← Фикх малики

Фикх малики · id 123685

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

الرجراجي، علي بن سعيد

Полный текст (4 240 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.

стр. 4061

فإنا شهد على الزنا أقل من أربعة شهود فلا يخلو من أن يشهدوا على معاينة الزنا، أو شهدوا على شهادة غيرهم. [فإن شهدوا على معاينة الزنا حدوا؛ لأنهم قذفه، ولم يعذروا بأنهم جاؤوا على وجه الشهادة لا على وجه القذف، ولا خلاف في ذلك. فإن شهدوا على شهادة غيرهم] (١)؛ مثل أن يشهدوا أقل من أربعة على شهادة أربعة بمعاينة الزنا، فهل يحدون أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنهم يحدون، وهو قول ابن القاسم في "المدونة". والثاني: التفصيل بين أن يقول النقلة: هو زان أشهدنا فلان وفلان: حد النقلة، وإن قالوا: أشهدنا فلان وفلان أنه زان لم يحدوا. وهو قول ابن المواز، فكأنه فهم إذا ابتدؤوا بقولهم هو زان أشهدنا فلان صاروا قذفة له، وكأنهم صدقوا البينة، وإذا قالوا: أشهدنا فلان وفلان بأنه زان، فقد أخبروا عن قول أولئك، ولم يحققوا ذلك. ويجب عنده الحد على الشهود على شهادتهم إن كانوا أقل من أربعة؛ لأن هذين شهداء عليهم بقذف رجل، والحمد لله وحده.

стр. 4062

المسألة الثالثة إذا رجع بعض شهود الزنا أو وجد أحدهم عبدًا أو مسخوطًا فإذا رجع [وبعض شهود الزنا] (١) فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يرجع قبل الحكم بشهادتهم. والثاني: أن يرجع بعد الحكم بها. فأمَّا الوجه الأول: إذا رجع أحدهم قبل الحكم بشهادتهم، فلا يخلو عدد الشهود من أن يكون أربعة أو أكثر. فإن كان عددهم أربعة فرجع واحد منهم، فإنهم يُحَدُّون جميعًا؛ لأنهم صاروا قذفة، وعدد من بقي على الشهادة دون النصاب، فإنهم يحدون جميعًا؛ لأنهم قذفة، وإن كان بعد الحكم بها. وإن كانوا أكثر من أربعة؛ مثل يكون عددهم خمسة أو ستة، فإن كانوا خمسة فرجع واحد منهم فلا خلاف في الأربعة الباقين على الشهادة أنهم لا يحدون، واختلف في الراجع الخامس، هل يحد أم لا؟ على قولين: أحدهما: إنه لا يحد الراجع؛ لأن الحد قد وجب على المقذوف بشهادة أربعة، وهو ظاهر "المدونة". والثاني: إنه يُحَد، وهو قول ابن القاسم في "كتاب محمَّد". ووجهه أن وجوب الحد عليه؛ لأنه يقول: إني والأربعة تعمدنا شهادة

стр. 4063

الزور، وأما إن قال: أنا وحدي تعمدت الزور، ولا أدري ما فعلوا، فلا حد عليه؛ لأنه يقول: قد ثبت أربعة على أنه زنا؛ فقذفي إياه لا يوجب عليّ حدًا ولا غيره. وكذلك إن كانوا ستة، فرجع واحد أو اثنان. وأما الوجه الثاني: إذا رجع أحدهم بعد الحكم بشهادتهم، فإنه يحد الراجع وحده، وهل يغرم الدِّية كاملة أو ربعها إن كانت شهادتهم على محصن أم لا؟ فالمذهب يتخرج على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أنه يغرم [ربع] (١) الدية خاصة، وهو ظاهر قوله في "كتاب الرجم". والثاني: أنه يغرم جميع الدِّية. وهو ظاهر قوله في "كتاب القطع في السرقة"؛ لأنه معاون لبقية الشهود على قتله؛ كالسارق إذا وجد أحدهم، وقد تعاونوا على سرقة أن من وجد منهم يغرم جميع قيمتها، ولولا شهادته هو معهم ما رجم؛ فصار معينًا على قتله. وأما الوجه الثاني من أهل التقسيم: إذا وجد أحدهم عبدًا أو مسخوطًا، فلا يخلو من أن يكون ذلك قبل الحكم بشهادتهم أو بعد الحكم به. فإن كان قبل الحكم بها، فإنهم يحدون جميعًا؛ لأنهم قذفة. وإن كان بعد الحكم بها؛ مثل أن يشهدوا على محصن فرجم بشهادتهم فلا يخلو من أن يعلموا بذلك، أو لا يعلموا. فإن علم بقية الشهود أنه عبد أو مسخوط، فإنهم يحدون، وتكون الدية عليهم في أموالهم، وهو قول مالك في "الكتاب".

стр. 4064

فإن لم يعلموا بذلك، فالدية على عاقلة الإِمام. وهل يحدون أم لا؟ فلا يخلو من أن يوجد أحدهم عبدًا أو مسخوطًا. فإن وجد أحدهم عبدًا حُدُّوا جميعًا، وحد العبد أربعين؛ لأن نصاب الشهادة لم يتم، وشهادة العبد لا تجوز في شيء من الأشياء، وصار ذلك خطأ من السلطان. فإن وجد مسخوطًا فلا حد على واحد منهم؛ لأن الشهادة قد تمت باجتهاد الإِمام في تعديله وتزكيته؛ فلا حد على المسخوط، ولا على غيره من الشهود. وهذا نص قوله في كتاب الرجم من المدونة. وعلى القول بأن الدية عليهم إن علموا بالعبد. فهل يغرم العبد معهم أم لا؟ فإنه يتخرج على قولين: أحدهما: أنه لا شيء على العبد، وهو نص قوله في "المدونة". والثاني: أن العبد يغرم معهم؛ لأنه جانٍ على هذا المرجوم إذا علم أن شهادته لا تجوز؛ فكان يجب أن تكون رقبته مرتهنة في ربع الدِّية يسلم بها، أو يفديه سيده. ويلزم أيضًا إذا لم يعلموا بالعبد أن يشاركوا الإِمام في غرم الدية؛ لأنهم هم حملوه على الأمر بالرجم، ولولا هم ما قدر الإِمام على الأمر برجمه، وإنما كان يجب أن يكون ذلك على الذين وُلُّوا على الرجم؛ لأن الإِمام أمر بالرجم كالشهود لم يتولوا الرجم بيده، فإذا جاز أن تصرف الدية عن الشهود لما لم يَلُوا ذلك بأيديهم، وإنما ألزموا الإِمام فعله جاز أن يصرف ذلك عن الإِمام؛ لأنه لم يلِ بيده شيئًا، وإنما أمر كما أمر الشهود.

стр. 4065

ولو شهد عليه الشهود بالزنا، فرجمه الإِمام ثم وجد مجبوبًا، فقال مالك في "الكتاب": لا حد عليهم؛ لأن من قال للمجبوب: يا زاني لم يحد؛ لأنه ليس له متاع الزنا، وعليهم الأدب الوجيع، والسجن الطويل، ولا يقصر في عقوبتهم، فهذا نص قوله في "الكتاب". وهل تكون الدية في أموالهم أو على العاقلة؟ قولان: أحدهما: أنها في أموالهم، وهو نص قول ابن القاسم في الكتاب. والثاني: أنها على العاقلة، وهو قوله في "كتاب محمَّد". وهذا كله إذا كان مجبوبًا في حين رأوه. وأما إن قالوا زنا قبل أن يحد فشهادتهم جائزة ويرجم. وهو تأويل الشيخ أبي إسحاق التونسي. واختلف إذا شهد أربعة على الزنا، وشاهدان على أنه محصن فرجم بمجموع شهادتهم الستة، ثم رجعوا كلهم على ثلاثة أقوال: أحدها: أن الدية على من شهد بالزنا خاصة. والثاني: أن الدية عليهم أسداسًا. والثالث: أنها بينهم أنصافًا؛ على شهود الزنا نصفها، وعلى شاهدي الإحصان نصفها. والأقوال الثلاثة حكاها الشيخ أبو إسحاق التونسي في المذهب. تم "كتاب الرجم" بحمد الله، وحسن عونه، وصلى الله على نبينا محمَّد خيرة خلقه، وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم.

стр. 4066

كتاب القذف

стр. 4067

كتاب القذف تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها ست مسائل: المسألة الأولى فيمن وجد مع امرأة في بيت واحد والقذف: أصله الرمي إلى بعد؛ فكأنه رماه بما يبعد، ولا يصح. وقد سماه الله تعالى رميًا، فقال: ﴿وَالَذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ الآية (١). وقال النبي ﷺ : "من رمى مسلمًا بغير ما فيه" (٢) الحديث. فإذا ثبت ذلك، فلا يخلو من أن يدعيا الزوجية فيما بينهما أو لا. فإن لم يدعيا الزوجية فيما بينهما، ولا ملكًا، ولا شبهة نكاح، فإنهما يحدان قولًا واحدًا. وإن ادعيا النكاح بينهما، فلا يخلو من أن يكونا من أهل البلد أو يكونا طارئين. فإن كانا من أهل البلد، فلا تقبل دعواهما إلا ببينة. فإن أقاما بينة على النكاح، وإلا حدا، ولا إشكال في هذا الوجه. فإن كانا طارئين فلا يخلو من [أن] (٣) يتصادقا على أن بينهما نكاحًا، أو ادعاه أحدهما دون الآخر. فإن تصادقا على ثبوت النكاح بينهما، ولم يقم دليل على تكذيب دعواهما، فإنهما يصدقان قولًا واحدًا في المذهب، ولا يحد واحد منهما.

стр. 4068

فإن ادعاه أحدهما، ولم يصدقه صاحبه؛ فإن ادعته المرأة لم يقبل قولها إلا بتصديق الزوج قولًا واحدًا، وإن كذبها فإنها تحد، ولا يلحق [به الولد] (١)، وهذا إذا [اعترفت] (٢) بالوطء [وادعت] (٣) أنه زوجها، وهو قوله في "كتاب محمَّد". فإن اعترف بوطئها أو وجد يطأها، وهي تنكر أن تكون زوجته، فلا خلاف في حَدِّها. وهل يحد الزوج أم لا؟ فإن يتخرج على قولين: أحدهما: أنه يحد، وهو ظاهر "المدونة". والثاني: أنه لا يحد؛ لأنه أقر بوطء حلال، وكونها معه ممكنة له من الوطء شبهة تصديقه وتدرأ عنه الحد، وصارت كمدعية عليه حرامًا، وهو يدعي الحلال؛ فالقول قوله. وهذا إذا اعترف [والحمد لله وحده] (٤).

стр. 4069

المسألة الثانية فيمن وطأ وطئًا حرامًا بشبهة نكاح، هل يحد أم لا ؟ مثل من تزوج خامسة أو أخته من النَّسَب أو رضاعة وما أشبه ذلك. هل يعذر بالجهل إن ادعاه أو لا يعذر؟. ولا تخلو تلك المحرمة التي تزوجها من وجهين: أحدهما: أن تكون محرمة لعينها. والثاني: أن تكون محرمة لعلة. فإن كانت محرمة لعينها مثل أمه، أو أخته من النسب، والرضاع، فإن تزوجه عالمًا بالتحريم، ووطئها فإنه يحد قولًا واحدًا. فإن تزوجها وهو جاهل بالتحريم؛ فإنه يعذر [بالجهل] (١) ولا يُحَد. فإن كانت محرمة لمعنى فيها، فلا يخلو من أن يكون تحريمها متفق عليه، أو يكون تحريمًا مختلفًا فيه. فإن كان تحريمًا متفقًا عليه مثل نكاح الخامسة، ونكاح الأخت على الأخت، ونكاح المبتوتة [قبل] (٢) زوج إذا كان طلاقها مفترقًا ليس في كلمة واحدة، فإنه يعذر بالجهل قولًا واحدًا. وهل يحد في العمد أم لا يحد؟ قولان: أحدهما: أنه يحد، ولا يلحق به الولد. وهو قوله في "المدونة" في "كتاب القذف".

стр. 4070

والثاني: أنه لا يُحَد. وهو قوله في "كتاب ابن حبيب" فيمن تزوج أختًا على أخت عالمًا. وكذا يجب في الخامسة؛ لأن العلة الموجبة لتحريم الوطء هو الجمع، فإذا زال الجمع حل الوطء والخامسة لو طلق أحد الأربعة حل نكاحها ووطئها، فأشبه تحريم الأخت على الأخت سواء كانت الآخرة بالنسب أو بالرضاع. فإن كان تحريمها مختلفًا فيه كالنكاح في العدة، ونكاح المتعة، والجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، فإنه لا يحد، وإن كان عالمًا بالتحريم، والولد في ذلك لاحق، وهو نص قوله في "المدونة". وفرق في "كتاب ابن حبيب" بين مطلقها ثلاثًا في كلمة واحدة فتزوجها قبل زوج، وهو عالم بتحريم ذلك، وبين من قال لها: أنت طالق البتة ثم تزوجها بعد علمه بتحريم ذلك، فقال: إنه يحد إذا تزوجها بعد قوله ثلاثًا إذا لم يعذر بجهل، ولا يحد عنده إذا تزوجها بعد طلاق البتة؛ لقوة الاختلاف عنده في البتة أنها واحدة، فضعف الحد في ذلك، وقواه في الثلاثة بضعف القول [في أنها] (١) غير لازمة، وإن العلماء مجمعون على إلزامه الثلاث إلا من لا يعتبر خلافه. فرع ولو وطيء أمة رجل، فقامت عليه البينة بذلك، وادعى أنه اشتراها من سيدها: فلا يخلو السيد من أن يصدقه على ذلك أو يكذبه. فإن صدقه، فقولان قائمان من "المدونة": أحدهما: أنه لا يُحَد، وهو قول ابن القاسم؛ ودليله قول عمر -رضي

стр. 4071

الله عنه- في "الكتاب": أنه لما اعترفت له الزوجة أنها وهبتها له خلى سبيله. والثاني: أنه يُحَد، ولا ينفعه اعتراف سيد الأمة، وهو قول أشهب؛ لأن البينة شهدت بالوطء، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب السرقة" في السارق إذا ادعى أن السرقة مال له وصدقه المسروق منه حيث قال: إنه يقطع. فأما إن كَذَّبَه السّيد، وأنكر أن يكون قد باعها، فقال ابن القاسم في "الكتاب": يحلف السيد أني لم أبعها منك، ويحد الواطيء، فإن نكل حلف الواطيء. وهل يسقط عنه الحَد أم لا؟ على قولين: أحدهما: سقوط الحَدِ عنه، وهو قول ابن القاسم. والثاني: وجوبه عليه، وهو قول أشهب. وعلى القول بسقوط الحد، فإن الولد لاحق بالواطيء، وتكون أمه أم الولد له. ولو أقام شاهدًا واحدًا على الشراء ما لحق به الولد، ولو وجب عليه الحد؛ لأن الشاهد واليمين إنما يقضي به في الأموال دون الحدود، والحمد لله وحده.

стр. 4072

المسألة الثالثة في العفو في القذف والقيام به واختلف في القذف، هل تجوز فيه الشفاعة أم لا تجوز؟ ولا تخلو الشفاعة من أن تكون من المقذوف أو من غيره. فإن كانت من غيره، فلا أعرف في المذهب نص خلاف أنه لا تقبل. فإن كانت من المقذوف، فهل يجوز عفوه عن القاذف أم لا؟ فالمذهب على أربعة أقوال كلها قائمة من "المدونة": أحدها: أن العفو لا يجوز فيه جملة -بلغ الإِمام أم لا- وهو ظاهر رواية أشهب عن مالك في "العتبية"، وهو ظاهر "المدونة" من غير ما موضع منها قوله في "كتاب القذف" إذا ادعى المقذوف أن القاذف قذفه، وأقام بذلك بينة عند السلطان، ثم إن المقذوف قال للسلطان بعدما شهد شهوده أنهم شهدوا بزور حيث قال: هذا قد بلغ الإِمام، فلا ينظر في قوله؛ لأن الحد قد وجب، فهذا يريد إبطاله. وقال في موضع آخر في الكتاب المذكور: وإذا قذف رجل رجلًا عند الإِمام بمحضر العدول، والمقذوف غائب فإنه يقيم عليه الحد. فظاهر هذا كله أنه حق لله، فلا يجوز فيه العفو جملة. والثاني: أنه يجوز فيه العفو جملة -بلغ الإِمام أم لا- وهو ظاهر قوله في "كتاب السرقة"، و"كتاب الرجم" من "المدونة"؛ لأنه قال: يجوز العفو، وإن بلغ الإِمام [وسكت] (١).

стр. 4073

والثالث: أنه يجوز العفو ما لم يبلغ الإِمام؛ فإنه إذا بلغ الإِمام، فلا يجوز فيه العفو، وإن أراد سترًا، وهو ظاهر قوله في "الكتاب" في الذي زور بنيته بعد أن شهدوا له بالقذف عند السلطان حيث قال: لأنه حد قد بلغ الإِمام، وهو نص قوله في "كتاب الرجم" حيث قال: أجازه مالك مرة بعد بلوغ الإِمام، ثم رجع عنه. معناه أنه منع العفو بعد بلوغ الإِمام جملة -أراد سترًا أم لا. والرابع: التفصيل بين أن يريد سترًا أو لا يريد سترًا؛ فإن أراد سترًا على نفسه جاز عفوه، وإن بلغ الإِمام، وإن لم يرد سترًا فلا يجوز عفوه بعد بلوغ الإِمام. وهو نص قوله في "كتاب القذف" من "المدونة". ومعنى قوله: أراد سترًا مخافة أن يُشد على القاذف، ولم يعف عنه حقق ذلك عليه بإقامة البينة. وهذا أحد التآويل في ذلك. وسبب الخلاف: هل القذف حق لله أو حق للمقذوف؟ فمن رأى أنه حق لله منع العفو فيه -بلغ الإِمام أو لم يبلغه- ومن رأى أنه حق للمقذوف جوز العفو جملة. ومن جوز ما لم يبلغ الإِمام، أو جوز إذا أراد سترًا رأى أنه تعلق به حقان: حق الله تعالى، وحق المقذوف، ويترجح أيهما أقوى. وعلى هذا المعنى اختلف، هل يجوز للأجنبي القيام به أو لا يجوز؟ وكذلك إذا عفى عنه المقذوف ثم [قام] (١) به، هل يمكن من ذلك أم لا، على قولين: ابن القاسم منعه، وأشهب مكنه. وذلك يتخرج على الخلاف في حد القذف، هل هو حق لله تعالى أو حق للمقذوف؟ والحمد لله وحده.

стр. 4074

المسألة الرابعة في التعريض بالقذف، هل يوجب الحد كالتصريح به أو لا ؟ وقد قال مالك ﵁ لا يجب الحد إلا في قذف، أو نفي، أو تعريض بَيِّن. فالتصريح بالقذف لا خلاف في وجوب الحد فيه على ما قدمناه. وأمَّا التعريض به فكالتصريح به على منصوص المذهب؛ فلا أحفظ في المذهب نص رواية أنه خلاف التصريح إلا ما يستقرأ من "كتاب اللعان" من "المدونة" إذا قال: وجدت مع امرأتي رجلًا في لحاف واحد، أو قال: وجدتها عريانة مع عريان، فقال ابن القاسم: لا يلزمه اللعان. ومع أن هذا تعريض بين. وهذا ينحو إلى مذهب الشافعي الذي يقول: إن التعريض لا حَدَّ فيه. فعلى هذا التخريج يجري في التعريض قولان: أحدهما: ثبوت الحد. وهو نص "المدونة". والثاني: أنه لا حد فيه. وهو ظاهر قوله في "كتاب اللعان" من "المدونة". فإذا قلنا: إن التعريض يعد كالتصريح، فإذا قال لامرأته: زنيت وأنت مستكرهة، أو وأنت صبيه، أو زنيت وأنت نصرانية، أو أمة: فلا يخلو من أن تقوم له على ذلك بَيِّنة، أو لا تقوم له. فإن لم تقم له على ما يَدَّعِيه من زناهن على تلك الحالة بينة، فإنه

стр. 4075

يحد في الجميع، ويلاعن للزوجة. فإن قامت له على ذلك بَيِّنة، فإنه يتخرج على ثلاثة أقوال: أحدها: سقوط الحَدّ عنه في جميع ذلك، وهو قوله في المستكرهة في "المدونة"، وهو قول عبد الملك في النصرانية إذا قال لها: زنيت، وأنت نصرانية. والثاني: وجوب الحَدّ على القاذف في الجميع، وهو نص "المدونة" في الصبية والنصرانية؛ لأن اسم الزنا لا يقع على ما فعل قبل البلوغ في الصبية، وقبل الإِسلام في النصرانية؛ لأن الإِسلام قد هدم ما كان قبله؛ وهو قوله في "كتاب محمَّد" في المستكرهة أيضًا؛ لأن الاستكراه لا حرج عليها فيه؛ فأشبه زنا الصبية. والثالث: التفصيل بين المستكرهة وغيرها؛ فالمستكرهة لا حد عليه فيها بإقامة البَيِّنة، والصبية والنصرانية يحد فيهما، وإن أقام البَيِّنة، وهو نص "المدونة". والأمة والعبد بمعزل عن جميع ما ذكرناه؛ لأنه أقام البَيِّنة على أنهما زنيا قبل العتق فلا حَدّ عليه؛ لأن ذلك يطلق عليه اسم الزنا، ويؤاخذان فيه، وإن لم يأت بالبينة على ذلك حد لهما، ولا خلاف في هذا الوجه. وسبب الخلاف: [في ذلك] (١) ما تلحق فيه المعرفة، وما لا تلحق فيه؛ فمن رأى أن المعرفة تلحق في الجميع، قال بوجوب الحَدّ عليه، وإن أقام البَيِّنة؛ لأن ذلك لا يطلق عليه اسم الزنا، والمعرة تلحقهن من ذلك، والمستكرهة ينفي عنها الإكراه ذلك. ومن رأى أن المعرة لا تلحق في الجميع قال: لا يحد؛ لأنه لم يقصد

стр. 4076

بذلك القذف وإنما قصد الإخبار، وقد أخبر عن الشيء على ما هو عليه. ومن فرق بين المستكرهة، والصبية، والنصرانية رأى أن الإِسلام هدم ذلك عن النصرانية، والصبية لا [يلحق] (١) ذلك اسم الزنا عليها [إلا أن] (٢) المعرة تلحقها، لكونها توطأ مثلها، والمستكرهة لحق عليها اسم الزنا، وإنما سقط الحد عنها لأجل الإكراه. وأمَّا النفي فإنه يذكر في مسألة مفردة، والحمد لله وحده.

стр. 4077

المسألة الخامسة في الحدود هل تتداخل أم لا ؟ ولا تخلو الحدود الواجبة من وجهين: أحدهما: أن تتجانس. والثاني: ألَّا تتجانس. فإن كانت غير متجانسة كالقتل والجَلْد والقَطْع، فلا خلاف أنها تتداخل، ويجزيء القتل عن الجلد والقطع إلا القذف، فإنه يجلد ثم يقتل لحق المقذوف [أن يقال له: لولا صحة ما قذفك به لحد] (١). فإن تجانست الحدود كالجلد، ولا يخلو الجلد من أن يتحد موجبه، أو يتعدد. فإن اتحد موجبه كالزنا؛ مثل أن يزني مرارًا [يشرب مرارًا أو] (٢) يقذف مرارًا، ثم أخذ، أو يسرق مرارًا، ثم أخذ. أمَّا الزنا، والشرب، والسرقة، فإن حُد حدًا واحدًا يجزيء عن كل زنا كان قبله، وعن كل شرب كان قبله، وقطع واحدًا عن كل سرقة كانت قبله، ولا خلاف في ذلك. وأمَّا القذف، فيأتي الكلام عليه في أثناء المسألة على تفصيل لنا فيه. فإن [تعدد] (٣) الموجب كالزنا، والسرقة، والقذف، والسرقة، والزنا، والقذف فإن الحدود هاهنا لا تتداخل؛ بل يقطع، ويجلد للزنا

стр. 4078

وللقذف، وللإمام أن يفرق ذلك عليه، أو يجمعه على حسب ما يغلب على ظن الإِمام من الخوف عليه، ولا خلاف في ذلك في المذهب. وأمَّا الشرب والقذف فحد واحد يجزيء عنهما جميعًا؛ لأنهما عن سبب واحد. وأمَّا القذف فلا يخلو القاذف من أن يقذف واحدًا أو يقذف جماعة. فإن قذف واحدًا ثم قام بحده، فلا خلاف أنه يحد له حدًا واحدًا قذفه مرة واحدة أو مرارًا. فإن قذف جماعة فلا يخلو من أن يقذفهم في كلمة واحدة، أو في مجالس. فإن قذفهم في كلمة واحدة، فلا يخلو من أن يقوموا في طلبه مجتمعين، أو مفترقين. فإن قاموا في طلبه مجتمعين؛ فإنه يحد لهم حدًا واحدًا قولًا واحدًا في المذهب. فإن قاموا في طلبه مفترقين، فالمذهب على قولين: أحدهما؛ أنه يُحَدّ لهم حَدًا واحدًا. وهو مشهور المذهب. والثاني: أنه يُحَدّ لكل واحد منهم حدًا كاملًا، وهو قول المغيرة [والمخزومي] (١). وحكى ابن شعبان عن بعض أصحاب المذهب ما هو أغرب من هذا أن من قال لصاحبه: يا بن الزانيين، وأمه حرة مسلمة أنه يُحَدّ حَدَّين لحرمة الصحابي.

стр. 4079

فإن قذفهم في مجالس، فلا يخلو من أن يقذف الثاني قبل الشروع في إقامة حَدّ الأول، أو بعد الشروع فيه. فإن قذفه قبل الشروع فيه، فعلى التفصيل الذي قدمناه من أن يقوما في الطلب معًا، أو واحدًا بعد آخر. فإن قذفه بعد الشروع في إقامة حد الأول، فلا يخلو من ثلاثة أوجه: أحدهما: أن يقذفه بعد أن مضى أقل الحد. والثاني: أن يقذفه بعد أن مضى جُلّ الحد. والثالث: أن يقذفه بعد أن مضى أكثر الحد. فإن قذفه بعد أن ضرب أقل الحد مثل [الأسواط] (١) اليسيرة كالعشرة الأسواط على قول أشهب، أو أقل على قول ابن القاسم في "المدونة"؛ لأنه قال: فلما ضرب أسواطًا، وهي من أبنية القّلَّة، وهو قول عبد الملك، هل يبنى على ما مضى من الحد الأول أو يبتديء الحدين؟ فالمذهب على القولين: أحدهما: أنه يبتدئ الحد عليه ثمانين. وهو قول ابن القاسم في "كتاب [القذف] (٢) " من "المدونة"، و"الموازية". والثاني: أنه يبنى على ما مضى ويتمادى، ويجزئه لهما جميعًا. وهو قول عبد الملك، وأشهب. فإن قذفه بعد ما مضى جل الحد كالنصف أو ما يقاربه في الكثرة، والقلة كالثلاثين والأربعين على قول عبد الملك؛ فقد نص أشهب، وعبد الملك على أنه يستأنف لهما الحَدّ، ولا يعتد بما مضى من

стр. 4080

السِّياط، ولا شيء عليه من الحَدّ [الثاني] (١) عندهما. وأما ابن القاسم فلم أَرَ له في ذلك نصًا. وأما إن قذفه بعد أن مضى أكثر الحد الأول، ولم يبق إلا اليسير مثل السّوط، أو الأسْواط على قول ابن القاسم، أو العشرة، أو الخمسة على قول محمَّد، فإنه يتم الأول، ويبتديء الثاني. وهو قول ابن القاسم، وأشهب، وعبد الملك، والحمد لله وحده.

стр. 4081

المسألة السادسة فيمن نفى رجلًا عن أبيه، أو عن قبيلته ولا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يقطع نسبه من أبيه، أو من جده. والثاني: أن يقطع نسبه من قبيلته. فإن قطع نسبه من أحد أبويه مثل أن يقول: لست لأبيك، وأبوه مسلم، فإنه يُحَد، سواء كانت أمه حُرّة كتابية أو أمة، والابن حُر؛ لأنه حمل أباه على غير أمه، وصار قاذفًا لأبيه؛ فكأنه قال: زنا أبوك بامرأة أخرى، وهي التي ولدتك. ولو كان الابن عبدًا، وأبوه حُرّ مسلم، فقد توقف فيه مالك في "الكتاب". وأجاب فيه ابن القاسم بأنه يُحَدّ كما لو كان حُرًا. ولو قال له: لست بابن فلان لجده من أبيه، وجده كافر يحد؛ لأنه قطع نسبه، وهو نص قول مالك في "الكتاب". ولو قال له: لست لأمك هل يحد أم لا؟ فإنه يتخرج على قولين: أحدهما: أنه لا حد عليه؛ لأنه لا يقطع نسبه إذا نسب من الأب، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب". والثاني: أنه يُحَدّ؛ لأنه زنا الأب، وأن معنى الكلام أن غير أمك ولدتك زنا بها أبوك؛ فيصير قاذفًا لأبيه؛ لأنه حمل الأب على غير أمه، وهو قول في المسألة المتقدمة إذا قال له: لست لأبيك.

стр. 4082

فلو نسبه إلى غير أبيه لصلبه؛ مثل أن يقول له: أنت ابن فلان -لجد من أبيه أو من أمه- فلا يحد؛ لأنهما يسميان آباء؛ وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (١)؛ فما نكح الجد للأم محرم نكاحه على ابن الابنة. فأما إن قطع نسبه من قبيلته، فلا يخلو من خمسة أوجه: أحدها: أن ينسب العربي إلى غير العربي. والثاني: أن ينسبه إلى غير قبيلته. والثالث: أن ينسبه من قبيلة مخصوصة إلى عموم الاسم؛ مثل أن تقول لقرشي: يا عربي. والرابع: أن يقول لمن ليس بعربي من سائر أجناس الأمم: يا عربي. والخامس: أن ينسب من ليس بعربي من سائر الأجناس إلى غير جنسه. أما الوجه الأول والثاني: إذا قال لعربي: يا بربري أو قال لتميمي: يا قرشي أو لقرشي: يا مُفَرِي، فإنه يُحَدّ؛ لأنه قطع نسبه. وأما الوجه الثالث: إذا قطع نسبه من قبيلة مخصوصة إلى عموم الاسم؛ مثل أن يقوم لقرشي أو لتميمي: يا عربي فإنه لا حَدّ عليه. وقال في "الكتاب": لأن اسم العرب قد جمع اسم قريش وغيرها. ومعناه أنه إذا ذكر جنسًا عم به لم يُحَد؛ لأنه لم يقطع بذلك نسبه لدخوله في عموم هذا الاسم. وإن كان جنسًا خص به [لا] (٢) يدخل فيه من نفي حد؛ لأنه قطع

стр. 4083

نسبه. وأما الوجه الرابع: إذا نسب من ليس بعربي من سائر أجناس الأمم إلى العرب؛ مثل أن يقول لبربري أو لفارسي: يا عربي: فلا حَدّ عليه. وأما الوجه الخامس: إذا نسب من ليس بعربي من سائر أجناس الأمم إلى غير جنسه؛ مثل أن يقول لبربري: يا فارسي، أو لفارسي: يا بربري، أو لبربري: يا رومي، أو لرومي: يا بربري أو يا فارسي أو يا حبشي: فهذا كله لا حَدّ فيه إلا في وجه واحد، فإن مالكًا اختلف فيه قوله، وهو إذا قال لبربري أو لرومي: يا فارسي، أو يا حبشي؛ فمرة قال: يحد، ومرة قال: لا يحد. ويمكن أن يكون سبب اختلاف قول مالك في ذلك أنه يقع عنده تارة أن البربري، والرومي يحفظون أنسابهم، ويضبطونها كالعرب؛ فيحد من نفاه، وتارة رأى أنهم بخلاف العرب، وأنهم لا يحفظون أنسابهم، ولا يحافظون عليها، وهو الأصح منهم. وأمَّا الموالي فلا تخلو من أن يقول للمولى: لست من موالي بني فلان، أو يقول له: لست من الموالي، أو يقول له: لست مولى. فإن قال له: لست من موالي بني فلان، فإنه يحد؛ لأنه نفاه من أبيه وقطع نسبه. ولو قال له: لست من الموالي جملة، وله أبي معتق، هل يُحَدُّ أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه يُحَد، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب"؛ لأنه قطع نسبه من أبيه. والثاني: أنه لا يُحَد، وهو قول أشهب.

стр. 4084

فإن قال له: لست مولى فلان، وفلان أعتقه دون أن يعتق أباه، فهل يُحَدُّ أم لا؟ فإنه يتخرج على قولين: أحدهما: أنه يُحَد، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب"؛ لأنه ليس له أب معتق، فيقطع نسبه منه. والثاني: أنه يحد؛ لأنه إذا قال: لست مولى فلان قطع ولاءه من فلان العتق، والولاء كالنسب، وهذا القول مخرج غير منصوص عليه. [والحمد لله وحده، تم كتاب القذف بحمد الله وحسن عونه].

стр. 4085

كتاب الجراحات

стр. 4086

كتاب الجراحات تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها ست مسائل: المسألة الأولى في اشتقاق هذه الكلمة وأصلها من الاجتراح، وهو الاكتساب، والعمل بالجوارح، قال الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ (١) أي: اكتسبوها. ومنه: جوارح الصيد لاكتسابها. ثم لما كان أكثر عمل الجوارح في الصيد في الأجساد، والدماء سمى لذلك جرحًا، وصار عرفًا فيما هو بتلك الصفة دون سائر الاكتسابات. وجرحة الشاهد من هذا المعنى؛ كأنه لما مرض في عدالته كان كمن جرح في جسمه؛ ولذلك يقال: طعن فيه كله تشبيهًا بالجارح. ومن الجراح الشجاج لكنها مختصة بالرأس؛ لأن معناها العلو؛ يقال: شجوت البلاد إذا علوتها، ومعنى شجه أي: جرحه في أعلاه. والجراح في جميع الجسد، والحمد لله وحده.

стр. 4087

المسألة الثانية شبه العمد وقد اختلف فقهاء الأمصار في نفيه وإثباته؛ فذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى إثباته، وبه قال جماعة من الصحابة ﵃ منهم عمر بن الخطاب، وعثمان، وعليّ، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، والمغيرة بن شعبة. واختلف فيه قول مالك على قولين، وابن القاسم عنه بنفيه في "المدونة"، وهو مشهور مذهبه. وقال ابن وهب فيما رواه عنه ابن حبيب بإثباته، وحكاه أصحابنا العراقيون عن مالك. والذين قالوا به فرقوا بين ما هو شبه العمد مما ليس بعمد، وذلك عندهم راجع في الأغلب إلى الآلة التي بها يقع القتل، وإلى الأحوال التي كان من أجلها الضرب؛ فقال أبو حنيفة: كل ما عدا الحديد من [النيرة] (١) والقصب، وغير ذلك، فهو شبه العمد، وإن كان على وجه [النيرة] (٢) والقصب. وقال أبو يوسف، ومحمد -من أصحابه: شبه العمد ما لا يقتل مثله. وقال الشافعي: شبه العمد ما كان عمدًا في الضرب خطأ في القتل، أي: ما كان ضربًا لم يقصد به القتل، فتولد عنه القتل، والخطأ ما كان

стр. 4088

خطئًا فيهما جميعًا، والعمد ما كان فيهما عمدًا، وما قاله حسن. فعمدة من نفى شبه العمد أنه لا واسطة بين العمد والخطأ -أعني: بين أن يقصد القتل أو لا يقصده. وعمدة من أثبت الواسطة أن النيات لا يطلع عليها إلا الله تعالى، وإنما الحكم بما ظهر؛ فمن قصد ضرب آخر بآلة تقتل غالبًا كان حكمه [حكم من قصد القتل عامدًا، فقتل بلا خلاف. ومن قصد ضرب رجل بآلة لا تقتل غالبًا كان] (١) حكمه مترددًا بين العمد والخطأ. هذا في حقنا لا في حق الأمر في نفسه عند الله. أمَّا شبهة العمد فمن جهة ما قصد ضربه. وأما شبهة الخطأ فمن جهة أنه ضربه بما لا يقصد به القتل، وقد روى في ذلك حديث مرفوع أن النبي ﷺ قال: "إن قتيلًا يشبه العمد والخطأ قتيل [السوط] (٢) والعصا فيه دية مغلظة مائة من الإبل؛ منها أربعون في بطونها أولادها" (٣) إلا أنه حديث مضطرب عند أهل الحديث لا يثبت من جهة الإسناد فيما ذكره أبو عمر ابن عبد البر (٤)، وإن كان أبو داود وغيره قد خرجه بهذا النحو من القتل عند من لم يثبته يجب فيه القصاص، ومن أثبته تجب فيه الدِّية. ولا خلاف في مذهب مالك أن الضرب الذي يكون على وجه الغضب

стр. 4089

والنايرة يجب به القصاص. واختلف في الذي يكون عمدًا على وجه اللعب، أو على وجه الأدب لمن أبيح له الأدب، وتحصيل المذهب في ذلك أن نقول: إن الذي قصد إلى إتلاف النفس، أو الجارحة، وتعمد قتلها، وذهابها فهو العمد الذي فيه القصاص بإجماع. وأما إن قصد إلى الضرب، ولم يقصد إلى القتل، ولا إتلاف الجارحة فيما يظهر من حاله وقصده، فإنه لا يخلو ذلك من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يعمد إلى الضرب على وجه العداوة والغضب. والثاني: أن يعمد إليه على وجه الأدب ممن يجوز له الأدب. والثالث: أن يعمد إليه على وجه اللعب. فأمَّا الوجه الأول: إذا عمد إليه على وجه العداوة، والغضب فلا يخلو من أن يكون ضربه في غير الجارحة التالفة، أو في الجارحة نفسها. فإن كان ضربه في غير الجارحة التالفة؛ مثل أن يضربه في رأسه، فيذهب منها عينه، فإنه لا يقتص من العين باتفاق، وإنما فيه الدية. وهل ذلك في ماله أو على العاقلة؟ فالمذهب على قولين منصوصين لابن القاسم. فإن ضربه في الجارحة التابعة؛ مثل أن يضربه في عينه بحجر أو بحديد، أو ما أشبه ذلك مما يقع به التلف عامدًا، فتلف فإنه يقتص منه قولًا واحدًا. وأما إن ضربه بلطمة، أو بسوط، أو ما أشبه ذلك مما الظاهر فيه أنه لم يقصد إلى فقأ عينه، فأصاب عينه في ذلك ففقأها ففي ذلك قولان: أحدهما: وهو المشهور -أن ذلك عمد فيه القصاص إلا من الأب في

стр. 4090

ابنه، ومن أشبه الأب. وهو نص قول مالك في "الكتاب" في "كتاب الجراحات". والثاني: أن ذلك يشبه العمد فلا قصاص فيه، وفيه الدِّية مغلظة في ماله. وهي رواية العراقيين عن مالك، ورواية ابن حبيب عن ابن وهب. والقول الأول أصح؛ والدليل عليه حديث أنس في شأن أمّ الربيع روى في الصحيح أن ابنت النضر أخت الربيع لطمت جارية فكسرت سنها، فاختصموا إلى النبي ﷺ فأمر بالقصاص فقالت أم الربيع يا رسول الله، أيقتص من فلانة؟ والله لا يقتص منها. فقال النبي ﷺ : "يا أم الربيع، القصاص في كتاب الله تعالى" فقالت: والله ما يقتص منها أبدًا، فما زالت حتى قبلوا الدِّية، فقال النبي ﷺ : "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره" (١). وهذا الحديث خرَّجه مسلم على هذا السياق. وأما الوجه الثاني والثالث: إذا كان على وجه الأدب ممن يجوز له الأدب، أو على وجه اللعب كالمتصارعين والمتراميين؛ يموت أحدهما بفعل صاحبه ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: وجوب القصاص على أنه عمد محض، وهو قول مطرف، وابن الماجشون. والثاني: أنه لا قصاص فيه، وتُغَلَّظ فيه الدِّية على أنه شبه العمد، وهي رواية ابن حبيب عن ابن وهب. والثالث: أنه خطأ، وفيه الدِّية غير مغلظة على العاقلة فيما زاد على الثلث، وهو قوله في "المدونة"، وهو مشهور مذهبه.

стр. 4091

والأقوال الثلاثة جارية في الضرب على معنى الأدب إذا فعل الفاعل ما أبيح له على الوجه الذي أبيح، وحيث أبيح كالحاكم، وضارب الحد والمؤدب، والأب، والزوج، والخاتن، والطبيب. واختلف تأويل متأخري الأشياخ في قوله في "الكتاب": كالرجلين يصطرعان أو يتراميان، ويأخذ أحدهما برجل الآخر على وجه اللعب فيموت، فقال: إنما في ذلك كله دية الخطأ على قولين: أحدهما: أن ذلك كله إذا كان يتفاعلان ذلك كل واحد منهما يتصارع مع صاحبه، أو يترامى معه، وهو ظاهر لفظه في "الكتاب" حيث قال: يتراميان ويتصارعان، وهذه مفاعلة، ولا تكون إلا من اثنين. وأما إذا فعل أحدهما ذلك بالآخر على وجه اللعب، ولم يلاعبه المقتول، ولا رماه فهذا فيه القصاص كما روى مطرف، وابن الماجشون. وعلى هذا التأويل يكون قولهم وفاقًا. والثاني: أن ذلك سواء. متى كان ذلك على وجه اللعب كان منهما أو من أحدهما. وهو ظاهر قوله في "الكتاب" أيضًا حيث قال: وأخذ برجله فسقط، وهو الصواب إذا عرف أن مقصوده اللعب، ويكون قول مطرف خلاف، والحمد لله وحده.

стр. 4092

المسألة الثالثة في حكم الدِّية المغلظة وإذا فعل الأب بابنه مثل ما فعل المدلجي بابنه، ففيه تغلظ الدية، وهو الذي قال فيه مالك: يشبه العمد بلا خلاف. والدِّية على ثلاثة أضرب: دية الخطأ: وهي مخمسة: عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن لبون ذكور، وعشرون حِقّة، وعشرون جذعة. ودية العمد: مربعة، وهي: خمسة وعشرون بنت مخاض، وخمسة وعشرون بنت لبون، وخمسة وعشرون حقة، وخمسة وعشرون جذعة. ودية شبه العمد: مغلظة؛ وهي ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها. ولا تكون -أعني: دية العمد- إلا في مثل ما فعل المدلجي بابنه حذفه بحديدة فقتله؛ فحكم فيه عمر ﵁ بمائة من الإبل مغلظة على ما فسرناه. ولا يخلو قتل الأب ابنه من أن يكون عمدًا محضًا أو شبه عمد. فإن قتله عمدًا، هل يقتل به ويقتص منه من له القيام أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه لا يقتل، وهو قول أشهب على ما نقله اللخمي. والثاني: أنه يقتص منه. ثم لا يخلو القائم بالدم من أن يكون عصبة أو يكون ابنًا له آخر.

стр. 4093

فإن كان عصبة، فلهم أن يقتصوا منه بلا جرحة تلحقهم. فإن كان ابنًا له آخر، هل يمكن من قتله، ويكون ذلك جرحه في شهادته أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يمكن من قتله، ويكون ذلك جرحه في شهادته بعد أن يعرف بذلك، وهو قوله في "كتاب القذف" من "المدونة". والثاني: أنه لا يمكن منه، وهو قوله في أول "كتاب المِدْيَان" في اليمين. وقال ابن القاسم في "كتاب الديات" من "المدونة": كره له مالك القصاص منه، وكان يكره أن يحلفه في الحق، فكيف يقتله؟ فإن اجترأ وفعل، فإنه لا يؤدب فيه غير أن ذلك جرحة اكتسبها. وابن الابن في جميع ذلك كالابن في تغليظ الدية. واختلف في الجد أبى الأب على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أنه كالأب، وتغلظ عليه الدية، ولا يقطع إن سرق من مال ولد ولده، وهو قوله في "كتاب القطع في السرقة"، وفي "كتاب الجراحات" من "المدونة" في تغليظ الدية. والثاني: أنه كالأجنبي، ولا تغلظ عليه الدية، وهو قوله في غير ما موضع من "المدونة". واختلف فيما عداه من الأجداد، والجدات مثل أم الأم، وأم الأب، والجد وأبو الأم على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه كالأجنبيين، وهو قوله في "المدونة".

стр. 4094

والثاني: أن جميع الأجداد، والجدات من أيّ جهة كانوا كالأبوين، وهو قول عبد الملك في "المجموعة". والثالث: أن جميعهم كالأبوين الأب والأم، فهو كالأجنبيين، وهو قول ابن القاسم، وأشهب في "كتاب ابن المواز". وأما سائر القرابات فهم كالأجنبيين قولًا واحدًا إلا ما جرى على وجه الأدب من القرابة، فإنه يكون مثل خطأ المعلم، وذوي الصنعة ما لم يتعمده بسلاح أو شبهه. وهو قول ابن القاسم عن مالك في "المجموعة". فإذا ثبت ذلك، فلا يخلو ما فعله الأب بابنه من أن يكون قتلًا أو جراحًا. فإن كان قتلًا، فإنه تغلظ فيه الدية قولًا واحدًا في المذهب. ثم لا يخلو الأب من وجهين: إما أن يكون من أهل الإبل، أو يكون من أهل الذهب والورق. فإن كان من أهل الإبل، فالتغليظ عليه بالعدد قولًا واحدًا. فإن كان من أهل الذهب والورق، فهل تغلظ عليه الدية أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه لا تغلظ عليهم؛ وإنما عليهم ألف دينار، أو اثنا عشر ألف درهم إن كانوا من أهل الورق. والثاني: أنها تغلظ عليهم. والقولان عن مالك في "الموازية" وغيرها. وعلى القول بتغليظ الدية، فما كيفية تغليظها؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:

стр. 4095

أحدها: أن ينظر إلى قيمة دية الخطأ المخمسة من الإبل. فإن قيل: ستمائة درهم، قيل: وما قيمة المغلظة من الإبل، وهي مثلثة، فإن قيل: ثمانمائة كان له من الدِّية دية وثلث. وكذلك لو كانت دِيَة المغلظة ألف وستمائة درهم كانت له ديتان، وهو قول مالك في "الموازية"، و"كتاب ابن عبدوس". وينظر ما زادت الغلظة على المخمسة، ولا يجوز أن يقال: كم هو جزء من المغلظة، وهو قول سحنون في "كتاب ابنه"؛ لأنه إذا نسب إلى المغلظة يكون أقل، وإذا نسب إلى المخمسة يكون أكثر. والثاني: أنه ينظر إلى قيمة أسنان المغلظة من الذهب، والورق، فيؤدي ما لم يكن أقل من ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم، ولا ينظر ما زادت على دية الخطأ، وهي رواية بعض البغداديين عن مالك في "كتاب ابن سحنون" وغيره. والثالث: أن يعرف ما بين القيمتين، فيزاد ذلك العدد على الذهب أو الورق؛ مثل أن تكون قيمة دية الخطأ ستمائة دينار، وقيمة دية المغلظة ثمانمائة دينار؛ فما بين القيمتين مائتا دينار؛ فذلك القدر هو الذي يزاد على أهل الذهب أو الورق. فإن كان بلد لا إبل فيه كالأندلس نظر إلى قيمة الإبل في أقرب البلدان إليهم، وهذا قول ابن القاسم فيما حكاه ابن حبيب في "النوادر". وعلى القول بأنها تغلظ على أهل المذهب والورق، فهل تقوم حالة أو مُنَجَّمة أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنها يُقَوِّمَان الدِّيتين على أنهما حالتين. والثاني: أنهما يُقَوِّمَان على أنهما مُنَجَّمَتَيْن.

стр. 4096

والقولان لمتأخري الصقليين والقرويين من أصحابنا. وعلى القولين جميعًا، هل يكون في مال الجاني أو علي العاقلة؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها في مال الجاني حالة، وهو قوله في "المدونة". والثاني: أنها على العاقلة جملة. وهو قوله عبد الملك، ومحمد بن المواز في كتابه. والثالث: التفصيل بين أن يكون الجاني موسرًا، فتكون في ماله، أو يكون معسرًا، فتكون على العاقلة وهو قول مطرف, وابن الماجشون، وابن حبيب في كتابه. وعلى القول بأنها على العاقلة، هل تكون حالة أو منجمة؟ على قولين: أحدهما: أن تكون حالة على العاقلة، وذكر أن الأصحاب مجمعون على أنها حالة، وإنما اختلفوا هل هي على الأب أو على العاقلة. والثاني: أنها منجمة على العاقلة، وهو أحد قولي ابن القاسم في "النوادر"، وبه قال أصبغ. وهذا كله فيما إذا ثبت قتل الأب ابنه بِبيِّنَة. وأما إن كان ذلك بإقرار الأب، فلا تغلظ فيه الدّية، وهي في ماله بإجماعهم، وهذا قول سحنون في كتاب ابنه. وهل تغلظ في الجراح أم لا؟ فلا يخلو من أن تكون مما يمكن فيها القصاص أو مما لا يمكن فيها. فإن كانت الجراح مما يمكن فيها القصاص، فالمذهب على قولين:

стр. 4097

أحدهما: أن الدِّية تُغَلَّظ فيها كالنفس. والثاني: أنها لا تُغَلَّظ. والقولان لمالك فيما حكاه ابن عبد الحكم في "كتاب ابن المواز". فإن كانت مما لا يمكن فيها القصاص كالجائفة، والمأمومة، والمنقلة، فإنها لا تغلظ فيها الدِّية. فلو قال الابن: دمي عند فلان أبى عمدًا أو خطأ، فلا يخلو من أن يكون منفوذ المقاتل أو غير منفوذ المقاتل. فإن كان غير منفوذ المقاتل ففيه القاسم في العمد والخطأ، ويستحق بذلك دية المغلظة، وهو قول ابن القاسم في العمد، وأشهب في الخطأ في "كتاب ابن سحنون" وغيره. فإن كان منفوذ المقاتل مثل أن يقول: ذبحني أو بقر بطني، ففي ذلك قولان: أحدهما: أنه يُقْسم مع قوله، يقتل الأب، وهو قول ابن القاسم. والثاني: أنه لا يقبل قوله، ولا يقتل به الأب، وكيف يقبل قول من هو في عِدَادِ الموتى إلا أن يكون ذبحه، وبقيت أوداجه، ولم يجهز عليه؟ وهو قول سحنون في "كتاب ابنه" قال: وإن لم يفسر الابن كيف قتله غُلِّظَت الدية في مال الأب. وسبب الخلاف: في جميع ما تقدم من اختلافهم في الدية، هل هي على العاقلة أو في مال الأب؟ واختلافهم هل هي منجمة أو معجلة؟ واختلافهم في فعل الصحابي، هل يكون حجة أو لا يكون حجة؟ وذلك أن عمر ﵁ قال لسراقة بن جعشم في قضية المدلجي: اعدد لى على قدر مائة وعشرين بعيرًا، وأمر سراقة بإحضار هذا العدد من غير أن

стр. 4098

يكلف ذلك الأب دليل على أنها على العاقلة؛ لأن سراقة هو رئيس القوم ومقدمهم. وفيه أيضًا دليل على أنها حالة؛ لأنه لم يذكر فيها التنجيم. وقوله مائة وعشرون إنما أمره بزيادة العشرين ليختار فيها [وكأنها حالة] (١). ومن ذهب إلى أن فعله حجة، قال: فإنها على العاقلة وأنها حالة. ومن لم يره حجة جعلها مسألة نظرية. فمن غلب فيها شائبة العمدية جعلها على الأب. ومن غلب شائبة الخطأ جعلها على العاقلة منجمة. ومن قال حالة، فهو تردد لا تقييد؛ إذ لا مدخل للعبادة في هذا الفصل، والحمد لله وحده.

стр. 4099

المسألة الرابعة في أساس الجراح وأحكامها وأسامي الجراح والشجاج في الفقه، واللغة عشرة: أولها: الحَارِصَة: وهي التي حرصت الجلد، أي: خدشته وقشرته قليلًا. ثم الدَّامية: وهي التي تدمي من غير أن يسيل منها شيء. وقيل: إن الدَّامية أولًا ثم الحارصة. وقيل الدامغة: هي التي يسيل منها الدم. وقيل: الدامغة والدامية سواء. ثم البَاضِعَة: وهي التي تشق اللحم شقًا. ثم المُتَلَاحمة: وهي التي أخذ في اللحم. ثم السّمْحَاق: وهي التي أثرت في اللحم حتى لا يبقى بين العظم، واللحم إلا قشرة رقيقة، وهي الغشاء، ويقال لها: الملطاء. وقال ابن حبيب السمحاق هي: الحارصة. ثم المُوَضِّحة: وهي التي توضح عن العظم -أي: تبدى وضحه، وهو بياضه. ثم الهاشمة: وهي التي تهشم العظم. ثم المنقلة: وهي التي تكسر العظم، فتنقل منها العظام عن موضعها ليلتمي الجرح، وبينها وبين الدماغ صفاق رقيق؛ هكذا فسرها أبو بكر بن

стр. 4100

العربي في "ترتيب المسالك [في موطأ مالك] (١) " وهي مختصة بالرأس. ثم المأمومة: وهي التي تبلغ أم الرأس، وهي الدماغ؛ ومعناه أنها تقيت الشفاف الذي فيه الدماغ. ثم الجائفة: وهي التي أفضت إلى الجوف -كبرت أو صغرت- ولو بمدخل إبرة. وأسماء هذه الشجاج مختصة بما وقع منها في الوجه، والرأس دون سائر البدن. واسم الجرح يختص بما وقع في البدن. فهذه أسماء هذه الجراح والشجاج. وأما أحكامها -أعني: الواجب فيها- فاتفق المذهب على أن ما دون الموضحة ليست فيه عقل مسمى، وسواء كان في الرأس , أو في سائر الجسد، وإنما هي عمد أو خطأ؛ فالعمدية القصاص؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (٢)، والخطأ إن برأت على غير شين , فلا شئ فيه غير الأدب علي الجاني، وإن برأت على شين، ففيها الاجتهاد. وقال السبعة الفقهاء: فيما دون الموضحة من الخطأ, وأجر المداوي, وأما ما عداها من الشجاج، والجراح مثل الموضحة، والمنقلة , والمأمومة, والجائفة، فإن فيها عقلًا مسمى بالسنة الثابتة عن رسول الله ﷺ وعمدها وخطأها سواء إلا ما ليس فيه خطر عظيم كالموضحة؛ فإن المجني عليه مخير فيها بين القصاص، والعمد، والأرش؛ لأنها ليست بمتلف. وأما ما عداها فليس فيها إلا الأرش، ولا يمكن من القصاص لتفاقم الغرر, والخطر
следующие страницы →