← Фикх малики

Фикх малики · id 123685

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

الرجراجي، علي بن سعيد

Полный текст (4 240 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

ومَنْ فصل بين ما يُغاب [عليه] (١) وبين ما لا يُغاب [عليه] (٢) فقد جمل؛ لأنه استعمل جميع الأحاديث ومازجها بوجه من النظر، فيتأول على ما رُوي عنه ﵇ بوجُوب الضمان في العارية فيما يُغابُ عليه، [إذا لم يعلم هلاكه. وما روى عنه من سقوط الضمان فيما لا يغاب عليه] (٣). وفيما يُغاب عليه إذا عُلم هلاكه يُحمل على أن قولُه ﵇: "بل عاريةٌ مضمونةٌ مؤداة" (٤) من الألفاظ التي لا تستقل بأنفسها، فلا يصحُّ الاحتجاج بها على وجوب الضمان؛ لأن ما لا يستقل بنفسه فوجهُهُ أن يقصرُ على سببه، ولا يُحمل على عمومه، ولا خلاف بين الأصوليين في ذلك، وإنما اختلفوا في اللفظ العام المستقلُّ بنفسِه. وإنما يصحُّ [الاستدلال] (٥) بظاهر هذا الحديث، [في وجوب] (٦) الضمان؛ لو قال ﵇ مجاوبًا لصفوان؛ إذ قال له: أعاريةٌ مضمونة؟ أو "العارية مضمونة مؤداة". وأيضًا فإن في مقابلة هذا الحديث ما رُوي عنه قال: "بل عاريةٌ مؤادة"، فنفى الضمان، وأوجب الأداء. ويتأول أيضًا قوله ﵇: "على اليد ما أخذت حتى تُؤديه" (٧) على بقاء العين، فأمّا مع تَلَفِهِ فلا يصح، ولا يجوز حمله على القيمة؛

стр. 3782

لأنه لم [يجد] (١) لها ذكر. وأما النظر باعتبار العارية [بالإجارة] (٢)؛ لأنه مالٌ مقبوض لمنفعة القابض، وَوَجَبَ ألا يضمن قياسًا على الإجارة؛ لاتفاق الأئمة الثلاثة مالك، والشافعي، وأبو حنيفة أن الإجارة غير [مضمونة] (٣). فأما [إن اشترط] (٤) المستعير إسقاط الضمان فيما فيه الضمان، أو اشترط المُعير على المستعير إيجاب الضمان فيما لا ضمان فيه. فإن اشترط المُستعير سقوط الضمان فيما فيه [الضمان] (٥)، فهل يُوفّى له بعُهدةِ شرطهِ، أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أن الشرط باطل، والضمان لازم، وهو قول ابن القاسم في بعض المدونة، وهو قول أشهب، وابن القاسم في "العتبية". والثاني: أنه يُوفى له بعُهدة شرطه، ويُسقط عنهُ الضمان، وهو قولُ أشهب في الصانع يشترط الإضمان عليه أنّ شرطهُ جائز، ولا ضمان عليه، فإذا أسقط الضمان عن الصُنّاع بذلك الشرط، فأحرى أن يُلزم في المستعير إذا أعارهُ على أن لا ضمان عليه؛ لأنه قد فعل المعروف معهُ من جهتين: وينبني الخلافُ على الخلاف: فيمن أسقط حقًا قبل وُجوبهِ، هل

стр. 3783

يسقط أم لا؟ والقولان [في ذلك] (١) في المذهب. فإن اشترط المُعير على المُستعير إيجاب الضمان فيما لا ضمان فيه، أو مع قيام البيّنة فيما يُغاب عليه، فهل [يوفي] (٢) له بمقتضى الشرط أم لا؟ على قولين: أحدهما: أن الشرط باطل والضمان ساقط، وهو قول ابن القاسم في المدونة، وهو مشهور المذهب. والثاني: أنه إن كان شرط عليه الضمان لأمرٍ خافهُ من طريقٍ مُخوِّفة أو نهرٍ أو لصوص أو ما أشبه ذلك، فالشرط لازم إن عطبت في الأمر الذي خافهُ، واشترط الضمان من أجلِه، وهو قول مطرّف في "الواضحة". وسبب الخلاف: اختلافهم في الشرط هل يُخرج العارية عن سنتها أو لا؟ فمن رأى أن يُوفِّي بمقتضى الشرط قال [: يخرجها عن سنتها الشرط، ومن رأى أنه لا يوفى بمقتضاه قال: يبطل الشرط، ولا يوفى بمقتضاه لأنه] (٣) يُخرج العارية عن سنتها. وقال بعض المتأخرين: وينبغي إذا اشترط المُعير على المستعير الضمان فيما لا يُغابُ عليه، فأبطل ذلك الشرط بالحُكم عن المُستعير أن يلزمُهُ إجارة المثل في استعماله العارية؛ لأن الشرط يُخرج العارية عن حُكم العارية، وسنتها إلى باب [إجارة] (٤) الفاسدة؛ لأن رب الدَّابة لم يرض أن يُعيرُه إياها إلا بشرط أن [يحوزها] (٥) في ضمانه، فهو عوضٌ مجهول يُردُّ إلى

стр. 3784

المعلوم. فإذا وجب ضمان العارية على المستعير، فإنما يضمن قيمة الرقبة يوم انقضاء أجل العارية على ما نقصها الاستعمال المأذون فيه بعد يمينه: لقد ضاعت ضياعًا لا يقدرُ فيه على ردها؛ لأنه يتهم على أخذها بالقيمة بغير رضا صاحبها. وعلى القول بأنه لا ضمان عليه فيما لا يُغاب عنه، فإن استعار دابة بعدتها ثم ادعى ضياعها، فإنه يصدُق في عينِ الدابة، ولا يُصدّق في سرجها ولجامها؛ لأن ذلك مما يُغاب عليه. فإذا ردّ المستعير الدابة [المستعارة] (١) مع عبده أو أجيره أو جارهِ؛ فعطبت أو ضلّت فلا ضمان على المستعير، ولا على الرسول؛ لأن شأن الناس [على ذلك] (٢) أن يردّوه مع الذي [عندهم] (٣) من عبدٍ أو أجير، وإن لم يُعرف ضياع ذلك إلا من قول الرسول، فلا يُصدّق، وهو قول مُطرف، وابن الماجشون في "الواضحة". وأُجرة حمل العارية على المستعير قولًا واحدًا. والدليل قوله ﷺ لصفوان في السلاح الذي أعَارَهُ إياه: "اكْفِنا حملها" (٤). وفي أُجرة ردِّها قولان: فقيل: على المُستعير، وهو الأظهر.

стр. 3785

وقيل على المُعير؛ لأن العارية معروف، فلا يُكلّف أجرًا بعد معروفٍ صنعَهُ [والحمد لله وحده] (١).

стр. 3786

[المسألة الثانية] فيمن استعار عرصة ليبنِي فيها أو يغرس، ثم أراد إخراجه ولا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يضرب لعاريته أجلًا. والثاني: أن يُعيره ولا يضرب لذلك أجلًا. فإن ضرب لعاريته أجلًا، فليس له إخراجَهُ حتى يحلّ الأجل؛ وسواء رام ذلك قبل أن يبني ويغرس أو بعد ما بني وغرس. فإذا حلّ أجل العارية أو أراد المستعير أن يخرج قبل الأجل، فإنه يخرج، وهل يُعطيه المُعير قيمة عملهِ قائمًا أو منقوضًا؟ فالمذهب على قولين قائمين من المُدونة: أحدهما: أنه يُعطيه قيمتُه منقوضًا، ويأمرُه بقلعِه، وهو نصُّ قول ابن القاسم في المُدونة. والثاني: أنه يُعطيه قيمتهُ قائمًا، وهو قول المغيرة، وابن كنانة، ومطرف، وابن الماجشون، وروايتهم عن مالك؛ على ما حكاه سحنون في "العتبية"، وابن حبيب في "الواضحة"، ووقع في بعض نسخ "المُدونة" في رواية ابن هلال: أنه يأخذ قيمتهُ ولم يذكر منقوضًا، وظاهره قائمًا. فإن لم يضرب لعاريته أجلًا، فرأى إخراجه، فلا يخلو من أن يرومُه قبل أن يبني، ويغرس أو بعد ما بَنى. فإن رامُه قبل أن يبني ويغرس، فلِلمُعير إخراجه.

стр. 3787

وإن كان ذلك بعد ما بني، فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يكون ذلك بعدما مضى من الزمان ما يُعار إلى مثلهِ. وإما أن يكون قبل أن يمضي ذلك. فإن كان بعدما مضى من الزمان ما يُعار إلى مثله، هل يُمكَّن من ذلك أم لا؟ فالمذهب على خمسة أقوال: أحدها: أن ذلك له، ويُعطيه ما أنفق، وقيمة ما أنفق على اختلاف الواقع في "الكتاب" على ما سنبين توجيهه إن شاء الله، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب". والثاني: أنه لا يُمكَّن من إخراجه، وإن أعطاهُ ما أنفق حتى يمضي من الزمان ما يعارُ إلى مثله من الأمد، وهي رواية الدمياطي عن ابن القاسم في "العتبية". والثالث: أن له إخراجه فيما قرُب أو بعُد؛ لأنه فرّط إذ لم يضرب أجلًا، ويُعطيه ربُّ الأرض قيمة ذلك مقلوعًا ويأخذُهُ، أو يأمرُهُ بقلعِه، وهو قولُ أشهب في "كتابه". والرابع: التفصيل بين أن يكون ذلك لحاجته إلى عرصته أو إلى بيعها [لا] (١) لشرٍ وقع بينهما، فيجوز ذلك له. وإن كان لغير حاجة و [لكن] (٢) لشر وقع بينهما، فليس ذلك له، وهي رواية الدمياطي عن أشهب في "العتبية". والخامس: التفصيل بين أن يكون ذلك قبل أن يسكُن فلا يُخرجه، وإن أعطاهُ قيمتهُ قائمًا إلا برضاه، أو يكون ذلك بعد أن سكن، فله إخراجه، وهو قولُ أصبغ، وبه أخذ يحيى بن عمر. فإن بنى وغرس على أنه إذا

стр. 3788

حلّ الأجل ترك الغرس، والبناء لرب الأرض، فلا يخلو من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يُعيرُه على أنهُ إذا [حل الأجل] (١) خرجَ وتَرَكَ [الغرسَ والبناء] (٢) لربِّ الأرض. والثاني: أن يُعيرَهُ على أنه إذا دخل الأجل أخذ قيمتهُ قائمًا. والثالث: أن ينبني على أنهُ إذا حلّ الأجل قَلَعَ غرسهُ، ونقض بنيانهُ، وترك عرصته. فأما الوجه الأول: إذا أعارهُ على أنّهُ إذا خرج ترك البناء، والغرس لربِّ الأرض، فلا يخلو من أربعة أوجه: أحدها: أن يضرب لعاريته أجلًا ويُبين البناء. والثاني: أن يضرب الأجل، ولم يُبين البناء. والثالث: أن يبين البناء، ولم يضرب الأجل. والرابع: ألا يُبين [البناء] (٣)، ولا يضرب الأجل. فأما إذا ضرب لعاريته أجلًا وبيّنَ البناء، فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يكون [الأجل] (٤) قريبًا أو بعيدًا. فإن كان قريبًا مما يجوز للبائع أن يستثنى سكناه إذا باع [داره] (٥)، ولا يتغير البناء إلى ذلك الأمد [فإنه حوز قولًا واحدًا، فكأنه المعير قد أكرى أرضه إلى الأمد] (٦) المضروب لذلك البناء.

стр. 3789

فإن كان بعيدًا مثل عشر سنين وما قاربها، فلا يخلو من بنَّاهُ من البنيان من أن يتغير إلى ذلك الأمد أو لا يتغير، فإن كان يتغير إلى ذلك الأمد؛ فإن ذلك لا يجوز، ولا يدري كيف يصير البناء في هذا الأمد، وهو مذهب "الكتاب"؛ لأنه ذكر في السؤال عشر سنين. فإن كان البناء لا يتغير إلى ذلك الأمد، مثل: أنْ يصِف [بناء] (١) مُتقنًا لا يُمكن تغييرهُ هذا الأمد، جاز ذلك، وهو تأويل ما في "المدونة". وإذا ضرب الأجل، ولم يُبين البناء أو بيّن البناء، ولم يضرب أجلًا، أو لم يُبين البناء، ولا ضرب أجلًا، كان ذلك فاسدًا قولًا واحدًا، وهل يُفسخ ذلك بينهما في الحال أو يمضي ذلك إلى أجله بالقيمة؟ فلا يخلو من أن يعثُر على ذلك قبل أن يبنى أو بعد ما بَنَى. فإن عُثر على ذلك قبل أن يبنى، فإنه يُفسخ قولًا واحدًا. فإن عُثر على ذلك بعدما بني، فهل يفوت بالبناء أو يُفسخ أم لا؟ على قولين قائمين من المدونة: أحدهما: أنه يُفسخ، ويكون النقض للباني، وعليه كراء القاعة، ويُخير عليه المُعير إن شاء أمرُه بقلعه، وإن شاء أعطاه قيمتهُ منقوضًا، وهو قول ابن القاسم [في الكتاب] (٢) في "كتاب العارية". والثاني: أنه يفوت بالبناء، ولا يفسخ، ويسكن إلى الأمد المضروب أو [إلى مثله] (٣) إن لم يضربا أجلًا، وعليه كراء المثل، وهو قوله فيمن أكرى كراءً فاسدًا، فبنى أنّ لهُ السُكنى إلى المُدة، وعليه كراء المثل.

стр. 3790

وينبني الخلاف على الخلاف في الأصول، هل هي قابضة على ملاكها أم لا؟ فمن رأى أنها قابضة على ملاكها قال: إنه يفوتُ بالبناء، وله السُكنى إلى الأمد. ومن رأى أنها غير قابضة على ملاكها قال: بفسخه ولا يسكُن؛ لأن رب الأرض لم [يقبض] (١) البنيان بعدُ فكأنه باقٍ في يد بائعهِ. وأما الغرس: إذا أعارُه أرضه على أن يغرس فيه المُستعير إلى أجل كذا، فإذا حلّ الأجل كان الغرس للمُعير، فهل يجوز ذلك أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنّ ذلك لا يجوز، وهو قول ابن القاسم في كتاب [كراء] (٢) الدُور والأرضين. والثاني: أن ذلك جائز، وهو قولُ أشهب في: الكراء [إذا] (٣) اكترى الأرض على أن يغرس فيها شجرًا على أن يكون لربِّ الأرض إذا حلَّ الأجل قياسًا على البُنيان. وعلى القول بأن ذلك لا يجوز، واختلف في علِّته على ثلاثة أقوال: أحدها: أن العلة في ذلك غرره؛ إذ لا يدري هل يُسلِّم الشجر إلى ذلك الأجل أم لا؟ وبهِ علل في [الكتاب] (٤). والثاني: أن العلة في ذلك كراء الأرض بالطعام.

стр. 3791

والثالث: أنّ العلة في ذلك بيع الطعام قبل بُدوّ الصلاح. وينبني الخلافُ فيها على الخلاف في المغارسة الفاسدة: هل الشجر فيها على ملكِ الغارس أو على ملك رب الأرض؟ فمَنْ علّل المنع بأن ذلك كراء الأرض بالطعام، فقد [جعل] (١) الشجرة على ملك الغارس؛ إذ قد يعطيها، وفيها ثمر، فيصير قد اكترى الأرض بالطعام، وهو مذهب ابن القاسم الذي يقول في المغارسة الفاسدة أنّ الشجر على ملك الغارس. ومَنْ علّل بأنهُ يبيع الثمر قبل بُدوّ [صلاحه] (٢) جَعَلَ الغرسَ لربِّ الأرض؛ لأن أرضهُ قابضة له بوضع العامل ذلك فيها، ويكون للعامل قيمتهُ يوم وضعهُ في الأرض، فصار ربُّ الأرض أعطى للعامل في [إجارته] (٣) ثمن هذا الغرس قبل أن يَبدو صلاحهُ [وذلك بيع الثمر قبل بدو صلاحه] (٤) [وهذا] (٥) مستوعب في "كتاب كراء الأرض" في مسألة مفردة. فأما الوجه الثاني: إذا بني على أنهُ إذا حلّ الأجل أخذ قيمتَه قائمًا، فإن ذلك لا يجوز، كأنه أكرى الأرض تلك المُدّة بما يُغادر فيها من البناء بقيمته، يوم يتركهُ، وهذا من الغَرَر وسلف جر منفعة، وهو قول مطرف، وابن الماجشون في "الواضحة" وبه قال أصبغ، فإذا بني على هذا، فَلَهُ قيمة بنيانه قائمًا يوم فرغ منه أو ما أنفق فيه، ثم يكون لرب العرصة قيمة كرائها مبنية من يوم سكن، وهو قول من ذكرنا.

стр. 3792

وأما الغرر فظاهر؛ إذ لا يدري كيف يصير البناء عند حلول الأجل، وأما كونُه سلفًا جرّ نفعًا، فلكون الغارس وجبت له القيمة بنفس ما فرغ من البناء على ربّ الأرض، فتأخيرُه إياه بتلك القيمة إلى الأجل سلفٌ منه لرب الأرض، وجرّ به نفعًا وهو استنفاعه بالأرض إلى الأمد المضرب. وأما الوجه الثالث: إذا بني على أنه إذا حلّ الأجل، قَلَعَ بُنيانه وفرغ العَرَصة لربها، فالشرط باطل، فإن ذلك من باب الضرر، وإنما يأخُذ قيمتُه باختيار ربّ العرصة، وهو قول مطرف، وابن الماجشون. واختلف هل يأخذ قيمتهُ منقوضًا أو قائمًا على قولين: أحدهما: أنه يأخذ قيمتهُ منقوضًا، وهو قول ابن القاسم. والثاني: أنه يأخذ قيمتهُ قائمًا، وهو قول مطرف، وعبد الملك. وقد اختلف المتأخرون في تأويل قوله في المُدونة: "يغرم ما أنفق"، وفي موضع آخر: يغرم قيمة ما أنفق. فمنهم من قال: إن ذلك اختلاف [قول] (١) وهو أسعد بظاهر الكتاب. ومنهم من قال: إن ذلك اختلاف حال، فيكون قولهُ "يغرم ما أنفق" إن كان تولّى العمل بنفسه، ولم يستأجر عليه، ولا اشترى أنقاضًا، وإنما أخرجها من عنده. والتأويل الثاني: أظهر في المعنى، وقد قيل غير ذلك، والتأويلات أقرب [وأشبه في الظاهر والمعنى، والحمد لله وحده] (٢).

стр. 3793

المسألة الثالثة في اختلاف المُعير والمستعير وشهادة الرسول في ذلك واختلافهما يرجع إلى اختلاف المُتكاريين، وقد استوفينا الكلام عليه في "كتاب الرواحل والدواب"، ونُفرد الكلام هاهنا على فصلٍ لم نتكلم عليه هناك، وذلك: إذا بعَث رسولًا إلى رجل يُعيرُه دابة يركبُها إلى "برقة"، فأعارَه فركبها المُستعير إلى "برقة" فعطبت، فقال المُعير: إنما أعرتُهُ إلى فلسطين. فلا يخلو الرسول من أن يُقرَّ بالتعدِّي أو لا يُقر. فإن أقرَّ بالتعدي واعترف بأنه قال لربّ الدابة غير ما أمرهُ به المُستعير، فلا تخلو المسافتان من أنْ تتساويا في السهولة، والوُعورة أو تختلفا. فإن تساوت، فلا ضمان على واحدٍ منهما، لا على الرسول، ولا على المستعير؛ لأن المُستعير نفسُه لو أصرفها إلى غير المسافة التي استعار إليها، وكانت مثلَها لسقَطَ عنهُ الضمان. وإن اختلفت في السهولة والمرونة، وكانت التي ركبها فيها أشق من التي أذن فيها المُعير، فالرسول ضامن لقيمة الدابة دون المستعير. فإن لم يعترف الرسول بالتعدِّي، والمُعير، والمُستعير قد اختلفا، فإن تساوت المسافتان، فلا ضمان على المستعير. وإن كان مسافة الركوب أشق، فلا يخلو اختلافهما من أن يكون قبل الركوب أو بعد الركوب. فإن كان قبل الركوب، فالقولُ قول المُعير مع يمينه قولًا واحدًا.

стр. 3794

وإن كان بعد الركوب، وعطبت الدابة، فالقول قول المستعير في إسقاط الضمان عن نفسه، وهل يلزمهُ كراء ما بين المسافتين أم لا؟ فالمذهب على قولين [قائمين] (١) من المدونة: أحدهما: أنه لا كراء عليه، [وهو قول ابن القاسم في "المدونة"] (٢) [فيما] (٣) وجدهُ في "مسائل عبد الرحيم" في "كتاب العارية" من "المدونة". والثاني: أنه يلزمُهُ كراء [ما] (٤) بين المسافتين، وهو قول سحنون في بعض روايات "المُدونة"، وإن القول قول المُستعير في إسقاط الضمان عن نفسه، والقول قولُ المُعير في وجوب الكراء له، وهو قول أشهب في "مدونته"، وبه أخذ ابن حبيب. وعلى القول بأن المُعير يأخذ الكراء، هل يأخذُهُ بيمين أو بغير يمين؟ فإن قامت له البينة أن الرسول قال له: إلى فلسطين، فيأخذهُ بغير يمين، وإن لم تقُم له بيّنة فلا يأخذُه إلا بيمين سواءً صدّقهُ الرسول أو كذّبهُ، ولا يُنظر إلى شهادة الرسول [لواحد منهما] (٥) [والحمد لله وحده وصلى الله على محمَّد] (٦).

стр. 3795

كتاب اللقطة

стр. 3796

كتاب اللُّقَطَة تحصيل مشكلات هذا الكتاب [وجملتها ثلاثة مسائل] (١): [المسألة الأولى] في أخذ اللُّقَطة وتركها، أيهما أفضل ؟ واللُّقطة: بضمِّ اللام و [فتح] (٢) القاف: ما التقط وأصل الالتقاط: وجود الشيء على غير قصد وطلب، فإذا ثبت ذلك، فلا تخلو اللُّقطة من أربعة أوجُه: أحدهما: أن تكون [اللقطة] (٣) بين قومٍ مأمونين، والإمام عادل. والثاني: أن تكون بين قوم غير مأمونين، والإمام [عادل. والثالث: أن تكون بين قوم مأمونين، والإمام غير عادل. والرابع: أن تكون بين قوم غير مأمونين والإمام] (٤) جائر. فأما إن كانت: بين قومٍ مأمونين، والإمام عدل، فلا تخلو من أن تكون: لُقطة مكة أو لُقطةُ الحاج أو تكون لُقطة سائر البلاد. فإن كانت لُقطة مكة أو لُقطةُ الحاج، فإنّ أخذها ورفعها ممنوع. أما لُقطة الحاج: فقد انعقد الإجماع على أنه لا يجوز التقاطها , لنهيه ﷺ عن ذلك. فإن التقطها مُلتقط فعليه من تعريفها ما يجبُ عليه في غيرها.

стр. 3797

وأما لُقطة مكة: فقد رُوي عنه ﷺ فيها لفظان: أحدهما: لا ترفع لُقطتها إلا لُمنشد. والثاني: "لا يُرفع لُقطتها إلا منشد" (١)، فالمعنى [الأول] (٢) أنها: لا تُرفع إلا لمن يُنشدُها، فيُقال [له: هذا لك] (٣). والمعنى الثاني: أنه لا يلتقطها إلا مَن يُعرِّف الناس بها. فعلى [المعنى] (٤) الأول: تكون كلُقطة الحاج. وعلى المعنى الثاني: يكون حُكمها حُكم سائر البلاد إلا في التعريف، وأنَّهُ يُعرِّف بها أبدًا، وإن طال زمانه، كذا قال علماؤُنا [﵃] (٥). فإن كانت لُقطة سائر البلاد، فلا خلاف في المذهب في جواز أخذها، وإنما اختلفوا في الأفضل في الأخذ، والترك على ثلاثة أقوال: أحدها: أنّ تركها أفضل من أخذها جُملةً بلا تفصيل، وهو قولُ مالك، وجماعة من أهل العلم على ما نقلهُ القاضي في النهاية، وهو مذهب عبد الله بن عمر ﵁، وهذا القول قائم من "المدونة" من "مسألة الكساء" حيث قال مالك: بأنّه قد أحسن حين ردّهُ [وأصاب] (٦). والثاني: أن أخذها أفضل من تركها؛ لأنه مالٌ يجمع على ربّه ويمسّك

стр. 3798

عليه، وهو أحد قولى مالك، وهو مذهب سعيد بن المسيب ﵀، [وذهب] (١) إلى أن حُرمة المال كحُرمة النفس. والثالث: التفصيل بين اليسير والكثير، فإن كان كثيرًا [فأخذه] (٢) أفضل، وإن كان يسيرًا فتركَه أفضل، وهي إحدى [روايات] (٣) ابن القاسم عن مالك، وهو قول أشهب. وعلى القول بأن تركها أفضل، فإن أخذها ثم ردها في موضعها، فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يأخذها بنية الاختيار. والثاني: أن يأخذها بنية التعريف بها. فإن أخذها بنية الاختيار، مثل أن يمرَّ بها فيُعرفها لقومٍ سائرين، فيصيح لهم أهذا لكم فيقولون: لا، فيردها فضاعت فهذا لا خلاف أعلمه في المذهب أنه لا ضمان عليه قرب أو بعد. وإن أخذها بنية: التعريف بها ثم ردّها، فضاعت: فالمذهب في ضمانه على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ضامِنٌ لها جُملة، وهو تأويل بعض الشيوخ على قول ابن القاسم في "الكتاب"، وعليه يدلُّ احتجاجُهُ في "الكتاب"، وهذا القولُ حكاهُ القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب في المسألة، ولا فرق في ذلك بين القُرب والبُعد. والثاني: أنهُ لا ضمان عليه جُملة، رَدَّهَا بالقُرب أو بالبُعد، وهو قول أشهب.

стр. 3799

والثالث: التفصيل بين القُرب والبُعد، فإن ردَّهُ [بالقرب] (١) لا ضمان عليه، وإن ردّهُ بالبُعد ضمِن، وهو نصُ قول ابن القاسم في البُعد، وتأوّل عليه في "المدونة" أنه لا ضمان عليه، بدليل قوله في "الكتاب" فأرى أن من أخذها على غير هذا الوجه حتى يتبين بها عن ذلك الموضع إلى قوله: "فإن [رده] (٢) بعدما ذهب به، ومكث في يده فهو ضامن"، ومن قوله أيضًا: "والذي أراد مالك أنه ردّها مكانُه من ساعته"، وإلى هذا التأويل نحا [الشيخ] (٣) أبو الحسن اللخمي ﵀. وأما الوجه الثاني: إذا كانت بين قومٍ غير مأمونين، والإمام عدل، فأخذها واجب قولًا واحدًا، لما في ذلك من صيانة مال امرئٍ مسلم. وأما الوجه الثالث: إذا كانت بين قومٍ مأمونين، والإمام غير عدل، فالأفضل ألا يلتقطها, ولا يتعرض لها. وأما الوجه الرابع: إذا كانت بين قومٍ غير مأمونين، والإمام جائر، فهو مُخيّر إن شاء أخذها، وإن شاء تركها، وذلك بحسب ما يغلُب على ظَنِّه من سلامتها وهلاكها. فإذا ثبت ذلك: فما الحكم في التعريف بها إذا أخذها على سائر الوجوه التي ذكرناها؟ وذلك يختلف باختلاف اللُقطة [وهي تنقسم] (٤) على ثلاثة أقسام: أحدها: [ما] (٥) يبقى في يد ملتقطه، ويُخشى عليه التلف إن ترك.

стр. 3800

[والثاني: ما لا يبقى في يد ملتقطه ويخشى عليه التلف: إن ترك] (١). والثالث: ما يبقى في يد ملتقطه ولا يخشى عليه التلف إن تُرك. فأما الوجه الأول: وهو ما يبقى في يد مُلْتقطه، ويُخشى عليه التلف إن تُرك كالدنانير، والدراهم، والعروض، فلا يخلو من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون يسيرًا [جدًا] (٢) ولا بال له، ولا قدْر لقيمته، ويعلم أن صاحبهُ لا يطلبهُ لتفاهته. والثاني: أن يكون يسيرًا إلا أنّ له قدرًا ومنفعة، [وقد شح] (٣) به صاحبهُ ويطلبهُ. والثالث: أن يكون كثيرًا له قدرٌ وبال. فأما الوجه الأول من الوجه الأول: إذا كان يسيرًا لا بال له، ويعلم أن صاحبهُ لا يطلبُهُ، فإن هذا لا يُعرّف به، وهو لمن وجده إن شاء أكلَهُ، وإن شاء تصدّق به. والأصل فيه: ما رُوي أن رسول الله ﷺ مرّ بتمرةٍ في الطريق فقال: "لولا أنِّي خشيتُ أن تكون مِنْ الصدقة لأكلتها" (٤)، لم يذكُر فيها تعريفًا، وهو قول أشهب في الذي يجد العصا أو السوْط: أنه يُعرِّف به، فإن لم يفعل، فأرجو أن يكون خفيفًا. وأما الوجه الثاني: إذا كان يسيرًا إلا أنّ له قدرًا وبالًا، ومنفعة، وقد يشح به صاحبهُ ويطلبُه، فهذا لا خلاف في وجوب التعريف به إلا أنه

стр. 3801

يختلفُ في حدِّهِ على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أن التعريف به سنة كالذي له بال، وهو ظاهر ما حكى ابن القاسم عن مالك في المدونة. والثاني: أنه يُعرفها أيامًا، وهو قول ابن وهب في "العتبية"، و [هو] (١) قول ابن القاسم [من رواية] (٢) في "المدونة". وأما الوجه الثالث: إذا كان كثيرًا له بال، وقدر، فهذا لا خلاف في وجوب التعريف به حولًا كاملًا. فإن استنفقهُ واستهلكهُ قبل السنة، فإنهُ يضمن قولًا واحدًا. فإن ضاعت بغير سببهِ فلا ضمان عليه، وهو مُصدّقٌ بغير يمين. وأما حكمها بعد التعريف بها سنة، فلا خلاف بين فقهاء الأمصار، أن لهُ أن يتصدق [بها] (٣) بعد السنة غنيًا [كان] (٤) أو فقيرًا. واتفقوا أيضًا أنَّ له أن يأكلها بعد السنة إن كان فقيرًا، ويضمنها. واختلف في الغنيّ، هل يجوز له أن يأكلها بعد السنة، ويضمن أم لا على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يجوز [له] (٥) أن يأكلها ويضمنها، وهو قولُ مالك، والشافعي. والثاني: أنه لا يأكلها , ولا يُنفقها قليلة كانت أو كثيرة، وهو قولُ ابن القاسم في "النوادر"، وهو مذهب أبو حنيفة.

стр. 3802

والثالث: التفصيل بين اليسير والكثير، فالكثير لا يأكلُهُ، [واليسير] (١) يجوزُ له أن يأكله، وهو قول ابن وهب في "النوادر". أيضًا، وكُلُّهم مُتفقون على أنّهُ ضامِنٌ لها إن أكلها بعد السنة أو تصدّق بها، إلا "أهلُ الظاهر"، فإنه قالوا: لا ضمان عليه. وسبب الخلاف: تعارُض أحاديث اللُّقطة لأصل الشرع، فمن ذلك حديث يزيد بن خالد الجهني -وهو حديث متفق على صحته- قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله فسألهُ عن اللُّقطة فقال له: "اعرف عفاصها، ووكاءَهَا ثُمَّ عرّفها سنة، فإن جاء وإلا فشأنك بها" (٢)، وبهذا الحديث استدلّ من يقول بجواز أكلها بعد العام مع الضمان. ومنها ما خرّجهُ البخاري، والترمذي عن سُويد بن غفلة، قال: لقيتُ أُبيّ بن كعب فقال: وجدتُ صُرّةٌ فيها مائة دينار، فأتيتُ النبي ﷺ فقال: "عَرِّفها حوْلًا" فَعرّفها فلم أجد، فأتيته ثلاثًا، فقال: "احفظ عفاصها، ووكاءها، فإن جاء صاحبها، وإلا فاستمتع بها" (٣)، وزاد الترمذي وأبو داود: "فاستنفقها" (٤)، وبهذا يستدلُّ أهلُ الظاهر. ومقتضى دليل الشرع أنه لا يحلُّ مال امرئٍ مُسلم إلا عن طيب نفسٍ منه. فمن غلّب أصل الشرع علي ظاهر الحديث قال: لا يجوز لهُ فيها التصرفُ إلا بالصدقة، على أن يخير صاحبها إذا قدَم.

стр. 3803

ومن غلّب ظاهر الحديث على الأصل، ورأى أنه مُستثنى منهُ، قال: تحلُّ له بعد العام، وهي مالٌ من مالهِ، ولا يضمنها إن جاء صاحبها. ومن توسَّط، قال: يتصرّفُ فيها بعد العام، وإن كان غنيًا: على جهة الضمان. وأما الوجه الثاني من أصل التقسيم: وهو ما لا يبقى في يدِ مُلتقطهِ، ويُخشى عليه التلف إن ترَك، كالشاة في القفر، أو الطعام الذي يُسرع إليه الفساد. وأما الشاة فلا تخلو من وجهين: إما أن يجدها بقُرب العمران. أو يجدها بعيد العمران. فإن وجدها بِقُربِ العمران فلا يأكلها، [وليعرف بها في أقرب العمران إليه، فإن وجدها بعيدًا من العمران، فلا يخلو من أن يحملها حكم إلى العمران أو يذبحها، فإن حملها إلى العمران فلا يأكلها] (١) وحُكمها ما وُجد في العمران [على] (٢) سواء فإن لم يأكلها، فلا تخلو من: أن تكون [معه] (٣) ماشية في [الفلاة] (٤) أو لم تكن معه ماشية. فإن كانت معهُ ماشية، فلا يأكلها, ولا يذبحها، وتكون مع ماشيته، إن جاء، وله حلابُها, ولا يُتبع بها إن جزها، فإن ذبحها ضَمنَها، ذَبَحَهَا قبل السنة أو بعدها، إلا أن يخاف عليها الموتُ ثمّ لا شيء عَليه، إلا أن يقدر على بيع لَحمها، وهو قول ابن نافع عن مالك، قال سحنون:

стр. 3804

وكذلك شاة وجدها في غَنَمِه، فهي كاللُّقطة يتصدقُ بها بعد السنة ولا يذبحها, ولا بأس أن يأكل لَبَنَها، وهذا خفيف. فإن لم تكن معهُ ماشية، وإنَّمَا هو مُنفردٌ بنفسه، وبعياله، فلا خلاف في المذهب أن له أن يذبحها ويأكلها ثمَّ لا ضمان عليه [لصاحبها] (١) إن جاء بعد ذلك، لقوله ﵇: "هي لك أو لأخيك أو للذئب" (٢)، فأتى باللام التي هي للتمليك، وساوى [بينه] (٣) وبين الذئب، الذي لا ضمان عليه. فإن ذبحها، وجاء بلحمها إلى العُمران فله أكلُهُ، كان غنيًا أو [فقيرًا] (٤) أو يصير لحمها وجلدها مالًا من ماله، ويطيبُ له ذلك، وليس عليه أن يُعرِّفها، فإن جاء ربُّها بعد ذلك، فلا ضمان عليه إلا أن يأتي، ولحمُها قائمٌ بيدِهِ، فيكونُ أحَقُّ به. وهذا كلُّهُ نص قول أصبغ في "العتبية". وفي المسألة: قولٌ آخر أنَّهُ لا يأكلُهُ؛ بل يبيعُهُ، ويُوقف ثمنهُ، فإنْ أكلَهُ بعد قدومِه بهِ ضمِنَهُ لربِّه، وهو قول غير أصبغ في الطعام في "النوادر". وأمّا الطعام الذي لا يبقى، فلا يخلو مِنْ وجهين: إما أن يجدهُ في العُمران. أو يجدُهُ في فيافي الأرض. فإن وجدهُ في العُمران، فلا خلاف أنَّهُ يبيعَهُ ويُوقف ثمنهُ، فإنْ أكَلَهُ

стр. 3805

أو تصدّق به، هل يضمن أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ضامنٌ له، أكلهُ أو تصدّق به، وهو ظاهر قولُ "أشهب" في "النوادر". والثاني: أنه لا ضمان عليه، أكلهُ أو تصدّق به، وهو ظاهر قولُ ابن القاسم في "المُدونة". والثالث: [أنه] (١) إنْ أكْلَهُ ضمنهُ لانتفاعه به، وإنْ تصدّق به لم يضمنْه، وهو قولُ ابن حبيب في "الواضحة". فإن وَجَدَهُ في فيافي الأرض: فلا يخلو من أن يأكُلَه هناك أو يصل به إلى العمران. فإن أكلهُ هناك فلا ضمان عليه قولًا واحدًا في المذهب غنيًا كان أو فقيرًا كالشاة. فإن حملَهُ إلى العُمران هل يضمنهُ إنْ أكلَهُ أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنّهُ ضامنٌ له؛ لأنَّ عليه أن يبيعَهُ ويُوقف ثمنُه، وهذا القول حكاهُ الشيخ أبو محمَّد في "النوادر". والثاني: أنه لا ضمان عليه، وهو قول أصبغ في "العتبية" في اللحم. وأمّا الوجه الثالث من أصل التقسيم: وهو ما يبقى في يدِ مُلتقطه، ولا يخشى عليه التلف إن تركَهُ كالإبل، فلا يخلو من وجهين: إما أن يجدها في مستعتب [من] (٢) الأرض أو في مسبعة.

стр. 3806

فإن وجدها في مستعتب، فلا يخلو من أن يكون ذلك: في زمن العدل أو في زمن الجور. فإن كان ذلك في زمن عدْلٍ، وصلاح الناس، فلا يأخذها ولا يتعرض لها , لقوله ﵇: "ما لَكَ ولها، ومعها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء، وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها" (١). فإن أُخذت عُرِّفَت، فإن لم تُعَرَّف رُدَّت حيثُ وُجدت، على ما جاء عن عمر ﵁. فإن كان في زمن الجوز، هل يكونُ حكمها حُكمِ ضالة الغنم أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أن ذلك عمومٌ في زمنِ العدل، أو في زمنِ الجور، وهو ظاهر قولُ مالك في "المدونة"، وهو قول أشهب في "العتبية". والثاني: أن ذلك خاصٌ بزمنِ العدل، وأما زمنِ الجور، وفساد الناس، فالحُكم [فيها] (٢) أن تؤخذ وتُعرف، فإن لم تُعرف: بيعت، ووُقف ثمنُها لصاحبها. فإن لم تُعرف: بيعت، ووُقف ثمنُها لصاحبها. فإن لم يأتِ ويئس منه، فتصدّق به عنه، على ما فعلَهُ عثمان ﵁ لمَّا دخل الناس زمن الفساد، وهو أحد قولي مالك أيضًا. وكان علي بن أبي طالب ﵁ بَنَى [للضوال] (٣) [مربطًا] (٤) يُعلِّقها فيه علقًا، لا يُسمِّنُها ولا يُهزلها من بيت المال، فمن أقام بينة على شيء أخذهُ، وإلا ثبتت على حالها لا يبيعها، واستحسن ذلك سعيد بن

стр. 3807

المُسَيِّب (١). فإن وجدها في مسبعةٍ: وحيث يَخاف عليها السِّباع، هل يُحكم [عليها] (٢) بحُكم الغنم أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنّ لها حُكم ضالة الغنم لو أخذها فأكلها. والثاني: أنها تُؤخذ فتُعرّف؛ إذ لا مشقة في حلبها، وحكى القولين: القاضي أبو الوليد بن رشد. وضالة البقر كضالة الغنم إلا أن يكون لها من المنع بنفسها، والعيش في المرعى ما يكون للإبل، فيكون لها حُكم الإبل، وهو قول أشهب في "مدونته". وأما ضالة الدواب من الخيل، والبغال، والحمير، هل تؤخذ كضوالِّ الغنم، والبقر أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنها كضوال البقر، والغنم، يُعرف بها، فإن لم يأت لها طالبٌ تصدّق بها، وهو قولُ ابن القاسم. والثاني: أنها لا تُؤخذ أصلًا ولا يُتعرض لها؛ لأن النفقة [عليها] (٣) تسبب إلى إخراجها من أيدي أصحابها، ورُبَّما جاوزت النفقة ثمنها، وهو قولُ ابن كنانة في "النوادر". ولو أخذها [فله] (٤) أن يركبها من موضع وجدها إلى موضعه، وأما في حوائجه فلا، فإن فعل ضمنها إن عطبت، وهو قول ابن حبيب عن مُطَرِّف.

стр. 3808

[المسألة الثانية] فيما تستحق به اللُّقطة من معرفة العفاص والوكاء والعفاص: الخِرقة، والوكاء: [الذي يكون فيه] (١) الشيء المُلتقط. والوكاء: مَدود الخيط الذي يُشد به، وقد قيل بعكس ذلك، وهو وَهْم، والأول أصوب عند أهل اللُّغَة. ولا يخلو واصف اللُّقطة من أربع أوجُه: إمّا أن: يصف العِفَاص والوكاء، والعدد، وصفة العدد. وإمَّا يُعرّف العِفاص، والوكاء، والعدد، وأخطأ في صفة الدنانير، والدراهم. وإما أن يُعرّف العِفاص والوكاء وصفة الدنانير والدراهم، وأخطأ العدد. وإما أن يعرف العفاص دون الوكاء أو الوكاء دون العِفاص. فإن عرّف العفاص، والوكاء، والعدد والسكّة، فإنها تُدفع له قولًا واحدًا. واختُلف هل تُدفع له بيمين أو بغير يمين؟ على قولين قائمين من المدونة: أنها تُدفع له بغير يمين، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة". والثاني: أنها لا تُدفع إليه إلا بيمين، وهو قولُ أشهب. وسبب الخلاف: اختلافهم في شاهد الحال، هل يقوم مقام الشاهدين أم لا، وإن عرف العفاص، والوكاء، وعرف العدد، وأخطأ [في]

стр. 3809

صفة الدنانير [والدراهم: فإنه لا يعطاها، فإن عرف العفاص والوكاء، وصفة الدنانير، وأخطأ في عددها] (١) فلا يخلو خطؤهُ في العدد من أن يصف عددًا، فيُصيب أقل أو يصيب أكثر -فإن أصاب أكثر مما وصف، ولم يخطئ شيئًا كما لو أخطأ في السكَّة. فإن أصاب أقل، فإنه يُعطاها، وقال أشهب: لأني أخاف أن يغتال فيها. وقيل: إنّهُ لا يُعطى شيئًا كما لو أخطأ في الزيادة، وهو قول: أصبغ، وابن عبد الحكم، أنّهُ لا يُعطى في الخطأ شيئًا. وأمّا إن عرف العفاص، وجَهل الوكاء أو أخطأ فيه، ووصفهُ بصفةٍ ثم وُجد على صفةٍ أخرى أو عرف الوكاء، وجهل العفاص أو أخطأ فيه، وعرّف مع ذلك بقية الأوصاف أو جهلها، فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا شيء له إلا بمعرفة جميع الأوصاف، وهو قول أصبغ، وابن عبد الحكم. والثاني: أنه يستبرأ أمرُه، فإن لم يأت أحد بأثبت مما [أتى به دفعت إليه، وهو أحد قولي أصبغ في العتبية أيضًا. والثالث: أنه إن ادعى الجهالة] (٢) استبرئ أمره، فإن غلط لم يُكن له شيء، وهذا هو المُختار عند حُذَاق المتأخرين "كالقاضي أبي الوليد، والشيخ أبي إسحاق التونسي". وسبب الخلاف: اختلافهم في قوله ﵇: "اعرف عفاصها ووكائها" (٣) هل لابد من اعتبار الوجهين جميعًا حتى لو انخرم بعضها لم

стр. 3810

يصح منها شيء، وإنما تُعتبر الأوصاف على الجملة؟ فإذا انخرم بعضها، فتستحق بمعرفة ما عُرف منها كشروط الخلطة. ولو كان الموجود دينارًا غير مَصرور، فوصف سكّتَهُ: هل يُعطى بذلك أو لابد من زيادة وصف آخر أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه يأخذه بصفة سكته، وهو قول يحيى بن عمر. والثاني: أنه لا يُعطاه حتى يذكر ذلك من صفة أو علامةٍ فيه، وهو قول سحنُون. فإن [عرف] (١) [واحدٌ] (٢) العفاص، والوكاء، وعرّف آخر [عدد] (٣) الدنانير ووزنها، فالمذهب على قولين: أحدهما: أنها لِمن عرّف العفاص، والوكاء، ولا حقّ فيها لمن وصف العدد، وهو قول أصبغ. والثاني: أنها تُقَسَّمُ بينهما كما لو تواردا على معرفة العِفاص، والوكاء بعد أن يتحالفا، وهو استحسان ابن حبيب. فإن استحقها رجلٌ فأخذها، ثم جاء آخر فادعاها، فلا يخلو ذلك من أربعة [أوجه] (٤): أحدها: أن يأخذها الأول ببيِّنة، ثم ادعاها الآخر ببيّنة. والثاني: أن يأخذها بالصفة، ثمّ جاء آخر بتلك الصفة. والثالث: أن يأخذها ببيّنة، ثم جاء عليها الآخر بصفة.

стр. 3811

والرابع: أن يأخذها بالصفة، ثم ادعاها الآخر ببينة. فأما الوجه الأول: إذا أخذها الأول من مُلتقطها ببينة ثم جاء الآخر، فأقام بينة، فهي لأعدلهما بينة، فإن تكافأتا في العدالة، فلأقدمهما تاريخًا بالمُلك، فإن جُهل التاريخ أو تساوى هل يكون للأول أو تُقسَّم بينهما؟ فالمذهب على قولين قائمين من المُدونة: أحدهما: أنها تكون للأول، وهو قول أشهب في "مُدونته"، وهو قولُ الغير في "كتاب الولاء [والمواريث] (١) " من "المدونة". والثاني: أنها تُقَسَّم بينهما، وهو قولُ ابن القاسم في المُدونة أنَّ اليد إذا [عرف] (٢) أصل ما أخذت، وجاء الثاني بالمعنى الذي جاء به الأول أنّ اليدّ لا حُكم لها، وهو قولهُ في الوارث يطرأ على [الورثة] (٣) بعد القبض والحوز. وأما الوجه الثاني: إذا أخذها الأول بالصفة، ثم جاء بتلك الصفة، فلا يخلو الثاني من أن يُتهم على أنه سمع تلك الصفة، ووعاها من الواصف أو لا يُتَّهم. فإن اتُهِمَ على ذلك، كانت للأول، وإن لم يُتَّهم على ذلك لعلمنا بأنه لم يكن بالحضرة حين [الوصف] (٤) [ولا دس] (٥) مَنْ يسترق السَمع، هل تقسّم بينهما أم لا؟ فإنّه يتخرج على قولين قائمين من المُدونّة: أحدهما: أنها للأول دون الثاني، وهو قولُ أشهب وغيرهُ في "المدونة"

стр. 3812

في "تكافؤ البيّنتين". [والثاني: أنها تقسم بينهما، وهو الذي يأتي على قول ابن القاسم في تكافؤ البينتين] (١). وأما الوجه الثالث: إذا أخذها الأول ببيّنة، ثمّ جاء الآخر بصفة، فإن الأول أحق بها قولًا واحدًا. وأما الوجه الرابع: إذا أخذها الأول بصفة، ثم جاء الآخر ببينة، فلا يخلو الذي قبضها من أن يكون حاضرًا أو غائبًا. فإن كان حاضرًا، فالدافع بريءٌ مع قيامها في يد القابض، وفي ملائه مع الفوات، وتكون الخُصومة بينهما، ويُحكم بها لصابح البيّنة. فإن كان غائبًا، فلا يخلو الدافع من أن يدفعها بإشهاد أو بغير إشهاد. فإن دفعها بإشهاد، فلا ضمان عليه، وعليه أن يُعرّفه باسمه وموضعه إن عَرِفَهُ، وإلا فلا شيء عليه. فإن دفعها بغير إشهاد، ضمن للثاني قيمتها أو مثلها إن كان مما له مِثل، وهو قول ابن الماجشون وغيره [والحمد لله وحده] (٢).

стр. 3813

[المسألة الثالثة] في أخذ الآبق، وحَبسِهِ، والنفقة عليه أما أخذه: فقد قال مالك في "المدونة": إن تَركَهُ خيرٌ من أخذهِ إلا أن يكون لقريبِهِ أو لجارِهِ أو لِمَن يعرفهُ، قال: "فأحبُّ إليّ أن يأخُذه". وهو من أخذهِ في سعة. فإن أخذهُ فلا يخلو السلطان من أن يكون عدلًا أو جائرًا، فإن كان عدلًا فهو مُخيَّر، إن شاء رفعهُ إليه، وإن شاء عرّف به. فإن رفعهُ إلى السلطان، فإنّ السُلطان يحبسُهُ وينُفق عليه سنة، فإن جاء صاحبهُ أخذهُ، وغرِم النفقة، فإن لم يأت له طالب، باعهُ السلطان، ويأخذ النفقة من ثمنهِ، ويُرجع الباقي في بيت المال حتي يجيء صاحبهُ فيأخُذهُ. فإن جاء أحدٌ يدعيه فلا يخلو مِن أن يدّعيه ببينة أو بغير بينة. فإن ادعاهُ ببيّنة أقامها، فإن السلطان يدفعهُ. فإن أقام شاهدًا واحدًا، فإنّهُ يحلف معهُ. فإن ادعاهُ بغير بيّنة يُقيمها، فلا يخلو العبد من أن يُقر له بالرق أو لم يُقر. فإن أقر له بالملك، فإنهُ يأخذهُ بعد الاستيفاء قولًا واحدًا. وإن لم يُقر له بالملك، فعلى قولين: أحدهما: أنه يدفع [له] (١) بعد الاستيفاء ويضمنهُ كما لو اعترف،

стр. 3814

وهو قول ابن القاسم في "المُدونة" وغيرها، كالأمتعة التي تُسرق بمكة. والثاني: أنه لا يدفع له، وهو قول أشهب في "مُدوّنته". واختُلف هل يجوز في كَتْب القضاة إلى القضاة على الصفة والتحلية أم لا؟ على قولين: أحدهما: أن ذلك جائز إذا ثبت كتاب القاضي ببينة، وهو قول ابن القاسم في "المُدونة"، وهو مشهور المذهب. والثاني: أن ذلك لا يجوز، ولا يأخذهُ حتى ينظر إليه الشهود، ويعرّفونَه أنّه هو. فإن كان السلطان جائرًا: فلا ينبغي له أن يرفعهُ إليه، ويعرفُهُ سنة، وينفق عليه، ويكون حكمهُ في النفقة حكم السلطان. فإن جاء صاحبه، وعرفْت أنه هو، فإنّهُ يأخذهُ منك، فإن جهلته ولم تعلم أنه سيدهُ، فإن اعترف له العبد بالرِقِّ فلا ضمان عليك في دفعه، وإن لم يعترف له بالملك، فارفعهُ إلى الإِمام إنْ لم تخفْ ظُلمهُ، فإن خِفْتَه فيتخرج دفعك إياهُ على قولين: الجواز لابن القاسم في تضمينه إياه، والمنع لأشهب، وتضمنُه أنت إن دفعتَهُ له، وقال مالك في المُدونّة: "لم أزل أسمع أن الآبق يُحبس على ربّه سنة، وذلك يختلف باختلاف الأحوال". وتحصيلُهُ أنّ العبد لا يخلو من أن يُخشى عليه الضيعة في هذا الأمر أم لا: فإن خيف عليه أن يضيع، فإنّهُ يُباع قبل السنة، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم في "العتبية"، وهو تفسير لقول مالك. فإن لم يُخشى عليه أن يضيع، هل ينتظر به سنة أم لا؟ على قولين:

стр. 3815

أحدهما: أنه ينتظر به سنة، وهو [قول ابن القاسم في المدونة] (١) وهو المشهور. والثاني: أنه لا يوقف سنة، وإنما يوقف قدر ما يتبّين ضررهُ، وهو قول سحنون، قال: "يُباع ويُوقف ثمنهُ وتُكتب صفتُهُ حتى يأتي له طالب"، ولابن كنانة مِثلُهُ؛ لأنه قال: "لا يُدفع الآبق إلى الإِمام بحال لِمَا يَخاف من طول حبسِهِ". فإن باعه الإِمام بعد الاجتهاد ثمّ جاء سيدُهُ ثمّ ادعى أنه قد كان أعتقهُ قبل الإباق أو دُبُره، أو ادعى [أنها] (٢) وُلدت منه إن كانت أَمَةً، فأراد نقض البيع بذلك. أمّا العتق، والتدبير، وسائر عُقود العتق غير الإيلاد، فلا يُقبل قولهُ في نقض البيع إلا ببينة عادلة. فإن ادعى أنها ولدت منه، فلا يخلو من أن يكون معها ولد أم لا: فإن كان معها ولد، هل تُردُّ إليه أم لا؟ على قولين منصوصين في "المُدونّة": أحدهما: أنها تُرد إليه سواءٌ اتُهم أو لم يُتهم، وهو قول أشهب؛ لأن استلحاق الولد قاطع كلِّ تُهمة. والثاني: أنها تُردُّ إليه إن لم يُتهم، وإن اتُهم فيها لم تُردُّ إليه، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الآبق"، وكتاب "أمهات الأولاد" وما به تكون التُهمة قد تقدّم تحصيلُه في "كتاب أمهات الأولاد". فإن لم يكن معها ولد، فلا يخلو من أن يُتهم فيها، أو لا يُتهم فيها:

стр. 3816

فإن اتُهم فيها لم تُرد إليه قولًا واحدًا. فإن لم يتهم فيها، فهل تُرد إليه أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من المُدونة: أحدهما: أنها لا تُرُّد إليه، وهي رواية أكثر الأندلسيين، وهي رواية ابن اللباد. والثانى: أنها ترد إليه وهي رواية أكثر القرويين، وعليه اختصر الشيخ أبو محمَّد بن أبي زمنين، وأبو سعيد البراذعي، وذكرها ابن حبيب عن ابن القاسم قال: فضل، وكذلك [قال] (١) عبد الملك بن الماجشون. فإن هرب منه بعد أن أخذه: فلا يخلو من أن يأبق منهُ [أو يُرسلهُ باختياره] (٢). فإن أبق منه، فلا يخلو من: أن يهرب من الدار أو يُرسلَهُ [في] (٣) بعض حوائجهُ ثم يأبق. فإن أبق مِنْ دَارهِ، فإن ظهر ذلك واشتُهر، قُبل قوله بلا يمين قولًا واحدًا، كان مِمن يُتهم [أم] (٤) لا؟ فإن لم يكُن إلا دعواهُ، هل يحلف أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنهُ لا ضمان عليه، ولا يمين، وهو ظاهر قوله في "المدونة" حيث قال: "لا شيء عليه". والثاني: أنه يحلف: لقد انفلت منهُ من غير تفريط، وهو قول ابن الماجشون. والثالث: أنه إن كان من أهل التُهمة حُلِّف، وإلا فلا، وهو ظاهر قول ابن نافع.

стр. 3817

فإن أرسلهُ في حاجةٍ فهربَ: فإن أرسلهُ في حاجة خفيفة أقرب منها، فلا ضمان عليه. فإن أرسله في حاجةٍ يأبق في مثله لبُعدها وما يلحقهُ من المشقَّة، فهو ضامن، وهو قول أشهب في "كتابه". فإن أرسله باختياره: فلا يخلو من أن يكون ذلك لعُذرٍ أو لغير عُذر. فإن كان ذلك لعُذرٍ وخاف أن يقتلهُ أو يضربهُ، أو يذهب لحوائج بينة، ونحو ذلك، فقد قال ابن عبد الحكم: لا ضمان عليه. وينبغي ألا يُختلف فيما قالهُ إذا غَلب على الظنِّ الخوفُ منه بما ظهر من ظواهر حال العبد. فإن أرسلهُ لغير عُذرٍ فهو ضامن، وليس شدة النفقة بعُذرٍ يسقط عنه الضمان، قالهُ ابن عبد الحكم، وسواء كان الذي أخذهُ ممن يأخذ الجُعل على طلب الآبق في جميع ما ذكرناهُ أم لا، والحمد لله وحده. [تم الكتاب بحمد الله وعونه] (١).

стр. 3818

كتاب حريم الآبار

стр. 3819

[كتاب حريم الآبار] تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها ستة مسائل: [المسألة الأولى] في معنى هذه الكلمة ومعنى هذه الكلمة: حقّ البئر الذي يُمنع أن يحدث فيها أحدٌ ما يضرُّ بها. وأصل الحرام: التحريم، والحُرمة: المنع. والمحارم من النساء: الممنوع نكاحُهُنَّ من ذوات المحارم، والحرام: ما مُنع إتيانه. فحريم البئر هو: ما يتصلُ بها من الأرض إلا من حقِّها ألا يحدث فيها ما يضرُّ بها، لا باطنًا من حفرِ بئر يشتف ماءها أو كنيف نجاسة يصلُ [إليها] (١) وسَخه، أو ظاهرًا كالبناء، والحرث، والغرس، والنزول الذي يضرُّ بالمُنتفعين، ويُضيق عليهم في ورودهم الماء، ومسارحهم، ومعاطن إبلهم، [ومرابض] (٢) مواشيهم. وكذلك إن حفرها ليزرع عليها في موات الأرض، فحريمها: قدر ما يحتاج إلى حَافِرها مما يقوم به، وسقيه ماءه، ويعمره بالتقدير دون التحديد على مشهور مذهب مالك ﵀، بيد أنّ أصحابهُ اختلفوا في تحديد حريم الآبار، والعيون على اختلاف أنواعها بين الماشية، وبين الزرع، والعادية، والبادية.

стр. 3820

قال ابن نافع في "البئر العادية -وهي القديمة: حريمها خمسون ذراعًا، والبادية وهي التي ابتدئ حفرها: خمسة وعشرون ذراعًا". وكذلك جاء في الحديث. وعن أبي مصعب الزهري عشرُ هذا في البادية والعادية، قالا في بئر الزرع: خمسمائة ذراع، وفي حريم الأنهار ألف ذراع. ومعناه: أن هذا كلُهُ من جميع نواحيها. وكذلك من اختطها في الموات يزرع عليها أو يغرس، ولا يضيق عليه في ذلك أحد، وهو أحق بذلك [القدر] (١) من غيره. والصحيح ما أصَّلَهُ مالك ﵀ لعدم الأثر الصحيح يُعتمد عليه في ذلك، وإلا فالتفريق بين العارية، والبادية لا يُتلقى إلا من التوقيف، ولا مجال للقياس فيه [والحمد لله وحده] (٢).
следующие страницы →