← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 12380

علم أصول الفقه وخلاصة تاريخ التشريع ط المدني

عبد الوهاب خلاف

Полный текст (254 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

القاعدة الثالثة: في الواضح الدلالة ومراتبه الواضح الدلالة من النصوص: هو ما دل على المراد منه بنفس صيغته من غير توقف على أمر خارجي، فإن كان يحتمل التأويل والمراد منه ليس هو المقصود أصالة من سياقه، سمي الظاهر؛ وإن كان يحتمل التأويل والمراد منه هو المقصود أصالة من سياقه، سمي النص؛ وإن كان لا يحتمل التأويل ويقبل حكمه النسخ، سمي المفسر، وإن كان لا يحتمل التأويل ولا يقبل حكمه النسخ، سمي المحكم. وكل نص واضح الدلالة يجب العمل بما هو واضح الدلالة عليه، ولا يصح تأويل ما يحتمل التأويل منه إلا بدليل. هذه القاعدة الثالثة والقاعدة الرابعة الآتية، خاصتان ببيان الواضح الدلالة من النصوص الشرعية، وغير الواضح الدلالة منها، وبيان مراتب وضوح الواضح، ومراتب خفاء غير الواضح، وما يزال به هذا الخفاء. وأساس التفريق بين الواضح وغير الواضح هو دلالة النص بنفسه على المراد منه من غير توقف على أمر خارجي أو توقفه على أمر خارجي، فما فهم المراد منه بنفس صيغته من غير توقف على أمر خارجي فهو الواضح الدلالة، وما لم يفهم المراد منه إلا بأمر خارجي فهو غير الواضح الدلالة. وأساس التفاوت في مراتب الوضوح هو احتمال التأويل وعدم احتماله، فما فهم معناه من نفس صيغته ولا يحتمل أن يفهم منه معنى غيره، أوضح دلالة مما فهم معنى منه، ويحتمل أن يفهم منه معنى غيره. وأساس التفاوت في مراتب الخفاء هو القدرة على إزالة الخفاء وعدمها، فما في دلالته خفاء، ولا سبيل إلى إزالة خفائه إلا بالرجوع إلى مصدره وهو الشارع، أخفى مما في دلالته خفاء، والطريق ممهدة لإزالة خفائه بالبحث والاجتهاد. وقد قسم علماء الأصول الواضح الدلالة إلى أربعة أقسام:

стр. 142

الظاهر، والنص، والمفسر، والمحكم، وهي في وضوح دلالتها على هذا الترتيب فالمحكم أوضحها دلالة، ويليه المفسر، ثم النص، ثم الظاهر، وتظهر ثمرة هذا التفاوت عند التعارض. ١- الظاهر: الظاهر في اصطلاح الأصوليين هو ما دل على المراد منه بنفس صيغته من غير توقف فهم المراد منه على أمر خارجي، ولم يكن المراد منه هو المقصود أصالة من السياق ويحتمل التأويل. فمتى كان المراد يفهم من الكلام من غير حاجة إلى قرينة، ولم يكن هو المقصود الأصلي من سياقه، يعتبر الكلام ظاهرا فيه. فقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ ظاهر في إحلال كل بيع وتحريم كل ربا؛ لأن هذا معنى يتبادر فهمه من لفظي: "أحل وحرم" من غير حاجة إلى قرينة، وهو غير مقصود أصالة من سياق الآية؛ لأن الآية كما قدمنا مسوقة أصالة لنفي المماثلة بين البيع والربا ردا على الذين قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ لا لبيان حكميهما. وقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ ظاهر في إباحة نكاح ما حل من النساء؛ لأن هذا معنى يتبادر فهمه من لفظ، فانكحوا ما طاب لكم منهن من غير توقف على قرينة، وهو غير مقصود أصالة من سياق الآية؛ لأن المقصود أصالة من سياقها هو قصر العدد على أربع أو واحدة كما قدمنا. وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ظاهر في وجوب طاعة الرسول في كل ما أمر به وكل ما نهى عنه؛ لأنه يتبادر فهمه من الآية، وليس هو المقصود أصالة من سياقه؛ لأن المقصود أصالة من سياقه هو: ما آتاكم الرسول من الفيء حين قسمته فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا. وقوله ﷺ في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته"، ظاهر في حكم ميتة البحر؛ لأنه ليس المقصود أصالة من السياق، إذا السؤال خاص بماء البحر. وحكم الظاهر أنه يجب العمل بما ظهر منه ما لم يقم دليل يقتضي العمل بغير ظاهره؛ لأن الأصل عدم صرف اللفظ عن ظاهره إلا إذا اقتضى ذلك دليل،

стр. 143

وأنه يحتمل التأويل أي صرفه عن ظاهره وإرادة معنى آخر منه، فإذا كان الظاهر عاما يحتمل أن يخصص، وإن كان مطلقًا يحتمل أن يقيد، وإن كان حقيقة يحتمل أن يراد به معنى مجازي، وغير ذلك من وجوه التأويل. وأنه يقبل النسخ، أي أن حكمه الظاهر منه يصح في عهد الرسالة، وفي زمن التشريع أن ينسخ ويشرع حكم بدله متى كان من الأحكام الفرعية الجزئية التي تتغير بتغير المصالح وتقبل النسخ. ٢- النص: النص في اصطلاح الأصوليين: هو ما دل بنفس صيغته على المعنى المقصود أصالة من سياقه، ويحمل التأويل: فمتى كان المرد متبادرًا فهه من اللفظ، ولا يتوقف فهمه على أمر خارجي، وكان هو المقصود أصالة من السياق، يعتبر اللفظ نصًّا عليه. فقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ نص على نفي المماثلة بين البيع والربا؛ لأنه معنى متبادر فهمه من اللفظ، ومقصود أصالة من سياقه. وقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ نص على قصر أقصى عدد من الزوجات على أربع؛ لأنه معنى متبادر فهمه من اللفظ ومقصود أصالة من سياقه. وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ نص على وجوب طاعة الرسول في قسة الفيء إعطاء ومنعا؛ لأنه المقصود من سياقه. وحكمه حكم الظاهر، فيجب العمل بما هو نص عليه، ويحتمل أن يؤول أي يراد منه غير ما هو نص عليه، ويقبل النسخ على ما بينا في الظاهر، ولهذا أخذ من قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ.....﴾ إباحة الزواج وقصر العدد على أربع أو واحدة. فكل من الظاهر والنص واضح الدلالة على معناه، أي لا يتوقف فهم المراد من كل منهما على أمر خارجي، ويجب العمل بما وضحت دلالة منهما عليه، ويحتمل أن يؤول كل منهما بأن يراد منه غير ما وضحت دلالته عليه إذا ما وجد ما يقتضي هذا التأويل.

стр. 144

والتأويل معناه في اللغة بيان ما يؤول إليه الأمر، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ومنه المآل. ومعناه في اصطلاح الأصوليين: صرف اللفظ عن ظاهره بدليل، ومن المقرر أن الأصل عدم صرف اللفظ عن ظاهره؛ وأن تأويله أي صرفه عن روح التشريع أو مبادئه العامة، وإذا لم يبن التأويل على دليل شرعي صحيح، بل بني على الأهواء والأغراض والانتصار لبعض الآراء كان تأويلا غير صحيح، وكان عبثا بالقانون ونصوصه، وكذلك إذا عارض التأويل نصًّا صريحا أو كان تأويلا إلى ما لا يحتمله اللفظ. من أمثلة التأويل الصحيح، تخصيص عموم البيع في قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ بالأحاديث التي نهت عن بيع الغرر، وعن بيع الإنسان ما ليس عنده، وعن بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه، وهذا من تأويل الظاهر؛ لأن الآية كما قدمنا، نص ظاهر في إحلال كل بيع ونص في نفي المماثلة. وتخصيص عموم المطلقات في قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ . وتقييد الدم المطلق في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ بقوله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ ، وهكذا من كل تخصيص أو تقييد، قضى به التوفيق بين نصوص القرآن والسنة. وكذلك تأويل الشاة في قوله ﷺ : "في كل أربعين شاة شاة" والصاع من تمر في حديث المصراة: "من اشترى شاة مصراة فهو بالخيار بين أن يمسكها، وبين أن يردها وصاعا من تمر"، فإن ظاهر الحديث الأول أنه لا يجزي في زكاة الأربعين شاة إلا واحدة منها، ولا تجزي قيمتها، وظاهر الحديث الثاني أنه إذا رد المشتري الشاة المصراة لا يجزي في تعويض البائع عما احتلب من لبنها إلا صاع من تمر. وهذا الظاهر، تقتضي حكمة التشريع والأصول العامة في التضمين تأويله وصرفه عن ظاهره، وإرادة معنى آخر يتفق معها؛ لأن الغرض من إيجاب الشاة زكاة للأربعين دفع حاجة الفقراء، وقد تكون دفع حاجة الفقير بقيمة الشاة أكثر توافرا، فيراد بالشاة شاة، أو ما يعادلها من كل مال متقوم؛ ولأن الغرض من

стр. 145

إيجاب صاع من تمر هو تعويض البائع عما أتلفه من لبن شاته، وقد يتراضيان على التعويض بقيمة اللبن، أو بأي تعويض آخر غير الصاع من التمر، والمقصود هو مثل ما تلف أو قيمته، وهذا هو الأصل العام شرعا في ضمان المتلفات، وكذلك تأويل الثلث للأم بثلث ما بقي بعد فرض أحد الزوجين في إحدى المسألتين الغراوين، منعا من زيادة نصيبها في الإرث عن نصيب الأب. ومن أمثلة ذلك في القانون الجنائي، لفظ الليل في جعله جريمة السرقة وفي جريمة إتلاف المزروعات ظرفا مشددا، فإذا أخذ بظاهر النص أريد بالليل من غروب الشمس إلى شروقها، ولكن هذا ربما لا يتفق وحكمة الشارع في جعل الليل ظرفا مشددا؛ لأن الغرض تشديد العقوبة على من يغتنم الظلام فرصة لارتكاب جريمته، فيراد بالليل إذا خيم الظلام، وربما لا يكون ذلك أثر غروب الشمس مباشرة. ومن التأويل الذي هو موضع نظر، تأويل قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ ، بإرادة عشرة مساكين أو مسكينًا واحدًا عشر مرات. وقوله تعالى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ بإرادة مسكينا أو مسكينا واحدا ستين مرة، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ بإرادة الهبة، أي إذا وهب أحدكم هبة ليعوض الواهب خيرا منها أو مثلها. وإغلاق باب التأويل كله والأخذ بالظاهر دائما، كما هو مذهب الظاهرية، قد يؤدي إلى البعد عن روح التشريع والخروج عن أصوله العامة، وإظهار النصوص متخالفة. وفتح باب التأويل على مصراعيه بدون حذر واحتياط، قد يؤدي إلى الزلل والعبث بالنصوص ومتابعة الأهواء، والحق هو في احتمال التأويل الصحيح، وهو ما دل عليه دليل من نص أو قياس أو أصول عامة، ولا يأباه اللفظ بل يحتمل الدلالة عليه بطريق الحقيقة أو المجاز، ولم يعارض نصا صريحا. ٣- المفسر: في اصطلاح الأصوليين: هو ما دل بنفسه على معناه المفصل تفصيلا لا يبقى معه احتمال للتأويل، فمن ذلك، أن تكون الصيغة دالة بنفسها دلالة واضحة على معنى مفصل، وفيها ما ينفي احتمال إرادة غير معناها؛ كقوله تعالى في

стр. 146

قاذفي المحصنات: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ ، فإن العدد المعين لا يحتمل زيادة ولا نقصا، وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ ، فإن كلمة كافة تنفي احتمال التخصيص، وكثير من مواد العقوبات التي حددت العقوبات على جرائم معينة، ومواد القانون المدني التي حصرت أنواعا من الديون أو الحقوق أو فصلت أحكاما تفصيلا لا احتمال معه للتأويل. ومن ذلك أن تكون الصيغة قد وردت مجملة غير مفصلة، وألحقت من الشارع ببيان تفسيري قطعي أزال إجمالها، وفصلها حتى صارت مفسرة لا تحتمل التأويل، كقوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ، وكقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ ، وكقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ ، فالصلاة والزكاة والحج والربا، كل هذه ألفاظ مجملة لها معان شرعية لم تفصل بنفس صيغة الآية. وقد فصل الرسول معانيها بأفعاله وأقواله، فصلى وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وحج وقال: "خذو عني مناسككم"، وحصل الزكاة، وفصل الربا المحرم، وهكذا كل مجمل في القرآن، فصلته السنة تفصيلا وافيا يصير من المفسر، ويكون هذا التفصيل جزءًا من المفصل، مكملا له ما دام قطعيا، وهذا ما يسمى في الاصطلاح الحديث: التفسير التشريعي، أي الذي مصدره الشارع نفسه. فإن الرسول أعطاه الله سلطة التفسير والتفصيل بقوله سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ . وحكم المفسر أنه يجب العمل به كما فصل، ولا يحتمل أن يصرف عن ظاهره، ويقبل حكمه النسخ إذا كان مما بيناه في الظاهر، أي حكما فرعيا يقبل التبديل. فالتفسير الذي ينفي احتمال التأويل هو التفسير المستفاد من نفس الصيغة، أو المستفاد من بيان تفسيري قطعي ملحق بالصيغة صادر من المشرع نفسه؛ لأن هذا البيان من القانون. وأما تفسير الشراح والمجتهدين، فلا يعتبر جزءًا مكملًا للقانون ولا ينفي احتمال التأويل، وليس لأحد غير الشارع نفسه أن يقول فيما يحتمل التأويل منه هو كذا لا غير. ويظهر من مقارنة التفسير بالتأويل، أن كلا منهما تبيين للمراد من النص، ولكن التفسير تبيين للمراد بدليل قطعي من الشارع نفسه، ولهذا لا يحتمل أن يراد غيره.

стр. 147

وأما التأويل فهو تبيين للمرد بدليل ظني بالاجتهاد، وليس قطعيا في تعيين المراد، ولهذا يحتمل أن يراد غيره. ٤- المحكم: المحكم في اصطلاح الأصوليين: هو ما دلّ على معناه الذي لا يقبل إبطالًا ولا تبديلا بنفسه دلالة واضحة لا يبقى معها احتمال للتأويل، فهو لا يحتمل التأويل أي إرادة معنى خر غير ما ظهر منه؛ لأنه مفصل ومفسر تفسيرا لا مجال عه للتأويل، ولا يقبل النسخ في عهد الرسالة وفترة التزيل ولا بعدها؛ لأن الحكم المستفاد منه، إما حكم أساسي من قواعد الدين لا يقبل التبديل: كعبادة الله وحده، والإيمان برسله وكتبه؛ أو من أمهات الفضائل التي لا تختلف باختلاف الأحوال: كبر الوالدين، والعدل؛ أو حكم فرعي جزئي، ولكن دل الشارع على تأييد تشريعه كقوله تعالى في قاذفي المحصنات: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ ، وقول الرسول ﷺ : "الجهاد ماض إلى يوم القيامة". وحكمه أنه يجب قطعا العمل به، لا يحتمل صرفه عن ظاهره ولا نسخه، وإنما قلنا: لا يقبل النسخ؛ لأنه بعد عهد الرسول وانقطاع الوحي والتنزيل، صارت الأحكام الشرعية التي جاءت في القرآن والسنة كلها محكمة لا تقبل نسخًا، ولا إبطالًا، إذ لا توجد بعد الرسول سلطة تشريعية تمل إبطال ما جاء به أو تبديله. وسيأتي توضيح هذا في مبحث النسخ. وهذه الأنواع الأربعة للواضح الدلالة، متفاوتة في وضوح دلالتها على المراد منها كما قلنا، وظهر أثر هذا التفاوت عند التعارض. فإذا تعارض ظاهر ونص١ يرجع النص؛ لأنه أوضح دلالة من الظاهر من جهة أن معنى النص مقصود أصالة من السياق، ومعنى الظاهر غير مقصود أصالة من السياق. ومن لا شك في أن المقصود أصلة يتبادر إلى الفهم قبل غيره. فلهذا كانت دلالة النص أوضح من دلالة الظاهر، ولهذا يرجع الخاص على العام عند التعارض؛ لأن الخاص مقصود أصالة بالحكم فاللفظ نص فيه، وهو في العام غير مقصود أصالة بل في ضمن أفراده.

стр. 148

ومثال هذا قوله تعالى بعد عد المحرمات من النساء: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ، مع قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ . فالآية الأولى ظاهرة في إحلال زواج زوجة خامسة؛ لأنها مما وراء ذلك، والآية الثانية نص في قصر إباحة الزواج على أربع، فلما تعارضا رجح النص لقوته في وضوح دلالته، وحرم زواج ما زاد على أربع. وإذا تعارض نص ومفسر يرجح المفسر؛ لأنه أوضح دلالة من النص من جهة أن تفسيره جعله غير محتمل لتأويل، وجعل المراد منه متعينًا. ومثال هذا قوله ﷺ : "المستحاضة تتوضأ لكل صلاة"، مع قوله: "المستحاضة توضأ وقت كل صلاة". فالأول: نص في إيجاب الوضوء لكل صلاة؛ لأنه يفهم من لفظه ومقصود من سياقه، والثاني مفسر لا يحتمل تأويلا؛ لأن الأول يحتمل إيجاب الوضوء لكل صلاة ولو في وقت واحد، أو لوقت كل صلاة، ولو أدى في الوقت عدة صلوات، ولكن الثاني قطع هذا الاحتمال، فيرجح. وصار الحكم الشرعي هو إيجاب الوضوء للوقت، وتصلي فيه ما شاءت من الفرائض والنوافل.

стр. 149

القاعدة الرابعة: في غير الواضح الدلالة ومراتبه "غير الواضح الدلالة من النصوص، وهو ما لا يدل على المراد منه بنفس صيغته، بل يتوقف فهم المراد منه على أمر خارجي. إن كان يزال خفاؤه بالبحث والاجتهاد فهو الخفي أو المشكل، وإن كان لا يزال خفاؤه إلا بالاستفسار من الشارع نفسه فهو المجمل، وإن كان لا سبيل إلى إزالة خفائه فهو المتشابه". قدمنا في القاعدة الثالثة أن مراتب الواضح الدلالة تتفاوت في وضوحها وبينا في تلك القاعدة أقسام الواضح الدلالة. ونبين في هذه القاعدة أقسام غير الواضح الدلالة، ومراتب خفائه وما يزال به الخفاء. وقد قسم الأصوليون غير الواضح الدلالة إلى أربعة أقسام أيضا: الخفي، والمشكل، والمجمل، والمتشابه. وهذا بيان المراد اصطلاحًا بكل واحد من هذه الأقسام الأربعة، وأمثلته وحكمه: ١- الخفي: المراد بالخفي في اصطلاح الأصوليين: اللفظ الذي يدل على معناه دلالة ظاهرة، ولكن في انطباق معناه على بعض الأفراد نوع غموض وخفاء تحتاج إزالته إلى نظر وتأمل، فيعتبر اللفظ خفيا بالنسبة إلى هذا البعض من الأفراد، ومنشأ هذا الغموض أن الفرد فيه صفة زائدة على سائر الأفراد أو ينقص عنها صفة، أو له اسم خاص؛ فهذه الزيادة أو النقص أو التسمية الخاصة تجعله موضع اشتباه، فيكون اللفظ خفيا بالنسبة إلى هذا الفرد؛ لأن تناوله لا يفهم من نفس اللفظ، بل لا بد له من أمر خارجي. مثال ذلك لفظ السارق، معناه ظاهر، وهو آخذ المال المتقوم المملوك للغير خفية من حرز مثله، ولكن في انطباق هذا المعنى على بعض الأفراد نوع غموض، كالنشال "الطراز" فإنه آخذ المال في حاضر يقظان بنوع من المهارة وخفة اليد ومسارقة الأعين. فهو يغاير السارق بوصف زائد فيه وهو جرأة المسارقة، ولذا

стр. 150

سمي باسم خاص. فهل يصدق عليه لفظ السارق فتقطع يده، أو لا يصدق عليه فيعاقب تعزيرا؟ وقد ثبت بالاجتهاد اتفاقا وجوب قطع يده من طريق دلالة النص؛ لأنه أولى بالحكم من جهة أن علة القطع أكثر توافرا فيه. وكالنباش، فإنه أخذ مال غير مرغوب فيه عادة من قبور الموتى، كأكفانهم وثيابهم، فهو يغاير السارق من جهة أنه لا يأخذ مملوكا من حرز، ولذا سمي باسم خاص به فهل يصدق عليه لفظ السارق فتقطع يده أو لا يصدق فيعاقب تعزيرًا. وقد ثبت للشافعي، وأبي يوسف أنه سارق فتقطع يده. وثبت لسائر أئمة الحنفية أنه غير السارق فيعاقب تعزيرًا بما يردعه ولا تقطع يده؛ لأنه أخذه مالًا غير مرغوب فيه ولا مملوكا لأحد ومن غير حرز شبهه يسقط الحد، وكذا لفظ القاتل في حديث: "لا يرث القاتل"، هل يتناول القاتل خطأ أو بالتسبب أو لا يتناوله. والبائع إذا أخذ من المشتري نقودا على أن يأخذ منها ثمن المبيع ويرد الباقي اختفى، هل يصدق عليه أنه سارق أو خائن الأمانة. وكذا كل لفظ دل دلالة ظاهرة على معناه، ولكن وجد خفاء واشتباه في انطباق معناه على بعض الأفراد يعتبر اللفظ خفيا بالنسبة إلى هذه الأفراد. وأمثلة هذا في القوانين الشرعية والوضعية كثيرة. ومن أظهرها بعض الجرائم التي يشتبه في أنها جناية أو جنحة، أي في انطباق أحد اللفظين عليها. والطريق لإزالة هذا الخفاء هو بحث المجتهد وتأمله. فإن رأى اللفظ يتناول هذا الفرد، ولو بطريق الدلالة جعله من مدلولاته فأخذ حكمه، وإن رأى اللفظ لا يتناوله بأي طريق منطرق الدلالة لم يجعله من مدلولاته فلا يأخذ حكمه، وهذا مما تختلف فيه أنظار المجتهدين. ولذلك جعل بعضهم النباش سارقا ولم يجعله آخرون. ومرجعهم في اجتهادهم لإزالة هذا الخفاء هو علة الحكم، وحكمته، ما ورد في هذا الشأن من النصوص، فقد تكون العلة أكثر توافرا في هذا الفرد، وربما لا تكون متحققة فيه، وقد يدل على حكمه نص آخر يتناوله بوضوح. ٢- المشكل: المراد بالمشكل في اصطلاح الأصوليين؛ اللفظ الذي لا يدل بصيغته على المراد منه، بل لا بد من قرينة خارجية تبين ما يراد منه، وهذه القرينة في متناول البحث.

стр. 151

فسبب الخفاء في الخفي ليس من نفس اللفظ، ولكن من الاشتباه في انطباق معناه على بعض الأفراد لعوامل خارجية، وأما سبب الخفاء في المشكل فمن نفس اللفظ لكونه موضوعا لغة لأكثر من معنى، ولا يفهم المعنى المراد منه بنفسه، أو لتعارض ما يفهم من نص مع ما يفهم من نص آخر. وقد ينشأ الإشكال في النص من لفظ مشترك فيه، فإن اللفظ المشترك موضوع لغة لأكثر من معنى واحد، وليس في صيغته دلالة على معنى معين مما وضع له، فلا بد من قرينة خارجية تعينه كلفظ القرء في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ، فإنه موضوع في اللغة للطهر وللحيض، فأي المعنيين هو المراد في الآية، وهل تنقضي عدة المطلقة بثلاث حيضات أو بثلاثة أطهار؟ ذهب الشافعي وبعض المجتهدين إلى أن القرء في الآية المراد منه الطهر، والقرينة هي تأنيث اسم العدد؛ لأنه يدل لغة على أن المعدود مذكر وهو الأطهار لا الحيضات -وذهبت الحنفية وفريق آخر من المجتهدين إلى أن القرء في الآية هو الحيض والقرينة: أولًا: حكمة تشريع العدة، فإن الحكمة في إيجاب العدة على المطلقة تعرف براءة رحمها من الحمل، والذي يعرف هذا هو الحيض لا الطهر. وثانيا: قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ ، فإنه جعل مناط الاعتداد بالأشهر عدم الحيض، فدل على أن الأصل هو الاعتداد بالحيض. وثالثا: قول الرسول ﷺ : "طلاق الأمة ثنتان وعدتها حيضتان". فالتصريح بأن عدة الأمة بالحيض بيان للمراد بالقرء في اعتداد الحرة، وأما تأنيث اسم العدد فمراعاة تذكير لفظ المعدود وهو القرء. وقد ينشأ الإشكال في مقابلة النصوص بعضها ببعض، أي يكون كل نص على حدته ظاهر الدلالة على معناه ولا إشكال في دلالته، ولكن الإشكال في التوفيق والجمع بين هذه النصوص. ومثال هذا قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ مع قوله سبحانه: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ . وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ مع قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً

стр. 152

أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ ، وسائر النصوص التي ظاهرها التعارض. والطريق لإزالة إشكال المشكل هو الاجتهاد. فعلى المجتهد، إذا ورد في النص لفظ مشترك أن يتوصل بالقرائن، والأدلة التي نصبها الشارع إلى إزالة إشكاله وتعيين المراد منه، كما تبين من اجتهاد المجتهدين تعيين المراد بلفظ القرء في الآية، واختلاف وجهة نظرهم في هذا التعيين، وإذا وردت نصوص ظاهرها التخالف والتعارض، فعلى المجتهد أن يؤولها تأويلا صحيحا يوفق بينها، ويزيل ما في ظاهرها من اختلاف، وهاديه في هذا التأويل: إما نصوص أخرى، أو قواعد الشرع أو حكمة التشريع. ٣- المجمل: المراد بالمجمل في اصطلاح الأصوليين: اللفظ الذي لا يدل بصيغته على المراد منه، ولا توجد قرائن لفظية أو حالية تبينه، فسبب الخفاء فيه لفظي لا عارض. فمن المجمل الألفاظ التي نقلها الشارع عن معانيها اللغوية، ووضعها لمعان اصطلاحية شرعية خاص، كألفاظ الصلاة والزكاة والصيام والحج والربا، وغير هذا من كل لفظ أراد به الشارع معنى شرعيا خاصا لا معناه اللغوي. فإذا ورد لفظ منها في نص شرعي كان مجملا حتى يفسره الشارع. ولذا جاءت السنة العملية والقولية بتفسير الصلاة، وبيان أركانها وشروطها وهيئاتها، وقال الرسول: "صلوا كما رأيتموني أصلي". وكذلك فسر الزكاة والصيام والحج والربا، وكل ما جاء مجملًا في نصوص القرآن. ومن المجمل اللفظ الغريب الذي فسره النص نفسه بمعنى خاص، كلفظ القارعة في قوله تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ، مَا الْقَارِعَةُ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ، يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ ، ولفظ الهلوع في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ . ومن المجمل في نصوص القوانين الوضعية كلمة "أصل الأوقاف" الواردة بالمادة ١٦ من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية، فإن الشارع أراد بها معنى أجمله، ولم

стр. 153

يفصله، ولذا ظل السنين العديدة مثار الخلاف بين الهيئات القضائية في مصر حتى فصلها الشارع المصري بعض التفصيل في الفقرة ٢ من المادة ٢٨ من لائحة التنظيم القضائي للمحاكم المختلطة الصادرة في سنة ١٩٢٧ ونصها: "كذلك لا تختص المحاكم المختلطة بالمنازعات المتعلقة مباشرة، أو بالواسطة بأصل الواقف أو بصحته أو بتفسيره أو تطبيق بعض شروطه أو بتعيين النظار وعزلهم". وكلمة الأحوال الشخصية الواردة في عبارة: "غير ذلك مما يتعلق بالأحوال الشخصية" في المادة ١٦ من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية، فإن المراد منها مجمل فسره الشارع المصري أخيرًا في المادة ٢ من القانون رقم ٩١ سنة ١٩٣٨ التي بينت المراد من الأحوال الشخصية. وكلمات ضبط الإشهادات وكتابة سنداتها وتسجيلها الواردة في المادة ٣٦٣ من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية. ولهذا فسّر الشارع كل كلمة منها بمادة، فكل لفظ لا يفهم المراد منه بنفسه بسبب وضعه لغة لأكثر من معنى إذا حفت به قرائن يمكن أن يتوصل بها إلى تعيين المراد منه فهو المشكل. وكل لفظ لا يفهم المراد منه بنفسه إذا لم تحف به قرائن يتوصل بها إلى فهم المراد منه فهو المجمل. فسبب إجمال اللفظ، إما كونه من المشترك الذي لا تحف به قرينة تعين أحد معانيه، أو إرادة الشارع منه معنى خاصًّا غير معناه اللغوي، أو غرابة اللفظ وغموض المراد منه. والمجمل بأي سبب من هذه الأسباب الثلاثة لا سبيل إلى بيانه وإزالة إجماله، وتفسير المراد منه إلا بالرجوع إلى الشارع الذي أجمله؛ لأنه هو الذي أبهم مراده ولم يدل عليه لا بصيغة لفظية ولا بقرائن خارجية. فإليه يرجع في بيان ما أبهمه. وإذا صدر من الشارع بيان للمجمل وكان بيانًا وافيًا قاطعًا، صار به المجمل من المفسر، كالبيان الذي صدر مفصلا للزكاة والصلاة والحج وغيرها. وإذا صدر من الشارع بيان للمجمل، ولكن بيان غير واف بإزالة الإجمال صار به المجمل من المشكل، وفتح الطريق للبحث والاجتهاد لإزالة إشكاله، ولم يتوقف بيانه على الرجوع إلى الشارع؛ لأن الشارع لما بين ما أجمله بعض التبيين

стр. 154

فتح الباب للبيان بالتأمل والاجتهاد. ومثال ذلك الربا، ورد في القرآن مجملا وبينه الرسول بحديث الأموال الربوية الستة١، ولكن هذا البيان ليس وافيا؛ لأنه لم يحصر الربا فيها، وبهذا فتح الباب لبيان ما يكون فيه الربا قياسا على ما ورد في الحديث. ولفظ أصل الوقف ورد في القانون مجملا، وبينه الشارع في الفقرة ٢ من المادة ٢٨ من لائحة التنظيم القضائي، ولكنه بيان غير واف ولا حاصر، فصار اللفظ به من المشكل. وفتح الطريق لبيانه بالاجتهاد. ٤- المتشابه: المراد بالمتشابه في اصطلاح الأصوليين، اللفظ الذي لا تدل صيغته بنفسها على المراد منه. ولا توجد قرائن خارجية تبينه، واستأثر الشارع بعلمه فلم يفسره. والمتشابه بهذا المعنى ليس في النصوص التشريعية منه شيء. فلا يوجد في آيات الأحكام أو أحاديث الأحكام لفظ متشابه لا سبيل إلى علم المراد منه، وإنما يوجد في مواضع أخرى من النصوص مثل الحروف المقطعة في أوائل بعض السور: ال م. ق. ص. ح م، ومثل الآيات التي ظاهرها أن الله يشبه خلقه في أن له يدًا وعينًا ومكانًا، مثل قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ ، وقوله: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ . وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ ، فالحروف الهجائية المقطعة في أوائل بعض السور لا تدل بنفسها على المراد منها، ولم يفسر الله ما أراده منها فهو أعلم بمراده. وكذلك الآيات الموهم ظاهرها تشبيه الخالق بخلقه لا يمكن أن يفهم منها معنى ألفاظها اللغوية؛ لأن الله سبحانه منزه عن اليد والعين والمكان وكل ما يشبه خلقه، فليس كمثله شيء وهو السميع البصير، ولم يبين الشارع ما أراد منها فهو أعلم بمراده. هذا هو رأي السلف في معنى المتشابه. فهم يفوضون إلى الله علمه ويؤمنون به ولا يبحثون في تأويله، وأما رأي الخلف فهو أن هذه الآيات ظاهرها مستحيل؛ لأن الله لا يد له ولا عين ولا مكان، ولك ما ظاهره مستحيل إرادته يجب أن يؤول ويصرف عن هذا الظاهر، ويراد به معنى

стр. 155

يحتمله اللفظ ولو بطريق المجاز، وليس فيه تشبيه الخالق بخلقه. فقوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ تأويله: قدرة الله فوق قدرتهم. وقوله: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ تأويله: واصنع الفلك برعايتنا وإحاطتنا. وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ....﴾ تأويله: أنه سبحانه مع كل من يتناجون بعلمه وإحاطته وهكذا. ومنشأ هذا الخلاف في قوله تعالى في شأن المتشابهات: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ ، فمن جعل الوقف على لفظ الجلالة قال: لا يعلم تأويل المتشابه إلا الله، فتؤمن به ونفوض علمه له ولا نبحث في تأويله، ومن جعل الوقف على: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ قال: "لا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم"، فهم يعلمون تأويله بإرادة معنى يحتمله اللفظ ويتفق وتنزيه الخالق عن مشابهة خلقه. والذي يظهر لي أنه الحق هو تفسير المتشابهات في القرآن بالمشتبهات أي المحتملات التي يكون احتمالها مجالا للاختلاف في تأويلها، وهي تقابل المحكمات التي أحكمت عباراتها وحفظت من الاشتباه واحتمال التأويل. فعلى هذا ليس في القرآن ما لا سبيل إلى علم المراد منه، وإنما فيه ألفاظ تدل على المراد منها نفسها من غير اشتباه ولا احتمال للتأويل والاختلاف، وفيه ألفاظ تدل على معنى ويحتمل أن يراد منها غيره، وهذا مجال البحث والاجتهاد لإزالة الاحتمال وتعيين المراد، وفيه ألفاظ لا تدل على المراد منها بنفسها، ولكن أحاطها الشارع بقرائن أو ألحقها ببيان يفسر ما أراد منها؛ لأن الله أنزل القرآن للتدبر والذكر فكيف يكون في آياته ما لا سبيل إلى فهمه مطلقًا: والمقطعات في أوائل بعض السور ذكرت للدلالة على أن القرآن الذي أعجز الناس هو مكون من حروفهم، وليس من حروف أخرى غريبة عنهم، ولهذا يرى أن أكثر السور المبدوءة بهذه المقطعات فيها ذكر الكتاب بعد سرد هذه الحروف.

стр. 156

القاعدة الخامسة: في المشترك ودلالته "إذا ورد في النص الشرعي لفظ مشترك، فإن كان مشتركًا بين معنى لغوي ومعنى اصطلاحي شرعي، وجب حمله على المعنى الشرعي، وإن كان مشتركا بين معنيين أو أكثر من المعاني اللغوية وجب حمله على معنى واحد منها بدليل يعينه. ولا يصح أن يراد بالمشترك معنياه أو معانيه معًا". هذه القاعدة الخامسة والقاعدتان السادسة، والسابعة الآتيتان خاصة ببيان الألفاظ الثلاثة التي ترد كثيرا في النصوص الشرعية والقوانين الوضعية، وهي اللفظ المشترك، واللفظ العام، واللفظ الخاص، وبيان ما يدل عليه كل واحد منها إذا ورد في نص. والفرق الجوهري بين هذه الألفاظ الثلاثة من حيث المعنى: أن المشترك لفظ وضع لمعان متعددة بأوضاع متعددة: كلفظ السنة وضع للهجرية وللميلادية، ولفظ اليد لليمنى واليسرى، ولفظ القرش للعشرة مليمات وللخمسة. وإن العم لفظ وضع لمعنى واحد، وهذا المعنى الواحد يتحقق في أفراد كثيرين غير محصورين في اللفظ، وإن كانوا في الواقع محصورين أي أنه بحسب وضعه اللغوي لا يدل على عدد محصور من هذه الأفراد، وإنما يدل على شمول جميع هذه الأفراد، كلفظ الطلبة يدل على معنى يتحقق في أفراد غير محصورين ويشملهم جميعًا. وإن الخاص لفظ لمعنى يتحقق في فرد واحد أو في أفراد محصورين، كلفظ محمد، أو الطالب أو الطلاب العشرة، أو مائة أو ألف. فالاشتراك يتحقق بتعدد المعاني التي وضع لها اللفظ بأوضاع متعددة. والعموم يتحقق بدلالة اللفظ على شمول جميع الأفراد التي يصدق عليها من غير حصر. والخصوص يتحقق بدلالة اللفظ على الفرد أو الأفراد المحصورين التي يصدق عليها من غير شمول. فاللفظ المشترك، وهو ما وضع لمعنيين أو أكثر بأوضاع متعددة، يدل على ما وضع له على سبيل البدل، أي يدل على هذا المعنى أو ذاك، كلفظ العين وضع في

стр. 157

اللغة للباصرة، ولعين الماء النابع، وللجاسوس. ولفظ القرء، وضع في اللغة للطهر، وللحيض، ولفظ السنة، ولفظ اليد. وأسباب وجود الألفاظ المشتركة في اللغة كثيرة، أهمها اختلاف القبائل في استعمال الألفاظ للدلالة على معان، فبعض القبائل تطلق اليد على الذراع كله، وأخرى تطلق اليد على الساعد والكف، وأخرى تطلقها على الكف خاصة، فنقلة اللغة يقررون أن اليد في اللغة العربية لفظ مشترك بين المعاني الثلاثة، ومنها أن يوضع اللفظ على سبيل الحقيقة لمعنى، ثم يستعمل في غير ما وضع له مجازًا، ثم يشتهر استعمال هذا اللفظ في المعنى المجازي حتى يتناسى أنه مجازي، فيقرر علماء اللغة أن اللفظ موضوع لهذا ولهذا: كلفظ السيارة، ولفظ الدراجة، ولفظ المسرة. ومنها أن يوضع اللفظ لمعنى ثم يوضع اصطلاح شرعي أو قانوني لمعنى آخر. كلفظ الصلاة أو لفظ الدفع، وأيا كان سبب وقوع الاشتراك في الألفاظ لغة، فإن الألفاظ المشتركة بين معنيين أو أكثر ليست قليلة في اللغة وواردة في النصوص الشرعية من آي القرآن وأحاديث الرسول، وهي كما قدمنا من باب المشكل ما دامت توجد قرائن يتوصل بها إلى ترجيح أحد المعاني، وعلى المجتهد أن يزيل إشكالها ويعين المراد من كل لفظ منها إذا ورد في نص شرعي. والمشترك قد يكون اسما كما مثلنا، أو فعلا كصيغة الأمر للإيجاب وللندب، أو حرفا مثل الواو للعطف وللحال، فإذا كان اللفظ المشترك الوارد في النص الشرعي مشتركًا بين معنى لغوي ومعنى اصطلاحي شرعي وجب أن يراد به معناه الاصطلاحي الشرعي، فلفظ الصلاة وضع لغة للدعاة، ووضع شرعا للعبادة المخصوص. ففي قوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ يراد منه معناه الشرعي وهو العبادة المخصوصة لا معناه اللغوي وهو الدعاة، ولفظ الطلاق وضع لغة لحل أي قيد، ووضع شرعا لحل قيد الزوجية الصحيحة، ففي قوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ يراد منه معناه الشرعي لا اللغوي؛ وهكذا كل لفظ مشترك بين معنى لغوي، ومعنى شرعي إذا ورد في نص شرعي، فمراد الشارع منه معناه الذي وضعه له؛ لأنه لما نقل هذا اللفظ عن معناه اللغوي إلى المعنى الخاص الذي استعمله فيه، كان اللفظ في لسان الشارع متعين الدلالة على ما وضعه الشارع له. وكذلك في نصوص القوانين الوضعية إذا كان اللفظ الوارد في النص له معنيان: معنى في اللغة ومعنى

стр. 158

في الاصطلاح القانوني، وجب أن يراد به معناه القانوني لا اللغوي للسبب الذي بيناه، فلفظ الدفع ولفظ الحلول وغيرهما، يراد به المعنى القانوني لا المعنى اللغوي، وكذا لفظ الضبط، ولفظ التسجيل. وإذا كان اللفظ المشترك الوارد في النص الشرعي مشتركا بين عدة معان لغوية، وجب الاجتهاد لتعيين المعنى المراد منها؛ لأن الشارع ما أراد باللفظ إلا أحد معانيه، وعلى المجتهد أن يستدل بالقرائن، والأمارات والأدلة على تعيين هذا المراد. فلفظ القرء في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ، مشترك بين الطهر والحيض، وقد بينا في الكلام على المشكل ما استدل به بعض المجتهدين على أن المراد به الطهر، وما استدل به آخرون على أن المراد به الحيض. ولفظ اليد في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ، مشترك بين الذراع "من رءوس الأصابع إلى المنكب"، وبين الكف والساعد "من رءوس الأصابع إلى المرفق"، وبين الكف "من رءوس الأصابع إلى الرسغين"، وبين اليمنى واليسرى. وقد استدل جمهور المجتهدين بالسنة العملية على تعيين المراد منها في الآية، وهو المعنى الأخير أي رءوس الأصابع إلى الرسغين في اليمنى. ولفظ الجلالة في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ﴾ ، مشترك، يطلق لغة على من لم يخلف ولدًا ولا والدًا، وعلى من ليس بولد ولا والد من المخلفين، وعلى القرابة من جهة غيرة الولد والوالد. وقد استدل جمهور المجتهدين باستقراء آيات التوريث على تعيين أن المراد في الآية هو المعنى الأول. ولفظ الواو في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ مشترك، يستعمل للعطف ويستعمل للحال، فإن أريد به هنا الحال كان النهي واردا على ما لم يذكر اسم الله عليه، والحال أنه فسق، أي ذكر عليه حين ذبحه اسم غير الله، وإن أريد به العطف كان النهي واردا على ما لم يذكر اسم الله عليه مطلقا، سواء ذكر عليه حين الذبح اسم غير اسم الله أم لم يذكر. والمجتهدون انقسموا في تعيين المراد منها في الآية إلى رأين، ولكل وجهة.

стр. 159

ولا يصح أن يراد باللفظ المشترك معنيان أو أكثر من معانيه معًا؛ بحيث يكون الحكم الذي ورد في النص متعلقا في وقت واحد بأكثر من معنى؛ لأن اللفظ ما أراد به الشارع إلا معنى واحدا من معانيه، ووضعه لمعان متعددة إنما هو على سبيل البدل، أي أنه إما أن يدل على هذا أو ذاك. فأما دلالته على هذا وذاك في وقت واحد، فهو تحميل اللفظ ما لا يدل عليه لا بطريق الحقيقة ولا بطريق المجاز، فلا يصح أن يراد بالقرء في الآية الطهر والحيض معا، بحيث إن المطلقة إن شاءت تربصت ثلاثة أطهار، وإن شاءت تربصت ثلاث حيضات؛ لأن اللفظ لا يدل على هذا بأي طريق من طرق الدلالة. وكذلك الحال في نصوص القوانين الوضعية إذا ورد فيها لفظ لفظ مشترك بين عدة معان لغوية، ولم يبين الشارع المعنى الذي أراده منه، وجب الاجتهاد في تعيين المعنى، إما بواسطة نصوص أخرى في القانون، وإما بالرجوع إلى قواعد التشريع، ولا يصح أن يراد من لفظ مشترك في نص أكثر من معنى واحد؛ لأن اللفظ المشترك ما وضع إلا لمعنى واحد ولكنه دائر بين اثنين أو أكثر.

стр. 160

القاعدة السادسة: في العام ودلالته إذا ورد في النص الشرعي لفظ عام ولم يقم دليل على تخصيصه، وجب حمله على عمومه وإثبات الحكم لجميع أفراده قطعًا. فإن قام دليل على تخصيصه وجب حمله على ما بقي من أفراده بعد التخصيص، وإثبات الحكم لهذه الأفراد ظنا لا قطعا، ولا يخصص عام إلا بدليل يساويه أو يرجحه في القطعية أو الظنية. تعريف العام: العام: هو اللفظ الذي يدل بحسب وضعه اللغوي على شموله، واستغراقه لجميع الأفراد، التي يصدق عليها معناه من غير حصر في كمية معينة منها، فلفظ "كل عقد" في قوله الفقهاء: كل عقد يشترط لانعقاده أهلية العاقدين، لفظ عام يدل على شمول كل ما يصدق عليه أنه عقد من غير حصر في عقد معين أو عقود معينة. ولفظ "من ألقى" في حديث: "من ألقى سلاحه فهو آمن"، لفظ عام يدل على استغراق كل فرد ألقى سلاحه من غير حصر في فرد معين أو أفراد معينين. من هذا يؤخذ أن العموم من صفات الألفاظ؛ لأنه دلالة اللفظ على استغراقه لجميع أفراده، وأن اللفظ إذا دل على فرد واحد كرجل، أو اثنين كرجلين، أو كمية محصورة من الأفراد كرجال، ورهط ومائة وألف، فليس من ألفاظ العموم، وأن الفرق بين العام والمطلق، هو أن العام يدل على شمول كل فرد من أفراده، وأما المطلق فيدل على فرد شائع أو أفراد شائعة لا على جميع الأفراد. فالعام يتناول دفعة واحدة كل ما يصدق عليه من الأفراد، والمطلق لا يتناول دفعة واحدة إلا فردًا شائعا من الأفراد. وهذا هو المراد بقول الأصوليين: عموم العام شمولي، وعموم المطلق بدلي. ألفاظ العموم: استقراء المفردات والعبارات في اللغة العربية دل على أن الألفاظ التي تدل بوضعها اللغوي على العموم والاستغراق لجميع أفرادها هي: ١- لفظ كل، ولفظ جميع -"كل راع مسئول عن رعيته"، ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ - كل خطأ يحدث ضررًا بالغير يلزم فاعله بالتعويض.

стр. 161

٢- المفرد المعروف بأل تعريف الجنس: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ ، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ ، ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ ، البيع ينقل الملكية؛ لأن الجنس يتحقق في كل فرد من أفراده لا في فرد خاص أو أفراد مخصوصين. ٣- الجمع المعرف بأل تعريف الجنس: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ ... ﴾ ، ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ . والجمع المعرف بالإضافة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ ، ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ . ٤- الأسماء الموصولة: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ ، ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ ، ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ، ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ . ٥- أسماء الشرط: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ، ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ . ٦- النكرة في سياق النفي أي النكرة المنفية: "لا ضرر ولا ضرار". "لا هجرة بعد الفتح"، ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ . فكل لفظ من هذه الألفاظ موضوع في اللغة وضعًا حقيقيا للدلالة على استغراق جميع أفراده، وإذا استعمل في غير هذا الاستغراق كان استعمالًا مجازيا لا بد له من قرينة تدل عليه، وتصرفه عن المعنى الحقيقي. دلالة العام: لم يختلف الأصوليون في أن كل لفظ من ألفاظ العموم التي بيناها موضوع لغة لاستغراق جميع ما يصدق عليه من الأفراد، ولا في أنه إذا ورد في نص شرعي دل على ثبوت الحكم المنصوص عليه لكل ما يصدق عليه من الأفراد، إلا إذا قام دليل تخصيص على الحكم ببعضها. وإنما اختلفوا في صفة دلالة العام الذي لم يخصص على استغراقه لجميع أفراده، هل هي دلالة قطعية أو دلالة ظنية. فذهب فريق منهم وفيهم الشافعية إلى أن العام الذي لم يخصص ظاهر في العموم لا قطعي فيه. فهو ظني الدلالة على استغراقه لجميع أفراده، وإذا خصص كان ظني الدلالة أيضًا على ما بقي من أفراده بعد التخصيص، فهو ظني الدلالة قبل التخصيص وبعده. ويترتب على هذا أنه يصح تخصيص العام بالدليل الظني

стр. 162

مطلقًا، سواء كان أول تخصيص أو ثاني تخصيص؛ لأن الظني يخصص بالظني، وأنه لا يتحقق التعارض بين عام وبين خاص قطعي؛ لأن شرط تحقق التعارض بين الدليلين أن يكونا قطعيين أو ظنيين، بل يعمل بالخاص فيما دل عليه. ويعلم بالعام فيما عداه، وحجتهم على ما ذهبوا إليه أن استقراء النصوص الشرعية التي وردت فيها ألفاظ العموم دل على أنه ما من عام إلا وخصص، وعلى أن العام الذي بقي على عمومه نادر جدا، وما استفيد بقاؤه على عمومه إلا من قرينة صاحبته، وإذاكان الشأن والكثير الغالب في كل عام أنه غير باق على عمومه؛ فإذا ورد العام مطلقا عن دليل يخصصه فهو بناء على الكثير الغالب محتمل للتخصيص. وعلى هذا فالعام المطلق عن دليل يخصصه ظاهر في العموم لا قطعي فيه. وذهب فريق منهم وفيهم الحنفية إلى أن العام الذي لم يخصص قطعي في العموم، فهو قطعي الدلالة على استغراقه لجميع أفراده، وإذا خصص صار ظاهرًا في دلالته على ما بقي بعد التخصيص، أي ظني الدلالة عليه. ففي هذا المذهب: العام الذي لم يخصص قطعي الدلالة على استغراقه جميع أفراده، وإذا خصص صار ظني الدلالة على ما بقي من أفراده بعد التخصيص. ويترتب على هذا أنه لا يصح أن يخصص العام أول تخصيص بدليل ظني؛ لأن الظني لا يخصص القطعي، وأنه لا يصح أن يخصص ثانيا وثالثا بدليل ظني؛ لأنه بعد التخصيص الأول صار ظنيا، والظني يخصص الظني، وأنه يتحقق التعارض بين العام الذي لم يخصص، وبين الخاص القطعي؛ لأنهما قطعيان، وحجتهم على ما ذهبوا إليه "أن اللفظ العام موضوع حقيقة لاستغراق جميع ما صدق عليه معناه من الأفراد". واللفظ حين إطلاقه يدل على معناه الحقيقي قطعًا، فالعام المطلق عن قرينة تخصصه يدل على العموم قطعا، ولا يصرف عن معناه الحقيقي إلا بدليل. ولهذا استدل الصحابة والتابعون الأئمة المجتهدون بعموم الألفاظ العامة التي وردت في النصوص مطلقة عن التخصيص، واستنكروا تخصيصها من غير دليل، فإذا خصص العام بدليل دل هذا على صرفه عن معناه الحقيقي وهو العموم، واستعماله في معنى مجازي وهو الخصوص، وصار محتملًا لتخصيص ثان قياسا على التخصيص الأول؛ لأن علة التخصيص الأول قد تتحقق

стр. 163

في أفراد أخرى، فكأن التخصيص الأول فتح ثغرة في العموم، ومهد لفتح ثغرات أخرى. ولهذا صار العام الذي خصص ظني الدلالة على ما بقي بعد التخصيص. والذي يظهر لي بعد المقارنة بين أدلة الفريقين، وأمثلتهما وشواهدهما أنه ليس بين رأييهما اختلاف جوهري من الناحية العملية؛ لأنه لا خلاف بينهما في أن العام يجب العمل بعمومه حتى يقوم على تخصيصه دليل، ولا في أن العام يحتمل أن يخصص بدليل، وأن تخصيصه بغير دليل تأويل غير مقبول. والقائلون بأن العام الذي لم يقم دليل على تخصيصه قطعي الدلالة على العموم، ما أرادوا بكونه قطعي الدلالة أنه لا يحتمل التخصيص مطلقا، وإنما أرادوا أنه لا يخصص إلا بدليل، والقائلون بأنه ظني الدلالة على العموم ما أرادوا أنه يخصص مطلقًا. وإنما أرادوا أنه يخصص بالدليل. أنواع العام: وقد ثبت باستقراء النصوص أن العام ثلاثة أقسام. ١- عام يراد به قطعا العموم: وهو العام الذي صحبته قرينة تنفي احتمال تخصيصه كالعام في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ . وفي قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ . في كل واحدة من هاتين الآيتين، تقرير سنة إلهية عامة لا تتخصص ولا تتبدل، فالعام فيهما قطعي الدلالة على العموم، ولا يحتمل أن يراد به الخصوص. ٢- وعام يراد به قطعا الخصوص: وهو العام الذي صحبته قرينة تنفي بقاءه على عمومه وتبين أن المراد منه بعض أفراده مثل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ ، فالناس في هذا النص عام، مراد به خصوص المكلفين؛ لأن العقل يقضي بخروج الصبيان والمجانين، مثل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ ، فأهل المدينة والأعراب في هذا النص لفظان عامان مراد بكل منهما خصوص القادرين؛ لأن العقل لا يقضي بخروج العجزة. فهذا عام مراد به الخصوص ولا يحتمل أن يراد به العموم. ٣- عام مخصوص: وهو العام المطلق الذي لم تصحبه قرينة تنفي احتمال تخصيصه، ولا قرينة تنفي دلالته على العموم، مثل أكثر النصوص التي وردت

стр. 164

فيها صيغ العموم، مطلقة عن قرائن لفظية أو عقلية أو عرفية تعين العموم أو الخصوص. وهذا ظاهر في العموم حتى يقوم الدليل على تخصيصه، مثل ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ . قال الشوكاني في التفريق بين العام الذي يرد به الخصوص، والعام المخصوص: العام الذي يراد به الخصوص هو العام الذي صاحبته حين النطق به قرينة دالة على أنه المراد به الخصوص لا العموم، مثل خطابات التكليف العامة، فالمراد بالعام فيها خصوص من هم أهل للتكليف لاقتضاء العقل إخراج من ليسوا مكلفين. ومثل: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ ، فالمراد كل شيء مما يقبل التدمير. وأما العام المخصوص فهو الذي لم تصاحبه قرينة دالة عن أنه مراد به بعض بعض أفراده، وهذا ظاهر في دلالته على العموم حتى يقوم دليل على تخصيصه. تخصيص العام: تخصيص العام في اصطلاح الأصوليين هو تبيين أن مراد الشارع من العام ابتداء بعض أفراده لا جميعها، أو هو تبيين أن الحكم المتعلق بالعام من ابتداء تشريعه حكم لبعض أفراده، فحديث: "لا قطع في أقل من ربع دينار" تخصيص للعام في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ؛ لأنه تبيين؛ لأن حكم القطع ما شرع لكل سارق وسارقة؛ وحديث: "ليس للقاتل ميراث" تخصيص لعموم الوارث في آيات المواريث؛ لأنه تبيين؛ لأن حكم الإرث ما شرع لكل قريب. إما إذا شرع الحكم ابتداء متعلقا بكل أفراد العام، ثم قضت المصلحة بقصر الحكم على بعض أفراده، وقام الدليل على هذا القصر فلا يسمى هذا في اصطلاح الأصوليين تخصيصًا، وإنما يسمى نسخا جزئيا؛ لأنه إبطال العمل بحكم العام بالنسبة لبعض أفراده. فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ، هو نسخ جزئي للعام في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ ؛ لأن هذه الآية الثانية بعمومها تشمل كل قاذف سواء قذف زوجته أو غيرها، وقد شرع الحكم ابتداء عامًا، ثم قام الدليل وهو آيات اللعان على قصر الجلد على القاذف الذي يقذف غير زوجته، ودل على هذا حديث ابن مسعود،

стр. 165

قال: كنا جلوسا في المسجد ليلة الجمعة إذ دخل أنصاري فقال: يا رسول الله، أرأيتم الرجل يجد مع زوجته رجلًا، فإن قتله قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه، وإن سكت سكت على غيظ، ثم قال: اللهم افتح، فنزلت آية اللعان في سورة النور: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ... ﴾ الآيات. ومن هذا ينتج أن التخصيص في اصطلاح الأصوليين لا بد أن يكون بدليل مقارنة لتشريع العام؛ لأن بهذه المقارنة يتبين أن المراد ابتداء من العام بعض أفراده، وأما إذا كان متأخرًا عنه فهو نسخ جزئي له. دليل التخصيص: ودليل التخصيص قد يكون غير مستقل لفظا عن نص العام بأن يكون متصلا به وكالجزء منه. وقد يكون مستقلا عن نص العام، ومنفصلا عنه. ومن أظهر الأدلة المتصلة غير المستقلة: الاستثناء، والشرط، والوصف، والغاية. فالاستثناء كقوله تعالى في آية المداينة، بعد أن أر بكتابة الدين المؤجلة: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ . والشرط كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ . والوصف كقوله تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ ، والغاية كقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ . ومن أظهر أدلة التخصيص المستقلة المنفصلة: العقل، والعرف، والنص، وحكمة التشريع. فمن التخصيص بالعقل ما بيناه من قبل من تخصيص الناس في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ بمن عدا فاقدي الأهلية من الصبيان والمجانين، وتخصيص العام في كل خطاب تكليفي بمن هم أهل للتكليف. وتخصيص أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب بالقادرين على الجهاد مع الرسول؛ لأن العقل يقضي بأن يوجه الخطاب إلى من هم أهل له، وأن يخص بالتكليف من توافرت فيهم الأهلية للمكلف به، والشرع يؤيد هذا التخصيص الذي يقتضيه العقل، وعلى هذا أصول القوانين الوضعية. ومن التخصيص بالعرف، تخصيص الوالدات في قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ بمن عدا الوالدة الرفيعة القدر، التي ليس من عادة مثلها أن تلزم بإرضاع ولدها، كما ذهب إلى هذا الإمام مالك، وتخصيص الطعام

стр. 166

في حديث نهي رسول الله عن بيع الطعام بجنسه متفاضلا بالطعام الذي كان متعارفا إطلاق لفظ الطعام عليه وقت التشريع، وتخصيص كل شيء في قوله تعال: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ بكل شيء قابل للتدمير. وبعض الأصوليين يعتبر دليل التخصيص في المثال الأخير الحس، وبعضهم يعتبره العقل والنتيجة واحدة، وعلى هذا أصول القوانين الوضعية، فكثيرا ما يخصص العرف بعض الألفاظ العامة في مواد القانون، وكثيرا ما يخصص العرف التجاري بعض النصوص العامة في صيغ العقود. ومن التخصيص بالنص: ما أشرنا إليه من قبل، في مواضع كثيرة، كقوله تعالى في المطلقات قبل الدخول: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ الذي خصص عموم قوله سبحانه: ﴿الْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ . ولا خلاف بين الأصوليين، في أنه يجوز تخصيص عام القرآن بالقرآن والسنة المتواترة؛ لأن نصوص القرآن والسنة المتواترة قطعية الثبوت، فيخصص بعضها بعضًا. وأما تخصيص القرآن بالسنة غير المتواترة، فذهب جمهور الأصوليين إلى أنه سائغ، واحتجوا بوقوعه والاتفاق على العمل به. فحديث: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته". خصص عموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ، وحديث: "ليس للقاتل ميراث"، خصص عموم الوارث في آيات المواريث؛ والرجم خصص عموم الزاني والزنية، وحديث: "لا قطع في أقل من ربع دينار"، خصص عموم السارق والسارقة، وحديث: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب"، خصص عموم: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ، ودعوى تواتر بعض هذه الأحاديث أو شهرتها لا يقوم عليها دليل، وهذا المذهب هو السديد. والذين منعوا تخصيص عام الكتاب بالسنة غير المتواترة يصطدمون بعدة تخصيصات نبوية، لا سبيل لهم إلى إنكارها، ولا إلى تأويلها، ولا إلى إثبات تواترها. وتخصيص نصوص في القوانين الوضعية لنصوص عامة فيها كثير. فمن ذلك المادة ١٦٤ من القانون المدني، التي تجعل التمييز مناط المسؤلية عن العمل غير المشروع وتعويض ما ينجم عنه من ضرر، فقد خصصت بفقرتها الثانية إذا تقرر أنه وقع الضرر من شخص عديم التمييز ولم يكن من يسأل عنه، أو تعذر الحصول على تعويض من المسئول، فإنه يجوز للقاضي إلزام من وقع منه الضرر بتعويض عادل.

стр. 167

العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب: إذا ورد النص الشرعي بصيغة عامة وجب العمل بعمومه الذي دلت عليه صيغته، ولا اعتبار لخصوص السبب الذي ورد الحكم بناء عليه، سواء كان السبب سؤالا أم واقعة حدثت؛ لأن الواجب على الناس اتباعه هو ما ورد به نص الشارع، وقد ورد نص الشارع بصيغة العموم فيجب العمل بعمومه، ولا تعتبر خصوصيات السؤال أو الواقعة التي ورد النص بناء عليها؛ لأن عدول الشارع في نص جوابه أو فتواه عن الخصوصيات، إلى التعبير بصيغة العموم قرينة على عدم اعتباره تلك الخصوصيات. روى أن قوما قالوا: يا رسول الله إنا نركب البحر، ولو توضأنا بما معنا من الماء خشينا العطش، أنتوضأ بماء البحر؟ فقال الرسول: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته". فهذه الصيغة العامة -هو الطهور ماؤه- تدل بعمومها على أن ماء البحر مطهر كل أنواع التطهير في حال الضرورة والاختيار. فيجب العمل بعمومها، ولا عبرة بكون السؤال ورد خاصا عن التوضؤ، ولا بكون السائلين سألوا عن حالة ضرورتهم إلى الماء خشية العطش، وروي أن امرأة سعد بن الربيع قالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك في أحد، وقد أخذ عمهما مالهما، ولا تنكحان إلا ولهما مال. فقال الرسول لعم البنتين: "أعط البنتين الثلثين وللزوجة الثمن وما بقي فهو لك"، فهذا الحديث يدل بعمومه على أن لبنتي المتوفى الثلثين، ولا اعتبار لكونهما لا مال لهما أو لكون أبيهما قتل في أحد. وروي أنه ﷺ مر بشاة ميمونة وهي ميتة فقال: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" فكل جلد دبغ صار طاهرا ولا اعتبار لخصوص جلد الشاة. قال الآمدي في الأحكام: أكثر العموميات وردت على أسباب خاصة فآية السرقة نزلت في سرقة المجن أو رداء صفوان. وآية الظاهر نزلت في حق مسلمة بن صخر. وآية اللعان نزلت في حق هلال بن أمية، إلى غير ذلك. والصحابة عمموا أحكام هذه الآيات من غير نكير فدل على أن السبب غير مسقط للعموم، نعم إذا ورد النص جوابا غير مستقل بنفسه عن السؤال بأن كان الجواب نعم أو لا، أو ما في أحدهما، فإنه يكون تابعا للسؤال في عمومه وخصوصه. أما في عمومه، فمثاله ما روي أن رسول الله سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال: "أينقص الرطب إذا يبس"؟، قالوا: نعم، قال: "فلا إذن". وأما في خصوصه فمثاله

стр. 168

قول الرسول لأبي بردة، وقد سأله عن الأضحية بجذعة من المعز: "تجزئك ولا تجزئ أحدا بعدك". فما دام الجواب الشرعي عن السؤال وورد تابعا للسؤال غير مستقل بنفسه، فهو تابع للسؤال في عمومه وخصوصه. وكان السؤال معادا في الجواب. وأما الجواب المستقل إذا ورد عاما فهو عام ولا عبرة بخصوصيات سببه، وعلى هذا أصول القوانين الوضعية، فمادة تحديد سن الزواج عامة، ولا عبرة بخصوصيات الواقعة، أو الوقائع التي كانت سببا في تشريعها. والمواد التي منعت سماع دعوى الزواج أو الطلاق أو النفقة في بعض الحالات عامة، ولا عبرة بخصوصيات الوقائع التي كانت سببًا في تشريعها، والمادة ١١٥ من الدستور التي كانت توجب التجديد النصفي كل خمس سنوات عامة، ولا عبرة بخصوصيات السبب الذي بني عليه تشريعها؛ لأن السبب كما قال الإمام الشافعي: لا يصنع شيئا، إنما تصنع الألفاظ. ويلاحظ الفرق بين حكمة تشريع النص وبين ما ورد النص بناء عليه من سؤال أو واقعة، فإن حكمة تشريع العام قد تخصصه بلا خلاف. وأما ما ورد في النص بناء عليه فهو المراد بقولهم، لا عبرة بخصوص السبب مع عموم اللفظ.

стр. 169

القاعدة السابعة: في الخاص ودلالته وإذا ورد في النص لفظ خاص ثبت الحكم لمدلوله قطعا، ما لم يقم دليل على تأويله وإرادة معنى آخر منه، فإن ورد مطلقا أفاد ثبوت الحكم على الإطلاق ما لم يوجد دليل يقيده. وإن ورد على صيغة الأمر أفاد إيجاب المأمور به ما لم يوجد دليل يصرفه عن الإيجاب، وإن ورد على صيغة النهي أفاد تحريم المنهي عنه ما لم يوجد دليل يصرفه عن التحريم. اللفظ الخاص: هو لفظ وضع للدلالة على فرد واحد بالشخص مثل محمد. أو واحد بالنوع مثل رجل، أو على أفراد متعددة محصورة مثل ثلاثة وعشرة ومائة وقوم ورهط وجمع وفريق، وغير ذلك من الألفاظ التي تدل على عدد من الأفراد، ولا تدل على استغراق جميع الأفراد. وقد يرد اللفظ الخاص مطلقا من أي قيد، وقد يرد مقيدا بقيد، وقد يكون على صيغة طلب بالفعل؛ مثل "اتق الله". وقد يكون على صيغة النهي عن الفعل مثل: "ولا تجسسوا" فيندرج في الخاص المطلق، والمقيد والأمر والنهي. وحكم الخاص على وجه الإجمال، أنه إذا ورد نص شرعي دل دلالة قطعية على معناه الخاص الذي وضع له حقيقة، وثبت الحكم لمدلوله على سبيل القطع لا الظن. فالحكم المستفاد من قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ هو وجوب عشرة مساكين، ولا تحتمل العشرة نقصا ولا زيادة. والحكم المستفاد من حديث: "في كل أربعين شاة شاة"، هو تقدير النصاب الذي تجب الزكاة فيه من الغنم بأربعين، وتقدير الواجب بشاة بلا احتمال زيادة أو نقص في هذا أو ذاك. ولكن إذا قام دليل يقتضي تأويل هذا الخاص، أي إرادة معنى آخر منه يحتمل على ما اقتضاه الدليل. ومثال هذا ما قدمناه في تأويل علماء الحنفية الشاة في الحديث السابق بما يعم الشاة وقيمتها. وتأويلهم الصاع من تمر أو شعير في صدقة الفطر بما يعم الصاع وقيمته. وتأويلهم الصاع من تمر في حديث المصراة بما يشمله، ويشمل أي عوض يماثل المتلف.

стр. 170

فإذا ورد الخاص مطلقا حمل على إطلاقه، وإذا ورد مقيدًا حمل على تقيده. والفرق بين اللفظ الملطق واللفظ المقيد: أن المطلق هو ما دل على فرد غير مقيد لفظًا بأي قيد، مثل: مصري، ورجل، وطائر. والمقيد هو ما دل على فرد مقيد لفظا بأي قيد، مثل: مصري مسلم، ورجل رشيد، وطائر أبيض. فالمطلق يفهم على إطلاقه إلا إذا قام دليل على تقييده. فإن قام الدليل على تقييده كان هذا الدليل صارفًا له عن إطلاقه ومبينًا المراد منه. ففي قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ الوصية مطلقة قيدت بالحديث، الذي دل على أنه لا وصية بأكثر من الثلث، فصار المراد في الآية الوصية التي في حدود ثلث التركة. وإذا ورد اللفظ مطلقًا في نص شرعي، وورد هو نفسه مقيدًا في نص آخر. فإذا كان موضوع النصين واحدًا بأن كان الحكم الوارد فيهما متحدا، والسبب الذي بني عليه الحكم متحدا. حمل المطلق على المقيد، أي كان المراد من المطلق هو المقيد؛ لأنه مع اتحاد الحكم والسبب، لا يتصور الاختلاف بالإطلاق والتقييد، فيكون المطلق مقيدا بقيد المقيد. مثال هذا قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ.........﴾ الدم هنا مطلق عن القيد. وقوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ الدم هنا مقيد بالمسفوح. فالمراد بالدم في آية المائدة الدم المسفوح المنصوص على تحريمه في آية الأنعام؛ لأن الحكم في الآيتين واحد وهو التحريم، والسبب الذي بني عليه الحكم فيهما واحد وهو كونه دمًا. فلو كان الدم المحرم مطلق الدم خلا القيد وهو "مسفوحا" من الفائدة. أما إذا اختلف النصان في الحكم، أو في السبب، أو فيهما معا، فلا يحمل المطلق على المقيد بل يعمل بالمطلق على إطلاقه في موضعه، وبالقيد على قيده في موضعه؛ لأن اختلاف الحكم والسبب أو أحدهما قد يكون هو علة الاختلاف إطلاقًا وتقييدًا، وهذا مذهب الحنفية وأكثر المالكية. أما الشافعية فوافقوهم إذا اختلف النصان حكما وسببا أو حكما فقط، وأما إذا اختلفا في السبب واتحدا في الحكم فيحمل المطلق على المقيد.

стр. 171

مثال النصين المختلفين حكما مع اتحاد السبب قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ.....﴾ وقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ . والسبب في الآيتين واحد وهو التطهر لإقامة الصلاة. والحكم في الأولى وجوب الغسل وفي الثانية وجوب المسح، ومثله قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ . ومثال النصين المتحدين حكمًا المختلفين سببًا، قوله تعالى في كفارة القتل خطأ: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ وقوله تعالى في كفارة الظهار: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ . وقوله في شهود المداينة: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ . وقوله في شهود المراجعة: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ . ففي الآيتين الأوليين الحكم واحد وهو وجوب تحرير رقبة، والسبب في الوجوب مختلف؛ لأنه في الأولى القتل خطأ، وفي الثانية إرادة المظاهر أن يعود إلى زوجته. وفي الآيتين الثانيتين الحكم واحد وهو وجوب الاستشهاد بشهيدين، والسبب في الوجوب مختلف؛ لأنه في إحداهما المداينة، وفي الثانية المراجعة. فلا يعتبر المقيد بيانا للمطلق ويحمل المطلق عليه إلا في صورة واحدة، وهي ما إذا اتحد موضوعهما حكمًا وسببًا. وأما إذا اختلفا حكما، أو اختلافا سببا، فلا يحمل المطلق على المقيد بل يفهم المطلق في موضعه على إطلاقه، ويفهم المقيد في موضعه على قيده؛ لأن اختلاف الحكم قد يكون سببا في الاختلاف بالإطلاق والتقييد، أي أنه لما كان الحكم في آية الوضوء وجوب غسل الأيدي، قيدها بكونها إلى المرافق. ولما كان الحكم في آية التيمم وجوب مسح الأيدي، يقيدها بكونها إلى المرافق. ولما كان الحكم في آية التيمم وجوب مسح الأيدي، أطلقها ولم يقيدها بكونها إلى المرافق؛ لأن التيمم رخصة شرعت للتخفيف عند عدم وجود الماء، فيناسبه التخفيف أيضا في إطلاق اليد فيجزئ كل ما يصدق عليه لفظ يد. وكذلك الحال إذا اختلف السبب فقد يكون القتل خطأ اقتضى تقييد الرقبة بالإيمان

стр. 172

تشديدا للعقوبة، وإرادة المظاهر العودة لم يقتض هذا التشديد فجزئ تحرير أية رقبة. صيغة الأمر: إذا ورد اللفظ الخاص في النص الشرعي على صيغة الأمر أو صيغة الخبر التي في معنى الأمر أفاد الإيجاب؛ أي طلب الفعل المأمور به أو المخبر عنه على وجه الإلزام والحتم. فقوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ أفاد إيجاب قطع يد السارق والسارقة. وقوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ أفاد إيجاب تربص المطلقة ثلاثة قروء؛ لأن الرأي الراجح هو أن صيغة الأمر وما في معناها موضوعة لغة للإيجاب. واللفظ عند إطلاقه يدل على معناه الحقيقي الذي وضع له، ولا يصرف عن معناه الحقيقي إلا بقرينة. فإن وجدت قرينة تصرف صيغة الأمر عن الإيجاب إلى معنى آخر فهم منها ما دلت عليه القرينة كالإباحة في قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ . والندب في قوله: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ إلى قوله: ﴿مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ ، والتهديد في قوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ والتعجيز في قوله: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ ، وغير ذلك مما تدل عليه صيغة الأمر بالقرائن. وإذا لم توجد قرينة اقتضى الأمر الإيجاب. وبعض الأصوليين ذهبوا إلى أن صيغة الأمر مشتركة بين عدة معان، ولا بد من قرينة لتعيين أحد معانيها شأن كل مشترك، فهي موضوعة لمعان متعددة. وصيغة الأمر لا تدل لغة على أكثر من طلب إيجاد الفعل المأمور به، ولا تدل على طلب تكرير الفعل المأمور به، ولا على وجوب فعله فورا. فالتكرير أو المبادرة بالفعل لا تدل الصيغة عند إطلاقها على واحد منهما؛ لأن مقصود الأمر هو حصول المأمور به، هذا المقصود يتحقق بوقوعه مرة في أي وقت. فإن وجدت قرينة تدل على التكرير كان هذا التكرير مستفادا من القرينة لا من الصيغة. وكذلك إن وجدت قرينة تدل على المبادرة. ففي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ استفيد تكرير طلب الصيام من تعليق الأمر به بشرط متكرر وهو شهود الشهر، كأنه قال: فكلما شهد أحدكم الشهر وجب عليه الصيام، وكذا في قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ . وفي الواجبات المحددة بأوقات استفيدت المبادرة من تحديد وقت للواجب يفوت بانتهائه.

стр. 173

وفي الأوامر بالخيرات استفيد المبادرة من قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ . وقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ . صيغة النهي: إذا ورد اللفظ الخاص في النص الشرعي على صيغة النهي أو صيغة الخبر التي في معنى النهي أفاد التحريم، أي طلب الكف عن المنهي عنه على وجه الإلزام والحتم. فقوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ أفاد تحريم زواج المسلم بالمشركات. وقوله تعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ أفاد تحريم أخذ عوض من المطلقات؛ لأن صيغة النهي على الرأي الراجح، موضوعة لغة للدلالة على التحريم فيفهم منها عند الإطلاق. وإذا وجدت قرينة تصرفها عن المعنى الحقيقي إلى معنى مجازي، فهم منها ما دلت عليه القرينة، كالدعاء في قوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ ، والكراهة في قوله: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ . وبعض الأصوليين ذهبوا إلى أن صيغة النهي من باب المشترك هي كالأمر والخلاف فيهما واحد. والنهي يقتضي طلب الكف دائما وفورا؛ لأنه لا يتحقق المطلوب وهو الكف إلا إذا كان دائما، بمعنى أنه كلما دعت المكلف نفسه إلى فعل المنهي عنه كفها، فالتكرير ضروري لتحقيق الامتثال في النهي. وكذلك المبادرة؛ لأن النهي عن الفعل إنما هو تحريمه لتلافي ما فيه من مضار، وهذا واجب في الحال؛ لأن من نهى عن الشيء إذا فعله ولو مرة في أي وقت لا يتحقق أنه امتثل، فتكرير الكف وكونه على الفور من مقتضيات النهي، فصيغة النهي المطلق تقتضي الفور والتكرير، وصيغة الأمر المطلق لا تقتضي فورًا ولا تكريرًا.

стр. 174

القسم الرابع: في القواعد الأصولية التشريعية القاعدة الأولى: في القصد العام من التشريع ... القسم الرابع: في الأصول التشريعية القاعدة الأولى: في المقصد العام من التشريع "والمقصد العام للشارع من تشريعه الأحكام هو تحقيق مصالح الناس بكفالة ضرورياتهم، وتوفير حاجتهم وتحسينياتهم. فكل حكم شرعي ما قصد به إلا واحد من هذه الثلاثة التي تتكون منها مصالح الناس. ولا يراعى تحسيني إذا كان في مراعاته إخلال بحاجي، لا يراعي حاجي ولا تحسيني إذا كان في مراعاة أحدهما إخلال بضروري". هذه القاعدة الأولى بينت المقصد العام للشارع من تشريع الأحكام الشرعية؛ سواء أكانت تكليفية أم وضعية. وبينت مراتب الأحكام باعتبار مقاصدها. ومعرفة المقصد العام للشارع من التشريع من أهم ما يستعان به على فهم نصوصه حق فهمها، وتطبيقها على الوقائع واستنباط الحكم فيما لا نص فيه. لأن دلالة اللفظ والعبارات على المعاني، قد تحتمل عدة وجوه. والذي يرجح واحدا من هذه الوجوه هو الوقوف على مقصد الشارع؛ ولأن بعض النصوص قد تتعارض ظواهرها. والذي يرفع هذا التعارض ويوفق بينها أو يرجح أحدها هو الوقوف على مقصد الشارع؛ ولأن كثيرا من الوقائع التي تحدث ربما لا تتناولها عبارات النصوص. وتمس الحاجة إلى معرفة أحكامه بأي دليل من الأدلة الشرعية، والهادي في هذا الاستدلال هو معرفة مقصد الشارع. ولهذا يعني رجال السلطة التشريعية في الحكومات الحاضرة بوضع المذكرات التفسيرية، التي تبين المقصد من تشريع القانون بوجه عام، وتبين المقصد الخاص من كل مادة من مواده. وهذه المذكرات التفسيرية وجميع البحوث والمناقشات التي تبودلت أثناء تحضير القانون وتشريعه هي عون رجال القضاء على فهم القانون، وتطبيقه بنصوصه وروحه ومعقوله. وكذلك نصوص الأحكام الشرعية لا تفهم على وجهها الصحيح إلا إذا عرف المقصد العام للشارع من تشريع الأحكام. وعرفت الوقائع الجزئية التي من أجلها نزلت الأحكام القرآنية، أو وردت السنة القولية أو العملية.

стр. 175

فالمقصد العام للشارع من التشريع هو المبين في هذه القاعدة الأصولية الأولى، وأما الوقائع الجزئية التي شرعت لها الأحكام فهي مبينة في كتب التفسير وأسباب النزول وصحاح السنة. ومنطوق هذه القاعدة: أن المقصد العام للشارع من تشريع الأحكام هو تحقيق مصالح الناس في هذه الحياة، بجلب النفع لهم ودفع الضرر عنهم؛ لأن مصالح الناس في هذه الحياة تتكون من أمور ضرورية لهم، وأمور حاجية وأمور تحسينية، فإذا توافرت لهم ضرورياتهم وحاجياتهم وتحسينياتهم فقد تحققت مصالحهم، والشارع الإسلامي شرع أحكاما في مختلف أبواب أعمال الإنسان لتحقيق أمهات الضروريات والحاجيات والتحسينيات للأفراد والجماعات، وما أهمل ضروريا ولا حاجيا ولا تحسينيا من غير أن يشرع حكما لتحقيقه وحفظه، وما شرع حكما إلا لإيجاد وحفظ واحد من هذه الثلاثة، فهو ما شرع حكما إلا لتحقيق مصالح الناس، وما أهم مصلحة اقتضتها حال الناس لم يشرع لها حكما. أما البرهان على أن مصالح الناس لا تعدو هذه الأنواع الثلاثة فهو الحس والمشاهدة؛ لأن كل فرد أو مجتمع تتكون مصلحتهم من أمور ضرورية وأمور حاجية وأمور كمالية، مثلا: الضروري لسكنى الإنسان مأوى يقبه حر الشمس وزمهرير البرد ولو مغارة في الجبل. والحاجي أن يكون المسكن مما يسهل فيه السكنى بأن تكون له نوافذ تفتح وتغلق حسب الحاجة، والتحسيني أن يجمل ويؤثث وتوفر فيه وسائل الراحة، فإذا توافر له ذلك فقد تحققت مصلحته في سكناه، وهكذا طعام الإنسان ولباسه وكل شأن من شئون حياته، تتحقق مصلحته في سكناه، وهكذا طعام الإنسان ولباسه، وكل شأن من شئون حياته، تتحقق مصلحته فيه بتوافر هذه الأنواع الثلاثة له. ومثل الفرد المجتمع، فإذا توافر لأفراده ما يكفل إيجاد وحفظ ضرورياتهم وحاجيتهم وتحسيناتهم، فقد يتحقق لهم ما يكفل لهم مصالحهم. أما البرهان على أن كل حكم في الإسلام إنما شرع لإيجاد واحد من هذه الأمور الثلاثة، وحفظه فهو استقراء الأحكام الشرعية الكلية، والجزئية في مختلف الوقائع والأبواب، واستقراء العلل والحكم التشريعية التي قرنها الشارع بكثير من الأحكام.

стр. 176

وقبل أن نعرض أمثلة من هذا الاستقراء نبين المراد شرعا بالضروري، وبالحاجي وبالتحسيني. فأما الأمر الضروري: فهو ما تقوم عليه حياة الناس ولا بد منه لاستقامة مصالحهم، وإذا فقد اختل نظام حياتهم، ولم تستقم مصالحهم، وعمت فيهم الفوضى والمفاسد. والأمور الضرورية للناس بهذا المعنى ترجع إلى حفظ خمسة أشياء: الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال. فحفظ كل واحد منها ضروري للناس. وأما الأمر الحاجي: فهو ما يحتاج إليه الناس لليسر والسعة، واحتمال مشاق التكاليف، وأعباء الحياة. وإذا فقد لا يختل نظام حياتهم ولا تعم فيهم الفوضى كما إذا فقد الضروري، ولكن ينالهم الحرج والضيق، والأمور الحاجية للناس بهذا المعنى ترجع إلى رفع الحرج عنهم، والتخفيف عليهم ليحتملوا مشاق التكاليف. وتيسر لهم طرق التعامل والتبادل وسبل العيش. وأما التحسيني: فهو ما تقتضيه المروءة والآداب، وسير الأمور على أقوم منهاج، وإذا فقد لا يختل نظام حياة الناس كما إذا فقد الأمر الضروري، ولا ينالهم حرج، كما إذا فقد الأمر الحاجي، ولكن تكون حياتهم مستنكرة في تقدير العقول الراجحة والفطر السليمة، والأمور التحسينية للناس بهذا المعنى ترجع إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن العادات وكل ما يقصد به سير الناس في حياتهم على أحسن منهاج. ما الذي شرعه الإسلام للأمور الضرورية للناس؟ الأمور الضرورية للناس كما قدمنا ترجع إلى خمسة أشياء: الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال. وقد شرع الإسلام لكل واحد من هذه الخمسة أحكامًا تكفل إيجاده وتكوينه، وأحكاما تكفل حفظه وصيانته. بهذين النوعين من الأحكام حقق للناس ضرورياتهم. فالدين هو مجموعة العقائد والعبادات، والأحكام والقوانين التي شرعها الله سبحانه لتنظيم علاقة الناس بربهم، وعلاقتهم بعضهم ببعض. وقد شرع الإسلام لإيجاده، وإقامته إيجاب الإيمان وأحكام القواعد الخمس التي بني عليها الإسلام،

стр. 177

وهي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت؛ وسائر العقائد، وأصول العبادات، التي قصد الشارع بتشريعها، إقامة الدين وتثبيته في القلوب باتباع الأحكام التي لا يصلح الناس إلا بها، وأوجب الدعوة إليه وتأمين الدعوة إليه من الاعتداء عليها وعلى القائمين بها ومن وضع عقبات في سبيلها. وشرع لحفظه وكفالة بقائه وحمايته من العدوان عليه أحكام الجهاد، لمحاربة من يقف عقبة في سبيل الدعوة إليه، ومن يفتن متدينا ليرجعه عن دينه، وعقوبة من يرتد عن دينه، وعقوبة من يبتدع، ويحدث في الدين ما ليس منه أو يحرف أحكامه عن مواضعها، والحجر على المفتي الماجن الذي يحل المحرم. النفس: شرع الإسلام لإيجادها الزواج للتوالد والتناسل، وبقاء النوع على أكمل وجوه البقاء. وشرع لحفظها وكفالة حياتها، إيجاب تناول ما يقيمها من ضروري الطعام والشراب واللباس والسكن، وإيجاب القصاص والدية والكفارة على من يعتدي عليها، وتحريم الإلقاء بها إلى التهلكة، وإيجاب دفع الضرر عنها. وشرع لحفظ العقل تحريم العقل تحريم الخمر وكل مسكر، وعقاب من يشربها أو يتناول أي مخدر. وشرع لحفظ العرض حد الزاني والزانية وحد القذف. والمال: شرع الإسلام لتحصيله وكسبه، إيجاب السعي للرزق وإباحة المعاملات والمبادلات التجارية والمضاربة. وشرع لحفظه وحمايته تحريم السرقة، وحد السارق والسارقة، وتحريم الغش والخيانة وأكل أموال الناس بالباطل، وإتلاف مال الغير، وتضمين من يتلف مال غيره، والحجز على السفيه وذي الغفلة، ودفع الضرر وتحريم الربا. وكفل حفظ الضروريات كلها بأن أباح المحظورات للضرورات. فمن هذا يتبين أن الإسلام شرع أحكاما في مختلف أبواب العبادات، والمعاملات والعقوبات تقصد إلى كفالة ما هو ضروري للناس بإيجاده، وبحفظه وحمايته.

стр. 178

وقد دل على هذا القصد بما قرنه ببعض هذ الأحكام من العلل والحكم التشريعية. كقوله تعالى في إيجاب الجهاد: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ ، وقوله في إيجاب القصاص: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ ، وقوله سبحانه: ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ﴾ . وقول الرسول ﷺ في تعليل النهي عن بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه: "أرأيت إذا منع الله الثمر بم يأخذ أحدكم مال أخيه"؟. إلى غير ذلك من العلل التي تدل على أن قصد الشارع حماية الدين، والنفس والأموال وكل ما هو ضروري للناس. ما الذي شرعه الإسلام للأمور الحاجية للناس! الأمور الحاجية للناس، كما قدمنا ترجع إلى ما يرفع الحرج عنهم، ويخفف عنهم أعباء التكليف، وييسر لهم طرق المعاملات والمبادلات؛ وقد شرع الإسلام في مختلف أبواب العبادات والمعاملات، والعقوبات جملة أحكام المقصود بها رفع الحرج واليسر بالناس. ففي العبادات شرع الرخص ترفيها، وتخفيفا عن المكلفين إذا كان في العزيمة مشقة عليهم، فأباح الفطر في رمضان لمن كان مريضا أو على سفر، وقصر الصلاة الرباعية للمسافر، والصلاة قاعدا لمن عجز عن القيام. وأباح التيمم لمن لم يجد الماء، والصلاة في السفينة ولو كان الاتجاه لغير القبلة. وغير ذلك من الرخص التي شرعت لرفع الحرج عن الناس في عبادتهم. وفي المعاملات، شرع كثيرا من أنواع العقود والتصرفات التي تقتضيها حاجات الناس، كأنواع البيوع والإجارات والشركات والمضاربات، ورخص في عقود لا تنطبق على القياس، وعلى القواعد العامة في العقود، كالسلم وبيع الوفاء١ والاستصناع، والمزارعة والمساقاة، وغير ذلك مما جرى عليه عرف الناس ودعت إليه حاجتهم. وشرع الطلاق للخلاص من الزوجية عند الحاجة، وأحل الصيد وميتة البحر والطيبات من الرزق، وجعل الحاجات مثل الضروريات في إباحة المحظورات.

стр. 179

وفي العقوبات جعل الدية على العاقلة تخفيفا عن القاتل خطأ، وردأ الحدود بالشبهات، وجعل لولي المقتول حق العفو عن القصاص من القاتل. وقد دل على ما قصد بهذه الأحكام من التخفيف، ورفع الحرج بما قرنه ببعضها من العلل والحكم التشريعية. كقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ ، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ، وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ، وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ ، وقول الرسول ﷺ : "بعثت بالحنيفية السمحة". ما الذي شرعه الإسلام للأمور التحسينية للناس؟ الأمور التحسينية للناس كما قدمنا، ترجع إلى كل ما يجمل حالهم ويجعلها على وفاق ما تقتضيه المروءة ومكارم الأخلاق. وقد شرع الإسلام في مختلف أبواب العبادات والمعاملات، والعقوبات أحكاما تقصد إلى هذا التحسين والتجميل، وتعود الناس أحسن العادات وترشدهم إلى أحسن المناهج وأقومها. ففي العبادات شرع الطهارة للبدن، والثوب، والمكان، وستر العورة، والاحتراز عن النجاسات. والاستنزاه من البول. وندب إلى أخذ الزينة عند كل مسجد، وإلى التطوع بالصدقة والصلاة والصيام، وفي كل عبادة شرع مع أركانها وشروطها آدابًا لها، ترجع إلى تعويد الناس أحسن العادات. وفي المعاملات حرم الغش والتدليس والتغرير والإسراف والتقتير، وحرم التعامل في كل نجس وضار، ونهى عن بيع الإنسان على بيع أخيه، وعن تلقي الركبان، وعن التسعير، وغير ذلك مما يجعل معاملات الناس على أحسن منهاج. وفي العقوبات، يحرم في الجهاد قتل الرهبان والصبيان والنساء، ونهى عن المثلة والغدر، وقتل الأعزل، وإحراق ميت أو حي. وفي أبواب الأخلاق وأمهات الفضائل قرر الإسلام ما يهذب الفرد والمجتمع ويسير بالناس في أقوام السبل. وقد دل سبحانه على قصده التحسين، والتجميل بالعلل والحكم التي قرنها ببعض أحكامه، كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ ، وقول الرسول ﷺ : "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، وقوله ﵊: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا".

стр. 180

فاستقراء الأحكام الشرعية والعلل والحكم التشريعية في مختلف الأبواب والوقائع ينتج أن الشارع الإسلامي ما قصد من تشريعه الأحكام إلا حفظ ضروريات الناس وحاجياتهم وتحسينياتهم، وهذه هي مصالحهم. وقد أفاض الإمام أبو إسحاق الشاطبي في أول الجزء الثاني من كتاب "الموافقات"، فبإثبات هذا بما لا مزيد عليه. وبعد أن أتى بأمثلة عديد من أحكام الشريعة وحكم تشريعها تدل على أن كل حكم شرعي، إنما قصد بتشريعه حفظ واحد من هذه الثلاثة التي تتكون منها مصالح الناس، قال ما نصه: "إن الظواهر، والعمومات، والمطلقات، والمقيدات، والجزئيات الخاصة في أعيان مختلفة ووقائع مختلفة في كل باب من أبواب الفقه، وكل نوع من أنواعه، يؤخذ منها أن التشريع دائر حول حفظ هذه الثلاث التي هي أسس مصالح الناس". وقد اقتضت حكمة الشارع الإسلامي، وما أراده من حفظ هذه الأنواع الثلاثة على أتم وجه، أن شرع مع الأحكام التي تحفظ كل نوع منها أحكاما تعتبر مكملة لها في تحقيق هذه المقاصد. ففي الضروريات لما شرع إيجاب الصلاة لحفظ الدين، شرع أداءها جماعة وإعلانها بالأذان، لتكون إقامة الدين وحفظه أتم بإطهار شعائره والاجتماع عليها. ولما أوجب القصاص لحفظ النفوس، وشرع التماثل فيه ليؤدي إلى الغرض منه من غير أن يثير العداوة والبغضاء؛ لأن قتل القاتل بصورة أفظع مما فعل قد تؤدي إلى سفك الدماء، وإلى نقيض المقصود من القصاص. ولما حرم الزنا لحفظ العرض حرم الخلوة بالأجنبية سدا للذريعة. ولما حرم الخمبر حفظا للعقل حرم القليل منه ولو لم يسكر. وجعل كل ما لا يتم الواجب إلا به واجبا، ولك ما يؤدي إلى المحظورات محظورا. وحذر من كثير من المباحات، وقيد كثيرا من المطقات، وخصص كثيرا من العمومات سدا للذرائع. ولما قد شرع الزواج للتوالد والتناسل، اشترط الكفاءة بين الزوجين تكميلًا للوفاق وحسن المعاشرة. فالأحكام التي شرعها لحفظ الضروريات كملها بتشريع أحكام تحقق هذا المقصد على أكمل وجوهه. وفي الحاجيات لما شرع أنواع المعاملات من بيوع، وإيجارات وشركات ومضاربات، كملها بالنهي عن الغرر والجهالة وبيع المعدوم، وبيان ما يصح اقتران
следующие страницы →