وقبل أن نعرض أمثلة من هذا الاستقراء نبين المراد شرعا بالضروري، وبالحاجي وبالتحسيني.
فأما الأمر الضروري: فهو ما تقوم عليه حياة الناس ولا بد منه لاستقامة مصالحهم، وإذا فقد اختل نظام حياتهم، ولم تستقم مصالحهم، وعمت فيهم الفوضى والمفاسد. والأمور الضرورية للناس بهذا المعنى ترجع إلى حفظ خمسة أشياء: الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال. فحفظ كل واحد منها ضروري للناس.
وأما الأمر الحاجي: فهو ما يحتاج إليه الناس لليسر والسعة، واحتمال مشاق التكاليف، وأعباء الحياة. وإذا فقد لا يختل نظام حياتهم ولا تعم فيهم الفوضى كما إذا فقد الضروري، ولكن ينالهم الحرج والضيق، والأمور الحاجية للناس بهذا المعنى ترجع إلى رفع الحرج عنهم، والتخفيف عليهم ليحتملوا مشاق التكاليف. وتيسر لهم طرق التعامل والتبادل وسبل العيش.
وأما التحسيني: فهو ما تقتضيه المروءة والآداب، وسير الأمور على أقوم منهاج، وإذا فقد لا يختل نظام حياة الناس كما إذا فقد الأمر الضروري، ولا ينالهم حرج، كما إذا فقد الأمر الحاجي، ولكن تكون حياتهم مستنكرة في تقدير العقول الراجحة والفطر السليمة، والأمور التحسينية للناس بهذا المعنى ترجع إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن العادات وكل ما يقصد به سير الناس في حياتهم على أحسن منهاج.
ما الذي شرعه الإسلام للأمور الضرورية للناس؟
الأمور الضرورية للناس كما قدمنا ترجع إلى خمسة أشياء: الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال. وقد شرع الإسلام لكل واحد من هذه الخمسة أحكامًا تكفل إيجاده وتكوينه، وأحكاما تكفل حفظه وصيانته. بهذين النوعين من الأحكام حقق للناس ضرورياتهم.
فالدين هو مجموعة العقائد والعبادات، والأحكام والقوانين التي شرعها الله سبحانه لتنظيم علاقة الناس بربهم، وعلاقتهم بعضهم ببعض. وقد شرع الإسلام لإيجاده، وإقامته إيجاب الإيمان وأحكام القواعد الخمس التي بني عليها الإسلام،
стр. 177
وهي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت؛ وسائر العقائد، وأصول العبادات، التي قصد الشارع بتشريعها، إقامة الدين وتثبيته في القلوب باتباع الأحكام التي لا يصلح الناس إلا بها، وأوجب الدعوة إليه وتأمين الدعوة إليه من الاعتداء عليها وعلى القائمين بها ومن وضع عقبات في سبيلها.
وشرع لحفظه وكفالة بقائه وحمايته من العدوان عليه أحكام الجهاد، لمحاربة من يقف عقبة في سبيل الدعوة إليه، ومن يفتن متدينا ليرجعه عن دينه، وعقوبة من يرتد عن دينه، وعقوبة من يبتدع، ويحدث في الدين ما ليس منه أو يحرف أحكامه عن مواضعها، والحجر على المفتي الماجن الذي يحل المحرم.
النفس: شرع الإسلام لإيجادها الزواج للتوالد والتناسل، وبقاء النوع على أكمل وجوه البقاء.
وشرع لحفظها وكفالة حياتها، إيجاب تناول ما يقيمها من ضروري الطعام والشراب واللباس والسكن، وإيجاب القصاص والدية والكفارة على من يعتدي عليها، وتحريم الإلقاء بها إلى التهلكة، وإيجاب دفع الضرر عنها.
وشرع لحفظ العقل تحريم العقل تحريم الخمر وكل مسكر، وعقاب من يشربها أو يتناول أي مخدر.
وشرع لحفظ العرض حد الزاني والزانية وحد القذف.
والمال: شرع الإسلام لتحصيله وكسبه، إيجاب السعي للرزق وإباحة المعاملات والمبادلات التجارية والمضاربة. وشرع لحفظه وحمايته تحريم السرقة، وحد السارق والسارقة، وتحريم الغش والخيانة وأكل أموال الناس بالباطل، وإتلاف مال الغير، وتضمين من يتلف مال غيره، والحجز على السفيه وذي الغفلة، ودفع الضرر وتحريم الربا.
وكفل حفظ الضروريات كلها بأن أباح المحظورات للضرورات.
فمن هذا يتبين أن الإسلام شرع أحكاما في مختلف أبواب العبادات، والمعاملات والعقوبات تقصد إلى كفالة ما هو ضروري للناس بإيجاده، وبحفظه وحمايته.
стр. 178
وقد دل على هذا القصد بما قرنه ببعض هذ الأحكام من العلل والحكم التشريعية. كقوله تعالى في إيجاب الجهاد: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ ، وقوله في إيجاب القصاص: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ ، وقوله سبحانه: ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ﴾ . وقول الرسول ﷺ في تعليل النهي عن بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه: "أرأيت إذا منع الله الثمر بم يأخذ أحدكم مال أخيه"؟. إلى غير ذلك من العلل التي تدل على أن قصد الشارع حماية الدين، والنفس والأموال وكل ما هو ضروري للناس.
ما الذي شرعه الإسلام للأمور الحاجية للناس!
الأمور الحاجية للناس، كما قدمنا ترجع إلى ما يرفع الحرج عنهم، ويخفف عنهم أعباء التكليف، وييسر لهم طرق المعاملات والمبادلات؛ وقد شرع الإسلام في مختلف أبواب العبادات والمعاملات، والعقوبات جملة أحكام المقصود بها رفع الحرج واليسر بالناس.
ففي العبادات شرع الرخص ترفيها، وتخفيفا عن المكلفين إذا كان في العزيمة مشقة عليهم، فأباح الفطر في رمضان لمن كان مريضا أو على سفر، وقصر الصلاة الرباعية للمسافر، والصلاة قاعدا لمن عجز عن القيام. وأباح التيمم لمن لم يجد الماء، والصلاة في السفينة ولو كان الاتجاه لغير القبلة. وغير ذلك من الرخص التي شرعت لرفع الحرج عن الناس في عبادتهم.
وفي المعاملات، شرع كثيرا من أنواع العقود والتصرفات التي تقتضيها حاجات الناس، كأنواع البيوع والإجارات والشركات والمضاربات، ورخص في عقود لا تنطبق على القياس، وعلى القواعد العامة في العقود، كالسلم وبيع الوفاء١ والاستصناع، والمزارعة والمساقاة، وغير ذلك مما جرى عليه عرف الناس ودعت إليه حاجتهم. وشرع الطلاق للخلاص من الزوجية عند الحاجة، وأحل الصيد وميتة البحر والطيبات من الرزق، وجعل الحاجات مثل الضروريات في إباحة المحظورات.
стр. 179
وفي العقوبات جعل الدية على العاقلة تخفيفا عن القاتل خطأ، وردأ الحدود بالشبهات، وجعل لولي المقتول حق العفو عن القصاص من القاتل.
وقد دل على ما قصد بهذه الأحكام من التخفيف، ورفع الحرج بما قرنه ببعضها من العلل والحكم التشريعية. كقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ ، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ، وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ، وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ ، وقول الرسول ﷺ : "بعثت بالحنيفية السمحة".
ما الذي شرعه الإسلام للأمور التحسينية للناس؟
الأمور التحسينية للناس كما قدمنا، ترجع إلى كل ما يجمل حالهم ويجعلها على وفاق ما تقتضيه المروءة ومكارم الأخلاق. وقد شرع الإسلام في مختلف أبواب العبادات والمعاملات، والعقوبات أحكاما تقصد إلى هذا التحسين والتجميل، وتعود الناس أحسن العادات وترشدهم إلى أحسن المناهج وأقومها.
ففي العبادات شرع الطهارة للبدن، والثوب، والمكان، وستر العورة، والاحتراز عن النجاسات. والاستنزاه من البول. وندب إلى أخذ الزينة عند كل مسجد، وإلى التطوع بالصدقة والصلاة والصيام، وفي كل عبادة شرع مع أركانها وشروطها آدابًا لها، ترجع إلى تعويد الناس أحسن العادات.
وفي المعاملات حرم الغش والتدليس والتغرير والإسراف والتقتير، وحرم التعامل في كل نجس وضار، ونهى عن بيع الإنسان على بيع أخيه، وعن تلقي الركبان، وعن التسعير، وغير ذلك مما يجعل معاملات الناس على أحسن منهاج.
وفي العقوبات، يحرم في الجهاد قتل الرهبان والصبيان والنساء، ونهى عن المثلة والغدر، وقتل الأعزل، وإحراق ميت أو حي.
وفي أبواب الأخلاق وأمهات الفضائل قرر الإسلام ما يهذب الفرد والمجتمع ويسير بالناس في أقوام السبل.
وقد دل سبحانه على قصده التحسين، والتجميل بالعلل والحكم التي قرنها ببعض أحكامه، كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ ، وقول الرسول ﷺ : "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، وقوله ﵊: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا".
стр. 180
فاستقراء الأحكام الشرعية والعلل والحكم التشريعية في مختلف الأبواب والوقائع ينتج أن الشارع الإسلامي ما قصد من تشريعه الأحكام إلا حفظ ضروريات الناس وحاجياتهم وتحسينياتهم، وهذه هي مصالحهم.
وقد أفاض الإمام أبو إسحاق الشاطبي في أول الجزء الثاني من كتاب "الموافقات"، فبإثبات هذا بما لا مزيد عليه. وبعد أن أتى بأمثلة عديد من أحكام الشريعة وحكم تشريعها تدل على أن كل حكم شرعي، إنما قصد بتشريعه حفظ واحد من هذه الثلاثة التي تتكون منها مصالح الناس، قال ما نصه: "إن الظواهر، والعمومات، والمطلقات، والمقيدات، والجزئيات الخاصة في أعيان مختلفة ووقائع مختلفة في كل باب من أبواب الفقه، وكل نوع من أنواعه، يؤخذ منها أن التشريع دائر حول حفظ هذه الثلاث التي هي أسس مصالح الناس".
وقد اقتضت حكمة الشارع الإسلامي، وما أراده من حفظ هذه الأنواع الثلاثة على أتم وجه، أن شرع مع الأحكام التي تحفظ كل نوع منها أحكاما تعتبر مكملة لها في تحقيق هذه المقاصد.
ففي الضروريات لما شرع إيجاب الصلاة لحفظ الدين، شرع أداءها جماعة وإعلانها بالأذان، لتكون إقامة الدين وحفظه أتم بإطهار شعائره والاجتماع عليها.
ولما أوجب القصاص لحفظ النفوس، وشرع التماثل فيه ليؤدي إلى الغرض منه من غير أن يثير العداوة والبغضاء؛ لأن قتل القاتل بصورة أفظع مما فعل قد تؤدي إلى سفك الدماء، وإلى نقيض المقصود من القصاص.
ولما حرم الزنا لحفظ العرض حرم الخلوة بالأجنبية سدا للذريعة. ولما حرم الخمبر حفظا للعقل حرم القليل منه ولو لم يسكر. وجعل كل ما لا يتم الواجب إلا به واجبا، ولك ما يؤدي إلى المحظورات محظورا. وحذر من كثير من المباحات، وقيد كثيرا من المطقات، وخصص كثيرا من العمومات سدا للذرائع. ولما قد شرع الزواج للتوالد والتناسل، اشترط الكفاءة بين الزوجين تكميلًا للوفاق وحسن المعاشرة. فالأحكام التي شرعها لحفظ الضروريات كملها بتشريع أحكام تحقق هذا المقصد على أكمل وجوهه.
وفي الحاجيات لما شرع أنواع المعاملات من بيوع، وإيجارات وشركات ومضاربات، كملها بالنهي عن الغرر والجهالة وبيع المعدوم، وبيان ما يصح اقتران
стр. 181
العقد به من شروط وما لا يصح، وغير ذلك مما يقصد به أن تكون المعاملات فيها سد حاجة الناس من غير أن تثير الخصومات والأحقاد.
وفي التحسينيات لما شرط الطهارة ندب فيها عدة أشياء تكملها. ولما ندب إلى التطوع جعل الشروع فيه موجبا له، حتى لا يعتاد المكلف إبطال عمله الذي شرع فيه قبل أن يتمه. ولما ندب الإنفاق ندب أن يكون الإنفاق من طيب الكسب. فمن حقق النظر في أحكام الشريعة الإسلامية، يتبين أن المقصود من كل حكم شرع فيها حفظ ضروري للناس، أو حاجي لهم، أو تحسيني، أو مكمل لما حفظ واحدًا منها.
ترتيب الأحكام الشرعية بحسب المقصود منها:
مما قدمنا في بيان المراد من الضروري والحاجي، والتحسيني يتبين أن الضروريات أهم هذه المقاصد؛ لأنها يترتب على فقدها اختلال نظام الحياة، وشيوع الفوضى بين الناس وضياع مصالحهم، وتليها الحاجيات؛ لأنه يترتب على فقدها وقوع الناس في الحرج والعسر، واحتمال المشقات التي قد تنوء بهم؛ وتليها التحسينيات؛ لأنه لا يترتب على فقدها اختلال نظام الحياة ولا وقوع الناس في الحرج. ولكن يترتب على فقدها خروج الناس عن مقتضى الكمال الإنساني والمروءة، وما تستحسنه العقول السليمة.
فالأحكام الشرعية لحفظ الضروريات أهم الأحكام وأحقها بالمراعاة. وتليها الأحكام التي شرعت لتوفير الحاجيات. ثم الأحكام التي شرعت للتحسين والتجميل، وتعتبر الأحكام التي شرعت للتحسينيات كالمكملة التي شرعت للحاجيات. وتعتبر الأحكام التي شرعت للحاجيات كالمكلمة التي شرعت لحفظ الضروريات.
فلا يراعى حكم تحسيني إذا كان في مراعاته إخلال بحكم ضروري أو حاجي؛ لأن المكمل لا يراعى إذا كان في مراعاته إخلال بما هو مكمل له. ولذا أبيح كشف العورة إذا قتضى هذا علاج أو عملية جراحية؛ لأن ستر العورة تحسيني، والعلاج ضروري. وأبيح تناول النجس إذا كان دواء أو اضطر إليه؛ لأن الاحتراز عن النجاسات تحسيني؛ والمداواة، ودفع الضروريات ضروري. وكذلك
стр. 182
أبيح بيع المعدوم في السلم والاستصناع، واغتفرت الجهالة في المزارعة والمساقاة وبيع الغائب؛ لأن حاجة الناس قضت بأن لا تراعى هذه التحسينيات.
ولا يراعى حكم حاجي إذا كان في مراعاته إخلال بحكم ضروري. ولهذا تجب الفرائض والواجبات على المكلفين الذين ليسوا في حال تبيح لهم الرخصة وإن شق عليهم ما كلفوا به، إذ كل تكليف فيه كلفة ومشقة. فلو روعي أن لا تنال المكلف أية مشقة لأهملت عدة من الأحكام الضرورية من عبادات وعقوبات وغيرها؛ لأن كل ما أمر به المكلف أو نهى عنه لحفظ الضروريات لا يخلو امتثاله من مشقة عليه، ولكن احتملت هذه المشقة في سبيل حفظ الضروريات للمكلفين.
وأما الأحكام الضرورية فتجب مراعاتها، ولا يجوز الإخلال بحكم منها إلا إذا كانت مراعاة ضروري تؤدي إلى الإخلال بضروري أهم منه. ولهذا وجب الجهاد حفاظًا للدين وإن كان فيه تضحية النفس؛ لأن حفظ الدين أهم من حفظ النفس. وأبيح شرب الخمر إذا أكره على شربها بإتلاف نفسه أو عضو منه أو اضطر إليها في ظمأ شديد؛ لأن حفظ النفس أهم من حفظ العقل، وإذا أكره على إتلاف مال غيره، أبيح له أن يقي نفسه من الهلاك بإتلاف مال غيره. فبهذه الأحكام فيها إهمال حكم ضروري مراعاة لحكم ضروري أهم منه.
فقد ثبت بالبرهان أن مقاصد الشارع مما شرعه من الأحكام، لا تعدو حفظ واحد من هذه الثلاثة أو ما يكمله، وأن هذه المقاصد مرتبة في مراعاتها حسب أهميتها، وعلى ترتيبها رتبت الأحكام التي شرعت لتحقيقها.
وعلى هذه القاعدة الأصولية التشريعية الأولى، وضعت المبادئ الشرعية الخاصة بدفع الضرر، والمبادئ الشرعية الخاصة برفع الحرج، وعن كل مبدأ من هذه المبادئ تفرعت عدة فروع، واستنبطت جملة أحكام.
وهذا بيان المبادئ الخاصة بدفع الضرر، وأمثلة مما تفرع على كل مبدأ منها:
١- الضرر يزال شرعًا: من فروعه: ثبوت حق الشفعة للشريك أو الجار، وثبوت الخيار للمشتري في رد المبيع بالعيب وسائر أنواع الخيارات، والجبر على القسمة إذا امتنع الشريك. ووجوب الوقاية والتداوي من الأمراض. وقتل الضار من الحيوان. وتشريع العقوبات على الجرائم من حدود وتعازير وكفارات.
стр. 183
٢- الضرر لا يزال بالضرر: من فروعه: لا يجوز للإنسان أن يدفع الغرق عن أرضه بإغراق أرض غيره، ولا أن يحفظ ماله بإتلاف مال غيره. ولا يجوز للمضطر أن يتناول طعام مضطر آخر.
٣- يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام: من فروعه: يقتل القاتل لتأمين الناس على نفوسهم. تقطع اليد لتأمين الناس على أموالهم. يهدم الجدار الآيل للسقوط في الطريق العام. يحجز على المفتي الماجن، والطبيب الجاهل، والمكاري المفلس. يباع مال المدين جبرا عنه إذا امتنع عن بيعه وأداء دينه. تسعر أثمان الحاجيات إذا غلا أربابها في أثمانها. يباع الطعام جبرا على مالكه إذا احتكر واحتاج الناس إليه وامتنع من بيعه. يمنع اتخاذ حانوت حداد بين تجار الأقمشة.
٤- يرتكب أخف الضررين لاتقاء أشدهما: من فروعه: يحبس الزوج إذا ماطل في القيام بنفقة زوجته. يحبس القريب إذا امتنع عن الإنفاق على قريبه. وتطلق الزوجة للضرر وللإعسار. إذا اضطر المريض إلى تناول الميتة أو مال الغير تناوله. إذا عجز مريض الصلاة عن التطهير، أو ستر العورة أو استقبال القبلة صلى كما قدر؛ لأن ترك هذه الشروط أخف من ترك الصلاة.
٥- دفع المضر مقدم على جلب منافع: ولذا جاء في الحديث: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم"، ومن فروعه: يمنع أن يتصرف المالك في ملكه إذا كان تصرفه يضر بغيره. يكره للصائم أن يبالغ في المضمضة، أو الاشتنشاق.
٦- الضرورات تبيح المحظورات: من فروعه: من اضطر في مخمصة إلى ميتة أو دم أو أي محرم فلا إثم عليه في تناوله. من لم يستطع الدفاع عن نفسه إلا بالإضرار بغيره فلا إثم عليه في الدفاع به. من امتنع من أداء دينه يؤخذ الدين من ماله بغير إذنه.
٧- الضرورات تقدر بقدرها: من فروعه: ليس للمضطر أن يتناول من المحرم إلا قدر ما يسد الرمق. ولا يعفى من النجاسة إلا القدر الذي لا يمكن الاحتراز عنه، وأحكام الرخص تبطل إذا زالت أسبابها. فالتيمم يبطل إذا تيسر التطهر بالماء، والفطر يحرم في رمضان إذا أقام المسافر الصحيح، وكل ما جاز لعذر يبطل بزواله.
стр. 184
وهذا بيان المبادئ الخاصة برفع الحرج وأمثلة مما تفرع عنها:
١- المشقة تجلب التيسر: من فروعه: جميع الرخص التي شرعها الله ترفيها وتخفيفا عن المكلف لسبب من الأسباب التي تقتضي هذا التخفيف.
وهذه الأسباب بالاستقراء سبعة:
السفر: ومن أجله أبيح الفطر في رمضان، وقصر الصلاة الرباعية، وسقوط الجمعة، والجماعة، والتيمم.
المرض: ومن أجله أبيح الفطر في رمضان، والتيمم، والصلاة قاعدا، وتناول المحرم للعلاج.
الإكراه: ومن أجله أبيح للمكره التلفظ بكلمة الكفر، وترك الواجب وإتلاف مال الغير، وأكل الميتة، وشرب الخمر.
النسيان: ومن أجله رفع الإثم عمن ارتكب معصية ناسيا، ولم يبطل صوم من أكل في نهار رمضان أو شرب ناسيًا، ولم تحرم ذبيحة من ترك التسمية عليها عند ذبحها ناسيا.
الجهل: ومن أجله ساغ رد المبيع لمن اشتراه جاهلا بعيبه. وساغ فسخ الزواج بالعيب لمن تزوج جاهلا به، واغتفر التناقض في دعوى النسب للجهل. وكذلك اغتفر التناقض للوارث والوصي، وناظر الوقف للجهل.
عموم البلوى: ومن أجهله عفي عن رشاش النجاسات من طين الشوارع وغيره مما لا يمكن الاحتراز عنه. وعفي عن الغبن اليسير في المعاوضات.
النقص: ومن فرعه رفع التكليف عن فاقد الأهلية كالطفل والمجنون، ورفع بعض الواجبات عن الأرقاء وعن النساء؛ ولذا لا تجب عليهن الجمعة، ولا الجماعة ولا الجهاد.
٢- الحرج شرعا مرفوع: من فروعه: قبول شهادة النساء وحدهن فيما لا يطلع عليه الرجال من عيوب النساء وشئونهن، والاكتفاء بغلبة الظن دون التزام الجزم، والقطع في استقبال القبلة وطهارة المكان والماء والقضاء والشهادة، ومن فروعه ما قرروه من أنه إذا ضاق الأمر اتسع.
стр. 185
٣- الحاجات تنزل منزلة الضرورات في إباحة المحظورات: من فروعه: الترخيص في السلم، وبيع الوفاء، والاستصناع، وضمان الدرك، وجواز الاستقراض بالربح للمحتاج، وغير ذلك مما فيه العقد أو التصرف على مجهول أو معدوم، ولكن قضت به حاجه الناس.
ومما يتفرع على هذا المبدأ حكم كثير من عقود المعاملات، وضروب الشركات التي تحدث بين الناس وتقتضيها تجارتهم. فإنه إذا قام البرهان الصحيح، ودل الاستقراء التام على أن نوعًا من هذه العقود، أو التصرفات صار حاجيا للناس بحيث ينالهم الحرج والضيق إذا حرم عليهم هذا النوع من التعامل، أبيح لهم قدر ما يرفع الحرج منه، ولو كان محظورا لما فيه من الربا أو شبهته. بناء على أن الحاجات تبيح المحظورات كالضرورات، وتقدر بقدرها كالضرورات.
قال صاحب الأشباه والنظائر: "ومن ذلك الإفتاء بصحة بيع الوفاء حين كثر الدين على أهل بخارى، وهكذا بمصر، وقد سموه بيع الأمانة.... وفي القنية والبغية: يجوز للمحتاج الاستقراض بالربح".
стр. 186
القاعدة الثانية: فيما هو حق الله. وما هو حق المكلف
"افعال المكلفين التي تعلقت بها الأحكام الشرعية، إن كان المقصود بها مصلحة المجتمع عامة فحكمها حق خالص لله وليس للمكلف بها خيار، وتنفيذه لولي الأمر. وإن كان المقصود بها مصلحة المكلف خاصة، فحكمها حق خالص للمكلف وله في تنفيذه الخيار. وإن كان المقصود بها مصلحة المجتمع؛ والمكلف معًا؛ ومصلحة المجتمع فيها أظهر، فحق الله فيها الغالب، وحكمها كحكم ما هو حق خالص لله. وإن كانت مصلحة المكلف فيها أظهر، فحق المكلف فيها الغالب، وحكمها كحكم ما هو خالص للمكلف".
القاعدة التشريعية الأولى تضمنت أن أحكام الإسلام بوجه عام إنما قصد بها تحقيق مصالح الناس. وهذه القاعدة التشريعة الثانية تضمنت أن المصلحة التي قصد بتشريع الحكم تحقيقها قد تكون مصلحة عامة للمجتمع، وقد تكون مصلحة خاصة للفرد، وقد تكون مصلحة لهما معا.
المراد بما هو حق الله ما هو حق للمجتمع، وشرع حكمه للمصلحة العامة لا مصلحة فرد خاص. فلكونه من النظام العام، ولم يقصد به نفع فرد بخصوصه نسب إلى رب الناس جميعهم، وسمي حق الله.
المراد بما هو حق المكلف ما هو حق للفرد، وشرع حكمه لمصلحته خاصة، وقد ثبت بالاستقراء أن أفعال المكلفين التي تعلقت بها الأحكام الشرعية. منها ما هو حق خالص لله، ومنها ما هو حق خالص للمكلف، ومنها ما اجتمع فيه الحقان، وحق الله غالب؛ ومنها ما اجتمع فيه الحقان، وحق المكلف الغالب.
فأما ما هو حق خالص لله، فهو منحصر بالاستقراء فيما يأتي:
١- العبادات المحضة كالصلاة والصيام والزكاة والحج، وما بنيت عليه هذه العبادات من الإيمان والإسلام، فإن العبادات وأسسها مقصود بها إقامة الدين وهو ضروري لنظام المجتمع، وحكمة تشريع كل عبادة منها على أنها لمصلحة عامة لا لمصلحة المكلف وحده.
стр. 187
٢- العبادات التي فيها معنى المئونة كصدقة الفطر، فإنها عبادة من جهة أنها تقرب إلى الله بالصدقة للفقراء والمساكين، ولكنها ليست عبادة محضة بل فيها معنى الضريبة على النفس، لبقائها وحفظها. وهذا مرادهم بأن فيها معنى المئونة، ولهذا لا تجب على الإنسان عن نفسه فقط، بل تجب عليه عن نفسه وعمن يعوله ممن هم في ولايته، كابنه الصغير وخادمه، ولو كانت العبادة محضة ما وجبت على الإنسان إلا عن نفسه، وكان ينبغي أن تعد الزكاة من هذا النوع لا من النوع الأول وهو العبادات المحضة؛ لأن الزكاة عبادة فيها معنى الضريبة على المال لبقائه وحفظه، ولهذا تجب على رأي جمهور المجتهدين في مال فاقد الأهلية كالصبي، والمجنون، ولو كانت عبادة محضة ما وجبت إلا على البالغ العاقل.
٣- الضرائب التي فرضت على الأرض الزراعية، سواء كانت عشرية أم خراجية، وسواء كان المفروض على الأرض العشرية العشر أم نصف العشر، والمفروض على الخراجية خراج وظيفة أم خراج مقاسمة. فإن المقصود من هذه الضرائب صرفها في المصالح العامة التي يقتضيها بقاء الأرض في يد أربابها واستثمارها كإصلاح طرق الري والصرف، وإقامة الجسور، وتمهيد الطرق وحمايتها من العدوان عليها، ومعونة الفقراء، والمساكين، وغير ذلك مما تستوجبه المصلحة للعامة وللتأمين الاجتماعي.
٤- الضرائب التي فرضت فيما يغنم بالجهاد، وفيما يوجد في باطن الأرض من الكنوز والمعادن. فإن الشارع جعل أربعة أخماس الغنيمة للغانمين وخمسها لمصالح عامة بينها الله في القرآن بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ وجعل أربعة أخماس ما يوجد من المعادن والكنوز للواجد، وخمسه لمصالح عامة بينها.
٥- أنواع من العقوبات الكاملة وهي: حد الزنا، وحد السرقة، وحد البغاة الذين يحاربون الله ورسوله، ويسعون في الأرض فسادا، فهي لمصلحة المجتمع كله.
٦- نوع من العقوبات القاصرة، وهو حرمان القاتل من الإرث فهو عقوبة قاصرة؛ لأنه عقوبة سلبية لم يلحق القاتل بها تعذيب بدني، أو غرم مالي. وهو حق الله؛ لأنه ليس فيه نفع للمقتول.
٧- عقوبات فيها معنى العبادة، كالكفارة لمن حنث في يمينه، والكفارة لمن أفطر في رمضان عمدًا، والكفارة لمن قتل خطا أو ظاهر زوجته. فهي عقوبة؛ لأنها
стр. 188
وجبت جزاء على معصية. ولهذا سميت كفارة، أي ستارة للإثم، وفيها معنى العبادة؛ لأنها تؤدي بما هو عبادة من صوم، أو صدقة، أو تحرير رقبة.
فهذه الأنواع كلها حق خالص لله، وتشريعها لتحقيق مصالح الناس العامة، وليس للمكلف الخيرة فيها، وليس له إسقاطها؛ لأن المكلف لا يملك أن يسقط إلا حق نفسه. ولا أن يسقط صلاة أو صوما أو حجا أو زكاة، أو صدقة واجبة أو ضريبة مفروضة أو عقوبة من هذه العقوبات؛ لأنها ليست حقه.
وأما ما هو حق خالص للمكلف فمثاله: تضمين من أتلف المال بمثله أو قيمته هو حق خالص لصاحب المال إن شاء ضمن وإن شاء ترك. وحبس العين المرهونة حق خالص للمرتهن، واقتضاء الدين حق خالص للدائن. فالشارع أثبت هذه الحقوق لأربابها، وهم لهم الخيرة إن شاءوا استوفوا حقوقهم، وإن شاءوا أسقطوها، ونزلوا عنها؛ لأن لكل مكلف الحق في أن يتصرف في حق نفسه. وهذه ليست من المصالح العامة.
وأما ما اجتمع فيه الحقان وحق الله فيه غالب، فهو حد القذف؛ لأنه من جهة أنه صيانة لأعراض الناس، ومنع من التعادي والتقاتل يحقق مصلحة عامة، فيكون من حق الله؛ ومن جهة أنه دفع للعار عن المحصنة التي قذفت وإعلان لشرفها، وحصانتها يحقق مصلحة خاصة بها فيكون من حق الفرد. ولكن الجهة الأولى أظهر في هذه العقوبة، فلهذا كان حق الله غالبا فيها. فليس للمقذوفة أن تسقط الحد عن قاذفها؛ لأنها لا تملك إسقاط حد غلب حق الله فيه؛ وليس لها أن تقيم الحد بنفسها؛ لأن الحدود التي هي حق خالص لله أو يغلب فيها حق الله لا تقيمها إلا الحكومة. وليس للمجني عليه أن يقيمها بنفسه.
وأما ما اجتمع فيه الحقان، وحق المكلف فيه غالب فهو القصاص من القاتل العامد، فإن القصاص من جهة أن فيه حياة الناس بتأمينهم على أنفسهم يحقق مصلحة عامة، ومن جهة أن فيه شفاء صدور أولياء المقتول، وإطفاء نار غضبهم وحقدهم على القاتل يحقق مصلحة خاصة. ولكن الجهة الثانية غلبت، ولهذا كان حق المكلف غالبا معه، ولهذا جاز لولي المقتول أن يعفو فلا يقتص منه. ولا يقتص من القاتل إلا بناء على طلب ولي المقتول.
ومن هذا يؤخذ أن العقوبات المقدرة في القرآن، وهي الحدود الشرعية الخمسة؛ منها ما هو حق خالص لله، وهي حد الزنا، وحد السرقة، وحد السعي في الأرض فسادًا بالخروج على الجماعة، ومنها ما اجتمع فيه الحقان وحق الله
стр. 189
غالب فيه، وهو حد قذف المحصنات، وفي هذين لا يملك المجني عليه العفو عن الجاني، ولا يملك أن يتولى عقابه بنفسه؛ لأن حق الله خالصا أو غالبا لا يملك المكلف إسقاطه، والمنوط باستيفائه الإمام العام "الحكومة". ومنها ما اجتمع فيه الحقان وحق المكلف غالب فيه، وهو القصاص، فللمجني عليه أن يعفو عن القاتل؛ وإذا حكم على القاتل بالقصاص كان له أن يتولى تنفيذ الحكم. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ .
ومما تقدم يتبين أمران:
أولهما: أن كل حد من الحدود الشرعية فيه حق الله، أي للمجتمع؛ ولكن هذا الحق قد يكون خالصًا، وقد يكون معه حق للفرد، إما راجحا وإما مرجوحا.
وثانيهما: أن الشريعة الإسلامية تفترق والنظرية الجنائية في قوانيننا الوضعية في عقوبة القصاص من القاتل العامد، وفي عقوبة الزوجة التي ثبت زناها. ففي عقوبة القصاص من القاتل العامد؛ الشريعة الإسلامية جعلت هذه العقوبة فيها حق للمجني عليه وهو ولي المقتول، وفيها حق الله، أي المجتمع، وجعلت حق المجني عليه أرجح، ورتبت على أن فيها حقا راجحا للمجني عليه أنها جعلت الحق له في رفع الدعوى بطلب الحكم بالقصاص، وجعلت له الحق إذا حكم بالقصاص أن يعفو، وأن يتولى التنفيذ، ورتبت على أن فيها حقا لله أن للحكومة في حال عفو المجني عليه أن تعاقب الجاني بما تراه رادعا له ولغيره؛ لأن نزول أحد صاحبي الحق عن حقه لا يسقط حق الآخر. وأما القوانين الوضعية فقد جعلت هذه العقوبة حق خالصًا للمجتمع، وجعلت رفع الدعوى على القاتل من اختصاص النيابة العمومية؛ ولا يملك المجني عليه عفوا ولا مباشرة تنفيذ، وحق العفو ومباشرة التنفيذ هو لولي الأمر العام.
وفي عقوبة الزوجة التي ثبت زناها: الشريعة الإسلامية جعلت هذه العقوبة حقا خالصا لله أي للمجتمع. وجعلت رفع الدعوى على الزانية من اختصاص النيابة العمومية، وتنفيذ الحكم من اختصاص السلطة التنفيذية، ولا يملك زوجها ولا أي فرد غيره وقف إجراءات الدعوى عليها، ولا وقف تنفيذ الحكم عليها بعد صدوره. وأما في القوانين الوضعية، فلا ترفع الدعوى إلا بشكوى من زوجها وله أن يوقف إجراءات الدعوى عليها، وإذا حكم عليها، فله أن يوقف تنفيذ الحكم برضاه بمعاشرتها.
стр. 190
القاعدة الثالثة: فيما يسوغ الاجتهاد فيه
"لا مساغ للاجتهاد فيما فيه نص صريح قطعي".
الاجتهاد في اصطلاح الأصوليين:
هو بذل الجهد للوصول إلى الحكم الشرعي من دليل تفصيلي من الأدلة الشرعية.
فإن كانت الواقعة التي يراد معرفة حكمها قد دل على الحكم الشرعي فيها دليل صريح قطعي الورود والدلالة فلا مجال للاجتهاد فيها، والواجب أن ينفذ فيها ما دل عليه النص؛ لأنه ما دام قطعي الورود فليس ثبوته وصدوره عن الله أو رسوله موضع بحث وبذل جهد. وما دام قطعي الدلالة، فليست دلالته على معناه واستفادة الحكم منه موضع بحث واجتهاد. وعلى هذا فآيات الأحكام المفسرة التي تدل على المراد منها دلالة واضحة، ولا تحتمل تأويلا يجب تطبيقها. ولا مجال للاجتهاد في الوقائع التي تطبق فيها. ففي قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ لا مجال للاجتهاد في عدد الجلدات. وكذلك في كل عقوبة أو كفارة مقدرة. وفي قوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ، بعد أن فسرت السنة العملية المراد من الصلاة أو الزكاة، لا مجال للاجتهاد في تعرف المراد من أحدهما. فما دام النص صريحا مفسرا بصيغته أو بما ألحقه الشارع به من تفسير وبيان، فلا مساغ للاجتهاد فيما ورد فيه. ومثل هذه الآيات القرآنية المفسرة للسنن المتواترة والمفسرة، كحديث الأموال الواجبة فيها الزكاة ومقدار النصاب من كل مال منها، ومقدار الواجب فيه.
أما إذا كانت الواقعة التي يراد معرفة حكمها قد ورد فيها نص ظني الورود والدلالة أو أحدهما ظني فقط ففيهما للاجتهاد مجال؛ لأن المجتهد عليه أن يبحث في الدليل الظني الورود من حيث سنده، وطريق وصوله إلينا عن الرسول ودرجة رواته من العدالة والضبط والثقة والصدق، وفي هذا يختلف تقدير المجتهدين للدليل، فمنهم من يطمئن إلى روايته ويأخذ به، ومنهم من لا يطمئن إلى روايته ولا يأخذ به. وهذا باب من الأبواب التي اختلف من أجلها المجتهدون في كثير من الأحكام العملية.
стр. 191
فإذا أداه اجتهاده في سند الدليل إلى الاطمئنان لروايته، وصدق رواته، اجتهد في معرفة ما يدل عليه الدليل من الأحكام، وما يطبق فيه من الوقائع؛ لأن الدليل قد يدل ظاهره على معنى، ولكنه ليس هو المراد، وقد يكون عاما، وقد يكون مطلقا، وقد يكون على صيغة الأمر أو النهي، فالمجتهد يصل باجتهاده إلى معرفة أن الظاهر على ظاهره أو هو مؤول، وأن العام باق على عمومه أو هو مخصص، وكذلك المطلق على إطلاقه أو هو مقيد، والأمر للإيجاب أو لغيره، والنهي للتحريم أو لغيره، وهاديه في اجتهاده القواعد الأصولية اللغوية، ومقاصد الشارع ومبادئه العامة، وسائر نصوصه التي بينت أحكاما، وبهذا يصل إلى أن النص يطبق في هذه الواقعة أو لا يطبق.
وكذلك إذا كانت الواقعة لا نص على حكمها أصلا، ففيها مجال متسع للاجتهاد؛ لأن المجتهد يبحث ليصل إلى معرفة حكمها بواسطة القياس، أو الاستحسان أو الاستصحاب أو مراعاة العرف أو المصالح المرسلة. فالخلاصة أن مجال الاجتهاد أمران: ما لا نص فيه أصلا؛ وما فيه نص غير قطعي، ولا مجال للاجتهاد فيما فيه نص قطعي.
وعلى هذا أصول التقنين الوضعي، فقد جاء في كتاب أصول القوانين: الأصل أنه ما دام القانون صريحًا فلا يجوز تأويله وتغيير نصوصه، بناء على أن روح القانون تدعو لذلك التغيير، حتى لو كان رأي القاضي الشخصي أن النص غير عادل؛ لأن مرجع ذلك أن المشرع نفسه، ومأمورية القاضي قاصرة على الحكم بمقتضى القانون لا الحكم على القانون.
وجاء في المادة ٢٩ من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية أنه: "إن لم يوجد نص صريح بالقانون يحكم بمقتضى قواعد العدل"، فما دام في القانون نص صريح، فهو وحده الذي يقضى به.
الأهلية للاجتهاد:
بعد أن بينا ما فيه مجال للاجتهاد، وما ليس فيه مجال نبين من يكون أهلا للاجتهاد.
يشترط لتحقيق الأهلية للاجتهاد شروط أربعة:
الأول: أن يكون الإنسان على علم باللغة العربية، وطرق دلالة عباراتها ومفرداتها، وله ذوق في فهم أساليب ونسبه من الحذق في علومها وفنونها، وسعة
стр. 192
الاطلاع على آدابها وآثار فصاحتها من شعر ونثر وغيرهما؛ لأن أول وجهة للمجتهد هي النصوص في القرآن والسنة، وفهمها كما يفهمها العربي الذي وردت هذه النصوص بلغته، وتطبيق القواعد الأصولية اللغوية في استفادة المعاني من العبارات والمفردات.
الثاني: أن يكون على علم بالقرآن، والمراد أن يكون عليما بالأحكام الشرعية التي جاء بها القرآن، وبالآيات التي نصت على هذه الأحكام، وبطرق استثمار هذه الأحكام من آياتها، بحيث إذا عرضت له واقعة كان ميسورا له أن يستحضر كل ما ورد في موضوع هذه الواقعة من آيات الأحكام في القرآن، وما صح من أسباب نزول كل آية منها، وما ورد في تفسيرها وتأويلها من آثار، وعلى ضوء هذا يستنبط حكم الواقعة.
وآيات الأحكام في القرآن ليست كثيرة، وقد خصها بعض المفسرين بتفسير خاص. ومن الممكن أن تجمع الآيات المرتبطة بموضوع واحد بعضها مع بعض، بحيث يتيسر للإنسان أن يرجع في مجموعة واحدة إلى كل الآيات القرآنية التي تضمنت أحكامًا في الطلاق، وكل الآيات التي تضمنت أحكاما في الزواج، وفي الإرث، وفي العقوبات، وفي المعاملات، وفي غير ذلك من أنواع أحكام القرآن.
ومن الميسور أن يذكر مع كل آية ما ورد في الصحاح من سبب نزولها، وما ورد من الأحاديث التي فيها تبيين لمجملها، وما ورد من الآثار في تفسيرها؛ وبهذا تكون المجموعة القانونية في القرآن ميسورا الرجع إليها عند الحاجة، وميسورا مقارنة مواد الموضوع الواحد بعضها ببعض، وفهم كل مادة على ضوء سائر موضوعها؛ لأن القرآن يفسر بعضه بعضًا، ومن الخطأ أن تفهم آية منه على أنها وحدة مستقلة.
الثالث: أن يكون على علم بالسنة كذلك، بأن يكون عليما بالأحكام الشرعية التي وردت بها السنة النبوية بحيث يستطيع في كل باب من أبواب أعمال المكلفين أن يستحضر ما ورد في السنة من أحكام هذا الباب، ويعرف درجة سند هذه السنة من الصحة أو الضعف في الرواية، ولقد أدى العلماء للسنة النبوية خدمات جليلة، وعنوا بفحص أسانيدها ورواة كل حديث منها، حتى كفوا من جاء بعدهم مئونة البحث في الأسانيد، وصار معروفًا في كل حديث أنه متواتر، أو مشهور، أو صحيح، أو حسن، أو ضعيف.
стр. 193
وكذلك عني العلماء بجمع أحاديث الأحكام، وترتيبها حسب أبواب الفقه وأعمال المكلفين، بحيث يتيسر للإنسان أن يرجع إلى ما ورد في السنة الصحيحة من أحكام البيع، أو الطلاق أو الزواج أو العقوبات أو غيرها. ويستطيع أن يرجع إلى الآيات والأحاديث التي وردت في موضوع واحد من موضوعات الأحكام؛ وعلى ضوئها يفهم الحكم الشرعي، ومن خير الكتب التي يرجع إليها في هذا "كتاب نيل الأوطار" للإمام الشوكاني.
الرابع: أن يعرف وجوه القياس. وذلك بأن يعرف العلل والحكم التشريعية التي شرعت من أجلها الأحكام، ويعرف المسالك التي مهدها الشارع لمعرفة علل أحكامه، ويكون خبيرًا بوقائع أحوال الناس ومعاملاتهم، حتى يعرف ما تتحقق فيه علة الحكم من الوقائع التي لا نص فيها، ويكون خبيرًا أيضا بمصالح الناس وعرفهم؛ وما يكون ذريعة إلى الخير والشر فيهم، حتى إذا لم يجد في القياس سبيلا إلى معرفة حكم الواقعة، سلك سبيلا أخرى من السبل التي مهدتها الشريعة الإسلامية للوصول إلى استنباط الحكم فيما لا نص فيه.
ومما ينبغي التنبيه إليه أمور ثلاثة:
أحدها: أن الاجتهاد لا يتجزأ، أي أنه لا يتصور أن يكون العالم مجتهدا في أحكام الطلاق وغير مجتهد في أحكام البيع، أو مجتهدا في أحكام العقوبات، وغير مجتهد في أحكام العبادات؛ لأن الاجتهاد -كما يؤخذ مما قدمناه- أهلية وملكة يقتدر بها المجتهد على فهم النصوص، واستثمار الأحكام الشرعية منها، واستنباط الحكم فيما لا نص فيه. فمن توافرت فيه شروط الاجتهاد وتكونت له هذه الملكة لا يتصور أن يقتدر بها في موضوع دون آخر، نعم يتصور أن يكون المرء عالمًا متخصصًا في المدنيات دون العقوبات أو في العقوبات دون المدنيات، ولكن لا يتصور أن يكون قادرًا على الاجتهاد في هذا الموضوع من الأحكام دون هذا؛ ولأن عماد المجتهد في اجتهاده فهم المبادئ العامة وروح التشريع التي بثها الشارع في مختلف أحكامه وبنى عليه تشريعه، وهذه الروح التشريعية والمبادئ العامة لا تخص بابا دون باب من أبواب الأحكام. وفهمها حق فهمها لا يتم إلا بأقصى ما يستطاع من استقراء الأحكام الشرعية وحكمها في مختلف الأبواب. وقد يكون هادي المجتهد في أحكام الزواج مبدأ، أو تعليلًا تقرر في أحكام البيع. فلا يكون
стр. 194
مجتهدًا إلا إذا كان على علم تام بأحكام القرآن، والسنة حتى يصل من مقارنة بعضها ببعض، ومن مبادئها العامة إلى الاستنباط الصحيح.
وثانيها: أن المجتهد مأجور؛ إن أصاب فله أجران: أجر على اجتهاده وأجر على إصابته الصواب، وإن أخطأ فله أجر واحد في اجتهاده؛ لأننا قدمنا أن الله سبحانه ما ترك الناس سدى، بل شرع لكل فعل من أفعال المكلفين حكما، ونصب لكل حكم دليلا يدل عليه. وطلب من أهل النظر في هذه الأدلة أن ينظروا فيها ليهتدوا إلى حكمه. فمن توافرت فيه أهلية النظر فيها؛ واجتهد حتى وصل إلى الحكم الذي أداه إليه اجتهاده، فهو مأجور على هذا الاجتهاد، وواجب عليه أن يعمل في قضائه، وإفتائه بما أداه إليه اجتهاده؛ لأنه حكم الله حسب ظنه الراجح. والظن الراجح كما قدمنا، كاف في وجوب العمل. ولا يجب على غيره أن يقلده في العمل بما وصل إليه اجتهاده؛ لأن قول أي إنسان بعد الرسول المعصوم ليس حجة واجبا اتباعه على أي مسلم، وإنما يجوز للعامة الذي ليست لهم ملكة الاجتهاد، واستثمار الأحكام من نصوصها، أن يتبعوا المجتهدين، ويقلدوهم مصداق قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ .
وثالثها: إن الاجتهاد لا ينقض بمثله، فلو اجتهد في واقعة وحكم فيها بالحكم الذي أداه إليه اجتهاده، ثم عرضت عليه صورة من هذه الواقعة فأداه اجتهاده إلى حكم آخر، فإنه لا يجوز له نقض حكمه السابق، كما لا يجوز لمجتهد آخر خالفه في اجتهاده أن ينقض حكمه؛ لأنه ليس الاجتهاد الثاني بأرجح من الأول، ولا اجتهاد أحد المجتهدين أحق أن يتبع من اجتهاد الآخر؛ ولأن نقض الاجتهاد بالاجتهاد يؤدي إلى ألا يستقر حكم وإلى ألا تكون للشيء المحكوم به قوة. وفي هذا مشقة وحرد، وقد ورد أن عمر بن الخطاب قضى في حادثة بقضاء؛ ثم تغير اجتهاده فلم ينقض ما قضى به أولا، بل قضى في مثل هذه الحادثة بالحكم الآخر الذي أداه إليه اجتهاده الثاني وقال: ذلك على ما قضينا وهذا على ما نقضي. وقد قضى أبو بكر في مسائل وخالفه بعده عمر فيها، ولم ينقض حكمه. وعلى هذا المعنى ينبغي أن يفهم قول عمر بن الخطاب في عهده لأبي موسى الأشعري حين ولاه القضاء: "لا يمنعك قضاء قضيته اليوم فراجعت فيه نفسك، وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق، فإن مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل".
стр. 195
القاعدة الرابعة: في نسخ الحكم
"لا نسخ لحكم شرعي في القرآن أو السنة بعد وفاة الرسول ﷺ ، وأما في حياته، فقد اقتضت سنة التدرج بالتشريع، ومسايرته المصالح نسخ بعض الأحكام التي وردت فيها ببعض نصوصهما نسخا كليا، أو نسخا جزئيا".
النسخ في اصطلاح الأصوليين:
هو إبطال العمل بالحكم الشرعي بدليل متراخ عنه، يدل على إبطاله صراحة أو ضمنا، إبطالا كليا أو إبطالا جزئيا لمصلحة اقتضته، أو هو إظها دليل لاحق نسخ ضمنا العمل بدليل سابق.
حكمته:
وهذا النسخ وقع في التشريع الإلهي، ويقع في كل تشريع وضعي؛ لأن المقصود من كل تشريع سواء أكان إلهيا أو وضعيا تحقيق مصالح الناس، ومصالح الناس قد تتغير بتغير أحوالهم. والحكم قد يشرع لتحقيق مصالح اقتضتها أسباب، فإذا زالت هذه الأسباب فلا مصلحة في بقاء الحكم. كما ورد أن وفودا من المسلمين، وفدوا على المدينة في أيام عيد الأضحى، فأراد الرسول أن يقيموا بين إخوانهم في سعة، فنهى المسلمين عن إدخار لحوم الأضاحي حتى تجد الوفود فيها توسعة عليهم، فلما رحلوا أباح للمسلمين الإدخار. وقال ﵇: "إنما نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة ألا فادخروا"؛ ولأن عدالة التشريع تقتضي التدرج وعدم مفاجأة من يشرع لهم بما يشق عليهم فعله، أو ما يشق عليهم تركه؛ وهذا التدرج يقتضي التعديل والتبديل كما وقع في حكم الخمر، فإن الله لم يشرع تحريمها في ابتداء التشريع، ولكن بين سبحانه أن فيه إثما كبيرا، ومنافع للناس، وأن إثمها أكبر من نفعها. وكان هذا تهيئة وتمهيدا إلى تحريمها؛ لأن الذي ضرره أكبر من نفعه يجدر بالعقل أن يجتنبه؛ ثم أمر المسلمين أن لا يقربوا الصلاة وهم سكارى، فكان هذا تمهيدا ثانيا لتحريمها واجتنابها؛ لأن أوقات الصلاة متعددة ومتفرقة، فلا يأمن المسلمون إذا شربوها أن يأتي عليهم وقت
стр. 196
الصلاة وهم سكارى. ثم بعد ذلك جاء النص الصريح على أنها رجس من عمل الشيطان، والأمر باجتنابها. وكذلك نظام التوريث، بقي فترة في بدء الإسلام على ما كان عليه عند العرب في جاهليتهم، ثم أخذ الإسلام في تعديله بالتدريج، فنسخ أولًا الإرث بالتبني، ثم نسخ الإرث بالتحالف والتآخي، ثم شرعت للتوريث أحكام مفصلة، هدمت الأسس الجائرة التي كان عليها أهل الجاهلية في نظام توريثهم.
أنواعه:
قد يكون النسخ صريحا وقد يكون ضمنيا.
فالنسخ الصريح أن ينص الشارع صراحة في تشريعه اللاحق على إبطال تشريعه السابق، ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ، الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ، وقول الرسول ﷺ : "كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها، فإنها تذكركم الحياة الآخرة". وقوله ﵊: "إنما نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة ألا فادخروا".
وهذا النسخ الصريح هو الكثير في التشريع الوضعي، فإن أكثر القوانين التي تصدر معدلة لقوانين سابقة، ينص فيها صراحة على النصوص الملغاة في تلك القوانين السابقة، أو على إلغاء كل حكم في قانون سابق مخالف ما نص عليه في هذا القانون، كما نص الأمر الملكي بدستور سنة ١٩٣٠ صراحة على إلغاء دستور سنة ١٩٢٣، وكما نص قانون التسجيل صراحة على إلغاء نصوص في القانون المدني.
وأما النسخ الضمني فهو ألا ينص الشارع صراحة في تشريعه اللاحق على إبطال تشريعه السابق. ولكن يشرع حكما معارضا حكمه السابق، ولا يمكن التوفيق بين الحكمين إلا بإلغاء أحدهما؛ فيعتبر اللاحق ناسخا ضمنا.
وهذا النسخ الضمني هو الكثير في التشريع الإلهي، فقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يدل
стр. 197
على ذلك أن المالك إذا حضرته الوفاة عليه أن يوصي لوالديه، وأقاربه من تركته بالمعروف. وقوله تعالى في آية التوريث: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ... ﴾ الآية، يدل على أن الله قسم تركة كل مالك بين ورثته حسبما اقتضت حكمته، ولم يعد التقسيم حقًّا للمورث نفسه، وهذا الحكم يعارض الأول، فهو ناسخ له على رأي الجمهور. ولذا قال الرسول ﷺ بعدما نزلت آية المواريث: "وإن الله أعطى لكل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث".
ومثاله في التشريع الوضعي الأمر الملكي الصادر بدستور سنة ١٩٢٣، فإنه تضمن أحكامًا كثيرة تخالف الأحكام الدستورية السابقة عليه، ولم ينص صراحة على إلغائها فاعتبر ناسخا لها ضمنا؛ وقانون العقوبات الجديد لم ينص صراحة على إلغاء ما خالف أحكامه من قوانين العقوبات السابقة، فاعتبر ناسخا لها ضمنا. ويرى بعض رجال التشريع الاكتفاء بهذا النسخ الضمني، والاستغناء عن التصريح بالنسخ؛ لأنه تأكيد في مقام لا يقتضي التأكيد؛ فإن تشريع الشارع حكمًا معارضًا لحكم شرعه من قبل، ولا يمكن الجمع بينهما هو عدول من الشارع عن حكمه السابق، وإبطال له من غير حاجة إلى التصريح بأنه عدل عنه أو أبطله.
وقد يكون النسخ كليا وقد يكون جزئيا.
فالنسخ الكلي: أن يبطل الشارع حكما شرعه من قبل إبطالا كليا بالنسبة إلى كل فرد من أفراد المكلفين؛ كما أبطل إيجاب الوصية للوالدين والأقربين بتشريع أحكام التوريث ومنع الوصية للوارث، وكما أبطل اعتداد المتوفى عنها زوجها حولًا باعتدادها أربعة أشهر وعشرا. فقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ . ثم قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ .
والنسخ الجزئي: أن يشرع الحكم عاما شاملا كل فرد من أفراد المكلفين، ثم يلغى هذا الحكم بالنسبة لبعض الأفراد، أو يشرع الحكم مطلقا، ثم يلغى بالنسبة لبعض الحالات. فالنص الناسخ لا يبطل العمل بالحكم الأول أصلا، ولكن يبطله بالنسبة لبعض الأفراد أو بعض الحالات.
مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ يدل على أن قاذف المحصنة الذي لم يقم بينة على ما قذف به يجلد ثمانين جلدة، سواء كان زوجها أم غيره. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ
стр. 198
أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ الآية، يدل على أن القاذف إذا كان الزوج لا يجلد بل يتلاعن وزوجته. فالنص الثاني نسخ حكم جلد القذف بالنسبة إلى الأزواج فقط.
وإنما يكون هذا نسخا جزئيًّا إذا شرع أولا حكم العام على عمومه، أو المطلق على إطلاقه، ثم شرع بعد ذلك بفترة حكم لبعض أفراده، أو قيد بقيد. وأما إذا ورد العام في القانون وورد في القانون نفسه تخصيص بعض أفراده بحكم يكون هذا التخصيص بيانا للمراد من العام لا نسخًا، وكذلك يكون التقييد بيانا للمراد من الطلق لا نسخًا.
وهذا معنى قول الأصوليين إخراج بعض أفراد العام من حكمه، أو تقييد المطلق بقيد إذا كان بدليل مقارن تشريع حكم العام أو المطلق، يعتبر بيانا للمراد من العام، أو المطلق بمنزلة الاستثناء ولا يعتبر نسخًا.
والأحكام الشرعية وإن كانت شرعت تدريجا في مدى اثنتين وعشرين سنة وشهور، ولكن بعد وفاة الرسول واستقرار التشريع، صارت في حق المسلمين قانونا واحدا، فالخاص منه بيان للعام، والمقيد بيان للمطلق، من غير نظر إلى أن هذه الآية بعد هذه الآية في التلاوة، أو في سورة بعد السورة التي فيها الآية، إلا ما نص عليه من ناسخ ومنسوخ.
وقد يكون النسخ بتشريع حكم بدل حكم، كما نسخ إيجاب الوصية للوالدين والأقربين بتقسيم الإرث، وكما نسخ الاتجاه إلى بيت المقدس في الصلاة بالاتجاه إلى الكعبة، وكما نسخ اعتداد المتوفى عنها زوجها بالتربص حولا، باعتدادها بالتربص أربعة أشهر وعشرة أيام، وقد يكون النسخ بمجرد إلغاء الحكم كنسخ زواج المتعة.
وكما يجوز أن يكون الحكم الذي شرع مساويا الحكم الذي نسخ، أو أخف منه على المكلفين، يجوز أن يكون أشق منه عليهم؛ لأن هذا الإلغاء والتبديل إنما قضت به مصالح المكلفين، وقد تقتضي مصلحتهم حكما أشق عليهم من المنسوخ، فتحريم الخمر والميسر أشق عليهم من إباحتهما، ولكن قصد به المصلحة، وقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ . المراد بالخير ما يكون
стр. 199
أصلح للمكلفين، سواء كان أشق عليهم أم مساويا أم أخف، هذا إذا كان المراد آيات القرآن في قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ .
ما يقبل النسخ وما لا يقبله:
ليس كل نص ورد في القرآن أو السنة يقبل في عهد الرسول أن ينسخه نص لاحق، بل من النصوص نصوص محكمات لا تقبل النسخ أصلا وهي:
أولا: النصوص التي تضمنت أحكاما أساسية لا تختلف باختلاف أحوال الناس، ولا تختلف حسنا وقبحا باختلاف التقدير، كالنصوص التي تضمنت إيجاب الإيمان بالله ورسله، وكتبه واليوم الآخر، وسائر أصول العقائد والعبادات، وكالنصوص التي قررت أمهات الفضائل من بر الوالدين، والصدق، والعدل وأداء الأمانات إلى أهلها، وغير ذلك مما لا يتصور أن يكون قبيحًا في آية حال وعلى أي تقدير؛ وكالنصوص التي دلت على أسس الرذائل من الشرك بالله، وقتل النفس بغير الحق، وعقوق الوالدين، والكذب والظلم، وغير ذلك مما لا يتصور أن يكون حسنا في أي حال. ومن أمثلة هذا النوع في القوانين الوضعية: المادتان ١٥٦ و١٥٨ من الدستور، فهما لا تقبلان النسخ.
وثانيا: النصوص التي تضمنت أحكاما، ودلت بصيغتها على تأبيدها؛ لأن تأبيدها يقتضي عدم نسخها. كقوله تعالى في بيان حد قاذفي المحصنات: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ ، فإن لفظ بدا يدل على أن هذا حكم دائم لا يزول، وكقول الرسول ﷺ : "الجهاد ماض إلى يوم القيامة"، فإن كونه ماضيا إلى يوم القيامة يدل على أنه باق ما بقيت الدنيا.
وثالثا: النصوص التي دلت على وقائع وقعت، وأخبرت عن حادثات كانت، كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ، وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ . وكقول الرسول: "نصرت بالرعب مسيرة شهر"؛ لأن نسخ النص الخبري تكذيب لمن أخبر به، والكذب محال على الشارع.
فهذه الأنواع الثلاثة من النصوص لا تقبل النسخ، وما عداها يقبله في بدء التشريع، أي في حياة الرسول لا فيما بعده.
стр. 200
ما يكون به النسخ:
الأصل العام أن النص لا ينسخه إلا نص في قوته أو أقوى منه.
وعلى هذا فنصوص القرآن قد ينسخ بعضها بعضًا، وقد تنسخ بالسنة المتواترة؛ لأنها كلها قطعية وفي قوة واحدة.
ونصوص السنة غير المتواترة قد ينسخ بعضها بعضا؛ لأنها في قوة واحدة، وقد تنسخ بنصوص القرآن والسنة المتواترة؛ لأنها أقوى منها.
فالنص القرآني الذي دل على اعتداد المتوفى عنها زوجها بحول، نسخ بالنص القرآني الذي دل على اعتدادها بأربعة أشهر وعشرة أيام.
والنص القرآني الذي دل على تحريم كل ميتة، خصص بالسنة العملية المتواترة التي دلت على إباحة ميتة البحر، والتي أكدها الرسول بقوله: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته".
والنص القرآني الذي دل على وجوب تنفيذ أية وصية قيد بالسنة العملية التي منعت نفاذ الوصية بأكثر من الثلث وأكدها الرسول بقوله في حديث معاذ: "الثلث والثلث كثير".
وفي السنة النهي عن زيارة القبور ثم إباحتها، والنهي عن ادخار لحوم الأضاحي ثم إباحته، وغير ذلك.
وعلى هذا لا ينسخ نص قرآني أو سنة متواترة بسنة غير متواترة أو بقياس؛ لأن الأقوى لا ينسخ بما هو أقل منه قوة، ومن أجل هذا تقرر أنه لا نسخ لحكم شرعي في القرآن أو السنة بعد وفاة الرسول؛ لأنه بعد وفاة الرسول انقطع ورود النصوص واستقرت الأحكام، فلا يمكن أن ينسخ النص بقياس أو اجتهاد.
وما يكون به النسخ في القوانين الوضعية هو على هذا الأصل، فلا ينسخ النص القانوني إلا نص قانوني في قوته أو أقوى منه.
فنصوص القانون الدستوري لا ينسخها إلا نصوص قانون دستوري.
ونصوص القوانين التشريعية الرئيسية تنسخها قوانين السلطة التشريعية الرئيسية؛ لأنها في قوتها، وتنسخها نصوص القانون الدستوري؛ لأنها أقوى منها.
стр. 201
ونصوص القوانين التشريعية الفرعية تنسخها قوانين السلطات التشريعية الرئيسية، ونصوص القانون الدستوري.
ويؤخذ مما قدمناه أن النص لا ينسخه إلا نص، وأن النص لا يتصور أن ينسخه الإجماع؛ لأن النص إذا كان قطعيا لا يمكن أن ينعقد إجماع على خلافه أصلًا، وإن كان ظنيًّا لا يمكن أن ينعقد إجماع على خلافه إلا مستندًا إلى نص، فيكون النص الذي استند إليه الإجماع هو الناسخ.
والحكم الثابت بالقياس لا ينسخ بمثله؛ لأن المجتهد إذا استنبط حكما في واقعة بطريق القياس، ثم استنبط بالقياس هو أو مجتهد آخر في مثل هذه الواقعة حكمًا يخالف الأول، فهذا ليس نسخا للحكم الأول، وإنما هو إظهار لبطلان الدليل الأول أي لخطأ القياس السابق، والقياس لا ينسخ حكما شرعيا ثابتا بالنص أو الإجماع؛ لأنه ليس في مرتبتهما، فالقياس لا ينسخ حكمه ولا ينسخ حكما.
стр. 202
القاعدة الخامسة: في التعارض والترجيح
"إذا تعارض النصان ظاهرا وجب البحث والاجتهاد في الجمع والتوفيق بينهما بطريق صحيح من طرق الجمع والتوفيق، فإن لم يمكن وجب البحث والاجتهاد في ترجيح أحدهما بطريق الترجيح، فإن لم يمكن هذا ولا ذاك وعلم تاريخ ورودهما كان اللاحق منهما ناسخا للسابق، وإن لم يعلم تاريخ ورودهما توقف عن العمل بهما.
وإذا تعارض قياسان أو دليلان من غير النصوص، ولم يمكن ترجيح أحدهما عدل عن الاستدلال بهما".
التعارض بين الأمرين معناه في اللغة العربية اعتراض كل واحد منها الآخر. والتعارض بين الدليلين الشرعيين معناه في اصطلاح الأصوليين اقتضاء كل واحد منهما في وقت واحد حكما في الواقعة يخالف ما يقتضيه الدليل الآخر فيها.
مثلا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ ، هذا النص يقتضي بعمومه أن كل من توفي عنها زوجها تنقضي عدتها بأربعة أشهر وعشرة أيام، سواء أكانت حاملًا أم غير حامل.
وقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ هذا النص يقتضي بعمومه أن كل حامل تنقضي عدتها بوضع حملها، سواء كانت متوفى عنها زوجها أم مطلقة.
فمن توفي عنها زوجها وهي حامل، واقعة يقتضي النص الأول أن تنقضي عدتها بتربص أربعة أشهر وعشرة أيام، ويقتضي النص الثاني أن تنقضي عدتها بوضع حملها، فالنصان متعارضان في هذه الواقعة.
ولا يتحقق التعارض بين دليلين شرعيين إلا إذا كانا في قوة واحدة، أما إذا كان أحد الدليلين أقوى من الآخر، فإنه يتبع الحكم الذي يقتضيه الدليل الأقوى، ولا يلتفت لخلافه الذي يقتضيه الدليل الآخر. وعلى هذا لا يتحقق التعارض بين نص قطعي وبين نص ظني، ولايتحقق التعارض بين نص وبين إجماع أو قياس، ولا بين إجماع وبين قياس، ويمكن التعارض بين آيتين أو حديثين متواترين أو بين آية، وحديث متواتر أو حديثين غير متواترين، أو بين قياسين.
стр. 203
ومما ينبغي التنبه له أنه لا يوجد تعارض حقيقي بين آيتين، أو بين حديثين صحيحين أو بين آية وحديث صحيح؛ وإذا بدا تعارض بين نصين من هذه النصوص إنما هو تعارض ظاهري فقط بحسب ما يبدو لعقولنا، وليس بتعارض حقيقي؛ لأن الشارع الواحد الحكيم لا يمكن أن يصدر عنه دليل يقتضي حكما في واقعة، ويصدر عنه نفسه دليل آخر يقتضي في الواقعة نفسها حكما خلافه في الوقت الواحد.
فإن وجد نصان ظاهرهما التعارض وجب الاجتهاد في صرفهما عن هذا الظاهر، والوقوف على حقيقة المراد منهما تنزيهًا للشارع العليم الحكيم عن التناقض في تشريعه. فإن أمكن إزالة التعارض الظاهري بين النصين بالجمع والتوفيق بينهما، جميع بينهما وعمل بهما، وكان هذا بيانا؛ لأنه لا تعارض في الحقيقة بينهما.
مثال١- قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ .
وقوله تعالى في سورة النساء: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ إلى آخر آية المواريث. الآية الأولى توجب على المورث إذا قارب الموت أن يوصي من تركته لوالديه وأقاربه بالمعروف. والآية الثانية توجب لكل واحد من الوالدين والأولاد والأقربين حقا من التركة بوصية الله لا بوصية المورث. فهما متعارضتان ظاهرًا، ويمكن التوفيق بينهما بأن يراد في آية سورة البقرة الوالدان، والأقربون الذين منع من إرثهم مانع كاختلاف الدين.
مثال٢- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ .
ويمكن التوفيق بينهما بأن الحامل المتوفى عنها زوجها تعتد بأبعد الأجلين، فإن وضعت حملها قبل أربعة أشهر وعشرة أيام من تاريخ الوفاة، تربصت حتى تتم أربعة أشهر وعشرة أيام، وإن مضت أربعة أشهر وعشرة أيام قبل أن تضع حملها تربصت حتى تضع حملها.
стр. 204
ومن طرق الجمع والتوفيق تأويل أحد النصين أي صرفه عن ظاهره، وبهذا لا يعارض النص الآخر. ومن طرق الجمع والتوفيق، اعتبار أحد النصين مخصصا لعموم الآخر، أو مقيدا لإطلاقه، فيعمل بالخاص في موضعه وبالعام فيما عداه، وبعمل بالمقيد في موضعه وبالمطلق فيما عداه.
وإن لم يمكن الجمع والتوفيق بين النصين المتعارضين، نظر في ترجيح أحدهما على الآخر بطريق من طرق الترجيح، فإذا اظهر البحث رجحان أحدهما على الآخر عمل بما اقتضاه الدليل الأرجح، وكان هذا تبيينا؛ لأن النصين غير متساويين في المرتبة. وقد يكون الترجيح من جهة طريق الدلالة فيرجح المدلول عليه بعبارة النص على المدلول عليه بإشارة النص، ويرجح المفسر على الظاهر أو النص، وتقدمت عدة أمثلة لهذا التعارض والترجيح. وإن لم يمكن الجمع والتوفيق بين النصين، ولم يمكن ترجيح أحدهما على الآخر بطريق من طرق الترجيح، نظر في تاريخ صدروهما عن الشارع، فإذا علم أن أحدهما سابق كان المتأخر منهما ناسخًا للسابق فيعمل به، ويعمل هذا من الرجوع إلى أسباب نزول الآيات، وورود الأحاديث، وجميع الأمثلة التي قدمناها في نسخ بعض الآيات لأحكام بعض آيات أخرى، ثابت فيها أن الناسخ لاحق في وروده للمنسوخ، وإن لم يمكن الجمع والتوفيق بين النصين، ولا ترجيح أحدهما على الآخر، ولم يعلم تاريخ ورودهما، توقف عن الاستدلال بهما، ونظر في الاستدلال على حكم الواقعة التي فيها التعارض بدليل غيرهما كأنها واقعة لا نص فيها، وهذه صورة فرضية لا وجود لها.
وإن كان التعارض بين دليلين شرعيين ليسا نصين، كالتعارض بين قياسين، فهذا قد يكون تعارضا حقيقيا؛ لأنه قد يكون أحد القياسين خطأ، فإن أمكن ترجيح أحد القياسين على الآخر عمل به، ومن طرق ترجيح أحد القياسين على الآخر أن تكون علة أحدهما منصوصا عليها، وعلة الآخر مستنبطة، أو تكون علة أحدهما مستنبطة بطريق إشارة النص، وعلة الآخر مستنبطة بطريق المناسبة.
ومجال الأصوليين في طرق التوفيق أو الترجيح بين النصوص، والأقيسة المتعارضة ذو سعة، ومن طرق الترجيح طرق موضوعية قرروا فيها مبادئ ترجيحية عامة، مثل قولهم: إذا تعارض المحرم والمبيح، رجح المحرم. وقولهم: إذا تعارض المانع والمقتضي، قدم المانع.
والله يوفق من يريد الحق، ويهدي من يشاء إلى صراط المستقيم.
стр. 205
الكتاب الثاني: خلاصة تاريخ التشريع الإسلامي
مدخل
الحمد لله على نعمة التوفيق، والصلاة والسلام على رسول الله الهادي إلى أقوم طريق، وعلى آله وصحبه ومن صار على نهجه واهتدى بهداه.
أما بعد: فإن التشريع الإسلامي قد مر بأطوار ثلاثة في عهود متقاربة، فقد نشأ وتكون، ثم نما ونضج، ثم وقف وجمد. وقد عنيت بدراسة هذا التشريع في أطواره الثلاثة، والوقوف على أسراره، وتطوره، وأسباب اختلاف الأئمة المجتهدين، وتكون مذاهبهم، والعوامل التي أوقفت هذه الحركة، وحالت دون نماء هذه الثروة، وما يلوح في عصرنا الحاضر من بوادر النهوض والنشاط. وها هي ذي خلاصة دراستي، أسأل الله أن يحقق بها ما أرجوه من نفع وخير.
تمهيد في بيان المراد من التشريع:
التشريع في الاصطلاح الشرعي والقانوني هو: سن القوانين التي تعرف منها الأحكام لأعمال المكلفين وما يحدث لهم من الأقضية والحوادث، فإن كان مصدر هذا التشريع هو الله سبحانه بواسطة رسله وكتبه فهو التشريع الإلهي، وإن كان مصدره الناس سواء أكانوا أفرادًا أم جماعات، فهو التشريع الوضعي، والقوانين الإسلامية نوعان: قوانين سنها الله سبحانه بآيات قرآنية، وألهمها رسوله وأقره عليها، وهذه تشريع إلهي محض، وقوانين سنها مجتهدو المسلمين من الصحابة وتابعيهم والأئمة المجتهدين استنباطا من نصوص التشريع الإلهي وروحها ومعقولها ومما أرشدت إليه من مصادر، وهذه تعتبر تشريعا إلهيا باعتبار مرجعها ومصدرها، وتعتبر تشريعا وضعيا باعتبار جهود المجتهدين في استمدادها واستنباطها.
ومرادنا بالتشريع الإسلامي سن هذه القوانين نوعيها، ولهذا قسمنا العهود التشريعية الإسلامية أربعة أقسام:
الأول عهد الرسول: وهو عهد الإنشاء والتكوين، ومدته "٢٢"سنة وأشهر من بعثته سنة ٦١٠ إلى وفاته سنة ٦٣٢م.
الثاني عهد الصحابة: وهو عهد التفسير والتكميل، ومدته ٩٠ سنة بالتقريب من وفاة الرسول سنة ١١ هجرية إلى أواخر القرن الهجري الأول.
الثالث عهد التدوين: والأئمة المجتهدين، وعهد النمو والنضج التشريعي، ومدته ٢٥٠ سنة من سنة ١٠٠ إلى سنة ٣٥٠ هجرية.
الرابع عهد التقليد: وهو عهد الجمود والوقوف، وقد ابتدأ من أواسط القرن الهجري الرابع ولا يعلم نهايته إلا الله.
стр. 206
١- عهد الرسول:
هذا العهد كانت سنواته قليلة؛ لأنها لم تزد عن "٢٢" سنة وبضعة أشهر، ولكن كانت آثاره جليلة؛ لأنه خلف نصوص الأحكام في القرآن والسنة، وخلف عدة أصول تشريعية كلية، وأرشد إلى عدة مصادر ودلائل يتعرف بها حكم ما لا نص على حكمه، وبهذا خلف أسس التشريع الكامل.
وقد كان هذا العهد فترتين متمايزتين:
الفترة الأولى: مدة وجود الرسول بمكة: وهي "١٢" سنة وبضعة أشهر من بعثته إلى حين هجرته، في هذه الفترة كان المسلمون أفرادا قلائل مستضعفين لم تتكون منهم أمة ولم تكن لهم شئون دولة، وكان هم الرسول فيها موجها إلى بث الدعوة إلى توحيد الله وتحويل وجوه الناس عن الأوثان، والأصنام واتقاء أذى الذين وقفوا في سبيل دعوته وأمعنوا في كيده وكيد من آمن به، لم يوجد في هذه الفترة مجال، ولا داع إلى التشريع العملي وسن القوانين المدنية والتجارية ونحوها، ولهذا لم توجد في السور المكية بالقرآن مثل: يونس، والرعد، والفرقان، ويس، والحديد آية من آيات الأحكام العملية، وأكثر آياتها خاص بالعقيدة، والخلق والعبر من سير الماضين.
والفترة الثانية: مدة وجود الرسول بالمدينة، وهي عشر سنوات بالتقريب من تاريخ هجرته إلى تاريخ وفاته، في هذه الفترة عز الإسلام وكثر عدد المسلمين وتكونت منهم أمة وصارت لهم شئون دولة، وذللت العقبات في سبيل الدعوة، ودعت الحاجة إلى التشريع وسن القوانين لتنظيم علاقة أفراد الأمة الناشئة بعضهم ببعض، وتنظيم علاقاتهم بغيرهم في حالتي السلم والحرب، ولهذا شرعت بالمدينة أحكام الزواج والطلاق، والإرث والمداينة والحدود، وغيرها، والسور المدنية بالقرآن مثل: البقرة، وآل عمران، والنساء والمائدة، والأنفال، والتوبة، والنور، والأحزاب هي التي اشتلمت على آية الأحكام مع ما اشتملت عليه من آيات العقائد والأخلاق والقصص.
من تولى السلطة التشريعية في هذا العهد؟
كانت السلطة التشريعية في هذا العهد لرسول الله وحده، وما كان لأحد غيره من المسلمين أن يستقل بتشريع حكم في واقعة لنفسه أو لغيره؛ لأنه مع وجود
стр. 207
الرسول بينهم وتيسر رجوعهم إليه فيما يعرض لهم، لم يسوغ واحد منهم لنفسه أن يفتي باجتهاده في حادثه، أو يقضي باجتهاده في خصومة، بل كانوا إذا عرضت الحادثة أو شجر الخلاف أو خطر السؤال أو الاستفتاء رجعوا إلى الرسول هو يفتيهم ويفصل في خصوماتهم، ويجيب عن أسئلتهم تارة بآية أو آيات قرانية يوحي إليه بها ربه، وتارة باجتهاده الذي يعتمد فيه على إلهام الله له، أو على ما يهديه إليه عقلة وبحثه وتقديره، وكل ما صدر عنه من هذه الأحكام هو تشريع للمسلمين، وقانون واجب عليهم أن يتبعوه سواء أكانت من وحي الله أم من اجتهاده نفسه.
وقد ورد أن بعض الصحابة اجتهد في عهد الرسول، وقضى باجتهاده في بعض الخصومات، أو استنبط باجتهاده حكمًا في بعض الوقائع مثل: علي بن أبي طالب، الذي بعثه الرسول إلى اليمن قاضيًا وقال له: "إن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك فإذا جلس بين يديك الخصمان، فلا تقضين حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء"، ومثل معاذ بن جبل الذي بعثه الرسول إلى اليمن وقال له: "بم تقضي إذا عرض لك قضاء ولم تجد في كتاب الله ولا في سنة رسوله ما تقضي به"؟ فقال معاذ: أجتهد رأيي. فقال الرسول: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لم يرضي الله ورسوله".
ومثل حذيفة بن اليمان الذي أرسله الرسول للقضاء بين جارين اختصما في جدار بينهما، وادعى كل منهما أنه له، وعمرو بن العاص الذي قال له الرسول يوما: "احكم في هذه القضية"، فقال عمرو: أجتهد وأنت حاضر، قال: "نعم إن أصبت فلك أجران وإن أخطأت فلك أجر"، والصحابيين اللذين خرجا في سفر وحضرتهما الصلاة، ولم يجدا ماء فتيمما وصليا ثم وجدا الماء في الوقت، فأما أحدهما فأداه اجتهاده إلى أن يتوضأ، ويعيد الصلاة وأما الثاني فأداه اجتهاده إلى أن صلاته الأولى أجزأته، ولا إعادة عليه ولم يعدها.
ولكن هذه الجزئيات وأمثالها لا تدل على أن أحدًا غير الرسول كانت له سلطة التشريع في عهد الرسول؛ لأن هذه الجزئيات منها ما صدر في حالات خاصة تعذر فيها الرجوع إلى الرسول لبعد المسافة أو خوف فوات الفرصة، ومنها ما كان القضاء أو الإفتاء فيه تطبيقًا لا تشريعًا وكل ما صدر فيها من أي صحابي عن اجتهاده في أي قضاء أو أية واقعة لم يكن تشريعا للمسلمين، وقانونًا ملزمًا لهم
стр. 208
إلا بإقرار الرسول، فالرسول في حياته كانت في يده وحدة السلطة التشريعية، وما صدر عن غيره لم يكن تشريعا إلا بإقراره، ولهذا لم يوجد في عهد الرسول رأيان في واقعة ولم يعرف أحد من الصحابة في عهده بالفتيا أو الاجتهاد.
مصادر للتشريع في هذا العهد:
كان للتشريع في عهد الرسول مصدران: الوحي الإلهي، واجتهاد الرسول نفسه، فإذا طرأ ما يقتضي تشريعا من خصومة أو واقعة أو سؤال أو استفتاء أوحى الله إلى رسوله بآية أو آيات فيها حكم ما أري معرفة حكمه، وبلغ الرسول المسلمين ما أوحي إليه وكان قانونا واجبا اتباعه، وإذا طرأ ما يقتضي تشريعا، ولم يوح الله إلى الرسول بآيات تبين الحكم اجتهد الرسول في تعرفه الحكم، وما أداه إليه اجتهاده قضى به أو أفتى أو أجاب عن السؤال أو الاستفتاء، وكان ما صدر عن اجتهاده قانونا واجبا اتباعه مع قانون الوحي الإلهي، ومن تتبع آيات الأحكام التي وردت في القرآن، وما رواه المفسرون من سبب نزول كل آية منها يتبين أن كل حكم قرآني إنما شرع لحادث اقتضى تشريعه، ويتجلى ذلك في مثل قوله سبحانه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ ، وفي مثل الخصومة التي وقعت في بعض التركات ومن أجلها شرعت أحكام الإرث، والحيرة التي أصابت بعض الأزواج لما شرع حد القذف، ومن أجلها شرع حكم اللعان بين الزوجين وفي غير ذلك من أسباب النزول.
ومن تتبع أحاديث الأحكام وما رواه المحدثون من أسباب ورودها يتبين أيضا أن كل حكم للرسول باجتهاده كان قضاء في خصومة أي فتوى في واقعة أو جوابا عن سؤال، مثل ما روي أن بعض الصحابة قالوا: يا رسول الله إنا نركب البحر، وليس معنا من الماء العذب ما يكفي للوضوء أفنتوضأ بماء البحر؟ قال الرسول: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته". وغير ذلك من وقائع الأحاديث.
فكل ما شرع من الأحكام في عهد الرسول كان مصدره الوحي الإلهي أو الاجتهاد النبوي، وكان صدوره بناء على طروء حاجة تشريعية اقتضته.
وكانت وظيفة الرسول بالنسبة لما شرع بالمصدر الأول تبليغه، وتبيينه تنفيذًا لقول الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ ولقوله عز شأنه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ وكان ما صدر
стр. 209
عن المصدر الثاني وهو الاجتهاد النبوي تارة تعبيرًا عن إلهام إلهي، أي أن الرسول إذا أخذ في الإجهاد ألهمه الله حكم ما أراد معرفة حكمه، وتارة استنباطًا واستمدادا للحكم بما تهدي إليه المصلحة وروح التشريع، والأحكام الاجتهادية التي يلهم الله بها الرسول هي أحكام إلهية ليس للرسول فيها إلا التعبير عنها بقوله أو فعله، والأحكام الاجتهادية التي لم يلهم الله بها الرسول بل صدرت عن بحثه، ونظره هي أحكام نبوية بمعانيها وعباراتها، وهذه لا يقره الله عليها إلا إذا كانت صوابا، وأما إذا لم يوفق الرسول فيها إلى الصواب فإن الله يرده إلى الصواب، ومثال ذلك حادث افتداء أسرى بدر، فإن المسلمين في غزوة بدر وقع في أيديهم سبعون أسيرًا من المشركين، ولم يكن قد شرع حكم الأسرى فاجتهد الرسول فيما يفعل بهم واستشار بعض الصحابة، فأشار أبو بكر بأخذ الفدية ممن يفتدي منهم وبين وجهة نظره بقوله للرسول: "قومك وأهلك، استبقهم لعل الله يتوب عليهم، وخذ منهم فدية تقوي أصحابك". وأشار عمر بأن لا يقبل منهم فدية وأن يقتلوا. وبين وجهة نظره بقوله للرسول: "كذبوك وأخرجوك، فقدمهم واضرب أعناقهم هؤلاء أئمة الكفر والله أغناك عن الفداء". وقد أدى اجتهاد الرسول إلى قبول الفداء فبين الله له الصواب بقوله سبحانه: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ ومثاله أيضا حادث إذن الرسول لمن اعتذروا وتخلفوا عن عزوة تبوك، فإن الله سبحانه بين له الصواب بقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ .
فمن هذا ينتج أن التشريع في عهد الرسول كان إلهيًّا كله؛ لأن مصدره إما وحي الله في القرآن، وإما اجتهاد الرسول الذي هو تعبير عن إلهام إلهي، وإما اجتهاد الرسول ببحثه ونظره ولكنه ملحوظ برعاية الله له، فإن جاء صوابا أقره الله عليه، وإن جاء غير صواب رد الله رسوله إلى الصواب فيه.
ولا سبيل إلى التمييز بين حكم اجتهادي نبوي لم يصدر عن إلهام إلهي، وحكم اجتهادي نبوي صدر عن إلهام إلهي إلا أن ما رد الله رسوله فيه إلى الصواب يعلم أنه ما كان عن إلهام، وما بين الرسول به مجملا في القرآن يعلم أنه من الله بينه.
стр. 210
الخطة التشريعية في هذا العهد:
المراد من الخطة التشريعية الطريق التي يتبعها رجال التشريع في الرجوع إلى مصادر التشريع والمبادئ العامة التي يراعونها فيه، ولما كان هذا العهد هو عهد التكوين؛ ووضع الأسس التشريعية كانت الخطة التشريعية فيه هي الخطة الأساسية للتشريع الإسلامي.
فأما الطريق التي اتبعها الرسول في الرجوع إلى مصادر التشريع، فهي أنه كان إذا طرأت حاجة إلى تشريع ينتظر وحي الله بآية أو آيات فيها حكمه، فإن لم يوح إليه علم أن الله وكل التشريع في هذه الواقعة إلى اجتهاده، فاجتهد مهتديًا في اجتهاده بالقانون الإلهي، وروح التشريع وتقديره المصلحة ومشورة أصحابه.
وأما المبادئ العامة التي بنى عليها التشريع الإسلامي في عهد تكوينه فأظهرها أربعة:
الأول: التدرج في التشريع، وهذا التدرج كان في زمن التشريع وكان في أنواع الأحكام التي شرعت، فالتدرج الزمني ظاهر من أن الأحكام التي شرعها الله ورسوله لم تشرع دفعة واحدة في قانون واحد، وإنما شرعت متفرقة في مدى اثنتين وعشرين سنة، وبضعة أشهر حسب ما اقتضاها من الأقضية والحوادث وكان لكل حكم تاريخ لصدوره وسبب خاص لتشريعه، والحكمة في هذا التدرج الزمني أنه ييسر معرفة القانون بالتدرج مادة فمادة، وييسر فهم أحكامه على أكمل وجه بالوقوف على الحادثة، والظروف التي اقتضت تشريعها.
والتدرج في أنواع ما شرع من الأحكام ظاهر من أن المسلمين لم يكلفوا في أول عهدهم بالإسلام بما يشق عليهم فعله، أو ما يشق عليهم تركه بل سلك بهم سبيل التدرج، وأخذوا بالرفق حتى تكون استعدادهم واستأهلوا للتكليف.
ففي أول أمرهم لم تفرض عليهم الصلاة خمس فرائض في اليوم والليلة ركعات محددة في كل فريضة، بل طلبت منهم صلاة مطلقة بالغداة والعشي، ولم تفرض عليهم الزكاة والصيام إلا بعد الهجرة بسنة، وكان التكليف قبل ذلك بما استطاعوا من صدقة وصوم ولم يحرم عليهم الخمر والميسر، وكثير من عقود الزواج والربا والمعاملات التي كانوا يتعاملون بها في جاهليتهم إلا بالمدينة، والحكمة في
стр. 211
هذا التدرج في أنواع الأحكام أنه: هو العلاج لإصلاح النفوس الجامحة، والوسيلة لتقبل التكاليف وامتثالها من غير ضجر ولا عنت، وهو من الحكمة في الدعوة.
والثاني: التقليل من التقنين، وهذا يتجلى في أن الأحكام التي شرعها الله ورسوله لم تشرع إلا على قدر الحاجات التي دعت إليها والأقضية، والحوادث الي اقتضتها ولم تشرع منها أحكام لحل مسائل فرضية أو للفصل في خصومات محتملة. ويتجلى أيضا مما ورد في القرآن والسنة من النهي عن الإكثار من الأسئلة التي تقتضي تشريعا فقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ ، ونهى رسول الله عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال، وقال: "أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين فحرم عليهم من أجل مسألته"، وقال: "إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها".
والحكمة في هذا التشريع إنما هو دفع حاجات الناس، وتحقيق مصالحهم فينبغي أن يقتصر في كل عصر على تشريع ما اقتضته حاجاته، ومصالحه حتى لا يجد اللاحقون من تشريع السابقين عقبات تحول دون تشريع ما يدفع حاجتهم ويحقق مصالحهم.
ومن المبادئ المقررة في الشريعة الإسلامية أن الأصل في الأشياء الإباحة فكل حيوان، أو جماد أو عقد أو تصرف لم يشرع له حكم بأي دليل شرعي، فحكمه الإباحة وعلى هذا لا حرج من تقليل التقنين؛ لأن كل ما لا قانون فيه فهو على الإباحة الأصلية.
والثالث: التيسير والتخفيف وهذا أجلى ظاهرة في التشريع الإسلامي، ففي كثير من الأحكام تصريح بأن الحكمة في تشريعها التيسير والتخفيف قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ وقال عز شأنه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ ، وقال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وورد في صحيح السنة: أن الرسول ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، وأنه قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة"، وفي كل الحالات الخاصة التي يكون فيها حكم العزيمة شاقًّا شرعت الرخصة، فأبيحت
стр. 212
المحظورات عند الضرورات، وأبيح ترك الفرض والواجب إذا كان في أداء أحدهما حرج، واعتبر الإكراه، والمرض، والسفر، والخطأ، والنسيان، والجهل من الأعذار التي تقتضي التخفيف.
والرابع: مسايرة التشريع مصالح الناس: وبرهان هذا أن الشارع علل كثيرا من أحكامه بمصالح الناس، ودل بشواهد عدة على أن المقصود من تشريع الأحكام تحقيق مصالح الناس، وقرر أن الأحكام تدور مع عللها وجودا وعدما، ولهذا شرع الله بعض الأحكام ثم أبطلها ونسخها لما اقتضت المصلحة تعديلها، فقد فرض الاتجاه في الصلاة إلى بيت القدس، ثم نسخه، وفرض الاتجاه في الصلاة إلى الكعبة، وفرض عدة المتوفى عنها زوجها حولًا، ثم نسخها، وفرضها أربعة أشهر وعشرة أيام. والرسول نهى عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الوفود التي كانت بالمدينة أيام العيد، وأباح ادخارها لما رحلت تلك الوفود، ونهى عن زيارة القبور ثم أباحها، فهذا النسخ، والتبديل والتعديل في وقت التشريع برهان على أن التشريع الإسلامي ساير مصالح الناس، ولهذه المسايرة نفسها راعى الشارع عرف الناس وقت التشريع ما دام لا يهدم أصلا من أصول الدين، فراعى الكفاءة في الزواج وراعى العصبية في الإرث والولاية، وفرض الدية على العاقلة؛ لأن من مصالح الناس أن تراعى عاداتهم وما جرى به عرفهم ما دام لا يعارض أصلا دينيا ولا يجلب ضررا.
ما خلفه هذا العهد من آثار تشريعية:
المصدر التشريعي الأول وهو الوحي الإلهي صدرت عنه آيات الأحكام في القرآن، والمصدر التشريعي الثاني وهو اجتهاد الرسول صدرت عنه أحاديث الأحكام، ومجموعة نصوص هذه الآيات والأحاديث هي ما خلفه هذا العهد من آثار تشريعية، وهي القانون الأساسي للمسلمين، وهي أساس التشريع ومرجع كل مجتهد إسلامي في أي عصر من العصور، فإذا وقعت واقعة ودل على حكمها نص قاطع من نصوص هذه المجموعة، فلا مجال فيها لاجتهاد أي مجتهد في أي عصر، وإذا لم يدل على حكمها نص قاطع من نصوصها كانت مجالا للاجتهاد، ولكن على أن يسير المجتهد في اجتهاده على ضوء هذه المجموعة بأن يقيس على ما ورد فيها، أو يهتدي بروحها ومعقولها ومبادئها العامة، وليس له أن يخالف باجتهاده نصا من نصوصها، أو يخرج عن مبدإ من مبادئها.
стр. 213
مقدار النصوص في هذه المجموعة:
مواد هذه المجموعة من النصوص ليست كثيرة، فعدد آيات الأحكام المتعلقة بالعبادات وما يلحق بها من الجهاد نحو ١٤٠ آية، وعدد الآيات المتعلقة بالمعاملات، والأحوال الشخصية والجنايات والقضاء والشهادة نحو ٢٠٠ آية، وعدد أحاديث الأحكام في أنواعها المختلفة نحو ٤٥٠٠ حديث كما ذكره ابن القيم في أعلام الموقعين، وأكثرها تبيين لما أجمل من أحكام القرآن، أو تقرير وتوكيد، وباقيها تشريع أحكام سكت عنها القرآن.
وآيات الأحكام في القرآن مفرقة في جملة سور، وليست الآيات الخاصة بفرع قانوني واحد مجموعة في سورة واحدة، فآيات العقوبات وهي نحو عشر آيات مفرقة في سورة البقرة، والمائدة، والنور، وآيات المجموعة المدنية وهي نحو سبعين آية مفرقة أيضا في جملة سور، وهكذا سائر آيات الأحكام.
وأما أحاديث الأحكام فقد جمعها رواة الأحاديث حسب أبواب الفقه، فأحاديث البيع مجموعة في باب البيع وأحاديث الرهن والشركة، والحدود وغيرها كذلك.
ومن اليسير أن تجمع في كل فرع قانوني آيات الأحكام الخاصة به، وأمهات أحاديث الأحكام الخاصة به، وبعض آثار الصحابة والتابعين التي فيها تفسير لنص من هذه النصوص، وتكون هذه المجموعة هي الأحكام الأساسية التي وردت في القرآن، والسنة خاصة بهذا الفرع من القوانين.
أسلوب النصوص في هذه المجموعة:
لم تلتزم آيات الأحكام وأحاديث الأحكام أسلوبا واحدًا في بيان ما شرع بها بل تنوعت أساليبها وتعددت صيغها في التعبير عن الأحكام، فالنصوص التي دلت على التحريم تارة عبرت بالنهي عما حرم، وتارة دلت على تحريمه بالوعيد على فعله وتارة صرحت بأنه لا يحل أو حرم، والنصوص التي دلت على الإيجاب تارة عبرت بالأمر بما وجب، وتارة دلت على إيجابه بالوعيد على تركه وتارة صرحت بأنه وجب أو فرض أو كتب، والسبب في تنوع هذه الأساليب أن النصوص كما قدمنا شرعت في أوقات مختلفة حسب الحوادث والمناسبات، ولكل مناسبة أسلوب
стр. 214
يناسبها، فقد تقتضي المناسبة الدلالة على تحريم الشيء بالوعيد على فعله، وقد تقتضي التصريح بتحريمه، فالمناسبة التي اقتضت تشريع الحكم الخاص اقتضت أسلوبًا خاصًّا في بيانه.
وسبب آخر لتنوع هذه الأساليب: أن القرآن لم يقصد منه بيان ما تضمنه من عقائد وأخلاق وتشريع فحسب، وإنما قصد منه مع هذا إعجاز الناس عن أن يأتوا بمثله ليكون برهانًا على صدق الرسول، ومن وجوه الإعجاز تنوع أساليب البيان.
وكما تنوعت أساليب النصوص من ناحية صيغها وعباراتها، تنوعت من ناحية أخرى وهي أن بعض النصوص تتبع بيان الحكم ببيان علته وحكمة تشريعه، وبعضها تقرر الحكم مجردا عن بيان علته، والحكمة في هذا أن الشارع ببيانه علة التشريع، وحكمته في بعض الأحكام يلفت العقول إلى أن الأحكام التشريعية ليست تعبدية وإنما هي معللة بمصالح الناس، ويفتح باب الاجتهاد في تشريع كل ما يحقق مصلحة أو يدفع مفسدة.
أنواع الأحكام التي اشتملت عليها هذه النصوص:
الأحكام على وجه عام تنقسم ثلاثة أقسام، القسم الأول: أحكام اعتقادية تتعلق بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقسم الثاني: أحكام خلقية تتعلق بالفضائل التي يجب على الإنسان أن يتحلى بها، والرذائل التي يجب على الإنسان أن يتخلى عنها، والقسم الثالث: أحكام عملية تتعلق بأعمال المكلفين من عبادات ومعاملات، وجنايات، وخصومات، وعقود وتصرفات.
فأما النوع الأول فهو: أساس الدين، أما النوع الثاني: فهو مكمل هذا الأساس ومتممه وقد أفاض القرآن، وأسهبت السنة في بيانهما وإقامة براهينهما.
وقد ابتدأ أمر الإسلام بهما فكان المسلمون في مكة لا يخاطبون إلا بعقائد وأخلاق؛ لأن تكوين العقيدة وتقويم الخلق هما الأساس الذي يبنى عليها كل تشريع وتقنين.
وأما النوع الثالث وهو الأحكام العملية، فهذا هو الفقه وهو المراد من الأحكام عند الإطلاق، ومن تتبع فقه القرآن والسنة وجد أن كل فرع من فروع القوانين له في القرآن مواد تخصه وتبين أحكامه.
стр. 215
ففي العبادات بأنواعها نحو "١٤٠" آية.
وفي الأحوال الشخصية من زواج وطلاق، وإرث ووصية وحجر وغيرهما نحو سبعين آية.
وفي المجموعة المدنية من بيع، وإجارة، ورهن، وشركة، وتجارة، ومداينة وغيرها نحو سبعين آية.
وفي المجموعة الجنائية من عقوبات وتحقيق جنايات نحو ثلاثين آية.
وفي القضاء والشهادة وما يتعلق بها نحو عشرين آية.
وفي كل باب من هذه الأبواب كثير من الأحاديث بعضها يبين حكما أجمله القرآن، وبعضها يشرح حكما سكت عنه، وقد كملت عنه هذه الأحكام الجزئية، بعدة أصول تشريعية كلية، وبهذا خلف عهد الرسول تشريعا كاملا وافيا بحاجة المسلمين في كل بيئة.