← Фикх малики

Фикх малики · id 123685

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

الرجراجي، علي بن سعيد

Полный текст (4 240 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

أحدهما: أن المريض والحائض في حرمة الاعتكاف ويقتصران على عمله، ولا يجوز لهما الخروج عنه إلى مكان يمنعان منه في المسجد. وهو قول مالك (١) في "المجموعة" و"الواضحة"، وهو قول سحنون [في الحائض] (٢): أنها في بيتها في حرمة الاعتكاف، غير أنها لا تدخل المسجد (٣). والمريض كذلك إذا عجز عن البقاء في المسجد، وهو قول البغداديين تأويلًا على "المدونة"، وهو قول ابن شعبان. والثاني: أن [جميع] (٤) هؤلاء لا يلزمهم [التمادي] (٥) على جميع [أحكام] (٦) الاعتكاف إذا حدث عليهم أمر يوجب إخراجهم [من المسجد] (٧)؛ إما إباحة كيوم العيد، وإما وجوبًا كالمرض والحيض، وأن لهم التصرف في جميع أمورهم خارجًا وداخلًا؛ إذ لا يصح الاعتكاف إلا بالصوم، وإذا لم يكن الصوم فلا يلزمهم ملازمة مكان مخصوص في بيوتهم حاشا المباشرة، فإنه يمنعون منها؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٨)، وهو قول ابن القاسم في "العتبية" (٩).

стр. 702

وهكذا اختلفوا أيضًا إذا برئ المريض، أو طهرت الحائض في أثناء النهار، هل يرجعان من ساعتهما إلى موضع اعتكافهما، أو ينتظران إلى الغروب؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أنهما يرجعان من ساعتهما [إلى المسجد] (١)، ولا ينتظران إلى [المغيب] (٢). وهو نص قول ابن القاسم في "المدونة"، وهو قول ابن نافع في يوم العيد. والثاني: أنه يجوز لهما الانتظار إلى غروب الشمس، ولا يلزمهما الرجوع في بقية النهار الذي تمكن لهما [فيه] (٣) الاعتكاف. وهو نص ابن القاسم في يوم العيد فيمن اعتكف العشر الأواخر فمرض فيها، ثم صح قبل يوم الفطر، فقال فيه ابن القاسم: لا يلبث يوم الفطر في معتكفه. وفيها رواية: لا يثبت، ورواية أخرى: لا يلبث، وأخرى: لا يبيت. ثلاث روايات؛ [والرواية] (٤) لا يلبث، ولا يثبت: معناهما واحد، ورواية: لا يبيت: تقتضي أنه يجوز له الخروج إلى بيته [ليلة] (٥) العيد؛ لأن الليلة مرادة للنهار [فإذا كان النهار] (٦) لا يصح

стр. 703

فيه الصوم الذي هو شرط الاعتكاف، ولا يلزمه المكث في المسجد، فكذلك ليلته. وروى ابن نافع عن مالك أنه يخرج إلى العيد مع الناس، ثم يرجع إلى المسجد (١). وذهب بعض المتأخرين إلى أن ما وقع في الكتاب ليس باختلاف أقوال، وإنما هو اختلاف سؤال؛ وذلك أن المريض والحائض خرجا لعذر، والذي أدركه العيد هو منهي عن صيام ذلك اليوم، فلو لبث في معتكفه لتوهم أنه صائم، وبذلك أمر بالخروج يوم العيد إلى بيته. وهذا فرق ضعيف، واحتجاج رهيف، والأصح أنه اختلاف أقوال، ولاسيما أن في مسألة يوم العيد قول ثالث: أنه لا يخرج إلى [العيد] (٢) أصلًا (٣)، وهو الأصح في النظر. فيتحصل في الذي دخل عليه يوم العيد قبل أن يفرغ من اعتكافه أربعة أقوال كلها قائمة من "المدونة" (٤): أحدها: أنه يبيت في المسجد ليلة الفطر، فإذا أصبح خرج ليشهد العيد مع الناس، ثم يمضي إلى بيته، فإذا غربت الشمس رجع إلى المسجد، وهو نص ابن القاسم في "المدونة". والثاني: أنه يخرج ليشهد العيد مع الناس، ثم يرجع إلى المسجد، ولا يذهب إلى أهله، وهو نص ابن نافع في "الكتاب". والثالث: أنه لا يخرج إلى العيد أصلًا؛ قياسًا على صلاة الجنائز،

стр. 704

وسائر العبادات؛ لأنه وإن كان مفطرًا فلا يخرجه ذلك عن سنة الاعتكاف وملازمة المسجد؛ قياسًا على المريض. وظاهر المدونة: أن المريض لا يخرج من المسجد بنفس المرض حتى يخشى أن يكون منه ما يؤذي به المسجد. وهو الذي قاله البغداديون تصريحًا، وهو قول ابن سحنون عن أبيه (١): أنه لا يخرج ويلازم المسجد، وإن كان مفطرًا، وهو أظهر الأقوال. والرابع: أنه يبيت ليلة الفطر في بيته، ولا يفسد ذلك اعتكافه إن فعل، وهو أحد روايات المدونة -ولا [يبيت] (٢) يوم الفطر في المسجد يريد ليلة الفطر، وهو ظاهر قول ابن القاسم [في المدونة] (٣) في الذي اعتكف العشر الأواخر، فإذا كانت ليلة الفطر، فقال ابن وهب عن مالك [إذا كان يوم الفطر فإنه] (٤): يؤتى بثيابه إلى المسجد؛ فظاهر قوله: أنه يبيت ليلة الفطر في المسجد، بل هو كالنص. قال ابن القاسم: فإن رجع ليلة الفطر إلى بيته: فلا قضاء عليه، وهكذا [وقع] (٥) في بعض نُسَخ "المدونة"، وهو صحيح في غير "المدونة". وهذا القول الرابع [مُخَرَّج] (٦) غير منصوص عليه: واختلف في الحائض إذا طهرت قبل الفجر، وتطهرت قبل أن تصبح،

стр. 705

ثم دخلت في اعتكافها، فهل يجزئها ذلك أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه يجزئها. وهي رواية ابن وهب عن مالك، وهو ظاهر المدونة؛ لأنه قال: ترجع، أي: ساعة طهرت. فإن كان زمانًا ينعقد فيه الصيام اعتدت بذلك الزمان. والثاني: أنه لا يجزئها، وإن طهرت قبل الفجر، ونوت الصيام حتى يكون دخولها من أول الليل كابتداء الاعتكاف، وهو قوله سحنون في "النوادر" (١). فهذا تحصيل الخلاف في هذا الوجه وبقى توجيه ما فيه من الأقوال: فوجه القول الأول: أن المعتكف إذا خرج لعذر أنه يبقى في حرمة الاعتكاف؛ وذلك أن الاعتكاف هو اللبث في مكان مخصوص؛ فإذا طرأ عليه عذر يمنعه من الدوام في المسجد: فلا يخرجه عن سنة الاعتكاف [وذلك أن الاعتكاف هو اللبث في مكان مخصوص فلا يجزئه ذلك عن سنة الاعتكاف] (٢) في اعتبار حقوقه، والوفاء بسائر شروطه؛ كالراعف إذا خرج ليغسل الدم. ووجه قول من قال: إنه يتصرف في جميع أموره داخلًا وخارجًا خلا المباشرة؛ لأن الاعتكاف لما عدم منه الصوم الذي هو أصل الاعتكاف، وركن من أركانه خرج من أن يكون معتكفًا على الحقيقة إلا فيما نص الله تعالى أنه لا يجوز فعله مع بقاء اسم الاعتكاف، وهو المباشرة. ووجه القول: بأنهما يرجعان إلى المسجد -أي: ساعة زال العذر- هل

стр. 706

ملازمة المسجد مع عدم الصيام لازمة للمعتكف إذا تمكن [له] (١) اللبث أم لا؟ فمن رأى أن المكث لا يلزمه: لأنه لا يعتد بذلك [اليوم] (٢)، وهو وجه القول [بأنهما لا يرجعان] (٣) إذا تمكن لهما في أثناء النهار. ومن رأى أن المكث لازم له، وأنه لا يجوز للمعتكف الإخلال ببعض شروط الاعتكاف التي لا عذر له فيها: قال: يرجع أي ساعة يتمكن له الدخول، وهو وجه القول بأنهما يرجعان. وأما اختلافهم في الحائض إذا طهرت قبل الفجر، هل تعتد بذلك اليوم، إذا [دخلت] (٤) قبل الفجر، أو لا تعتد به إلا إذا دخلت في أول الليل؛ فإنه يتخرج على اختلافهم في المعتكف ابتداءً متى يدخل في اعتكافه؛ هل ذلك في أول [الليل] (٥) أو عند الغروب، ولا يجوز له التأخير إلى طلوع الفجر، أو يجوز له التأخير [عند طلوع الفجر] (٦) على ما سنتكلم عليه بعد هذا إن شاء الله؟ وأما الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا كان اعتكافًا منذورًا: فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن ينذر أيامًا بأعيانها. والثاني: أن ينذر اعتكاف أيام بغير أعيانها.

стр. 707

فإذا نذر اعتكاف أيام بأعيانها: فلا تخلو أن تكون من رمضان أو من غيره. فإن كانت من رمضان [فمرضها] (١) أو حاضت فيها المرأة: فإنهما [يقضيانه ويصلانه بما] (٢) كان [من] (٣) الاعتكاف سواء كان ذلك في أوله أو في آخره. وإن كان أفطر فيه ناسيًا: [فعليه] (٤) القضاء. وإن كان عامدًا: [فعليه] (٥) استئناف الاعتكاف، مع الكفارة [لفطره] (٦) في رمضان، ولا خلاف أعلمه في المذهب في ذلك. ووجهه: أن قضاء رمضان لابد له أن يبتدئه من حيث يجب عليه أن يقضيه كما لو كان وجب عليه أولًا؛ لأنه كان وجب عليه أن يصومه في الاعتكاف واجبًا؛ أما الصيام فبوجوب الله تعالى أما الاعتكاف فبإيجابه على نفسه أيضًا. وأما إن كانت من غير رمضان فمرضها كلها أو بعضها أو حاضت فيها المرأة، فالمذهب على أربعة أقوال كلها قائمة من "المدونة" (٧): أحدها: أن عليها القضاء جملة من غير تفصيل. وهي رواية ابن وهب عن مالك في بعض روايات "المدونة" في "كتاب

стр. 708

الصيام". والثاني: أنه لا قضاء عليها جملة. وهو مذهب سحنون، وهو ظاهر "المدونة" (١) فيمن نذر صيام أيام بأعيانها فمرضها أنه لا قضاء عليه؛ لأنه مغلوب. والثالث: التفصيل بين أن يكون ذلك قبل دخولهما فيه أو بعده. فإن كان قبل الشروع فيه: فلا قضاء. وإن كان بعد الشروع فيه: فليقضيا. وهو تأويل ابن عبدوس على "المدونة". والرابع: التفصيل بين المرض والحيض؛ فالمريض لا يقضي، والحائض تقضي؛ لأنها قصدت إلى البدل حين نذرت اعتكاف أيام يدخل عليها فيها الحيض؛ كناذر صيام ذي الحجة على أحد قولي مالك، وهو ظاهر قوله في "المدونة" في "كتاب الاعتكاف" وبه قال الطحاوي. وسبب الخلاف: هل يجوز أن يقاس صيام المنذور المعين علي صيام رمضان في القضاء إذا أفطر فيه لعذر مرض أو حيض، أو لا؟ فمن جوز القياس: قال بوجوب القضاء في المرض والحيض. ومن منع القياس فقال: [الأصل] (٢) في الجميع ألا قضاء فخصصت السُّنة من ذلك صيام رمضان؛ لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٣). والسُّنة في الحيض، وما عَدَاه على الأصل. والقول بالتفريق بين أن يكون المرض والحيض [في أول الشهر أو في

стр. 709

أول أيام المنذور أو كان بعد الشروع فيه أو قبله لا وجه له في النظر والقول بالتفرقة بين المرض والحيض] (١) وجهه: ما قدمناه من أن المرض جاءه بغير اختيار ولا عِلْمَ له به، هل يحل به أم لا؟ والحيض عادة معتادة غالبًا، فكأنها دخلت على [القضاء] (٢). وقال أبو تمام المالكي البغدادي: معنى قوله في "المدونة": "تقضي الحائض": يعني: ما بقى عليها من الشهر بعد طهرها, لا أنها تقضي أيام حيضتها؛ لأن المرأة لا تحيض الشهر كله [وقد يمرض المريض الشهر كله] (٣). وهذا عندي فرق بين المسألتين في الكتاب، وقوله: تقضي [يعني] (٤) ما بقى في الشهر كما ذكرنا؛ لأن القضاء يعبر به عن الأداء؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (٥) , ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ (٦). فعلى هذا التأويل ترجع المسألة إلى ثلاثة أقوال. واختلف أيضًا إذا أكل فيه ناسيًا، هل يجب عليه القضاء أم لا؟ قولان: أحدهما: أنه يجب عليه القضاء بشرط الاتصال، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".

стр. 710

والثاني: أنه لا قضاء عليه كالمرض، والحيض على أحد الأقوال، وهو قول سحنون، والتوجيه: [ما تقدم] (١). وأما الوجه الثاني: وهو أن ينذر اعتكاف أيام بغير أعيانها، فهل يجوز أن يجعلها في الصوم الواجب مثل رمضان وغيره؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه لا يجوز أن يجعلها في الصوم الواجب عليه كيف كان؛ لأن النذر يوجب عليه الصوم، فليس له إسقاطه عن نفسه باعتكافه فيما قد وجب عليه صومه، وهذا هو المشهور. والثاني: أنه يجوز له أن يجعله في صيام نذره، وهو قول ابن عبد الحكم. وإن أفطر فيه [لعذر المرض أو النسيان، فإنه يقضي ويصل ذلك باعتكافه ولا خلاف في ذلك، وإن أفطر فيه] (٢) متعمدًا أو وجب عليه الاستئناف، فهل يعتكف اعتكافًا لقضائه، واعتكافًا لنذره؟ فالمذهب على قولين. والخلاف فيه ينبني على الخلاف فيمن أفطر في قضاء رمضان متعمدًا، هل يقضي يومين أو يومًا واحدًا؟ وإن نذر اعتكاف يوم وليلة لزمه يوم وليلة، وكذلك إن نذر اعتكاف يوم لزمه يوم وليلة. وهل يلزمه الدخول أول الليل عند الغروب، ولا يجوز له التأخير؟ فالمذهب على قولين:

стр. 711

أحدهما: أنه لا يجوز له التأخير عن أول الليل إلى قرب طلوع الفجر، فإن فعل: فإنه يبتدئ، وهو قول سحنون، وهو ظاهر "المدونة" (١). والثاني: أن ذلك على معنى الاستحباب، فإن أخره إلى قرب طلوع الفجر: فإنه يجزئه وهو الذي نقله ابن الجلاب، وبه قال القاضي أبو محمَّد عبد الدهاب. وإن نذر اعتكاف ليلة لزمه يوم وليلة على مذهب "المدونة" (٢). وفي المسألة قول ثان: أنه لا شيء عليه، وهو قول سحنون. وسبب الخلاف: الليل هل هو مقصود في الاعتكاف بعينه، أو مراد لغيره؟ فإن قلنا: إنه مقصود لعينه: فيجب عليه الدخول عند الغروب. وإن قلنا: إنه مراد لغيره؛ وهو تبييت الصوم للنهار، قال: يجزئه التأخير [والحمد لله وحده] (٣).

стр. 712

المسألة الثالثة في ملازمة المعتكف [اعتكافه] (١) ووظيفته [في العبادات وموضع اعتكافه] (٢) فهذه المسألة تتضمن ثلاثة [أسئلة] (٣): منها: الموضع الذي يجوز فيه الاعتكاف. ومنها: وظيفة المعتكف من العبادات. ومنها: ملازمته لموضع الاعتكاف، ومنعه من الخروج والتصرف إلا ما لابُدّ له منه. والجواب عن السؤال الأول: وهو الموضع الذي يختص بالاعتكاف ولا يجوز في غيره: ولا خلاف في مذهب مالك ﵀ أن الاعتكاف لا يجوز إلا في المسجد (٤) [على الجملة] (٥)، إلا خلاف شاذ روى عن ابن لبابة أنه يجوز الاعتكاف في غير المسجد، ولا يحتفل لقوله. وإنما وقع الخلاف عندنا هل يجوز في كل مسجد أم لا؟ فهذا محل التفصيل: أن نقول: لا يخلو اعتكافه من أن يكون أيامًا قلائل تنقضي قبل دخول الجمعة، أو كان أيامًا تدخل عليه فيه الجمعة قبل

стр. 713

انقضائها. فإن كانت أيامًا تنقضي قبل دخول الجمعة، أو كان ممن لا يجب عليه إتيان الجمعة، فهل يجوز له أن يعتكف في كل مسجد أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يعتكف في كل مسجد -جامعًا كان أو غيره- وهو نص "المدونة" (١)، ومشهور المذهب. والثاني: لا يجوز له أن يعتكف إلا في المسجد الجامع، ورواه ابن عبد الحكم عن مالك (٢). وسبب الخلاف: معارضة العموم بالقياس؛ وذلك أن الله تعالى قال: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٣)، [فعمم جميع المساجد] (٤) والقياس يوجب ألا يكون الاعتكاف إلا في الجامع، أو بعض المساجد الذي تُشَد الرِّحال إليها لمزيتها على ما عداها من المساجد. أما المساجد الثلاثة فلا يخفى فضلها، وما لها من الحرمة، كما نص عليه المخالفون أنه لا يجوز الاعتكاف إلا في مسجد [النبي ﷺ ] (٥). وأما المسجد الجامع: فلكونه تصلى فيه الجمعة، ولا يعتكف إلا في موضع تصلى فيه الجمعة؛ لأنه يُكَلَّفُ الخروج إليه. وهذا الاعتبار إنما يصح فيمن تجب عليه الجمعة، وأن تكون الأيام التي نذر اعتكافها أيامًا تدخل عليه فيها الجمعة قبل الفراغ منها، إلا أن يقال:

стр. 714

هذا خرج مخرج الغالب، وذلك أن الأَشْهَر من قول مالك أن الاعتكاف أقله عشرة أيام (١)، وعلى أن هذا خرج مخرج الغالب يصح هذا البناء. فإن كانت أيامًا تدخل فيها الجمعة عليه قبل الفراغ منها: فلا خلاف في الذهب أنه لا يجوز أن يعتكف في غير الجامع، فإن فعل، وجاء يوم الجمعة: فإنه يخرج بلا خلاف؛ لأن فرض الجمعة واجب عليه، وليس الاعتكاف بعذر يسقطه عنه. فإن خرج هل يفسد اعتكافه أم لا؟ على قولين: أحدهما: أن اعتكافه باطل. وهو قول ابن عبد الحكم في "النوادر" (٢). والثاني: أن خروجه لا يفسد اعتكافه. وهو قول مالك. والقولان قائمان من "المدونة". فمن رأى أنه يخرج ولا يفسد اعتكافه: قاسه على الخروج لشراء الطعام الذي يجوز له، وهو قول ابن القاسم في الكتاب. ومن رأى أن اعتكافه يبطل بالخروج: قاسه على رواية ابن نافع [أنه لا يخرج] (٣) لشراء الطعام. وسبب الخلاف: في الجميع التُّهمة هل تَتَطَرَّق إليه [أم لا؟ فمن رأى أن التهمة تتطرق إليه] (٤) في تَعَرضه للاعتكاف أيامًا يعلم أنه يجب عليه

стр. 715

فيها الخروج إلى الجمعة، ويقصد ذلك، ويتطرق إليه في ترك الاستعداد لما يخرج إليه، أو لا يُتَّهم أن يجعل ذلك ذريعة إلى الخروج، قال ببطلان الاعتكاف. ومن رأى أن التُّهْمَة لا تَتَطَرَّق إليه، وأنه لا يُتَّهم؛ لأن ذلك ضرورة تَعَرَّضَت له، قال: يخرج ويصح اعتكافه. وعلى القول بصحة الاعتكاف مع خروجه، هل يرجع إلى موضعه أو يتم في الجامع؟ فلا يخلو ما بقى من اعتكافه من أن يكون كثيرًا تدخل عليه فيه الجمعة الأخرى قبل الفراغ منها، أو يكون أقل. فإن كان كثيرًا: فلا خلاف في المذهب أنه يتمه في الجامع؛ لأن رجوعه إلى الموضع [الأول] (١) يعرضه للخروج مرة أخرى مع القدرة على الاستغناء عن ذلك. فإن كانت أيامًا قلائل تنقضي قبل الجمعة الثانية، هل يتم في الجامع أو يرجع؟ قولان: أحدهما: أنه يتم في الجامع، وهو قول مالك فيما حكاه عنه ابن القاسم (٢). والثاني: أنه يرجع ويتمه في موضع ابتدائه، وهو قول عبد الملك أيضًا. ووجه قول ابن القاسم: أنه يتم في الجامع؛ لأن رجوعه إلى الموضع

стр. 716

الأول مستغنى عنه كما [لو] (١) خرج ابتداء لغير معنى. ووجه القول الثاني: في أنه يرجع إلى موضع الابتداء كما لو خرج إلى حق واجب عليه، على أحد قولي مالك؛ لأن الخروج [واجب] (٢) في الموضعين. فإذا قلنا: إن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد [فإنه لا يجوز إلا في المسجد] (٣) ورحابه؛ فيكون في [حُجَرِه]، ولا يعتكف في سقائفه، ولا في بيت القناديل، ولا في المنار، ولا على ظَهْرِ المسجد. على كلا القولين في الظَّهْرِ، هل يطلق عليه اسم المسجد أم لا؟ واختلف في المؤذن المعتكف؛ هل يصعد المنار أم لا؟ على قولين منصوصين في "المدونة" (٤). والجواب عن السؤال الثاني: في وظيفة المعتكف من العبادات، هل عمله مقصور على نوع من العبادات [مخصوص] (٥) أم لا؟ بعد الاتفاق أنه لا يجوز له التصرف في شيء من العادات داخل المسجد وخارجه، فاختلف في المدونة على قولين: أحدهما: أن عمله مقصور على الصلاة وقراءة القرآن، وذكر الله تعالى دون غيرهم من أعمال البر، وهو المشهور.

стр. 717

والثاني: أن عمله عام في جميع أنواع البر المختصة بالآخرة، وهو مذهب ابن وهب؛ لأنه جوَّزَ له أن يُعيد المرضى في موضعه، والصلاة على الجنائز إذا انتهى إليه زحام الناس، ومُدَارَسَة العلم (١). وقولنا: المختصة بالآخرة احترازًا من الحكم بين الناس والإصلاح بينهم. وسبب الخلاف: أن هذا شيء مَسْكُوت عنه لم يَرِد فيه حَدّ من جهة الشَّارِع، فمن فَهِمَ من الاعتكاف حَبْس النفس على الأفعال المختصة بالمساجد قال: لا يجوز إلا الصلاة والذكر، وقراءة القرآن. ومن فهم منه حبس النفس على القرب الأخروية [كلها] (٢) أجاز [غير] (٣) ذلك مما ذكرناه. والجواب عن السؤال الثالث: في ملازمة موضع العكوف ومنعه من الخروج والتصرف: ولا خلاف في المذهب أن وظيفة المعتكف: اللبث واللزوم في مكان مخصوص، وإنما لا يجوز له التصرف في شيء من أمور الدنيا على وجه الاختيار، سواء كان [ذلك] (٤) في حقه أو في حق غيره. ولا خلاف أنه يجوز له الخروج للعادة الضرورية؛ كالتبرز لإماطة الأذى، ويكون ذلك في أقرب المواضع إليه، وكذلك الخروج لوضوئه وغسله من الجنابة.

стр. 718

واختلف في خروجه لغسل الجمعة (١)؛ فإن خرج لحَقِ [غيره] (٢) على سبيل الاضطرار وتَعَيَّنَ عليه الخروج كالمعتكف في ثغر من الثغور (٣)، ثم هجم عليه العدو أو يكون قبله حد من الحدود فأخرج ليقام عليه الحد، فحد أو زال الخوف، هل [يبنى] (٤) على ما مضى من اعتكافه أولًا أو يبتدئ؟ على قولين منصوصين عن مالك [في الكتاب] (٥). وسبب الخلاف: [هل النظر إلى صورة الخروج، فيبنى عليها أو] (٦) النظر إلى صورة الدخول في الابتداء؛ لأنه يغرر باعتكافه؛ لأن من كان راصدًا في الثغور مع إمكان هجوم العدو عليه، فقد عَرَّضَ اعتكافه للبطلان. وكذلك من كانت ذمته عامرة بالديون، أو قِبَله حدود لله أو [للعباد] (٧) فقد يتهم أن يكون قصد باعتكافه اللَّدَد (٨) والمماطلة فيكون قد عَرَّضَ اعتكافه للبطلان. وقد لا يقصد ذلك فيبنى؛ لأنه غير مختار للخروج إن كانت قبله شهادة فلا يجوز له الخروج لأدائها لإمكان النقل عنه، وهو في موضعه لم يَبرَح كالمريض [والحمد لله وحده] (٩).

стр. 719

المسألة الرابعة إذا أحدث المعتكف ذنبًا فيه اعتكافه وقد قال في الكتاب: إذا سكر ليلًا فسد اعتكافه. وقد اختلف المتأخرون في تأويل ذلك، وفي علة البطلان؛ فذهب [البغداديون] (١) إلى أن العلة في ذلك معصية كبيرة صدرت منه؛ فحمل على هذا كل كبيرة ارتكبها المعتكف من غيبة، أو نميمة، أو شرب مسكر، وإن لم يسكر. وهذا الذي قاله ظاهر المدونة لاحتجاجه في المسألة بقول ابن شهاب فيمن أصاب ذنبًا أن ذلك يقطع اعتكافه، ولم يرد بذلك أن الأعمال تحبط بالذنوب كما يتوهمه بعض الأغبياء ممن لا دراية له في أصول الشريعة، ولو تفكر وتدبر وأمعن النظر في سر الاعتكاف، وكونه يبطله الاشتغال بأنواع العبادات التي هي فرض على الكفاية مع تلبسه باعتكافه وملازمته لمكانه، ولم يخرج عنه إلى غيره ما خطر له ذلك بالبال، فضلًا عن أن يتفوه [به] (٢)، مع ما في ذلك من تشويش عقائد أهل السنة. والاتفاق من كل مؤمن بالله تعالى واليوم الآخر أنه لا يكفر أحد بذنب من أهل القبلة (٣)، وأن الأعمال لا تحبط بالذنوب. وذهب بعض القرويين إلى أن العلة في بطلان الاعتكاف كونه سكر، وذهب عقله بسببه فأدَّاه ذلك إلى تعطيل عمل الاعتكاف إلى طلوع الفجر،

стр. 720

وكذلك [لو شرب] (١) كل ما يعلم أنه [يعتبر] (٢) به ذلك منه لأفسد به اعتكافه. هذا تأويل أبي الحسن اللخمي، وليس في الكتاب ما يدل على تأويله؛ لأنه لم يقل: سَكِرَ أول الليل، إنما قال: سكِرَ ليلًا، [و] (٣) ذهب منه [قبل] (٤) الفجر فتحرز بهذا اللفظ وبَيَّن أنه بَيَّتَ الاعتكاف قبل طلوع الفجر؛ لكي لا يظن ظان أن اعتكافه إنما فسد لكونه طلع عليه الفجر، وهو سكران [والحمد لله وحده] (٥).

стр. 721

المسألة الخامسة العبد والمكاتب إذا نذرا اعتكافًا فإن أذن لهما السيد: فلا إشكال. وإن منعهما السيد: فأما المكاتب: فإن كان ما نذر من اعتكافه أيامًا يسيرة لا ضرر فيه على سيده: فليس له أن يمنعه. وإن كان كثيرًا: فله المنع. وأما العبد: فإن منعه السيد فلا يعتكف، ويلزمه ذلك إن عُتق. وكذلك المشي والصدقة إذا نذر ذلك، فلسيده منعه من ذلك، وإن أعتق يومًا لزمه ما نذر من مَشْي أو صدقة إن بقى ذلك المال في يده. وقال في "كتاب العتق" في الأمَة إذا حلفت بصدقة مالها أن عليها في حنثها إخراج ثلثه، وقال ابن القاسم فيه: فإذا رد ذلك السيد بعد حنثها لم يلزمها (١). واختلف المتأخرون في ذلك، هل هو اختلاف أقوال، أو اختلاف أحوال، أو اختلاف سؤال؟ فذهب بعضهم إلى أن ذلك اختلاف أحوال، وأن مسألة العتق في مال معين ومسألة الاعتكاف في غير معين، ويدل عليه قوله في الكتاب: إذا كان مالها الذي حلفت عليه في يدها. وكذلك قال سحنون في اعتكاف العبد إذا كان معينًا فمنعه السيد: لم

стр. 722

يلزمه قضاؤه. وذهب بعض الأندلسيين إلى أن ذلك اختلاف أقوال، وإلى هذا ذهب من يريد الراحة، ويصرف العناء في البحث عن نفسه. وذهب آخرون إلى أن ذلك اختلاف سؤال، وأن مسألة العتق تُرَدُّ فيها صدقتها، وهذا منعها من التنفيذ ولم يَرد، وهذا ضعيف جدًا، وقيل: مسألة الاعتكاف تمت عند قوله: لسيدها أن يمنعها. ثم جاء بسؤال آخر: إذا فعلت ذلك ولم يرد السيد، إلا أنفذه في مدة رقها: فأجاب أن ذلك لا يلزمها؛ لئلَّا يظن ظان أن ذلك لا يلزمها بإذن السيد وقت جواز إذنه. وهذا التأويل أسعد بظاهر الكتاب، وأليق بنص "المدونة"، وبالله التوفيق، والحمد لله وحده.

стр. 723

كتاب الزكاة

стр. 724

كتاب الزكاة الأول تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها تسع عشرة مسألة. المسألة الأولى في اشتقاق الزكاة وهو تطهير النفس من داء البخل، وشكر لمالك الكل. وأصل الزكاة: النماء والزيادة؛ يقال: زكى الشيء يزكو إذا نما بذاته وكثر كالزرع، والمال ونحوه أو لحاله، وفضائله، وكالإنسان في صلاحه وفضله، فسميت صدقة المال زكاة بذلك، وقيل: سميت بذلك؛ لأنها تبارك في المال الذي أخرجت منه وتنميه؛ كما قال النبي ﷺ : "ما نقص مال من صدقة" (١). وقيل: سميت بذلك؛ لأنها تزكو عند الله [وتنمو] (٢) وتضاعف لصاحبها؛ كما جاء في الحديث: "حتى تكون أكبر من الجبل" (٣). وقيل: لأن صاحبها يزكو بأدائها، كما قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٤).

стр. 725

وقيل: إنها تطهر المال وتطيبه، وقد سماها النبي ﷺ : "أوساخ الناس" (١)، ولو بقيت في المال، ولم تخرج عنه أفسدته وأخبثته. وقيل: الزكاة: التطهير؛ وعليه فسر بعضهم: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ (٢)، قيل: تطهر من الشرك، وهذا راجع إلى ما تقدم. وقيل: الزكاة: الطاعة والإخلاص، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ (٣)، لا يشهدون أن لا إله إلا الله، قال البخاري: لأن مُخْرِجُها لا يُخرِجُها إلا من إخلاصه وصحة إيمانه؛ لما جبلت عليه النفوس من حب المال. ولهذا لما توفي النبي ﷺ منعت أكثر العرب زكاتها، وتميز بأدائها الخبيث من الطيب؛ ولهذا قال ﵇: "الصدقة برهان" (٤) أي: دليل على صحة إيمان، وقيل: بذلك سميت صدقة من الصدق، أي: هي دليل على صدق إيمانه، ومساواة باطنه وظاهره. وقيل: إنها سميت بذلك؛ لأنها لا تؤخذ إلا من الأموال المعرضة للنماء والزيادة؛ كأموال التجارة والأنعام، والحرث، والثمار، وسماها الشرع أيضًا صدقة، فقال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (٥)، وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية (٦)؛ وذلك لأن صاحبها مصدق بإخراجها أمر الله تعالى بذلك، ودليل على صدق إيمانه كما تقدم.

стр. 726

وسماها أيضًا: حقًا، فقال: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (١). وسماها أيضًا: نفقة، لقوله: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢). وسماها أيضًا: عفوًا، لقوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ (٣)، على اختلاف بين المفسرين في هذه الكلمات [والحمد لله وحده] (٤).

стр. 727

المسألة الثانية في معرفة نصاب الذهب و [الفضة] (١) والنصاب: مأخوذ من النُّصُب، وهو العلم، أي: نُصِّبَ لوجوب الزكاة فيه. ومنه النصب: وهي الحجارة نصبت وجعلت علمًا للعبادة. وقيل: مأخوذ من الارتفاع، ومنه: نصائب الحوض، واحدها: نصيبة [وهي حجارة نصبت] (٢) أي: ترتفع حول الحوض، وكأن النصاب ما ارتفع من المال عن [حد] (٣) [القلة] (٤). وهي مأخوذة من النصاب، وهو الأصل، ومنه: نصاب الرجل ومنصبه، أي: أصله. فالمراد به على هذا الأصل [الموضوع] (٥)؛ لأن الزكاة تخرج منه. والأصل في نصاب الورق في الزكاة قوله ﵇: "ليست فيما دون خمس أواق زكاة" (٦). كذا روى: أواق، مثل جوار، وغواش. وذهب الخطابي في "شرح السفن" إلى تخطئة هذه الرواية, وقيل: صوابه: أواقي؛ مثل أضاحي، وأناس فجمع على لفظة واحدة.

стр. 728

والأوقية: أربعون درهمًا، مضمومة الألف مشددة الياء، وهكذا سمعناه ووجدناه في الكتب الصحاح على مثل ما رويناه. ووزن كل درهم من دراهم الكيل [المذكورة] (١): خمسون حبَّة [وخمسا حبَّة] (٢) من وسط الشعير، فنصاب الزكاة من دراهم الكيل في زمن النبي ﷺ مائتا درهم. واختلف في دراهم زماننا هذا على كم يزكي منها؟ فذهب [ابن حبيب] (٣) إلى أنه يزكي على مائتي درهم في أي زمان كان، وفي أي سكة كانت؛ اعتبارًا بالعدد الشرعي. والذي قاله بعيد جدًا؛ لأن الشرع لم يعتبر مما هو عدد، وإنما اعتبر الوزن، فاتفق أن ذلك [الوزن يوفى مائتي درهم عددًا، وإن قلنا باعتبار العدد الذي هو تبع، ويلغي الوزن الذي هو متبوع وذلك] (٤) عكس الشريعة. وذهب ابن رشد وغيره من المتأخرين إلى أن الزكاة في السكة التي كانت في غيرهم ثلاثمائة درهم وستين درهمًا؛ بناء على أن قدر الوزن للدرهم الجاري عندهم في زمانهم من درهم الشرعي: درهمان إلا خمس. ولا أدري هل السكة الجارية بين أيدينا اليوم على وزن سكة الأندلس وغيرهم يومئذ فيزكى اليوم على ثلاثمائة درهم وستين درهمًا، أو مخالفة له؟ لأن الذي جربناه اليوم من وزن درهمنا هذا اليوم [أن وزنه خمس وعشرون حبَّة من شعير وسط وهو النصف من وزن الدرهم الشرعي على

стр. 729

سواء، فيجري من ذلك أن الزكاة في أربعمائة درهم من دراهمنا اليوم] (١) بالمغرب، والله أعلم. فإذا [كان] (٢) عنده نصاب في العدد ناقص في الوزن أو مخلوط بنحاس، فلا يخلو نقصانه [في الوزن] (٣) من وجهين: أحدهما: أن يجوز مع ذلك بجواز الموازنة عددًا. والثاني: ألا يجوز بجواز الموازنة. [فإن جازت في العدد بجواز الموازنة] (٤): فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها لا تجب فيها الزكاة [وهي رواية حكاها الأبهري عن مالك وهو قول ابن لبابة ﵁. والثاني: أنها تجب فيها الزكاة جملة] (٥) وهو قول مالك في الموطأ وفي كتاب محمَّد. والثالث: التفصيل بين النقصان اليسير والكثير. وهو قول ابن القاسم في "العتبية". فإن كانت لا تجوز بجواز الموازنة: فلا تخلو أيضًا من وجهين: أحدهما: أن يكون نقصانًا تتفق عليه الموازين. [والثاني: أن يكون نقصانًا تختلف فيه الموازين، فإن كان نقصانًا تتفق عليه الموازين] (٦) فلا زكاة عليه اتفاقا.

стр. 730

فإن كانت ناقصة نقصانًا تختلف فيه الموازين: فالمذهب على القولين: أحدهما: وجوب الزكاة. والثاني: نفيه. وسبب الخلاف: هل المعتبر الوزن مع الجريان، أو المعتبر الجريان، ويكون العدد يقوم مقام الوزن؟ فمن رأى أن المعتبر الوزن مع الجريان، قال: لا زكاة عليه إذا كانت ناقصة في وزنها وإن جرت في الأسواق مجرى الوازنة؛ لأن النصاب غير حاصل، والمساواة غير معينة على المالك. ومن رأى أن المعتبر بالجريان، وأن العدد يقوم مقام الوزن: قال بوجوب الزكاة؛ لأن المنفعة المقصودة في النقدين حاصلة [ومواساة] (١) الفقراء عليه متعينة. ولا خلاف في نقصان العدد أن الزكاة لا تجب. وإن كانت الدراهم مخلوطة بالنحاس أو غيره: فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يتحرى ما فيها من الفضة، فيزكيها إن كانت نصابًا، أو كان عنده ما إن أضافه [إليه] (٢) وجبت الزكاة إن كان أقل من نصاب، وهو الأصح. والثاني: أن الأقل تبع للأكثر؛ إن كان النحاس أقل، والفضة أكثر:

стр. 731

زكى، وإن كان النحاس أكثر، والفضة أقل: فلا زكاة. وأما الذهب: فحكمه حكم الفضة في جميع ما ذكرناه إلا في النصاب؛ فإن نصاب الذهب عند مالك (١): عشرون دينارًا وازنة، والدينار: الدرهم وثلاثة أسباع الدرهم، وهو سبع العشرة، والعشرة دراهم: سبعة دنانير، ولا خلاف في ذلك. فإذا كان عنده عشرون دينارًا على هذا الوزن: فإن الزكاة واجبة عليه بحلول الحول اعتبارًا بمائتي درهم؛ لأن كل دينار بعشرة دراهم؛ سنة ماضية بمدينة النبي ﷺ [وقد روى] (٢) الحسن بن عمارة من حديث علي ﵁ أنه [ ﷺ ] (٣) قال: "هاتوا زكاة الذهب من كل عشرين دينارًا نصف دينار" (٤). وهذا انفرد به الحسن بن عمارة، ولم يثبت صحته عند العلماء؛ ولذلك اعتمد مالك ﵀ على العمل، وقال في "الموطأ" (٥): السنة التي لا اختلاف فيها عندنا أن الزكاة تجب في عشرين دينارًا، كما تجب في مائتي درهم، ثم ما زاد على نصاب الذهب والورق فبحساب ذلك. واختلف مالك والشافعي ﵄ في ضم الذهب إلى الورق

стр. 732

في الزكاة إذا كمل من مجموعهما نصاب، هل تجب الزكاة أم لا؟ فذهب مالك إلى أنهما يضمان، وأنه إذا كان عنده مائة درهم وعشرة دنانير: فإنه يزكي، ويخرج من كل واحد منهما ربع عشره (١). وذهب الشافعي (٢) إلى أنه لا يضم واحد منهما إلى الآخر. وسبب الخلاف: هل يختلف الحكم باختلاف الأسماء؟ ثم لا يجوز الضم؛ لأن حكم الذهب غير حكم الفضة، كما أن الاسم غير الاسم، أو الحكم يتحد باتحاد المنفعة فيجوز الضم؛ لأن منفعة الدنانير والدراهم واحدة وأنهما أصول الأثمان وقيم للمتلفات، وهي عمدة مالك ﵀ في هذا الباب، وفي قاعدة الربا. فإذا قلنا بجواز الجمع والضم، فهل يجوز إخراج أحدهما عن الآخر في الزكاة أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة" (٣): أحدها: أنه يجوز إخراج الذهب عن الورق، والورق عن الذهب، وهو ظاهر قوله في باب إخراج [القسيم] (٤) في الزكاة في آخر "كتاب الزكاة" من "المدونة" وهو قول منصوص في المذهب، وقد نص التونسي [على إخراج الذهب] (٥) عن الورق في الزكاة. والثاني: أنه لا يجوز إخراج أحدهما عن الآخر في الزكاة، وهو ظاهر المدونة؛ لاكن ذلك من باب شراء المرء صدقته.

стр. 733

والثالث: أنه يجوز إخراج الورق عن الذهب، ولا يجوز إخراج الذهب عن الورق، وهو نص المذهب، وهو ظاهر قوله في "الكتاب" في أول "كتاب الزكاة الأول". فوجه قول من جوز إخراج أحدهما عن الآخر: أنهما عينان منفعتهما واحدة، ويجوز ضم أحدهما إلى الآخر في الزكاة، فيجوز أن يخرج أحدهما عن الآخر. ووجه القول الثاني: أنه لا يجوز إخراج أحدهما عن الآخر: أن ذلك من باب شراء المرء صدقة ماله، والسنة أن تخرج صدقة كل مال منه. ووجه القول الثالث؛ حيث جوز إخراج الورق عن الذهب، ولم يجوز إخراج الذهب عن الورق: أنه إن أخرج الذهب عن الورق كان أضر بالمساكين في كلفة الصرف، وربما صرفوه بأقل مما أخرجه فيه، فيؤول ذلك إلى أن يخرج أقل مما وجب عليه. بخلاف إذا أخرج الورق عن الذهب: فإن ذلك رفق بالمساكين؛ لأنه كفاهم مؤونة الصرف. وهذا القول أظهر في النظر، والله أعلم. وعلى القول بأنه يجوز إخراج أحدهما عن الآخر، أو إخراج الذهب عن الورق، فهل الاعتبار بالقيمة، أو صرفه في الزكاة؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه إن أخرج الذهب عن الورق أخرج قيمة ما وجب عليه من الدراهم بصرف اليوم، وإن أخرج الورق عن الذهب: أخرج قيمة ذلك من الدراهم بصرف اليوم بالغة ما بلغت، وهو مذهب الكتاب. ووجهه: أن المساكين شاركوه بذلك الجزء، فإن اختار شراءه اشتراه

стр. 734

بسعر اليوم، كان أقل من صرف الزكاة أو أكثر. والثاني: أنه يخرج ذلك على صرف الدينار في الزكاة من غير اعتبار بصرف الواقع، [وضع] (١) عنه أو ارتفع. ووجهه: أن الدينار مساويًا لعشرة دراهم في الزكاة، فإذا وجب عليه نصف دينار ذهب، فأخرج عنه خمسة دراهم، أو وجبت عليه خمسة دراهم، فأخرج عنها نصف دينار ذهب: فقد فعل ما يجب، وَوَصَّل إلى المساكين ما وجب لهم عليه، ولا مظلمة. والثالث: أنه يخرج القيمة ما لم تكن أقل من [صرف] (٢) دينار، وهو قول ابن حبيب، وهذا توسط بين القولين [والحمد لله وحده] (٣).

стр. 735

المسألة الثالثة إذا قدم النفقة على الشراء وإذا كانت عنده عشرة دنانير، فحال الحول [عليها] (١) ثم اشترى [بها] (٢) سلعة، فباعها بعشرين أو أنفق خمسة، ثم [اشترى] (٣) بالخمسة الباقية [فباع بخمسة عشر أو اشترى بخمسة ثم أنفق الخمسة الباقية] (٤)، هل يزكي أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة" (٥): أحدها: أنه يزكي سواء قدم النفقة على الشراء، أو قدم الشراء على النفقة. وهو قول المغيرة في الكتاب، وهو قول المخزومي، وهو ظاهر قول ابن القاسم [في الكتاب] (٦) في السؤال [الأول] (٧) إذا حال الحول عنده على عشرة دنانير، ثم اشترى بها سلعة، فباعها بعشرين، فقال: يزكي، وحول ربح المال حول أصله. فإذا جعل ابن القاسم أن الربح كأنه لم يزل [كامنًا] (٨) في المال، فلما

стр. 736

حركه ظهر وبان، فهذا [الذي] (١) يلزمه في مسألة النفقة ملازمة القرط (٢) للأذن. وحجة الغير أنه يحسب [ما أنفق] (٣)، قبل الشراء [ويزكي لأنه كما لا يحسب بما أنفق قبل الحول بين الشراء أو بعده، فكذلك لا يترك أن يحسب ما أنفق قبل الشراء] (٤) أو بعده. فهذه حجة الغير [بقوله] (٥) في الكتاب، وهو الذي يسميه أهل النظر قياس العكس. ولم يقع لهم في "المدونة" إلا في موضعين خاصة. والثاني: أنه لا زكاة عليه، قدم الشراء على النفقة أو أخره. وهو قول أشهب (٦) قياسًا على [ولادة] (٧) الماشية التي جعلها ابن القاسم أصلًا، فجعل حول ربح المال حول أصله؛ وذلك أنه لو كان لرجل ثلاثون شاة، وهو ساعي نفسه، فحال عليه الحول، ثم أكل منها شاة، ثم ولدت فصارت تسعة وثلاثين: لم يكن عليه فيها زكاة. والذي ينبغي على ما قال في العين أنه يزكي؛ لأنه يقدر في الحكم أن الأولاد لم تزل [كامنة] (٨) مع الأمهات من أول الحول قبل أن يأكل منها ما أكل.

стр. 737

فإذا لم يقدر في الأصل هذا التقدير، فبأن لا يقدرها في الفرع أولى وأحق. والثالث: بالتفصيل [بين] (١) أن يقدم الشراء على النفقة: فيزكي، أو يقدم النفقة على الشراء فلا يزكي وهو قول ابن القاسم في الكتاب. فإن أراد ابن القاسم أن العرض المشتري بالخمسة يساوي خمسة عشر، والخمسة [عشر] (٢) الباقية قائمة عنده قبل النفقة، فيصح ما قال، وإن اعتبر حالة البيع بخمسة عشر، فبعيد ما قال. والقياس ما قاله أشهب، وهو الأصح في النظر، والله أعلم [والحمد لله وحده] (٣).

стр. 738

المسألة الرابعة إذا حال الحول عنده على عشرين دينارًا فلم يؤد زكاتها حتى [ابتاع بها سلعة] (١) فباعها بأربعين دينارًا بعد الحول الثاني، فقد قال في "الكتاب" (٢): إنه يزكي عن السنة الأولى عشرين دينارًا، ويزكي عن السنة الثانية تسعة وثلاثين دينارًا ونصف دينار، إلا أن يكون عنده عرض يساوى نصف دينار فإنه يزكي عن السنة الثانية أربعين دينارًا. فظاهر هذا [كله] (٣) أن الكلام كله لابن القاسم. وقد وقع في بعض روايات "المدونة" قال أشهب: إلا أن يكون عنده عرض، فجعل في هذه المسألة أن دين الزكاة مسقط للزكاة [إلا أن يكون له عرض يساوي ذلك الدين، فإن كان الكلام لابن القاسم، فإنه يعد ذلك منه اختلاف قول، وعلى أنه لابن القاسم اختصر الشيخ أبو محمَّد المسألة والذي عرف من قول ابن القاسم في العتبية والسليمانية أن دين الزكاة مسقط للزكاة] (٤) كانت له عروض، أو لم تكن، وله مثل ذلك في كتاب الزكاة الأول من المدونة في الذي فرط في الزكاة وبيده مائة: أنه لا يزكيها إلا أن يبقى منها بعد إخراج الزكاة ما تجب فيه الزكاة. ومسألة في "كتاب القراض": إذا كان رب المال مديرًا أن رب المال يزكي لكل سنة إلا ما نقصته الزكاة، ولم يذكر في شيء من ذلك أن يكون له عرض كما قال في غيرها من مسائل الديون.

стр. 739

فإن كان الكلام لابن القاسم فيتخرج من "الكتاب" قولان في دين الزكاة هل يسقط الزكاة أم لا؟. وإن كان لأشهب فيتحد قول ابن القاسم في "المدونة" وغيرها، ويكون قول أشهب خلافًا له. ومحمل الديون كلها محملًا واحدًا في إسقاط الزكاة. والفرق على مشهور قول ابن القاسم بين دين الزكاة وغيره من مسائل الديون، وذلك أن الأصل يقتضي أن الدين مسقط للزكاة، وأنه لا يقابل بالعروض ما دام العين قائمًا؛ لقول عثمان ﵁: [هذا] (١) شهر زكاتكم من كان عنده دين فليقضه حتى تحصل أموالكم، فتؤدون منها الزكاة" (٢). ولم يقل: من كان عنده عرض يساوي ما عليه من الدين فيجعله فيه. ثم خصص أهل المذهب هذا العموم بما فهموه من مراد الشارع ﷺ من [المبادرة إلى] (٣) الطاعات والاحتياط للعبادات، فقالوا: بارتصاد العروض للديون، ويبقى دين الزكاة على الأصل، وهذا أولى ما اعتذر به، وعلل به على مذهب ابن القاسم [والحمد لله وحده] (٤).

стр. 740

المسألة الخامسة مسألة زكاة [الحلي] (١) الواقعة في "الكتاب" وهي من مشكلات المدونة، وقد كثر فيها اللغط والتعسف في التأويل، وسببه اختلاف [الروايات] (٢) واضطراب المقالات حتى ترى الشُّرَّاح كل واحد منهم يثير الغبار في عين صاحبه، وسلك في التأويل مهيعًا غير مهيع غيره. فنحن بحمد الله نتشوف إلى التفصيل، ونشمر الدليل إلى التحصيل، وننزل المسألة أحسن التنزيل، ونقول من حيث التفصيل: لا يخلو الحلي من وجهين فيما يرجع إلى الزكاة: أحدهما: أن يكون للنساء. والثاني: أن يكون للذكور. فإن كان للنساء فلا يخلو من أربعة أوجه (٣): إما أن تتخذه للباس، أو للإجارة، أو للتجارة، أو لابنة لها. فإن اتخذته للباسها: فلا خلاف في المذهب أنها لا زكاة عليها. فإن اتخذته لابنة لها تلبسه، فإن كان في الحال: فلا زكاة عليها أيضًا. وإن كان في ثاني حال، والابنة موجودة، أو غير موجودة إلا أنها
следующие страницы →