والقولان لمتأخري الصقليين والقرويين من أصحابنا.
وعلى القولين جميعًا، هل يكون في مال الجاني أو علي العاقلة؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها في مال الجاني حالة، وهو قوله في "المدونة".
والثاني: أنها على العاقلة جملة. وهو قوله عبد الملك، ومحمد بن المواز في كتابه.
والثالث: التفصيل بين أن يكون الجاني موسرًا، فتكون في ماله، أو يكون معسرًا، فتكون على العاقلة وهو قول مطرف, وابن الماجشون، وابن حبيب في كتابه.
وعلى القول بأنها على العاقلة، هل تكون حالة أو منجمة؟ على قولين:
أحدهما: أن تكون حالة على العاقلة، وذكر أن الأصحاب مجمعون على أنها حالة، وإنما اختلفوا هل هي على الأب أو على العاقلة.
والثاني: أنها منجمة على العاقلة، وهو أحد قولي ابن القاسم في "النوادر"، وبه قال أصبغ.
وهذا كله فيما إذا ثبت قتل الأب ابنه بِبيِّنَة.
وأما إن كان ذلك بإقرار الأب، فلا تغلظ فيه الدّية، وهي في ماله بإجماعهم، وهذا قول سحنون في كتاب ابنه.
وهل تغلظ في الجراح أم لا؟
فلا يخلو من أن تكون مما يمكن فيها القصاص أو مما لا يمكن فيها.
فإن كانت الجراح مما يمكن فيها القصاص، فالمذهب على قولين:
стр. 4097
أحدهما: أن الدِّية تُغَلَّظ فيها كالنفس.
والثاني: أنها لا تُغَلَّظ.
والقولان لمالك فيما حكاه ابن عبد الحكم في "كتاب ابن المواز".
فإن كانت مما لا يمكن فيها القصاص كالجائفة، والمأمومة، والمنقلة، فإنها لا تغلظ فيها الدِّية.
فلو قال الابن: دمي عند فلان أبى عمدًا أو خطأ، فلا يخلو من أن يكون منفوذ المقاتل أو غير منفوذ المقاتل.
فإن كان غير منفوذ المقاتل ففيه القاسم في العمد والخطأ، ويستحق بذلك دية المغلظة، وهو قول ابن القاسم في العمد، وأشهب في الخطأ في "كتاب ابن سحنون" وغيره.
فإن كان منفوذ المقاتل مثل أن يقول: ذبحني أو بقر بطني، ففي ذلك قولان:
أحدهما: أنه يُقْسم مع قوله، يقتل الأب، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه لا يقبل قوله، ولا يقتل به الأب، وكيف يقبل قول من هو في عِدَادِ الموتى إلا أن يكون ذبحه، وبقيت أوداجه، ولم يجهز عليه؟ وهو قول سحنون في "كتاب ابنه" قال: وإن لم يفسر الابن كيف قتله غُلِّظَت الدية في مال الأب.
وسبب الخلاف: في جميع ما تقدم من اختلافهم في الدية، هل هي على العاقلة أو في مال الأب؟ واختلافهم هل هي منجمة أو معجلة؟ واختلافهم في فعل الصحابي، هل يكون حجة أو لا يكون حجة؟ وذلك أن عمر ﵁ قال لسراقة بن جعشم في قضية المدلجي: اعدد لى على قدر مائة وعشرين بعيرًا، وأمر سراقة بإحضار هذا العدد من غير أن
стр. 4098
يكلف ذلك الأب دليل على أنها على العاقلة؛ لأن سراقة هو رئيس القوم ومقدمهم.
وفيه أيضًا دليل على أنها حالة؛ لأنه لم يذكر فيها التنجيم.
وقوله مائة وعشرون إنما أمره بزيادة العشرين ليختار فيها [وكأنها حالة] (١).
ومن ذهب إلى أن فعله حجة، قال: فإنها على العاقلة وأنها حالة.
ومن لم يره حجة جعلها مسألة نظرية.
فمن غلب فيها شائبة العمدية جعلها على الأب.
ومن غلب شائبة الخطأ جعلها على العاقلة منجمة.
ومن قال حالة، فهو تردد لا تقييد؛ إذ لا مدخل للعبادة في هذا الفصل، والحمد لله وحده.
стр. 4099
المسألة الرابعة في أساس الجراح وأحكامها
وأسامي الجراح والشجاج في الفقه، واللغة عشرة:
أولها: الحَارِصَة: وهي التي حرصت الجلد، أي: خدشته وقشرته قليلًا.
ثم الدَّامية: وهي التي تدمي من غير أن يسيل منها شيء.
وقيل: إن الدَّامية أولًا ثم الحارصة.
وقيل الدامغة: هي التي يسيل منها الدم.
وقيل: الدامغة والدامية سواء.
ثم البَاضِعَة: وهي التي تشق اللحم شقًا.
ثم المُتَلَاحمة: وهي التي أخذ في اللحم.
ثم السّمْحَاق: وهي التي أثرت في اللحم حتى لا يبقى بين العظم، واللحم إلا قشرة رقيقة، وهي الغشاء، ويقال لها: الملطاء.
وقال ابن حبيب السمحاق هي: الحارصة.
ثم المُوَضِّحة: وهي التي توضح عن العظم -أي: تبدى وضحه، وهو بياضه.
ثم الهاشمة: وهي التي تهشم العظم.
ثم المنقلة: وهي التي تكسر العظم، فتنقل منها العظام عن موضعها ليلتمي الجرح، وبينها وبين الدماغ صفاق رقيق؛ هكذا فسرها أبو بكر بن
стр. 4100
العربي في "ترتيب المسالك [في موطأ مالك] (١) " وهي مختصة بالرأس.
ثم المأمومة: وهي التي تبلغ أم الرأس، وهي الدماغ؛ ومعناه أنها تقيت الشفاف الذي فيه الدماغ.
ثم الجائفة: وهي التي أفضت إلى الجوف -كبرت أو صغرت- ولو بمدخل إبرة.
وأسماء هذه الشجاج مختصة بما وقع منها في الوجه، والرأس دون سائر البدن.
واسم الجرح يختص بما وقع في البدن.
فهذه أسماء هذه الجراح والشجاج.
وأما أحكامها -أعني: الواجب فيها- فاتفق المذهب على أن ما دون الموضحة ليست فيه عقل مسمى، وسواء كان في الرأس , أو في سائر الجسد، وإنما هي عمد أو خطأ؛ فالعمدية القصاص؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (٢)، والخطأ إن برأت على غير شين , فلا شئ فيه غير الأدب علي الجاني، وإن برأت على شين، ففيها الاجتهاد.
وقال السبعة الفقهاء: فيما دون الموضحة من الخطأ, وأجر المداوي, وأما ما عداها من الشجاج، والجراح مثل الموضحة، والمنقلة , والمأمومة, والجائفة، فإن فيها عقلًا مسمى بالسنة الثابتة عن رسول الله ﷺ وعمدها وخطأها سواء إلا ما ليس فيه خطر عظيم كالموضحة؛ فإن المجني عليه مخير فيها بين القصاص، والعمد، والأرش؛ لأنها ليست بمتلف. وأما ما عداها فليس فيها إلا الأرش، ولا يمكن من القصاص لتفاقم الغرر, والخطر
стр. 4101
في شأنها، فخاف أن يتعدى الأمر فيها إلى ذهاب النفس بالكلية، والقصاص موضوعه التساوي، وإنما فيه الدية، ودِيَة كل شجة منها مقدرة معلومة؛ وأول ذلك الموضحة ففيها نصف عشر الدية، وهو خمس من الإبل، وإن كانت في الوجه، فشانه فإنه يزاد فيها بقدر شينها على اختلاف أقوالهم في الشين، هل يزاد له أم لا؟ وقد اختلف المذهب في ذلك على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يزاد في شينها جملة -أعني: موضحة الوجة- وهو قول ابن القاسم في "المدونة" و"الموازية" و"المجموعة".
والثاني: أنه لا يزاد في شينها شيء؛ لأن فيها دية مؤقته، وهو قول أشهب في "المجموعة".
والثالث: أنها لا يزاد فيها إلا أن يكون شينًا منكرًا، فيزاد في ذلك، وهو قول ابن نافع، وابن وهب عن مالك في "المجموعة".
فإن كان الضرب خطأ في الموضحة كان له بعير من كل سن من أسنان دية الخطأ، وإن كان عمدًا كان له بعير وربع بعير من كل سن؛ وذلك خمسة أبعرة؛ لأنها مربعة.
وأما الهاشمة: فقد أنكرها مالك في الكتاب، وقال: لا أرى هاشمة تكون في الرأس إلا كانت منقلة.
وقد اختلف قول ابن القاسم وأشهب في وجوب القصاص منها على قولين؛ فابن القاسم منعه، وأشهب جوزه كالموضحة عنده.
فإن اقتصر منها على قول أشهب، فبرأت موضحة، ولم يصب العظم هشم، فلا شيء للمستفيد له، وإن أصابه هشم فذلك حقيقة القصاص،
стр. 4102
وإن ترامت إلى منقلة أو إلى نفسه، فذلك قتيل الله لا دية فيه.
وأما المنقلة: ففيها عُشْر الدِّية، ونِصْف العُشْر؛ وهو خمسة عشر بعيرًا. فإن كانت الضربة خطأ كان له ثلاثة أبعرة من كل سن، وإن كانت عمدًا كان له أربعة أبعرة الأربعة من كل سن.
وأما المأمومة ففيها ثُلث الدِّية؛ وهي ثلاثة وثلاثون بعيرًا وثلث بعير.
وأما الجائفة: فإنها من جراح البدن لا من شجاج الرأس؛ وهي ما وصل إلى الجوف، ولو بمدخل إبرة، ولا تكون إلا في الظهر , أو في البطن، وفيها ثلث الدية أيضًا كالمأمومة , ولا قصاص فيها قولًا واحدًا بين أهل العلم، والعمد والخطأ فيهما سواء.
واختلف قول مالك في الجائفة إذا نفذت على قولين:
أحدهما: أن فيها ثلث الدية.
[والثاني: أن فيها ثلثي] (١) الدية، وهو اختيار ابن القاسم.
وروى أن عبد الله بن الزبير ﵁ استقاد من المنقلة , وهو أحد قولي مالك على ما نقله الحفيد أن مالكًا اختلف قوله في القصاص من المنقلة؛ فلأجل هذا لم نطلق في المنقلة إجماع العلماء.
ولا خلاف فيما كان من هذه الشجاج والجراح خطأ أن ديته ما بلغ منها ثلث الدية على العاقلة، واختلف فيما كان منها عمدًا علي ثلاثة أقوال:
أحدها: أن ذلك في مال الجاني جملة بلا تفصيل؛ لأنه عمد , والعاقلة لا تحمل العمد.
والثاني: أن ذلك على العاقلة من غير تفصيل؛ لأنه يشبه الخطأ لامتناع
стр. 4103
القصاص فيه، والقولان عن مالك.
والثالث: أن ذلك في ماله إن كان له مال، وعلى العاقلة إن لم يكن له مال، وهو أحد قولي ابن القاسم، [والحمد لله وحده] (١).
стр. 4104
المسألة الخامسة في ديات الأعضاء، والجراح، والحواس، والمنافع
فأول ذلك العقد فيه الدية كاملة، وإن نقص بعضه، فبحساب ذلك.
والسَّمع فيه الدِّية كاملة، وإن نقص بعضه، فبحساب ذلك.
والبصر فيه الدية كاملة، وإن نقص فبحساب ذلك.
والأنف فيه الدية كاملة إذا أوعى المارن جذعًا، وإن انقطع بعضه، فبحساب ما قطع منه.
والشفتان فيهما الدية كاملة؛ في كل واحدة نصفها, ولم يخلتف أحد من العلماء في ذلك وإنما اختلفوا في العليا والسفلى أيهما أكثر؛ فذهب سعيد بن المسيب إلى أن في السفلى ثلثي الدية، وذهب ابن حبيب إلى أن العليا ثلثي الدية، وهو شذوذ من القول، وإن كان سعيد إنما أوجب في السفلي ثلثي الدية لضمها [العظام] (١)، واللعاب؛ فبأن يكون في العليا ثلثا الدية لجمال الوجه، والفم أولى كما قال ابن حبيب.
واللسان فيه الدية كاملة، فإن قطع بعضه، فبحساب ما ذهب من كلامه، وهل يراعى عدد نقصان الحروف أو لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن النظر إلى نقصان الكلام بالاجتهاد لا بعدد الحروف بقدر ما يرسخ في القلب من نقصان ذلك، ويقع في نفسه أنه ذهب نصف
стр. 4105
كلامه أو ثلثه؛ لأن من الحروف ما لاحظ للسان فيه مثل الهاء، والميم، والحاء، وهو قول ابن القاسم في المدونة، وهو مشهور المذهب.
والثاني: أن الدية تقسم على عدد الحروف المعجم ثمانية وعشرون حرفًا فما نقص من هذه الحروف أخذ بحسابه، والحرف الثقيل والخفيف سواء، وهو قول أصبغ، وابن حبيب في "الواضحة"، و"الموازية".
والسن فيه خمس [من الإبل. والأضراس والأسنان سواء في كل واحد منهما خمس من الإبل] (١) على ما قضى به معاوية ﵁، وذكر مالك في موطئه عن سعيد بن المسيب ﵁ أنه قال: قضى عمر ﵁ في الأضراس ببعير بعير، وقضى معاوية ﵁ في الأضراس بخمسة أبعرة خمسة (٢).
قال سعيد: والدية تنقص في قضاء عمر، وتزيد في قضاء معاوية، فلو [كنت] (٣) أنا لجعلت فيها يعني: الأضراس -بعيرين بعيرين، فتلك الدية سواء، وذلك أن الأسنان اثنا عشر سنًا؛ وهي أربع ثنايا، وأربع رباعيات، وأربع أنياب [فيجب] (٤) لها ستون بعيرًا على خمسة أبعرة في كل سن.
والأضراس عشرون وأربع ضواحك، وهي التي تلي الأنياب، واثنا عشر رحى ثلاثة في كل شق، وأربعة نواجذ -وهي أقصاها- فيجب لها أربعون بعيرًا على قول [سعيد بن المسيب] فيأتي في الأسنان مائة بعير، وتلك الدية كاملة، ويأتي على ما ذهب إليه مالك] (٥) وقضاء معاوية في
стр. 4106
جميع الأسنان مائة بعير، وستون بعيرًا، وعلى قضاء عمر ﵁ ثمانون بعيرًا.
والصلب فيه الدية كاملة إذا أقعده، ولم يقدر على المشي.
والذكر فيه الدية كاملة قطع كله أو الحشفة وحدها، فإن قطع بعضها [فبحسابه] (١).
والأنثيان فيهما الدية كاملة، وهل هي بينهما أنصافًا أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن الدية بينهما أنصاف، وهو مذهب المدونة، وهو مشهور المذهب.
والثاني: أن في اليسرى منهما الدية كاملة، وهذا القول حكاه ابن حبيب في المذهب، وحكاه عنه أبو محمَّد في "النوادر".
وذهب سعيد بن المسيب أن في اليسرى ثلثي الدية، وفي اليمنى الثلث؛ لأن الولد يكون من اليسرى.
واختلف في الأُنثَيَين إذا قطعتا مع الذكر على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه في ذلك ديتين -كان القطع في مرة واحدة، أو قطع الذَّكر قبل الأُنثَيَين أو بعدهما- وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أن الأولى [فيها] (٢) الدية، وفي [الأخرى] (٣) حكومة -ذكرًا كان أو أُنْثَيين- وهي رواية مطرف، وابن الماجشون عن مالك.
стр. 4107
والثالث: أن في الذَّكر دية [قطع] (١) أولًا أو آخرًا، وإن قطعت الأنثيان بعد الذكر فلا دية فيهما، وبه أخذ ابن حبيب، وهو مذهب أهل العراق أنه إن بدأ بالقطع من أسفل فديتان؛ لأن الأنثيين قطعتا قبل الذكر.
وإن بدأ بالقطع من فوق فدية وحكومة.
واليدان فيهما الدية كاملة، وفي كل واحدة منهما نصف الدية.
وفي أصبع كل واحدة منهما عشر من الإبل.
وإن كان في إحدى اليدين أصبع زائد، فلا يخلو من أن تكون قوتها كقوة الأصابع، أو تكون أضعف منها.
فإن كانت ضعيفة عن التناول والخدمة، فلا خلاف أنه لا دية فيها، ولا قصاص، وإنما فيها حكومة، وإن كانت قوية ومنفعتها كمنفعة سائر الأصابع، فلا تخلو من أن يكون قطعها عمدًا أو خطأ؛ وإن كان خطأ، هل تكون فيها الدية أم لا؟
المذهب على قولين:
أحدهما: أنها لا دية فيها أصلًا، سواء قطعت وحدها، أو قطعت اليد التي هي فيها؛ وإنما فيها حكومة، وهو قول ابن سحنون عن أبيه في كتابه.
والثاني: أن فيها دية الأصبع؛ وهي عشرة من الإبل.
فإن قطعت اليد التي هي فيها، ففيها ستون بعيرًا أو ستمائة دينار إن كان الجاني من أهل الذهب، وهو قول ابن القاسم في "المجموعة"، و"الموازية".
стр. 4108
فإن قطعت عمدًا فلا قصاص فيها؛ إذ لا نظير له، وفيها الدية، وهو قول ابن القاسم في "المجموعة".
وعلى هذا القول لو قطعت جميع اليد التي هي فيها عمدًا لكان فيها القصاص، ودية الأصبع.
وأشراف الأذنين إذا قطعا قد اختلف فيها قول مالك؛ فمرة [يقول] (١) فيها الدية كاملة مع بقاء السمع، ومرة يقول: فيها الحكومة.
فإذا ذهب السمع والأذن بضربة واحدة ففيهما قولان:
أحدهما: أن الواجب فيهما دية واحدة، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه فيهما ديتين؛ على القول بأن الأذن فيها الدية إذا قطعت وبقى السمع.
وثديي المرأة فيهما الدية كاملة؛ في كل واحد منهما نصف الدية.
وإن قطعت الحلمتان، وبطل مخرج اللبن حتى لا ينتفع المرضع بذلك فقد وجبت الدية، وإن كان على غير ذلك ففيهما بقدر شينهما، وهو قول ابن القاسم، وعبد الملك.
واختلف في ثديي الصغيرة، هل يستأنى بهما أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا يستأنى بهما؛ إذ لا يطمع فيهما بنبات فيؤخر، وهو قول مطرف، وابن الماجشون، وأشهب.
والثاني: أنه يستأنى بهما كسن الصغيرة، وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم في "المجموعة"، و"الموازية"، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" وإن رجى لها نبات.
стр. 4109
وإليتا المرأة: ففيهما الدية كاملة على قول أشهب، وفيهما حكومة على قول ابن القاسم.
والشوي: وهو جلدة الرأس فيها الدية كاملة.
والصدر: إذا هدم ولم يرجع إلى ما كان عليه، ففيه الدية كاملة، وهو قول أبي الفرج عن ابن الماجشون في جلدة الرأس، والصدر.
والشم إذا ضرب، فأذهب شمه، والأنف قائم ففيه قولان:
أحدهما: وجوب الدية بذهاب الشم، وإن كان الأنف قائمًا، وهو قول أبي الفرج في "الحاوي" و"كتاب الأبهري".
وإن قطع الأرْنَبة -وهو المارن- وبقى الشم، ففيه الدية أيضًا، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، وهو المشهور.
والثاني: أن الأنف لا تجب فيه الدية حتى يستأصل من أصله، وهي رواية ابن نافع عن مالك في "الحاوي"، وهو قول شاذ، وقال: في الشم حكومة.
والجماع إذا ضربه، فأذهب جماعه فإن فيه الدية كاملة؛ لأنه قد عطل منافع الذكر، وهذا القول يستقرأ من مسألة الصلب؛ لأن الدية إنما وجبت في الصلب؛ لأنه عطل منافع الرجلين.
والذوق قد جعل فيه بعض أصحابنا المتأخرين الدية كاملة، ولا أعرف فيه نصًا للأصحاب.
وفي شفري المرأة الدية كاملة إذا سلبتهما حتى يبدو العظم، وهو قول مطرف، وابن الماجشون في "الموازية"، و"المجموعة".
فالذي يتحصل فيما يجني به على الرجل من الديات [على المذهب] (١)
стр. 4110
ثمان عشرة دية: إحدى عشرة في رأسه، وسبع في جسده؛ فالتي في الرأس: العقل، والسمع، وأشراف الأذنين، والبصر، والشم، والأنف، والذوق، والكلام، والشفتان، والشوي -وهي جلدة الرأس- والأضراس، والأسنان.
والتي في الجسد: اليدان، والرِّجلان، والصلب، والصدر، والذَّكر، والأنثيان، وإذهاب الجماع.
وتجتمع في المرأة ثمان عشرة دية أيضًا؛ لأن فيها ثلاث ديات ليست في الرجل، وهي: الشفرتان، والحلمتان، والإليتان.
كما أن في الرجل ثلاث ديات ليست في المرأة، وهي: ذهاب الجماع، والذَّكر، والأنثيان، [والحمد لله وحده] (١).
стр. 4111
المسألة السادسة في معاقبة المرأة للرجل في ديات الجراح
ولا خلاف بين العلماء فيما زاد على ثلث دية الرجل أن المرأة فيه على النصف [منه] (١)، واختلف فيما دون الثلث؛ فذهب مالك ﵀ إلى مساواتها مع الرجل إلى ثلث ديته، فإذا بلغت إلى ثلث الدية لم تستكملها، ورجعت إلى عقل نفسها، فكان لها في الثلث، وفيما زاد عليها نصف عقل الرجل.
وذهب الشافعي، وأبو حنيفة إلى أن المرأة على النصف من عقل الرجل في القليل والكثير.
والدليل لمالك ﵀ أمران: أحدهما: الأثر، والثاني: النظر.
فأمَّا الأثر: فما رواه مالك عن سعيد بن المسيب، وعن عروة بن الزبير أن المرأة مساوية للرجل إلى ثلث الدية (٢). وهو قول زيد بن ثابت، وابن عباس، وعليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وإن كان قد روى عنهما ﵄ خلاف هذا إلا أن الأشهر عنهما ما ذكرنا، وهو مذهب الفقهاء السبعة، وهو مذهب عمر بن عبد العزيز، وروى ذلك أيضًا عن النبي ﷺ من مراسيل عمرو بن شعيب عن أبيه، وعكرمة.
وذكر مالك في موطئه (٣) عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: سألت سعيد بن المسيب [كم] (٤) في أصبع المرأة؟.
стр. 4112
فقال: عشر من الإبل، وقال مثل ذلك في الثاني والثالث قال: فقلت له: كم في أربع؟ فقال: عشرون من الإبل، فقلت: حين عظم جرحها، واشتدت مصيبتها نقص عقلها، فقال: أعراقي أنت؟ قال: فقلت: بل عالم متثبت أو جاهل متعلم، فقال: هي السنة يا بن أخي.
فقوله: هي السنة يا بن أخي، يحتمل أن يكون أرسله عن النبي ﷺ ، والمرسل عند مالك كالمسند في وجود العمل، ويحتمل أن تكون سنة مستنبطة من هذه الظواهر والآثار، ويحتمل أن تكون سنة البلد بلد رسول الله ﷺ ؛ فإنه متظاهر في التابعين؛ ولهذا قال ابن هرمز: وهذا مما أخذناه عن الفقهاء، ولم نقله برأينا.
وأما النظر: فإن الله ﵎ ساوى بين المرأة والرجل في أصل الخلقة، ومبدأها إلى الثلث، ثم فصل بينهما فيما بعد الثلث، فقال النبي ﷺ عن ربه: إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا نطفة ثم أربعين يومًا علقة ثم أربعين يومًا مضغة، ثم يأتي الملك الموكل بالرحم، فيقول: أي رب ذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ ما الرزق، وما الأجل؟ فينفخ فيه الروح (١).
فيقع الفعل من الله بالتذكير إن شاء أو التأنيث بعد هذا المشترط فيه، وهو من العام ثلثه، وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ إلى قوله: ﴿بِمِقْدَارٍ﴾ (٢)، وبين الاعتبار من قوله في الآيتين إحداهما: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ (٣)، والثانية
стр. 4113
قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (١)، أن أمد الغيض -وهو النقصان- من أمد المعلوم في العادة، وهو تسعة أشهر في الأغلب، والأكثر ثلاثة أشهر، وأن الولد يصح نسبه من والده لستة أشهر؛ لأن الغيض نقصان ثلاثة أشهر من التسعة؛ فيثبت النسب بولادة ستة أشهر، فإذا اعتبرنا الزيادة بالنقصان اعتبارًا عدلًا حملنا على التسعة الأشهر ثلاثة أشهر كما نقصنا من التسعة ثلاثة أشهر في الغيض، وفي حملنا ثلاثة أشهر على تسعة تمام العام، وقد تقدم أن الأربعة الأشهر المسترد فيها ثلث العام، فكما اشتركا من العلم، وهو منتهى الأمد على الاعتبار الذي ذكرناه في ثلثه في الخلقة، ثم وقع الفصل بعد الثلث، وانفرد الذكر بتذكيره، والأنثى بتأنيثها فكذلك يشتركان في المعاقلة في الثلث ثم يرجع بعد الثلث كل واحد منهما إلى عقل نفسه كما رجع بعد ثلث العام إلى صورة نفسه، وحسبك بهذا الاعتبار بيانًا لائحًا، ودليلًا واضحًا، وهذا الاعتبار لبعض أصحابنا المتأخرين.
فإذا ثبت ذلك، فينبغي أن يعلم أن في كل أصبع من أصابع الرجل عشر من الإبل، وفي كل أنملة ثلاثة أبعرة، وثلث خلا الإبهام، فإنه قد اختلف فيه المذهب على [قولين] (٢):
أحدهما: أن فيه مفصلين؛ في كل مفصل خمس من الإبل، وهو مذهب المدونة، وهو المشهور.
والثاني: أن فيه ثلاث مفاصل كسائر الأصابع، وهو قول ابن كنانة في كتاب ابن سحنون.
والمرأة تساوي الرجل في دية الأصابع حتى تقطع لها ثلاثة أصابع وأنملة
стр. 4114
ثم ترجع إلى عقل نفسها على ما نفصله ونحصله إن شاء الله، فنقول -وبالله التوفيق: فإذا ضربت المرأة، فزالت بعض أصابع يديها أو رجليها، فلا يخلو الضرب من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون عمدًا.
والثاني: أن يكون خطأ.
والثالث: أن تذهب بعض أصابعها بضربة عمد، وبعضها بضربة خطأ.
فأمَّا الوجه الأول: إذا كان الضرب عمدًا، ففيه القصاص قولًا واحدًا -كان الضارب رجلًا أو امرأة.
وأما الوجه الثاني: إذا كان الضرب خطأ، فلا يخلو من أن يقطع من أصابعها ما يبلغ ثلث الدية، أو يقطع منها ما دون ذلك.
فإن قطع منها ما يبلغ ثلث الدية، فلا يخلو من أن يكون ذلك في ضربة واحدة أو ضربات.
فإن كان في ضربة واحدة، مثل أن يضربها فيقطع لها أربعة أصابع [أو ثلاثة أصابع] (١) وأنملة ففيها في كل أصبع خمس من الإبل سواء كان القطع من كف واحدة، أو من كفين، وكان الضرب من واحد، أو من اثنين في ضربة واحدة أو ضربتين إذا كان ذلك [كله] (٢) في فور واحد، ومقام واحد؛ لأن ذلك كله كالضربة الواحدة.
فإن كان في ضربات مختلفة، وأوقات متفاوتة مثل أن يضربها، فأزال لها أصبعًا ثم ضربها مرة أخرى، فأزال لها أصبعًا أخرى حتى ضربها أربع
стр. 4115
ضربات متفرقات، ففي الأصبع الأول، والثاني، والثالث عشر عشر من الإبل في كل أصبع عشر.
وأما الأصبع الرابع، فلا يخلو من أن يكون قطعه مع الأصابع الثلاثة من كف واحدة، أو يكون قطعه من كف وقطع الثلاث من كف واحدة.
فإن كان قطع الجميع من كف واحدة: فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن فيه خمسًا من الإبل، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، وهو مشهور المذهب.
والثاني: أن فيه عشرًا من الإبل، وهو قول عبد الملك، وابن وهب في "الموازية"، وهو مذهب عبد العزيز بن أبي سلمة.
فإن كان القطع من كفين؛ فإن قطع من كف واحدة ثلاثة أصابع، ومن الآخر أصبعًا واحدة كان الضرب متفاوتًا -كما قدمناه- فله في كل أصبع عشرة من الإبل؛ إذ لكل يد حكم مستقل إذا كان الضرب مختلف الأوقات.
فأما إن قطع لها ما دون الثلث من الدية؛ مثل أن يضربها، فيقطع لها ثلاثة [أصابع] (١) ونصف أنملة، فلها في ذلك مثل ما للرجل عشرة أبعرة في كل أصبع كان الضرب في كف واحدة أو في كفين، وكان في فور واحد ومقام واحد أو في مقامين، وكان الضرب من رجل أو من رجال، ولا إشكال في ذلك.
ثم إن ضربت فقطع لها أصبع أخرى بعد ذلك، فإنك تنظر، فإن كانت الضربة الأولى في كف واحد، ثم قطع منها الأصبع [الآخر] (٢) بعد ذلك، أو ضربت فقطعت الأصبعان الباقيان جميعًا.
стр. 4116
فإن قطعت الثلاثة الأصابع الأولى في ضربة واحدة، فلها في الأصبعين الأخريين خمس في كل أصبع، وإن قطعها مفترقًا، فيجري الخلاف الذي قدمناه، فإن قطع الأصبع الأخرى من الكف التي لم يقطع منها شيء بعد، ففيه عشر من الإبل قولًا واحدًا.
وأما الوجه الثالث: إذا ذهب بعض أصابعها بضربة عمد، أو ذهب بعضها بضربة خطأ، فإن الذي ذهب منها بضربة عمد، ففيه القصاص، والذي ذهب منها بضربة خطأ فيه الدية، ولا يبنى بعض ذلك على بعض؛ مثل أن يقطع من كلها ثلاثة أصابع عمدًا، فقاصصت فيها، أو لم تقاصص ثم قطعت الأصبعان الباقيان في ذلك الكف خطأ، فإن فيها عشرين، ولا يبنى على الحكم العمد كما لو ذهبت الأول بأمر من السماء، ولم أر في المذهب في هذا نص خلاف.
تم الكتاب بحمد الله وعونه، وصلى الله على نبينا محمَّد.
стр. 4117
كتاب جناية العبيد
стр. 4118
كتاب جناية العبيد
تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها ست مسائل:
المسألة الأولى في عفو أحد الوَلِيَّيْن
اشتقت الجناية من اجتنى الثمرة باليد؛ فاستعمل ذلك في كل ما يكتسب من حدث في مال غيره، أو نفسه، أو حاله مما يسوء، ويضر كان بيد أو غيره ,كما أن الجَرِيرَة أصلها مما يُجتر الإنسان من منفعة لنفسه من مال أو غيره، ثم استعمل في كل ما يحدثه على غيره عمومًا مما لا يوافقه، ويضره في نفسه، أو ماله، أو حاله.
فإذا ثبت ذلك، فليرجع بنا الكلام إلى ما ترجمنا عليه أول المسألة في العبد إذا قتل، رجلًا عمدًا له وليان فعفى أحدهما على أن [يأخذ العبد القاتل لنفسه، أو على أن] (١) يأخذه، وزيادة عبد آخر معه، فإن كان على أن يدفع سيد العبد إلى الآخر نصف الدية جاز له ما صنع.
وهل يستبد كل واحد منهما بما أخذ، ولا يدخل على صاحبه؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن كل واحد منهما يستبد بما أخذ، ولا يدخل على صاحبه بما أخذ قلّ أو كثر، كان مثل ما أخذ أو أكثر منه، وهو قول الغير في "كتاب الصلح" من "المدونة" حيث قال: وليس دم العمد بمال؛ وإنما هو كعبد بينهما باع أحدهما حصته منه بما شاء، ولا يدخل عليه الآخر فيه.
والثاني: التفصيل بين أن يكون ما صالح به الأول أكثر من سهمه أو
стр. 4119
أقل؛ فإن صالح على أكثر من سهمه من الدية، فإن للآخر أن يضم ما أخذ من سهمه من الدية إلى ما صالح به الأول، فيقتسمان الجميع أنصافًا بينهما؛ لأن ما أخذاه ثمن الدم الذي بينهما على السواء فلا مزية فيه لأحدهما على الآخر، وهو قول أشهب في "كتاب الصلح"، وأحد قولي ابن القاسم في "كتاب الجنايات" من "المدونة".
فإن كان ما صالح به الأول مثل سهمه، أو أقل فكل واحد منهما يستبد بما قبض، ولا يدخل أحدهما على الآخر فيه.
فإن أبى سيد العبد أن يدفع إلى الآخر نصف الدية، هل يكون له الدخول على أخيه في نصف ما قبض من العبد القاتل أو في العبدين جميعًا إن كان قبض القاتل، وزيادة عبد آخر كما قال في الباب الثاني، أو لا يمكن من الدخول معه؟
فالمذهب على قولين منصوصين في المدونة:
أحدهما: أنه لا يمكن من الدخول معه فيما قبض [وهو أحد قولي ابن القاسم في أول "كتاب الجنايات"، وهو قول الغير في "كتاب الصلح" من "المدونة".
والثاني: أن له الدخول فيما قبض] (١) -شاء القابض أو أبى- وهو أحد قولي ابن القاسم في "كتاب الجنايات"، وهو قوله في "كتاب الصلح" من "المدونة" أيضًا. وقال سحنون: ومعناه: إذا أحب الأخ الذي لم يصالح أن يدخل على أخيه فيما قبض، وقوله تفسير لقول ابن القاسم.
وعلى القول بأنه لا يمكن من الدخول على أخيه فيما قبض، فقد قال
стр. 4120
في "الكتاب": إن الذي صالح بالخيار إن شاء دفع إلى أخيه نصف العبد، وتم ما صنع، وإن أبى رد العبيد، وقتلًا أو عفوًا.
أما إذا رضى القابض بمشاركة أخيه في العبد الذي قبض، ورخى أخوه بالدخول معه فيه على القول بأن ذلك له باختياره، فلا إشكال في جواز العفو، وإسقاط القصاص.
وأما على القول بأنه لا يمكن من الدخول على أخيه فيما قبض، هل يكون عفو الأول عن القاتل يبطل القصاص أو لا يبطله؟
فإنه يتخرج على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن عفوه يُبْطل الدَّم، ولا سبيل إلى القصاص، وهو قوله في "كتاب الصلح"، وقال فيه: وللذي لم يصالح على القاتل بحساب الدية، فكذلك يجب له أيضًا على سيد العبد القاتل نصف الدِّية؛ لأن تسليمه للقاتل لو أحد من أولياء الدم في حقه في الدم رضًا منه بتحمل نصف الدية للولي الآخر كما قال في إيلاده الجارية الجانية بعد علمه على ما سنتكلم عليه في مسألة مفردة إن شاء الله.
والثاني: أن القصاص قائم، ولا يبطله صلحه؛ إذ لا يجبر سيد العبد على دفع نصف الدية للذي لم يصالح، وهو نص قوله في "كتاب الديات" من "المدونة".
وعلى القول بأن لأخيه الدخول معه فيما قبض ينبغي ألا يلزمه الصلح متى [ذهب] (١) من يده بعض ما ترك القصاص من أجله؛ لأنه يقول: إنما عفوت عن القصاص لرغبتي فيما قبضت [لأستبد] (٢) به وحدي، وهو يقول في هذا الكتاب "وكتاب الصلح" أنه لا سبيل لهما إلى القتل
стр. 4121
مهما أشركه في العبد إما برضا من المصالح [وإما] (١) بالجبر على قول؛ فقد اختلف المتأخرون فيما وقع في الكتابين، هل ذلك اختلاف قول أو ذلك اختلاف حال؟ على قولين:
أحدهما: أن ذلك اختلاف حال، وأن مسألة "كتاب [الجنايات] (٢) " الجناية فيها متعلقة برقبة العبد، ولسيده أن يفتكه، وفي مسألة "كتاب الصلح" هي متعلقة بالذمة لا بغيرها لكون الجاني هناك حُرّ.
والثاني: أن ذلك اختلاف قول؛ لأن تلك الجناية [تعلقت] (٣) برقبة العبد إلا أن يشاء سيده أن يفديه إذا استحياه وليا الجناية، فكذلك تعلقه بنفس الحر إلا أن يفدي نفسه [بالدية] (٤) برضا أولياء الدم، ولا فرق سواء، والحمد لله وحده.
стр. 4122
المسألة الثانية في العبد يقتل رجلًا خطأ ثم يعتقه سيده أو يبيعه
والكلام في هذه المسألة على سؤالين:
أحدهما: إذا باعه، أو أعتقه بعد الجناية.
والثاني: إذا وطئها، فحملت بعد الجناية إن كانت أمة.
فالجواب عن السؤال: في العبد إذا جنى ثم باعه سيده أو أعتقه، فلا يخلو الحكم من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون السيد جاهلًا بالجناية.
والثاني: أن يكون عالمًا بالجناية جاهلًا بالحكم.
والثالث: أن يكون عالمًا بالأمرين.
فأما الوجه الأول: إذا كان جاهلًا بالجناية، هل يبدأ بتخيير السيد بين الفداء، أو التسليم، أو يبدأ بمال العبد، أو طلب معونته؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه يبدأ بمال العبد، وهو قوله في أول "كتاب الجنايات".
والثاني: أنه يبدأ بتخيير السيد، وهو قوله في "باب المُدبَّر" يجني ثم يعتقه السيد , وهو قول سحنون.
وسبب الخلاف: هل يرجع العبد إذا فَدَاه السيد إلى الرِّق، وهو قوله في المُدَبَّر؛ لأنه قال: يفديه مدبرًا، معناه: ويبطل عتقه، أو يرجع إلى حريته؛ فمن رأى أنه يرجع رقًا قال: يبدأ بمال العبد، ومن رأى أنه يرجع حرًا، قال: يبدأ السيد ويخير بين أن يفديه أو يسلمه؛ فإن أسلمه، فإنه
стр. 4123
ينظر، فإن كان للعبد مال يكون قدر الجناية أخذ المال منه في الجناية وعتق العبد، وإن لم يكن له مال، ووجد من يعينه من ذوي قرابته أو غيرهم، فإنه لا يرد عتقه إذا أعانوه بمال قدر الجناية.
فإن لم يجد من يعينه، وكان في رقبته فضل عن أرش [الجناية] (١) هل يباع منه بقدر الجناية، أو يسلم لأهل الجناية؟
على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه يباع منه بقدر الجناية، وعتق ما بقى، وهو قول ابن القاسم في الكتاب.
والثاني: أنه لا يباع منه شيء؛ فإن كان فيه فضل، فإنه يسلم لأهل الجناية، وهم أولى بفضله كما لو لم يكن فيه [فضل] (٢)؛ لأنه محل الاتفاق أنه يسلم لأهل الجناية، وهو قول الغير في "كتاب الجنايات" من "المدونة".
وعلى القول بأنه يباع منه للجناية، ويعتق ما بقى هل يقوم ما فيه على العتق أم لا؟
على قولين قائمين من "المدونة":
وسبب الخلاف: ما يوجبه الحكم هل هو [مثل] (٣) ما يوجبه الشرط في الابتداء أم لا؟
فأمَّا إن باعه، ولم يعلم بالجناية، فإن السيد مخير بين أن يفديه بدية الجناية أو يسلمه؛ فإن فداه تم البيع، ولا كلام للمشتري في ذلك إن
стр. 4124
كانت الجناية خطأ؛ لأنه عَيْب ذهب، وإن كان عمدًا , ولم يبين له حين البيع، فللمشتري أن يرده مخافة أن يعود إلى [مثل] (١) ذلك.
فإن أسلمه السيد رجع الخيار إلى المجني عليه إن شاء أجاز البيع، وأخذ الثمن، وإن شاء نقض البيع، وأخذ العبد، إلا أن يشاء المشتري أن يدفع إليه أرش الجناية، ثم يرجع [على] (٢) البائع بالأقل من أرش الجناية أو الثمن.
فإذا رضي ولي الجناية أن يجيزوا البيع، ويأخذوا الثمن على من تكون عهدة المشتري لو استحق العبد، هل تكون على سيد العبد، أو على المجني عليه؟ فإنه يتخرج على قولين.
وسبب الخلاف: الاستدامة هل تعد كالإنشاء [أم لا؛ لأن استدامة الجاني للبيع الأول الذي أوقفه السيد كان الجاني هو الذي أنشأه، أو لا تعد الاستدامة كالإنشاء؟] (٣).
وينبني الخلاف فيه: على أصل آخر؛ وهو من ملك أن يملك، هل يعد كالمالك أم لا؟؛ لأن الجاني ملك أن يفسخ البيع، ويأخذ العبد؛ فإجازته للبيع كابتداء بيع، ولا يعد كالمالك.
وأما الوجه الثاني: إذا كان عالمًا بالجناية جاهلًا بالحكم، فإنه يحلف ما أراد ببيعه، ولا عتقه تحمل الجناية، ولقد جهلت ذلك، وما ظننت إلا أن ذلك العتق يخرجه من الرق، وتكون الجناية عليه يحملها هو، وهذا نص قول مالك في "الكتاب".
فإذا حلف المعتق أنه لم يرد بقوله تحمل الجناية صار كأنه أعتق عبد
стр. 4125
غيره، فلا يجوز عتقه، ويسلم إلى المجني عليه.
فإذا افتداه سيده بأرش الجناية، هل يعتق عليه أو يسترقه.
فإنه يتخرج على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أن له أن يسترقه؛ لأن الجناية كأنها أخرجته من ملك سيده، وكان إذا افتداه كأنه اشتراه، وهو مذهب أشهب.
والثاني: أنه يعتق عليه بالعتق الأول، ولا يجوز له أن يسترقه؛ لأنه وإن كانت الجناية أحق برقبته، فهي لم تخرجه عن ملك سيده؛ إذ السيد مقدم في الخيار بين الفداء والتسليم إذا كانت الجناية خطأ، فإذا افتداه فكأنه لم يزل من ملكه.
وينبني الخلاف: على الخلاف فيمن يخير بين شيئين، فاختار أحدهما، هل يعد مختارًا لما ترك أم لا؟
فإن قلنا: إنه لا يعد مختارًا لما ترك قلنا: يعتق؛ لأنه لم يزل من ملكه، وإن قلنا: إنه يعد مختارًا لما ترك، قلنا: [إن] (١) له أن يسترقه؛ فكأنه اختار تسلميه أولًا لأرباب الجناية ثم افتداه منهم آخرًا، فيعد ذلك شراء مبتدأ.
وأما الوجه الثالث: إذا علم بالجناية، وبالحكم في منعه من البيع، والعتق، هل يعد ذلك رضا منه بتحمل الجناية أم لا؟
[فالمذهب] (٢) على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن ذلك منه رضا بتحمل الجناية، ويؤديها من ماله، وينفذ البيع والعتق، وهو قوله في الأمة إذا أولدها بعد أن جنت، وهو عالم
стр. 4126
بذلك؛ لأنه نص عليه في "الكتاب": أن ذلك منه رضا بتحمل الجناية.
وهذا إذا كان له مال.
فإن [لم يكن] (١) له مال أجرى الحكم [فيه] (٢) على ما تقدم في الوجه الأول.
والثاني: [أن ذلك] (٣) لا يعد منه رضا، ويحلف بالله ما أراد بذلك حمل الجناية، وهو ظاهر قوله في أول "كتاب الجنايات" أيضًا.
قلت: وإنما يستحلف في هذا كله إذا قال أولياء الجناية: نحن نرضى باتباعه بالجناية، ويمضي العتق والبيع.
والجواب عن السؤال الثاني: في الأمة إذا جَنَت ثم وطئها السيد، فلا تخلو من أن تحمل من وطئه، أو لم تحمل.
فإن لم تحمل، فليس وطئه رضا بتحمل الجناية، وهو مخير في افتكاكها، أو إسلامها -علم بالجناية أو لم يعلم- إلا أن يقول: أردت بذلك حمل الجناية. قاله أبو عمران الفاسي.
فإن حملت من وطئه، فلا يخلو من أن يعلم بالجناية أو [لم] (٤) يعلم.
فإن علم بجنايتها، هل يعد ذلك منه رضا بتحمل جنايتها أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن ذلك منه رضا بتحمل الجناية، ويغرم قيمة الجناية على ما
стр. 4127
أحب أو كره، وإن كان أكثر من قيمتها؛ لأن ذلك منه رضا، وهو نص قوله في "الكتاب".
فإن لم يكن له مال أسلمت إلى أهل الجناية، وكان الولد ولدها, ولا يتبعها في الجناية، ولا على الأب غرم قيمته.
والثاني: أن السيد يحلف أنه ما أراد حمل الجناية ويفديها بالأقل كالعتق، وهو قوله [في العتق] (١)، والبيع في أول "الكتاب"، وهو قوله في "كتاب محمَّد".
وقد يفرق بين العتق والإيلاد أن العتق قد يظن أنه إذا أعتقه بعد أن جنى العبد يتبع بالجناية بعد عتقه، ويبعد أن يظن هذا في أمّ الولد؛ لأنها باقية في ملك سيدها، فيكف يمكن أن يظن أنها تتبع؟
فإن لم يعلم بجنايتها، فعلى السيد الأقل من قيمتها أو من أرش الجناية، وهذا نص قوله في "الكتاب".
وقد اختلف فيها هل يفيتها الحمل، أو لا يفيتها على قولين منصوصين في "الكتاب":
أحدهما: أنه يفيتها، ويكون على السيد الأقل من قيمتها يوم الحمل أو من أرش الجناية، فإن كان له مال أخذت منه القيمة، وإن لم يكن له مال أَتبع بذلك في ذمته، وهو قول ابن القاسم، وظاهره أنها تقوم بمالها, ولا شيء عليه من قيمة الولد، وهو في "الكتاب" في الأمة إذا ولدت بعد الجناية أنها تسلم بمالها، وفي مال أمّ الولد قولان عن مالك في "الكتاب" هل تقوم بمالها، وفي ولد الأمة قولان، فقيل: [لا] (٢)
стр. 4128
تسلم بولدها؛ لأنها إنما [استحقت] (١) يوم التسليم لا يوم الجناية، وهو نص قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: [أنها] (٢) تسلم بولدها.
ومثلها في "الكتاب" بمسألة الوارث إذا وثب على جارية في تركة أبيه، وقد توفي، وعليه من [الديون] (٣) ما يغترق ماله، فأحبلها أنه إن كان عالمًا بدين أبيه، فبادر الغرماء رأيت إن كان له مال أن تكون عليه قيمتها في ماله، وإن لم يكن له مال أسلمت إلى الغرماء فباعوها.
وإن لم يعلم بدين أبيه رأيتها أمّ ولد للابن، ورأيت أن يتبع بقيمتها، فقال ابن القاسم: فهذا أصل مسألتك.
والثاني: أن الحمل لا يفيتها، وأن السيد إذا لم يكن له مال يفديها به كانت أملك ربها، وتسلم إلى المجني عليه؛ لأنها لو بيعت، ولا علم [لهم] (٤) بالجناية، فأعتقها المشتري لم يكن ذلك فوتًا يبطل حق المجني عليه؛ لأنها مرتهنة بالجناية، وهي في رقبتها بخلاف الجارية التي وطئها الوارث؛ فإن دين الغرماء غير متعلق بعينها، ودينهم في ذمة الميت، ولو أن الورثة باعوها, ولا علم لهم بأن على أبيهم دين يغترق قيمتها، وفاتت عند المشتري بعتق، أو إيلاد لم يكن لهم إلى رد العتق سبيل، وإنما لهم الثمن إن وجدوه، وإلا أتبعوا به من أخذه، وهذا نص قول سحنون في "المدونة" [والحمد لله وحده] (٥).
стр. 4129
المسألة الثالثة في جناية المُدَبَّر
ولا تخلو جنايته من وجهين:
أحدهما: أن يجني على أجنبي من الناس.
والثاني: أن يجني على سيده.
فأمَّا الوجه الأول: إذا جنى على أجنبي من الناس، فلا يخلو سيده من أن يكون عليه دين، أو لا دين عليه.
فإن كان عليه دين يغترق قيمة المدبر، أو لا يغترق قيمته؛ فأهل الجناية أولى بخدمته من غرماء السيد [فيستخدموه] (١) بقدر جناياتهم إلا أن يشاء الغرماء أن يدفعوا لأهل الجناية قدر جنايتهم، ويأخذوا العبد المدبر، فيؤاجروه لأنفسهم حتى يستوفوا دينهم.
فإن لم يأخذه الغرماء وأسلموه إلى أولياء الجناية، ثم مات السيد، ولا مال له سوى المدبر، فلا تخلو قيمة المدبر من أن يستغرقها ما عليه من الجناية، والدين الذي على السيد، أو ما يبقى فيها فضل.
فإن استغرقت فالتدبير يبطل، ويبقى الدين والجناية؛ لأن التدبير وصية والدين يرد الوصية والجناية أولى من الدين؛ لأن الجناية في رقبته إلا أنْ يَزِيد أهل الدَّين على أرش الجناية، فيحط ذلك عن الميت؛ فيكون أولى بالعبد؛ لأن أهل [الجناية] (٢) إذا استوفوا جنايتهم، فلا حجة لهم.
стр. 4130
وإن كان فيه فضل، فإنه يباع الأهل الجناية [أولًا] (١) بقدر جنايتهم، ثم يباع منه [للدين] (٢) فما بقى منه يعتق ثلثه، ويرق ثلثاه للورثة.
فلو أسقط الغرماء ديونهم عن سيد العبد بعد موته، هل يكون المجني عليه أولى بجميع رقبة المدبر أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه بمنزلة من لا دين عليه، ويعتق ثلث المدبر [أو] (٣) ما حمل الثلث منه، ويبيع من الجناية بقدر ذلك، ويخير الورثة فيما رق منه، وهو قول ابن القاسم، وأشهب في الموازية.
والثاني: أن المجني عليه أحق برقبة المدبر؛ لأن ذلك وجب له بعد موت السيد؛ فلا يزيله إسقاط الدين، وهذا القول نقله أبو محمَّد بن أبي زيد في "النوادر" (٤).
فأما الوجه الثاني: إذا لم يكن على السيد دين، فإن السيد يخير بين أن يسلم خدمته لأهل الجناية أو يفتديها؛ لأنه لم يملك من [المدبر] (٥) إلا هي، فإن فداها فإنه يستخدمه ما دام حيًا، فإذا مات [وحمله] (٦) الثلث فإنه يعتق ولا يتبع بشيء، فإن لم يحمله الثلث، فإنه يعتق منه ما حمل الثلث، ويرق الباقي للورثة.
فإن أسلمها لأهل الجناية، فإنهم يستخدمونه بقدر جنايتهم؛ فإن استوفوها، والسيد حي رجع وخدم السيد، فإن مات السيد قبل أن
стр. 4131
يستوفوها، فإن حمله الثلث عتق جميعه، وأتبع [ببقية] (١) الجناية، وإن لم يحمله الثلث عتق منه ما حمل الثلث، ويرق الباقي، ويخير الورثة فيما رق منه بين أن يفدوه بقدر ما ينوبه من أرش الجناية، أو يسلموه لأولياء الجناية.
فإن كان للمدبر مال لم تسلم خدمته، وأدى من ماله الجناية، فإن بقى منه شيء أقر بيده إلا أن ينتزعه السيد، وإن لم يف ماله بالأرش اختدموه فيما بقى إلا أن يفدي به.
ولو جنى بعد تسليم الخدمة إلى الأول، فإنهما يتحاصان في خدمته؛ الأول بما بقى له، والثاني يخرجه كله.
وخرج فيه ابن الجلاب قولًا ثانيًا أن المجني عليه أولى بالخيار بين أن يفديها من الثاني بدية جرحه أو يسلمها له، فيبطل حقه منها.
فإن جنى على المدبر بعد تسليم خدمته إلى المجروحين [لمن يكون أرش جرحه، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك للسيد، وهو قول ابن القاسم في الموازية.
والثاني: أنه يكون بين المجروحين] (٢) في بقية [جرحيهما] (٣)، فإن فضل منه شيء، فهو للسيد مع مرجع الرقبة، وهو قوله في "كتاب ابن المواز".
فإن أسلم خدمة مدبره إلى المجني عليه ثم بدا له أن [يفتديها] (٤) بدية
стр. 4132
الجناية أو [ما] (١) بقى منها، فهل يمكن من ذلك أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك له؛ إذ لا حجة لأولياء الجناية؛ لأن ذلك كمال يأخذه شيئًا بعد شيء، فإذا دفع له نقدًا فلا حجة له، وهو قول ابن القاسم في "العتبية".
والثاني: أنه لا يمكن من ذلك؛ لأن السيد لما خير بين أن يسلم الخدمة أو يفديها؛ فإذا اختار تسليمها لم يكن له فيها رجوع؛ لأنها القدر الذي يملك من المدبر.
أصل ذلك العبد الذي لم يكن فيه تدبير إذا أسلمه أنه لا رجوع له فيه قولًا واحدًا في المذهب.
والخدمة في مسألتنا كالرقبة؛ إذ هي التي يملكها، ويملك التصرف فيها في الحال؛ ولأن ذلك ضرب من المبايعة، وإلى هذا أشار الشيخ أبو إسحاق التونسي، وألزم للمذهب على هذا القول إلزامًا، وقال: فعلى هذا القول إذا مات السيد، فحمل المدبر الثلث، فأعتق لا يتبع بشيء من بقية [الجناية لأن] (٢) المجني عليهم لما ملكوا جملة الخدمة [كانت] (٣) زيادتها لهم، ونقصانها عليهم، وأن الميت إذا لم يترك مالًا غيره، فعتق ثلثه ورق ثلثاه للورثة أن أهل الجناية لا يتبعون الثلث المعتق منه بشيء، وأن الورثة لا يخيرون في الثلثين [اللذين صارا] (٤) لهم؛ لأن سيده لما رضي بإسلام الخدمة؛ فكأنه أسلمها، وما يكون عنها من رقبة، ومعناه،
стр. 4133
فيكون [الثلثان] (١) للمجني عليهم، والذي قاله صحيح إذا اعتبرته.
وقد حكى ابن الجلاب في المذهب [قولًا] (٢) بأن المدبر إذا خرج من الثلث، وعتق قبل أن يستوفي المجني عليهم أرش جنايته أنه لا يتبع بشيء مما بقى عليه من أرش الجناية مثل إلزام التونسي للمذهب.
فإن مات المدبر قبل استيفاء المجروح حقه من الخدمة، فقد بطل حقه، ولا شيء له على السيد [إلا أن يترك المدبر مالًا، فإنه يؤخذ منه مقدار ما يقيله، ويكون الفضل للسيد] (٣)، وهو قول أشهب في "العتبية".
فإن كان على المُدَبَّر دين في جميع ما ذكرنا، فإن الدين الذي عليه أولى بماله، والجناية والدين الذي على السيد يتزاحمان على الخدمة على الوجه الذي شرحنا.
فالجواب عن الوجه الثاني من أصل التقسيم: في المَدَبَّر إذا جنى على سيده، ولا تخلو جنايته عليه من أن تكون فيما دون النفس، أو في النفس نفسها.
فإن كانت فيما دون النفس، فهل يختدمه السيد [بدية] (٤) الجناية أو يختدمه خدمة التَّدْبِير؟
فالمذهب على قولين منصوصين في "المدونة":
أحدهما: أن السيد يختدمه بدية الجناية كالأجنبي -كان جرحه عمدًا أو خطأ- فإن كان للمدبر مال أخذه، ويحاسبه [به] (٥) في جرحه. وهي
стр. 4134
رواية عبد الحكم بن أعين عن مالك في "كتاب الجنايات" من "المدونة"، وهو راوٍ غريب -أعني: عبد الحكم بن أعين- وليس له في "المدونة" رواية سوى هذه الرواية.
والثاني: أن السيد لا يستخدمه بدية الجناية؛ لأن له عظم رقبته، وهو قول سحنون في "الكتاب".
وفائدة الخلاف وثمرته: أنا إذا قلنا برواية ابن أعين أن للسيد أن يستخدمه بدية الجناية أنه يستخدمه [بها] (١) كالأجنبي.
فإن استوفى جنايته، وهو حي -أعني: السيد- رجع إلى استخدامه بالتدبير، وإن مات السيد قبل أن يستوفي أرش جنايته، فإن المدبر يعتق منه مبلغ الثلث، أو جميعه إن حمله ثلث مال الميت كان ما بقى من الجناية التي جناها على سيده في ذمته، فإن عتق ثلثاه اتبع بثلثي الجناية، ويسقط ما بقى؛ لأنه رقيق لهم، وهذه فائدة استخدامه بالجناية، [ولهم] (٢) إذ قال في "الكتاب"؛ لأنه قد حدثت خدمة هي أولى من الخدمة الأولى.
ولو جنى على السيد والأجنبي لكان ذلك أيضًا [يختدمانه] (٣) بقدر جنايتهما، وهو نص قوله في الكتاب.
فإذا قلنا بأنه لا يختدمه بدية جنايته كان لا يتبع بشيء إذا عتق كما [لو] (٤) جنى [على] (٥) أجنبي ثم افتكه سيده أنه لا يختدمه بما افتكه [به] (٦)
стр. 4135
ولا يحاسبه به بالجناية على السيد أولًا ألا [يحاسبه بها] (١) الذي لم يخرج فيها شيئًا؛ فقد تبين لك فائدة الخلاف، والله المستعان.
فإن كانت جناية عليه في النفس، فلا يخلو من أن يقتله عمدًا أو خطأ.
فإن قتله عمدًا بطل تدبيره، ويرق للورثة إن عفوا عنه، وهو قول مالك في العتبية.
فإن قتله خطأ، فإنه يعتق في ثلث مال السيد دون ثلث الدِّية، وتؤخذ منه الدِّية أو يتبع بها أو بما عجز ماله عنه، وإن لم يحمله ثلث ماله عتق منه ما حمل ثلث المال ورق ما بقى، وأتبع بحصة ما [بقى] (٢) منه من الدية إلا أن يكون له مال، فيؤخذ منه مكانه ما لزمه من ذلك، وهو قول ابن القاسم في العتبية إذا خرج من الثلث، وهو قول أصبغ في الكتاب المذكور إذا خرج بعضه.
وفروع هذا الباب كثيرة، وإنما اختصرنا فيه على ما يليق بالكتاب [والحمد لله وحده] (٣).