هذا التدرج في أنواع الأحكام أنه: هو العلاج لإصلاح النفوس الجامحة، والوسيلة لتقبل التكاليف وامتثالها من غير ضجر ولا عنت، وهو من الحكمة في الدعوة.
والثاني: التقليل من التقنين، وهذا يتجلى في أن الأحكام التي شرعها الله ورسوله لم تشرع إلا على قدر الحاجات التي دعت إليها والأقضية، والحوادث الي اقتضتها ولم تشرع منها أحكام لحل مسائل فرضية أو للفصل في خصومات محتملة. ويتجلى أيضا مما ورد في القرآن والسنة من النهي عن الإكثار من الأسئلة التي تقتضي تشريعا فقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ ، ونهى رسول الله عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال، وقال: "أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين فحرم عليهم من أجل مسألته"، وقال: "إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها".
والحكمة في هذا التشريع إنما هو دفع حاجات الناس، وتحقيق مصالحهم فينبغي أن يقتصر في كل عصر على تشريع ما اقتضته حاجاته، ومصالحه حتى لا يجد اللاحقون من تشريع السابقين عقبات تحول دون تشريع ما يدفع حاجتهم ويحقق مصالحهم.
ومن المبادئ المقررة في الشريعة الإسلامية أن الأصل في الأشياء الإباحة فكل حيوان، أو جماد أو عقد أو تصرف لم يشرع له حكم بأي دليل شرعي، فحكمه الإباحة وعلى هذا لا حرج من تقليل التقنين؛ لأن كل ما لا قانون فيه فهو على الإباحة الأصلية.
والثالث: التيسير والتخفيف وهذا أجلى ظاهرة في التشريع الإسلامي، ففي كثير من الأحكام تصريح بأن الحكمة في تشريعها التيسير والتخفيف قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ وقال عز شأنه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ ، وقال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وورد في صحيح السنة: أن الرسول ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، وأنه قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة"، وفي كل الحالات الخاصة التي يكون فيها حكم العزيمة شاقًّا شرعت الرخصة، فأبيحت
стр. 212
المحظورات عند الضرورات، وأبيح ترك الفرض والواجب إذا كان في أداء أحدهما حرج، واعتبر الإكراه، والمرض، والسفر، والخطأ، والنسيان، والجهل من الأعذار التي تقتضي التخفيف.
والرابع: مسايرة التشريع مصالح الناس: وبرهان هذا أن الشارع علل كثيرا من أحكامه بمصالح الناس، ودل بشواهد عدة على أن المقصود من تشريع الأحكام تحقيق مصالح الناس، وقرر أن الأحكام تدور مع عللها وجودا وعدما، ولهذا شرع الله بعض الأحكام ثم أبطلها ونسخها لما اقتضت المصلحة تعديلها، فقد فرض الاتجاه في الصلاة إلى بيت القدس، ثم نسخه، وفرض الاتجاه في الصلاة إلى الكعبة، وفرض عدة المتوفى عنها زوجها حولًا، ثم نسخها، وفرضها أربعة أشهر وعشرة أيام. والرسول نهى عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الوفود التي كانت بالمدينة أيام العيد، وأباح ادخارها لما رحلت تلك الوفود، ونهى عن زيارة القبور ثم أباحها، فهذا النسخ، والتبديل والتعديل في وقت التشريع برهان على أن التشريع الإسلامي ساير مصالح الناس، ولهذه المسايرة نفسها راعى الشارع عرف الناس وقت التشريع ما دام لا يهدم أصلا من أصول الدين، فراعى الكفاءة في الزواج وراعى العصبية في الإرث والولاية، وفرض الدية على العاقلة؛ لأن من مصالح الناس أن تراعى عاداتهم وما جرى به عرفهم ما دام لا يعارض أصلا دينيا ولا يجلب ضررا.
ما خلفه هذا العهد من آثار تشريعية:
المصدر التشريعي الأول وهو الوحي الإلهي صدرت عنه آيات الأحكام في القرآن، والمصدر التشريعي الثاني وهو اجتهاد الرسول صدرت عنه أحاديث الأحكام، ومجموعة نصوص هذه الآيات والأحاديث هي ما خلفه هذا العهد من آثار تشريعية، وهي القانون الأساسي للمسلمين، وهي أساس التشريع ومرجع كل مجتهد إسلامي في أي عصر من العصور، فإذا وقعت واقعة ودل على حكمها نص قاطع من نصوص هذه المجموعة، فلا مجال فيها لاجتهاد أي مجتهد في أي عصر، وإذا لم يدل على حكمها نص قاطع من نصوصها كانت مجالا للاجتهاد، ولكن على أن يسير المجتهد في اجتهاده على ضوء هذه المجموعة بأن يقيس على ما ورد فيها، أو يهتدي بروحها ومعقولها ومبادئها العامة، وليس له أن يخالف باجتهاده نصا من نصوصها، أو يخرج عن مبدإ من مبادئها.
стр. 213
مقدار النصوص في هذه المجموعة:
مواد هذه المجموعة من النصوص ليست كثيرة، فعدد آيات الأحكام المتعلقة بالعبادات وما يلحق بها من الجهاد نحو ١٤٠ آية، وعدد الآيات المتعلقة بالمعاملات، والأحوال الشخصية والجنايات والقضاء والشهادة نحو ٢٠٠ آية، وعدد أحاديث الأحكام في أنواعها المختلفة نحو ٤٥٠٠ حديث كما ذكره ابن القيم في أعلام الموقعين، وأكثرها تبيين لما أجمل من أحكام القرآن، أو تقرير وتوكيد، وباقيها تشريع أحكام سكت عنها القرآن.
وآيات الأحكام في القرآن مفرقة في جملة سور، وليست الآيات الخاصة بفرع قانوني واحد مجموعة في سورة واحدة، فآيات العقوبات وهي نحو عشر آيات مفرقة في سورة البقرة، والمائدة، والنور، وآيات المجموعة المدنية وهي نحو سبعين آية مفرقة أيضا في جملة سور، وهكذا سائر آيات الأحكام.
وأما أحاديث الأحكام فقد جمعها رواة الأحاديث حسب أبواب الفقه، فأحاديث البيع مجموعة في باب البيع وأحاديث الرهن والشركة، والحدود وغيرها كذلك.
ومن اليسير أن تجمع في كل فرع قانوني آيات الأحكام الخاصة به، وأمهات أحاديث الأحكام الخاصة به، وبعض آثار الصحابة والتابعين التي فيها تفسير لنص من هذه النصوص، وتكون هذه المجموعة هي الأحكام الأساسية التي وردت في القرآن، والسنة خاصة بهذا الفرع من القوانين.
أسلوب النصوص في هذه المجموعة:
لم تلتزم آيات الأحكام وأحاديث الأحكام أسلوبا واحدًا في بيان ما شرع بها بل تنوعت أساليبها وتعددت صيغها في التعبير عن الأحكام، فالنصوص التي دلت على التحريم تارة عبرت بالنهي عما حرم، وتارة دلت على تحريمه بالوعيد على فعله وتارة صرحت بأنه لا يحل أو حرم، والنصوص التي دلت على الإيجاب تارة عبرت بالأمر بما وجب، وتارة دلت على إيجابه بالوعيد على تركه وتارة صرحت بأنه وجب أو فرض أو كتب، والسبب في تنوع هذه الأساليب أن النصوص كما قدمنا شرعت في أوقات مختلفة حسب الحوادث والمناسبات، ولكل مناسبة أسلوب
стр. 214
يناسبها، فقد تقتضي المناسبة الدلالة على تحريم الشيء بالوعيد على فعله، وقد تقتضي التصريح بتحريمه، فالمناسبة التي اقتضت تشريع الحكم الخاص اقتضت أسلوبًا خاصًّا في بيانه.
وسبب آخر لتنوع هذه الأساليب: أن القرآن لم يقصد منه بيان ما تضمنه من عقائد وأخلاق وتشريع فحسب، وإنما قصد منه مع هذا إعجاز الناس عن أن يأتوا بمثله ليكون برهانًا على صدق الرسول، ومن وجوه الإعجاز تنوع أساليب البيان.
وكما تنوعت أساليب النصوص من ناحية صيغها وعباراتها، تنوعت من ناحية أخرى وهي أن بعض النصوص تتبع بيان الحكم ببيان علته وحكمة تشريعه، وبعضها تقرر الحكم مجردا عن بيان علته، والحكمة في هذا أن الشارع ببيانه علة التشريع، وحكمته في بعض الأحكام يلفت العقول إلى أن الأحكام التشريعية ليست تعبدية وإنما هي معللة بمصالح الناس، ويفتح باب الاجتهاد في تشريع كل ما يحقق مصلحة أو يدفع مفسدة.
أنواع الأحكام التي اشتملت عليها هذه النصوص:
الأحكام على وجه عام تنقسم ثلاثة أقسام، القسم الأول: أحكام اعتقادية تتعلق بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقسم الثاني: أحكام خلقية تتعلق بالفضائل التي يجب على الإنسان أن يتحلى بها، والرذائل التي يجب على الإنسان أن يتخلى عنها، والقسم الثالث: أحكام عملية تتعلق بأعمال المكلفين من عبادات ومعاملات، وجنايات، وخصومات، وعقود وتصرفات.
فأما النوع الأول فهو: أساس الدين، أما النوع الثاني: فهو مكمل هذا الأساس ومتممه وقد أفاض القرآن، وأسهبت السنة في بيانهما وإقامة براهينهما.
وقد ابتدأ أمر الإسلام بهما فكان المسلمون في مكة لا يخاطبون إلا بعقائد وأخلاق؛ لأن تكوين العقيدة وتقويم الخلق هما الأساس الذي يبنى عليها كل تشريع وتقنين.
وأما النوع الثالث وهو الأحكام العملية، فهذا هو الفقه وهو المراد من الأحكام عند الإطلاق، ومن تتبع فقه القرآن والسنة وجد أن كل فرع من فروع القوانين له في القرآن مواد تخصه وتبين أحكامه.
стр. 215
ففي العبادات بأنواعها نحو "١٤٠" آية.
وفي الأحوال الشخصية من زواج وطلاق، وإرث ووصية وحجر وغيرهما نحو سبعين آية.
وفي المجموعة المدنية من بيع، وإجارة، ورهن، وشركة، وتجارة، ومداينة وغيرها نحو سبعين آية.
وفي المجموعة الجنائية من عقوبات وتحقيق جنايات نحو ثلاثين آية.
وفي القضاء والشهادة وما يتعلق بها نحو عشرين آية.
وفي كل باب من هذه الأبواب كثير من الأحاديث بعضها يبين حكما أجمله القرآن، وبعضها يشرح حكما سكت عنه، وقد كملت عنه هذه الأحكام الجزئية، بعدة أصول تشريعية كلية، وبهذا خلف عهد الرسول تشريعا كاملا وافيا بحاجة المسلمين في كل بيئة.
стр. 216
٢- عهد الصحابة:
هذا العهد ابتدأ بوفاة رسول الله في سنة: ١١ للهجرة، وانتهى في أواخر القرن الأول الهجري، وأطلقنا عليه عهد الصحابة؛ لأن السلطة التشريعية فيه تولاها رءوس أصحاب الرسول، ومنهم من عاش إلى العقد العاشر الهجري مثل أنس بن مالك الذي توفي سنة ٩٣هـ.
وهذا العهد هو عهد التفسير التشريعي، وفتح أبواب الاستنباط فيما لا نص فيه من الوقائع، فإن رءوس الصحابة صدرت عنهم آراء كثيرة في تفسير نصوص الأحكام في القرآن والسنة تعد مرجعا تشريعيا لتفسيرها وتبيينها.
وصدرت عنهم فتاوى كثيرة بأحكام في وقائع لا نص فيها تعتبر أساسا للاجتهاد والاستنباط.
من تولوا سلطة التشريع في هذا العهد:
العهد التشريعي الأول -وهو عهد الرسول- خلف للمسلمين قانونا مكونا من نصوص الأحكام في القرآن والسنة، ومواد هذا القانون الأساسي ليس كل واحد من المسلمين أهلا لأن يرجع إليها بنفسه، ويفهم ما تدل عليه من الأحكام؛ لأن فيهم العامة الذين لا يتوصلون إلى فهم النصوص إلا بواسطة من يفهمهم إياها، ومن جهة ثانية: مواد هذا القانون لم تكن نشرت بين المسلمين نشرا عاما يجعلها في متناول كل واحد منهم؛ لأن نصوص القرآن كانت في أول هذا العهد مدونة في صحف خاصة محفوظة في بيت الرسول وبيوت بعض أصحابه، والسنة لم تكن مدونة أصلًا، ومن جهة ثالثة: مواد القانون شرعت أحكاما لحوادث وأقضية وقعت حين تشريعها، ولم تشرع أحكاما لحوادث فرضية يحتمل وقوعها، وقد طرأت للمسلمين حاجات وحوادث وأقضية لم تطرأ في عهد الرسول، ولا يوجد فيما خلفه من النصوص ما يدل على حكمها.
لهذه الأسباب الثلاثة رأى العلماء من الصحابة والرءوس فيهم أن عليهم واجبا تشريعيا لا بد أن يقوموا به، وهذا الواجب هو أن يبينوا للمسلمين ما يحتاج إلى التبيين، والتفسير من نصوص الأحكام في القرآن والسنة، وأن ينشروا بين
стр. 217
المسلمين ما حفظوا من آيات القرآن وأحاديث الرسول، وأن يفتوا الناس فيما يطرأ لهم من الوقائع، والأقضية التي لا نص فيها.
هؤلاء العلماء من الصحابة الذين قاموا بهذا الواجب التشريعي من بيان النصوص ونشرها، والإفتاء فيما لا نص فيه هم رجال السلطة التشريعية في هذا العهد، وهم الذين خلفوا الرسول في رجوع المسلمين إليهم، ولم يكتسبوا هذا الحق التشريعي من تعيين الخليفة أو انتخاب الأمة، وإنما كسبوه بمميزاتهم الشخصية التي امتازوا بها، فقد طالت صحبتم للرسول وحفظوا عنه القرآن والسنة، وشاهدوا أسباب نزول الآيات وورود السنن، وكثير منهم كانوا مستشاري الرسول في اجتهاده؛ فلهذه المزايا كانوا أهلا لأن يبينوا النصوص، ويجتهدوا فيما لا نص فيه، وأهلا لأن يرجع المسلمون إليهم ويثقوا بما يصدر عنهم من بيان أو إفتاء، ومن أشهر هؤلاء المفتين من الصحابة بالمدينة: الخلفاء الأربعة الراشدون، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب، وعبد الله بن عمر، وعائشة، وبمكة: عبد الله بن عباس، وبالكوفة: علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود، وبالبصرة: أنس بن مالك، وأبو موسى الأشعري، وبالشام: معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وبمصر عبد الله بن عمرو بن العاص، وعدد من عرفوا من الصحابة بالإفتاء، وحفظت عنهم: مائة ونيف وثلاثون ما بين رجل وامرأة، ولكن أشهرهم من ذكرنا.
وقد كان هؤلاء المفتون في أول هذا العهد أكثريتهم العظمى بالمدينة، وبعد أن امتدت الفتوح الإسلامية تفرقوا بالأمصار، ولهذا كان التشريع في أول هذا العهد باجتهاد الجماعة؛ ثم بعد ذلك صار باجتهاد الأفراد.
مصادر التشريع في هذا العهد:
كانت مصادر التشريع في هذا العهد ثلاثة: القرآن، والسنة، واجتهاد الصحابة، فكانت إذا عرضت حادثة أو وقعت خصومة نظر أهل الفتيا من الصحابة في كتاب الله، فإن وجدوا فيه نصا يدل على حكمها أمضوه، وإن لم يجدوا في كتاب الله نصا وعلموا من السنة ما يدل على حكمها أمضوه، وإن لم يجدوا ما يدل على حكمها في القرآن، أو السنة اجتهدوا في معرفة حكمها واستنبطوه بالقياس على ما ورد فيه النص، أو بما تقتضيه روح التشريع ومصالح الناس.
стр. 218
وحجتهم في الرجوع إلى القرآن والسنة ما ورد في آيات كثيرة من الأمر بطاعة الله والرسول، ورد المتنازع فيه إلى الله والرسول، والتسليم لما قضى به الله والرسول.
وحجتهم في الرجوع إلى اجتهادهم ما شاهدوه من الرسول حين كان يرجع إلى اجتهاده إذا لم ينزل عليه بالتشريع وحي إلهي، ما ورد من أن رسول الله لما بعث معاذ بن جبل إلى اليمن قال له: "بم تقضي"؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال: "فإن لم تجد"؟ قال: أقضي بسنة رسول الله، قال: "فإن لم تجد"؟ قال: أجتهد رأيي؛ فأقره الرسول وحمد الله على توفيقه. وما فهموه من تعليل بعض الأحكام في نصوص القرآن والسنة، فإنهم فهموا من هذا أن المقصود من تشريع الأحكام تحقيق مصالح الناس، وأنه كلما دعت المصالحة إلى التشريع وجب على المسلمين أن يشرعوا ما يحققها.
لهذه البراهين اتفقت كلمة المفتين من الصحابة على الرجوع إلى هذه المصادر التشريعية الثلاثة، وعلى ترتيب الرجوع إليها كما ذكرنا.
ما طرأ على مصادر التشريع:
وقد طرأ في هذا العهد على المصدر الأول، وهو آيات الأحكام في القرآن، طارئ له أثر تشريعي خالد، وهذا الطارئ هو تدوين هذه الآيات في ضمن تدوين القرآن، ونشرها على المسلمين كافة بطريق قانوني رسمي بحيث صار ميسورًا لكافة المسلمين أينما كانوا حفظها، والعلم بنصوصها من غير اختلاف في مفرد أو جملة، وذلك أن رسول الله في حياته اتخذ كتابا لتدوين ما يوحى إليه من القرآن، فكان إذا أوحي إليه بآية أو آيات من القرآن قرأها على المسلمين، فيكتبها من حضر من كتاب وحيه، ويكتبها من حرص على أن يكتب لنفسه من صحابته، ويحفظها منهم عدد كثير، وقد توفي الرسول وكل آيات القرآن مدونة، وكثير من أصحابه يحفظونه كله أو بعضه، ولكن هذا التدوين في حياة الرسول تارة كان على الورق، وتارة كان على بعض الأحجار الرقيقة البيضاء وتارة كان على سعف النخل، وكان كل كاتب من كتاب الوحي، عنده مجموعة مما كتب، وكذلك عند بعض الصحابة وفي بيت الرسول، ولم تكن من هذه المدونات مجموعة واحدة.
стр. 219
فلما نشبت حروب الردة في خلافة أبي بكر الصديق، وأصبح كثير من الصحابة عرضة، لأن يموتوا في هذا القتال، خشي ولاة الأمر أن تضيع صحيفة من القرآن محفوظة عند واحد منهم فأشاروا على أبي بكر أن يجمع كل ما دون فيه من القرآن ويضم بعضه إلى بعض، ويكون من متفرقه مجموعة واحدة، فعهد أبو بكر بهذا إلى زيد بن ثابت -من أشهر كتاب الوحي، ومن أحفظ الصحابة للقرآن- فأخذ زيد في جمع هذه المدونات المفرقة مع مقابلة ما دونه كتاب الوحي بما دونه من دون لنفسه من الصحابة، والمقابلة بين ما دون في السطور وما حفظ في الصدور وأتم جمع ما دون فيه القرآن، وضم بعضه إلى بعض مرتبًا مضبوطا على ملأ من المهاجرين والأنصار، وبقيت هذه المجموعة عند أبي بكر، ثم خلفه في حفظها عمر، ثم خلفته في حفظها أم المؤمنين حفصة بنت عمر.
وفي سنة "٢٠هـ" أخذ الخليفة عثمان بن عفان هذه المجموعة من أم المؤمنين حفصة، وعهد إلى زيد بن ثابت وبعض الصحابة أن يكتبوا منها عدة نسخ لتنشر في أمصار المسلمين حتى يتيسر لكل مسلم الرجوع إلى القرآن، وحتى لا يقع اختلاف بسبب اختلاف لهجات الأداء، وقد كتبوا ست نسخ احتفظ الخليفة عثمان لنفسه بواحدة ووزع الباقيات بالمدينة، ومكة، والكوفة، والبصرة، ودمشق، ووضعت بالمساجد العامة وصارت مرجع المسلمين يحفظون منها، وينقلون عنها بلا تغيير ولا تبديل، والأثر التشريعي الخالد لهذا التدوين أن آيات الأحكام في القرآن بهذا التدوين تواتر نقلها كتابة ومشافهة، وصارت كلها قطعية الورود، وكفى المسلمون عناء الجهود في روايتها وأسانيد رواتها، ولم يطرأ من هذه الناحية أي اختلاف.
وأما المصدر التشريعي الثاني -وهو نصوص الأحكام في السنة- فلم يدون في هذا العهد، كما أن السنة كلها لم تدون فيه؛ لأن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب فكر في تدوينها، ولكنه بعد التروي والتشاور خشي أن يؤدي تدوينها إلى أن تلتبس الستة بالقرآن؛ فلم ينفذ ما فكر فيه، انقضى القرن الأول الهجري من غير أن تدون السنة ما عدا ما روي من أن عبد الله بن عمرو بن العاص، كانت له صحيفة اسمها الصادقة دون فيها الأحاديث التي سمعها من رسول الله نفسه.
ولكنهم مع عدم تدوينهم السنة اتخذوا بعض احتياطات رأوا فيها ما يكفل الوثوق من روايتها، وتحرى الرواة في نقلها، فقد كان أبو بكر لا يقبل الحديث من
стр. 220
راو إلا إذا أيده شاهد، وعمر كان يطالب الراوي أن يأتي بالبينة على أنه روى، وعلي بن أبي طالب كان يستحلف الراوي، ولكن هذه الاحتياطات لم تحقق الغرض منها، وما قامت مقام التدوين، وقد كان لعدم تدوين السنة من فجر الإسلام أثران:
إحداهما: أنه اضطر علماء المسلمين إلى بذل جهود في بحث رواة الأحاديث ودرجات الثقة بهم، وانقسمت الأحاديث باعتبار رواتها إلى أحاديث قطعية الورود، وأحاديث ظنية الورود، والظنية إلى: صحيح، وحسن، وضعيف. ووضع فن الحديث رواية، وألفت فيه عدة مؤلفات.
وثانيهما: أن عدم التدوين لم يجمع المسلمين على مجموعة واحدة من السنة، كما جمعوا على القرآن وهذا أفسح في المجال للتحريف، والزيادة والنقص عمدا أو خطأ، مما أدى بعد إلى اختلاف في أن السنة حجة ومصدر تشريعي أو لا: وأدى إلى اختلاف من يحتجون بها في طريق الوثوق بما يحتجون به منها، وسيأتي بيان هذا.
وأما المصدر التشريعي الثالث، وهو اجتهاد بعض المفتين من الصحابة، فلم يدون أيضا من آثار، في هذا العهد شيء، وكان تقديرهم لفتاويهم أنها آراء فردية إن تكن صوابا فمن الله، وإن تكن خطأ فمن أنفسهم، وما كان واحد مهم يلزم الآخر أو يلزم أن مسلم بفتواه، وكثيرًا ما خالف عمر أبا بكر، وكثيرا ما تحاج زيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، والوقائع التي اختلف الصحابة في أحكامها كثيرة، وأدلتهم تدل على مبلغ حريتهم في البحث، وتحريهم جلب المصالح ودرء المفاسد.
الخطة التشريعية في هذا العهد:
كانت الخطة التشريعية التي سار عليها رجال التشريع من الصحابة بالنسبة إلى المصادر التشريعية، أنهم إذا وجدوا نصا في القرآن أو السنة يدل على حكم الواقعة التي طرأت لهم وقفوا عند هذا النص وقصروا جهودهم التشريعية على فهمه، والوقوف على المراد منه ليصلوا إلى تطبيقه تطبيقا صحيحا على الوقائع، ولا تتجاوز سلطتهم التشريعية حدود هذا، وإذا لم يجدوا نصا في القرآن والسنة يدل على حكم ما عرض لهم من الوقائع لاستنباط حكمه، وكانوا في
стр. 221
اجتهادهم يعتمدون على ملكتهم التشريعية التي تكونت لهم من مشافهة الرسول ومشاهدتهم تشريعه واجتهاده، ووقوفهم على أسرار التشريع ومبادئه العامة، فتارة كانوا يقيسون ما لا نص فيه على ما فيه نص، وتارة كانوا يشرعون ما تقضي به المصلحة أو دفع المفسدة، ولم يتقيدوا بقيود في المصلحة الواجب مراعاتها، وبهذا كان اجتهادهم فيما لا نص فيه فسيحًا مجاله، وفيه متسع لحاجات الناس ومصالحهم، وقد دخلت في الإسلام شعوب مختلفة وبلاد متنائية، وكانت حرية هذا الاجتهاد كفيلة بالتقنين والتشريع لكل معاملتهم وحاجاتهم.
وكانوا في أول عهدهم -أي في خلافة أبي بكر، وأول خلافة عمر- يتولون سلطتهم التشريعية فيما لا نص فيه في جمعية تشريعية مكونة من رءوسهم وما يصدر عنهم من الأحكام يعتبر حكم جماعتهم. يدل على ذلك ما رواه البغوي في مصابيح السنة قال: "كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصوم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به، وإن لم يجد في الكتاب وعلم من رسول الله في ذلك الأمر سنة قضى بها، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين وقال: أتاني كذا وكذا فهل علمتم أن رسول الله قضى في ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع عليه النفر كلهم يذكر عن رسول الله فيه قضاء، فيقول أبو بكر: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا. فإن أعياه أن يجد فيه سنة عن رسول الله جمع رءوس الناس وخيارهم، فإن أجمع رأيهم على أمر قضى به. وكان عمر يفعل ذلك؛ فإن أعياه أن يجد في القرآن والسنة نظر هل كان فيه لأبي بكر قضاء؛ فإن وجد أبا بكر قضى فيه بقضاء قضى به وإلا دعا رءوس المسلمين؛ فإن اجتمعوا على شيء قضى به".
وبهذا الاجتماع كان الاختلاف في الآراء نادرا؛ لأن كل واحد من رءوس التشريع المجتمعين يبدي للآخرين ما عنده من وجوه النظر، وما يستند إليه من أدلة، ووجهتهم الحق والصواب وأكثر الأحكام التي يقال فيها: إنها أجمع عليها الصحابة شرعت في هذه الفترة من هذا العهد.
أما بعد أن فتح الله للمسلمين كثيرا من البلاد وتفرق رءوس الصحابة في مختلف الأمصار، وصار غير ميسور للخليفة بالمدينة أن يجمع هؤلاء الرءوس من الكوفة والبصرة والشام ومصر وغيرها كلما عرضت واقعة ليس فيها نص في القرآن أو السنة، فقد أخذ رجال التشريع من الصحابة يتولون سلطتهم التشريعية
стр. 222
أفرادا أو جماعات، وكان بكل مصر من أمصار المسلمين واحد أو أكثر تصدر عنهم الفتاوى فيما لا نص فيه، والتبيين والتفسير للنصوص، ومن النتائج الحتمية لهذا أن يقع اختلاف بينهم في أحكام كثيرة من الوقائع لعدة أسباب:
أولها: أن أكثر نصوص الأحكام في القرآن والسنة ليست قطعة الدلالة على الماد منها بل هي ظنية الدلالة، وكما تحتمل أن تدل على معنى تحتمل أن تدل على معنى آخر بسبب أن في النص لفظا مشتركا لغة بين معنيين أو أكثر أو أن فيه لفظا عاما يحتمل التخصيص أو لفظا مطلقا يحتمل التقييد، فكل مشرع يفهم منه حسب ما ترجح عنده من القرائن ووجهات النظر. والجزئيات التي اختلفوا فيها بناء على اختلافهم في فهم النص كثيرة جدًّا.
وثانيها: أن السنة لم تكن مدونة ولم تجتمع الكلمة على مجموعة منها وتنشر بين المسلمين لتكون مرجعا لهم على السواء بل كانت تتناقل بالرواية والحفظ، وربما علم منها المفتي في مصر ما لم يعلمه المفتي في دمشق، وكثيرًا ما كان يرجع بعض المفتين منهم عن فتواه إذا علم من الآخر سنة لم يكن يعلمها.
وثالثها: أن البيئات التي يعيشون فيها مختلفة والمصالح والحاجات التي يشرعون لها متفاوتة، فعبد الله بن عمر بالمدينة لا يطرأ له ما يطرأ لمعاوية بن أبي سفيان في الشام، ولا ما يطرأ لعبد الله بن مسعود بالكوفة، فبناء على اختلاف البيئات اختلفت الأنظار في تقدير المصالح والبواعث على تشريع الأحكام.
فلهذه الأسباب الثلاثة وجدت فتاوى مختلفة للصحابة في الواقعة الواحدة، ولكل واحد منهم دليل على ما أفتى به.
وقد كانت خطتهم في المبادئ التشريعية العامة التي راعوها في تشريعهم هي الخطة الإسلامية، وهي الاقتصار على تشريع ما تدعو إليه الحاجة فقط، وعدم سبق الحوادث بالتشريع، ومسايرة المصالح، ورعاية التيسير والتخفيف.
ما خلفه هذا العهد من الآثار التشريعية:
الآثار التشريعية التي خلفها هذا العهد ثلاثة:
الأول: شرح قانوني لنصوص الأحكام في القرآن والسنة، فإن مجتهدي الصحابة لما بحثوا في هذه النصوص لتطبيقها على الوقائع تكونت لهم آراء في
стр. 223
فهمها وما يراد منها، وكانوا في تقدير آرائهم يستندون إلى ملكتهم اللسانية، وملكتهم التشريعية وما وقفوا عليه من حكم التشريع، وأسباب نزول القرآن، وورود السنة، فمن مجموعة هذه الآراء تكون شرح قانوني لنصوص الأحكام يعد أوثق مرجع لتفسيرها وبيان إجمالها، ووجوه تطبيقها، ويتجلى هذا في كتب تفسير القرآن بالمأثور مثل: التفسير المنسوب لابن عباس، وتفسير محمد بن جرير الطبري.
والثاني: عدة فتاوى اجتهادية صدرت من الصحابة في وقائع لا نص على حكمها؛ فإن المجتهدين منهم كانوا إذا لم يجدوا نصًّا في القرآن أو السنة على كم الواقعة المعروضة اجتهدوا لاستنباط حكمها بطريق من طرق الاستنباط؛ وبهذا الاستنباط شرعوا أحكاما كثيرة في وقائع عديدة في مختلف البلدان، وكان الفتاوى التي صدرت في أول عهدهم لها صبغة غير الصبغة التي للفتاوى الني صدرت منهم بعد ذلك؛ لأن الأولى في الغالب صدرت عن اجتهاد الجماعة، وأما الثانية فقد صدرت عن اجتهاد الأفراد.
وقد عنى بعض رجال الحديث في أول العهد بتدوين السنة بأن يدونوا فتاوى الصحابة في مختلف أبواب الأحكام مع السنة، وسيتبين في العهد التشريعي الثالث أن الاحتجاج بهذه الفتاوى كان موضع اختلاف الأئمة، فمنهم من لا يخرج عنها، ومنهم من يخالفها.
الثالث: انقسام حزبي ابتدأ سياسيا بشأن الخلافة والخليفة، وانقلب دينيا ذا أثر خطير في التشريع، وذلك أنه بعد أن قتل عثمان بن عفان وبويع بالخلافة علي بن أبي طالب، ونازعه عليها معاوية بن أبي سفيان، واشتعلت الحرب بين الفريقين، وانتهت إلى تحكيم الحكمين نتج عن هذا انقسام المسلمين إلى أحزاب ثلاثة: الخوارج، والشيعة، وأهل السنة والجماعة، وهم جمهور الأمة.
فالخوارج جماعة من المسلمين نقموا من عثمان سياسته في خلافته، ونقموا من علي قبوله التحكيم، ونقموا من معاوية توليه الخلافة بالقوة، فخرجوا عليهم جميعا، وكان مبدؤهم أن خليفة المسلمين يجب أن ينتخبه المسلمون بانتخاب حر ممن توافرت فيه الكفاءة للخلافة، سواء كان قرشيا أم غير قرشي، ولو كان عبدا حبشيا، وأنه لا تجب طاعته إلا إذا كان عمله في حدود القرآن والسنة، فإن جاوز حدودهما وجبت معصيته، وسلكوا في تأييد مبدئهم، والانتقام من خصومهم كل وسائل العنف والشدة في حربهم، وفي تأييد عقيدتهم.
стр. 224
وأما الشيعة فهم جماعة من المسلمين أحبوا علي بن أبي طالب وذريته وأفرطوا في هذه المحبة، ورأوا أنه هو وذريته أحق بالخلافة من غيره؛ لأنه هو الوصي الذي أوصى إليه الرسول بالخلافة من بعده.
وانقسموا فيما بينهم فرقًا بشأن توارث هذه الخلافة إلى: كيسانية، وزيدية، وإسماعيلية، وجعفرية، كل فرقة تجعل الخلافة في فرع خاص من ذرية علي.
وأما جمهور المسلمين، وهم أهل السنة والجماعة، فهم الذين لم يذهبوا مذهب الخوارج ولا مذهب الشيعة، ولم يروا أن الخلافة وصية لأحد، ورأوا أن الخليفة ينتخب من أكفأ قريش إن وجد، لا يفاضلون بين الخلفاء ولا بين غيرهم من الصحابة ويؤولون ما كان بينهم من خصومات بأنها كانت اجتهادية في أمور سياسية لا ترتبط بكفر ولا إيمان.
هذا الانقسام السياسي بين الأحزاب الثلاثة كان له أثر تشريعي؛ لأن الخوارج كانوا لا يأخذون بالأحكام التي وردت في أحاديث رواها عثمان، أو علي أو معاوية أو رواها صحابي ممن ناصروا واحدا منهم، وردوا كل أحاديثهم وآرائهم وفتاويهم، ورجحوا كل ما روي عمن يرضونهم وآراء علمائهم وفتاويهم، وبهذا كان له فقة خاص، وكذلك الشيعة ردوا أحاديث كثيرة رواها عن الرسول جمهور الصحابة ولم يعولوا على آرائهم وفتاويهم، وعولت كل طائفة منهم على الأحاديث التي رواها أئمتهم من آل البيت والفتاوى التي صدرت عنهم، وبهذا كان لهم أيضا فقه خاص، وكتب فقههم المبطوعة لا تحصى، وأما جمهور المسلمين فكانوا يحتجون بكل حديث صحيح رواه الثقات العدول بلا تفريق بين صحابي وصحابي، ويأخذون بفتاوى الصحابة وآرائهم جميعا على التفصيل الذي سنبينه، وبهذا كان أحكامهم لا تتفق مع أحكام الخوارج والشيعة في عدة موضوعات، كالإرث والوصية وبعض عقود الزواج وغيرها.
وهذه نبذة في التعريف بأشخاص بعض رءوس التشريع من الصحابة وهم: زيد بن ثابت من رءوس التشريع بالمدينة، وعبد الله بن عباس رأس التشريع بمكة، وعبد الله بن مسعود رأس التشريع بالعراق، وعبد الله بن عمرو بن العاص رأس التشريع بمصر.
стр. 225
زيد بن ثابت:
هو أبو سعيد زيد بن ثابت الضحاك النجاري الأنصاري. قدم النبي ﷺ المدينة وهو ابن إحدى عشرة سنة، وكان يحفظ من القرآن وقتئذ ست عشرة سورة، شهد غزوة الخندق وما بعدها من المشاهد، وأعطاه الرسول ﷺ راية بني النجار يوم تبوك وكانت مع عمارة بن حزم، فلما استفسر عن سبب أخذها منه قال: القرآن مقدم، وزيد أكثر أخذًا للقرآن منك. وكان يكتب لرسول الله ﷺ الوحي والرسائل. روي عنه أنه قال: قال لي النبي ﷺ : "إني أكتب إلى قوم فأخاف أن يزيدوا علي أو ينقصوا فتعلم السريانية"، فتعلمتها في سبعة عشر يوما، وتعلم العبرانية في خمسة عشر يوما. وكان يكتب لأبي بكر عمر في خلافتهما، وولي بيت المال لعثمان، وكان كل من عمر وعثمان يستخلفه على المدينة إذا حج، وهو الذي جمع القرآن بإشارة أبي بكر وعمر، وقال له أبو بكر: إنك شاب ثقة لا نتهمك. وكفى بهذا تعديلًا.
كان زيد رأسا في القضاء والفتوى والجراءة والفرائض، وقد صح أن النبي ﷺ قال للصحابة: "أفرضكم زيد"، وقال الشعبي: غلب زيد الناس على اثنتين الفرائض والقرآن. وعن ابن عباس: لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد أن زيد بن ثابت من الراسخين في العلم. وبالجملة فقد كان واسع الاطلاع، ضليعا في فهم تعاليم الإسلام، له القدرة الفائقة على استنباط الأحكام، إذا رأى فيما لم يرد فيه أثر. قال سليمان بن يسار: ما كان عمر ولا عثمان يقدمان على زيد بن ثابت أحدا في القضاء، والفتوى والفرائض والقراءة. روي له عن رسول الله ﷺ اثنان وتسعون حديثا اتفق الشيخان على خمسة منها. وانفرد البخاري بأربعة ومسلم بحديث توفي ﵁ سنة ١٥هـ.
عبد الله بن عباس:
هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي ابن عم رسول الله ﷺ ، كان يقال له: الحبر والبحر لكثرة علمه، ولد قبل الهجرة بثلاث سنين حين كان بنو هاشم بالشعب، ولما أتى به رسول الله ﷺ حنكه بريقه، وضمه إلى صدره،
стр. 226
وقال: "اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل". وفي رواية: "علمه الحكمة". وقد انتهت إليه الرياسة في الفتوى والتفسير، وكان أكثر الصحابة إفتاء على الإطلاق، وهو أحد العبادلة الأربعة، وأحد الستة المكثرين لرواية الحديث. فقد روي له ألف وستمائة وستون حديثا. اتفق الشيخان منها على خمسة وتسعين، وانفرد البخاري منها بمائة وعشرين. ومسلم بتسعة وأربعين، وجل مروياته عن كبار الصحابة، فإن النبي ﷺ توفي ولابن عباس ثلاث عشرة سنة، فكان يجتهد في تعرف ما عند الصحابة من حديث وعلم، وكان يقول: وجدت عامة حديث رسول الله ﷺ عند الأنصار، فإني كنت لآتي الرجل فأجده نائما لو شئت أن يوقظ لي لأوقظ، فأجلس على بابه تسفي على وجهي الريح حتى يستيقظ متى ما استيقظ وأسأله عما أريد ثم أنصرف. ولسعة علمه وقوة حجته وصفاء ذهنه كان عمر يدنيه ويعظمه ويعتد به مع حداثة سنه، ولما قال له عبد الرحمن بن عوف: إن أبناءنا مثله. قال عمر: إنه من حيث تعلم "يريد: قدمه علمه".
وكان من الأدب بمكان، فإذا سأله عمر مع الصحابة يقول: لا أتكلم حتى يتكلموا، وكان عمر يقول له: إنك لأصبح فتياننا وجها، وأحسنهم خلقا، وأفهمهم في كتاب الله. وروى البخاري في تفسير سورة النصر عن ابن عباس أن عمر دعا ذات يوم شيوخ بدر ودعاني معهم، فقال: ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا وسكت بعضهم، فقال لي: أكذلك يا ابن عباس؟ قلت: لا قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلن له. فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول. وهذا يدل على قوة فهمه وجودة فكره. وبالجملة فقد ظهر النبوغ العربي في ابن عباس بأكمل معانيه علما وفصاحة وكمالا وألمعية، وكان واسع الاطلاع في نواح علمية مختلفة، يعرف الشعر، والأنساب، وأيام العرب، ويعلم ما ورد في القرآن، وأسباب نزوله، وحساب الفرائض، والمغازي، ويعرف شيئًا من الكتب الأخرى كالتوراة والإنجيل. قال ابن مسعود: نعم ترجمان القرآن ابن عباس. وكان ابن عمر يقول: "ابن عباس أعلم أمة محمد بما نزل على محمد"، وقال عطاء: "ما رأيت أكرم من مجلس ابن عباس"، أصحاب الفقه عنده، وأصحاب القرآن عنده، وأصحاب الشعر عنده، يصدرهم كلهم من واد واسع، وقال عبيد الله بن عبد الله
стр. 227
ابن عتبة: ما رأيت أحدًا أعلم من ابن عباس بما سبقه من حديث رسول الله ﷺ ، وبقضاء أبي بكر وعمر وعثمان ﵃، ولا أفقه منه، ولا أعلم بتفسير القرآن وبالعربية وبالشعر، والحساب والفرائض وكان يجلس يوما للفقه، ويما للتأويل، ويوما للمغازي، ويوما للشعر، ويوما لأيام العرب، وما رأيت عالما قط جلس إليه إلا خضع له، ولا سائلا سأله إلا وجد عنده علما، كانت أكثر حياته علمية يتعلم ويعلم، لم يشغل بالإمارة إلا قليلا لما استعمله علي على البصرة وتوفي بالطائف سنة ٦٨هـ عن أحد وسبعين عاما. وعلى ابن عباس يدور علم أهل مكة في التفسير والفقه.
عبد الله بن مسعود:
هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي، وينسب إلى أمه أحيانا فيقال: ابن أم عبد، أسلم قديما، قال: رأيتني سادس ستة ما على ظهر الأرض مسلم غيرنا، وهو أول من جهر بالقرآن وأسمعه قريشا: هاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وشهد بدرا، واحدا، والمشاهد كلها. وهو الذي أجهز على أبي جهل يوم بدر، وشهد له رسول الله ﷺ بالجنة، وكان شديد الملازمة كثير الخدمة للنبي ﷺ ، وهو صاحب سواكه وطهوره ونعله، يلبسه إياه إذا قام ويخلعه، ثم يجعله في ذراعه إذا جلس، يمشي أمامه إذا سار، ويستره إذا اغتسل، ويوقظه إذا نام، ويلج عليه داره بلا حجاب حتى لقد ظنه بعضهم من قرابته، ففي البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري قال: قدمت أنا وأخي من اليمن فمكثنا حينا لا نرى ابن مسعود وأمه إلا من أهل رسول الله ﷺ لما نرى من كثرة دخوله ودخول أمه على رسول الله ﷺ ولزومه له. وقيل لحذيفة: أخبرنا برجل قريب للسمت والدل والهدى من رسول الله ﷺ نأخذ عنه، فقال: لا نعلم أحدا أقرب سمتا ودلا وهديا برسول الله من ابن أم عبد، ولقد علم المحفوظون من أصحاب محمد ﷺ أن ابن أم عبد أقربهم إلى الله وسيلة. وقال عقبة بن عامر: ما أدري أحدا أعلم بما نزل على محمد بن عبد الله. فقال أبو موسى: إن تقل ذلك فإنه يسمع حين لا نسمع؛ ويدخل حين لا ندخل؛ وصح عنه أنه قال: أخذت من في رسول الله -صلى الله عليه وسلم
стр. 228
سبعين سورة. وروى له ثمانمائة وثمانية وأربعون حديثا، اتفق البخاري ومسلم منها على أربع وستين، وانفرد البخاري بواحد وعشرين، ومسلم بخمسة وثلاثين، وكان من أنفذ الصحبة بصيرة في الفتيا، ومن ساداتهم في القرآن والفقه؛ لما سيره عمر إلى الكوفة كتب إلى أهلها: إني قد بعثت عمار بن ياسر أميرا وعبد الله بن مسعود معلما ووزيرا، وهما من النجباء من أصحاب رسول الله ﷺ من أهل بدر، فاقتدوا بهما وأطيعوا واسمعوا قولهما، وقد آثرتكم بعبد الله على نفسي. وقد أقام في الكوفة يأخذ عنه أهله الحديث والفقه، وهو معلمهم، وقاضيهم ومؤسس طريقتهم، وقد كان من منحى عمر، وأظهر مناحيه الاعتداد بالرأي حيث لا نص، وتلقى عنه طريقته: علقمة بن قيس النخعي وأخذها إبراهيم النخعي عن علقمة وإبراهيم هو أستاذ حماد بن أبي سليمان، وحماد هو أستاذ أبي حنيفة. قدم ابن مسعود في آخر عمره من الكوفة إلى المدينة ومات بها سنة ٣٢هـ.
عبد الله بن عمرو بن العاص:
أسلم عبد الله قبل أبيه عمرو، وكان أصغر منه باثنتي عشرة سنة، وكان عالما بالقرآن وبالكتب السماوية السابقة، وقد امتاز بأنه ما كان يكتفي بحفظ ما سمعه من رسول الله، بل كان يكتبه، وقد استأذن الرسول ﷺ في أن يكتب عنه فأذن له فقال: يا رسول الله؛ أكتب ما أسمع في الرضا والغضب؟ قال: نعم فإني لا أقول إلا حقا. وقال أبو هريرة: ما كان أحد أحفظ لحديث رسول الله مني إلا عبد الله بن عمرو بن العاص؛ فإنه كان يكتب ولا أكتب، وقال مجاهد: أتيت عبد الله بن عمرو فتناولت صحيفة تحت مفروشه فمنعني، قلت: ما كنت تمنعني شيئا؟ قال: هذه الصادقة، ما سمعت عن رسول الله ﷺ ليس بيني وبينه أحد، إذا سلمت لي هذه، وكتاب الله، والوعظ فلا أبالي على ما كانت عليه الدنيا. وقد شهد مع أبيه فتح مصر، واختلط بها، وروى عنه أهلها أكثر من مائة حديث، وكان مرجعهم في شئونهم التشريعية يفتيهم ويعلمهم، وعنه أخذ مفتي مصر: يزيد بن حبيب، وتلاميذه، كالليث بن سعد، وأقرانه، فهو في مصر كعبد الله بن مسعود بالكوفة، وعبد الله بن عباس بمكة. وقد قال ابن سعد أنه توفي ﵀ بمصر، ودفن بداره سنة سبع وسبعين هجرية، في خلافة عبد الملك بن مروان.
стр. 229
٣- عهد التدوين والأئمة المجتهدين:
هذا العهد ابتدأ من أول القرن الثاني الهجري، وانتهى في أواسط القرن الرابع الهجري، فهو بالتقريب ٢٥٠ سنة، وسمى عهد التدوين والأئمة المجتهدين؛ لأن حركة الكتابة والتدوين نشطت فيه، فدونت السنة، وفتاوى المفتين من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وموسوعات في تفسير القرآن، وفقه الأئمة المجتهدين، ورسائل في علم أصول الفقه؛ ولأن مواهب عدد كبير من رجال الاجتهاد والتشريع ظهرت فيه وسرت فيهم روح تشريعية كان لها أثر خالد في التقنين، واستنباط الأحكام لما وقع وما يحتمل وقوعه.
وهذا هو العهد الذهبي للتشريع الإسلامي، فقد نما فيه ونضج وأثمر ثورة تشريعية أغنت الدولة الإسلامية بالقوانين والأحكام على سعة أرجائها واختلاف شئونها وتعدد مصالحها.
والأسباب التي أدت إلى نمو الفقه الإسلامي ونشاط حركة الاجتهاد في هذا العهد كثيرة، ولكن أهمها ما يأتي:
أولا: أن الدولة الإسلامية في هذا العهد اتسعت رقعتها وتباعدت أطرافها وشملت برعايتها كثيرا من الشعوب المختلفة الأجناس، والعادات والمعاملات والمصالح؛ لأن حدود الدولة الإسلامية امتدت شرقا إلى الصين، وغربا إلى بلاد الأندلس. وهذه البلدان وشعوبها لا بد لها من قوانين يرجع إليها قضاتها، وولاتها وفتاوى يرجع إليها أفرادها، ولا مصدر لهذا التقنين والإفتاء إلا مصادر الشريعة. لهذا بذل العلماء جهودهم في الرجوع إلى هذه المصادر، واستمدوا من نصوص الشريعة وروحها، وما أقامه الشارع من دلائلها، أحكام ما طرأ للدولة من مصالح وحاجات، بل زاد نشاطهم فشرعوا أحكاما لحوادث فرضية، وبهذا النشاط لم يضق التشريع الإسلامي بحاجة، ولم يقصر عن مصلحة، والنشاط السياسي يبث روح النشاط في كل شئون الدولة.
وثانيًا: أن الذين تصدوا للتقنين والإفتاء في ذلك العهد وجدوا طرق التشريع ممهدة وصعابه ميسرة؛ لأنهم وجدوا المصادر التشريعية في متناولهم ووجدوا كثيرا
стр. 230
من الوقائع والمشاكل قد عالجها سلفهم من قبلهم، فالقرآن مدون ومنشور بين لخاصة المسلمين وعامتهم، والسنة مدون أكثرها من بدء القرن الثاني الهجري، وكذلك فتاوى الصحابة والتابعين، فاليسر الذي وجده مجتهدو ذلك العهد في رجوعهم إلى القرآن والسنة والنور الذي لمحوه من فتاوى سلفهم من الصحابة، وتابعيهم ومن آثارهم في تفسير النصوص كانا من عوامل نشاطهم، ووفرة إنتاجهم والخلف يستثمر عقله وعقل سلفه.
وثالثًا: أن المسلمين في ذلك العهد كانوا شديدي الحرص على أن تكون جميع أعمالهم من عبارات ومعاملات، وعقود وتصرفات على وفق أحكام الشريعة الإسلامية، فلهذا كانوا في كلياتهم وجزئياتهم يرجعون إلى المفتين ورجال التشريع، فكان المجتهدون في ذلك العهد موردا لا ينقطع وارده من أفراد وولاة وقضاة. ومن هذا اتصلت جهودهم ونما إنتاجهم.
ورابعا: أن ذلك العهد نشأت فيه أعلام لهم مواهبهم واستعداداتهم، وساعدتهم البيئة التي عاشوا فيها على استثمار هذه المواهب والاستعدادات.
فتكونت الملكة التشريعية لكثير من أفذاذهم أمثال: أبي حنيفة وأصحابه، ومالك وأصحابه، والشافعي وأصحابه، وأحمد وأصحابه، وغيرهم من معاصريهم من الأئمة والمجتهدين، واقتدوا بهذه الملكات على تنمية الفقه الإسلامي وسد الحاجة التشريعية للدولة. فالبيئة الإسلامية في ذلك العهد أنضجت عقول ذوي المذاهب من رجالها؛ لأن العقول الراجحة كالبذر الصالح إذا وجد التربة الطيبة والجو الملائم آتى ثمراته، ولا خير في صلاح البذر إذا خبثت التربة وفسد الجو، كما أنه لا خير في طيب التربة، وحسن الجو إذا فسد البذر.
من تولى سلطة التشريع في هذا العهد:
في أواخر القرن الأول لازم الصحابة الذين تصدوا للإفتاء والتشريع في مختلف الأمصار جماعة من التابعين أخذوا عنهم القرآن، ورووا عنه السنة: وحفظوا فتاويهم؛ وفهموا منهم أسرار التشريع وطرق الاستمداد للأحكام، وهؤلاء التابعون منهم من كان يستفتي، ويفتي في حياة الصحابة أنفسهم مثل: سعيد بن المسيب بالمدينة، وعلقمة بن قيس. وسعيد بن جبير بالكوفة، حتى روي أن عبد الله بن عباس كان إذا حج أهل الكوفة واستفتوه قال لهم: أليس فيكم سعيد بن
стр. 231
جبير؟ وقد لازم هؤلاء التابعين في حياتهم جماعة من تابعي التابعين تلقوا عنهم ما تلقوه عن الصحابة؛ من القرآن والسنة، وأخذوا عنهم ما علموه من الفقه وأسرار التشريع، ولازم تابعي التابعين جماعة من طبقة الأئمة الأربعة المجتهدين ومعاصريهم من رجال التشريع.
فلما انقرض رجال التشريع من الصحابة خلفهم في تولي سلطة التشريع تلاميذهم من التابعين، وخلف هؤلاء تلاميذهم من تابعي التابعين، وخلف هؤلاء تلاميذهم من الأئمة الأربعة المجتهدين وأقرانهم.
فكان رجال التشريع في كل مصر من أمصار المسلمين طبقات؛ وكل طبقة يعد رجالها تلاميذ لسلفهم وأساتذة لخلفهم، ومن لازموا المشرعين في حياتهم، وأخذوا عنهم علمهم وفقههم تصدوا لإفتاء الناس من بعدهم، والقيام بما كان يقوم به أساتذتهم، وبهذا اتصلت حركة التشريع في الأمصار.
ففي المدينة أشهر أساتذة التشريع من الصحابة عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب؛ وعبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، وأشهر تلاميذ هؤلاء:
سعيد بن المسيب؛ وعروة بن الزبير؛ وسائر فقهاء المدينة السبعة. وأشهر تلاميذ: هؤلاء محمد بن شهاب الزهري؛ ويحيى بن سعيد. وأشهر من خلف هؤلاء: مالك بن أنس وأقرانه.
وفي مكة أشهر أساتذة التشريع من الصحابة عبد الله بن عباس. وأشهر تلاميذه: عكرمة، ومجاهد، وعطاء. وأشهر تلاميذهم: سفيان بن عيينة، ومفتي الحرم مسلم بن خالد، وأشهر من خلف هؤلاء: الشافعي في حياته الأولى.
وفي الكوفة أشهر أساتذة التشريع من الصحابة عبد الله بن عباس، وأشهر تلاميذه: علقمة بن قيس، والقاضي شريح. وأشهر تلاميذهما: إبراهيم النخعي. وأشهر تلاميذه حماد بن أبي سليمان أستاذ أبي حنيفة وأصحابه.
وفي مصر أشهر أساتذة التشريع من الصحابة عبد الله بن عمرو بن العاص وأشهر تلاميذه: مفتي مصر يزيد بن حبيب. وأشهر تلاميذه: الليث بن سعد وأقرانه من بني عبد الحكم، وأشهر من خلف هؤلاء: الشافعي في حياته الأخيرة.
ولم يكتسب رجال التشريع من كل طبقة من هذه الطبقات سلطة التشريع من تعيين الخليفة، أو انتخاب الأمة وإنما وثق المسلمون بهم كما وثقوا بأساتذتهم من
стр. 232
الصحابة واطمأنوا إلى عدالتهم، وضبطهم، وعلمهم، وفقههم، فرجعوا إليهم يسألهم الولاة والقضاة في الأقضية والخصومات، ويستفتيهم الأفراد في وقائعهم وما يطرأ لهم من الحاجات، وكانت كل طبقة ترث من سلفها العلم والثقة، واطمئنان المسلمين إلى بيانهم النصوص وفتاويهم فيما لا نص فيه.
وكان أكثر رجال التشريع في هذا العهد يقومون بتدريس العلوم الشرعية ورواية الحديث، ومنهم ولي القضاء مثل: شريح، والشعبي، وأبي يوسف. ومنهم من كان يتجر، كأبي حنيفة، فلم يكن الإفتاء وظيفة ينقطع لها المفتي وإنما كان واجبا يتصدى للقيام به من آنس في نفسه القدرة على أدائه مع اشتغاله بوظيفته أو تجارته أو دراسته.
مصادر التشريع في هذا العهد:
كانت مصادر التشريع في هذا العهد أربعة: القرآن، والسنة، والإجماع، والاجتهاد بالقياس أو بأي طريق من طرق الاستنباط. فكان المفتي إذا وجد نصا في القرآن أو السنة يدل على حكم ما استفتي فيه، وقف عند النص ولا يتعدى حكمه، وإذا لم يجد في الواقعة نصا ووجد سلفه من المجتهدين أجمعوا في هذه الواقعة على حكم، وقف عنده وأفتى به، وإذا لم يجد نصا على حكم الواقعة ولا إجماعا على حكم فيها، اجتهد واستنبط الحكم بالطرق التي أرشد إليها الشارع للاستنباط.
ما طرأ على مصادر التشريع:
وقد طرأ على المصدر التشريعي الأول، وهو القرآن، في هذا العهد طارئان لهما أثرهما في حفظه، وضبطه وصونه من أي تحريف.
الأول: عناية طائفة من المسلمين بحفظه، جميعه وتصديهم لتلقي الحفاظ عنهم، وأشهر هؤلاء القراء السبعة الذين اشتهروا بالحفظ والضبط والإتقان، وما انقرضوا في القرن الثاني الهجري إلا وقد خلفهم في الحفظ والضبط تلاميذهم، وخلف هؤلاء تلاميذهم واتصل سند الحفاظ الذين تنافسوا في الضبط وساعدوا على ازدياد حفظة القرآن والتنافس في حفظه. إن تلاوته عبادة وإنه يتلى كل صلاة.
стр. 233
والطارئ الثاني: إدخال الإصلاح في رسم كتابته وشكل حروفه. وذلك أن المصحف الذي دون في عهد عثمان بن عفان ومنه نسخت عدة مصاحف ووزعت في الأمصار، كان مكتوبا بالخط الكوفي لا نقط ولا شكل، وكان الاعتماد في قراءته على التلقي من الحفظة، ولكن لما دخل في الإسلام كثير من الأمم غير العربية وخيف أن يقع بعض القارئين في الخطأ أو اللبس، وضع أبو الأسود الدؤلي بناء على طلب أمير العراق -زياد بن أبيه- علامات لشكل أواخر الكلمات. فجعل علامة الفتحة نقطة فوق الحرف. وعلامة الكسرة نقطة تحته، وعلامة الضمة نقطة إلى جانبه، وعلامة التنوين نقطتن.
ثم عدل الخليل بن أحمد هذه العلامات فجعل علامة التفحة ألفا مسطوحة فوق الحرف، وعلامة الكسرة ياء تحته، وعلامة الضمة واو فوقه، ولم يقتصر على شكل أواخر الكلمات بل زاد شكل الكلمات كلها، ووضع نصر بن عاصم بناء على طلب أمير العراق -الحجاج بن يوسف- النقط لما ينقط من الحروف بنقطة أو اثنتين. وبهذا التنافس في حفظ القرآن والتزايد في حفظته، وهذا الإصلاح والتهذيب في رسمه، وشكله، ونقطه، وتمييز كل حرف بما يعين على النطق به صحيحا تمت للمصدر التشريعي الأول وسائل التكميل والضبط والتيسير.
وأما المصدر التشريعي الثاني وهو السنة، فقد طرأ عليه أيضا في أول هذا العهد طارئ له أثر تشريعي عظيم، وذلك أن الخليفة عمر بن عبد العزيز كتب في عهد خلافته إلى والي المدينة أبي بكر محمد بن عمر بن حزم: "انظر ما كان من حديث رسول الله فاكتبه، فإني خفت دروس العلم. وذهاب العلماء"، وكلف أيضا بهذا التدوين محمد بن شهاب الزهري، فقام كل منهما بتدوين ما استطاع تدوينه من السنة، وبهذا بدأ تدوين نصوص المصدر التشريعي الثاني بعد أن لبثت في القرن الهجري الأول كله يرجع إليها في صدور رواتها وحفاظها فقط، وتتابع على هذا التدوين كثير من العلماء. ففي سنة ١٤٠هـ دون الإمام مالك بن أنس كتابه: الموطأ في صحيح الحديث بناء على طلب الخليفة المنصور، وفي القرن الثاني الهجري دون أصحاب المسانيد في السنة مسانيدهم، والمسند هو: ما تجمع فيه الأحاديث حسب رواتها، فيجمع ما رواه عمر على حدة، وما رواه أبو بكر على
стр. 234
حدة بصرف النظر عن موضوع الحديث، وأقدم ما وصل إلينا منها مسند الإمام أحمد. وفي القرن الثالث الهجري دونت كتب صحاح السنة الستة وهي: صحيح البخاري، ومسلم، وأبي داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه. وإذا قيل في الحديث رواه الستة، أو متفق عليه فالمراد أنه رواه هؤلاء جميعهم، ودون كثيرون غير هؤلاء عدة مجاميع في السنة.
ولكن هذا التدوين الذي حفظ السنة من الضياع لم يؤد إلى جمع المسلمين على مجموعة واحدة من السنة تكون مرجعا لخاصتهم وعامتهم على السواء، كما جمعت كلمتهم على مجموعة واحدة من نصوص القرآن، ولهذا بقيت السنة بعد تدوينها فيها مجال للاختلاف وإليها منفذ للوضع والافتراء، وقد فكر الخليفة المنصور العباسي في أن يكون مجموعة من السنة وينشرها بين المسلمين يجمع كلمتهم عليها والرجوع إليها، فأمر إمام المدينة مالك بن أنس أن يكتب من السنن كتابا يتجنب فيه رخص ابن عباس وشدائد ابن عمر، فكتب الإمام مالك كتابه الموطأ، وأراد المنصور أن ينفذ فكرته ويحمل الناس على الرجوع إليه وحده فقال له مالك: لا سبيل إلى ذلك يا أمير المؤمنين؛ لأن الصحابة افترقوا بعد الرسول كل يتبع ما صح عنده. وكلهم على هدى وكلهم يريد الله، فعدل المنصور عما أراد.
الخطة التشريعية في هذا العهد:
في صدر هذا العهد حين كانت السلطة التشريعية في طبقة التابعين وكبار تابعيهم، كانت خطتهم التشريعية هي خطة أساتذتهم من الصحابة في رجوعهم إلى مصادر التشريع، وفي مبادئها العامة التي راعوها في تشريعهم، ولهذا كانت فتاويهم على قدر ما وقع من الحوادث والأقضية، ولم تتسع مسافات الخلاف بينهم ولم تتجاوز أسباب اختلافهم الأسباب الثلاثة التي من أجلها اختلفت فتاوى الصحابة، ولكن من ابتداء هذا العهد وقعت بين بعض رجال التشريع مناظرات واختلافات، وكانت تؤذن بظهور خطط تشريعية جديدة، فقد وقعت في المدينة بحوث تشريعية بين: ربيعة بن أبي عبد الرحمن وبين محمد بن شهاب الزهري ونظرائه، أدت إلى أن كثيرين من فقهاء المدينة كانوا يفارقون مجلس ربيعة، وإلى أنهم لقبوه ربيعة الرأي، ووقع في الكوفة مثل هذا بين إبراهيم النخعي، وبين
стр. 235
الشعبي. فلما آلت السلطة التشريعية في أواسط القرن الهجري الثاني إلى طبقة الأئمة المجتهدين، أبي حنيفة، وأقرانه، وأصحابه، ومالك وأقرانه وأصحابه، كانت قد تكونت عدة آراء في خطة التشريع وطرأت جملة عوامل جعلت من رجال التشريع أحزابًا كل حزب له مذهب تشريعي يختلف عن مذاهب الآخرين في أحكامه، وفي طرق استنباطه وفي بعض مبادئه العامة، ومن هذا تعددت الخطط التشريعية لرجال التشريع، وتكونت المذاهب الفقهية.
أسباب اختلاف الأئمة المجتهدين وتكون المذاهب:
بينا أنه في عهد الرسول لم يقع اختلاف في حكم الواقعة؛ لأن المرجع التشريعي واحد، وأنه في عهد الصحابة لما تعدد رجال التشريع منهم وقع بينهم اختلاف في بعض الأحكام، وصدرت عنهم في الواقعة الواحدة فتاوى مختلفة، وأن هذا الاختلاف كان لا بد أن يقع بينهم؛ لأن المراد من النصوص يختلف باختلاف العقول ووجهات النظر؛ ولأن السنة لم يكن علمهم بها وحفظهم لها على السواء، وربما وقف بعضهم منها على ما لم يقف عليه الآخر؛ لأن المصالح التي تستنبط لأجلها الأحكام يختلف تقديرها باختلاف البيئات التي يعيش فيها رجال التشريع، فلهذه الأسباب اختلفت فتاويهم وأحكامهم في بعض الوقائع والأقضية مع اتفاقهم على مصادر التشريع، وترتيب رجوعهم إليها والمبادئ التشريعية العامة. أي أنهم اختلفوا في الفروع فقط. ولم يختلفوا في أصول التشريع، ولا في خطته، ولكن لما آلت السلطة التشريعية في القرن الثاني الهجري إلى طبقة الأئمة المجتهدين اتسعت مسافة الخلاف بين رجال التشريع، ولم تقف أسباب اختلافهم عند الأسباب الثلاثة التي بني عليها اختلاف الصحابة، بل جاوزتها إلى أسباب تتصل بمصادر التشريع وبالنزعة التشريعية وبالمبادئ اللغوية التي تطبق في فهم النصوص، وبهذا لم يكن اختلافهم في الفتاوى والفروع فقط، بل كان اختلافًا أيضا في اسس التشريع وخططه، وصار لكل فريق منهم مذهب خاص يتكون من أحكام فرعية استنبطت بخطة تشريعية خاصة.
ويرجع اختلاف الخطة التشريعية للأئمة المجتهدين إلى اختلافهم في أمور ثلاثة: الأول: في تقدير بعض المصادر التشريعية. والثاني: في النزعة التشريعية. والثالث: في بعض المبادئ اللغوية التي تطبق في فهم النصوص.
стр. 236
فأما اختلافهم في تقدير بعض مصادر التشريع فقد ظهر فيما يأتي:
أولًا: في طريق الوثوق بالسنة والميزان الذي ترجع به رواية عن رواية، وذلك أن الوثوق بالسنة مبني على الوثوق برواتها وكيفية روايتها، وقد اختلف الأئمة في طريق هذا الوثوق فمجتهدو العراق -أبو حنيفة وأصحابه- يحتجون بالسنة المتواترة والمشهورة، ويرجحون ما يروي الثقات من الفقهاء، ولهذا قال أبو يوسف: "وعليك بما عليه الجماعة من الحديث وما يعرفه الفقهاء"، ومجتهدو المدينة مالك وأصحابه يرجحون ما عليه أهل المدينة بدون اختلاف ويتركون ما خالفه من أخبار الآحاد، وباقي الأئمة يحتجون بما رواه العدول الثقات من الفقهاء وغير الفقهاء، وافق عمل أهل المدينة أو خالفه.
وترتب على هذا أن مجتهدي العراق جعلوا المشهور في حكم المتواتر وخصصوا به العام في القرآن وقيدوا به المطلق فيه، وغيرهم لم يجعلوا له هذه القوة، وترتب أيضا أن الحديث المرسل هو: ما رواه الصحابي بقوله: أمر رسول الله بكذا أو نهى عن كذا أو قضى بكذا، من غير أن يصرح بأنه سمع ذلك بنفسه أو شافهه أو شاهده، يحتج به بعض رجال التشريع ولا يحتج به بعضهم. فهذا الاختلاف في طريق الوثوق بالسنة أدى إلى أن بعضهم احتج بسنة لم يحتج بها الآخر، وبعضهم رجح سنة هي مرجوحة عند الآخر، وعن هذا نشأ اختلاف الأحكام.
وثانيا: في فتاوى الصحابة وتقديرها، فإن الأئمة اختلفوا في الفتاوى الاجتهادية التي صدرت عن أفراد الصحابة، فأبو حنيفة -ومن تابعه- خطته بالنسبة إليها: أن يأخذ بأية فتوى منها، ولا يتقيد بواحدة معينة ولا يخرج عنها جميعًا، والشافعي -ومن تابعه- خطته بالنسبة إليها أنها فتاوى اجتهادية فردية صادرة من غير معصومين فله أن يأخذ بأية فتوى منها، وله أن يفتي بخلافها كلها. وعن هذا نشأ أيضا اختلاف في الأحكام.
وثالثا: في القياس. فإن بعض المجتهدين من: الشيعة، والظاهرية أنكروا الاحتجاج بالقياس، ونفوا أن يكون مصدرا للتشريع ولهذا سموا: نفاة القياس.
وجمهور الأئمة احتجوا بالقياس، وعدوه المصدر التشريعي بعد القرآن والسنة والإجماع، ولكنهم مع اتفاقهم على أنه حجة اختلفوا فيما يصلح أن يكون علة للحكم ويبني عليه القياس، ونشأ عن هذا أيضا اختلاف في الأحكام.
стр. 237
وأما اختلافهم في النزعة التشريعية؛ فقد ظهر في انقسامهم إلى فريق أهل الحديث، ومنهم أكثر مجتهدي الحجاز، وفريق أهل الرأي، ومنهم أكثر مجتهدي العراق، وليس معنى هذا الانقسام أن فقهاء العراق لا يصدرون في تشريعهم عن الحديث؛ وأن فقهاء الحجاز لا يصدرون في تشريعهم عن الاجتهاد بالرأي؛ لأنهم جميعا متفقون على أن الحديث حجة شرعية ملزمة، وأن الاجتهاد بالرأي، أي القياس، حجة شرعية فيما لا نص فيه.
وإنما معنى هذا الانقسام وسبب هذه التسمية أن فقهاء العراق أمعنوا النظر في مقاصد الشارع، وفي الأسس التي بنى عليها التشريع، فاقتنعوا بأن الأحكام الشرعية معقول معناها، ومقصود بها تحقيق مصالح الناس، وبأنها تعتمد على مبادئ واحدة، وترمي إلى غاية واحدة، وهي لهذا لا بد أن تكون متسقة ولا تعارض ولا تباين بين نصوصها وأحكامها، وعلى هذا الأساس يفهمون النصوص، ويرجحون نصا على نص ويستنبطون فيما لا نص فيه، ولو أدى استنباطهم على هذا الأساس إلى صرف نص عن ظاهره، أو ترجيح نص على آخر أقوى منه رواية، حسب الظاهر، وهم من أجل هذا لا يتحرجون من السعة في الاجتهاد بالرأي، ويجعلون له مجالا في أكثر بحوثهم التشريعية.
وأما فقهاء الحجاز فقد عنوا بحفظ الأحاديث وفتاوى الصحابة، واتجهوا في تشريعهم إلى فهم هذه الآثار حسبما تدل عليه عبارتها، وتطبيقها على ما يحدث من الحوادث غير باحثين في علل الأحكام ومبادئها؛ فإذا وجدوا ما فهموه من النص لا يتفق مع ما يقتضيه العقل لم يبالوا بهذا، وقالوا: هو النص. وكانوا من أجل هذا يتحرجون من الاجتهاد بالرأي، ولا يلجأون إليه إلا عند الضرورة القصوى.
مثلا: ورد في الحديث أن في كل أربعين شاة شاة، وأن صدقة الفطر صاع من تمر أو شعير، وأن من رد الشاة المصراة بعد احتلاب لبنها رد صاعا من تمر.
فقهاء العراق يفهمون هذه النصوص على ضوء معناها المعقول ومقصد الشارع من تشريعها؛ وهو أن المالك أربعين شاة يجب عليه أن ينفع الفقراء بواحدة أو ما يعادلها، وأن المتصدق بصدقة الفطر يجب عليه أن ينفعهم بصاع من تمر أو ما يعادله، واللبن المحتلب يضمن بمثله أو قيمته.
стр. 238
وليس خصوص الشاة أو الصاع مقصودا للشارع، فمن زكى بقيمة الشاة أو تصدق بقيمة الصاع، أو ضمن لبن المصراة بقيمته أجزأه؛ لأن المقصود نفع الفقراء، وتعويض المال المتلف.
وأما فقهاء الحجاز فيفهمون هذه النصوص حسبما تدل عليه عبارتها الظاهرة، ولا يبحثون في علة التشريع، ولا يتجهون إلى التأويل بناء على مراعاة العلل المعقولة، وعلى هذا يوجبون الشاة بخصوصها، والصاع بخصوصه، ولا تجزئ في مذهبهم القيمة.
وأهم الأسباب التي أدت إلى اختلاف هاتين النزعتين هي:
١- أن الأحاديث وفتاوى الصحابة لم تكن كثيرة في العراق كثرتها في الحجاز، فالحجازيون وجدوا عندهم ثروة من الآثار اعتمدوا عليها في تشريعهم، وركنوا إليها، وأما فقهاء العراق فلم تكن لديهم هذه الثروة، فاعتمدوا على عقولهم، واجتهدوا في تفهم معقول النص وعلة التشريع لتتسع معاني النصوص لما لم تتسع له ألفاظها، وأسوتهم في هذا أستاذهم عبد الله بن مسعود.
٢- إن العراق كانت فيها الفتن التي أدت إلى افتراء الأحاديث وتحريفها؛ لأنها كانت مهد الشيعة ومقر الخوارج، وقد شاهد فقهاء العراق من الجرأة على وضع الأحاديث والتحريف فيها ما لم يشاهده فقهاء الحجاز، فلهذا تشددوا في قبول الرواية والتزموا أن يكون الحديث مشهورا بين أهل الفقه، وإذا وجدوا حديثًا يفهم منه ما لا يتفق، وحكمة الشارع أولوه أو تركوه.
٣- أن بيئة العراق غير بيئة الحجاز، والأقضية والحوادث في البلدين مختلفة؛ لأن دولة الفرس خلفت في العراق أنواعًا من المعاملات والعادات والنظم لا يعهد مثلها في بلاد الحجاز، فكان مجال الاجتهاد في العراق ذا سعة وأفق البحث ممتدا، ولهذا تكونت في فقهاء العراق ملكة البحث، والتفكير وبدت لهم وجوه عديدة من الرأي والنظر في التشريع، وأما فقهاء الحجاز فقلما حدث لهم ما لم يحدث لسلفهم من التابعين أو الصحابة؛ لأن البيئة واحدة، وقلما حدث لهم ما لم يحفظوا في حكمه حديثا أو فتوى صحابي، فلما لم يجدوا للاجتهاد المجال الذي وجده العراقيون اعتادوا فهم النصوص على ظواهرها، ولم تدعهم حاجة إلى البحث في عللها أو التعمق في مقاصدها.
стр. 239
وأما اختلافهم في بعض المبادئ الأصولية اللغوية: فقد نشأ من اختلاف وجهات النظر في استقراء الأساليب العربية. فمنهم من رأى أن النص حجة على ثبوت حكمه في منطوقه، وعلى ثبوت خلاف حكمه في مفهومه المخالف، ومنهم من لم ير هذا. ومنهم من رأى أن العام الذي لم يخصص قطعي في تناول جميع أفراده، ومنهم من رأى أنه ظني. ومنهم من رأى المطلق يحمل على المقيد عند اتحاد الحكم ولو اختلف السبب، ومنهم من رأى أنه لا يحمل عليه إلا عند اتحاد الحكم والسبب. ومنهم من رأى أن الأمر المطلق للإيجاب ولا يصرف عنه إلا بقرينة، ومنهم من رأى أنه مجرد أنه طلب الفعل. والقرينة هي التي تعين الإيجاب أو غيره، إلى غير ذلك من المبادئ الأصولية التي تفرع على اختلافهم فيها كثير من الأحكام.
فالخطة التشريعية لكل مجتهد في هذا العهد كانت قائمة على طريق ثقته بالسنة، وتقديره لفتاوى الصحابة، ومسلكه في القياس، ونزعته في فهم النصوص وتأويلها وتعليلها، ومبادئه التي سار عليها من استقرائه الأحكام الشرعية والأساليب العربية، وبنى عليها استنباطه.
ما خلفه هذا العهد من آثار تشريعية:
أهم ما خلفه هذا العهد من الآثار التشريعية ثلاثة:
الأول: صحاح السنة التي دونت فيه، فبعضها جمعت فيها الأحاديث على طريق المسانيد، وبعضها جمعت فيه الأحاديث حسب أبواب الفقه. وقد تنافس علماء الحديث في الجمع والضبط وتعرف الرواة، كما أشرنا إلى ذلك من قبل.
الثاني: تدوين الفقه وأحكامه، وجمع المسائل المرتبطة بموضوع واحد بعضها مع بعض، وتعليل الأحكام والاستدلال عليها؛ لأن الدولة الإسلامية في هذا العهد لما استعت أرجاؤها وزادت حضارتها وجدت فيها أقضية، وحوادث ونظم كانت مجالا فسيحا للاجتهاد والمجتهدين، فاجتهدوا في فهم النصوص، وفي الاستنباط فيما لا نص فيه، وتنافسوا في هذا الاجتهاد، وتأثروا في طرق اجتهادهم وبحثهم بطرق البحث التي ظهرت في بحوث من دخلوا في الإسلام من الأمم غير العربية، وفيما نقل إلى المسلمين من علوم وفنون.
стр. 240
فلهذا لم تكن فتاوى المجتهدين في هذا العهد مجرد فتاوى. بل كانت آراء وبحوثا معللة مؤيدة بالبرهان، وبهذا صار الفقه وأحكامه علما ذا مسائل كلية تطبق على ما وقع وما لم يقع، وكان من أحكامه أحكام لحوادث لم تقع أصلا، ودونت فيها موسوعات لا تزال مرجع المسلمين حتى اليوم؛ ومن أشهر هذه الموسوعات في مذهب الإمام أبي حنيفة كتب ظاهر الرواية الستة التي رواها محمد بن حسن عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، وجمعها كتاب الكافي للحاكم الشهيد، وفي مذهب الإمام مالك كتاب المدونة التي رواها سحنون عن ابن القاسم عن الإمام مالك. وفي مذهب الإمام الشافعي: كتاب الأم الذي أملاه الشافعي على تلاميذه بمصر، وغير ذلك كثير في مذاهب الأئمة الأربعة وغيرهم من المجتهدين.
٣- تدوين علم أصول الفقه، وذلك أنه لما اتخذ كل مجتهد في هذا العهد خطة تشريعية خاصة، عني بوضع الأصول، والأسس التي بنى عليها خطته واجتهاده، وكان كل مجتهد منهم يثبت مبادئه وأصوله في ثنايا مسائله وأحكامه.
ففي كثير من موضوعات الموطأ أشار الإمام مالك إلى مبادئه وقواعده التشريعية، وكذلك الإمام أبو حنيفة وأصحابه، حتى نقل أن أبا يوسف كتب كتابا مستقلًّا في أصول الفقه. ولكن أول من جمع هذه القواعد مرتبة معللة مقاما على كل قاعدة منها برهانها، هو الإمام محمد بن إدريس الشافعي في رسالته المشهورة في علم الأصول. ولذا اشتهر أنه واضع علم أصول الفقه، والحقيقة: أنه رتبه، وصاغ قواعده صوغا علميا، ولم يبتدئ وضعه.
وهذه نُبَذ موجزة في ترجمة بعض رءوس الاجتهاد في هذا العهد.
الإمام أبو حنيفة:
هو النعمان بن ثابت، ولد بالكوفة سنة ٨٠هـ، وتوفي ببغداد سنة "١٥٠" هـ قال حفيده إسماعيل بن حماده: نحن من أبناء فارس الأحرار، والله ما وقع علينا رق قط، ذهب جدي ثابت إلى علي وهو صغير فدعا له بالبركة فيه، وفي ذريته. تلقى أبو حنيفة الفقه عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود. وكان أبو حنيفة خزازا بالكوفة١، وقد اشتهر بين الناس بصدق المعاملة
стр. 241
وإعلام المشتري بالثمن الحقيقي وكراهة المماكسة، ولما طلب الفقه على رأس المائة الثانية نبغ فيه نبوغا عظيما، وكان يطرح المسألة على من يحضر من طلاب العلم، ويتناقشون فيها جميعا حتى يستقر الرأي على جواب فيها أو يحتفظ كل برأيه، وبهذا كانت مسائل فقهه لا تتقرر إلا بعد المناظرة والأخذ والرد فيها غالبا.
وكانت خطته في استنباط الأحكام الفقهية ما قال هو نفسه:
إني آخذ بكتاب الله إذا وجدته، فلما لم أجده فيه أخذت بسنة رسول الله ﷺ ، والآثار الصحاح عنه التي فشت في أيدي الثقات، فإذا لم أجد في كتاب الله ولا سنة رسول الله، أخذت بقول أصحابه من شئت وأدع من شئت، ثم لا أخرج عن قولهم إلا قول غيرهم؛ فإذا انتهى الأمر إلى إبراهيم، والشعبي، والحسن، وابن سيرين، وسعيد بن المسيب، فعلي أن أجتهد كما اجتهدوا.
وقد برع في القياس، والاستحسان وتوسع فيهما، وكذا أصحابه حتى اتسعت بذلك المسائل الفقهية وكثرت كثرة عظيمة جدا، وكانوا كلهم يفترضون صورا لمسائل ويلتمسون لكل صورة جوابا، وبهذا خالفوا سنة من قبلهم، فقد كان أولئك لا ينظرون إلا في أحكام الحوادث التي وقعت بالفعل، ولا يفترضون حوادث ولا رسائل، ولا يفرعون تفريعات لا وجود لها بالفعل، بل كان بعضهم يحجم عن جواب المسألة إذا لم يجد نصا فيها، وبالجملة فقد نشط فقه الرأي على يد أبي حنيفة وأصحابه، ومن كان معه من فقهاء العراق وقضت بذلك الحضارة الجديدة. ومن ناحية الرأي والتماس العلل والأوصاف المناسبة للأحكام أمكن وضع الروابط التي تربط مسائل الشريعة بعضها ببعض، ورد كل طائفة منها إلى أصل تبنى عليه وقواعد تنظمها، حتى أصبح الفقه علما ذا قواعد وأصول بعد أن كان مسائل مبعثرة لا ألفة بينها ولا ارتباط، حتى الذين كانوا يقفون عند المروي من السنة ويهابون التكلم بالرأي، انتهى الأمر بكثير منهم إلى الآخذ بالرأي تحت اسم القياس والمصالح المرسلة، كما يظهر ذلك من مراجعة كتب المذاهب الأربعة وغيرها.
وقدكان لأبي حنيفة أصحاب أجلاء، أخذوا العلم عنه وشاركوه في الرأي والاستنباط، ونمت بهم مسائل مذهبه وكثرت، وقد امتزجت أقوالهم بأقوال إمامهم، وسميت جملة ذلك مذهب أبي حنيفة مع أنها خليط من آرائه وآراء تلاميذه، ولم يفكر أحد منهم في الانفصال من أستاذه، كما انفصل الشافعي عن
стр. 242
أستاذه مالك بن أنس، وكما انفصل أحمد عن أستاذه الشافعي. ومن أشهر أصحاب أبي حنيفة صاحباه: أبو يوسف، ومحمد بن الحسن.
فأما أبو يوسف، فهو يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، ولد سنة ١١٣هـ، وتوفي سنة ١٩٣هـ. وكان يشتغل أولا برواية الحديث، ثم اتصل بأبي حنيفة، فكان أكبر أصحابه وأفضل معين له. وله كتاب الخراج في نظام الأموال والضرائب، وقد طبع أكثر من مرة. وهو الذي نشر مذهب أبي حنيفة؛ لأنه كان قاضي القضاة في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد. فكان لا يولي قاضيا إلا كان على مذهب أبي حنيفة.
وأما محمد بن الحسن، فقد ولد سنة ١٣٢هـ، وتوفي سنة ١٨٩هـ، نشأ بالكوفة وكان يحضر مجلس أبي حنيفة وهو صغير، وكان أبو حنيفة يتوسم فيه النباهة والذكاء، ولكن أبا حنيفة توفي وهو صغير السن؛ فأتم دراسته على أبي يوسف، وهو الذي جمع مسائل فقه أبي حنيفة، وتولى كتابتها وأملاها في كتبه الستة المشهورة وهي الأصل المسمى: بمبسوط محمد، والجامع الكبير، والجامع الصغير، وكتاب السير الكبير وكتاب السير الصغير، والزيادات. وله كتب أخرى لم ترو عنه بالشهرة التي رويت بها الكتب الأولى، ولذا سميت بالنوادر. ولأبي يوسف كتب مروية عنه كذلك، وزيد على ذلك فيما يعد أجوبة الفتاوى لحوادث لم توجد لها أجوبة فيما نقل عن الأصحاب سميت: بالواقعات. وبذا صارت مسائل الفقه الحنفي مؤلفة من ثلاثة أنواع:
الأول: كتب ظاهر الرواية، وهو المرجع الذي يعتمد عليه في المذهب الحنفي.
والثاني: كتب النوادر، وهي في الرتبة الثانية.
والثالث: الواقعات، وهي في الرتبة الثالثة؛ لأنها تخريجات لمشايخ المذهب.
وقد انتشر المذهب الحنفي بقوة السلطان في بلاد المشرق بواسطة أبي يوسف كما أسلفنا وبإيثار الخلفاء العباسيين له في القضاء على غيره، وانتشر كثيرا ببلاد المغرب إلى قريب سنة "٤٠٠" حتى غلب على جزيرة صقلية "سيسليا"، وانتشر بمصر أيضا في أوائل الدولة العباسية، وزاحمه مذهب مالك، ومذهب الشافعي، وهو الآن منتشر في بلاد الهند بكثرة عظيمة جدا. وهو السائد على البلاد التركية،
стр. 243
وهو مرجع القضاء في مصر إلى الآن "انظر المادة "٢٨٠" من القانون رقم ٧٨ لسنة ١٩٣١"، وقد أدخلت بعض تغييرات قليلة من المذاهب الأخرى.
الإمام مالك:
هو مالك بن أنس الأصبحي أصله من اليمن؛ وقد كان أجداده أبو عامر من أصحاب رسول الله ﷺ .
ولد مالك سنة ٩٣هـ بالمدينة المنورة، وتوفي بها سنة ١٧٩هـ، ولم يرحل عن المدينة إلى غيرها من البلاد. وكان إماما في الحديث، وإماما في الفقه معا، وقد أجمع الناس على فضله وإمامته في كل منهما.
وكان اعتماده في فتواه على كتاب الله أولا ثم على السنة، ولكنه كان يقدم عمل أهل المدينة على خبر الواحد إذا كان مخالفا؛ وذلك لاعتقاده أن أهل المدينة توارثوا ما كانوا يعملون به عن سلفهم، وسلفهم توارثوه عن الصحابة، فكان ذلك أثبت عنده من خبر الواحد. ولكن الشافعي وبعض الأئمة خالفوه في هذا، بحجة أن كثير من السنة حمله بعض الصحابة معهم إلى الأمصار والبلدان المفتوحة التي رحلوا إليها واستقروا فيها، فليست السنة كلها محصورة في عمل أهل المدينة، بل بعضها والكثير منها موجود في غيرها، وعلى ذلك إذا صح الحديث عند هؤلاء أخذوا به سواء أكان موافقا لعمل أهل المدينة أم كان مخالفا له، على عكس مالك في هذا.
وبعد السنة يرجع مالك إلى القياس، ومما لا شك فيه أن كثيرا من مسائل مذهبه بني على المصالح المرسلة، حتى إنك لتجد بعض أحكام المسائل فيه تخصيص لعموم الكتاب بالمصلحة.
وقد تلقى الشافعي عنه الحديث وتفقه به، وحضر دروسه أهل مصر، وأهل المغرب، وأهل الأندلس، وانتفعوا به انتفاعا كبيرا، ونقلوا مذهبه، ونشروه في بلادهم، وكان هو المذهب السائد على بلاد الأندلس بواسطة أمير تلك البلاد كما نشر الخلفاء العباسيين مذهب أبي حنيفة.
ومذهب مالك الآن هو السائد على بلاد المغرب، وصعيد مصر، وبلاد السودان.
стр. 244
وقد طبعت المدونة التي هي أساس فقه مالك مرتين بمصر وهي منتشرة بها، وكذلك وضع الموطأ مجردا من الشرح، وطبع مشروحا بشروح مطولة وموجزة وهو منتشر عندنا بكثرة.
واقتبس المشرع المصري بعض أحكام من مذهب مالك لترجع إليها المحاكم الشرعية في مصر، وكذلك من مذهب الشافعي ابتداء من سنة ١٩٢٠م.
الإمام الشافعي:
هو محمد بن إدريس الشافعي القرشي، يلتقي نسبه مع النبي ﷺ في عبد مناف. ولد سنة ١٥٠هـ بمدينة غزة يتيما، ثم انتقلت به أمه إلى مكة، وتوفي بمصر سنة ٢٠٤هـ وضريحه بها مشهور.
وكان أبوه إدريس قد سافر إلى غزة في حاجة له هناك، وكانت أم الشافعي حاملا به، فتوفي والده إدريس هناك، وولد الشافعي بتلك المدينة فرجعت به أمه إلى مكة بعد سنتين من مولده؛ لأن مكة هي الوطن الأصلي لآباء الشافعي.
وقد حفظ الشافعي القرآن في صباه. ثم خرج إلى قبائل هذيل ببادية العرب، وكانوا من أفصح العرب، فاستفاد الفصاحة منهم، وحفظ كثيرًا من أشعارهم، وقد كان يضرب به المثل في الفصاحة.
وتفقه الشافعي بمكة على شيخ الحرم ومفتيه مسلم بن خالد، ثم رحل إلى المدينة بعد أن حفظ الموطأ وقرأه على مالك، وأخذ العلم عنه. فمالك هو الأستاذ الثاني للشافعي.
ثم سافر إلى العراق ثلاث مرات، والتقى في خلالها بأصحاب الإمام أبي حنيفة، وكانت له مناظرات مع محمد بن الحسن، ونشر بالعراق مذهبه القديم، ثم جاء إلى مصر سنة ١٩٨هـ، ونزل مدينة الفسطاط التي فيها جامع عمرو بن العاص، ونشر علمه بين المصريين، وكون مذهبه الجديد بمصر، واستمر يملي على تلاميذه ويفيدهم من علمه وفقهه إلى أن توفاه الله تعالى إليه سنة ٢٠٤ كما أسلفنا.
ومن إملائه كتاب الأم وهو كتاب جليل عظيم الفائدة. وقد طبع بمصر، وهو أساس مذهبه.
ومن مفاخر الشافعي ﵀ وضعه لعلم أصول الفقه، فقد كتب فيه
стр. 245
رسالته المعروفة، وبذلك ضبط طرق الاجتهاد واستنباط الأحكام، وابتعدت عن الفوضى بالقدر المستطاع: والشافعي هو الذي نشر مذهبه نفسه في العراق، وفي مصر. وقام بذلك تلاميذه بعده، فزاحم مذهب الحنفية ومذهب المالكية، وأصبحت له السيادة على ريف مصر "الوجه البحري" وعلى أكثر بلاد الشام، وبعض اليمن والحجاز وأواسط آسيا.
الإمام أحمد:
هو أحمد بن حنبل الشيباني المروزي، ولد بمدينة مرو١ سنة ١٦٤هـ وتوفي ببغداد سنة ٢٤١هـ.
وقد حمل إلى بغداد رضيعا، فلما شب تلقى الحديث عن أكابر المحدثين من أهل عضره؛ وتلقى عنه الحديث الأئمة العظام، منهم البخاري ومسلم.
وقد غلب عليه الاشتغال بالحديث، حتى لقب بإمام أهل السنة، وصنف مسنده المشهور في ستة مجلدات، وهو مطبوع بمصر.
وأخذ الفقه عن الإمام الشافعي، ولازمه مدة مقامه ببغداد، فهو تلميذ للشافعي في الفقه.
وهو من الأئمة المجتهدين، لكنه إلى الحديث أميل منه إلى الفقه، ولم يخرج مذهبه من حدود العراق إلا بعد القرن الرابع، ولم يظهر ظهورا بينا في مصر إلا في القرن السابع، وقد غلب على بغداد في القرن الرابع، وهو الآن المذهب السائد في البلاد النجدية، ويوجد في بعض أنحاء العراق والشام والحجاز؛ وله طلاب في الأزهر بمصر، ولكنهم قليلو العدد جدا بالنسبة لأتباع المذاهب.
وقد جمع بعض أصحاب الإمام أحمد أقواله وفتاويه في مجلدات لكننا لم نطلع عليها، ومن كتبه: كتاب المغني لابن قدامة في اثني عشر مجلدا، وهو مطبوع بمصر وهو من أجل وأعظم الكتب الفقهية، ويوجد غيره كالإقناع، والمقنع وشروحهما، والفروع، ودليل الطالب، وكل هذه الكتب مطبوعة بمصر.
стр. 246
٤- عهد التقليد:
هذا هو العهد الذي فترت فيه همم العلماء عن الاجتهاد المطلق، وعن الرجوع إلى المصادر التشريعية الأساسية لاستمداد الأحكام من نصوص القرآن، والسنة واستنباط الأحكام فيما لا نص فيه بأي دليل من الأدلة الشرعية، والتزموا اتباع ما استمدوه من الأئمة المجتهدين السابقين من الأحكام.
ابتدأ هذا العهد من منتصف القرن الرابع الهجري بالتقريب حين طرأت على المسلمين عدة عوامل: سياسية، وعقلية، وخلقية، واجتماعية أثرت في كل مظهر من مظاهر نهوضهم وأحالت نشاطهم التشريعي إلى فتور.
ووقفت حركة الاجتهاد والتقنين، وماتت في العلماء روح الاستقلال الفكري، فلم يردوا المعين الذي لا ينضب ماؤه وهو القرآن والسنة، بل راضوا أنفسهم على التقليد، ورضوا أن يكونوا عالة على فقه الأئمة السابقين: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأقرانهم، وحصروا عقولهم في دوائر محدودة من فروع مذاهب هؤلاء الأئمة وأصولها. وحرموا على أنفسهم أن يخرجوا عن حدودها، وبذلوا جهودهم في ألفاظ أئمتهم، وعباراتهم لا في نصوص الشارع ومبادئه العامة، وبلغ من ركونهم إلى أقوال أئمتهم أن قال أبو الحسن الكرخي من العلماء الحنفية: كل آية أو حديث يخالف ما عليه أصحابنا فهو مؤول أو منسوخ. وبهذا وقف التشريع عند ما وصل إليه أئمة العهد السابق، وقصر عن مسايرة ما يجد من التطورات، والمعاملات، والأقضية، والوقائع.
أسباب وقوف حركة الاجتهاد:
وأهم العوامل التي أدت إلى هذا الوقوف والتزام تقليد السابقين أربعة:
أولًا: انقسام الدولة الإسلامية إلى عدة ممالك يتناحر ملوكها وولاتها وأفرادها، فهذا الانقسام شغل ولاة الأمور بالحروب والفتن، واتقاء المكايد، وتدبير وسائل القهر والغلبة، وشغل الناس معهم، فدب الانحلال العام وفترت الهمم في العلوم والفنون، وكان لهذا الانحلال أثره في وقوف حركة التشريع.
وثانيًا: أنه لما انقسم الأئمة المجتهدون في العهد الثالث إلى أحزاب، وصار لكل حزب مدرسة تشريعية لها تزعتها وخطتها، عني تلاميذ كل مدرسة أو أعضاء
стр. 247
كل حزب بالانتصار لمذهبهم، وتأييد أصوله وفروعه بكل الوسائل. فتارة كان التأييد بإقامة البراهين على صحة ما ذهبوا إليه وبطلان ما خالفه، وتارة كان التأييد بالإشادة بزعمائهم ورءوسهم، وعد آيات نبوغهم ومقدرتهم. وهذا وذاك شغل علماء المذاهب وصرفهم عن الأساس التشريعي الأول وهو القرآن والسنة. وصار الواحد منهم لا يرجع إلى نص قرآني أو حديث إلا ليلتمس فيه ما يؤيد مذهب إمامه، ولو بضرب من التعسف في الفهم أو التأويل، وبهذا فنيت شخصية العالم في ضربيته وماتت روح استقلالهم العقلي، وصار الخاصة كالعامة أتباعا مقلدين.
وثالثا: أنه لما أهمل المسلمون تنظيم السلطة التشريعية، ولم يضعوا نظاما كفيلا بألا يجترئ على الاجتهاد إلا من هو أهل له، دبت الفوضى في التشريع والاجتهاد وادعى الاجتهاد من ليس أهلا له وتصدى لإفتاء المسلمين جهال عبثوا بنصوص الشريعة، وبحقوق الناس ومصالحهم، وبهذا تعددت الفتاوى وتباينت، وتبع هذا تعدد الأحكام في الأقضية؛ حتى كان القضاء يختلف في الحادث الواحد، في البلد الواحد فتستحل دماء وأموال في ناحية من نواحي المدينة، وتستباح من ناحية أخرى منها، وكل ذلك نافذ من المسلمين وكله يعتبر من أحكام الشريعة، فلما فزع من هؤلاء العلماء حكموا في أواخر القرن الرابع بسد باب الاجتهاد، وتقييد المفتين والقضاة بأحكام الأئمة السابقين، فعالجوا الفوضى بالجمود.
ورابعًا: أن العلماء فشت فيهم أمراض خلقية، حالت بينهم وبين السمو إلى مرتبة الاجتهاد، فقد فشا بينهم التحاسد والأنانية، فكانوا إذا طرق أحدهم باب الاجتهاد، فتح على نفسه أبوابًا من التشهير به، وحط أقرانه من قدره، وإذا أفتى في واقعة برأيه، قصدوا إلى تسفيه رأيه تفنيد ما أفتى به بالحق والباطل، فلهذا كان العالم يتقي كيد زملائه وتجريحهم بأنه مقلد وناقل، لا مجتهد ومبتكر، وبهذا ماتت روح النبوغ ولم ترفع في الفقه رءوس وضعفت ثقة العلماء بأنفسهم وثقه الناس بهم، فولوا وجههم مذاهب الأئمة السابقين.
جهود العلماء التشريعية في هذا العهد:
ولكن هذه العوامل التي قعدت بالعلماء عن الاجتهاد المطلق؛ واستمداد الأحكام الشرعية من مصادرها الأولى، لم تقعدهم عن بذل جهود تشريعية في دوائرهم المحدودة. ولهذا قسم العلماء كل مذهب إلى طبقات.
стр. 248
الطبقة الأولى: أهل الاجتهاد في المذهب:
وهؤلاء لا يجتهدون في الشرع اجتهادًا مطلقًا، وإنما يجتهدون في الوقائع على أصول الاجتهاد التي قررها أئمتهم، وقد يخالف الواحد منهم مذهب زعيمه في بعض الأحكام الفرعية، ومن هؤلاء الحسن بن زياد في الحنفية، وابن القاسم وأشهب في المالكية، والبويطي والمازني في الشافعية، فهؤلاء قادرون على استمداد الأحكام الشرعية من مصادرها الأولى، ولكنهم ألزموا أنفسهم أن يكون استمدادهم على وفاق استمداد أئمتهم وأساسهم هو أساسهم. ومن الخطأ أن يعد من هذه الطبقة أبو يوسف ومحمد بن الحسن، وزفر أصحاب أبي حنيفة؛ لأن هؤلاء من أهل الاجتهاد المطلق في الشرع، ولهم آراء مستقلة ومنزلتهم من أبي حنيفة منزلة الشافعي من مالك، ومنزلة أحمد من الشافعي إلا أنهم مزجوا مذهبهم بمذهب زعيمهم، وأطلق على مجموعها اسمه، ولو أراد كل واحد منهم لكان له مذهب مستقل.
الطبقة الثانية: أهل الاجتهاد في المسائل التي لا رواية فيها عن إمام المذهب
وهؤلاء لا يخالفون الأئمة في أحكام فرعية ولا في أصول اجتهادية، وإنما يستنبطون أحكام المسائل التي لا رواية فيها حسب أصول أئمتهم، وبالقياس على فروعهم كالخصاف، والطحاوي، والكرخي من الحنفية، واللخمي وابن العربي وابن رشيد من المالكية، وأبي حامد الغزالي وأبي إسحاق الإسفراييني من الشافعية.
الطبقة الثالثة: أهل التخريج:
وهؤلاء لا يجتهدون في استنباط أحكام المسائل. ولكنهم لإحاطتهم بأصول المذهب ومأخذه يستخرجون علل أحكامه ومبادئها، وبهذا يقتصرون على تفسير قول مجمل من أقوال أئمتهم أو تعيين وجه معين لحكم يحتمل وجهين. فإليهم المرجع في إزالة الخفاء والغموض الذي يوجد في بعض أقوال الأئمة، وأحكامهم كالجصاص وأضرابه من علماء الحنفية.
стр. 249
الطبقة الرابعة: أهل الترجيح
وهؤلاء يوازنون بين ما روي عن أئمتهم من الروايات المختلفة، ويرجحون بعضها على بعض من جهة الرواية أو من جهة الدراية فيقولون: هذا أصح رواية أو هذا أولى النقول بالقول، أو هذا أوفق للقياس أو أرفق بالناس. ومن هؤلاء: القدودي، وصاحب الهداية، وأضرابهما من علماء الحنفية.
الطبقة الخامسة: أهل التقليد المحض
ولكنهم يميزون بين النوادر وظاهر الرواية، بين القوي من الأدلة والضعيف، ومن هؤلاء أصحاب المتون المشهورة المعتبرة في مذهب أبي حنيفة، كصاحب الكنز والوقاية.
أسباب الخمود التشريعي:
فمن هذا يؤخذ أن جهود العلماء التشريعية في هذا العهد اتجهت إلى أقوال الأئمة وأحكامهم، وأنهم بدل أن ينظروا في النصوص الشرعية وتعليلها، والتوفيق بين مظاهر التعارض منها، واستنباط الأحكام منها، قصروا نظرهم على أقوال الأئمة وتعليلها والترجيح بين المتعارضات منها، وبعد أن كان المسلمون في العهد السابق فيهم عامة يقلدون، وأئمة يقلدون صاروا كلهم في العهد مقلدين، ونسي العلماء ما قاله أبو حنيفة فيمن سبقه، من الفقهاء: هم رجال ونحن رجال. وما قاله مالك بن أنس: ما من أحد إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا المعصوم ﷺ . وقول الشافعي: "إذا صح الحديث فهو مذهبي".
стр. 250
بوادر النشاط التشريعي الحديث:
في أواخر القرن الهجري الثالث عشر جمعت الحكومة العثمانية طائفة من كبار علمائها، وكلفتهم وضع قانون في المعاملات المدنية تكون مآخذه الفقه الإسلامي، ولو من غير المذاهب المعروفة متى كان الحكم المأخوذ يتمشى وروح العصر. وقد اجتمع هؤلاء العلماء وسنوا القانون الذي سمي مجلة الأحكام العدلية في سنة ١٢٨٦هـ، وصدر الأمر بالعمل به في سنة ١٢٩٢هجرية، وأخذوا فيه أحكام البيع بالشرط من مذهب ابن شبرمة وهذه أول ثغرة في خط التقليد المحض للمذاهب الأربعة. وفي مصر لما كثرت شكاوي الناس من التزام الحكم بمذهب أبي حنيفة في أحكام المحاكم الشرعية، خطت الحكومة المصرية في سنة ١٩٢٠ أولى الخطوات لتلافي هذه الشكاوي، وأصدرت القانون رقم ٥٢ لسنة ١٩٢٠ الذي اشتمل على بعض أحكام في الأحوال الشخصية تخالف مذهب أبي حنيفة، ولكنها لم تخرج عن مذاهب الأئمة الأربعة. وفي سنة ١٩٢٩م: خطت خطوة ثانية أبعد مدى من الأولى أكثر توفيقا، وأصدرت القانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩ الذي اشتمل على بعض أحكام في الأحوال الشخصية تخالف مذهب أبي حنيفة، ومذاهب سائر الأئمة الأربعة، ولكنها لم تخرج عن المذاهب الإسلامية. وفي سنة ١٩٣٦م: خطت خطوة ثالثة وكونت جماعة من كبار علماء الشرع والقانون، وكلفتهم وضع قانون شامل لأحكام الأحوال الشخصية وما يتفرع منها، والوقف، والمواريث، والوصية، وغيرها مما يدخل في اختصاص المحاكم الشرعية والمجالس الحسبية. على ألا تتقيد بمذهب دون مذهب بل تأخذ من آراء الفقهاء أكثرها ملاءمة لمصالح الناس والتطور الاجتماعي، وقد أتمت هذه الجماعة وضع مشروعات قانون المواريث، وقانون الوصية، وقانون الوقف، وصدرت فعلا هذه القوانين وصارت من قوانين الدولة المعمول بها الآن. وعسى أن نخطو الخطوة الرابعة، ونأخذ في سنن القوانين الشرعية التي تحقق مصالح الناس، وتساير روح العصر وتطوراته، بما لا يخالف نصا في القرآن والسنة الصحيحة، ولو لم تكن مأخوذة من مذاهب السابقين. وبهذا يبعث النشاط التشريعي الإسلامي من مرقده، ويحيا الفقه الإسلامي بالتطبيق العملي والدراسة المقارنة، وما ذلك على الله تعزيز.
وكما بدأنا بحمد الله نختم بحمد الله