← Фикх малики

Фикх малики · id 123685

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

الرجراجي، علي بن سعيد

Полный текст (4 240 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

فأصابها فتكسّرت لضمن؛ لأنها جناية لم يتعمدها وهذا كلُّهُ قول أشهب، وعبد الملك على ما نقلهُ الشيخ في "النوادر" (١) [والحمد لله وحده] (٢).

стр. 3747

[المسألة الثالثة] في استنفاق الوديعة اختلف المذهب في الوديعة: هل يجوز للمودع أن يستنفقها بغير إذن المودع أم لا؟ على قولين: أحدهما: أن ذلك لا يجوز سواء كان المودع موسرًا أو معسرًا، وهو مشهور المذهب. الثاني: أنه يجوز أن يتسلفها [وينتفع بها] (١) إن كان له مال، وهو قول مالك في سماع أشهب عنه في "العُتبية". ووجهُ القول [بالمنع ابتداءً كون ذلك من باب التصرف في مال الغير بغير طيب نفس منه ووجه القول] (٢) بالجواز كون استسلافها ينقلها من أمانة إلى ذمة، وذلك أحظى لربها وصيانةٌ لها، فعلى القول أنه يجوز له التصرف في الوديعة ابتداءً، فلا تفريع على القول بأن ذلك لا يجوز ابتداءً. فإن ترك ذلك واتَّجر فيها فالربح له قولًا واحدًا، وهو لرأس المال الضامن. وإنما اختلف في والي اليتيم إذا اتَّجر في مال يتيمه، وهو مُفلس هل يكون الربح للولي أو لليتيم؟ على قولين: أحدهما: أن الربح لولي اليتيم، وهو قول المغيرة، وبه قال المصريون من أصحاب مالك. والثاني: أن الربح لليتيم دون الولي، وهو قول مالك، وبه قال ابن الماجشون في "الواضحة".

стр. 3748

فإن تعدّى في الوديعة، فتصرّف فيها، ثم ردها فضاعت بعد الرد، فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن تكون الوديعة مما يرجع إلى المثل. والثاني: أن تكون مما يرجع إلى القيمة. فإن كانت مما يرجع إلى المثل كالعين، والمكيل، والموزون من الطعام، وسائر العروض، فهل يصدق في الرد أم لا؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يصدق إن ادعى الرد، وبه قال ابن القاسم في "المدونة"، وأشهب، وابن عبد الحكم، وأصبغ في "الموازية". الثاني: أنه لا يصدق ولا يبرأ؛ لأنه دين ثبت في ذمته، فلا يصدق في براءتها، وهو قول أهل المدينة من أصحاب مالك، وروايتهم عنه، [ورواه] (١) المصريون عنه، ولم يقولوا به. والثالث: [أنه] (٢) إن ردّها بإشهاد برئ، وإلا لم يبرأ [وبه] (٣) أخذ ابن وهب. والأقوال الثلاثة: حكاها يحيى بن عمر في "المنتخبة" على ما نقله الشيخ أبو محمَّد في "النوادر" (٤). وعلى القول بأنه يصدق في الرد، ويبرأ في الضياع، هل ذلك بيمين أم بغير يمين؟ على قولين: أحدهما: أن ذلك بيمين، وهو قول أشهب في "مدونته"، وهو قول ابن المواز.

стр. 3749

والثاني: أنه يصدق بغير يمين، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة"؛ لأنه لم يذكر اليمين. ولو تسلَّفها بإذن ربها ثم ادعى أنه قدْ ردّها، [فلا يصدَّق في الرد] (١)، ولا يُبرئه إلا ردّه إياها إلى ربها، وهو قوله في "كتاب ابن شعبان"، ولا ينبغي أن يُختلف في ذلك. - فلو كان إنما تسلّف بعضها، ثم تلف ما بقى منها قبل أن يرد ما تسلّف، فهل يكون ضامنًا [له] (٢) أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه لا يضمن سواء كانت منثورة أو مصرورة، وهو قول ابن القاسم، وأشهب، وأصبغ. والثاني: التفصيل بين أن تكون مصرورة أو منثورة، فإن كانت مصرورة ضمنها على وثاق ربها أخذ منها شيئًا أم لا، فإن كانت منثورة، فلا ضمان عليه لما بقي، وهو قول ابن الماجشون في "واضحة ابن حبيب". ووجهه أنه غيرُ متعدٍ إلا فيما أخذ خاصةً لا فيما بَقِيَ. ووجه القول بالمنع ابتداءً كوْن ذلك من باب التصرف في مال الغير بغير طيب نفسٍ منه] (٣). وأما إن كانت الوديعة مما يرجع إلى القيمة: كالعروض، والحيوان، فلا يخلو من أن يبيعها وينتفع بثمنها، أو ينتفع بها ويرد عينها. فإن باعها وانتفع بثمنها، ثم ردّ مثل ذلك العين، فلا خلاف أنه ضامن؛ لأن الأغراض تتعلق بالأعيان بخصائص صفاتها.

стр. 3750

فإن [انتفع بها] (١) أو ردّا بعينها كثوبٍ يلبسُهُ ثم يردُّهُ أو دابة يركبها ثم يردُّها فضاعت، فإن هلك ذلك قبل الرد, فلا خلاف في وجوب الضمان عليه، وإن ادعى هلاك [ذلك] (٢) بعد الرد، فلا خلاف في وجوب الضمان عليه، وإن ادعى هلاك [ذلك بعد الرد، فلا] (٣) يخلو من أن يكون قد أقَرّ بالتعدي أو غير مقرُّ به. فإن كان غير مُقرٍ بالتعدي وإنما قامت عليه به بيِّنة، فإنه ضامن قولًا واحدًا. فإن اعترف بالتعدي، وادعى أن الهلاك بعد الرد، فهل يُصدق أم لا؟ على قولين: أحدهما: أن يُصدّق؛ لأنه في الضياع مع يمينه، وهو قول ابن الموّاز. والثاني: أنه لا يُصدّق؛ لأنه ضامن بنفس التعدي، وهو قول ابن سحنون في كتابه. ولو أقام البيِّنة أنه ردّها سالمة ثم هلكت بعد الرد، هل يضمن أم لا؟ فبيّن [أصحابنا] (٤) أيضًا قولان على ما نقله أبو محمَّد بن أبي زيد في "النوادر". فإن ادعى المودع أن ربّه أمره بذلك، وهو مُنكر: فإن قامت له بيّنة صُدِّق قولًا واحدًا، وإن لم يكن إلا مجرد دعواهُ كان القول قول رب الوديعة [مع يمينه، والحمد لله وحده] (٥).

стр. 3751

[المسألة الرابعة] في المودع إذا ادَّعى رد الوديعة إلى المودع وقد أمره الله تعالى بردِّ الأمانات وقال عزّ من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (١). وقال تعالى: ﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢). وقال سبحانه: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ (٣). وقال : ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا. .﴾ (٤). وقال النبي ﷺ : "أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخُن من خانك" (٥). وأداءُ الأمانات من [علامة] (٦) الإيمان وعمل المؤمنين، والخيانة من علامة النفاق وعمل الفسّاق. ودفع الأمانة على وجهين: أحدهما: دفعها إلى اليد الذي دفعتها إليه.

стр. 3752

والثاني: أن يدفعها إلى غير اليد [التي دفعتها] (١) إليه. فأما إذا دفع الأمانة إلى اليد [التي] (٢) دفعتها إليه؛ فإنه لا يحتاج إلى الإشهاد إذا اعترف له بالقبض، فإن ادعى المودَع الرد، وأنكر المودِع القبض، فلا يخلو من أن يكن قبضها ببيِّنة أو بغير بينة. فإن قبضها بغير بيّنة، فإنه يَصدّق في الرد قولًا واحدًا، فإن قبضها ببيّنة، فهل يُصدّق في الردّ أم لا؟ فالمذهب يتخرج على أربعة أقوال: أحدها: أنه لا يُصدّق في دعوى الردّ إذا قبض بالبينة في الوديعة والقراض والشيء المستأجر، وهو نصُّ قول مالك في "المُدونة" وغيرها في الوديعة وهو المشهور؛ لأنه إذا قبضها بالأشهاد فقد ائتمنهُ على الضياع فيُصدّق فيه، وإن لم يأتمنُه على الرد، والقراض، والشيء المستأجَر مِثلُه. والثاني: أن يُصدّق في جميع ذلك، وإن قبضَهُ ببينة، وهو الذي يأتي على رواية أصبغ عن ابن القاسم في دعوى المستأجر رد ما استأجرُه من العُروض حيث قال: "فإنهُ يُصدّق قبض ذلك ببيّنة أو بغير بينة؛ لأن المستأجر قبض ذلك لمنفعتهما جميعًا. وكذلك القِراض، فإن العامل قد قبضهُ لمنفعتهما جميعًا، فبأن يسقط عنه الضمان في الوديعة، ويُصدق في دعوى الرد؛ لكونه قبضها لمنفعة المودع وحدهُ أولى وأحق. والثالث: التفصيل بين الشيء المستأجَر، والقراض، والوديعة، فيُصدّق في الشيء المستأجر، ولا يُصدق في الوديعة [والقراض. وهو

стр. 3753

تأويل أصبغ على قول ابن القاسم. والرابع: التفصيل بين الوديعة، والقراض والشيء المستأجر، فلا يصدق في الوديعة] (١) ويَصدّق في ردّ الشيء المستأجر، والقراض، وإن دفع إليه ببينة، لاحتمال أن يكون القصد بالإشهاد إلى التوثق من الأجرة، ومن الجزء في القراض، لا إلى التوثق من عين الشيء المُستأجَر، ولا مِن القراض. وأما إذا دفعها إلى غير اليد الذي دفعتها إليه، فعليه ما على والي اليتيم من الإشهاد، قال الله تعالي: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ (٢). فإن لم يُشهد على الدفع، فلا يخلو المدعَى عليه من أن يُنكر الدفع أو يُقرُّ به. فإن أنكر الدفع هل يُصدّق الدافع في الدفع أم لا؟ فإنه يتخرج على قولين قائمين من "المُدونة": أحدهما: أنه لا يُصدّق في الدفع أصلًا، وهو مشهور المذهب، وهو نصُّ "المُدونة" في غير ما موضع. والثاني: أنه يُصدّق، وإن لم يُشهد على الدفع وهو قول عبد الملك بن الماجشون فيمن بعث بمال مع [رجل] (٣) إلى رجل أنه لا يلزمه الإشهاد في الدفع، ويُصدّق. [و] (٤) إن أنكر القابض كان ديْنًا أوْصله، وهذا القول قائم في

стр. 3754

"المدونة" من مسألة [اللؤلؤة] (١) في "كتاب الوكالات"؛ لأنها تقتضي تعمير ذمة الآمر بقول المأمور: قد فعلتُ ما أمرتني به. وإذا وجب أن يعمرها بقوله: قد فعلت ما أمرتني به من الشراء، وجب أن يخلي ذمة نفسه بقوله: قد فعلتُ ما أمرتني به من الدفع. وإذا وَجَبَ أن تُخلى ذمَّتَهُ [بقوله] (٢) فإخلاء أمانتهُ بقولهِ أوْجب. فإن أقرّ بالقبض وادعا التلف، فلا يخلو من أربعة أوجه: أحدها: أن يكون قبضه مِن ذمة إلى ذمة. والثاني: أن يقبضهُ من أمانة إلى أمانة. والثالث: أن [يقبضها] (٣) من ذمة إلىَ أمانة. والرابع: أن يقبضها من أمانة إلى ذمة. فأما الوجه الأول: إذا قبضه من ذمّة إلى ذمة، مثل: أن يكون له ديْنٌ على رجل، فأمره أن يدفعها إلى فلان سلفًا أو تسليفًا في سلعة أو إلى صانع يعمل له فيه عملًا، فلا يخلو من أن تكون الذمة قائمة أو خربة، فإن كانت قائمة، فإنه يبرأ بتصديق القابض قولًا واحدًا، لبقاء ذمة القابض وملائه بمثل ذلك القدر. وإن كانت خربة مثل أن يكون القابض مُعْسِرًا أو مديانًا مُفلسًا، فلا يخلو من أن يُقرّ بالقبض، أو لم يُقر، فإن أنكر القبض، فالمودع ضامِنْ قولًا واحدًا. وإن اعترف بالقبض، فهل يُصدّق المُودع بالدفع أم لا؟ على قولين:

стр. 3755

أحدهما: أنه لا يُصدق إلا ببينة، وهو نصُّ المذهب وهو المشهور. والثاني: أنه يُصدّق على أحد الأقوال في الأمانة. وكون الذمة القابضة بإقرارها مُتخرّبة يوجب تضمين الدافع؛ لأنه فرّط بترك الإشهاد، فيُوهم أن يكون اتفق مع المُقر بالقبض، فيُعاقب بنقيض مقصوده. وأما الوجه الثاني: إذا قبض من أمانة إلى أمانة، مِثْل: أن يكون لرجلٍ وديعةٌ عند رجل، فوكّل وكيلًا يقبضها منه فدفعها له المودع بغير بينة، وادَّعى الوكيل أنه [قد] (١) قبضها منه وضاعت، فهل يبرأ الدافع بإقرار القابض أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من المُدونة: أحدهما: أن الدافع يبرأ بتصديق القابض، والضمان من الأمر، وهو قول ابن القاسم في كتاب الوديعة. والثاني: أنه لا يبرأ إلا بإقامة البينة على الدافع أو يأتي القابض بالمال، وهو قول ابن القاسم في "كتاب ابن المواز" أيضًا، وهو ظاهر "المدونة" أيضًا من غير ما موضع لإطلاقه عليه الضمان إلا أن يأتي بالمال أو يُقيم الدافع البينة على الدفع، ولم يفصِّل بين ما خرج من أمانة إلى أمانة ولا إلى ذمة، ولا مِنْ ذمة إلى ذمة ولا إلى أمانة، والقولان المنصوصان عن ابن القاسم في "ثمانية أبي زيد". وأما الوجه الثالث: إذا قبض مِن ذمة إلى أمانة، مثل: أن يكون له دين على رجل، فوكّل رجلًا بقبضهِ منه، فأقرّ الوكيل بقبضه منه، وأنه قد -ضاع بعد القبض، فلا يخلو من أن يدفَعَهُ إليه ببينة أو بغير بينة. فإن قبضه منه ببينة، فلا خلاف في براءة ذمة الدافع.

стр. 3756

وإن دفعه إليه بغير بيّنة، فهل يُصدّق في الدفع بتصديق المأمور [بالقبض] (١) أم لا؟ على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أنه لا يُصدق إلا بإتيان القابض بالمال، وهو نصُّ قوله في المدونة: في الذي باع الثوب من رجلٍ، وبعث معهُ عبدهُ أو أجيرُه ليقبض الثمن فقال: قبضتهُ وضاع منِّي. والثاني: أنه يُصدّق ويبرأ مِن الضمان، وهذا القول يؤخذ من مسألة اللؤلؤة؛ لأنه كما جاز له أن يعمر ذمة غيره بدعواهُ، فكذلك يجوز له أن يُبرئ ذمة نفسه بدعواه؛ لأنه [في] (٢) دعواه استند إلى إذن في الموضعين جميعًا. وعلى القول بأن الدافع ضامن المال، فهل يرجع به على الوكيل القابض أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه لا يرجع عليه بشيء؛ لأنه قد ائتمنهُ في الدفع وصدّقه، وهو مذهب "المدونة" وهو [قول] (٣) ابن الماجشون؛ إلا أن يتبين من الوكيل تضييع وتفريط [وتعريض] (٤) ما قبض من المال للتلف فيضمن. والثاني: أنه يرجع عليه به؛ لأن الوكيل قد قبضهُ منه على معنى الاقتضاء وبراءة الذمة بوكالة [ثابتة] (٥)، ولم يقبضه على معنى الأمانة من جهة [الدافع] (٦)؛ لأنه مجبور على الدفع لثبوت الوكالة.

стр. 3757

فإن جحد الأمر بالوكالة، وأنكر أن يكون أمرَ الوكيل بالقبض، فهل يكون القول قولُ الوكيل أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أن القول قول الآمر، ويحلف أنه ما وَكَّله على شيء. والثاني: أن القول قول الوكيل؛ لأن الدافع قد صدّقه فيما ادعي من الوكالة. فعلى القول بـ: أن القول قول الآمر، فإن الوكيل ضامن لما قبضهُ، فإن اختار الآمر الرجوع على الدافع؛ كان للدافع الرجوع على الوكيل المُتعدي، فإن اختار [الآمر اتباع] (١) الوكيل المتعدي في القبض كان ذلك له؛ لأنه غريم غريمه ولم يكن له الرجوع على [أحد] (٢) ويبرأ الدافع. وعلى القول بأن: القول قول الوكيل؛ لأن الدافع قد صدّقه؛ إذ دفعَ إليه بغير بينة، وهو قول ابن القاسم في "العتبية" كان للآمر الرجوع على الدافع. وهل يرجع هو على الوكيل القابض أم لا؟ فإنه يتخرج على الخلاف الذي قدّمناه إذا ثبتت الوكالة. وأما الوجه الرابع: إذا قُبض من أمانة إلى ذمّة، مثل: أن يأمر له أن يدفع وديعة له عنده إلى غيره سلفًا أو غيره، فلا تخلو الذمة من أن تكون قائمة أو خربة. فإن كانت قائمة، فإن الدافع يبرأ بتصديق القابض -قولًا واحدًا. فإن كانت خربة، فهل يبرأ الدافع بتصديق القابض أو لا؟ فالمذهب على قولين، وهما منصوصان في "ثمانية أبي زيد"

стр. 3758

وقد قدمناهما. وسبب الخلاف، واختلافهم في أمانة الوكيل [هل تضاهى أمانة المودع أم لا؟ وهل المأمور بمنزلة الآمر ويده كيده أم لا؟ فمن شبه أمانة الوكيل] (١) المأمور له بالقبض بأمانة المودع عنده، قال: القول قوله في دعواه التلف كما لو ادعى ذلك المُودع عنده. ومن رأى أن تلك الأمانة أضعف، قالا: لا يبرأ الدافع بتصديق القابض مع دعوى التلف، ومن رأى أن المأمور بمنزلة الآمر، قال: القول قول الدافع المأمور كم كان القول قولهُ مع الآمر، كما به يقول أبو حنيفة. ومن رأى أنه أضعف [منه] (٢) قال: الدافع ضامن إلا أنْ يحضر [القابض] (٣) المال [والحمد لله وحده] (٤).

стр. 3759

[المسألة الخامسة] إذا بعث معه في المال ليُوصِلَهُ إلى رجل فالكلام في هذه المسألة في ثلاثة أسئلة: أحدها: أن يموت الرسول، ولم يعلم ما فعل بالمال. والثاني: [أن يدعي] (١) أنه لم يجد المبعوث إليه، وأنه قد ردّ المال إلى الدافع. والثالث: أنه يوصِّلهُ إلى المبعوث إليه، فيدّعي أنه قد بعثَهُ إليه صلة أو صدقة، والباعث منكر. فالجواب عن السؤال الأول: إذا مات الرسول قبل الوصول أو بعده، وأنكر المبعوث إليه بالمال أن يكون قد قبضه، فهل يضمنهُ الرسول في ماله أم لا؟ فالمذهب على أربعة أقوال: أحدها: أنه ضامن للمال جملة بلا تفصيل، وسواءٌ مات في الطريق أو بعد الوصول [إلى البلد. والثاني: أنه لا ضمان عليه في ماله جملة مات في الطريق أو بعد الوصول] (٢). والثالث: أنه يضمنه إن مات في الطريق، ولم يوجد معه المال، ولا شيء [عليه] (٣) إن مات بعد الوصول، وهو قول مالك في "المدونة". والرابع: عكس هذا الجواب أنه إن مات في الطريق فلا شيء عليه،

стр. 3760

وإن مات في البلد ضمنهُ، وهو قوله في "كتاب محمَّد". فوجه [القول] (١) بأنه ضامن بكل حال: لأنه [لما] (٢) لم يذكر ضياعه بعد الوصول، ولا قال عند موته: إن المال بالموضع الفلاني، ولا وجد معه إن مات في الطريق كان ذلك دليلًا على أنه تسلفه، وأنه استنفقهُ، وأن ذلك ترتب في ذمته كالديون. ووجه قوله في "المدونة": أنه إذا مات في الطريق، ولم يوجد معه: حُمل الأمر فيه على أنه تعدٍ عليه، ولم يُحمل على الضياع كما لو أُودع وديعةً في الحضر، فمات ولم يدع ضياعها فلم توجد؛ أنها تُؤخذ من ماله. فإذا مات بعد وصوله البلد، وإمكان الدفع حُمل على أنه قد دفعها، وأنه لو كان حيًا لأخبر من شهد له على المُنكر. ووجه ما في "كتاب محمَّد": أنه إذا مات في البلد، فلا يمكن أن يخفى دفعه إذا بحث ورثته عمن أشهد؛ لأن عليه أن يُشهد عند الدفع. وإن مات في الطريق برئت ذمّتهُ؛ لأنه لم توجد البضاعة، والغالب أنه خرج بها دلَّ أنها ضاعت، ولم يحمل عليه العدا. ويلزم على هذا القول أنه لو أودع وديعة في الحضر فمات [في] (٣) الحضر، ولم توجد الوديعة أنه لا ضمان عليه، ويحمل على أنها [ضاعت] (٤) قبل ذلك. ووجه القول الرابع أنه: لا ضمان عليه: جملة إنْ مات في الطريق،

стр. 3761

ولم توجد معه، والغالب أنه خرج بها: حُمل الأمر فيها على الضياع. وإن مات بعد الوصول وإمكان الدفع، حُمل على أنه دفعها، وأنه لو كان حيًا لأخبر بمن يشهد [له] (١) على المُنكِر. والجواب عن السؤال الثاني: إذا ادعى الرسول أنه لم يجد المبعوث إليه بالمال، وأنه قد ردّه إلى [الدافع] (٢)، فلا يخلو من أن يكون قد بعثه إلى رجلٍ معهُ في البلد، أو أن يكون المبعوثُ إليه به في بلدٍ آخر. فإن كان معه في بلدٍ واحدٍ، فإن الرسول يُصدّق في ردّ المال إليه قولًا واحدًا؛ لأن المفهوم من الباعث أنه إنما أعطاهُ ليُوصلها إليه إن وجده، فإن لم يجدْهُ فيردُّهُ إليه. فإن كان المبعوث [إليه] (٣) ببلد آخر، فلا يخلو من أن يكون الدفع إلى الرسول ببينة أو بغير بينة. فإن كان الدفع ببينة، فلا يُقبل قولهُ إلا بِبَيِّنة في الردّ. وإن كان بغير بينة فهل يُقبل قولُهُ في الرد أم لا؟ فالمذهب على قولين: [أحدهما] (٤): أنه يُقبل قولهُ مع يمينه، وهو المشهور. والثاني: أنه لا يُقبل قولهُ في الردّ؛ لأنه مُتعدٍ في الرد؛ إذ الواجب عليه أن يودعها هناك، وتعديه في ردّها يُوجب عليه الضمان، فإذا صارت في ذمّتِه لتعدِّيه في ردِّها وجبَ ألا يُقبل قوله في ردِّها، وهذا قول قياس. فإن قيل: إذا أسلمت في الرجوع برئت ذمتهُ منها كمتسلف الوديعة إذا

стр. 3762

ردها على أحد أقوال المذهب. فالجواب عنه: أن متسلف الوديعة [قدرها] (١) حيث كان [أذن له] (٢) في نفاقها فيه، وهذا [إنما] (٣) أمر أن يدفعها إلى رجلٍ في بلد فلم يجدُه فردّها، فإذا ردّها إلى بلدِ الباعث، فليس هذا الموضع الذي أذن له في إنفاقها فيه، فاندفع السؤال. والجواب عن السؤال الثالث: إذا ادعى [المبعوث] (٤) إليه بالمال أن الباعث بعث به إليه صِلَةً أو صدقة، ويُصدّقَهُ الرسول، وربُّ المال جاحد لذلك، ويدّعي أنه بعثهُ ليكون عندهُ وديعة، فلا يخلو من وجهين: إما أن يكون ذلك قائمًا بيد الرسول لم يُسلِّمهُ بعد، وإما أن يكونَ ذلك بعد التسليم. فإن كان ذلك قبل الدفع إلى المبعوث إليه، فإن المبعوث إليه يَحْلفُ [مع شهادة الرسول] (٥) إن كان عدلًا، ويأخذ المال ملكًا له، ولا خلاف في هذا الوجه. فإن كان ذلك بعد الدفع والقبض، فهل تجوز شهادة الرسول أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها جائزة، ويحلف معه المبعوث إليه، كما لو كان قبل الدفع، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة"، وهو قول ابن عبد الحَكَم. والثاني: أن شهادته لا تجوز؛ لأنه يدفع عن نفسه الضمان، وهو قول

стр. 3763

أشهب، يريد أنه لما خرج المال من يده، وصار في حوْز القابض على معنى الملك، والباعث مُنكر لذلك، فاتهم في شهادته أن يكون قصد بها دفعَ العدا عن نفسه. والثالث: التفصيل بين أن يكون القابض مُوسرًا أو مُعسرًا، فإن كان القابض مُوسرًا جازت شهادة الرسول كما لو كان المال قائمًا بيده، وإن كان مُعسرًا فلا تجوز؛ لأنه يُتهم [في] (١) أن يدفع الضمان عن نفسه، وهو قول سحنون. وعلى قول أشهب بأن شهادة الرسول لا تجوز؛ وأنه يغرُم للباعث ما أتلف من المال عليه، هل له الرجوع على المدفوع إليه بما غرم [عنه] (٢)؟ والذي يأتي على أصل أشهب أنه يرجع [عليه] (٣)؛ لأنه قال: "إذا كانت لهُ وديعة عند رجُلٍ، فجاءه خطه لأمر أن يدفعها إلى فلان صِلَة أو أنها له، والذي عنده وديعة لا يشكُّ أنه خطُّه وأمارته، فدفعها إليه ثم جاء المودع فأنكر، وحلف، وأغرم المودّع أن لدافعها أن يرجع على الذي قبضها منهُ، وإن كان يعلم أنه مظلوم؛ لأنه يقول: بِسببك وصل تغريمي". وقد وقع لأشهب ما يدلُّ على أنه لا يرجع عليه بشيء، وقال: "إذا كانت له وديعةٌ عند رجل، فجاءه رجلٌ فقال: إن فلانًا بعثني إليك لآخذ الوديعة منك، فصدّقَهُ وَدَفعها إليه، فادعى ضياعها، فجاء صاحب الوديعة، فأنكر أن يكون بعثُه، وحلف على ذلك فغرم الوديعة لربها فقال: لا رجوع على الرسول، وكان ينبغي على مذهبه أن يرجع [عليه] (٤)؛

стр. 3764

لأنه بسببه غرِم؛ بل هذا [أحرى] (١)؛ لأنه يمكن أن يكون الرسول كذب. وقد اختلف قول ابن القاسم في هذا أيضًا فمذهبهُ في المُدونة: أن له الرجوع عليه و [إن] (٢) عَلِمَ من نفسه أنهُ مظلوم، وهو قولهُ في مسألة "الوكيل على بيع ثوبٍ إذا جحده المشتري الثمن، حيث جوّز للآمر أن يغرم الثمن للمأمور، وإن علم أنه صادقٌ في دعواه"، وقال في غير المدونة: فيمن استحق من يدي سلعة كُنْتُ اشتريتها من رجلٍ، وأنا مقرٌ أنها نتجت عند البائع مني، فإن مُستحقها ظالم، وبينته زور أنه لا رجوع لي على بائعي بالثمن لعلمِي بأنه مظلوم [والحمد لله وحده] (٣).

стр. 3765

[المسألة السادسة] في المودع إذا أنزى على النوق المودعة أو بقرًا فماتت أو كانت جارية، فوطئها فماتت أو زوجها فأما البقرات والنوق وما كان في معناها، فلا يخلو من وجهين: إما أن يكون موتها من تحت الفحل. وإما أن يكون من الولادة. فإن ماتت تحت الفحل، فالمذهب في ضمانه على قولين قائمين من المُدونة: [أحدهما] (١): أنه ضامن لأنه مُتعدٍ، وهو قول مالك في المُدونة. والثاني: أنه لا ضمان عليه في ذلك، وهو قول أشهب في "مدونته"، قال: ولو سألني في البهائم قبل أن ينزيها هل ينزيها؟ لرأيتُ ألا يدعها [من الإنزاء] (٢)؛ لأن ذلك مصلحة، وهو مثل قول الغير في "المدونة" في الراعي. فإن ماتت من الولادة، هل يضمن أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة" أيضًا: أحدهما: أنه ضامن لقيمة الحيوانات، وهو قول ابن القاسم في "المدونة". والثاني: أنه لا ضمان عليه، وهو نصُ قول أشهب في "كتابه"،

стр. 3766

وهو نص قول مالك في "المدونة" في كتاب "الوديعة" في: أمة الرهن إذا تعدى المرتهن، فتزوجها فماتت من النفاس، حيث قال: إن ضمانها من الراهن. وقال ابن القاسم: إن ضمانها من المرتهن، وهذا القول قائم من "المدونة" أيضًا من مسألة الغار إذا غرّ فَزَوّجَ أمة رجلٍ على أنها حُرّة فولدت من زوجها ثم استحقها سيدها، حيث قال ابن القاسم: فإن الغارِ لا يضمن للزوج ما أخذ منه المستحق من قيمة الأولاد، وقال: إنه لم يغرُه بولد. وقد قالوا فيمن غصب حُرّة، فزنى بها، وهو غير محصن، فَحَمَلَت فماتت من الولادة أنه لا يُقتل [بها] (١)، ولا يغرم ديَّتها؛ لأن هذا بسبب آخر ليس هو عين العدا. وينبني الخلاف: على الخلاف في السبب في الشيء، هل هو كمنْ باشرهُ أم لا؟ وكذلك الحكم في الأمَة إذا وطئها فماتت من الولادة. وأما إن ماتت من وطئهِ، فإنه ضامن لقيمتها قولًا واحدًا. وأما إن زوجها المودع، فالنكاح مفسوخ على كل حال. ثم لا يخلو من أن تلِد من زوجها أم لا: فإن لم يكن معها [ولد] (٢) ولا حملت من زوجها، فإن المُودع يأخذ جاريته، ولا شيء لهُ على المودع؛ لأن تزويجها ليس بعيب، ولا يكون عيبًا إلا النكاح الذي يجوز المقام عليه. فإن ولدت من زوجها، فذلك عيبٌ مُفسد يُوجب لسيدها أخذ قيمتها من المُودع، وإن شاء أخذها، وما نقصها النكاح.

стр. 3767

فإن كان معها ولدها أو مات الولد، ونمت في يدها، فهل يجبر نقصها بالولد [الذي] (١) معها أو بما فيها من النماء أم لا؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: أن النماء يجبر به النقص، كان ذلك النماء مُتصلًا بها أو مُنفصلًا عنها، وهو قوله في "كتاب الوديعة". والثاني: أن النماء لا يجبر به النقص كان متصلًا أو منفصلًا، وهو قول الغير في "كتاب العيوب". والثالث: التفصيل بين النماء المتصل كزيادة البدن، والنماء المنفصل كالولد، فيجبر بالنماء المنفصل ولا يجبر بالنماء المتصل، وهو قول مالك في "كتاب العيوب" من "المُدونة". ووجه القول: بأن النماء يُجبر به النقص جملة؛ لأن الأمة بإحبال الزوج [إياها] (٢) وجب على المودع جميع القيمة، فصار النماء الحادث فيها من الولد، أو زيادة البدن بعد دخولها في ضمان المودع، فأشبهت المشتراة، وأنها بالشراء دخلت في ضمان المشتري، فحدث بها حمل، وهو نقص ونماء، وهو الولد في ضمان المشتري، فجبر ما دخلها من النقص الحادث في ملكه بالنماء الذي حدث في ضمانه. ووجه القول بأن النماء لا يُجبر [به] (٣) النقص: أن هذا [النماء] (٤) لو لم يحدث عند المشتري عيبًا ما كان يُشارك به البائع، ولا كان يأخُذ فيه عِوَضًا، بخلاف ما أحدث من صبغ أو خياطة، فإذا وجب ألا يأخذ فيه، ولم يحدث عنده عيبٌ، فكذلك يجبُ ألا يُجبر به ما حدثَ به من

стр. 3768

عيبٍ عنده. ووجه القول بالتفصيل: أن النماء المُنفصل كسلعة ثانية وجبت للمشتري لحدوث الولد في ملكِه بعد وجوب الضمان إما بعقد الشراء في فصل البيع، وإمّا بحمل الجارية في فصل الوديعة، والنماء المتصل إنما هو بعض صفاتها؛ فلا يملكهُ من حدث عنده إلا كما يملكُ جميع أجزائها؛ إذ ليس في المُمْكن أن يملُك صفة الشيء دون عينهِ، وذلك لا يُتصور، ولا يدخل في المعقول فضلًا عن المنقول [والحمد لله وحده] (١).

стр. 3769

[المسألة السابعة] [في المودع إذا ادعى] (١) أنه أنفق الوديعة على أهل المودع في غيبته ولا يخلو من وجهين: إما أن يكون قضى عليه السلطان في غيبته بالنفقة، أو لم يقض عليه بها. ١ - فأما إن قضى عليه بها، مثل أن ترفع امرأته إليه أمرها، وفرض لها عليه النفقة هي وأولادها، فلا يخلو المودع من أن يصدقه أهل المودع على ذلك أو كذّبوه. فإن صدّقوهُ على ذلك [فالقول قوله] (٢) إذا كان ما أنفق عليهم يشبه. فإن أقامت للمودع البينة أنه قد ترك لهم النفقة أو كان يبعثُ إليهم بها، وأنها وصلت إليهم، أو كان ما يدعيه [المودع] (٣) [لا] (٤) يُشبه أن يكون نفقة مثلهم كان القول قول المودع، ويضمن المودع الوديعة، أو ما زاد على نفقة مثلهم. فإن كذّبوه على ما يدّعيه من إنفاق الوديعة عليهم كان ضامنًا قولًا واحدًا.

стр. 3770

وأما الوجه الثاني: إذا لم يقض السلطان عليه بذلك، ولا رفعت [المرأة] (١) أمرها إليه، فلا يخلو المودع من أن تقومَ له بيِّنةٌ على ذلك أو لم تقُم، فإن قامت له على ذلك بينة فالقول قولُ المودع المنفق، إذا كان ذلك يشبه نفقتهم، وكان المودع لم يبعث إليهم بالنفقة، ولا تركها لهم ببيّنة. فإن لم تقم له بينةٌ على الإنفاق، فلا يخلو من يُصدقه أهلهُ على ذلك أو كذّبوه، واعترف المودِع أنه لم يبعث إليهم بالنفقة، ولا تركها عندهم، فهل يبرأ المودع بإقرارهم أو لابد من قيام البينة أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من المُدونة: أحدهما: أنه [لا يبرأ] (٢) إلا بقيام البينة على النفقة، ولا ينفعه إقرار أهله وولدِه، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب". والثاني: أنه يبرأ بتصديقهم إذا أقَرّ المودع أنه لم يبعث إليهم بالنفقة، ولا خلّفها عندهم، وهو قول الغير في بعض نُسخ "المدونة" في "كتاب الوديعة"، وهو الأظهر في النظر؛ لأنها لو قالت: من عندي كنتُ أُنفق لقُبلَ قولها، وكان له الرجوع على الزوج، ولا فرق بين قولها: مِن عندي أُنفق ولا من غيرها، هذا الذي عنده في الوديعة. وإن ادعى المُودع أنه كان يبعث إليهم بالنفقة، وأنها وصلت إليهم، فإنه يحلفُ على ذلك، وعلى وصولها إليهم، ثم يضمن المودع. وهل له الرجوع على أهل المودع أم لا؟ فلا يخلو من أن يدّعي على المودع أنه أمرهُ بالدفع إليهم، أو قال له: لم تبعث إليهم بشيء، كان له الرجوع على الزوجة، وعلى ما يلي نفسه

стр. 3771

من أولاده بقدْر حِصَّته من النفقة. وإن ادعى عليه الإذن أو أنه لم يبعث إليهم بشيء، فهل يرجع على أهله بشيء أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه لا يرجع؛ لأنه قد صدّقهم بأنهم قبضوا بوجهٍ جائزٍ عنده، وهو قول ابن القاسم [في "المدونة"] (١) في المأمور له بقبض المال من ذمّة غيره. والثاني: أنه يرجع عليهم بذلك؛ لأنه لم يتطوّع عليهم بذلك، وإنما أنفق عليهم ذلك، ظنًا منه أن ذلك يبرئه، وأنه من حقِّهم. وسبب الخلاف: اختلافهم في المخطئ في مال نفسه، هل هو كالمخطئ في مال غيره [أم لا] (٢)؟ وذلك أنه لما أخطأ في مال غيره، فأنفقهُ على أهله بغير إذنه، ولا ثبت عندهُ أمرٌ يستحقون [به] (٣) ذلك المال كان ذلك عين الخطأ في مالِ نفسه؛ لأن المال الذي أنفق عليهم هو عين مالهِ معنًا لكونه لابُد وأن يؤدى عنه عِوضًا بعدما أنفق عليهم كعين ماله معنىً لا حسًا، وذلك منه كالخطأ في ماله؛ إذ لا فرق بين أن يسلط الغير في مال نفسه [يظنه مال] (٤) ذلك الغير، أو يُسلِّطه في استهلاك ما يظنُّ أنه استحقَّه من مال غيره، ثم تبيَّن له أن ذلك المستهلك غير متسحقٍ له، فإن المسبب يعزم بواسطة السبب، وهل يغرم المباشر أم لا؟ قولان: وعلى القول بأنه لا يغرم، فلِكَوْنهِ معذور بتسليط [المالك] (٥)،

стр. 3772

وعلى أنه يغرم فلِكَوْن المُسلِّط غيرُ قاصد إلى التمكين في خالص ماله بالاستهلاك، وإنما هو مخطئ، والكلام في هذه المسألة مسُتوفىً في غير هذا الكتاب [والحمد لله وحده] (١).

стр. 3773

المسألة الثامنة فيمن جحد لرجل مالًا ثم وقع له عندهُ مثلُ ذلك هل يسوغ له أن يجحده فيه أم لا؟ ولا يخلو الجاحد من أن يكون غاصبًا أو غير غاصب، فإن كان غاصبًا، وقد دلهُ المغصوبُ منهُ على أخذ الشىء المغصوب بعينهِ حقيقة، فلهُ أخذهُ قولًا واحدًا. فإن ظفر لهُ بغيره من ماله، ولم يظفر بالشيء المغصوب، هل يحلُّ له أخذهُ أم لا؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: جواز الأخذ جُملة بلا تفصيل، وهو قول مالك في "الموازية" قال: بخلاف من جحدك [لما جحدك] (١) لما جاء فيه من الأثر. والثاني: التفصيل بين أن يكون عليه ديّن، فلا يجوز له الأخذ، أو لا ديْن عليه فيجوز، وهو قول ابن المواز في "كتابه". والثالث: التفصيل بين أن يكون معلومًا بالغصب، فلا يجوز له الأخذ؛ لكوْن ذمته مستغرقةٌ بالتباعات، وبين ألا يُعلم بالغصب فيجوز له الأخذَ. فإن كان الجاحد غير غاصبٍ، مثل أن يكون له عليه ديْنٌ أو أودع عنده وديعة فجحدهُ فيها، ثم ظفر له بمثلِ ذلك أو ما يُساوى قيمتهُ -هل يحل لهُ الجحودُ أم لا؟ فالمذهب على ستة أقوال:

стр. 3774

أحدها: المنعُ من الأخذ جُملةً، وهو ظاهر قول مالك في المُدونة في "كتاب الوديعة" في رواية ابن القاسم عنه حيث قال: لا يجحدهُ. والثاني: إباحة الأخذ له جملةً بلا تفصيل، وإن كان عليه دين، وهو قولُ ابن عبد الحكم. والثالث: التفصيل بين أن يكون عليه ديْنٌ، فيأخُذ القدْر الذي يصحُّ له في المحاصة مع الغرماء، وإن لم يكن عليه ديْن كان له أن يأخُذ، وهي رواية ابن وهب عن مالك. والرابع: أنه يأخذ جميع حقِّهِ، وإن لم يكن عليه ديْن، وإن كان عليه ديْن، فلهُ أخذ قدْر ما ينوبُه في الحصاص إن أمن أن يحلف كاذبًا، وهي رواية ابن نافع عن مالك. يريد إن قبل منهُ أن يحلف -[أن] (١) مالهُ عليه حق [على] (٢) ما في سماع أصبغ. والخامس: أنه يأخُذُ ويحلفُ أنَّه مالهُ عندهُ وديعة، ولا غيره بخلاف الحقوق الثابتة في الذمم من المبايعات والقرض، وهو قول ابن شعبان في "الزاهي". والسادس: أنَّ الأخذ له جائز ما لم يكن عليه ديْن، فإن كان عليه ديْن فلا يأخذ شيئًا، [وهذا] (٣) قولُ قياسي. ووجههُ أن الغُرماء لو جاؤوا لشاركوه فيما أخذ، فكأنه أخذ ما للغرماء فيه [مدخل] (٤) إذا لم يأخذه بدفع من الغريم ولا بتفليس الإِمام، فيجب إيقاف أنصبائهم.

стр. 3775

وسبب [الخلاف] (١) في المسألة: تعارض الحديثين: قوله ﷺ : "أدِّ الأمانة إلى مَن ائتمنك، ولا تخُن من خانك" (٢)، فهذا عام، ويُعارضه قوله ﷺ لهند بنت عُتبة بن ربيعة بن عبد شمس [لما] (٣) شكت إليه أن زوجها أبا سفيان بن حرب، لا يُعطيها من الطعام ما يكفيها هي وولدها، فقال لها رسول الله ﷺ : "خُذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" (٤). معناه: أن تأخذ مقدار ما يجبُ لها, ولا تتعدّ فتأخذ أكثر مما يجب لها. فمن أخذ بعموم قوله ﷺ : "ولا تخُن مَن خانك"، قال: يُمنع من الأخذ عمومًا. ومن أخذ بمقتضى حديث هند قال: بجواز الأخذ عمومًا, ولاسيما على مذهب من قال: إن قولَهُ ﵇: "أدِّ الأمانة إلى مَن ائتمنك ولا تخُن من خانك". وَرَدَ على سبب، وذلك أنَّ رجُلًا ائتمنَ رجُلًا على امرأة فخان فَوَطِئَهَا، ثم إنّ الخائن ائتمن ذلك الرجل على امرأته، فأراد أنْ يطأها، [فسأل] (٥) رسول الله ﷺ فقال له: "أدّ الأمانة على امرأته، إلى مَن ائتمنك ولا تخُن من خانك". ومذهب بعض الأصوليين أنّ الاسم المُفرد إذا دخل عليه الألف واللام أنه يقصُر به عن سببه، ولا يُحمل على عمومه. والصحيح خلاف ذلك.

стр. 3776

ومن أصحابنا مَنْ ذهب للجمع بين الحديثين، فحمل قولَه ﵇: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" (١). على أن: تأخُذ مقدار ما يجبُ لها, ولا تتعدّى، فتأخُذ أكثر [مما يجب لها، وكذلك يتأول قوله ﵇: "ولا تخن من خانك" أي: لا تتعدى، فتأخذ أكثر] (٢) من الواجب فتكون [خُنْته] (٣) آخرًا كما خانك [هو أولًا] (٤)؛ لأن مَنْ أخذ حقَّهُ الواجب فليس بخائن، فعلى المعروف الذي أباح به النبي ﷺ لهند تخرج الحديثان، ولا يحمل على التعارض، والأحاديث مهما أمكن الجمع بينها فلا يُطرح [بعضها، تم الكتاب] (٥) والحمد لله.

стр. 3777

كتاب العارية

стр. 3778

كتاب العارية تحصيل مشكلات هذا الكتاب وجملتها ثلاثُ مسائل: [المسألة الأولى] في ضمان العارية ولا يخلو المستعير من وجهين: أحدهما: أن يدَّعِي فساد الشيء المُعار. والثاني: أن يدّعي هلاكَهُ وضياعَهُ. فإن ادعى فسادًا بالشيء المُعار مثل: أن يستعير قياسًا ليعمل به، فأتى به مكسورًا، أو سيفًا ليُقاتل به عدوًا، فأتى به مقطوعًا، فادعى أن فساد ذلك الشيء وكسْرهِ من سبب ما استعارُه له، فهل يُصدّق المستعير أم لا؟ فالمذهب على أربعة أقوال: أحدها: أنه لا يُصدّق جُملةً حتى يُقيم البيّنة أنه ضرب به ضربًا يجوزُ له، وهو قولُ عيسى في "العتبية". والثاني: أنه يُصدّق ولا يضمن إذا أتى بما يُشبه، ويرى أن الكسْر يُصيبَه في ذلك العمل، وذلك لا يخفى، وهو قول عيسى بن دينار، ومطرف , وأصبغ. والثالث: أنه ضامن، ولا يَصدَّق على حال، وهو قول أشهب في "كتابه". والرابع: أنه لا يُصدّق، ويكونُ ضامنًا إلا أن يُقيم بيِّنة على ذلك أو عَرف أنه كان معهُ في اللقاء، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".

стр. 3779

وسبب الخلاف: هل يُقاس عينُ الشيء المعار وتغييبه على ذهاب عينه أم لا؟. فمن جعل تغييبُهُ كذهاب عينه قال: المستعير ضامن، ومن جعل تغييبُهُ مُخالف لذهاب عينه قال: القول قولُ المُستعير في إسقاط الضمان عنه. وبقية الأقوال جارية على الاستحسان على غير قياس. فإن ادعى هلاك الشيء المُستعار وضياعُه، فهل يُصدّق في ذلك أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أن المستعير ضامن للعارية، قامت البينة على التلف أو لم تقُم كانت مما يُغابُ عليه أم لا، وهو قول أشهب، وأحد قوليْ مالك، وهو مذهب الشافعي. والثانى: أنه لا ضمان عليه إلا أن يشترط الضمان، وهذا القول حكاه أبو إسحاق بن شعبان في "الزاهي" وعابهُ. والثالث: أنه يضمن فيما يُغابُ عليه إلا أن يقوم ببينة على التلف بغير سببه، ولا يضمن فيما لا يغاب [عليه] (١) إلا أن يكون سبب التلف من المُستعير، وهو المشهور من قول مالك، وهو قولُ ابن القاسم في "المدونة"، وهو أصح الأقوال وأوْلى بالصواب على ما نصف. وسبب الخلاف: تعارُض الآثار وتجاذب الاعتبار. فأما الآثار: فمنها ما رُوي أن رسول الله ﷺ حين أمَّنَ صفوان بن سليم ثم إنه غزى حنينًا، فذكر له [ ﷺ ] (٢) أداة، وسلاح عند صفوان، فأرسل إليه فسأله: "إياها عارية"، فقال صفوان: [أين الأمان] (٣): أتأخذها غصبًا، فقال له رسول الله ﷺ : "إن شئت أن تمسك أداتك

стр. 3780

فأمسكها، وإن [أعرتها] (١) فهي مضمونةٌ عليّ حتى ترِد إليك" فقال صفوان: ليس بهذا بأس، وقد أعرتُك يا محمَّد، فبعث إليه بمائة [درع] (٢) وأداتُها -وكان صفوان كثير السلاح- فقال النبي: "اكفِنَا حَمْلَها" فحملها له صفوان (٣). ورُوي أنه قال له: "أعاريةٌ مضمونة أم عاريةٌ مؤداة"، فقال ﵇: "بل عارية مؤداةٌ مضمونة". وفي بعض الآثار: "عارية مؤداة". ومنها: ما رُوي عنه ﷺ أنه قال: "ليس على المُستعير ضمان" (٤). ومنها: ما رُوي عنه أيضًا ﷺ [أنه قال] (٥): "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" (٦). فمن أَخذ بقوله ﵇: "بل عارية مضمونةٌ مؤداة" فقال بضمان العارية جُملة بلا تفصيل، كما به قال أشهب، والشافعي. ومن أخذ بقوله ﵇: "ليس على المستعير ضمان" فقال: بنفي الضمان جُملةً بلا تفصيل، كما به قال أبو حنيفة، إلا أن يشترطهُ كما حكى ابن شعبان.

стр. 3781

ومَنْ فصل بين ما يُغاب [عليه] (١) وبين ما لا يُغاب [عليه] (٢) فقد جمل؛ لأنه استعمل جميع الأحاديث ومازجها بوجه من النظر، فيتأول على ما رُوي عنه ﵇ بوجُوب الضمان في العارية فيما يُغابُ عليه، [إذا لم يعلم هلاكه. وما روى عنه من سقوط الضمان فيما لا يغاب عليه] (٣). وفيما يُغاب عليه إذا عُلم هلاكه يُحمل على أن قولُه ﵇: "بل عاريةٌ مضمونةٌ مؤداة" (٤) من الألفاظ التي لا تستقل بأنفسها، فلا يصحُّ الاحتجاج بها على وجوب الضمان؛ لأن ما لا يستقل بنفسه فوجهُهُ أن يقصرُ على سببه، ولا يُحمل على عمومه، ولا خلاف بين الأصوليين في ذلك، وإنما اختلفوا في اللفظ العام المستقلُّ بنفسِه. وإنما يصحُّ [الاستدلال] (٥) بظاهر هذا الحديث، [في وجوب] (٦) الضمان؛ لو قال ﵇ مجاوبًا لصفوان؛ إذ قال له: أعاريةٌ مضمونة؟ أو "العارية مضمونة مؤداة". وأيضًا فإن في مقابلة هذا الحديث ما رُوي عنه قال: "بل عاريةٌ مؤادة"، فنفى الضمان، وأوجب الأداء. ويتأول أيضًا قوله ﵇: "على اليد ما أخذت حتى تُؤديه" (٧) على بقاء العين، فأمّا مع تَلَفِهِ فلا يصح، ولا يجوز حمله على القيمة؛

стр. 3782

لأنه لم [يجد] (١) لها ذكر. وأما النظر باعتبار العارية [بالإجارة] (٢)؛ لأنه مالٌ مقبوض لمنفعة القابض، وَوَجَبَ ألا يضمن قياسًا على الإجارة؛ لاتفاق الأئمة الثلاثة مالك، والشافعي، وأبو حنيفة أن الإجارة غير [مضمونة] (٣). فأما [إن اشترط] (٤) المستعير إسقاط الضمان فيما فيه الضمان، أو اشترط المُعير على المستعير إيجاب الضمان فيما لا ضمان فيه. فإن اشترط المُستعير سقوط الضمان فيما فيه [الضمان] (٥)، فهل يُوفّى له بعُهدةِ شرطهِ، أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أن الشرط باطل، والضمان لازم، وهو قول ابن القاسم في بعض المدونة، وهو قول أشهب، وابن القاسم في "العتبية". والثاني: أنه يُوفى له بعُهدة شرطه، ويُسقط عنهُ الضمان، وهو قولُ أشهب في الصانع يشترط الإضمان عليه أنّ شرطهُ جائز، ولا ضمان عليه، فإذا أسقط الضمان عن الصُنّاع بذلك الشرط، فأحرى أن يُلزم في المستعير إذا أعارهُ على أن لا ضمان عليه؛ لأنه قد فعل المعروف معهُ من جهتين: وينبني الخلافُ على الخلاف: فيمن أسقط حقًا قبل وُجوبهِ، هل

стр. 3783

يسقط أم لا؟ والقولان [في ذلك] (١) في المذهب. فإن اشترط المُعير على المُستعير إيجاب الضمان فيما لا ضمان فيه، أو مع قيام البيّنة فيما يُغاب عليه، فهل [يوفي] (٢) له بمقتضى الشرط أم لا؟ على قولين: أحدهما: أن الشرط باطل والضمان ساقط، وهو قول ابن القاسم في المدونة، وهو مشهور المذهب. والثاني: أنه إن كان شرط عليه الضمان لأمرٍ خافهُ من طريقٍ مُخوِّفة أو نهرٍ أو لصوص أو ما أشبه ذلك، فالشرط لازم إن عطبت في الأمر الذي خافهُ، واشترط الضمان من أجلِه، وهو قول مطرّف في "الواضحة". وسبب الخلاف: اختلافهم في الشرط هل يُخرج العارية عن سنتها أو لا؟ فمن رأى أن يُوفِّي بمقتضى الشرط قال [: يخرجها عن سنتها الشرط، ومن رأى أنه لا يوفى بمقتضاه قال: يبطل الشرط، ولا يوفى بمقتضاه لأنه] (٣) يُخرج العارية عن سنتها. وقال بعض المتأخرين: وينبغي إذا اشترط المُعير على المستعير الضمان فيما لا يُغابُ عليه، فأبطل ذلك الشرط بالحُكم عن المُستعير أن يلزمُهُ إجارة المثل في استعماله العارية؛ لأن الشرط يُخرج العارية عن حُكم العارية، وسنتها إلى باب [إجارة] (٤) الفاسدة؛ لأن رب الدَّابة لم يرض أن يُعيرُه إياها إلا بشرط أن [يحوزها] (٥) في ضمانه، فهو عوضٌ مجهول يُردُّ إلى

стр. 3784

المعلوم. فإذا وجب ضمان العارية على المستعير، فإنما يضمن قيمة الرقبة يوم انقضاء أجل العارية على ما نقصها الاستعمال المأذون فيه بعد يمينه: لقد ضاعت ضياعًا لا يقدرُ فيه على ردها؛ لأنه يتهم على أخذها بالقيمة بغير رضا صاحبها. وعلى القول بأنه لا ضمان عليه فيما لا يُغاب عنه، فإن استعار دابة بعدتها ثم ادعى ضياعها، فإنه يصدُق في عينِ الدابة، ولا يُصدّق في سرجها ولجامها؛ لأن ذلك مما يُغاب عليه. فإذا ردّ المستعير الدابة [المستعارة] (١) مع عبده أو أجيره أو جارهِ؛ فعطبت أو ضلّت فلا ضمان على المستعير، ولا على الرسول؛ لأن شأن الناس [على ذلك] (٢) أن يردّوه مع الذي [عندهم] (٣) من عبدٍ أو أجير، وإن لم يُعرف ضياع ذلك إلا من قول الرسول، فلا يُصدّق، وهو قول مُطرف، وابن الماجشون في "الواضحة". وأُجرة حمل العارية على المستعير قولًا واحدًا. والدليل قوله ﷺ لصفوان في السلاح الذي أعَارَهُ إياه: "اكْفِنا حملها" (٤). وفي أُجرة ردِّها قولان: فقيل: على المُستعير، وهو الأظهر.

стр. 3785

وقيل على المُعير؛ لأن العارية معروف، فلا يُكلّف أجرًا بعد معروفٍ صنعَهُ [والحمد لله وحده] (١).
следующие страницы →