز البيع ويأخذ الثمن، فإن فات به المشتري، ولم يقدر عليه أو مات عنده أو هلك: فليس للموصى له إلا الثمن يأخذه من الوارث. فإن كان فواته بغير اختيار الوارث، ولا له فيه سبب؛ مثل أن يهلك بسبب من السماء: فلا يخلو من أن يصير إلى الوارث في سمهم بالقرعة، أو بالتراضي [فإن صار إليه بالقرعة لم يرجع عليه الموصى له بشيء، فإن صار إليه بالتراضي] (٢) أو بوجه المبايعة كان له أخذ الثمن من أيدي الورثة، ويجوز فعلهم ويسقط من جملة الثمن نصيب الوارث الذي اشتراه؛ لأنه لم يشتر نصيب نفسه، وإنما اشترى سهام بقية الورثة. فإن لم يحمله الثلث كان [الموصى] (٣) له في الاتباع [فيما] (٤)

стр. 3719

يحمله الثلث منه على نحو ما مضى إذا حمله الثلث؟ فأما إذا كانت الوصية في جنس بعينه؛ مثل أن يوصى له بعبد من عبيده أو بدار من دوره من غير أن يعين عبدًا, ولا دارًا كان الموصى له شريكًا للورثة، وهو في ذلك بمنزلة وارث طرأ على الورثة، فإن خلف الميت ثلاثة أعبد أو ثلاثة آدر كان شريكًا بالثلث، وإن كانوا أربعة فالربع. ثم لا يخلو ذلك الجنس الذي فيه الوصية من أن يكون مما يعتدل في القسم أم لا؛ فإن كان مما يعتدل في القيم حتى يخرج للموصى له عبدًا أو دارًا كان له أن ينقض القسمة ثم يقرع بينهم، فيأخذ ما يخرجه له القسم. فإن كانوا لا يعتدلون في القسم، هل تنقض القسمة أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أن القسمة تنتقض. والثاني: أنها لا تنتقض، ويكون شريكًا في كل عبد، وفي كل دار بقدر وصيته، وهو المشهور. فأما إذا أوصى له بجزء مثل أن يوصى له بثلث عبيده، أو بثلث دياره، ولم يكن له مال سوى العبيد أو الدور: فالجواب فيه كالجواب إذا أوصى له في جنس بعينه، وقد قدمناه. فإن كانت التركة على دنانير ودراهم وعروض ورِيَاع: فلا تخلو من أن تكون وصية لمطلقة، أو مقيدة. فإن كانت مطلقة؛ مثل أن يوصى له بثلث جميع ماله، والثلث يحتمل ذلك: فإنه يكن شريكًا للورثة في كل ما قلَّ وجلَّ، وتنتقض القسمة فيما عدا العين من المعدود من العروض، وجميع الرياع إن كانت تحتمل القسمة، قولًا واحدًا. وفي انتقاضها في العين والمكيل والموزون، وفيما لا ينقسم من الرياع

стр. 3720

قولان. وسبب الخلاف: هل يُغلَّب في ذلك حق الله فتنتقض، أو يُغلَّب حق الآدمي ثم لا تنتقض. فإن كانت وصية مقيدة في عين بعينه؛ مثل أن يقول: ثلث مالي لفلان يأخذها في الدار الفلانية أو في العبد الفلاني، فإن حمل ذلك الثلث: كان له أخذ ذلك من يد من هو فيه من الورثة، ويرجع على الورثة كما لو أوصى [له] (١) بذلك الشيء بعينه وحمله الثلث. فإن لم يحمله الثلث: فإنه يكون شريكًا بما حمل الثلث من ذلك العين مع الورثة، وهو في ذلك كواحد منهم. فأما طروء الموصى له على الموصى لهم: فلا يخلو الطارئ من أن تكون وصيته في شيء بعينه، ووصية الأول في شيء آخر بعينه، أو كانت وصية الأول في عين بعينه، ووصية الطارئ في شيء غير معين. فإن كانت الوصيتان في عين بعين [مثل أن تكون للأول بعبد بعينه] (٢) فأخذه ثم طرأ آخر بوصية بعبد آخر صار إلى أحد الورثة، فإن كان الثلث يحمل الوصيتين جميعًا: مضى الأول لمن أخذه، ويرجع الطارئ على من أخذ العبد من الورثة، فيأخذه منه. وإن كان الثلث لا يحملهما: فإن الطارئ يأخذ من وصيته قدر ما ينوبه في المحاصة ثم يرجع الورثة على الموصى له الأول بما فضل عنده بما ينوبه في المحاصة. فإن اختلفت الوصيتان؛ مثل أن تكون الأولى في عبد بعينه، أو دارًا

стр. 3721

بعينها، والثانية بعبد أو بدار غير معينة، فإن حمل الثلث الوصيتين جميعًا: كان مقال الطارئ مع الورثة دون الموصى له الأول. فإن كان الثلث لا يحملهما: كان له الرجوع على الفريقين؛ فيرجع على الموصى بما فضل عنده، ويرجع على الورثة بما فضل عندهم من ثلث الميت. واختلف هل يكون كوارث طرأ على ورثة، فيتبع الموسر بما كان يتبعه لو استووا جميعهم في اليسر، أو هو كغريم طرأ على ورثة، فيأخذ وصيته من جميع ما بيد الموسر؟ فالمذهب في ذلك على قولين: والجواب عن السؤال الثاني: في طروء الوارث على الورثة بعد القسمة، وقد أومأنا بأن هذا الفصل مذكور قبل هذا لكنا نذكر هنا طرفًا منه غير مستوعب هناك، فنقول: وقد اختلف المذهب في طروء الوارث على الورثة، هل يتبع كل واحد [منهم] (١) بما ينوبه وجدهم أملياء أو عدمًا أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه يتبع كل واحد منهم بقدر ما يَنُوبه من ميراثه، ولا يأخذ المَلِي بما على المُعْدَم، وهو قول ابن القاسم، وهو مشهور المذهب. والثاني: أنه إذا وجد واحدًا من الورثة شاركه فيما بيديه حتى كأنه لم يترك الميت غيرهما، ثم يتبعان بقية الورثة، فمن أيسر منهم دخلوا معه، وساووه وهكذا حتى يعتدلوا كغريم طرأ على الورثة، وهو قول أشهب، وابن عبد الحكم في "الموازية"، وعلى هذا القول بني محمَّد بن المواز المسألة الواقعة [في كتابه] (٢) فيمن هلك وترك امرأة وابنًا، فأخذت المرأة

стр. 3722

الثُمن، وأخذ الابن سبعة أثمان، ثم طرأت امرأة أخرى، فوجدت صاحبتها معسرة، والابن موسرًا: حيث قال: بأن الطارئة ترجع على الابن بثلث خمس ما صار له، وهو جزء من خمسة عشر جزءًا. يريد أن جملة المال ثمانية للمرأتين ثمن غير مقسوم عليهما، فانكسرت الفريضة، فصحت من ستة عشر، فللابن أربعة عشر، وللحاضرة جزء، وللطارئة جزء، وقد أخذت الحاضرة أكثر من نصيبها، فكان الباقي مقسومًا على ما لكل واحدة، فللطارئة جزء، وللابن أربعة عشر جزءًا, فلهذا وجب لها على الابن جزء من خمسة عشر جزءًا مما أخذ؛ لأن ما مضى عند المعسرة كالذاهب، وكأنه لم يكن. وعلى [هذا] (١) القول، فإن الطارئ يرجع على كل واحد من الورثة بمقدار ما ينوبه: فإنها لا ترجع إلا على صاحبتها متى أيسرت؛ لأن [الابن] (٢) ليس في [يديه] (٣) إلا حقه فقط. فلو قالت الطارئة لما قدمت [قد] (٤) صار إلى ميراثي كان ذلك كقولها: قد تركت لكما ميراثي لا حاجة لي به: فإن القسمة تنتقض على قول أشهب، وابن عبد الحكم، ويقتسمان على خمسة عشر جزءًا للابن أربعة عشر جزءًا ولهذه جزء، ويعلم أنه قد صار لهذه الطارئة مثل ما أخذت هذه الحاضرة من الابن، فيصير ذلك ستة عشر سهمًا، فتقسم على العدل. وأما على قول ابن القاسم، فلا تنتقض أصلًا؛ لوصول كل واحد منهما إلى حقه.

стр. 3723

المسألة الثالثة عشر في أجرة [القسَّامة] (١) وشهادتهم على ما قسموا فأما أجرتهم فلا تخلو من ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون أجرتهم راتبة في بيت مال المسلمين. والثاني: أن تكون أجرتهم في مال الأيتام قسموا أو لم يقسموا. والثالث: أن يستأجروهم أهل التركة على أن يقسموا بينهم. فأما الوجه الأول: إذا كان [للقسَّام] (٢) رزقًا مطلقًا برسم من بيت المال: فلا بأس به، ولا يجوز لهم مع ذلك أن يأخذوا من [التركة] (٣) قليلًا ولا كثيرًا؛ كالقاضي المرتزق. وقال ابن القاسم في "العتبية": وينبغي للإمام أن يختار رجلًا يرضاه يقيمه لذلك، ويجري له عطاء مع الناس كما يجري للقاضي وغيره ممن يحتاج إليه المسلمون. وأما الوجه الثاني: إذا كان يفرض لهم من أموال اليتامى -قسموا أو لم يقسموا- يجعل لهم على الناس جُعلًا معلومًا: فهذا حرام لا يحل بالإجماع، وبه علل سحنون مرة في الكتاب، وقال: لأنه يفرض لهم من أموال اليتامى. وأما الوجه الثالث: إذا [لم يكن] (٤) لهم رزق في بيت المال، ولا

стр. 3724

رَسَم لهم في التركات جُعلًا معلومًا، ومن احتاج إليهم استأجرهم: فهذا لا خلاف في جوازه إذا كان القاسم عدلًا عارفًا بأحكام القسمة. وإنما اختلف هل يجوز ذلك بغير كراهة، أو يجوز مع الكراهة على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: الجواز من غير كراهة، وهو قوله في "كتاب الوثيقة". والثاني: الجواز مع الكراهة، وهو ظاهر قوله في "الكتاب": "وقد كان خارجة، ومجاهد [يقسمان و] (١) لا يأخذان لذلك [جعلًا] (٢) "، وهو نص قوله في "كتاب ابن حبيب". فإذا وقعت الإجارة على قسمة الفريضة، هل تكون على عدد الرؤوس أم على عدد الأنصباء؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنها على عدد الرؤوس؛ لأن استخراج السهم القليل أشد على القاسم من استخراج السهم الكثير؛ لأنه يحتاج إلى بسط الفريضة ونشرها، إلا إذا كان فيه السهم القليل كالثمن والسدس؛ إذ لا تكاد تسلم من الانكسار في أغلب الأحوال، وهو قول مالك في الكتاب. والثاني: أنها على عدد الأنصباء، وهذا القول أيضًا يؤخذ من المدونة من مسألة الشفعة، وهو الأظهر في النظر؛ لأن كل واحد لا يؤدي إلا على قدر العناء في حقه، وهو قول أصبغ في أجرة كاتب الوثيقة. وأما أجرة كاتب الوثيقة: فلا تخلو من وجهين:

стр. 3725

أحدهما: أنه يصدر الوثيقة، ولا يشهد فيها. والثاني: أنه يصدرها ويشهد فيها. فإن كان يصدر الوثيقة، ولا يشهد فيها: فهذا لا إشكال في جواز أخذ الأجرة على ذلك، وهل ذلك بكراهة أو بغير كراهة أم لا؟ على قولين. وهل ذلك على عدد الرؤوس أو على عدد الأنصباء؟ قولان: أحدهما: أن ذلك على عدد الأنصباء، وهو قول أصبغ. والثاني: أن ذلك على عدد الرؤوس، وهو قوله في "كتاب الأقضية" من "المدونة". فإذا ثبت ذلك، فعلى من تكون هذه الأجرة، هل على الدافع، أو على القابض، أو عليهما معًا؟ فهذا يحتاج إلى تفصيل وتحصيل؛ فنقول: لا يخلو هذا المال من أن يكون فيه عمل الفريضة، وحساب الأجزاء، أو لا يكون فيه إلا الدفع خاصة. فإن كان فيه عمل الفريضة، وحساب الأجزاء، والقبض، والدفع: فإن الأجر في ذلك على جميعهم، قولًا واحدًا؛ لأن المنفعة في ذلك لهم جميعهم، ولولا عمل حسابهم لم يطل، ولم يكثر كتابها, ولا حقق ما يقبض كل واحد منهم، ولا تفاضل بعضهم من بعض. فإن لم يكن فيها عمل ولا حساب، وإنما هو مجرد القبض لا غير، وليس فيه قسمة ولا كبير عمل، وإنما هو توثقة للدافع، وبراءة له: ففي هذا الوجه اختلف المذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أن الأجرة كلها على الدافع [وحده] (١) ولا شيء على

стр. 3726

الآخرين، وهو قول سحنون. والثاني: أن الأجرة على القابض، ولا شيء على الدافع، وهو قول ابن القاسم في سماع عيسى في "العتبية". والثالث: أن الأجرة عليهما جميعًا -على الدافع والقابض- وهو قول ابن القاسم عن مالك في "المدونة" في "كتاب القسمة"، و"كتاب الأقضية". فوجه قول من قال: إن الجعل على الدافع وحده؛ لأن المنفعة في التوثق وحده، فعليه أن يوثق لنفسه بما يبرئ به ذمته. ووجه القول الثاني: أن [المنفعة في] (١) التوثق للقابضين لئلَّا يتوجه له عليهم دعوى، أو لأحد من سببه أنه دفعه إليهم قرضًا، أو قراضًا، أو وديعة، أو دينًا كان لهم عليه، ولهم فيه منفعة أيضًا من وجه آخر مخافة أن يطرأ عليهم وارث أو غيره، فمن يثبت له في هذا المال حق، فيدعي عليهم أنهم قد قبضوا أكثر مما اعترفوا به، ولا شيء على الدافع؛ لأنه متطوع بقبض المال، والنظر فيه بغير منفعة له فيه إلا إعانة مسلم لمسلم؛ لأن المال في غير ذمة، وهذا كله في مثل الوديعة، والقراض. ووجه القول الثالث: أن المنفعة في ذلك للقابض والدافع، ولا مزية لأحدهما على الآخر. فأما الوجه الثاني: إذا كان يصدر الوثيقة ويشهد فيها، فهل يجوز أخذ الجعل عليها أم لا: أما الجواز فقد استمر عليه عمل أهل الزمان في مشارق الأرض ومغاربها، واتخذ الشهود أسواقًا في أمهات البلاد يبيعون فيها الشهادة بالدراهم، والفلوس، وجعلوا ذلك أحد الحرف، وأطيب

стр. 3727

المباحات، فليت شعري من أين لهم ذلك، وهل أوتوا في ذلك نصوص من إمام المذهب أبي عبد الله مالك بن أنس ﵁ أم اغتروا بما وقع له في أمهات المذهب من إطلاق الكلام في أجرة كاتب الوثيقة؟ فإن وقفوا على نص مالك ﵀ أو واحد من أصحابه أنه يجوز للشاهد أن يأخذ الجعل على شهادته فسمعًا وطاعة وحبًا وكرامة، فإن لم يكن إلا التعلق بالظواهر فهيهات، وأنى ترجى النجاة لغريق يتعلق بأرجل الضفادع؛ بل الذي دلَّت عليه ظواهر المذهب خلاف ذلك، وأن ذلك لا يجوز منها، وأن ذلك من باب الشهادة بجعل، ولا أظن يخالف أحد من المسلمين أن رجلًا لو سأل شاهدًا أن يشهد له على حد أو حق، فقال: لا أشهد لك إلا بجعل، أن ذلك لا يجوز، وأن شهادته إن شهد على ذلك الوجه مردودة ساقطة [. .] (١) جوز بعض أرباب المذهب لمن طلب الشهود في البادية أن يؤدوا له الشهادة عند القاضي في البلد، ومسافتهم بعيدة: أن يكري لهم دوابًا يركبونها للضرورة الداعية إلى ذلك، ومن ذلك يؤدي إلى إسقاط الثقة بشهادته؛ لأن الحرص على أخذ الجعل يحمله على ترك الاستقصاء في تحمل الشهادة على وجهها؛ ولأنه من باب الجار إلى نفسه. ومنها أيضًا على ما هو عوهد من أحوالهم في [الحواضر] (٢) أنهم يشتركون فيما يأخذونه من الجعل، وذلك أيضًا فيه ما فيه؛ لأنهم لا يخلو من أن يكون الشريكان في حانوت واحد، أو في حوانيت. فإن [كانا] (٣) في حانوت واحد: فلا يخلو من أن يتساويا في الجعل، أو يختلفا.

стр. 3728

فإن تساوت سهامهما [في ذلك] (١)؛ كان من أكل المال بالباطل؛ لأن أحدهما يصدر الوثيقة ويشهد فيها، والآخر يشهد خاصة، ومعلوم أن الذي يصدر الوثيقة، ويشهد أكثر عناءً من الذي يضع اسمه خاصة، وشركة الأبدان مبنية على التساوي فيه العمل، والاعتدال على مشهور المذهب. فإن اختلفت سهامهما في الجعل، وأنه يقسم على قدر عملهما، فكيف يُدْرَك ذلك ويُعْرَف؟ ومن الوثائق ما يطنب فيها الكلام، ويحتاج فيها الموثق إلى أتعاب القرعة في استنتاج المقاصد؛ لأن الموثق مصنف، ومنها ما يختصر في الكلام، ومثل ذلك لا يتمكن فيه التجزئة. فإن افترقا فيه حانوتين: فقد زاد على ذلك الوجه في المنع وجه آخر؛ وهو اختلاف المواضع، وشركة الأبدان إنما جازت في مشهور مذهب مالك بثلاثة شروط: اتحاد الصنعة، واتحاد المنفعة، وعدم التفاضل، إلا الشيء المغتفر، على ما أشبعنا فيه الكلام في "كتاب الشركة". فكيف تقبل شهادة من تعرض لهذه المشكلات وتورط في هذه [الشبهات] (٢) وبنى أصل دينه على الخلافيات، والله تعالى يقول في محكم كتابه: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ (٣)، وقال سبحانه: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ (٤). ومن يأخذ الجعل على وضع الشهادة فما أقامها لله، ولا شهد لله؛ بل هو شاهد لنفسه، ومغتنم فلسه، وذلك مما نستجير الله فيه.

стр. 3729

وأما شهاد القسَّام فيما قسموه إذا تنازع فيه الورثة، وأنكروا القسمة، أو اعترفوا بها إلا أنه يتجاوز بعضهم إلى حق صاحبه، هل تقبل شهادتهم أم لا؟ فلا يخلو من أن يكون ذلك ببعثة الحاكم، أو ببعثة الورثة؛ فإن كان ذلك ببعثة الحاكم: فلا يخلو الحاكم الذي يرفع إليه القاسم الشهادة من وجهين: إما أن يكون هو الذي بعثه، وإما أن يبعثه غيره ممن درج من الحكام. فإن كان هو الذي بعثه، فهل تقبل شهادته أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أن شهادة القَسَّام في ذلك جائزة، والحاكم يقبلها إذا علم الآن أنه أمره بذلك، وكذلك كلما لا يباشره القاضي بنفسه من القود, ولا خلاف والنظر إلى العيب، وهو قول ابن الماجشون في "العتبية". والثاني: أن شهادة القسام في ذلك لا تقبل؛ لأنهم شهدوا على فعل أنفسهم، وهو قول سحنون في "كتاب ابنه"، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة"؛ لأنه أطلق المنع في "الكتاب"، ولم [يُفَصِّل] (١). [و] (٢) القول بجواز شهادتهم، هل يجزئ من ذلك واحد، أو لابد من اثنين؟ فالمذهب على قولين، ومشهور المذهب أن الواحد يجزئ من ذلك. وسبب الخلاف: هل طريقه طريق الخبر، أو طريقه طريق الشهادة؟ فإن انقضى الذي بعثهم إلى القسمة، وتولى النظر غيره، أو كانوا ببعثة

стр. 3730

الورثة، وهو الوجه الثاني من أصل التقسيم: فلا يخلو من أن تقوم له البينة على بعثهم، أو لم تقم. فإن لم تقم بينة عادلة على بعثهم: فلا تقبل شهادتهم، قولًا واحدًا. فإن قامت البينة على أن القاضي الذي درج قد بعثهم، وأنه قد نفذ قسمتهم، وأن الورثة تراضوا بذلك والتزموه بعد القسمة، فهل يقبل المتولي النظر بشهادتهم أم لا؟ على قولين: أحدهما: أن شهادتهم جائزة، وأنه يلزم الحاكم العمل بمقتضاها، وهو قول ابن حبيب في "الواضحة" وغيرها. والثاني: أنها لا تجوز جملة بغير تفصيل [وهو قول سحنون] (١) في كتاب ابنه، وهو ظاهر "المدونة" على ما قدمناه [والحمد لله وحده] (٢).

стр. 3731

المسألة الرابعة عشر في صفة القسمة في الرياع والأرضين والأشجار [وكيف] (١) تبدية [بعض] (٢) السهام على بعض في الخروج أما الرِّياع: فإنها تنقسم بالقيمة، لا بالقياس، وقد اختلف في الطريق هل يرفع قبل القسمة، أو تجوز القسمة على أن يكون بنصيب أحد الورثة؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أن الطريق يرفع من باب الدار إلى أقصى بيوتها، فيطرح ذلك، ولا يحسب على أحد، ثم يقوم الباقي فيقسم على الأنصباء بالقيمة، وهو مذهب سحنون في "العتبية". والثاني: أنه يجوز أن يضاف الطريق إلى سهم أحدهم، ويكون له ملكًا, وللباقين فيها الممر، وهو قول ابن القاسم في "المدونة". وصفة القسم في ذلك أن يوازي القاسم البيوت بالقيمة فيُقَوِّم كل بيت، وما لها من مرفق على حِدَة، فيجزئ بيوت الدار على عدد سهام الفريضة، فإذا اعتدلت في القيمة وصح [في كل سهم] (٣) ما ينتفع به صاحبه، فيرمي بينهم بالسهام. فإن لم يحصل لكل واحد منهم ما ينتفع به، أو كان يصح لصاحب النصيب الكثير دون صاحب النصيب القليل، فهل يقسم بينهم أم لا؟ وقد

стр. 3732

تقدم الكلام على ذلك في مسألة مفردة. واقتسام الدار مع الساحة تقدم عليه الكلام أيضًا، فلا نعيده مرة أخرى. فإن خرج نصيب أحدهم في بيت ونصف بيت، هل يتم عليه القسم الذي يليه أو يشتركان في بيت كما قال في [قسمة] (١) الشجر أم لا؟ وهذا يتخرج على قولين: أحدهما: الجواز؛ قياسًا على الشجر للضرورة [الدَّاعية] (٢) إلى ذلك. والثاني: أن ذلك لا يجوز؛ لأن الاشتراك في الشجر يخالف الاشتراك في البيت؛ [إذ ليس عليهم بالاشتراك في الشجرة كبير ضرر، وعليهم في البيت] (٣) الضرر الكثير إذا كان البيت صغيرًا لا ينقسم في نفسه، وأما إذا كان يحمل القسم: فلا ضرر عليهم في ذلك. وأما قسمة الأرضين: فإنك تنظر، فإن اتصلت الأرض، وكانت كلها متساوية في الكرم، والدناءة: فإنها تقسم بالقياس. وإن اختلفت، وكان بعضها كريم، وبعضها رديء: فبالقيمة على قدر تفاضلها، فيقع لواحد مبذر قفيرين في النصف، لكرم الأرض، ويقع للآخر مبذر عشرة أقفزة؛ لدناءة الأرض، إلا أن القيمة مستوية. فإن استوت، فبالقياس على ما ذكرنا، فيأخذ ساحة الأرض على قدر سهامهم، ويعرف ما لكل واحد من الأسهم، فيعطيه من القيس بقدره،

стр. 3733

فإن كان في الفريضة السدس، فعلى ستة أجزاء يجزئ الأرض، وإن كان فيها الثمن، فعلى ثمانية، فإن انكسرت، وبلغت أكثر من ذلك فعلى ما انتهت إليه سهام [المسألة] (١) يقسم ويسهم بينهم على ما نصف إن شاء الله. وإن اختلفت: فإنه يقوم الأرض قيمة عدل، ثم تقسم تلك القيمة على أقلهم [سهامًا] (٢). وأما قسمة الشجر، فوجه العمل فيها على ما حكاه ابن عبدوس عن سحنون؛ وهو أن يقوم القاسم كل شجرة على حدة بالعدل إن كان من أهل المعرفة بقيمة ذلك الموضع، وإلا جمع لذلك أهل المعرفة بالقيمة، ويسأل أهل المعرفة والخبرة عما عرف من حمل كل شجرة، فرب شجرة لها منظرة، ولا مخبرة لها، وأخرى يكثر حملها, ولا منظرة لها، فإذا قوم ذلك جمع جميع القيمة، فقسمها على قدر السهام حتى يعرف ما ينوب كل سهم ثم يضرب السهام بأي الطرفين يبدأ، فإذا عرفت كتبت أسماء الأشراك كل واحد في رقعة، ثم يدخلها في كمه فيخلطها، ويخرج أول سهم ثم ثاني ثم ثالث ثم رابع إلى آخر ذلك، فإذا تمت بدأها بالأول على تواليها، فأعطاه من الناحية التي وقع عليها السهم أولًا، فأعطاه شجرة شجرة حتى يكمل له ما صار [له] (٣) من جملة القيمة. فإن استوفى كمال شجره: فقد استوفى، فإن لم يأت حقه على كمال شجرة، وبقى له كسر من القيمة: أعطى ذلك في شجرة، فكان شريكًا فيها بقدر ما بقى له، ويأخذ من بعده من الشجرة يضم إليه تمام حقه.

стр. 3734

وقد اختلف قول مالك في الكتاب [في أربعة فصول في مسألة القسمة أولها قوله: لا يجمع نصيب اثنين في القسم إن أرادوا. وقال في أول الكتاب] (١): لا يجمع بين رجلين في القسم، وهو قول ابن القاسم في مسألة العصبة [إذا أرادوا أن يجمعوا نصيبهم، وتسويغ مالك ذلك لهم، وذلك عندي في العصبة] (٢) خاصة دون جميع أهل الميراث، فقالوا: هذا التأويل الذي تأوله ابن القاسم على مالك خلاف قول مالك، وغير مراده، ولم يرد مالك أنه جميع الأنصباء في سهم واحد في جميع الأقسام بالقرعة، وإنما أراد بذلك إذا انفرد سهم كل واحد منهم. وأما إذا اختلفت أنصباؤهم، فكان لقوم منهم الثلث، وللآخر منهم [السدس وللآخرين منهم] (٣): فإنه يجمع أهل كل سهم في القرعة عليه، وإن كرهوا. وبذلك فسره عن مالك في العتبية ابن نافع، وأشهب، ومثله في "كتاب ابن حبيب" عن عبد الملك، ومطرف، وأصبغ، وقال: هو قول مالك، وجميع أصحابه؛ فإذا خرج سهمهم من الفريضة: قسم لهم على رؤوسهم إن أحبوا ذلك ودعوا إليه، وقوله في "المدونة" في الولد كقوله في العصبة حيث قال: ويضرب لهم في الناحية الثانية فما خرج للمرأة أخذته وضم باقي بعضه إلى بعض فقسم بين الورثة، فهذا يدل على أنه إنما يضرب لهم [بسهم] (٤) واحد لحاجته بعد إلى القسمة عليهم [مرة] (٥) أخرى، كما قال في العصبة، فابن القاسم تأول على قول مالك أنه لا

стр. 3735

يجمع سهم اثنين جملة -اتفقا أو اختلفا، رضيا أو كرها، جمعهم سهم أو فرقهم إلا العصبة إذا رضوا. وغيره تأول على المشهور أو المنصوص له في غير المدونة أنه يجمع سهم أهل كل سهم في سهم واحد، ويضرب لهم به شاؤوا ذلك، أو كرهوا، ثم هم بعد ذلك بالخيار إن شاءوا أن يبقوا على الشركة في سهمهم، وإن شاؤوا استأنفوا القسمة فيما بينهم. الفصل الثاني: في تفسير هذه القسمة في قوله في الكتاب: إذا تشاحوا ضرب القاسم بأيِّ الطرفين [يبدأ فعلى أي الطرفين] (١) خرج السهم ضرب عليه أولًا، فمن خرج سهمه عليه أخذه وضم إليه بقية حقه، فإن تشاحوا أيضًا ضرب على أي الطرفين يبدأ به، فكذلك أبدًا، حتى إذا لم يبق إلا اثنان: ضرب على أيِّ الطرفين شاء، ولم يلتفت إلى تشاححهما؛ لأن الضرب على أحد الطرفين لأحدهما ضرب للآخر، كذا وقع في بعض روايات المدونة. وفي رواية ابن وضاح على ما ذكره ابن أبي زمنين: أنه إذا ضرب على أي الطرفين يبدأ بالقسم، فمن خرج سهمه في ذلك الطرف: أُعطيه، وأكمل له، ولا تبالى كانت زوجة، أو أما أو ابنة، ثم تقسم ما بقي على أقل من بقى منهم سهمًا، ويستأنف القسمة، والقرعة على أيِّ الطرفين يبدأ، هكذا قال ابن أبي زمنين، وأنكر ذلك سحنون، وكان يرى القاسم على أقل الأنصباء من أولها حتى تنفذ السهام، وكذلك روى عن ابن القاسم وغيره في غير المدونة. الفصل الثالث: [قوله] (٢) يُسْهم للزوجة على أي الطرفين.

стр. 3736

قال ابن لبابة: مذهبه في الزوجة وغيرها سواء يبدأ بالضرب لصاحب النصيب القليل على صاحب النصيب الكثير، ويجعل في الطرف، وكذلك ذكره فضل عن ابن الماجشون، وذكر عن المغيرة أنه يسهم للزوجة حيث خرج سهمها، ومثله قال ابن حبيب، وذكر عن عبد الملك القولين جميعًا، ورجح أن يكون لها حيث خرج، قال: ابن عبد الحكم: إنما هذا إذا كانا نصيبين؛ يريد أن مالكًا إنما قال ذلك للضرورة، والقسمة تقتضي أن تكن في طرف ولابد، ومثلها بما تشابهها مما تكون فيه القسمة بين اثنين أو بين سهمين [ووافق] (١) ابن عبد الحكم على هذا التأويل فيما إذا وقع التشاحح على أحد الطرفين في صورة القسمة ابن حبيب وغيره، لكن ابن حبيب [خالفه] (٢) في صورة إلقاء السهام، فقال: إنما [يأخذ سهمين] (٣) فيلقيهما على الطرفين، من هنا واحد، ومن هنا واحد، ثم أعاد لمن بقي وتشَاحَّا هكذا حتى يتم القسم. وقد قال: فضل هذا [يرجع] (٤) إلى ما قال ابن القاسم، لكنه [اختصر] (٥) وأقل عناء، وقد طرح سحنون كلام ابن القاسم في المسألة كلها، وتفسيره يخالف أصل مالك؛ وذلك من قوله: ثم يضرب أيضًا بالسهام لما بقي منهم، إلى قوله: [و] (٦) هذا تفسير مني لقول مالك. وقال ابن [أبي] (٧) زمنين: اختلف [أصحاب] (٨) مالك في صفة

стр. 3737

القسمة، واختصرها على رواية ابن وضاح، وكان سحنون ينكر هذه الرواية , ويرى أن يقسم على أقلهم سهمًا حتى تنفذ السهام، وروى ذلك عن ابن القاسم وغيره، وهو أصل قول مالك. الفصل الرابع: في معنى التشاحح المذكور من حيث يبدأ [القاسم] (١) فظاهر قول ابن القاسم وغيره: ما تقدم من الضرب على أيِّ طرف يبدأ به. فأما ابن لبابة: فخالف في تأويل معنى قوله: "فإن تشاحوا على أي الطرفين يبدأ أولًا"، وقال: إنما معنى ذلك أن يقول بعضهم: تقتسم الأجزاء من قبلة إلى جوف، وقال آخرون: بل من شرق إلى غرب، فلا اعتراض لهم في ذلك، فإن القاسم يضرب بأي جهة يقسم إليها الأجزاء فإذا ضرب عليها، وخرجت ضرب بمن سبق وعلى أي طرف يبدأ؛ إذ قد تختلف أغراضهم في ذلك لكون جهة الغرب مثلًا أقرب لأرض أحدهم، فيريد أن يقع سهمه هناك، فيضمه إلى أرضه، أو يكون أقرب لمنزله، أو لمجاورة من يريد مجاورته، أو لمنفعة يرجوها هناك، فيريد أن يخرج نصيبه بتلك الجهة، فإذا جعلت رؤوس السهام عن تلك الجهة خرج له طرف سهمه إليه بكل وجه، فإن جعل بخلاف ذلك عرضًا، فقد يقع سهم غيره في ذلك، ويحول بينه وبين مراده ومرغوبه. قال ابن لبابة: ولا وجه لتشاحح الورثة إلا على هذا، وأما على قول ابن القاسم: فلا وجه له؛ لأن الضرب لأحدهم ضرب لجميعهم، كما قال: إذا بقي سهمان ويريد أن يخرج السهم للضرب، ولا يدري لمن هو فحكم ضربه للواحد كحكمه للجميع؛ لأنه غير معين، فلا وجه فيه للتشاحح.

стр. 3738

قال ابن لبابة: ولا يمكن التشاحح على الضرب بأي الطرفين يبدأ إلا في اختلافهم إذا طلب القليل النصيب أن يبدأ بأحد الطرفين، وهذا على ما تقدم من قول من قال: يضرب لأقلهم نصيبًا في أحد الطرفين، فيكون سهمه هناك معلوم، فمن حقه وحق غيره ألا يحصى طرفًا باختيار أحدهم، أو اختيار القاسم حتى يسهم بمن يبدأ له بقرعة أخرى، فإذا خرج سهمه على أحد الطرفين أخذه. فأما إذا لم يكن على هذا الوجه، واعتدلت على الطرف الذي يبدأ به إلا ما ذهب إليه ابن لبابة، وهو الأظهر ومسألة الاستحقاق إذا وقع بعد القسمة وجد أحدهما ببعض ما أخذ عيبًا؛ قد تقدّم الكلام عليها في "كتاب البيوع" في "التدليس بالعيوب" بما يغني عن إعادتها، والحمد لله وحده.

стр. 3739

كتاب الوديعة

стр. 3740

كتاب الوديعة تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها ثمانية مسائل: المسألة الأولى فيمن استودع وديعة فاسترفعها لبعض عياله فلا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن يسترفعها لزوجته، وإما أن [يسترفعها] (١) لخادمه، وإما أن [يسترفعها لعبده أو أجيره] (٢). فإن استرفعها لزوجته، فلا يخلو من أن تكون عادته الرفع لها، أو لم تتقدم لها في ذلك عادة، فإن كانت عادتها الرفع له في ذلك، وأمثاله فلا ضمان عليه إن تلفت الوديعة قولًا واحدًا، وإن لم تتقدم لها في ذلك عادة، فهل يضمن ما ضاع بعد رفعها أم لا؟ على قولين قائمين في المدونة: أحدهما: أنه لا ضمان عليه، وهو المشهور، وهو قول مالك، وابن القاسم في أول كتاب الوديعة من المُدونة، وقال ابن القاسم: "لأن هذا مما لابد له منه، ومن يرفع له إلا زوجته". والثاني: أنها إذا لم تتقدم لها عادة معه برفع الوديعة وأمثالها، فهو ضامن؛ لأنه في حكم المودع لغيره دون ضرورة، وهو ظاهر قول ابن القاسم في الكتاب أيضًا، حيث قال بعد الاحتجاج: فكذلك في زوجته وخادمه اللتين يرفعان له لا ضمان عليه إذا دفعها إليهما ليرفعاها في بيته.

стр. 3741

وعليه حمل بعض الشيوخ كلامه في الكتاب. والصحيح: القول الأول، ويدل عليه قياس ابن القاسم لها على قول مالك: إذا خاف فاستودعها [غيره] (١) أنه لا يضمن، قال: وذلك امرأته، وقال الشيخ أبو عمران: كأنه يقول إذا احتاج إلى رفع زوجته من أجل أنها ترفع له، وتطّلع على أسراره جاز للضرورة، كما جاز للذي أراد سفرًا أو خرب منزله. وأما العبد والأجير ممن هو في عياله، فلا يخلو من أن يكون عادتهما الرفع له أم لا. فإن كانت عادتهما الرفع له، [وأنه] (٢) ائتمنهما على ذلك وأمثاله، فهل هما كالزوجة أم لا؟ على قولين متأولين على المدونة: أحدهما: أنهما كالزوجة، وهو ظاهر قوله في "المدونة"؛ لأنه قال: "وأما العبد والأجير فعلى ما أخبرتك"، فظاهره أنه كالمرأة. والثاني: أنهما بخلاف الزوجة، وأنه ضامن بهلاك ما رفعاه، وهو تأويل بعضهم على "المدونة" فيما حكاه القاضي ابن سهل في بعض تعاليقه. فإن لم تكن عادتهما الرفع، وإنما اتخذ للخدمة دون رفع للأمانة، والاطلاع على [خبايات] (٣) السيد، فإن السيد ضامن ما ضاع برفعهم، وعليه -يحمل قول أشهب في "مدونته" على ما حكاه ابن المواز عنه حيث قال: "إذا أودع الوديعة [لغيره] (٤) من عبدٍ أو خادم أو أجير ممن هو في

стр. 3742

عياله، أو في غير عياله فهو ضامن". واختلف في الخادمة: هل هي كالزوجة، أو كالعبد والأجير؟ على قولين: وظاهر المدونة أنها كالزوجة لا كالعبد. وأما إن استودع وديعة في المسجد أو في المجلس، فجعلها على [نعله] (١) فذهبت، فقال أصبغ في "العتبية": لا ضمان عليه , قال أصبغ: قلت له: ألم يضيع؛ إذ لم يربطها؟ قال: يقول: لا خيط معي، قلت: يربطها في طرف ردائه؟ قال: لا يضمن كان عليه رداء أو لم يكن. وأما إن نسيها في موضعه الذي دُفعت له فيه، فذهبت هل يضمنها أو لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه ضامن لها، وهو قول مطرف، وابن الماجشون. والثاني: أنه لا ضمان عليه، وأنه معذور بالنسيان، وهو أحد القولين فيمن أودعه رجل مائة دينار، ثم جاء هو وآخر، فقال كل واحد منهما: أنا أودعتك، وأيقن أن أحدهما أودعه ونسى من هو فيهما، فقال محمَّد: يضمن لكل واحد منهما مائة، وقيل: لا يضمن إلا مائة واحدة، يحلفان وتقسَّم بينهما، فإذا وجب ألا يضمن لهما إلا مائة واحدة، وأن غلبة النسيان عليه كضياع الوديعة ينبغي إذا نسي، وقام وتركها ألا يضمن أيضًا. وأما إن أودعه وديعة، وأمره أن يجعلها في موضع، فخالف فجعلها في غيره، ثم ضاعت، فهل يضمن أم لا؟

стр. 3743

فانظر فإن أمرهُ أن يجعلها في شيء [عليه العين، فجعلهما في شيء هو أدنى منه، فضاعت فلا ضمان عليه، فإن أمره أن يجلعها في شيء هو أدنى فوضعها في شيء هو أعلى ضمن] (١) مثل أن يأمره أن يجعلها في قدر نحاس، فجعلها في قدر فخار أو بالعكس، وكذلك إن أمرُه أن يجعلها في تابوته، ولا يقفل عليها فتعدى فقفل عليها، فهو ضامن؛ لأن القفل في الأواني الرفيعة مما يقصده السارق في البيت دون ما تزدريه العين من الأواني. وكذلك إذا رأى صندوقًا مقفولًا، فإنه يقصد إليه، ويغلب على ظنه أنه ما قُفل إلا على مال، ولو أمره أن يقفل عليها فقفل عليها بقفلين لكان لا ضمان عليه، وهذا كلُّه قول محمَّد بن عبد الحكم وغيره، فلو جعلها في جيبه لضمنها إن ضاعت، على مشهور المذهب على ما نقله أبو الوليد وحفيده، والحمد لله وحده.

стр. 3744

[المسألة الثانية] فيمن استودع وديعةً فأودعها غيرهُ ولا تخلو من [وجهين: أحدهما: أن يودعها في حضر. والثاني: أن يودعها في سفر، فإن استودعها في حضر، فأودعها غيره، فلا يخلو ذلك من] (١) أن يكون ذلك لعُذْرٍ أو لغير عُذر. فإن كان ذلك لغير عُذرٍ فهو ضامن؛ لأن رب الوديعة إنما رضي بأمانته دون غيره، وإن كان ذلك لعذر كسفرٍ أراده أو عورة منزله. وأما الذي أراد سفرًا، فإنه يجوز له أن يودعها لغيره، ولا ضمان عليه إن هلكت قولًا واحدًا. فإن خرج بها في طلب صاحبها، فضاعت هل يضمن أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أنه ضامن؛ لأنه عرضها للتلف، وهو نصُّ قول مالك في "المدونة". والثاني: أنه لا ضمان عليه، وهو قوله في المبضع تحدث له إقامة حيث جوَّز له أن يبعث بالمال إلى ربِّه، وهو قول أصبغ في "كتاب ابن حبيب" في جواز توجيه القاضي مال اليتيم ورفع [الضمان] (٢) في ذلك، وهذا القول قائم في "المدونة" من "كتاب الجهاد" في مسألة: المستأمن يموت عندنا وترك مالًا.

стр. 3745

حيث قال ابن القاسم: يردُّ ذلك المال لورثته [ببلده] (١) وقال غيره: يدفع ماله حكامهم حتى كأنه مات عندهم. فإن أودعه لعورة منزله: فلا يخلو المودع من أن يكون عالمًا بخراب منزله أو غير عالم. فإن كان عالمًا بخراب منزله وخوفه، ولم يزد خرابه إلى ما هو أخوف، فالمودع ضامن. فإن لم يعلم أو كان عالمًا إلا أن خرابه قد ازداد إلى ما هو أخوف مما كان في علمه؛ فلا ضمان عليه؛ لأنه فعل ما يجوز له. فأما إن أودعه في سفرٍ، فأراد أن يودعها غيره: فإن ذلك لا يجوز له إلا لعُذرٍ بيِّن؛ لأن ربَّ الوديعة قد رضي بأمانته على تلك الحالة التي هو عليها بمنزلة ما لو علمَ بخراب منزلهِ وعورته. فإن كان ذلك لعُذرٍ مثْل أن يخرج عليه لصوص، فيُعطي الوديعة والبضاعة لمن يرجوا نجاته [بها] (٢) فلا شيء عليه، وهو قولهُ في "كتاب ابن المواز". ولو كانت دراهم فأخذها يومًا فأدخلها في كُمِّهِ وخرج بها يظنُّها دراهمه فسقطت منه، فإنه يضمن. ولو استودعه جرارًا فيها إدام أو قوارير فيها دُهن، فنقلها من موضعٍ في بيته إلى موضع آخر فتكسَّرت في ذلك فلا ضمان عليه. وكذلك لو سقطت -من يده فانكسرت لم يضمن، ولو سقط عليها شيء [من يده] (٣) فانكسرت أو رمى في بيته، وهو يريد إصابة غيرها،

стр. 3746

فأصابها فتكسّرت لضمن؛ لأنها جناية لم يتعمدها وهذا كلُّهُ قول أشهب، وعبد الملك على ما نقلهُ الشيخ في "النوادر" (١) [والحمد لله وحده] (٢).

стр. 3747

[المسألة الثالثة] في استنفاق الوديعة اختلف المذهب في الوديعة: هل يجوز للمودع أن يستنفقها بغير إذن المودع أم لا؟ على قولين: أحدهما: أن ذلك لا يجوز سواء كان المودع موسرًا أو معسرًا، وهو مشهور المذهب. الثاني: أنه يجوز أن يتسلفها [وينتفع بها] (١) إن كان له مال، وهو قول مالك في سماع أشهب عنه في "العُتبية". ووجهُ القول [بالمنع ابتداءً كون ذلك من باب التصرف في مال الغير بغير طيب نفس منه ووجه القول] (٢) بالجواز كون استسلافها ينقلها من أمانة إلى ذمة، وذلك أحظى لربها وصيانةٌ لها، فعلى القول أنه يجوز له التصرف في الوديعة ابتداءً، فلا تفريع على القول بأن ذلك لا يجوز ابتداءً. فإن ترك ذلك واتَّجر فيها فالربح له قولًا واحدًا، وهو لرأس المال الضامن. وإنما اختلف في والي اليتيم إذا اتَّجر في مال يتيمه، وهو مُفلس هل يكون الربح للولي أو لليتيم؟ على قولين: أحدهما: أن الربح لولي اليتيم، وهو قول المغيرة، وبه قال المصريون من أصحاب مالك. والثاني: أن الربح لليتيم دون الولي، وهو قول مالك، وبه قال ابن الماجشون في "الواضحة".

стр. 3748

فإن تعدّى في الوديعة، فتصرّف فيها، ثم ردها فضاعت بعد الرد، فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن تكون الوديعة مما يرجع إلى المثل. والثاني: أن تكون مما يرجع إلى القيمة. فإن كانت مما يرجع إلى المثل كالعين، والمكيل، والموزون من الطعام، وسائر العروض، فهل يصدق في الرد أم لا؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يصدق إن ادعى الرد، وبه قال ابن القاسم في "المدونة"، وأشهب، وابن عبد الحكم، وأصبغ في "الموازية". الثاني: أنه لا يصدق ولا يبرأ؛ لأنه دين ثبت في ذمته، فلا يصدق في براءتها، وهو قول أهل المدينة من أصحاب مالك، وروايتهم عنه، [ورواه] (١) المصريون عنه، ولم يقولوا به. والثالث: [أنه] (٢) إن ردّها بإشهاد برئ، وإلا لم يبرأ [وبه] (٣) أخذ ابن وهب. والأقوال الثلاثة: حكاها يحيى بن عمر في "المنتخبة" على ما نقله الشيخ أبو محمَّد في "النوادر" (٤). وعلى القول بأنه يصدق في الرد، ويبرأ في الضياع، هل ذلك بيمين أم بغير يمين؟ على قولين: أحدهما: أن ذلك بيمين، وهو قول أشهب في "مدونته"، وهو قول ابن المواز.

стр. 3749

والثاني: أنه يصدق بغير يمين، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة"؛ لأنه لم يذكر اليمين. ولو تسلَّفها بإذن ربها ثم ادعى أنه قدْ ردّها، [فلا يصدَّق في الرد] (١)، ولا يُبرئه إلا ردّه إياها إلى ربها، وهو قوله في "كتاب ابن شعبان"، ولا ينبغي أن يُختلف في ذلك. - فلو كان إنما تسلّف بعضها، ثم تلف ما بقى منها قبل أن يرد ما تسلّف، فهل يكون ضامنًا [له] (٢) أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه لا يضمن سواء كانت منثورة أو مصرورة، وهو قول ابن القاسم، وأشهب، وأصبغ. والثاني: التفصيل بين أن تكون مصرورة أو منثورة، فإن كانت مصرورة ضمنها على وثاق ربها أخذ منها شيئًا أم لا، فإن كانت منثورة، فلا ضمان عليه لما بقي، وهو قول ابن الماجشون في "واضحة ابن حبيب". ووجهه أنه غيرُ متعدٍ إلا فيما أخذ خاصةً لا فيما بَقِيَ. ووجه القول بالمنع ابتداءً كوْن ذلك من باب التصرف في مال الغير بغير طيب نفسٍ منه] (٣). وأما إن كانت الوديعة مما يرجع إلى القيمة: كالعروض، والحيوان، فلا يخلو من أن يبيعها وينتفع بثمنها، أو ينتفع بها ويرد عينها. فإن باعها وانتفع بثمنها، ثم ردّ مثل ذلك العين، فلا خلاف أنه ضامن؛ لأن الأغراض تتعلق بالأعيان بخصائص صفاتها.

стр. 3750

فإن [انتفع بها] (١) أو ردّا بعينها كثوبٍ يلبسُهُ ثم يردُّهُ أو دابة يركبها ثم يردُّها فضاعت، فإن هلك ذلك قبل الرد, فلا خلاف في وجوب الضمان عليه، وإن ادعى هلاك [ذلك] (٢) بعد الرد، فلا خلاف في وجوب الضمان عليه، وإن ادعى هلاك [ذلك بعد الرد، فلا] (٣) يخلو من أن يكون قد أقَرّ بالتعدي أو غير مقرُّ به. فإن كان غير مُقرٍ بالتعدي وإنما قامت عليه به بيِّنة، فإنه ضامن قولًا واحدًا. فإن اعترف بالتعدي، وادعى أن الهلاك بعد الرد، فهل يُصدق أم لا؟ على قولين: أحدهما: أن يُصدّق؛ لأنه في الضياع مع يمينه، وهو قول ابن الموّاز. والثاني: أنه لا يُصدّق؛ لأنه ضامن بنفس التعدي، وهو قول ابن سحنون في كتابه. ولو أقام البيِّنة أنه ردّها سالمة ثم هلكت بعد الرد، هل يضمن أم لا؟ فبيّن [أصحابنا] (٤) أيضًا قولان على ما نقله أبو محمَّد بن أبي زيد في "النوادر". فإن ادعى المودع أن ربّه أمره بذلك، وهو مُنكر: فإن قامت له بيّنة صُدِّق قولًا واحدًا، وإن لم يكن إلا مجرد دعواهُ كان القول قول رب الوديعة [مع يمينه، والحمد لله وحده] (٥).
следующие страницы →