← Фикх малики

Фикх малики · id 123685

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

الرجراجي، علي بن سعيد

Полный текст (4 240 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

فإن اتُهم فيها لم تُرد إليه قولًا واحدًا. فإن لم يتهم فيها، فهل تُرد إليه أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من المُدونة: أحدهما: أنها لا تُرُّد إليه، وهي رواية أكثر الأندلسيين، وهي رواية ابن اللباد. والثانى: أنها ترد إليه وهي رواية أكثر القرويين، وعليه اختصر الشيخ أبو محمَّد بن أبي زمنين، وأبو سعيد البراذعي، وذكرها ابن حبيب عن ابن القاسم قال: فضل، وكذلك [قال] (١) عبد الملك بن الماجشون. فإن هرب منه بعد أن أخذه: فلا يخلو من أن يأبق منهُ [أو يُرسلهُ باختياره] (٢). فإن أبق منه، فلا يخلو من: أن يهرب من الدار أو يُرسلَهُ [في] (٣) بعض حوائجهُ ثم يأبق. فإن أبق مِنْ دَارهِ، فإن ظهر ذلك واشتُهر، قُبل قوله بلا يمين قولًا واحدًا، كان مِمن يُتهم [أم] (٤) لا؟ فإن لم يكُن إلا دعواهُ، هل يحلف أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنهُ لا ضمان عليه، ولا يمين، وهو ظاهر قوله في "المدونة" حيث قال: "لا شيء عليه". والثاني: أنه يحلف: لقد انفلت منهُ من غير تفريط، وهو قول ابن الماجشون. والثالث: أنه إن كان من أهل التُهمة حُلِّف، وإلا فلا، وهو ظاهر قول ابن نافع.

стр. 3817

فإن أرسلهُ في حاجةٍ فهربَ: فإن أرسلهُ في حاجة خفيفة أقرب منها، فلا ضمان عليه. فإن أرسله في حاجةٍ يأبق في مثله لبُعدها وما يلحقهُ من المشقَّة، فهو ضامن، وهو قول أشهب في "كتابه". فإن أرسله باختياره: فلا يخلو من أن يكون ذلك لعُذرٍ أو لغير عُذر. فإن كان ذلك لعُذرٍ وخاف أن يقتلهُ أو يضربهُ، أو يذهب لحوائج بينة، ونحو ذلك، فقد قال ابن عبد الحكم: لا ضمان عليه. وينبغي ألا يُختلف فيما قالهُ إذا غَلب على الظنِّ الخوفُ منه بما ظهر من ظواهر حال العبد. فإن أرسلهُ لغير عُذرٍ فهو ضامن، وليس شدة النفقة بعُذرٍ يسقط عنه الضمان، قالهُ ابن عبد الحكم، وسواء كان الذي أخذهُ ممن يأخذ الجُعل على طلب الآبق في جميع ما ذكرناهُ أم لا، والحمد لله وحده. [تم الكتاب بحمد الله وعونه] (١).

стр. 3818

كتاب حريم الآبار

стр. 3819

[كتاب حريم الآبار] تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها ستة مسائل: [المسألة الأولى] في معنى هذه الكلمة ومعنى هذه الكلمة: حقّ البئر الذي يُمنع أن يحدث فيها أحدٌ ما يضرُّ بها. وأصل الحرام: التحريم، والحُرمة: المنع. والمحارم من النساء: الممنوع نكاحُهُنَّ من ذوات المحارم، والحرام: ما مُنع إتيانه. فحريم البئر هو: ما يتصلُ بها من الأرض إلا من حقِّها ألا يحدث فيها ما يضرُّ بها، لا باطنًا من حفرِ بئر يشتف ماءها أو كنيف نجاسة يصلُ [إليها] (١) وسَخه، أو ظاهرًا كالبناء، والحرث، والغرس، والنزول الذي يضرُّ بالمُنتفعين، ويُضيق عليهم في ورودهم الماء، ومسارحهم، ومعاطن إبلهم، [ومرابض] (٢) مواشيهم. وكذلك إن حفرها ليزرع عليها في موات الأرض، فحريمها: قدر ما يحتاج إلى حَافِرها مما يقوم به، وسقيه ماءه، ويعمره بالتقدير دون التحديد على مشهور مذهب مالك ﵀، بيد أنّ أصحابهُ اختلفوا في تحديد حريم الآبار، والعيون على اختلاف أنواعها بين الماشية، وبين الزرع، والعادية، والبادية.

стр. 3820

قال ابن نافع في "البئر العادية -وهي القديمة: حريمها خمسون ذراعًا، والبادية وهي التي ابتدئ حفرها: خمسة وعشرون ذراعًا". وكذلك جاء في الحديث. وعن أبي مصعب الزهري عشرُ هذا في البادية والعادية، قالا في بئر الزرع: خمسمائة ذراع، وفي حريم الأنهار ألف ذراع. ومعناه: أن هذا كلُهُ من جميع نواحيها. وكذلك من اختطها في الموات يزرع عليها أو يغرس، ولا يضيق عليه في ذلك أحد، وهو أحق بذلك [القدر] (١) من غيره. والصحيح ما أصَّلَهُ مالك ﵀ لعدم الأثر الصحيح يُعتمد عليه في ذلك، وإلا فالتفريق بين العارية، والبادية لا يُتلقى إلا من التوقيف، ولا مجال للقياس فيه [والحمد لله وحده] (٢).

стр. 3821

المسألة [الثانية] (١) في منع فضل الماء ولا يخلو الممنوع منهُ [فضل الماء] (٢) من وجهين: إما أن يكون مَارَّة أو زراعة. فإن [كانوا] (٣) مارة، مرُّوا بأهل ماء فمنعوهم الورود، فلا يخلو [بئرُهُم] (٤) من أن يكون فيه فضل أو لا فضل فيه: فإن كان فيه فضل، فلا يخلو من أن يكون ذلك الماء ممّا يُملك أو ممّا لا يُملك. فإن كان مما يُملك ويحلُّ بيعهُ، فلا يخلو المسافرون من أن يكون معهم ثمن أو لا ثمن معهم. فإن كان معهم ثمن، فهل يجوز لأهل الماء أنْ يمنعوهم الورود إلا بالثمن أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من المُدونة: أحدهما: أن لهم منعهم إلا بالثمن، وهو قوله في أول [كتاب] (٥) حريم [الآبار] (٦). والثاني: أن عليهم أن يُمكنوهم من الورود بغير ثمن، وهو قوله في الذي انهارت بئرهُ، وخاف على زرعهِ العطش، وحرمة النفوس أعظم من

стр. 3822

حُرمة الزرع. فإن لم يكن معهم ثمن، فلا يخلو من: أن يكون [لهم] (١) أموال [في] (٢) بلادهم أم لا: فإن كانت لهم أموال [في] (٣) بلادهم، هل يُتبعون بالثمن أم لا؟ فإنه يَتخرّج على قولين قائمين من المدوّنة: أحدهما: [أنهم] (٤) يتبعون بالثمن؛ لأنهم أملياء، ولا يعتذرون بغيبة المال. والثاني: أنه لا يُتبعون به؛ لأنهم أهل سبيل؛ يجوز لهم أخذُ الزكاة، ومواساتهم واجبة. فإن لم يكن لهم أموال في بلادهم، أو كانت لهم أموال، والماء لا يُملك، فلا يجوز بيعُهُ، كفضل بئر الماشية، فلا خلاف أنّ على أهل الماء أن يسقوهم، ويُمكنوهم من الورود. فإن منعوهم فهل يُقاتلهم المسافرون أم لا؟ فلا يخلو من أن يخافوا الهلاك على أنفسهم أم لا: فإن لم يخافوا الهلاك على أنفسهم وَدَوَابِّهم، ولهم قوة على الوصول إلى ماء غيرهم، فإنّ قتالهم يُؤدي إلى سفك الدماء، فذلك مكروه. فإن قدروا أن يغلُبوهم بغير فساد، فذلك جائز، وهو قول أشهب ويؤخذ من "المدونة" من "كتاب الجهاد" من مسألة: السلابة إذا طلبوا الطعام أو الثوب أو الأمر الخفيف، حيث قال ابن القاسم: [يعطون، ولا

стр. 3823

يُقاتلون] (١)؛ لأنَّ مَنْ مَنَعَهُم فضل الماء الذي هو حقٌ للمساكين كأخذهم مال المسافرين. وإن خافوا الهلاك على أنفسهم، فحلالٌ لهم جهادُهم؛ لأنهم منعوهم ما وجب لهم عليه من المواساة؛ إذ واجب على كلّ مُسلم خافَ على أخيهِ المُسلم أن يُجيبهُ بما يقدرُ عليه. فإن جاهدوهم وقُتل أحدٌ من المارة، فالقصاصُ في ذلك واجبٌ، باتفاق المذهب. فإن منعوهم حتى ماتوا عطشًا [و] (٢) لم تكن للمسافرين قوة على مُدافعتهم، هل يجب القصاص أم الدِّية؟ وذلك على تفصيل: فإن قصدوا أهل الماء بمنعهم ألا يسقوهم حتى يموتوا بعد علمهم أنّ ذلك لا يحلُّ لهم، وعُلم أنهم متى لم يسقوهم ماتوا [عطشًا] (٣)، فهذا مما ينبغي أن يجب القصاصُ فيه. وقد اختلف المذهب [عندنا] (٤) فيمن تعمّد الزور بشهادته حتى قُتل [بها] (٥) المشهودُ عليه, على قولين: أحدهما: أنه يُقتل به. والثاني: أنه لا يُقتل به، وهو قول في "المُدونة". فإن لم يقصدوا ذلك، وإنما تأوّلوا أن لهم منع مائهم، وأنه أحقُّ به من غيرهم، فهذا أمرٌ خفي.

стр. 3824

وديّات المسافرين على عواقل المانعين [فإن كانوا عشرة فعشرة ديات، وعلى عواقل المانعين] (١) عتق مائة رقبة، على كل واحد منهم عشرُ رقبات كفّارة مع وجيع الأدب؛ لأنه قاتل العشرة. وكذلك الحُكم فيمن مات في سنة المجاعة بين أظهر القوم جوعًا، وهم قادرون على إحيائه بمواساتهم إياهُ، ذَكَرَ ذلك القاضي أبو بكر بن العربي، وغيرهُ، ويؤخذ من "المُدونة" من هذه المسألة. ورأيتُ في بعض الضرر [أيضًا] (٢): أن المرأة إذا نَشَزَتْ على زوجها, ولهُ منها ولدٌ رضيع، فرمَتْ به، ولم يجد مَنْ يُرضِّعُهُ حتى مات، أن ديتهُ على عاقلة المرأة، وعليها هي الكفَّارة، واستقراء ذلك من مسألة المسافرين. فإن كان ذلك الماء لا فضل فيه جَهدهُ ما يقُوم بأهلهِ إلى وقت نزول الغيث، كالحُبوب، والقدر، بحيثُ أن لو شاركوهم نَشّفُوهم عليه وتركوهم في مَضيعَة، ولم يكن يقرُبُهم غيثٌ يَرْجُونها، فإنَّ لهم منعهم، وإن أدى ذلك إلى قتالهم؛ إذ لابد من هلاك إحدى الطائفتين على ظاهر الحال، فأهل الماء أولى بما في أيديهم من غيرهم، وإنما تجب المواساة إذا كان هناك ما يحتملها، وأما إن كان زارعًا فلا يخلو من أن يزرع على ماء، أو يزرع على غير ماء. فإن زرع على ماء، فانهارت بئره وله جار في مائه فضل وخاف العطش على زرعه ما بينه وبين أن يصلح بئره، فإنه يجوز له أن يسقي بفضل ماء جاره، وهل ذلك بثمن أو بغير ثمن؟ قولان قائمان من المدونة:

стр. 3825

أحدهما: [أنه] (١) بغير ثمن، وهو نص قوله في المدونة في "كتاب حريم الآبار". والثاني: أنه لا يأخذه إلا بالثمن، وهو قوله في مسألة المسافرين، والقولان منصوصان عن مالك في المذهب. فإن زرع على غير أصل ماء، فهل يحكم على الجار بصرف فضل مائة بثمن أو بغير ثمن؟ فإنه يتخرج على قولين: أحدهما: أنه لا يقضي عليه بذلك لا بثمن، ولا بغير ثمن إلا أن يشاء، وهو قول مالك في المدونة. والثاني: أنه يقضي عليه بذلك، وهل ذلك بثمن أو بغير ثمن؟ قولان. وسبب الخلاف: اختلافهم في تأويل قوله ﷺ : "لا يمنع نقع بئر" (٢) وقال أيضًا: "لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ" (٣). وفي رواية: "لا يمنع وهو يرو"، وفي رواية: "إنه لا يمنع [نقع] (٤) بئر بين بالماء" أما قوله ﷺ : "لا يمنع نقع بئر". فقد اختلف العلماء في تأويله على أربعة أقوال: أحدها: أن المراد بذلك الماء المجتمع فيه قبل السقي. والثاني: أن المراد بذلك فضل مائه. والثالث: أن المراد بذلك الموضع الذي يلقى فيه ماء ما ينكس منه،

стр. 3826

يريد ما يستنقع منه من الماطرة. والرابع: أن المراد به ما يخرج مسيل مائه، وهو الماء المجتمع [أيضًا] (١). قال الله تعالى: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ [الدخان: ٢٤]. واختلف في قوله ﷺ : "لا يمنع نقع بئر" (٢) هل يحمل على عمومه أم لا؟ [على] (٣) ثلاثة أقوال: أحدها: أن ذلك على عمومه، وأنه لا يحل منع الماء ولا منع [فضله] (٤) بحال كان من بئر أو غدير أو عين في أرض متملكة [أو غير متملكة] (٥) غير أنه إن كان متملكًا كان أحق بها بمقدار حاجته منه، وهو ظاهر قول يحيى بن يحيى في "العتبية"، وقالوا: أربعًا لا يرى أن [يمنعوا] (٦) الماء، والنار، والحطب، والكلأ. والثانى: أن ذلك في مثل البئر تكون بين الشريكين، فيسقى هذا يومًا، وهذا يومًا أو أقل أو أكثر، فيسقى أحدهما يومه [فيروي زرعه أو نخله في بعض يومه، فيستغني عن الماء بقية يومه] (٧) فليس له أن يمنع شريكه من السقي بقية ذلك اليوم؛ إذ لا منفعة له في منعه. والثالث: أن المراد به الذي يزرع على مائة، فينهار بئره، ولجاره فضل ماء أنه ليس لجاره أن يمنعه فضل مائه إلى أن يصلح بئره.

стр. 3827

فمن حمل الحديث على عمومه قال: يأخذ الجار بغير ثمن سواء زرع على أصل [ماء] (١) أو على غير ماء، ومن حمله على التأويل الثاني قال: لا يأخذه إلا بالثمن باختيار المالك، ومن حمله على التأويل الثالث قال بما قال به في الكتاب [والحمد لله وحده] (٢).

стр. 3828

المسألة الثالثة في بيع الكلأ ومنعه ولا يخلو ذلك من وجهين: أحدهما: أن يكون ذلك في أرض العفي. والثاني: أن يكون في أرض وقفها وبورها للكلأ. فإن كان في أرض العفي، فلا خلاف في المذهب أن الناس [فيه] (١) شرعًا سواء، [وليس] (٢) لأحد بيعه. والعفو من الأرض ما ليس له مالك معين، ولا صاحب مبين. وإن كان في الأرض المملوكة له، فهل يجوز له منع الناس منه وبيعه إن شاء أم لا؟ فالمذهب على أربعة أقوال: أحدها: أن له بيعه، ومنع غيره من رعيه احتاج إليه أم لا، وهو قول عبد الملك بن الماجشون، وسحنون، وهو ظاهر قول مالك في المدونة في كتاب "كراء الدور والأرضين". والثاني: أنه لا يجوز [له] (٣) بيع خصب أرض أصلًا، وإنما يكون أحق به حتى يستغني، فيكون الناس في الفضل أسوة [سواء] (٤) وهو قول أشهب، وسواء فيما حظره وبوره للكلأ أو في غيره، وهذان القولان متقابلان.

стр. 3829

والثالث: بالتفصيل بين ما كان في مروجه وحماه وبين غيره: فما في حماه مما بوره للكلأ، فله بيعه ومنع الناس منه، وما لم يحظر عليه ولا حماه من جميع أراضيه، فليس له بيعه، والناس أسوة في فضله، وهو قول ابن القاسم، وعبد الملك، ومطرف. والرابع: التفصيل بين أن يحتاج إليه أو لا. فإن احتاج إليه، فله بيعه إذا بلغ أن يرعى، وإن استغنى عنه، فلا يجوز له بيعه، وليخل بين الناس وبينه، وهو قول مالك في كتاب "حريم البئر" من المدونة. وسبب الخلاف: اختلافهم في تأويل قوله ﷺ : "لا يمنع فضل [الماء] " يريد به الكلأ، وفي قوله ﷺ : "لا يمنع] (١) الكلأ والناس فيه شركاء"، هل هو عموم أريد به العموم أو عموم أريد به الخصوص، فمن حمله على ظاهره، وأنه عموم أريد به العموم، قال بقول أشهب. ومن حمله على [أنه] (٢) عموم أريد به الخصوص، قال بقول عبد الملك، وهو أصل قول مالك؛ لأنه قال في الكتاب: "لا أحسبه إلا في الصحاري وأما في القرى التي ملكها أهلها، فله أن يمنع الكلأ"، واعتبار الحاجة والحمى ضرب من الاستحسان. وأما قوله ﷺ : "لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ" (٣) فللعلماء فيه تأويلان: أحدهما: أنه إذا منع أرباب المواشي من ورود بئر ماء منعوا أن يأتوا، فيرعوا ما بقربه من الكلأ، فيصير منع الماء سببًا لمنع رعي الحشيش.

стр. 3830

والثاني: أن معناه إذا مُنعت من الماء مُنعت من الكلأ، ولا تقدر [ترعى] (١) فيؤدي [ذلك] (٢) إلى هلاك الماشية وموتها [والله أعلم] (٣). وأما صيد [ما] (٤) في البحائر والغُدر والبرك تكون في ملك رجل، فلا خلاف أنه لا يجوز بيعها لمن [يصيد] (٥) ما فيها [من الحيتان؛ لأنه يقل، ويكثر، وذلك عين الغرر، والذي نهى عنه النبي ﷺ ، ويجوز له أن يصيد فيها] (٦)، وهل له أن يمنع من يحاول الصيد فيها أم لا؟ ولا يخلو من أن يكون هو الذي طرح فيها السمك، وتناسل فيها أو كان جاء مع الماء، فإن كان صاحبها هو الذي طرحه فيها، وتوالد فله منع من يريد الصيد فيها, ولا ينبغي أن يختلف في هذا الوجه. وإن كان جاء مع الماء، ولا سبب له فيه، فالمذهب فيه على قولين: أحدهما: أنه لا يمنع أحدًا والناس فيه شرعًا سواء، وهو قول ابن القاسم في "المدونة". والثاني: أن لهم منع من حاول ذلك من غيرهم، وهو قول مطرف، وابن الماجشون، وهو الأظهر في النظر [والحمد لله وحده] (٧).

стр. 3831

المسألة الرابعة في [السدود] (١) وَكَنس الآبار وإصلاحها والكلام في هذه المسألة على فصلين: أحدهما: كنس الآبار وإصلاحها. والثانى: في سدِّ العُيون والقنوات. فالجواب عن الفصل الأول: في كَنْسِ الآبار، آبار الأراضين، وإصلاحها، فلا يخلو ما عليها من الأرض من أن يكون مقسومًا أو مشاعًا. فإن كان مقسومًا: فدعا بعضهم إلى الكنس والإصلاح، وأَبَا بعضهم، فهل يُجبر الآبى منهم أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه لا يُجبر، وأنّ مَنْ أراد العلم يَعْمل، ويكونُ أحقَّ بما زاد [من] (٢) الماء، حتى يدفع له الآبى مقدار ما يلزمه وينُوبُه من النفقة، وهو قوله في "المدونة". والثاني: أنّ الآبى يُجبر على العمل أو يبيع سهمَهُ مِمن يعمل، وإن كان مقسومًا، وهو قول ابن نافع، وسحنون. [نظراه] (٣) في العلوي والسفلي إذا انهدم السفلي، وهو مُنفرد من العُلوي، فإنه يُقال لصاحبه: ابنِ أو بيع ممن بني، وما قالاه ليس بصحيح، وذلك أن السُفلى، وإن كان نائيًا عن العلوي بالقِسمة، فصاحب

стр. 3832

العُلُوي يَدخل عليه الضرر بهدم السفلي أو لا يُتوصل إلى الانتفاع به إلا بعد [بناء] (١) السُفلي ولا يجوز أنْ يُقال له: ابنِ السُفلي، وتكونُ أحقَّ به من [صاحبه] (٢) حتى يدفع قيمة عملك، بخلاف البئر؛ لأن رقبتها [مشتركة] (٣) بينهم، وإنْ قُسِّمت الأرض. وإن كان مشاعًا فإنهُ يُقال للآبى: إمّا أن تعمل، أو تبيع ممِن يعمل، وهذا إذا كانت الأرضَ مزروعة، والنخلُ [فيها ثمر؛ إذ لا يقدران على القسم والضرر لاحق بمريد العمل، فصار كصاحب السفلي والعلوي، وإن كانت الأرض غير مزروعة والنخل] (٤) لا ثمَرَ فيها، فهاهُنا يُخيّر الآبى بين ثلاثة أشياء: إمّا أن يعمل، أو يُقسّم، أو يبيع ممِن يعمل. فانظر: كيف جعل ابن القاسم الذي عمل جميع ما زاد بالإصلاح في البناء، ولم يكُن للذي لم يَبنِ بقدر [جزئه] (٥) في البئر من الماء. وقد اختلف المذهب في الرَّحَى إذا كانت بين النَفَر، فتُهدم، فيدعوا بعضهم إلى عَمَلِهَا، وأَبَا بعضهم، فلم ينظر حتى عَمِل وطَحَنتْ، واغْتُل منها غلة كثيرة على أربعة أقوال: أحدها: [أنّ الغلّة] (٦) كلّها للعامل دون مَنْ لم يعمل حتى يُعطِي قيمة ما عَمِل، كالنهر يفُورُ ماؤُهُ، فيعمل أحدهم، ويأْبَى الباقونَ العمل.

стр. 3833

والثاني: أَنّهُ يَستوفي من الغلّة ما أنفق إن لم يقُم عليه، حتى استوفى ذلك، ثم يكونُ بينهما، والقولان لابن القاسم. والثالث: أنه يكون للعامل منها، بقدْر ما أنفق، وما كان له من سهمه قبل أن يُنفق، ويكون للذي لم يعمل ما بقى لهُ، [من] (١) قاعتها وبقيّة سدّها، وحجارتها، وهو قول ابن دينار. والرابع: أن تكون الغلّة كلّها للعامل، ويكون عليه كراء [نصيب] (٢) صاحبِه من قاعة الرحى، وما كان باقيًا فيها من العمل: فإن أراد الدخول معهُ دفع إليه قيمة العمل اليوم في هذا القدْر الذي ينوبُهُ، ليس يوم عمله، ولا ما أنفق إلا أن يكون ذلك بحداثة ما عمل، وهو اختيار عيسى، وصوّب بعض المتأخرين قول عيسى، وضعّف قول ابن القاسم. والجواب عن الفصل الثاني: في سدِّ القنوات، والعيون، وترتيبهِ إذا انسدَّ من أولها أو آخرها، وعليها أرضٌ كثيرة لناسٍ شتَّى بعضُها فوق بعض، فوقع في "المستخرجة" أن الأولين يكنسون ولا كنس على مَنْ بعدهم. وإذا [انسدت] (٣) في آخر القناة كنس الأولون مع الآخرين؛ لأن عناء الأولين سدّ الآخرين. قال أبو إسحاق التونسي: "وهذا ليس بالظاهر في القياس إلا أن يكون أراد معنىً آخر لم يُفسِّرهُ السائل". وما قالهُ صحيح، وذلك أن القناة إذا انسدّت من أول مجراها احتبست عن الأولين والآخرين، فزوال السدِّ يقع لجميعهم، فيجبُ أن يكون عليهم أجمعين.

стр. 3834

وإذا انسدّ في آخرها لم يضُر الأولين شيء؛ لأنهم يقولون: نحنُ نُطلق ماءنا من أصل العين، قبل وصوله إليكم فلا يضرُّنا ما عندكم من السدّ، ولا يمنعنا من [وصول] (١) الماء إلى ضياعنا. وما في "العتبية": إنما يصحّ في القنوات التي تكون بالأتفال والنجاسات؛ لأن القناة إذا انسدّت من الأولين لم يَلزم مَنْ بعدهم أنْ [يكنسوا] (٢) معهم؛ لأنهم يقولون: نحنُ نُجري مياهَنا في قنواتنا -لا تقف لنا- ولا يلزمُنا الكنس معكم أيها الأولون؛ إذ لا انتفاع لنا في ذلك. وإذا انسدّت القناة في الآخر: وجب على الأولين أن يكنسوا مع الآخرين؛ لأنَّ الأوّلين يقفُ ماؤهم إذا انسدّت في الآخر، ووقُوفُه يَضرُّ بهم، فيجبُ عليهم مشاركة من بعدهم في الكنس. وترتيب هذا أن يبتدئ من هو أول القناة، فيكنس وحدهُ، فإذا وصل إلى غيرهِ شاركهُ في الكنس، فإذا وصل إلى الثالث شاركهما في الكنس، فإذا وصل إلى الرابع شاركهم في الكنسِ، هكذا أبدًا، وعلى هذا السؤال يصحُّ ما في "المستخرجة" دون سؤال العيون.

стр. 3835

المسألة الخامسة في إحياء الموات وموات الأرض لم يُعمر منها. وإحياؤها: عمارتها. وكُلما بعُد عن العُمران ممّا تقلُّ فيه الرغبة والتنافس، فمن أحياهُ فهو له، ولا يحتاج فيه إلى إذن الإِمام، مِن أي أرضٍ كانت، عُنوةٌ أو صُلحًا أو أرضٌ أسلم عليها أهلها, لقوله ﵇: "مَنْ أحيا أرضًا مواتًا فهي له" (١). وإحياؤها يكونُ بعشرة أشياء: سبعةٌ مُتفقٌ عليها في المذهب، وثلاثةٌ مُختلَفٌ فيها. [فالمُتفق عليها] (٢): تفجير الماء فيها بحفر بئر، أو شقِّ نهر، أو شقِّ عين. والثاني: إخراج الماء عن غامرها. والثالث: البناء. [و] (٣) الرابع: الغرس. [و] (٤) الخامس: الحرث، وتحريك الأرض [بالحفر] (٥) ونحوهِ. [و] (٦) السادس: قطع غياضها وشعاريها.

стр. 3836

[و] (١) السابع: كسر أحجارها، وتسوية [بزوغها] (٢)، وتعديل أراضيها. فأمّا الثلاثة المُختلف فيها: أولها: التحجير عليها، وهو: ضربُ حدود حول ما يُريد إحياؤهُ منها, ولم يحجبه بعد. والثاني: رعى كلائها. والثالث: حفرٌ بئر ماشية فيها. فهذه الثلاثة [التي] (٣) اختُلف فيها على قولين: أحدهما: أنها لا تحيا بذلك، وهو قول "ابن القاسم" في "المدونة" وغيرها. والثاني: أنها تحيا بذلك، وهو قول أشهب. واختلف عن أشهب في التحجير: فَرُوِيَ عنه أنه ينتظر ثلاث سنين كما جاء عن عمر ﵁، فإن أحياها، وإلا كان لغيره إحياؤها. وَرُوِيَ عنه أنَّهُ إنما يكون الحجرُ إحياء، إذا عُرف أنه حجرها ليعملها عن [قريب] (٤) ويُقدر ما يُمكن عملُهُ فيها. وعلى هذا يكون قولُهُ وفاقًا لقول ابن القاسم، وعلى الرواية [الثانية] (٥) يكون خلافًا.

стр. 3837

فإذا أحياها وتركها حتى دُثرت وعادت إلى ما كانت عليه أولًا، فأحياها غيرَهُ، هل يكون أحقُّ بها أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من المُدونة: أحدهما: أنّ الثاني أحق بها من الأول، وهو نصُّ قول ابن القاسم في "كتاب حريم الآبار". والثاني: أنّ الأولّ بها أحقُّ أبدًا, ولا يُخرجها من ملكه تركُها حتى دثرت، وهو قولُ مالك في الخطة [فإن كانت الخطة] (١) لا تزول عن [ملكه] (٢) [باندراس] (٣) الأرض ورجوعها إلى ما كانت عليه، فكذلك في الإحياء، والموات فلا فرق بينهما. وأمّا ما قرُب من العمران، وتشاحح الناس فيه، واستوت فيه الرغبة والتنافس، فلا يخلو من أن يكون ذلك بإذن الإِمام أو بغير إذنهِ: فإن أحياهُ بإذن الإِمام، فذلك جائز، ويصير ملكًا لهُ. فإن أحياهُ بغير إذنه، فعلى ثلاثة أقوال: أحدها: أنهُ لِمَن أحياهُ، ولا يتعقَّبهُ نظر الإِمام، وهو ظاهر المُدّونة لقوله في أول الباب: "مَنْ أحيا أرضًا ميتةً بغير إذن الإِمام، فهي له"، ولم يُفصِّل بين ما قَرُب وما بعُد. والثاني: أن الإمام ينظر في ذلك، فإن رأى إبقاءه لِمن أحياهُ فَعَل، وإلا أعطاهُ قيمتَهُ منقوضًا. والثالث: أنّ ذلك جائزٌ ابتداءً: أنْ تُحيي الأرض بغير إذن الإِمام،

стр. 3838

كما قال أصبغ وغيرُهُ فيمن أراد أن يأخُذ من شارع المسلمين أو فنائهم ما لا ضرر [فيه] (١) عليهم، ويَردُّهُ إلى داره بالبنيان: أن ذلك جائزٌ لهُ، إنْ كان الطريقُ واسعًا. وحدُّ القُربِ: ما هو مرتفق لأهل البلد في سرْحِ مواشيهم، واحتطابهم واحتشاشهم، وما وراء ذلك، فهو الذي يجوز فيه الإحياء بغير إذن الإِمام قولًا واحدًا في المذهب، والحمد لله وحده.

стр. 3839

المسألة السادسة في نفى الضرر فيما يُحدثُهُ الرجلُ في ملكه، مما يضرُّ بجارهِ، مِن بناء أو حفر أو كُوَّة أو غير ذلك فإذا حفر بئرًا في دارهِ، وهي بعيدة عن بئرِ جارهِ، فلا يخلو من أن يعلم أن أحدَ الأرضينِ أُحْييت قبل الأخرى أو جهل. فإن عُلم أن أحد الأرضين أُحييت قبل الأخرى، فيُنظر إلى الأُولى [منهما] (١) فإن كانت الأُولى [هي التي حفر فيها] (٢) أولًا، مُنعَ الثاني من إحداث بئر في أرضِهِ، فإن حفرها فيها رُدمت عليه. فإن كانت الأولى في الإحياء هي التي أُحفر فيها أخرى، هل يُمنع إذا أضرَّ ببئر جارهِ أم لا؟ فإنهُ يتخرج على قولين قائمين من المُدونة: أحدهما: أنهُ لا يُمنع؛ لأن النظر [إلى] (٣) مَنْ سبق [إلى] (٤) الإحياء، لا إلى مَنْ سبق إلى الحفر، وهو قولهُ في "المدونة" حيث قال: " [فإن] (٥) كان إحياؤهُ قبل ذلك". والثاني: أنه يُمنع، وأنَّ الاعتبار بالسبق [إلى الحفر] (٦) لا بالإحياء. وسبب الخلاف: مَنْ مَلَكَ ظاهر الأرض، هل يملك باطنها [أم لا] (٧)؟.

стр. 3840

فمن رأى أنهُ يملك باطنها، قال: الاعتبار بسابقة [الإحياء ومن رأى أنه لا يملك باطنها قال: الاعتبار بسابقة] (١) الحفر. فإن جهل الإحياء، ولم يعلم مَنْ سبق منهما، فهل تُردم على المحُدث بئرها أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنها تُردم عليه، وهو نصُّ قول ابن القاسم في "المُدونّة". والثاني: أنها لا تُردم عليه، إنْ كان به ضرورة حافزة إلى ذلك، ولم يجد عنهُ مندُوحة. وإن أضرّ بجاره؛ لأنه يُضرُّ به؛ مَنَعَهُ كما أضرّ بجاره، حفرُهُ فهو أولى أن يمنع جاره أن يضرَّ به، في منعه له من الحفر في حقه؛ لأنه مالهُ، وهو قول أشهب وروايتهُ عن مالك. وأمَّا [ما أحدثه] (٢) في عرصته ممَّا يضرُّ بجاره من بناء حمام أو فُرن للحديد، أو تسبيك الذهب، والفضة [وكير لعمل الحديد] (٣) أو رحىً تضر بالجيران، فلهم منعُهُ، وهو [قول] (٤) "مالك" في آخر "كتاب القسمة" من "المُدونة"، واستخفّ اتخاذ التنور. واختلف المتأخرون في الضرر المعتبر في نصبِ الأَرحية، هل الضرر اللاحق [بالجيران] (٥) من دورانها وجعجعتها؟ وبه أفتى بعض المتأخرين، واستدل بقولهِ في "الكتاب": "فما أضرّ بجارهِ أو الضرر اللاحق بالجار

стр. 3841

من زلزلتها واضطرابها"، وهو أسعد بظاهر الكتاب، واحتجّ قائله بقول مالك في الحدّاد: أنه لا يُمنع من عملِ ضرب الحديد في دارهِ، وإن أضرّ ذلك بجاره في مسامعهِ ورأسهِ. وأمّا ما فَتَحَ عليه من الأبواب، والكوات يُشرف منها على جارِه، فإنهُ يُمنع مما فيه ضرر، وقضى عمر ﵁: أن يُوضع وراءَ الكُوات سرير، ويُوقف عليه رجل، فإنْ نظر إلى ما في دار جارهِ، مُنع منهُ، وما كان من ذلك لا يضرُ به لم يُمنع. ومعنى ذلك: أن يكون السريرُ عليه الفُرُش، فإن نظر الواقفُ عليه إلى وجه مَنْ هو في دار جاره، سُدَّ ذلك عَليه، وإلا فلا: فإن حُكِمَ عليه: بسدّ تلك الكوّة، فطلب أن يسدّها من خلف بابها مما يوالي داخل داره، فقال "سحنون" في كتاب ابنه: "ليس ذلك لهُ، وليُقلع، ويسدُّ ذلك كلَّهُ، وترك الباب يُوجب له حيازه بعد اليوم يشهدون لهُ أنَّهُم يعرفون هذا الباب، منذ سنين كثيرة، فيصيرُ حيازة، ولابد أن يقلع. وأمّا ما رفع من البناء، فمَنَعَ جارهُ من الشمس، وَمَهَبِّ الريح، هل يُمنع من ذلك أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه لا يُمنع من ذلك، ولا حُجَّة [له] (١) في [كونه] (٢) يُظلِمْ عليه دارَهُ، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، وبه قال أشهب, وابن نافع، وظاهرُ قولهم أنه لا فرق بين أن تكون له منفعةٌ أم لا. والثاني: أنهُ يُمنع من ذلك إنْ لم يكن فيه منفعة؛ لأن على الجارِ فيه

стр. 3842

مَضرَّة، وهو قول ابن كنانة، والدليل على قوله قولهُ ﵇: "لا ضرر ولا ضرار" (١) ومعنى قوله: "لا ضرر"، وهو ما لَكَ فيه منفعةٌ [و] (٢) على غيرِك فيه مَضرَّة، فأنت المقدّم عليه، ومعنى قوله: "ولا ضرار" هو ما ليس لك فيه منفعة، وعلى جارك فيه مضرّة، فهو المقدّم عليك، وهذا قولُ بعض [شيوخ] (٣) الحديث. فرع قال مطرف وابن الماجشون في رجلٍ يكون له أرض لاصقة بأندر رجل، فأراد أن يبني فيها بناء، وذلك يقطع الريح [عن] (٤) الأندر، ويبطلُ نفعهُ، فقال: "لا يُمنع من ذلك؛ لأن [الأندر] (٥) نفعُهُ ينصرف إلى غير ذلك، ولو مَنعَت صاحب الأرض من هذا كُنت مُضرًا به"، وروى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم في "العُتبية": أنه يُمنع مما يضرُّ بجاره في قطع مرافق الأندر، الذي قد تقادم نفع صاحبهِ. فإنْ أراد [أن يحدث] (٦) أندرًا قُرب دار رجلٍ أو قُرب جنانه أو مبقلتهِ، فإنهُ يُمنع من ذلك لِمَا يُدخل على رب الدار والجنان، لوقوع التبن عليهم في ذلك كمنْ أحدث فُرْنًا أو حمامًا، وهو قول مُطرف، وابن الماجشون في كتاب "ابن حبيب"، وبه قال سحنون. ولو أن أندر الرجل في جوار أندر الآخر، ويجمع زرعهُ ويُخزِّنهُ فيه،

стр. 3843

فاشتكى جارهُ أن [. .] (١) تمنعُهُ "الريح" (٢)، وطلب أن يُزيلها". قال سحنون: "ليس لهُ ذلك". وأمّا الدبّاغ: يُؤذي جيرانَهُ بريح دِباغهِ ونتنهِ، فإنه يُمنع كالفُرن والحمام. وأمّا الغسّال والضرّاب: يُؤذي جارَهُ، وَقْع ضربهما فلا يُمنعان كالحداد [حولك] (٣)، وهو قول مطرف، وابن الماجشون في "الواضحة". ومن له قطعة من أرض [في] (٤) فحصَ، فأراد أنْ يبنى في عرصته، وقال الذي حولهُ: لا تبنى فيها، فإنك تضرُّ بزرعنا. قال ابن كنانة في "المجموعة": "لا يُمنع أن يبني ما شاء إذا كان له مخرج إلى الطريقِ في أرضهِ". وقال عبد الملك بن الماجشون، ومطرف فيمن باع دَارَهُ، وقد أحدث عليه جارُهُ فيها كُوة أو مجرى ماءٍ أو غير ذلك من وجوهِ الضرر الذي كان لهُ في القيام، فلم يقُم عليه حتى باعها، فليس للمشتري أن يقومَ في ذلك، ولو كان البائع قد قام في ذلك وخاصم، ولم يتم له الحكم حتى باعها، فلِلمُشتري أنْ يحلّ محلّهُ، ويقومُ مقامهُ، وبه قال "أصبغ". قال سحنون فيمن بني مسجدًا على سطح حَوانيتِ، وجعلَ له سطحُهُ، فكُل مَنْ صار في السطح، يرى ما في دار رجلٍ إلى جانبه، فقام

стр. 3844

عليه بذلك، فقال: يُجبر باني المسجد [على أن يستر] (١) على سقف المسجد، وتُمنع الناسُ من الصلاة في المسجد حتى يسدُّ هذا على جارهِ. وقال أيضًا: فيمن له دار عن يمين الطريق، ودارٌ عن يسارِها مُتقابلين، فأرادَ أن يبني على جداري داره سطحًا يتخذ عليه غُرفة، أو مجلسًا: أنَّ [له] (٢) ذلك، ولا يُمنع من هذا أحد. قال: وإنّما يمنعُ مَن يُضيِّف السكّة، فأمّا ما لا ضرر فيه على السكَّة، ولا على أحد مِن الناس، فلا يُمنع. تم الكتاب، والحمد لله [وصلى الله على محمَّد وآله وصحبه وسلم تسليمًا] (٣).

стр. 3845

كتاب الحبس

стр. 3846

كتابُ الحَبْس تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها أربع مسائل: المسألة الأولى في الحبس المُبهم والمُفَسَّر والحبس له ثلاثة ألفاظ: حبس، وصدقة، ووقْف. وأحكامها: تتَّفِق تارةً، وتختلف تارة. ولفظ الحبس لا يخلو: [من وجهين] (١): إمّا أن يكون مُبهمًا، وإمّا أن يكون مُفَسَّرًا. فإن كان مُبهمًا كقولهُ: داري حَبْس، فلا خلاف في المذهب أنها وقفٌ مؤبدٌ، لا تَرْجِعُ ملكًا، وتُصْرَف للفقراء والمساكين، إلا أن يكون بموضعه عُرْفٌ لمصارفِ الأحباس، ومقاصد المُحْبسين، فيُحمل عليه، كقول مالك في "الكتاب": إلا أن يكون بالإسكندرية رحل ما يحبس الناس بها في السبيل، فيجتهدُ في ذلك الوالي. وأمّا المُفسَّر: فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يكون مُقيدًا بأمرٍ مخصوص. والثاني: أن يكون مُفسرًا غير مُقيدٍ بأمرٍ ما. فالجواب عن الوجه الأول: إذا كان الحبسُ مُقيدًا بصفةٍ، أو أَجَلٍ، أو شرطٍ، فالحكمُ يختلف باختلاف التقييد، والألفاظ التي بها حُبِس. فإن قال: حبسٌ، أو قال: وقفٌ، أو قال: صدقةٌ، بشهرٍ أو سنة

стр. 3847

أو حياتي، على معينِ أو مجهول، فلا خلاف أنّ ذلك هبة منفعة، وعمر إلى أجل، ويرجع عند تمامها إلى ربها أو إلى ورثته إن مات. فأمّا إن قال في المُعين: حياتهُ أو ما عاش، فتختلفُ الأحكام في هذه الألفاظ الثلاثة: وأما لفظُ الصدقة، فلا يُختلف أنها كالعمرى. واختُلف في الحبس، على قولين مُتأولين على "المدونة": أحدهما: أنه حبسٌ، ولا يرجعُ ملكًا، سواءٌ قيّدهُ بحياته أو ما عاش، وهو تأويل سحنون على "المدونة". والثاني: أنّه إن أطلقهُ فهو حبس، وإن قيّدهُ بحياته [فهو] (١) عُمرى، وهذا القول مُتأوّل على الكتاب أيضًا، وهو قولُ محمَّد، ومُطرف، وكذلك أيضًا لو قال: على فلانٍ بعينهِ. وأما في المجهول المحصور كقوله: على ولد فُلان، إذا قيّدهُ بحياتهم أو ما عاشوا، فعلى قولين أيضًا: أحدهما: أنه حبسٌ مُؤبدٌ كما لو لم يُقيدهُ، وهو مذهب "المدونّة". والثاني: أنه كالعُمري، ولو لم يُقيّدهُ، فإذا قيدّهُ فهو أولى، وأحقُّ أن يكون عُمرى، وهو ظاهر "المُدونة" أيضًا. وأمَّا إن قيّدهُ بالصفة: كقوله: حبس صدقة، أو صدقةُ حَبسٍ، أو قال: لا يُباع ولا يُوهب. فإن كان على مجهولين: فلا خلاف أنه حبسٌ مُؤبد. وإن كان علي مُعينين: فقولان قائمان من "المدونة":

стр. 3848

أحدهما: أنهُ حبسٌ مُؤبدٌ لا يُباع أبدًا، وهو نصُّ "المُدوّنة"، فقال فيها ابن القاسم: ولم يُختلف قولهِ في هذا قط يعني: مالكًا [﵁] (١). والثاني: أنه يَرجعُ بعد انقراض المُحبَس عليهم إلى المُحْبِس مِلكًا إن كان حيًا، أو إلى ورثته إن كان ميتًا، كالعُمرى، وهي رواية ابن عبد الحكم عن مالك في "العُتبية"، وهو قائمٌ من "المُدونة" أيضًا مِن قول ابن القاسم حيث قال: "وهو الذي يقولهُ أكثرُ الرواة، وعليه يُعتمدون، يشعر بأنّ هناك قولًا لم يعتمد عليه، وهذا ظاهرٌ جدًا. والجواب عن الوجه الثاني: وهو الحبسُ المفسّر غير المُقيدِ بصفةٍ زائدةٍ على تفسيره، فلا يخلو من ستة أوجهُ: أحدها: أنْ يجعلهُ لشخصٍ مُعينٍ محصور. والثاني: أن يجعلهُ لوجهٍ معينٍ محصور. والثالث: أن يجعلَهُ لوجهٍ مُعينٍ غير محصور. والرابع: أن يجعله لغير معين محصور. والخامس: أن يجعله غير مُعين غير محصور. والسادس: أن يجعلهُ على معدوم بعد موجود غير محصور. فأمّا الوجه الأول من الوجه الثاني: إذا جعلهُ لشخص معين محصور كقوله: حبسٌ على فلان أو على أولاد فلان، وسمّاهم بأسمائهم، هل يكون حبسًا مؤبدًا أو يرجع ملكًا؟ فعن مالك في ذلك روايتان: إحداهما: أنه يكون حبسًا مؤبدًا لا يعود ميراثًا أبدًا.

стр. 3849

فإن مات فلان رجعت إلى أقرب الناس بالمحبس حبسًا, ولا ترجع إليه، وإن كان حيًا، فإن لم يكن له قرابة رجعت إلى الفقراء والمساكين. والثانية: أنها ترجع بعد موت المُحبس عليه مِلكًا للمُحبِس إنْ كان حيًا أو لورثتهِ إن كان ميتًا كالعُمرى، والقولان قائمان من كتاب "الحبس"، وكتاب "الوصايا". وسبب الخلاف: هل النظر إلى لفظ المُحبس أم النظر إلى مقصوده؟ فمن نظر إلى لفظهِ قال: يعودُ مِلكًا؛ لأنَّهُ سمَّاهُ وعيّنَهُ. ومَنْ نظر إلى مقصوده، قال: لا يعودُ مِلكًا، ويرى أن فائدة تعيين المُحبَس عليه الحوز، والتبدئة على غيره لا أكثر. وأمّا الوجه الثانى: إذا جعلَهُ لوجهٍ معين محصور، كقوله: دَاري حبسٌ في وجهِ كذا، فعن مالك فيه روايتان: حكاهما "ابن الجلاب": أحدهما: أنه يبقى حبسًا مؤبدًا، فإن انقرض [عن] (١) الوجه الذي جعلهُ فيه [رجع حبسًا على أقرب الناس بالمحبس. والثانية: أنه يعود ملكًا بعد انقراض الوجه الذي جعله فيه] (٢)، فيكون له إن عاش، أو لورثتهِ إن مات، كالوجهِ الأول على سواء، والمبنى واحد. وأمّا الوجه الثالث: إذا جعلهُ لوجهٍ مُعين محصور كقوله: حبس في السبيل أو في قيد مسجد كذا [أو في إصلاح قنطرة كذا] (٣)، فحُكمهُ حكم الحبس المُبهم الذي قدَّمنَا ذِكْرهُ: يُوقَف على التأبيد والتخليد.

стр. 3850

فإن تعذّر ذلك الوجه لخلاء البلد، أو لفساد موضع القنطرة، حتى يُعلم أنهُ لا يُمكن أن تُبنى، ولا يُرجى لتلك البلدة عِمارة، فإنهُ يُوقَّف إلى أن ييأس مِن عودة عمارتها، فيصرف إلى مثله. وأمَّا الوجه الرابع: إذا جعلهُ في وجهٍ محصور غيرُ معين، كقوله: على بني زيد، أو على بني عمر، أو على فلان وولده، أو على عقبه، أو على مَن يطلُبُ العلمَ بمدينة كذا، هل يعودُ ميراثًا أم لا؟ قولان: أحدهما: أنهُ حبسٌ مؤبدٌ لا يعودُ مِلكًا أبدًا، ويَرجِع بعد انقراض الوجه الذي جعلهُ فيه إلى أقرب الناس بالمَحبِس يوم المرجع حبسًا عليه، وهو قولهُ في "المدونة". والثاني: أنه يعود مِلكًا بعد انقراض الوجه الذي جعلهُ فيه، وهذا القول نقلَهُ اللخمي عن ابن الجلاب (١). وسبب الخلاف: هل النظر إلى اللفظ أم إلى المقصد؟ وأمّا الوجه الخامس: إذا جعلَهُ لغير مُعين غير محصور، كقوله: على بني تميم، أو على المساكين، أو في إصلاح المساجد، أو لطُلَّاب العِلم، فلا خلاف أنَّهُ حبسٌ مُؤبدٌ كالمُبهم. وأمّا الوجهُ السادس: إذا جعلهُ حبسًا على معدومٍ بعد موجودٍ غير محصور، كقوله: على أولادي، وبعد انقراضهم يكونُ للمساكين، فماتَ ولم يترك ولدًا، أو آيس له من ولد، ففي ذلك قولان: أحدهما: أنهُ يرجعُ ملكًا، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الوصايا" التالي من "المُدونة" حيث قال: "إذا أوصى لولد فُلان، ولا ولدَ له يومئذٍ، والمُوصِي عالم، فإن مات فُلان قبل أن يُولدَ لهُ، فالوصية باطلة

стр. 3851

مردودة". والثاني: أنها نافذة للمساكين، وهذا قول عبد الملك. وسبب الخلاف: هل النظر إلى مقصود المُوصِي، فتنفُذ الوصية للمساكين أم النظر إلى لفظهِ، فترجعُ ميراثًا؟ وأمّا لفظُ الوقف: [فقد اختلف فيه متأخرو الأصحاب على قولين: أحدهما: أن لفظ الوقف يفيد التأبيد كان لمعين أو مجهول، أو محصور، وهذا القول حكاه البغداديون. والثاني: مساواة لفظ الوقف] (١) ولفظُ الحبس: ويدخل الخلاف في لفظ "الوقف" في [الوجه] (٢) الذي دخل ما في لفظ الحبس، وهذا القول حكاهُ المغارِبة من المالكية. وأما لفظ الصدقة: فلا يخلو من أن يجعلها لشخص معينٍ، أو لمجهولين غير محصورين، أو يجعلها في مجهولين محصورين، مما يُتوقع انقطاعهم: [فإن] (٣) جعلها لشخصٍ معينٍ كقولهِ [صدقةٌ] (٤) لِزيد. أو على مجهولين غير محصورين ممّا لا يُتوقع انقطاعهم، كقولهِ: للمساكين، فإنّ ذلك يكون ملكًا لهم، ويُقسّم عليهم إن كان مما ينقسم أو قيمتُهُ بعد البيع إن كان مما لا ينقسم بين [من حضر] (٥) من المجهولين.

стр. 3852

وكان الحاضر [وقت] (١) القِسمة في حُكم المُعين؛ إذ لا يلزم انتظار جمع جميع المساكين وعمومهم, وذلك غيرُ مقدورٍ عليه، ويُحمل على أنهُ مقصد المُتصدّق. وأمّا أن يتصدق بها على مجهولين محصورين مما يُتوقّع انقطاعهم، كقوله: على ولدِ فلان، أو على فلان وولده، فاختلف فيه المذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها حبسٌ مُؤبد، لا يُباع، ويرجع بعد انقراضهم إلى أقرب بالمحبس [حبسًا] (٢) وهو قول مالك في المدونّة، ونصُّ رجاله فيها، وسواءٌ [قال] (٣): ما عاشوا أم لا. والثاني: أنهُ يرجع إلى المُحبس عليهم مِلكًا، وهي رواية أشهب عن مالك. والثالث: أن حكمه حكم العُمرى، ويرجع بعد انقراضهم إلى أولى الناس بالمُتصدق ميراثًا أو إليه إن كان حيًا [والحمد لله وحده] (٤).

стр. 3853

المسألة الثانية في الشيء المُحبَس إذا خيف عليه الدمار، هل يجوز [بيعه و] (١) استبداله أم لا؟ ولا يخلو الشيء المُحبس من وجهين: أحدهما: أن يكون رياعًا. والثاني: أن يكون عُروضًا أو حيوانًا. فإن كان رياعًا، فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن تكون الحاجة [دعت إلى بيعه] (٢). والثاني: ألا تدعو [إلى بيعه] (٣) الضرورة. فأمّا إذا دعت الحاجة إلى بيعه، وألحت إلى بيعهِ، وألّحت عليه الضرورة إلى استبداله، مثل: أن يكون الريع المُحبس بجوار مسجدٍ ضاق بأهلهِ، فاحتاج أن يُضاف إليه ليُوسَّع بها، فجائزٌ أن يباع ويُشترى بثمنه ريعًا مثلهُ يكونُ حبسًا، وهو قول سحنون في "النوادر"، وحكاهُ أصحاب المذهب قال: "وقد أُدخل في مسجد النبي ﷺ دورًا [حبسها] (٤) كانت تليه،" وحكى ابن حبيب مثل ذلك عن مالك أنه: جائزٌ للمسجد، ولطُرقِ المسلمين، يتوسَّعُون بذلك فيها، وهو نفعٌ عام للمسلمين، وقال مطَرف، وابن الماجشون، وأصبغ، وابن عبد الحكم: أنّ ذلك في مِثل

стр. 3854

جوامع الأمصار، فأمّا مساجد القبائل فلا، والذي قالوهُ هو المذهب. وقال إبراهيم بن المُنذر: أول مَن زاد في مسجد النبي ﷺ في قِبلتِهِ، ومِن ناحية دار مروان عمر بن الخطاب ﵁، وزاد في المسجد الحرام، وأدخل في ذلك دورًا مُحبسة وغير مُحبسة، ودفع أثمانها إلى أهلها، ثم زاد عثمان ﵁ فيهما بعدهُ، وفَعَلَ كما فَعَلَ عمر ﵁، فَأَبَوْا مِن أخذ الأثمان وصاحوا، فأوْقَعَهَا عُثمان لهم، وأمر بحبسهم، واحتجَّ بفعلِ عمر. وأمّا بيعها لغير حاجة، ولا دعتْ الضرورة إلى ذلك، فالبيع في ذلك ممنوع قولًا واحدًا في المذهب، سواءٌ خرب أو كان قائمًا في موضع العُمران، أو تحوّلت عنه العمارة. وإن خرب وصار عَرْصَة، قال ابن القاسم: قال مالك: ولقد كان [البيع] (١) أمثل. وروى ابن وهب في "موطئه": أن ربيعة رخّص في بيع ريع حبس دُثِر وتعطّل، ويُعاوضُ بِثمنهِ في ريعٍ نَحوه في عمارةٍ تكون حبسًا، وذكرهُ سحنون في "آثار المُدوّنة" في "كتاب الحبس". وأمّا الوجهُ الثاني: إذا كان الشيءُ المحبوس حيوانًا وعُروضًا، فضعفت الدواب والعبيد، حتى بطُل ما يُراد منها، من النفع في استعمالها في الجهاد، والوجه الذي حُبس له، وبُلِيت الثياب حتى صارت خلقًا، فهل يجوز بيعها أم لا؟ فالمذهب على قولين منصوصين في "المُدونة" في "كتاب الحبس": أحدهما: أنّ بيعها جائز، وهو قولُ ابن القاسم.

стр. 3855

والثاني: أن بيعها لا يجوز، وهو قول غيره. فعلى القول بجواز البيع: فإنَّهُ يُباع، ويُشترى بثمنه مِثلُهُ إنْ كان فرسًا اشترى بثمنه فرس، وإن كان ثوب اشترى بثمنه ثوب، فإن لم يبلُغ ثمنهُ [قيمةُ مِثله] (١)، هل يَعانُ به في ثمنِ غيره أم لا؟ فأمّا الخيلُ: إذا عجز ثمنُهُ عن قيمة الفرس، فإنّهُ يُعانُ به في ثمن الفرس. وأمّا الثياب: فإنّهُ يتخرج فيها في الكتاب قولان: أحدهما: أنّ الثيابُ والخيل على سواء، وأنَّ ما وقعَ في الكتاب، إنما هو بحسب السؤال، ولو سُئل عن الثياب لقال فيها بمثلِ قولهِ في الخيل، وهو تأويل بعضهم. والثاني: أن ثمن الثياب إذا عجز عن قيمة الثوب، تَصدَّقَ به في السبيل، ولا يُعان به في ثمنِ ثوب، بخلاف الخيل، وهو تأويل بعضهم أيضًا، وهو أسعد بظاهر "الكتاب". والفرقُ بينهما على هذا التأويل: أنّ الخيلَ المقصودُ منها المنفعة [بها] (٢) في الغزو، فينبغي أن تُجعل أثمانها في مِثلها مهما قَدَرْ، ليُحيى قصد المُحبس. وأمّا الثياب، فالمقصود بها الانتفاعُ بأعيانها [للغزاة] (٣) فإذا بليت، وعُدِمَ الانتفاع بنفسها، أعطيت لهم أثمان ما بيع من خلقها، فينتفعون بها عوضًا عنها، وهذا الفرق لا بأس به.
следующие страницы →