سرق هو له، وهو نص قول مالك في آخر "الكتاب" إذا اعترف أنه سرق من فلان، فقال فلان: ما سرق مني شيء؛ بل المتاع متاعه، أو قال: إنه كان قد استودعنيه، فقال مالك: يقطع، ولا يلتفت إلى قول هذا.
والقولان قائمان من "المدونة"، ولم يذكر في السؤال الثاني أن له إليه انقطاع، فلو كان له انقطاع ودخل من مدخله غير مستسر، وأتى في وقت يجوز أن يرسله فيه لما قطع، وإلى هذا [ذهب] (١) ابن حبيب.
وأما إن أخذ المتاع مستسرًا، ودخل من غير مدخل أو دخل في حين لا يعرف فليقطع، ولا ينفعه انقطاعه.
وأما إن لم يعرف منه انقطاعه، فإنه يقطع في الوجهين جميعًا إلا أن يصدقه رب المتاع، فلا يقطع إذا دخل في حين يعرف غير مستسر.
أما إن كان مستسرًا أو في حين لا يعرف، فإنه يقطع، وإن صدقه رب المتاع.
وهذا كله قول أصبغ في "الواضحة".
والذي قاله صحيح موافق لقول ابن القاسم، وتأويل بعض الشيوخ؛ لأنه رأى أن تصديقه له إذا أخذه من مأخذه، ولم يأخذه مستسرًا هو الذي يصرف عنه القطع.
وأما الذي [لقى] (٢) في جوف الليل [فقال: إن فلانًا بعثني] (٣) وله إليه انقطاع فلا يقطع؛ لأنه لم يقر بسرقة ولا شهد عليه بها، وقد أتى بما يشبه.
стр. 4027
وإن لم يكن له إليه انقطاع، فعلى قول أشهب لا يقطع؛ لأنه لم يقر بسرقة، وإنما قال: صاحب المتاع أرسلني، والبينة لم تعلم بسرقته؛ فكان كقوله: تزوجت هذه المرأة ووطئتها، ولم يثبت نكاحه؛ فعنده أنه مقر بوطء حلال، فأشبه الراجع عن الزنا إذا أقر به، وعلى مذهب ابن القاسم يحد؛ لأنه متماد على الإقرار بالوطء، ولم يرجع عنه ومدعٍ تزويجًا لم يثبت له فكذلك يقر بأنه أخذ من حرز، وإن أخذه مأذونًا له فيه، فلا يصدق ويقطع إلا أن يكون له إليه انقطاع [لبطلان فحواه، والحمد لله وحده] (١).
стр. 4028
المسألة الثالثة في التعاون على السرقة
وإذا تعاون جماعة على سرقة، فلا يخلو حالهم من وجهين:
أحدهما: أن يدخلوا جميعًا في الحرز حتى أخرجوا منه السرقة.
والثاني: أن يكون بعضهم داخل الحرز، وبعضهم خارجه.
فإن دخلوا جميعًا في الحرز؛ وتعاونوا على إخراجها، فلا يخلو من أن تكون السرقة مما يستبد بها الواحد لخفتها، أو تكون مما لا يستبد بها الواحد لثقلها.
فإن كانت مما يستبد بحملها الواحد لخفتها فحملها واحد وخرج، فلا خلاف أنه لا يقطع إلا الخارج بها خاصة.
فإن خرجوا بها جميعًا، ويد كل واحد منهم على بعضها؛ فلا قطع على واحد منهم حتى تكون قيمتها تسعة دراهم، وهم ثلاثة فيقطعوا ثلاثتهم.
وقيل: إنهم يقطعون جميعًا كما لو سرقوا ما لم يستقل الواحد بحمله، وهذا القول حكاه ابن الحلاب عن بعض الأصحاب.
فإن كان السرقة مما لا يستبد بها واحد، وهي مما يحتاجون إلى التعاون عليها لثقلها؛ فرفعوها جميعًا أو رفعوها على واحد منهم، وقيمتها ثلاثة دراهم، فهل يقطعون جميعًا، أو لا يقطع إلا الخارج بها؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنهم يقطعون، وهي الرواية عن مالك، ونص قوله
стр. 4029
في "المدونة".
والثاني: [أنه] (١) لا قطع على واحد منهم إلا الذي انفرد بإخراجها إن رفعوها عليه في الحرز، ولم يمسكوها عليه بعد ذلك، وهذا القول مخرج غير منصوص عليه.
وينبني الخلاف: على الخلاف في قيمة السرقة إذا وجبت هل يؤخذ كل واحد من سراقها بقيمتها على الكمال إذا وجد منفردًا، ثم يكون هو الراجع على أصحابه قياسًا على قتل العمد إذا تعاون جماعة على [قتل] (٢) واحد أن كل واحد منهم يقتل، وهو قول ابن القاسم؛ لأن السرقة لما لم يتمكن لواحد إخراجها إلا بتعاون أصحابه، وتظاهرهم صار كل واحد كأنه أخرجها بكليتها؛ إذ لولاه لما أخرجها من سواه، فيعد كأنه أخرج نصابًا كاملًا.
ومن رأى أنه لا يؤخذ من وجد منفردًا إلا بقدر ما ينوبه من قيمتها في جملة أصحابه، قال: لا قطع على واحد منهم.
فإن كان بعضهم داخل الحرز، وبعضهم خارجه، فتعاونوا على إخراج السرقة من حرزها، وقد قربها الداخل إلى باب الحرز، ثم مد الخارج يده، فأخذها أو أخرجها من هو داخل الحرز من الحرز حتى صارت خارجًا، فرفعها الخارج أو التقت أيدي المتناولين في باب الحرز، أو في النقب إن كانوا نقبوا البيت، فأخذها الخارج ويد الداخل مصاحبة للمتاع حتى قبضه الخارج أو ربطه الداخل بحبل، فخرجه الخارج حتى أخرجه من الحرز، هل يقطعان جميعًا أو لا يقطع إلا الخارج بها خاصة؟
فالمذهب على خمسة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
стр. 4030
أحدها: أنهما يقطعان جميعًا، وهو أحد قولي مالك في الذي ربط المتاع وجره غيره، وفي اللذين التقت أيديهما في المناولة في الثقب، فيقطعان جميعًا في هذه الأسئلة كلها، وهو قوله في "كتاب محمَّد"؛ لأن الخارج لا يصل [إليه] (١) إلا بمناولة الداخل له، فصار كالمتعاونين على إخراجه كما إذا حملوه من الحرز على أحدهم.
والثاني: أنه لا يقطع إلا الذي أخرجه من الحرز خاصة كان الذي هو داخل الحرز، أو الذي هو خارجه، وهو نص قول مالك في الكتاب، وعلى هذا قال مالك في اللذين التقت أيديهما في النقب أنهما يقطعان جميعًا لتساويهما في إخراجها من الحرز، وكل واحد منهما له تأثير في إخراجها، ولم يختص بها واحد دون الآخر.
والثالث: أنه لا قطع على واحد منهما، وهو ظاهر توقف مالك في الذي أخذ في الحرز بعد أن ألقى المتاع خارجًا؛ لأن الداخل لم يخرجه من الحرز، والخارج لم يدخل في الحرز.
والرابع: أنه لا يقطع الخارج المتناول للسرقة.
والخامس: أنه يقطع الذي قربه إلى باب الحرز خاصة.
وهذا الخلاف حكاه القاضي الحفيد ابن رشد.
والأقوال كلها ظاهرة في "المدونة".
وأما الذي أخذ في الحرز بعد أن ألقى المتاع خارجًا، فقد شك فيه مالك بعد أن قال: يقطع، وبه أخذ ابن القاسم، وموجب اختلاف قول مالك فيه، هل النظر إلى خروج المتاع من حرزه بسببه أم النظر إلى إخراجه هو به؟
стр. 4031
ونظير هذا إذا أخرج السرقة من حرزها بواسطة السبب من غير أن يدخل هو داخل الحرز، مثل أن يدخل قصبة، فأخرج بها المتاع، أو كانت شاة، فحرك لها العلق حتى خرجت، أو كان بازًا معلمًا فصفر له حتى خرج.
وينبغي أن يدخل الخلاف في هذه الأسئلة كلها؛ لأن السرقة أخرجت من الحرز بسببه فكونه خارج الحرز غير داخل فيه كقبض أهل الدار إياه داخل الحرز، وقد رمى المتاع خارجًا فتدبر ذلك تجده صحيحًا.
وقد نص مالك ﵀ في "الكتاب" على الذي أخرجها بقبضه أنه يقطع، وما أفسد السابق في الحرز ثم أخرجه أو استهلكه في الحرز ثم خرج؛ فإن ساوى ما أخرجه من الحرز بعد فساده ربع دينار قطع، وإلا فلا، وإن استهلكه ثم خرج فلا يقطع، ويغرم قيمته أو مثله فيما له مثل.
وسرقة الواحد من جماعة إنما يصير فيها النصاب على الجملة، ولا ينظر إلى حد كل واحد منهم إن كان فيه نصابًا أم لا، بخلاف سرقة الجماعة من واحد على ما فصلناه وحصلناه، والحمد لله وحده.
стр. 4032
المسألة الرابعة في السرقة من الدار المشتركة أو المأذون فيها
وتحصيل القول في ذلك أن الدار تنقسم في السرقة منها على ستة أقسام:
دار حجزها ساكنها، ومالكها عن الناس.
ودار أذن فيها ساكنها، ومالكها لخاصٍ من الناس.
ودار ينفرد الرجل بسكناها مع زوجته عن الناس.
ودار أذن فيها ساكنها ومالكها [إذنًا عامًا] (١) لجميع الناس.
ودار مشتركة بين ساكنيها مباحة لجميع الناس.
ودار مشتركة بين ساكنيها محجورة عن سائر الناس.
فأما الدار التي حجزها ساكنها ومالكها عن جميع الناس، فالقطع على من سرق منها ما يجب فيه القطع إذا خرج به من الدار.
وإن سرق من بعض بيوتها، وأخذ ما في الدار قبل أن يخرج منها لم يقطع، ولا خلاف في ذلك.
وأما الدار التي أذن فيها ساكنها، أو مالكها لخاص من الناس كالرجل يُضيف الضَّيْف، فيدخله داره أو يبعث الرجل رجلًا إلى داره ليأتيه من بعض بيوتها بمتاعه، أو ما أشبه ذلك، فيسرق بعض متاعه: فلا يخلو من أن يسرق من البيت الذي أذن له في دخوله أو سرق من بيت مغلق غير مأذون له فيه.
стр. 4033
فإن سرق من بيت أذن له في دخوله، فلا خلاف أنه لا يقطع.
وإن سرق من بيت مغلق قد حجر عليه دخوله، هل يقطع أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أنه لا يقطع، وإن خرج بما سرق من جميع الدار؛ لأنه خائن، وليس بسارق، وهو قول مالك في "المدونة"، و"كتاب ابن المواز".
والثاني: أنه لا يقطع حتى يخرج به من جميع الدار، وهو تأويل الشيخ أبي محمَّد عبد الحق على "المدونة"، وحكى أنه قول مالك في "كتاب ابن المواز".
والثالث: أنه يقطع، وإن لم يخرج به من جميع الدار إذا خرج به إلى الموضع الذي أذن له بدخوله؛ كالشراء في ساحة الدَّار، وهو قول سحنون، وهو ظاهر قول مالك في "الكتاب" في الزوجة إذا سرقت من بيت حجرها عليها الزوج حيث قال: تقطع كالدار المشتركة بين ساكنيها المباحة لسائر الناس كالفنادق.
وأما التي ينفرد الرجل بسكناها مع زوجته عن الناس، فإن سرق منها أجنبي، وأخذ في ساحتها لم يقطع، وإن أخذ بعد أن خرج من جميعها قطع.
وإن سرق أحد الزوجين من بيت قد حجره عليه صاحبه، وأغلقه دونه، أو سرق عبد أحدهما من ذلك، هل يقطع أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يقطع من سرق منهم، وخرج بما سرق من البيت الذي حجر عليه، وأغلق دونه، وإن لم يخرج به من جميع الدار، وهو ظاهر
стр. 4034
ما في "المدونة".
ونص قول سحنون؛ قياسًا على المتحاجرين بالسكنى في الدار الواحدة.
والثاني: أنه لا يقطع، وإن خرج به من جميع الدار، وهو قول مالك في الضيف يسرق، وهو نص قوله في "كتاب ابن المواز".
والثالث: أنه لا يقطع حتى يخرج به من جميع الدار، وهو الذي حكاه أبو محمَّد عبد الحق أنه لمالك في كتاب ابن المواز"، وهو ظاهر "المدونة" أيضًا؛ لأن بقية الدار من تمام الحرز.
وأما الدار التي أذن فيها ساكنها أو مالكها إذنًا عامًا للناس كالعالم أو الطبيب يأذن للناس في دخولهم إليه في داره، أو كالرجل يحجر نفسه في ناحية من داره، ويترك بابها مفتوحًا يدخل منه بغير إذنه: فهذا يجب القطع على من سرق من بيوتها المحجورة إذا خرج بسرقته عن جميع الدَّار، ولا يجب القطع على من سرق من قاعة الدَّار؛ لأن بقيّة الدَّار من تمام الحجر؛ ففارقت المحجة في أنها لا تدخل إلا بإباحة صاحبها، وإنما لم يسقط عنه القطع إذا خرج من جميع الدار، كما يسقط عن الضيف على مذهب ابن القاسم؛ لأن الضيف خصه بالإذن، فصار مؤتمنًا، وكان له فيما أخذ -على مذهبه- حكم الخائن لا حكم السارق.
وأما الدار المشتركة بين ساكنيها المباحة لسائر الناس كالفنادق التي يسكن كل واحد بيته على حدة، وقاعتها مباحة للبيع والشراء فيها، فحكم قاعتها حكم المحجة؛ فمن سرق من بيوتها شيئًا -كان من الساكنين فيها أو من غيرهم- وأخذ في قاعة الدار، فقد وجب عليه القطع، ولا خلاف في هذا أيضًا.
وأمَّا الدار المشتركة بين ساكنيها المحجورة عن سائر الناس، فلا خلاف
стр. 4035
أن السكان تقطع من سرق منهم من بيت صاحبه إذا أخذوا، وقد خرج بسرقته إلى قاعة الدار، وإن لم يخرج بها عن الدار، ولا أدخلها بيته، ولا خلاف في أنه لا قطع على من سرق منهم من قاعة الدَّار شيئًا، وإن أدخله بيته، وخرج به عن الدَّار إلا أن يكون الذي سرق من قاعتها دابة من مربطها المعروف، وما أشبه ذلك من المتاع الثقيل الذي يجعل بعضه [على بعض] (١)، فيكون ذلك الموضع حرزًا له كمربط الدابة؛ فيكون حكم من سرق شيئًا من ذلك منهم حكم من سرق من بيت من البيوت.
وإن سرق أحد الزوجين من مال صاحبه من بيت من هذه البيوت، وقد حجره عليه وأغلقه دونه، فعليه القطع قولًا واحدًا أيضًا.
واختلف إن سرق أجنبي من بيت من بيوت الدار، وأخذ من قاعتها قبل أن يخرج به من الدار، أو سرق من القاعة ما نشر فيها من ثوب أو غيره أوتى فيه، هل يقطع أم لا؟
فالمذهب على أربعة أقوال كلها متأولة على المدونة:
أحدها: أنه يقطع في الوجهين جميعًا، وهو نص ابن المواز في كتابه، وهو تأويل بعض الأندلسيين على المدونة.
والثاني: أنه لا يقطع في الوجهين جميعًا إذا سرق من البيوت، وأخذ في القاعة، أو سرق من القاعة، فأخذ خارجها، وهو متأول أيضًا على المدونة.
والثالث: أنه إن سرق من البيوت، وأخذ في القاعة قطع، وإن سرق من القاعة، وأخذ خارجًا لم يقطع، وهو ظاهر "المدونة"، وهو نص ما في "كتاب محمَّد" في الوجه الأول.
والرابع: أنه لا يقطع إذا سرق من البيوت، فأخذ في القاعة، ويقطع
стр. 4036
إن سرق من القاعة، وأخذ خارجًا، وهذا القول متأول على "المدونة" أيضًا.
ووجه القول الأول: أن القاعة حرز بالإضافة إلى الأجنبي، وغير حرز بالإضافة إلى الساكن؛ فإذا سرق من البيوت، وأخذ في القاعة فيقطع؛ لأنه قد صيره إلى غير حرز بالإضافة إلى الأجنبي على الجملة، وبهذا عَلَّل ابن المواز.
وإن سرق من القاعة، وأخذ خارجًا قطع؛ لأنه سرق من الحرز بالإضافة إليه، فأمر بقطعه في الوجه الأول.
وإن أخذ في الموضع الذي إن سرق منه قطع؛ لأنه أباحه لأهل الدار وصيره إلى موضع لا قطع على من سرق منه منهم.
ووجه قول من قال: إنه لا يقطع في الوجهين جميعًا؛ لأنه إذا سرق من البيوت، وأخذ في القاعة لم يقطع؛ لأن القاعة حرز بالإضافة إليه، وإن سرق من القاعة، وأخذ خارجًا فلا يقطع؛ لأنه سرق من غير حرز بالإضافة إلى السكان. وهذا على عكس الأول.
ووجه القول الثالث: أنه يقطع في الوجه الأول، ولا يقطع في الثاني؛ لأنه قد صيره إلى غير حرز ثم إن سرق من ذلك الموضع لم يقطع؛ لأنه موضع يقطع فيه إذا أخذ المتاع من البيت، وأخذ فيه.
ووجه القول الرابع: لا يقطع في الأول، ويقطع في الثاني؛ لأنه إذا سرق من البيوت، وأخذ في القاعة فقد أخذ في الحرز، والسارق إذا أخذ في الحرز، فلا قطع عليه، وإن سرق من القاعة، وأخذ خارجًا قطع؛ لأنه أخرجه عن جملة الحرز بالاتفاق.
والقياس إذا قطع في الوجه الثاني ألا يقطع في الوجه الأول؛ وعلى
стр. 4037
هذا حمل أبو محمَّد عبد الحق ما في "المدونة"، وإذا قطع في الوجه الأول ألا يقطع في الوجه الثاني؛ وعلى هذا حمل أبو إسحاق التونسي ما في "كتاب ابن المواز"، فتدبر هذا التخريج يتبين لك معناها، والحمد لله وحده.
стр. 4038
المسألة الخامسة في معرفة ما يجب به القطع
ولا يجب القطع إلا ببينة أو اعتراف.
فأما البينة فشاهدا عدل، ولا يقطع بشاهد ويمين، ولا بشاهد وامرأتين.
وأما الاعتراف، فإنه ينقسم على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يأتي مستهلًا على نفسه بالسرقة من غير أن يؤخذ ويتهم به.
والثاني: أن يقر على نفسه بها بعد أن يتهم، فيؤخذ دون خوف ولا تهديد، ولا وعيد.
والثالث: أن يقر على نفسه بها بعد الضرب والتهديد والوعيد.
فأما الوجه الأول: إذا استهل بذلك على نفسه من قبل أن يؤخذ، فإنه يقطع من غير تعيين قولًا واحدًا، وله أن يرجع عن إقراره إذا كان لرجوعه وجه يذكره.
واختلف إذا جحد الإقرار أصلًا، ولم يأت لرجوعه بوجه يقبل، هل يقال أو لا يقال؟
على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه يقال، وهو قوله في "الكتاب" إذا جحد الإقرار أصلًا، وهو قوله في آخر "الكتاب" إذا أقر بغير محنة ثم جحد، فقال مالك: يقال.
стр. 4039
والثاني: أنه لا يقال. وهو ظاهر قوله في "الكتاب" إذا أتى بأمر يعذر به [يقول أقررت لأجل كذا وكذا -فيقال. وظاهره أنه إذا لم يأت بأمر يعذر به] ألا يقال، وهو المشهور، وهو قوله في "كتاب الرجم".
وأما الوجه الثاني: إذا كان إقراره بعد أن يؤخذ دون خوف، ولا تهديد، فلا يخلو من أن يعين السرقة أو لم يعينها.
فإن عينها قطع قولًا واحدًا.
وإن لم يعينها، هل يقطع بمجرد إقراره أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يقطع، وهو ظاهر قوله في آخر "كتاب السرقة" فيمن أقر أنه سرق ألف درهم بغير محنة، ولا شيء ثم جحد بعد ذلك، فقال: يقال. فظاهره أنه لو تمادى على إقراره لقطع.
والثاني: أنه لا يقطع حتى يعين السرقة ويظهرها، وهو قول ابن القاسم في "العتبية".
فعلى القول بأنه يقطع بمجرد إقراره دون تعيين على ظاهر ما في "كتاب السرقة" من "المدونة"، فله أن يرجع عن إقراره، وإن لم يأت بوجه يعين به، وهو ظاهر "المدونة" في آخر "كتاب السرقة".
وعلى القول بأنه لا يقطع إلا أن يعينها، فاختلف هل له أن يرجع عن إقراره بعد التعيين أم لا!! على قولين مرويين عن مالك في "العتبية" وغيرها.
وهذا الخلاف إنما يجري في الذي قال: إنما أقررت لوجه كذا.
وأما إن جحد الإقرار بعد التعيين أصلًا فلا يقال قولًا واحدًا.
وأما الوجه الثالث: إذا أقر على نفسه بعد الضرب والتهديد، فلا يقطع
стр. 4040
بمجرد الإقرار.
فإن عينها هل يقطع أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه لا يقطع، وهو نص قول مالك في "الكتاب".
والثاني: أنه يقطع، وهو ظاهر قوله في آخر "الكتاب" في الذي ادعى على رجل بالسرقة فقال: استحلفه لي حيث قال: فإن كان المُدعى عليه متهمًا بذلك موصوفًا به احتلف وامتُحن وهُدِّد، وإن كان غير ذلك لم يعرض له، وقوله: امتُحن وهُدِّد، فما فائدة الامتحان والتهديد إذا لم يعمل بمقتضاهما.
فعلى القول: بأنه يقطع فإنما يقطع ما لم يرجع عن إقراره، فإن رجع عن إقراره أُقِيل بلا خلاف.
وعلى القول الثاني بأنه لا يقطع، فإن تمادى على إقراره بعد ذلك، هل يقطع أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يقطع، وهو قوله في "المدونة".
والثاني: إنه لا يقطع، وهو قول ابن الماجشون، والحمد لله وحده.
стр. 4041
المسألة السادسة في اجتماع القَطْع مع [قيمة] (١) الشيء المسروق
ولا يخلو الشيء المسروق من أن يكون مما يجب فيه القطع، أو مما لا يجب فيه القطع لتفاهته.
فإن كان مما لا يجب فيه القطع لتفاهته، فالغرم واجب عليه في اليُسر والعُسْر، ولا خلاف في ذلك.
فإن كان مما يجب فيه القطع، فلا يخلو من أن يكون الشيء المسروق قائمًا بيد السارق أو فائتًا.
فإن كان فائتًا، هل يجب عليه الضمان مع القطع أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: وجوب الضمان على السارق مع القطع بكل حال في العسر، واليسر، وهذا القول حكاه ابن شعبان عن المذهب في "كتاب الزاهي"، وهو مذهب الشافعي، وأبي ثور.
والثاني: أنه لا يجب الضمان مع القطع في كل حال من يُسْر أو عُسْر، وهذا القول حكاه القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب عن بعض مشايخ المذهب، قال: وهو القياس، وهو مذهب أبي حنيفة، والثوري، وابن أبي ليلى.
والثالث: التفصيل بين اليُسْر والعُسْر؛ فإن كان معسرًا فلا ضمان عليه، وإن كان موسرًا، فإنه يضمن قيمة السرقة مع القطع بشرط اتصال اليسر من يوم السرقة إلى يوم الحكم كما قال أشهب، وإما إلى يوم القطع
стр. 4042
كما قال ابن القاسم، وهذا مذهب مالك، وأكثر أصحابه.
وفائدة الفرق بين يوم الحكم بالقطع كما قال أشهب، وبين يوم القطع على قول ابن القاسم إذا حدث له يسر بعد الحكم، وقبل: القطع أو حدث له عسر؛ فعمدة من جمع بين الأمرين أنه اجتمع في السَّرقة حَقَّان: حق الله، وحق الآدمي، فإن اقتضى كل ذي حق موجبه ومقتضاه.
وأيضًا، فإنهم لما أجمعوا على أنه يأخذ عين شيئه إذا وجده بعينه لزم إذا لم يوجد بعينه عنده أن يكون في ضمانه قياسًا على سائر الأموال الواجبة.
وعمدة أبي حنيفة، ومن وافقه حديث عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ قال: "لا يغرم السارق إذا أقيم عليه الحد" (١) وهذا الحديث خرَّجه النسائي، وفيه ضعف عند أهل الحديث.
قال أبو عمر: لأنه عندهم مقطوع.
وأبو حنيفة أيضًا يقول: إن اجتماع حقين في حق واحد مخالف للأصول.
ويقولون: إن القطع هو بدل من الغرم؛ ومن هاهنا يرون أنه إذا سرق شيئًا ما يقطع فيه، ثم سرقه ثانية أنه لا يقطع.
وأما تفرقة مالك، فاستحسان على غير قياس.
وأما الوجه الثاني: إذا كان الشيء المسروق قائمًا، إما بيده، وأما بيد مشتريه منه، فلا يخلو من أن يدخله التغيير أو لا يدخله.
فإن لم يتغير، فإنه يأخذه، فإن فات بيد مشتريه منه، فلا يخلو من أن يفوت بسببه أو بسبب سماوي.
стр. 4043
فإن فات بسببه، فإنه يغرم قيمته، ويرجع على السارق كثوب لبسه، أو أحرقه، أو طعام أكله.
فإن كان تلفه بسبب سماوي، فلا ضمان عليه.
وهذا كله قوله في كتاب السرقة.
فإن تغير في يد السارق مثل أن يكون ثوبًا، فصبغه أو خشبة فعمل منها بابًا أو حنطة، فطحنها ولتَّهَا سويقًا، أو نقرة فضة فصاغها حُلِيًا أو نحاسًا، فجعله قمقمًا أو ما أشبه ذلك، ولا مال له غير ذلك.
أما إذا صبغه أو جعله طهارة لجبته.
فإن جعله طهارة لجبته، أو قلانيس، فإن كان له مال كان ضامنًا لثوبه باختيار صاحب الثوب.
فإن لم يكن له مال كان صاحبه مخيرًا بين أخذ عين شيئه، ويعتق الجبة، ويأخذه، وإن أدى ذلك إلى فساد الجبة، أو تباع الجبة، ويكون شريكًا في قيمتها بقيمة ثوبه يوم سرقته.
فإن كانت قيمة الجبة مثل قيمة الثوب فأقل، كان ذلك لرب الثوب، ولا شيء فيه للسارق ولا عليه في النقص.
وأما الثوب إذا صبغه السارق، هل يكون فوتًا أو لا يكون فوتًا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يكون فوتًا، ولا سبيل لربه إلى أخذه، وإنما له قيمته يوم سرقه إن كان له مال، وإن لم يكن له مال بيع الثوب، ويأخذ قيمة ثمنه من قيمته.
والثاني: أنه لا يكون فوتًا، ولربه أخذه، ولا شيء عليه من قيمة الصبغ كالجَصِّ في الدَّار، والخياطة في الثوب.
стр. 4044
والثالث: أنه يكون شريكًا بقيمة الصبغ من قيمة الثوب أو بزيادة الصبغ على أحد القولين.
وهل يكون الخيار في ذلك لصاحب الثوب بين أن يضمنه قيمة الثوب أو يكون معه شريكًا على القول بالشركة أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه مخير.
والثاني: أنه لا خيار له عليه، والشركة بينهما حكمية، ولا يجبر واحد منهما على بيع ماله في الثوب لصاحبه.
والقولان متأولان على "الكتاب".
والأقوال الثلاثة نص عليها أبو إسحاق التونسي، والقولان منهما في "الكتاب" على اختلاف الروايات فيها؛ لأنها وقع في بعضها أن صاحب الثوب مخير إن شاء أعطى السارق قيمة صبغه، ويأخذ ثوبه، وإن أبى بيع الثوب، وأعطى منه قيمته يوم السرقة، وعلى هذه الرواية اختصر أكثر المختصرين، وفي رواية ابن المرابط، وبعض الروايات قال: أرى أن يباع الثوب، ويعطي من قيمته لرب الثوب قيمته، ولم يجعل له الخيار.
وفي "كتاب ابن عتاب": إن قال رب الثوب: أنا آخذ ثوبي، وأدفع إليه قيمه صبغه، قال: ليس ذلك له، فيعطي قيمة ثوبه على ما وصفت لك، ولا يكون بالخيار.
وأما السويق إذا سرق حنطة، فطحنها سويقًا ولَتَّهُ بسمن، فقد قال في "الكتاب": إذا قال رب الحنطة: أنا آخذ هذا السَّويق بلتاته، فقال: هو ما وصفت لك -يريد في الثوب- يباع السَّويق، ويعطي له حنطة مثل حنطته تشتري له من ثمن السَّويق.
وإنما منعه من أخذ السَّويق المطحون من حنطته؛ لأن عين شيئه قد تغير
стр. 4045
وحول وسمي باسم آخر؛ فأشبه ما لو فات عينه كما لو سَرَقَ خشبة فعمل منها بابًا، فإنه يأخذ قيمة خشبته، ولا يأخذ ما عمل منها إلا برضا السَّارق.
وأما الفضة إذا سرق نقرة فصاغها حليًا أو ضربها دراهم ثم أخذ ولا مال له غيرها، فقطع فقال ابن القاسم في "الكتاب": لا شيء له إلا وزن فضته؛ لأني إن أجزت له أخذ ما صيغ منها بلا شيء كنت قد ظلمت السارق في عمله، وإن قلت للمسروق [منه] (١) أعطه عمله كانت فضة بفضة، وزيادة، فهذا ربا.
وما قاله صحيح لازم؛ لأن استفصال أجرة العمل زيادة في أخذ الفضتين، وذلك عندنا ممنوع [إلا] (٢) في وجه واحد؛ فإن المذهب اختلف فيه إذا جاء تاجر إلى أهل دار الضرب بفضة، وراطلهم بها بمسكوك يزيد لهم عمل أيديهم، وقد بينا ذلك في "كتاب الصرف".
وأما النحاس فقد أجاب فيه بالكتاب بمثل جوابه في الفضة، وذلك غير مستقيم؛ إذ لا ربا في ذلك، والتفاضل في النحاس إذا تبين التفاضل، ولا أدري لأي معنى منع المسروق منه أن يدفع عمل اليد، ويأخذ متاعه اللهم إلا أن يرى أن ذلك بغير عين شيئه حتى يكتسب اسمًا آخر، فوجب أن يأخذ مثل شيئه؛ لأنه من ذوات المثل. تم كتاب القطع في السرقة، والحمد لله وحده.
стр. 4046
كتاب المحاربين
стр. 4047
كتاب المُحَارِبين
تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها مسألة واحدة في حَدِّ الحرابة، وتفصيل أحكام المحاربين.
فَحَدُّ الحِرَابة إشهار السِّلاح، وقطع السُّبل خارج المِصْر.
واختلفوا فيمن حارب المصر، هل يعطى له حكم المحارب أم لا؟ على مذهبين:
أحدهما: أن له حكم المحارب كمن حارب خارج المصر، وهو مذهب مالك.
والثاني: أنه لا يكون محاربًا حتى يكون خارج المصر، وهو الذي يقتضيه مذهب الشافعي؛ لأنه اشترط في الحِرَابة الشركة؛ ومعناها عنده قوة المغالبة؛ ولذلك اشترط البُعد عن العمران؛ [لأن المغالبة إنما تتأتى بالبعد عن العمران] (١) فإذا ثبت ذلك، فالحرابة على وجهين: حرابة على الفسق، والخلوع، وحرابة على التأويل.
والجواب عن الوجه الأول: في الحِرابة فسقًا وخلوعًا؛ وهو الخارج عاصيًا [للسلطان] (٢) قاطعًا للطريق مخوفًا للسبيل، فلا يخلو من أن يكون لهم مادة، وقوة، وسطوة، أو لم تكن لهم مادة.
فإن كانت لهم مادة، وقوة، وسطوة، وسعوا في الأرض فسادًا بأخذ المال، وسبي الحريم، وهتك الحرمات، فيجب على المسلمين جهادهم، وهو قول مالك في آخر "كتاب المحاربين"، قال: وجهاد المحاربين
стр. 4048
جهاد.
فإن لم يكن لهم مادة، وسطوة، وقوة، وإنما هم نفر نصبوا على الطريق، وأخافوا السبيل، فإذا قدر عليهم الإِمام قبل التوبة، فإنه يستعمل فيهم ما أنزل الله في آيات المحاربين: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (١) الآية، فهذه العقوبات التي أمر الله تعالى الإِمام بإقامتها على المحاربين غير أن العلماء اختلفوا فيها، هل هي على الترتيب أو على التخيير؟
فمذهب الشافعي، وأبو حنيفة أنها على الترتيب مُرَتَّبة على الجنايات المعلوم من الشرع ترتيبها؛ فلا يقتل من المحاربين إلا من قتل، ولا يقطع إلا من أخذ المال، ولا ينفى إلا من لم يأخذ المال؛ فهكذا عرفت هذه العقوبات في الشرع أن من قتل يقتل، ومن سرق يقطع.
وذهب آخرون إلى أن الإِمام مخير فيهم على الإطلاق، وسواء قتل أو لم يقتل أخذ المال أم لم يأخذه، وهو مذهب أبي مصعب الزهري من أصحاب مالك.
وذهب مالك ﵀ إلى أن الآية على التخيير، وهو راجع إلى اجتهاد الإِمام، فقال: إن قتل فلابد من قتله، وليس للإمام في ذلك تخيير لا في قطعه، ولا في نفيه، وإنما التخيير في قتله أو صلبه [على ما يأتى بيانه، وأما إن أخذ المال، ولم يقتل فلا يخير في نفيه. وإنما التخيير في قتله، أو صلبه، أو قطعه من خلاف. وأما إذا خاف السبيل وقطعه.
فالإمام عنده مخير في قتله أو صلبه] (٢) أو نفيه. ومعنى التخيير عنده أن
стр. 4049
الأمر راجع [في ذلك] (١) إلى اجتهاد الإِمام؛ فإن كان المحارب ممن له الرأي والتدبير، فوجه الاجتهاد قتله، أو صلبه؛ لأن القطع لا يرفع ضرره، وإن كان لا رأي له، ولكنه ذو قوة، وبطش، وبأس شديد قطعه من خلاف، وإن كان ليس فيه شيء من هاتين الصفتين أخذنا بأيسر ذلك فيه وهو الضرب والنفي.
وسبب الخلاف: هل حرف -أو- في الآية للتخيير أو للتفصيل على حسب جناياتهم.
ومالك حمل البعض من المحاربين علي التفصيل، والبعض على التخيير.
واختلف تأويل الأشياخ على مذهب "الكتاب" إذا طالت [إضافته] (٢) وعظم شره، واشتهر أمره، ولم يقتل؛ فأكثرهم يرون أن الإِمام فيه مخير بما شاء، لكن لا يستحبون له النفي، ويجري الاستحباب في تفصيل صفاته كالتي قبله إذا أخاف السبيل، وأخذ المال، وإن لم تطل إقامته على ذلك. وهذا ظاهر لفظه في قوله: لا يخير الإِمام إذا قتل، وأخذ المال وأرى أن يقتل إذا أخذ، وإن لم يقتل؛ لأن الله ﵎ يقول في كتابه: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (٣)، فإذا أخذ المال، فهو من الفساد في الأرض، وإنما يجتهد الإِمام في الذي يخيف، ولا يقتل، ولا يأخذ [المال] (٤).
وتأول بعض الأندلسيين أن حكم هذا حكم الذي قتل لا تخيير للإمام
стр. 4050
فيه، ولابد من قتله؛ واستدلوا بقوله: وأما من أخاف، ونصب نصبًا شديدًا، فهذا لا تخيير فيه، ويقتله الإِمام، ولم يكن هذا الكلام في رواية الدَّبَّاغ وهو في "كتاب محمَّد": إذا طال زمانه، واشتدت محاربته، وأخذ المال قتل، وإن لم يقتل.
وتأول الأولون ما في "الكتاب" أن له قتله لا أن ليس له تخيير في سواه. وهذا هو الصحيح.
وحكى القاضي أبو الحسن الماوردي عن مالك في المسألة خلاف مذهبه، وأن العقوبات عنده -فيما حكى عنه- على الترتيب لا على التخيير بحسب اختلاف صفاته؛ فيقتله بكل حال إذا كان ذا رأي وتدبير، ولا يقطعه من خلاف، وإن كان ذا بطش وقوة، وإن كان بخلاف ذلك عزره وحبسه.
فجعل ما استحسن مالك من إباحة التخيير مستحقًا مرتبًا، ولا يقوله مالك، ولا أصحابه.
واختلف في معنى قوله: "أو يصلبوا" على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يصلب حتى يموت جوعًا.
والثاني: أنه يقتل أولًا، ثم يصلب، وهو قول أشهب.
والثالث: أنه يصلب حيًا ثم يقتل في الخشبة، وهو قول [ابن القاسم و] (١) ابن الماجشون.
وعلى القول بأنه يقتل أولًا، ثم يصلب صلى عليه قبل الصلب.
ومن رأى أنه يقتل على الخشبة، فهل يصلى عليه أم لا يصلى عليه؟ إذا قيل: إنه يصلي عليه، فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يصلى عليه، ويترك على خشبته حتى تأكله السباع،
стр. 4051
والكلاب، ولا يترك أحد من أهله، ولا من غيرهم أن ينزله ليدفنه أو يصلى عليه، وهو قول عبد الملك بن الماجشون في "الواضحة".
والثاني: أنه يصلى عليه، وهو مصلوب، ويصف خلف الخشبة، وهو قول ابن الماجشون في "ثمانية أبي زيد" أيضًا.
والثالث: أنه ينزل عن الخشبة، ويصلى عليه، وهو قول سحنون.
وهل يعاد إلى الخشبة بعد الصلاة عليه أم لا؟ فلسحنون في ذلك قولان.
واختلف أيضًا في قوله تعالى: ﴿أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ (١)، على ستة أقوال:
أحدها: أن النفي هو السجن.
والثاني: أن النفي هو أن ما ينفى من بلد إلى بلد يسجن فيه إلى أن تظهر توبته. وهو قول ابن القاسم عن مالك، ويكون بين أقل ما تقصر فيه الصلاة، والقولان لمالك.
والثالث: أن النفي هو فرار المحاربين من الإِمام إذا طلبهم لإقامة الحد عليهم، فأمَّا أن ينفي بعد أن يقدر عليهم فلا، وهو قول ابن الماجشون. والأقوال الثلاثة مذهبية.
والرابع: أن النفي غير مقصود، ولكن إن هربوا شردناهم في البلاد بالامتناع.
والخامس: أن النفي عقوبة مقصودة، وينفي ويسجن، ولا ينفي دائمًا، والقولان للشافعي.
والسادس: أن ينفوا من أرض الإِسلام إلى أرض الحرب.
стр. 4052
والذي يظهر من الآية أن النفي هو تعريتهم عن وطنهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ (١) الآية؛ فسوى بين النفي والقتل، وهي عقوبة معروفة بالعادة من العقوبات كالضرب، والقتل، وكل ما يقال فيها سوى ما ظهر من الآية، فليس معروفًا بالعادة، ولا بالعرف.
فالجواب عن الوجه الثاني: إذا حاربوا على التأويل؛ مثل أن يحاربهم الإِمام، فإنه إذا قدر على أحد منهم لم يقتله إلا إذا كانت الحرب قائمة على ساقها؛ فإن مالكًا قال: للإمام أن يقتله إن رأى ذلك لما يخاف من عونه لأصحابه على المسلمين.
وأما إذا أُسر بعد أن وضعت الحرب أوزارها، فإن حكمه حكم البدْعي الذي لا يَدْعو إلى بدعته؛ فإنه يُسْتَتَاب، فإن تاب خلي سبيله، فإن أَبَى هل يقتل أو يؤدب؟ قولان:
أحدهما: أنه يقتل إن أبى من التوبة، وهو قول مطرف، وابن عبد الحكم.
والثاني: أنه يؤدب ولا يقتل، وهو قول ابن الماجشون، وسحنون.
وسبب الخلاف: أهل البدع، هل يكفرون بمآل قولهم أم لا؟
ومعنى الكفر بالمآل أنهم لا يصرحون بقول هو كفر، ولكن يصرحون بأقوال يلزم عنها الكفر، وهم لا يعتقدون ذلك اللزوم.
وأما ما لا يلزم هؤلاء من الأحكام عند التوبة إذا ظفر بهم أو إذا تابوا، فإنهم لا يقام عليهم حد الحرابة، ولا يؤخذ منهم ما أخذوا من المال إلا أن يوجد بأيديهم شيء، فيرد إلى ربه، وإنما اختلفوا هل يقتل قصاصًا بمن
стр. 4053
قتل أم لا على قولين:
أحدهما: أنه يقتل، وهو قول عطاء، وأصبغ من أهل المذهب.
والثاني: أنه لا يقتل بمن قتل، ولا يقاد منه، وهو قول مطرف، وابن الماجشون عن مالك، ومثله في الأثر من آخر "كتاب الجهاد" من "المدونة" من قول ابن شهاب: هاجت الفتنة الأولى، فأدركت رجالًا من أصحاب رسول الله ﷺ فرأى جماعة من البدريين أن يهدم أمر الفتنة، فلا يقام على أحد قصاص في تأويل القرآن.
فرع ملحق بهذا الموضع
وهو المحارب إذا امتنع فأمنه الإِمام على أن ينزل، هل له الأمان أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن له الأمان، ويسقط عنه حد الحرابة.
والثاني: أنه لا أمان له؛ لأنه إنما يؤمن المشرك على أن يؤدي الجزية، ويكون على الذِّمة، وتأمين المحارب إنما هو على أن يعطل إقامة الحد فيه، وذلك مما لا يصح، وهو قول ابن الماجشون.
تم كتاب المحاربين بحمد الله وحسن عونه.
стр. 4054
كتاب الرجم
стр. 4055
كتاب الرَّجم
تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها ثلاث مسائل:
المسألة الأولى في تقاسيم الحَدّ في الزنا
والحَدُّ في الزِّنا ينقسم على قسمين: جَلْد، وَرَجْم.
فأما الجَلْد: فإنه ينقسم على قسمين: ناقص، وكامل.
فالناقص حَدُّ الأرِقَاء في الزنا، فإذا زنا العبد، أو الأمة، فحدهما خمسون جَلْدَة سواء زنا العبد بحرة، أو أمة، فلا خلاف في ذلك بين أهل العلم إلا ما يحكى عن الأوزاعي أن العبد إذا زنا بحرة رُجِم، وإذا زنا بأمة جلد.
وهذا فاسد؛ لأن الزاني لا يختلف حده إلا باختلاف أحواله في نفسه لا باختلاف المزني بها؛ والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (١)، يريد: المحصنات بالحرية لا بالنكاح؛ لأن المحصنات بالنكاح حدهن الرجم، ولا تتأتى فيه القسمة، والعبد في معنى الأمة؛ لأنه قياس في معنى الأصل، ولا تغريب عليهم؛ فالكامل حد الأحرار الأبكار البالغين جلد مائة، وتغريب عام؛ لقوله ﷺ : "البكر بالبكر وتغريب عام" (٢) إلا أن التغريب مختص بالذّكران من الأحرار دون النساء والعبيد، ويُغرَّبُ الحُر سنة، ويسجن في الموضع الذي غُرِّب فيه، ولا يُغَرَّب العبد؛ لأنه لا وطن له؛ لأن المقصود من التغريب ما يدرك
стр. 4056
المغرَّب من الوحشة لمفارقة الوطن ومباعدته عن الأهل، والقرابة؛ فيكون ذلك عقوبة [عليه] (١)، والعبد لا قرار له، ولا وطن، ولا عنده عشيرة تدركه الوحشة بمفارقتها، وهو كل زمان يتحول من يد إلى يد، وينتقل من عمرو إلى زيد بالبيع وغيره [ومن هذا] (٢) عادته، فأيّ غربة تلحقه.
وأما النساء إنما لم يغربن لمعنيين اثنين:
أحدهما: الأثر.
والآخر: النظر.
فأمَّا الأثر فقوله ﷺ : "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم منها" (٣).
وأما النظر: فإن تغريبها إشلاء لها على ما حُدت لأجله من ارتكاب الفواحش، والإعلان بالزنا؛ لأنها إذا كانت بين أهلها ربما تنزجر وترتدع مخافة العار، وتكرار الحد عليها مرة أخرى، وإذا كانت غائبة عن وطنها، فربما يكون ذلك معينًا على التناهي في الفجور.
وأمَّا الرجم [فهو] (٤) حد من كمل إحصانه، وتوفرت أوصافه إذا كان مسلمًا حرًا بالغًا عاقلًا محصنًا بنكاح صحت عقدته، وصح الوطء فيه، فإذا تكاملت فيه هذه الأوصاف وزنا بآدمية، توطأ مثلها، لا شبهة له في ملكها، حية، ليست بحربية في بلد الحرب، طائعًا غير مكره، عالمًا بحرام ذلك: فإنه يرجم قولًا واحدًا، ويجلد إن كان بالغًا عاقلًا غير محصن قولًا واحدًا.
стр. 4057
وقولنا: بآدمية؛ احترازًا من أن يزني ببهيمة من البهائم؛ فإنه لا حد عليه في ذلك إلا ما وقع في "كتاب ابن شعبان" من الحد واجب عليه في ذلك، وهو بعيد.
وقولنا: ليست بحربية في بلاد الحرب؛ لأن أشهب يقول: من زنا بحربية في بلاد الحرب، فلا حد عليه.
وقولنا: لا شبهة له في ملكها؛ احترازًا من أن يزني بأمة ولده أو بأمة له فيها شرك فلا حد عليه.
وقولنا: وأن تكون حية؛ لأن ابن شعبان يقول: من زنا بميتة فلا حد عليه، وهو قول ابن عبد الحكم فيما حكاه ابن حارث.
وقولنا: توطأ مثلها؛ احترازًا من الصغيرة التي لا توطأ مثلها؛ فقد روى عن مالك: أنه لا حد على من زنا بها.
وقولنا: طائعًا غير مكره؛ احترازًا من المكره على الزنا؛ لأنه قد اختلف فيه على قولين:
أحدهما: أنه لا حد عليه؛ لأن الإكراه يرفع الحرج عمن أكره فيما بينه وبين الله تعالى؛ فإن كانت المرأة هي التي أكرهته أن يزني بها ارتفع الحرج عنه في الزنا بها جملة، وإن كان غيرها هو المكره له على الزنا بها لم يكن عليه إثم إلا من قبلها، ووجب عليه الأدب من أجل ذلك كما وجب على الذي أكرهه على ذلك.
والثاني: أنه يحد؛ لأن وجود الإنعاظ، والإيلاج من اختياره وإيثاره، وذلك ينافي الإكراه؛ لأن المكره يكون خائفًا منقبضًا منزويًا، ولا يوجد معه الانبساط، والإنعاظ.
وقولنا: عالمًا بحرام ذلك؛ لأن أصبغ -من أصحابنا- يرى الجهل
стр. 4058
بتحريم الزنا شبهة تسقط الحد، وروى ذلك عن عمر بن الخطاب ﵁ وجماعة من السلف، وهو الصواب إن شاء الله إذا صحت الجهالة، والحمد لله وحده.
стр. 4059
المسألة الثانية في معرفة ما يجب به الحَد على الزاني
ولا يُحَدُّ الزَّاني إلا باعتراف، أو حمل يظهر، أو بأربعة شهود عُدول يشهدون على معاينة الفِعْل كالمِرْوَد في المِكْحَلَة.
فأما وجوب الحد بالاعتراف فلا خلاف فيه إذا كان المعترف به على نفسه بالغًا عاقلًا آمنًا؛ والأصل في ذلك كتاب الله وسنة نبيه ﵇؛ فأمَّا الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلَّا عَلَيْهَا﴾ (١)، وإقرار الرجل على نفسه كسب عليها؛ فوجب أن يلزمه، ويؤخذ به.
وأما السنة: فرجم رسول الله ﷺ ماعزًا بإقراره على نفسه، وغير ذلك مما لا يحصى كثرة من الأحاديث.
والاعتبار في إقراره مرة واحدة لا أربعة، وبه قال الشافعي، ومالك ﵄ خلافًا للنخعي، فإن رجع عن إقراره بالزنا، هل يقال أو لا يقال؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه يُقَالُ جملة، وإن جحد الإقرار أصلًا.
والثاني: أنه يُقَالُ إن رجع إلى شبهة، وإن رجع إلى غير شبهة، فلا يُقَال، وهو قول عبد الملك. والقولان لمالك في "الكتاب".
فأمَّا وجود الحد بظهور الحمل ممن لم يعلم لها في الظاهر زوج، فلا خلاف في إقامة الحد عليها على مذهب مالك، خلافًا للشافعي وأبي حنيفة إلَّا أن يكون لها بينة على أنها تزوجت أو استكرهت؛ لأن ظهور الحمل لا
стр. 4060
يكون إلا من وطء.
فإذا لم يثبت نكاحها أو استكراهها، فإنه من الزنا، وإن كان يجوز أن تؤتى وهي نائمة فتستمر حاملًا، إلا أنه يسلم الأمر فيها على الغالب.
وأمَّا وجوب حد الزنا بالبينة فلا خلاف بين أحد من أهل العلم أن الحد لا يقام بأقل من أربعة شهداء رجال عدول على معاينة الفعل كالمرود في المكحلة؛ والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ (١)، وقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ (٢) الآية.
واختلف في تخصيص الشهادة بالزنا بأربعة شهداء من سائر الأشياء على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن القاذف لا ضرورة به إلى القذف، فغلظ عليه في ذلك بزيادة عدد الشهود ليتعذر عليه غالبًا فيحد؛ فيكون ذلك ردعًا له عن معاودة القذف ودفعًا للمضرة عن [المقذوف] (٣).
والثاني: أن الإنسان مأمور بالستر على نفسه، وعلى غيره فلما لم يكن على الشهود بالزنا القيام بشهادتهم، فقاموا بها من غير أن يجب عليهم، وتركوا ما أمر به من الستر غلظ عليهم في ذلك سترًا من الله على عباده، وهذا أحسن ما قيل في هذا.
والثالث: أنه إنما احتيج في الزنا إلى أربعة شهداء؛ لأنه بمنزلة فعلين؛ لأن الزنا منه ومنها؛ منه الفعل، ومنها التمكين؛ فاحتاج كل فعل إلى شاهدين.
стр. 4061
فإنا شهد على الزنا أقل من أربعة شهود فلا يخلو من أن يشهدوا على معاينة الزنا، أو شهدوا على شهادة غيرهم.
[فإن شهدوا على معاينة الزنا حدوا؛ لأنهم قذفه، ولم يعذروا بأنهم جاؤوا على وجه الشهادة لا على وجه القذف، ولا خلاف في ذلك.
فإن شهدوا على شهادة غيرهم] (١)؛ مثل أن يشهدوا أقل من أربعة على شهادة أربعة بمعاينة الزنا، فهل يحدون أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنهم يحدون، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: التفصيل بين أن يقول النقلة: هو زان أشهدنا فلان وفلان: حد النقلة، وإن قالوا: أشهدنا فلان وفلان أنه زان لم يحدوا. وهو قول ابن المواز، فكأنه فهم إذا ابتدؤوا بقولهم هو زان أشهدنا فلان صاروا قذفة له، وكأنهم صدقوا البينة، وإذا قالوا: أشهدنا فلان وفلان بأنه زان، فقد أخبروا عن قول أولئك، ولم يحققوا ذلك.
ويجب عنده الحد على الشهود على شهادتهم إن كانوا أقل من أربعة؛ لأن هذين شهداء عليهم بقذف رجل، والحمد لله وحده.
стр. 4062
المسألة الثالثة إذا رجع بعض شهود الزنا أو وجد أحدهم عبدًا أو مسخوطًا
فإذا رجع [وبعض شهود الزنا] (١) فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يرجع قبل الحكم بشهادتهم.
والثاني: أن يرجع بعد الحكم بها.
فأمَّا الوجه الأول: إذا رجع أحدهم قبل الحكم بشهادتهم، فلا يخلو عدد الشهود من أن يكون أربعة أو أكثر.
فإن كان عددهم أربعة فرجع واحد منهم، فإنهم يُحَدُّون جميعًا؛ لأنهم صاروا قذفة، وعدد من بقي على الشهادة دون النصاب، فإنهم يحدون جميعًا؛ لأنهم قذفة، وإن كان بعد الحكم بها.
وإن كانوا أكثر من أربعة؛ مثل يكون عددهم خمسة أو ستة، فإن كانوا خمسة فرجع واحد منهم فلا خلاف في الأربعة الباقين على الشهادة أنهم لا يحدون، واختلف في الراجع الخامس، هل يحد أم لا؟ على قولين:
أحدهما: إنه لا يحد الراجع؛ لأن الحد قد وجب على المقذوف بشهادة أربعة، وهو ظاهر "المدونة".
والثاني: إنه يُحَد، وهو قول ابن القاسم في "كتاب محمَّد". ووجهه أن وجوب الحد عليه؛ لأنه يقول: إني والأربعة تعمدنا شهادة
стр. 4063
الزور، وأما إن قال: أنا وحدي تعمدت الزور، ولا أدري ما فعلوا، فلا حد عليه؛ لأنه يقول: قد ثبت أربعة على أنه زنا؛ فقذفي إياه لا يوجب عليّ حدًا ولا غيره.
وكذلك إن كانوا ستة، فرجع واحد أو اثنان.
وأما الوجه الثاني: إذا رجع أحدهم بعد الحكم بشهادتهم، فإنه يحد الراجع وحده، وهل يغرم الدِّية كاملة أو ربعها إن كانت شهادتهم على محصن أم لا؟
فالمذهب يتخرج على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه يغرم [ربع] (١) الدية خاصة، وهو ظاهر قوله في "كتاب الرجم".
والثاني: أنه يغرم جميع الدِّية. وهو ظاهر قوله في "كتاب القطع في السرقة"؛ لأنه معاون لبقية الشهود على قتله؛ كالسارق إذا وجد أحدهم، وقد تعاونوا على سرقة أن من وجد منهم يغرم جميع قيمتها، ولولا شهادته هو معهم ما رجم؛ فصار معينًا على قتله.
وأما الوجه الثاني من أهل التقسيم: إذا وجد أحدهم عبدًا أو مسخوطًا، فلا يخلو من أن يكون ذلك قبل الحكم بشهادتهم أو بعد الحكم به.
فإن كان قبل الحكم بها، فإنهم يحدون جميعًا؛ لأنهم قذفة.
وإن كان بعد الحكم بها؛ مثل أن يشهدوا على محصن فرجم بشهادتهم فلا يخلو من أن يعلموا بذلك، أو لا يعلموا.
فإن علم بقية الشهود أنه عبد أو مسخوط، فإنهم يحدون، وتكون الدية عليهم في أموالهم، وهو قول مالك في "الكتاب".
стр. 4064
فإن لم يعلموا بذلك، فالدية على عاقلة الإِمام. وهل يحدون أم لا؟
فلا يخلو من أن يوجد أحدهم عبدًا أو مسخوطًا.
فإن وجد أحدهم عبدًا حُدُّوا جميعًا، وحد العبد أربعين؛ لأن نصاب الشهادة لم يتم، وشهادة العبد لا تجوز في شيء من الأشياء، وصار ذلك خطأ من السلطان.
فإن وجد مسخوطًا فلا حد على واحد منهم؛ لأن الشهادة قد تمت باجتهاد الإِمام في تعديله وتزكيته؛ فلا حد على المسخوط، ولا على غيره من الشهود. وهذا نص قوله في كتاب الرجم من المدونة.
وعلى القول بأن الدية عليهم إن علموا بالعبد. فهل يغرم العبد معهم أم لا؟
فإنه يتخرج على قولين:
أحدهما: أنه لا شيء على العبد، وهو نص قوله في "المدونة".
والثاني: أن العبد يغرم معهم؛ لأنه جانٍ على هذا المرجوم إذا علم أن شهادته لا تجوز؛ فكان يجب أن تكون رقبته مرتهنة في ربع الدِّية يسلم بها، أو يفديه سيده.
ويلزم أيضًا إذا لم يعلموا بالعبد أن يشاركوا الإِمام في غرم الدية؛ لأنهم هم حملوه على الأمر بالرجم، ولولا هم ما قدر الإِمام على الأمر برجمه، وإنما كان يجب أن يكون ذلك على الذين وُلُّوا على الرجم؛ لأن الإِمام أمر بالرجم كالشهود لم يتولوا الرجم بيده، فإذا جاز أن تصرف الدية عن الشهود لما لم يَلُوا ذلك بأيديهم، وإنما ألزموا الإِمام فعله جاز أن يصرف ذلك عن الإِمام؛ لأنه لم يلِ بيده شيئًا، وإنما أمر كما أمر الشهود.
стр. 4065
ولو شهد عليه الشهود بالزنا، فرجمه الإِمام ثم وجد مجبوبًا، فقال مالك في "الكتاب": لا حد عليهم؛ لأن من قال للمجبوب: يا زاني لم يحد؛ لأنه ليس له متاع الزنا، وعليهم الأدب الوجيع، والسجن الطويل، ولا يقصر في عقوبتهم، فهذا نص قوله في "الكتاب".
وهل تكون الدية في أموالهم أو على العاقلة؟ قولان:
أحدهما: أنها في أموالهم، وهو نص قول ابن القاسم في الكتاب.
والثاني: أنها على العاقلة، وهو قوله في "كتاب محمَّد".
وهذا كله إذا كان مجبوبًا في حين رأوه.
وأما إن قالوا زنا قبل أن يحد فشهادتهم جائزة ويرجم. وهو تأويل الشيخ أبي إسحاق التونسي.
واختلف إذا شهد أربعة على الزنا، وشاهدان على أنه محصن فرجم بمجموع شهادتهم الستة، ثم رجعوا كلهم على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الدية على من شهد بالزنا خاصة.
والثاني: أن الدية عليهم أسداسًا.
والثالث: أنها بينهم أنصافًا؛ على شهود الزنا نصفها، وعلى شاهدي الإحصان نصفها.
والأقوال الثلاثة حكاها الشيخ أبو إسحاق التونسي في المذهب.
تم "كتاب الرجم" بحمد الله، وحسن عونه، وصلى الله على نبينا محمَّد خيرة خلقه، وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم.