← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1238

شركات العقد في الشرع الإسلامي

صالح بن زابن المرزوقي البقمي

Полный текст (187 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أوصاف وشروط المفاوضة التي سبق بيانها في المبحث الأول من هذا الفصل، إلاّ أنه ليس لها رأس مال حاضر عند العقد، وإنما يشتركون فيما يحصلون عليه بجاهم. أما المالكية والشافعية فهي غير جائزة عندهم بالصورة التي أجازها الحنفية والحنابلة. والصورة التي قال المالكية بعدم جوازها هي: ما إذا تعاقدا على أن يشتريا شيئاً غير معين بلا مال ينقدانه، يعني على اشتراء شيء بدين في ذمتهما على أن كلاً حميل عن الآخر، ثم يبيعانه وما حصل من ربح فبينهما، وقالوا إنما فسدت لأنها من باب تحمل عني وأتحمل عنك، وهو ضمان بجعل، وأسلفني وأسلفك، وهو سلف جر منفعة (١). وهذه الشركة فاسدة عندهم، ويسمونها شركة الذمم. والصورة التي قال الشافعية بعدم جوازها هي ما إذا عقدا الشركة على أن يشارك كل واحد منهما صاحبه في ربح ما يشتريه بوجهه، وهي عندهم شركة باطله (٢)، وهناك صورة أجازها المالكية، وصورة أخرى أجازها الشافعية. فالصورة التي أجازها المالكية، هي ما إذا «دخلا على شراء شيء معين وتساويا في التحمل، وهو بينهما إذا وقع على ما تعاقدا عليه من تساو أو غيره» (٣) والصورة الجائزة عند الشافعية هي: «ما إذا وكل كل واحد منهما صاحبه في شراء شيء بينهما، واشترى كل واحد منهما ما أذن فيه شريكه، ونوى أن يشتريه بينه وبين شريكه، دخل في ملكهما وصارا شريكين فيه، فإذا بيع قسم الثمن بينهما» (٤).

стр. 107

مدار الخلاف بين المانعين والمجيزين: هو أن المانعين وهم المالكية والشافعية يشترطون أن يكون ما سيشترى بالنسيئة معلوماً، كما أن المالكية ينصون على أن يقوم الشريكان بعقد الشراء جميعاً، أما الشافعية فإنهم يجيزونها إذا وكل أحدهما الآخر، ونوى المشتري الشراء لهما (١)، ولم يسموا هذه الصورة المستثناة شركة وجوه باصطلاحهم. أما الحنابلة والحنفية فلا يشترطون أن يتم الاتفاق على شراء شيء معين، وإنما يصح الاتفاق على ما سيشترى بدون تحديد، كما أنهم لا يشترطون أن يكون الشراء منهما جميعاً وإنما يصح من أحدهما، وبدون توكيل في شيء معين. الأدلة: استدل من أجاز شركة الوجوه بما يأتي: ١ - إنها تشتمل على شراء بالنسيئة، وتوكيل كل شريك صاحبه في البيع والشراء وكل منهما مشروع، والمصلحة تقتضيها، وليس فيها مفسدة (٢) ٢ - واستدل الحنفية على جوازها «بأن الناس يتعاملون بها في سائر الأمصار من غير إنكار من أحد، وهو إجماع (سكوتي)» (٣). وقد استدل المالكية على النوع الذي أجازوه من هذه الشركة «بعمل الماضين من السلف، وإن كانت علة المنع وهي الضمان بجعل والسلف بمنفعة موجودة» (٤).

стр. 108

واستدل الشافعية على النوع الذي أجازوه من هذه الشركة: «بأنها بدل مالهما» (١). الذي ثبت في الذمة. واستدل المالكية على الصورة التي منعوها بما يأتي: ١ - إنما فسدت لأنها من باب تحمل عني وأتحمل عنك وهو الضمان بجعل وأسلفني وأسلفك وهو سلف جر منفعة (٢). ٢ - أن الشركة إنما تعقد على المال أو على العمل، وكلاهما معدومان، مع ما في ذلك من الغرر، لأن كل واحد منهما عارض صاحبه بكسب غير محدود بصناعة ولا عمل مخصوص (٣). واستدل الشافعية على الصورة التي منعوها بما يأتي: أ- بأن المال المشترك في عقد الشركة الذي يرجع إليه عند انفساخ العقد مفقود فيها، فلهذا لا تصح هذه الشركة (٤). ب- ولأن كل ما يشتريه كل واحد منهما ملك له يتفرد به، فلا يجوز أن يشاركه غيره في ربحه (٥). مناقشة الأدلة: قول المالكية فيما أبطلوه من هذه الشركة أنه من باب تحمل عني وأتحمل عنك وهو ضمان بجعل غير مسلم، فكل ما تقضيه هذه الشركة هو التضامن بين

стр. 109

الشريكين في ثمن ما يشتريانه، وهو تعاون مشروع لا شيء فيه، وليس من باب الضمان بجعل، فكل منهما له ربحه على ما شرطا لا يأخذ من ربح شريكه شيئاً، وعليه خسارته وحده، وقولهم إنها من باب أسلفني وأسلفك وهو سلف جر نفعاً غير مسلم أيضاً، لأن أحدهما إذا دفع ثمن ما اشترياه فهو بحكم التضامن الذي اتفقا عليه في العقد، لا من باب أسلفني وأسلفك، ويوضح ضعف دليلهم أنهم أباحوا ما إذا كان المشترى معيناً، وهذا شامل له، فدليلهم ضعيف لعدم الاضطراد. وقولهم إن الشركة إنما تعقد على المال أو على العمل وكلاهما معدومان، يجاب عنه بأن الفقهاء لم يتشرطوا حضور رأس المال في هذه الشركة، لتعامل المسلمين بها من غير نكير، فالشركاء عقدوا على مال هو ما سيشترى بالنسيئة، لأنه محل الشركة والربح. ويناقش هذا الدليل بأن المالكية أجازوا شركة الأعمال مع أن العمل يأتي بعد العقد، ومثله العمل في شركة الوجوه. وقولهم العمل معدوم فيها غير دقيق، فهي لا تخلو من العمل؛ إذ إن عملية البيع والشراء تعد عملاً. ويرد على الشافعية في منعهم لشركة الوجوه بعدم وجود المال المشترك الذي يرجع إليه عند انفساخ العقد، بأنه ليس من شرطها أن يكون هناك مال حاضر عند العقد لما قدمنا، والمعول عليه عند الانفساخ هو إعطاء كل ذي حق حقه من الشركاء حسب ما اتفقوا عليه.

стр. 110

الترجيح: بعد استعراض الأدلة ومناقشتها يترجح جواز شركة الوجوه، وهو ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة، لأن الشريكين في شركة الوجوه يأخذان بضاعة بالدين، ويتفقان على بيعها، وعلى اقتسام ما ينتج عنها من أرباح أو خسائر، فما الذي يمنع من جوازها؟ وكما أنه يمكن لشخص أن يأخذ بضائع من التجار بالدين ويبيعها فإنه يمكن أن يشاركه فيها شخص آخر. كما أن فيها فتحاً لباب التجارة والربح أمام من لا مال له، ولأن الأصل في العقود الإباحة، ما لم يدل دليل على التحريم ولم يوجد ذلك.

стр. 111

الفصل الثاني: شركات الأعمال وفيه مبحثان: المبحث الأول: شركة الصنائع. المبحث الثاني: الشركة في المباحات.

стр. 112

المبحث الأول شركة الصنائع وتسمى بشركة الأبدان والأعمال، والصنائع، والتقبل. وهي: (أن يشتركا على عمل من الأعمال كالخياطة أو القصارة أو غيرهما، فيقولا اشتركنا على أن نعمل فيه على أن ما رزق الله من أجرة فهو بيننا على شرط كذا) (١). وهذه الشركة تعتمد على الجهد البدني أو الفكري، ويشترك فيها اثنان أو أكثر في عمل معين، أو في تقبل الأعمال، ويكون ما يكسبانه مشتركاً بينهما بحسب الاتفاق، فإذا اشترك كاتبان في عمل فكري ككتابة كتاب ونشره، أو اشترك طبيبان في فتح عيادة، أو اشترك خياطان في تقبل الخياطة، واتفقا على أن ما يكسبانه بينهما، كان ذلك شركة أعمال (٢). وجه التسمية: سمى هذا النوع من الشركة بشركة الأبدان، لأن المشتركين يعملون بأبدانهم، وبشركة الأعمال لأن المعقود عليه في هذه الشركة عمل المشتركين، وما تستلزمه في بعض الأحوال من مال يكون تابعاً للعمل، فالعمل هو أساس هذا النوع من الشركة، وبشركة الصنائع لأن أغلب المعقود عليه فيها هو الصنعة، وبشركة التقبل لأن ما يتقبله أحد الشركاء يلزم الآخر، أو لأن من صورها أن أحدهما يتقبل والآخر يعمل (٣).

стр. 113

حكمها: اتفق جمهور الفقهاء الحنفية والمالكية والحنابلة على جواز هذا النوع من الشركة في الجملة، واختلفوا في بعض صورها وفي بعض شروطها. وذهب الشافعي وابن حزم الظاهري إلى عدم جواز شركة الأبدان. أدلة الفريقين: استدل الجمهور القائلون بجواز شركة الأبدان بما رواه أبو داود عن أبي عبيدة عن عبد الله - يعني ابن مسعود - قال: اشتركت أنا وعمار وسعد فيما نصيب يوم بدر، قال فجاء سعد بأسيرين ولم أجيء أنا وعمار بشيء (١). وهذا الحديث صريح في الدلالة على جواز شركة الأبدان، ومثله لا يخفى على رسول الله ﷺ . واستدل الأحناف على جوازها بتعامل الناس بشركة الأبدان في سائر الأمصار من غير إنكار من أحد عليهم (٢)، وهو إجماع سكوتي متكرر الوقوع. أدلة المانعين: استدل المانعون لشركة الأبدان بما يلي: ١ - ما روته عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل». «وهذا الشرط ليس في كتاب الله تعالى فيكون باطلاً» (٣). ٢ - ولأن عمل كل واحد منهما ملك له يختص به فلم يجز أن يشاركه الآخر في بدله (٤).

стр. 114

ويؤيده قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ البقرة: ٢٨٦، فتختص كل نفس بكسبها، وهذا كله عموم في الدنيا والآخرة (١) ٣ - ولما فيها من الغرر؛ إذ لا يدري إن كان صاحبه يكسب أم لا (٢). مناقشة الأدلة: الرد على أدلة المجيزين: رد الشافعية والظاهرية على أدلة الجمهور بما يأتي: ١ - حديث أبي داود فيه انقطاع، لأن أبا عبيدة لا يذكر من أبيه شيئاً فهو حديث مرسل (٣). قال ابن حزم: «روينا من طريق وكيع عن شعبة عن عمرو بن مرة قال: قلت لأبي عبيدة: أتذكر من عبد الله شيئاً؟ قال: لا» (٤). ٢ - لو صح هذا الحديث لكان أعظم حجة، [يعني أعظم حجة لهم بعدم جواز شركة الأبدان]، لأنه لا يجوز أن ينفرد أحد من العسكر بما يصيب دون جميع العسكر (٥). ٣ - إن هذه الشركة لم تتم، ولا حصل لسعد ولا لعمار ولا لابن مسعود من ذينك الأسرين شيء، لأن حكم توزيع الغنائم نزل في نهاية معركة بدر (٦). الجواب على الرد: ١ - الحديث المرسل حجة عند جمهور الفقهاء، إذا كان المرسل ثقة، ولا يمنع العمل به إلاّ الإمام الشافعي ﵀ مع أنه يقبل بعض المراسيل بشروط،

стр. 115

ويمنع العمل به أيضاً الظاهرية، والمرسل في هذا الحديث هو أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، قال ابن حجر: «كوفي ثقة من كبار الطبقة الثالثة» (١)، وقد رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة، وذكره الشوكاني في نيل الأوطار. ٢ - القول بأنه لا يجوز أن ينفرد أحد من العسكر بشيء صحيح، ولكن هذا الحكم بعد نزول حكم الغنائم ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ الأنفال: ١، أما قبل ذلك فقد كان جائزاً، كما حصل بين سعد وعمار وابن مسعود، والحديث كان قبل نزول حكم الغنائم. ٣ - القول بأنها شركة لم تتم صحيح، ولكنه لا يدل على عدم جواز شركة الأبدان، فالمنسوخ من الحديث هو اشتراكهم فيما غنموا في الحرب، أما أصل الاشتراك في عمل مباح فدلالة الحديث باقية عليه. الرد على أدلة المانعين: قولهم: كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، المراد بكتاب الله حكم الله (٢)، وقد جاء في حكم الله جواز شركة الأبدان؛ حيث فهم من حديث ابن مسعود كما قدمنا، ولأن الأصل في التصرفات المالية الحل ما لم ينص على تحريمها، أو تتضمن محرماً. وقولهم: عمل كل واحد منهما ملك له يختص به، فلم يجز أن يشاركه الآخر في بدله، يقال لهم كذلك مال كل منهما ملك له يختص به مثل عمله، فلماذا أجزتم المشاركة في المال ومنعتموها في العمل؟

стр. 116

ويقال لهم أيضاً: محل الاختصاص في المال والعمل إذا لم تكن شركة، واشتراكهما في كسب العمل لا يعني أن أحدهما أخذ من الآخر ما كسبه، بل كل منهما أخذ من كسبهما ما يقابل عمله. وقوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (البقرة: ٢٨٦) يعني من الثواب والعقاب، بدليل شرع الشركات الأخرى، فإنها لا تخلو من عمل كما في شركة العنان، أو فيها عمل من جانب كما في المضاربة. وقولهم فيها غرر لأنه لا يدري أيكسب أم يخسر، يقال لهم كذلك في شركة العنان لا يدري أيكسب أم يخسر، مع أنكم أجزتموها. الترجيح: بعد مناقشة أدلة الفريقين، يترجح لي جواز شركة الأبدان، وهو رأي جمهور الفقهاء، وذلك لقوة أدلتهم، ولأنه ليس فيها مفسدة، بل فيها مصلحة، وهي توسيع لأبواب الاكتساب للذين ليست لهم أموال، ولأن العمل أحد جهتي المضاربة وهي جائزة اتفاقاً، فجاز أن تعقد عليه الشركة هنا كما في المضاربة. ومن صور هذه الشركة ما لو قال أحدهما: أنا أتقبل وأنت تعمل صحت الشركة، جعلاً لضمان المتقبل كالمال (١)، فلو اتفق مالك المصنع مع مهندس على أن يتقبل المالك الأعمال ويسلمها المهندس ليصلح عملها وقيمة العمل بينهما بالنصف أو نحو ذلك فهو جائز، لأن التقبل من صاحب المصنع عمل، وجعلاً لضمانه كالمال.

стр. 117

وقد اشترط المالكية في شركة الأعمال اتحاد الصنعة، كاشتراك حدادين، أو التلازم بين صنعتين أو أكثر عرفاً، كأن يشترك نساج وغزال، أو قصار وخياط، فإن اختلفت الصنعة كحداد ونجار فلا تجوز الشركة عندهم (١). أما اتحاد المكان فقد اختلف فقهاء المالكية في اشتراطه، فاشترط بعضهم اتحاد المكان، كأن يكونا في حانوت واحد، فإذا اختلف المكان لم تجز الشركة (٢). وذهب بعضهم إلى عدم اشتراط ذلك (٣). ولم يشترط الحنابلة والحنفية أياً من هذه الشروط، فتجوز عند اتحاد الصنعة، وعند اختلافها، ولا يشترط فيها التلازم، ولا اتحاد المكان (٤). وقد قسم الحنفية شركة الأعمال إلى قسمين: ١ - شركة مفاوضة: وهي أن يشترك العاملان في تقبل الأعمال، ولا يشترط اتحاد صنعتهم، ويكون كل منهما كفيلاً لصاحبه في ضمان العمل، وكل ما يلزم أحدهما من حقوق يلزم الآخر، ويتساويان في الأجر والدين، ويشترط أن يراعى لفظ المفاوضة أو معناها حين العقد (٥). ٢ - شركة عنان: ولا يشترط فيها عند الحنفية ما يشترط في شركة المفاوضة عندهم من أهلية الكفالة والتساوي في الأجر، وإنما يشترط لها أهلية الوكالة فقط (٦)، وقد مضى الكلام على شركة المفاوضة عند الحنفية. أما الحنابلة والمالكية فلا يقولون بهذا التقسيم.

стр. 118

ترتب الضمان على الشركاء في شركة الأعمال: اتفق الفقهاء القائلون بجواز شركة الأبدان وهم الحنفية والمالكية والحنابلة على أنه يترتب الضمان على الشركاء في شركة الأبدان. فإذا قبل أحد شريكي العمل عملاً. فإنه يلزمه ويلزم شريكه أن يعملاه؛ إذ لا يشترط في شركة العمل أن يعقدا معاً، حتى إن لصاحب السلعة التي يريد أن تصنع، أو تصلح له كالسيارة، أن يطالب الشريك الذي لم يتفق معه بعمل شريكه، وللشريك الذي لم يتقبل العمل أن يطالب رب السيارة بالأجرة، ويبرأ الدافع بدفع الأجرة إليه (١). وإن تلفت الأجرة في يد أحدهما من غير تفريط، فهي من ضمانهما، تضيع عليهما، لأن كل واحد منهما وكيل الآخر في المطالبة والقبض (٢). وضمان كل منهما عمل ما تقبله الآخر، ومطالبة كل بأجرة الآخر، وبراءة الدافع إليه بالأجرة، لأن شركة الصنائع مقتضية للضمان، لأنها تضمنت توكيل تقبل العمل، فكان العمل بالضرورة مضموناً على الآخر، ولذا استحق من الأجرة بعض ما سمي للآخر بسبب نفاذ تقبله عليه (٣). أما ما يتلف من الأعيان، أو الأجرة، بتعدي أحدهما أو تفريطه، أو تحت يده على وجه يوجب الضمان عليه كمنع، أو جحود، فالتالف عليه وحده، لانفراده بما يوجب الضمان.

стр. 119

وإن أقر أحدهما بما في يده من الأعيان قبل إقراره عليه وعلى شريكه، لأن اليد له فيقبل إقراره بما فيها، بخلاف إقراره بما في يد شريكه (١). وإن مرض أحد الشريكين، أو ترك العمل ولو بلا عذر فالكسب بينهما على ما شرطاه، لأن العمل مضمون عليهما، وبضمانهما له وجبت الأجرة، فتكون لهما، ويكون العامل منهما عوناً لصاحبه في حصته، ولا يمنع ذلك استحقاقه، كمن استأجر رجلاً ليصلح له عربته فاستعان بآخر (٢). وقال المالكية: ذلك إذا كانت غيبته، أو مرضه، قريبين، وإلاّ لم يلزمه، ولم يضمن (٣). القريبين اليومين والثلاثة. وإن طالب الصحيح المريض، أو الحاضر الغائب أن يقيم مقامه من يعمل معه لزمه ذلك، لأنهما دخلا على أن يعملا فإذا تعذر عمل أحدهما بنفسه لزمه أن يقيم مقامه من يقوم بعمله، توفية لما يقتضيه العقد (٤).

стр. 120

المبحث الثاني الشركة في المباحات معناها: أن يتفق اثنان أو أكثر على أن يعملوا في إحراز المباحات، كالاحتشاش والاحتطاب، والاصطياد في البراري أو من البحر؛ كإنشاء شركة أسماك ونحو ذلك، فما أحرزوه يكون شركة بينهم، وهي بهذا المعني من شركة الأبدان. حكمها: قال الحنابلة والمالكية: بجواز الشركة في المباحات (١). وقال الحنفية: لا تجوز الشركة فيها (٢). الأدلة: استدل الحنابلة والمالكية بحديث ابن مسعود وسعد وعمار السابق؛ حيث كانت غنائم بدر من قبيل المباحات، وذلك قبل أن يشرك الله بينهم. واستدل الأحناف بأن الشركة تتضمن معنى الوكالة، والتوكيل في أخذ المال المباح باطل، لأن أمر الموكل به غير صحيح، والوكيل يملكه بدون أمره، فلا يصلح نائباً عنه، وإنما يثبت الملك لهما بالأخذ، وإحراز المباح، فإن أخذاه معاً فهو بينهما نصفان، لاستوائهما في سبب الاستحقاق، وإن أخذه أحدهما ولم يعمل الآخر شيئاً فهو للآخذ، وإن عمل أحدهما وأعانه الآخر في عمله فللمعين أجر المثل بالغاً ما بلغ عند محمد، وعند أبي يوسف لا يجاوز نصف ثمن ذلك (٣).

стр. 121

جاء في المبسوط: «المباح لا يجوز أن يتملك بعقد الإجارة، وإنما يتملك بالإحراز» (١). الترجيح: يترجح جواز الشركة في المباحات، لحديث سعد وعمار وابن مسعود، وسبق أن تم بيان صحة الاحتجاج به، ودلالته على المقصود، ولأنهما يشتركان في كسب مباح فصح، كما لو اشتركا في الخياطة والقصارة، وإذا قلنا المباح لا يملك بعقد الإجارة، فإنه سوف تتعطل كثير من مصالح المسلمين، لأنه ليس كل إنسان يستطيع أن يحرز المباح بنفسه، وإنما يحرزه بمن يؤجرهم على إحرازه، ولذا فإنه تجوز الشركة في المباحات، كما تجوز الإجارة على جمع المباح.

стр. 122

الفصل الثالث شركات الأموال والأعمال وفيه مبحثان: المبحث الأول: شركة المضاربة. وفيه مطلبان: المطلب الأول: في التعريف بشركة المضاربة، ومشروعيتها وأركانها، وشروطها. المطلب الثاني: في أحكام شركة المضاربة. المبحث الثاني: في شركة المفاوضة.

стр. 123

المبحث الأول شركة المضاربة المطلب الأول: معناها في اللغة: وهي مأخوذة من الضرب في الأرض، وهو السفر فيها للتجارة، قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (المزمل: ٢٠). والمضاربة أن تعطي إنساناً من مالك ما يتجر فيه على أن يكون الربح بينكما، أو يكون له سهم معلوم من الربح (١)، ويحتمل أن تكون من ضرب كل واحد منهما في الربح بسهم، وهي تسمية أهل العراق. ويسميها أهل الحجاز القراض، قيل هي مشتقة من القرض بمعنى القطع، يقال قرض الفأر الثوب إذا قطعه، فكأن صاحب المال اقتطع من ماله قطعة وسلمها إلى العامل، واقتطع له قطعة من الربح، وقيل اشتقاقها من المساواة والموازنة، يقال تقارض الشاعران إذا وازن كل واحد منهما الآخر بشعره، وههنا من العامل العمل ومن الآخر المال فتوازنا (٢). معناها اصطلاحاً: «هي أن يدفع رجل ماله إلى آخر ليتجر له فيه، على أن ما يحصل من الربح يكون بينهما حسب ما يشترطانه» (٣). فهذا النوع من الشركة تتمثل فيه الأموال والأعمال، لأن المال من جانب، والعمل من جانب آخر، والاشتراك بينهما يكون في الربح فقط، ويسمى دافع المال رب المال، ويسمى العامل المضارب أو المقارض.

стр. 124

دليل مشروعيتها: من السنة: ما رواه الإمام مالك، عن زيد بن أسلم عن أبيه، أنه قال: خرج عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب في جيش إلى العراق، فلما قفلا مرا على أبي موسى الأشعري، وهو أمير البصرة، فرحب بهما وسهل، ثم قال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت، ثم قال: بلى، هاهنا مال من مال الله أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين فأسلفكماه، فتبتاعان به متاعاً من متاع العراق، ثم تبيعانه بالمدينة، فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين، ويكون الربح لكما، فقالا: وددنا ذلك، ففعل وكتب إلى عمر بن الخطاب، أن يأخذ منهما المال، فلما قدما باعا فأربحا، فلما دفعا ذلك إلى عمر، قال: أكل الجيش أسلفه مثل ما أسلفكما؟ قالا: لا، فقال عمر بن الخطاب: أبناء أمير المؤمنين فأسلفكما، أديا المال وربحه، فأما عبد الله فسكت، وأما عبيد الله فقال: ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين هذا، لو نقص هذا المال أو هلك لضمناه، فقال عمر: أدياه، فسكت عبد الله، وراجعه عبيد الله، فقال رجل من جلساء عمر: يا أمير المؤمنين، لو جعلته قراضاً، فقال عمر: قد جعلته قراضاً، فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه، وأخذ عبد الله وعبيد الله، أبنا عمر بن الخطاب، نصف ربح المال (١). وجه دلالة هذا الحديث: هو قول أحد جلساء عمر، لو جعلته قراضاً، وقول عمر ﵁، قد جعلته قراضاً، فهذان القولان يدلان على أن القراض كان معروفاً لدى الصحابة رضوان الله عليهم، وأنه كان جائزاً شرعا، تم تطبيقه في هذه الحادثة، حيث أخذ عمر ﵁ رأس المال ونصف الربح، وأخذ عبد الله وعبيد الله نصف الربح، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة.

стр. 125

٢ - ما رواه مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن جده أن عثمان بن عفان أعطاه مالاً قراضاً يعمل فيه، على أن الربح بينهما (١). وقد وردت آثار كثيرة عن جماعة من الصحابة تفيد جواز المضاربة، منها، ما أورده الشوكاني في نيل الأوطار، عن حكيم بن حزام صاحب رسول الله ﷺ أنه كان يشترط على الرجل إذا أعطاه مالاً مقارضة يضارب له به أن لا تجعل مالي في كبد رطبة، ولا تحمله في بحر، ولا تنزل به بطن مسيل، فإن فعلت شيئاً من ذلك فقد ضمنت مالي. رواه الدار قطني، وأخرجه البيهقي، وقوى الحافظ اسناده (٢). وعن عمر عند الشافعي في كتاب اختلاف العراقيين أنه أعطى مال يتيم مضاربة، وأخرجه أيضاً البيهقي وابن أبي شيبة (٣). الإجماع: وقد أجمع المسلمون على جواز هذا النوع من المعاملة، نقله ابن المنذر (٤) قال ابن حزم: «أقر رسول الله ﷺ ذلك في الإسلام، وعمل به المسلمون عملاً متيقناً لا خلاف فيه» (٥). وفي بدائع الصنائع: وعلى هذا تعامل الناس من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا في سائر الأعصار من غير إنكار من أحد، وإجماع أهل كل عصر حجة (٦).

стр. 126

المعقول: ولأن الحاجة ماسة إلى شرعها، فمن الناس من يملك المال ولا يحسن العمل بالاتجار فيه، ومن الناس من يحسن التجارة ولكن لا مال له، فكانت الحاجة ماسة إلى أن يستعين الأول في تنمية ماله، بعمل الثاني وخبرته فيه، فكان جوازها محققاً للمصلحة. أركان المضاربة وشروطها: أركان شركة المضاربة هي الأركان العامة للشركة، التي سبق أن تكلمنا عنها، وسنبحث هنا ما يحتاج إلى زيادة بحث من هذه الأركان. أركان الشركة هي: العاقدان، والصيغة، والمحل. العاقدان: وهما رب المال والمضارب، ويشترط في رب المال أو من يعقد عنه أهلية التوكيل، ويشترط في المضارب أهلية الوكالة، وقد تناولنا أهلية عاقد الشركة فيما سبق. وكما تجوز شركة المضاربة منفردة، وهي أن يكون رب المال واحداً والمضارب واحداً، يجوز أن يتعدد كل من الطرفين أو أحدهما. الصيغة: وهي الإيجاب والقبول، وتنعقد المضاربة بكل لفظ يدل عليها، كضاربتك أو قارضتك أو عاملتك أو نحو ذلك، ثم يوجد من الآخر ما يدل على قبوله، ولو قال رب المال ضاربتك بهذه النقود، وهي ألف ريال ثم أخذها المضارب، انعقدت المضاربة ولو لم يتلفظ بالقبول.

стр. 127

المحل: ومحل شركة المضاربة يتكون من رأس المال والعمل، ورأس المال من رب المال، والعمل من المضارب، وقد سبق الكلام في رأس المال بما يكفي. العمل: المقصود من العمل هو التجارة من بيع وشراء، وما تستلزمه من عمل عرفاً، ويختلف باختلاف نوع التجارة التي يمارسها العامل. والمضاربة بالنسبة لتصرف المضارب إما أن تكون مطلقة أو مقيدة، والمطلقة هي أن يدفع رب المال مضاربة من غير تعيين العمل أو المكان، أو تحديد صلاحيات المضارب بأي شرط من الشروط، وإنما يجعل الأمر موكولاً إليه. والمقيدة: ما تتقيد بشيء مما تقدم. وتصرف المضارب في المضاربة المطلقة على مراتب: ١ - ما فوض فيه رب المال إلى رأي المضارب أن يعمله، كأن يقول اعمل فيها برأيك، فله التصرف بما يراه من المصلحة مما يحتمل أن يلحق بأعمال التجارة، كأن يخلط مال المضاربة بماله، وكذا المشاركة به وهو مذهب الحنابلة والحنفية والمالكية والثوري، لأنه قد يرى الخلط أو المشاركة أصلح له، فيدخل في قوله اعمل برأيك فيملكها (١) وقال الشافعية ليس له ذلك إلاّ بإذن رب المال (٢).

стр. 128

٢ - ما يجوز للمضارب أن يعمله من غير حاجة إلى التنصيص عليه، في المضاربة المطلقة، فله أن يتصرف بكل ما تتناوله التجارة عادة، من البيع والشراء، واستئجار البيوت وإعطاء الأجرة، والإيداع (١)، ونحو ذلك مما جرى العرف بأن للمضارب حق التصرف فيه، وهذا إذا لم ينص رب المال على منع المضارب منه. ٣ - ما ليس للمضارب أن يعمله إلاّ بإذن رب المال، كالاستدانة على مال المضاربة، وكالإقتراض من مالها، لأن القرض تبرع في الحال، ومال الغير لا يحتمل التبرع (٢). ومثل أن يعطي المضارب مال المضاربة إلى آخر ليضارب به، فلا يجوز ذلك إلاّ بإذن رب المال، نص عليه أحمد في رواية الأثرم وحرب وعبد الله، ويكون العامل الأول وكيلاً لرب المال في ذلك، ولا يكفي لذلك قول رب المال للمضارب أعمل برأيك، لأن قوله أعمل برأيك يعني في كيفية المضاربة والبيع والشراء، وأنواع التجارة، وهذا يخرجه عن المضاربة، فلا يتناوله إذنه (٣). وقيل: إنه إذا قال رب المال اعمل برأيك، أو بما أراك الله، جاز له دفعه مضاربة، لأنه قد يرى أن يدفعه إلى أبصر منه، وهو مذهب الحنفية (٤). ولم يجز الشافعية للمضارب أن يضارب آخر ليشاركه في العمل والربح، وفي صحته بإذن رب المال خلاف عندهم (٥).

стр. 129

أما المقيدة فعمل المضارب فيها غير مطلق، لأنه يجوز تقييد المضاربة بشروط مفيدة، لقوله ﷺ : المسلمون عند شروطهم إلاّ شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً. وتفصيل هذا الموضوع يأتي في الشروط في المضاربة. وكما أن أركان المضاربة هي أركان الشركة، فكذلك شروطها هي شروط الشركة، وقد ذكرناها هناك فلا نعيدها. أما الشروط في المضاربة، وهي التي يشترطها المتعاقدان أو أحدهما في عقد المضاربة فمنها ما هو صحيح، ومنها ما هو فاسد. فالصحيح هو الذي يقتضيه العقد أو يلائمه ولم يرد الشرع بتحريمه، مثل أن يشترط على العامل ألا يسافر بالمال أو لا يتجر إلاّ في بلد بعينه، أو نوع بعينه، غير نادر الوجود. ويجب على المضارب تنفيذ الشروط الصحيحة التي يشترطها رب المال، فإن تعدى ما أمر به رب المال فإنه يرد المال وربحه ولا شيء له في نظير عمله كالغاصب، وهذا مذهب الحنابلة (١)، وقال المالكية: يضمن هلاك المال أو تلفه إلاّ الخسر، أما إذا نهاه عن شراء سلعة عينها له، فيضمن الخسر أيضا (٢). أما لو اضطر لعدم المندوحة لاقتحام ما نهي عنه فلا ضمان (٣) الشروط الفاسدة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما يؤدي إلى جهالة الربح: مثل أن يشترط للمضارب جزءاً من الربح مجهولاً، لم تصح المضاربة (٤)، أو ربح نوع من أنواع التجارة التي يعمل فيها، أو

стр. 130

ربح بعض المال دون البعض الآخر، أو ما يربح في هذا الشهر، أو يشترط جزءاً مجهولاً من الربح لأجنبي، فهذه شروط فاسدة يفسد بها العقد (١)، لأنها تفضي إلى جهل حق كل واحد منهما من الربح، أو إلى فواته على أحدهما، ومن شرط المضاربة كون الربح معلوماً. الثاني: ما ينافي مقتضى العقد: مثل أن يشترط لزوم المضاربة، أو لا يبيع إلاّ برأس المال، أو أقل، أو لا يبيع إلاّ ممن اشترى منه، أو أن يوليه ما يختاره من السلع، أو شرط على الشريك أو المضارب ضمان المال إن تلف بلا تفريط ولا تعد منه، أو شرط أن عليه من الوضيعة أكثر من قدر ماله، أو نحو ذلك، فهذه شروط فاسدة، لأنها تفوت المقصود من المضاربة، وهو الربح، أو تمنع الفسخ الجائز بحكم الأصل. الثالث: اشتراط ما ليس من مصلحة العقد: مثل أن يشترط على المضارب المضاربة له في مال آخر، أو يأخذه بضاعة، أو قرضاً، أو أن يخدمه في شيء بعينه، أو يشترط على المضارب أن ما يريد بيعه فهو الأحق بشرائه بثمنه. فما يعود بجهالة الربح، أو احتمال انقطاعه يفسد المضاربة بلا نزاع (٢). ويترتب عليه فسخ المضاربة، لأن الفساد لمعني في العوض المعقود عليه فأفسد العقد، إلاّ أنه عند المالكية لا يترتب عليه فسخها، وإنما تستمر وللمضارب ربح مثل المال فيه (٣).

стр. 131

أما الشروط الفاسدة الأخرى فإنها لا تفسد المضاربة وإنما يفسد الشرط ويلغو دون العقد، وهو مذهب الحنفية والصحيح من مذهب الحنابلة (١)، وذكر القاضي وأبو الخطاب رواية أخرى: [أن شروط ما ينافي مقتضى العقد] تفسد العقد (٢)، واحتج القائلون بعدم الفساد بحديث عائشة ﵂ قالت: جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ فَقالَتْ: كَاتَبْتُ أهْلِي علَى تِسْعِ أوَاقٍ، في كُلِّ عَامٍ وقِيَّةٌ، فأعِينِينِي، فَقُلتُ: إنْ أحَبَّ أهْلُكِ أنْ أعُدَّهَا لهمْ، ويَكونَ ولَاؤُكِ لي فَعَلْتُ، فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إلى أهْلِهَا، فَقالَتْ لهمْ فأبَوْا ذلكَ عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ مِنْ عِندِهِمْ ورَسولُ الله ﷺ جَالِسٌ، فَقالَتْ: إنِّي قدْ عَرَضْتُ ذلكَ عليهم فأبَوْا إلَّا أنْ يَكونَ الوَلَاءُ لهمْ، فَسَمِعَ النبيُّ ﷺ ، فأخْبَرَتْ عَائِشَةُ النبيَّ ﷺ ، فَقالَ: خُذِيهَا واشْتَرِطِي لهمُ الوَلَاءَ، فإنَّما الوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ، فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ، ثُمَّ قَامَ رَسولُ الله ﷺ في النَّاسِ، فَحَمِدَ الله وأَثْنَى عليه، ثُمَّ قالَ: أمَّا بَعْدُ، ما بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا ليسَتْ في كِتَابِ الله، ما كانَ مِنْ شَرْطٍ ليسَ في كِتَابِ الله فَهو بَاطِلٌ، وإنْ كانَ مِئَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ الله أحَقُّ، وشَرْطُ الله أوْثَقُ، وإنَّما الوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ. متفق عليه (٣). فدل الحديث الشريف على أن الشروط التي تخالف مقتضى العقد، فاسدة بنفسها، غير مفسدة للعقد، ولأنه شرط لا يلائم المضاربة، وهو شرط بلا مقابل، ولا مصلحة فيه، وهو المنصوص عن الإمام أحمد في أظهر الروايتين عنه (٤)، إلاّ أن الشافعية والمالكية قد زادوا في الشروط الفاسدة التي يفسد بها العقد ما إذا كانت هذه الشروط تنافي مقتضى العقد، أو تخل بمقصود الشركة كما يلي:

стр. 132

أ- كأن شرط رب المال على العامل الاحتراف بجانب التجارة، مثل لو قارضه ليشتري حنطة فيطحن ويعجن ويخبز ويبيع ذلك، أو يشتري غزلاً ينسجه ويبيعه، أو اشترط أن يخيط ثياب التجارة، أو يخرز جلودها، أو اشترط عليه أن يزرع، لا أن ينفق المال في الزرع من غير أن يعمل بيده، فسد القراض في هذه الصور عندهم، لأن العامل في هذه الصور ليس متجراً بل محترفاً، والاحتراف ليس من وظيفة المضارب (١). ب- كأن يضيق رب المال على العامل في التصرف: مثل أن يشترط عليه شراء متاع معين كهذه السيارة، أو هذا القطار، أو شرط عليه معاملة شخص بعينه كلا تبع إلا لمحمد، أو لا تشتري إلاّ من عمر، وذلك لإخلاله بالمقصود، لأن المتاع المعين قد لا يربح، والشخص المعين قد لا يعامله (٢). وكاشتراط يده مع العامل في البيع أو الشراء، أو مشاورته، أو اشترط أميناً عليه، فهذا كله يفسد العقد لما فيه من التحجير على تصرفات المضارب، لأنه يخل بكمال التسليم إليه (٣). أما اشتراط الاتجار فيما يندر وجوده كالخيل البلق، والياقوت الأحمر، والخز الأدكن، فقال الشافعية: يفسد العقد لأنه قد لا يجده، وقال المالكية: فاسد ولكن لا يترتب عليه فسخ العقد. عمل رب المال مع المضارب: ذهب جمهور الفقهاء الحنفية والشافعية والمالكية وبعض الحنابلة إلى أنه يشترط ابتداءً وبقاءً تسليم رأس المال إلى المضارب، بحيث لا يبقى لرب المال أو غيره يد

стр. 133

عليه مطلقاً، فلا تصح المضاربة إذا أعطى رأس المال لأمين آخر غير المضارب، وكذلك لا تصح إذا اشترط رب المال أن يعمل المضارب في رأس المال (١)، لأن هذا الشرط ينافي مقتضى العقد، ولأن المضاربة مال من طرف وعمل من طرف آخر، فوجب تسليم المال إلى العامل حتى يقدر على التصرف فيه، فإذا أخل بشرط تسليم المال إلى المضارب كانت المضاربة فاسدة. أما إذا لم يشترط عمل رب المال مع المضارب، ثم استعان المضارب برب المال، أو سلمه برضائه رأس المال، أو بعضه، جاز، لأنه من باب الاستعانة، فكما أن للمضارب حق الاستعانة بالأجنبي فله الحق في الاستعانة برب المال الذي هو أشفق على ماله من الأجنبي (٢). ومذهب الحنابلة جواز اشتراط عمل رب المال مع المضارب، وقالوا: هو منصوص عن الإمام أحمد في رواية أبي الحارث (٣). ولكن الذي فهمه القاضي أبو يعلى من كلام الإمام أحمد هو جواز عمل رب المال مع المضارب إذا لم يكن عمله مشروطاً، وهو ما ينبغي حمله عليه، لأن اشتراط عمل رب المال مع المضارب شرط ينافي مقتضى العقد، والإمام أحمد لا يقول بما ينافي مقتضى العقد. توقيت المضاربة: من القيود التي يمكن أن توضع في عقد المضاربة هو توقيتها بمدة معينة، وقد اختلف الفقهاء في جواز توقيت المضاربة، فذهب الحنابلة والحنفية إلى جواز

стр. 134

توقيتها بمدة معينة كسنة أو سنتين، أو نحو ذلك، وتنتهي بانتهائها المضاربة (١)، وذلك بناءً على أنها تتضمن الوكالة، والوكالة تقبل التوقيت (٢). وفائدة التوقيت هو انفساخ الشركة بانتهاء الوقت، إذا كان مالها حين انتهاء الوقت قد أصبح نقوداً، والتوقيت لا يمنع فسخ العقد قبل مضي الوقت، لأن المضاربة عقد غير لازم. وذهب الشافعية والمالكية وابن حزم إلى أنه لا يجوز توقيتها، فإذا أقتت فسدت، لأن الربح ليس له وقت معلوم، ولأن تلك المدة قد لا يروج فيها شيء (٣)، ولأن فيه تضييقاً على العامل يدخل عليه مزيد غرر، لأنه ربما بارت عنده سلع فيضطر عند بلوغ الأجل إلى بيعها فيلحقه في ذلك ضرر (٤). الترجيح: الراجح هو القول بجواز التوقيت؛ إذ ربما كان للعاقدين مصلحة فيه، وإذا انتهت المدة ووجدا من المصلحة امتداد العقد فإنهما يستأنفان عقده، كما أنه ليس ضرورياً أن تكون المضاربة رابحة، فهي معرضة للربح وللخسارة، وقولهم فيه غرر، غير مسلم، لأن التوقيت أبعد عن الغرر من عدم التوقيت. والقول بأنه ربما يضطر عند بلوغ الأجل إلى بيعها فيلحقه في ذلك ضرر، يقال بأنه يحق له الانتظار إلى أوان أسواق السلع، ولكن ليس له المقايضة بسلعة أخرى باتفاق الأئمة الأربعة (٥).

стр. 135

المطلب الثاني: أحكام المضاربة. الحكم الأول: الشركة في الربح، والخسارة على رب المال. الحكم الثاني: المضارب حر في تصرفاته، إلاّ ما يتنافى ومصلة المضاربة. الحكم الثالث: المضارب وكيل، وأمين. الحكم الرابع: نفقة المضارب الخاصة به. الحكم الأول: الشركة في الربح، والخسارة على رب المال المضاربة عقد على الاشتراك في الربح، فرب المال يستحق الربح بماله، والمضارب يستحقه بعمله، والخسارة تكون على رأس المال في جميع الأحوال، فلا يصح أن يشترك العامل في الخسارة، «لعدم مشاركته له في رأس المال؛ إذ الرجوع في الخسران على رأس المال، وهو مختص بملك ربه، لا شيء للعامل فيه، فيكون نقصه في ماله دون غيره، وإنما يشتركان فيما يحصل من النماء، فأشبه المساقاة والمزارعة، فإن رب الأرض والشجر يشارك العامل فيما يحدث من الزرع والثمر، وإن تلف الشجر أو هلك شيء من الأرض بغرق أو غيره لم يكن على العامل شيء» (١). وتوزيع الأرباح يكون فيما زاد على رأس المال، فتوزع على المقدار الذي اتفق عليه عند العقد. وإذا ربح المضارب ثم خسر فإنه يرد الوضيعة على الربح، وهذه المسألة لها أربع صور:

стр. 136

١ - ما يفوت من رأس المال قبل العمل فيه بسبب تلف أو ضياع، وهذا تنفسخ فيه المضاربة، ويكون رأس المال هو الباقي خاصة، ولا يجبر بالربح، وهذا مذهب الحنفية والحنابلة، والأظهر من مذهب الشافعية (١). واستدل الحنفية لذلك بأنه هلك قبل تمام العقد (٢) واستدل الحنابلة بأنه مال هلك على جهته قبل التصرف، أشبه التالف قبل القبض، وفارق ما بعد القبض، لأنه دار في التجارة (٣). واستدل الشافعية «بأن العقد لم يتأكد بالعمل» (٤). وقال المالكية: ما يصيب رأس المال من تلف أو نقص أو خسارة متى كان في يد المضارب يجبر بالربح، سواء قبل العمل أم بعده (٥). ومن المعلوم أن الجبر إذا بقي شيء من المال، أما لو ذهب جميعه، ثم رد رب المال بدله فإن الربح لا يجبره (٦). الترجيح: والراجح عندي هو مذهب الجمهور وهو أن ما تلف من رأس المال قبل العمل فيه لا يجبر بالربح، وذلك لأن الخسارة التي تجبر بالربح هي الخسارة الناتجة عن البيع والشراء وتصرف العامل في رأس المال، ثم إن القول بأنه يجبر بالربح ينتقض فيما لو تلف جميع رأس المال، فلو تلف رأس المال كله لا يمكن جبرانه بربح، فكذلك إذا تلف بعضه.

стр. 137

٢ - أن يحصل ربح أو خسران قبل قبض رب المال لرأس ماله وقبل قسمة الربح، وفي هذه الحال يجبر الخسران بالربح اتفاقاً. ٣ - أن يظهر ربح فيقسم ويبقى رأس المال مع المضارب ليتجر فيه، ثم يحدث له بعد ذلك تلف أو خسران، وفي هذه الحالة يجبر هذا النقص بالربح فيسترد من العامل ما أخذ من الربح جبراً للنقص، ويحتسب ما أخذه رب المال من رأس المال وإلى هذا ذهب الأئمة الأربعة، وذلك لأن استقرار ملك العامل عندهم جميعاً لا يكون إلاّ بقبض رأس المال جميعه (١). وقال ابن حزم: «إذا اقتسما الربح فقد ملك كل واحد منهما ما صار له، فلا يسقط ملكه عنه، لأنهما على هذا تعاملا، وعلى أن يكون لكل واحد منهما حظ من الربح، فإذا اقتسماه فهو عقدهما المتفق على جوازه» (٢). وهذا هو الأظهر عندي، للدليل الذي ذكره ابن حزم، لأنه لو استمرت هذه المضاربة خمسين سنة وهي تربح كل سنة، ثم في السنة الأخيرة حصل خسارة تستغرق أرباح السنين الماضية فمن غير المعقول أن ترد أرباح كل هذه السنين، والأئمة لم يوردوا نصوصاً من الكتاب والسنة تجعلنا نرجح رأيهم. ٤ - أن يحدث ربح فيقسم الربح، ويتسلم رب المال ماله، أو يتحاسبا حساباً كالتسليم، تتوقف بموجبه أعمال التجارة، ثم يرده إلى المضارب ليعمل به، أو يأذن له بالعمل فيه، فيصيبه التلف أو الخسران، وفي هذه الحال لا يجبر هذا النقص بما قسم من الربح قبل ذلك اتفاقا (٣)، لأن ذاك عقد وهذا عقد آخر، فلا تجبر خسارة العقد الثاني من ربح العقد الأول.

стр. 138

أما ما يحدث باعتداء يستوجب الضمان، فلا يجبر بالربح، سواء كان الضامن المضارب أم غيره، ويكون الباقي بعد الجناية أو الأخذ هو رأس المال والربح لهذا الباقي (١). وإذا تبين للمضارب أن الشركة قد حققت أرباحاً، فليس له أخذ شيء من هذه الأرباح إلاّ بإذن رب المال (٢). قال ابن قدامة: ولا نعلم في هذا بين أهل العلم خلافاً (٣). وإنما لم يملك ذلك لأمور ثلاثة: أحدها: أن الربح وقاية لرأس المال، فلا يأمن الخسران الذي يكون هذا الربح جابراً له، فيخرج بذلك عن أن يكون ربحاً. الثاني: أن رب المال شريكه فلم يكن له مقاسمة نفسه. الثالث: أن ملكه عليه غير مستقر. وإن أذن رب المال في أخذ شيء جاز، لأن الحق لهما لا يخرج عنهما (٤). متى يملك المضارب حصته من الربح؟ إذا كان عقد المضاربة عقداً على الاشتراك في الربح، فإن الشركة لا تتحقق إلاّ بظهور الربح، وثبوت ملك العامل لحصته، وقد اختلف الفقهاء في ثبوت ملك العامل لحصته، أيكون بمجرد ظهور الربح؟ أم لا يثبت إلاّ بالقسمة؟ اتفقوا في الظهور واختلفوا في الاستقرار.

стр. 139

فمذهب الحنفية، وظاهر مذهب الحنابلة، وإحدى الروايتين في مذهب الشافعية أن المضارب يملك حصته من ربح المضاربة منذ أن يظهر الربح ولو لم يقسم المال (١). قال الحنابلة: ولكنه ملك غير مستقر، ولا يستقر إلاّ بقسمة الربح والمحاسبة التامة بين العامل ورب المال (٢)، التي هي التصفية وينتج عنها تسليم رب المال ماله، لأن القسمة وحدها لا تكفي لاستقرار ملك العامل لحصته، لأنه ربما وجدت خسارة فتسترد تلك الأرباح. ومذهب المالكية، وإحدى الروايتين في مذهب الحنابلة، وظاهر مذهب الشافعية أن ربح المضاربة لا يظهر إلاّ بتسليم رأس المال لرب المال كاملاً، وقسمة الربح بينه وبين المضارب، فإذا تحقق ذلك ثبت ملك المضارب لحصته مستقراً لازماً (٣). أدلة المذهبين: استدل أصحاب المذهب الأول: «بأن اشتراط جزء من الربح للمضارب شرط صحيح فيثبت مقتضاه، وهو أن يكون له جزء من الربح، فإذا وجد يجب أن يملكه بحكم الشرط، كما يملك المساقي حصته من الثمرة بظهورها، وقياساً على كل شرط صحيح في عقد، ولأن هذا الربح مملوك، فلابد له من مالك، ورب المال لا يملكه اتفاقاً، ولا تثبت أحكام الملك في حقه، فلزم أن يكون للمضارب، ولأنه يملك المطالبة بالقسمة» (٤).

стр. 140

واستدل أصحاب المذهب الثاني: «بأنه لو ملك حصته من الربح لصار شريكاً لرب المال حتى إذا هلك شيء كان هالكاً من المالين، فلما لم يجعل التالف من المالين دل على أنه لم يملك منه شيئا» (١). الرد: يرد على القائلين أن المضارب لا يملك الربح إلاّ بالقسمة، بأنه لا يوجد مانع أن يملكه ويكون وقاية لرأس المال، كنصيب رب المال من الربح، وقولهم لو ملك حصته من الربح لصار شريكاً حتى إذا هلك شيء كان هالكاً من المالين فيه نظر، لأن العبرة بالاستقرار لا بمجرد الملك، والاستقرار إنما يتم بالقسمة، وعلى هذا لا ما نع من أن تجبر الخسارة بالربح المشترك أولاً، ثم من رأس المال. الترجيح: الراجح عندي هو ثبوت ملك العامل لحصته من الربح بظهوره، لأن للمضارب حق المطالبة بالقسمة، ولا يكون ذلك إلاّ للمالك، يؤيده أنه حق يورث، ويتقدم به على سائر غرماء رب المال، ويغرمه المالك بإقدامه على إتلاف المال وربحه. الحكم الثاني: المضارب حر في تصرفاته الخارجة عن عقد المضاربة، وكذا المتعلقة بها، إلاّ ما يتنافى ومصلحة المضاربة، ويتفرع على هذا مسألتان: الأولى: إذا ضارب لرجل هل يصح أن يضارب لآخر؟ إذا أخذ من إنسان مضاربة، ثم أراد أخذ مضاربة أخرى من آخر فأذن له الأول جاز، وإن لم يأذن له، ولم يكن عليه ضرر جاز أيضاً، لأنه لا يملك جميع

стр. 141

منافعه، ما دام لا يؤثر على عقد المضاربة، وإن كان فيه ضرر على رب المال الأول ولم يأذن له، مثل أن يكون المال الثاني كثيراً متى اشتغل به انقطع عن بعض تصرفاته في المال الأول، لم يجز له ذلك، وهذا مذهب الحنابلة والمالكية (١). وقال الحنابلة: «إن فعل رد نصيبه من الربح في شركة الأول» (٢)، وهو من مفردات المذهب. وقال الشافعية: «إن خلط المالان وجعلا مالاً واحداً فحينئذ يجوز أن يقارض الاثنان عاملاً واحداً، والربح بعد نصيب العامل بينهما بحسب مال كل منهما» (٣). وقال الحنفية: (إذا دفع المضارب إلى غيره مضاربة، ولم يأذن له رب المال، لم يضمن بالدفع، ولا يتصرف المضارب الثاني حتى يربح، فإذا ربح ضمن الأول لرب المال) (٤). وقال أبو يوسف ومحمد: إذا عمل به ضمن ربح أو لم يربح (٥)، وقال زفر: يضمن بالدفع عمل أو لم يعمل، وهو رواية عن أبي يوسف (٦). واستدل أبو حنيفة: بأن الدفع قبل العمل إيداع، وبعده إبضاع، والفعلان يملكهما المضارب فلا يضمن بهما (٧).

стр. 142

الترجيح: الراجح هو مذهب الحنابلة والمالكية على التفصيل الذي ذكروه، لأن تصرفات المضارب خارج عقد المضاربة مملوكة له خاصة، ولا ولاية لرب المال عليه فيها، أما إذا وجد ضرر على الشركة بسبب عمله خارجها، أو وجد شرط ينص على أنه ليس له الحق من مزاولة العمل خارجها، أو من مزاولة نوع معين من الأعمال، كالأعمال التي يقوم بها في الشركة فإنه يجب الوفاء بهذا الشرط، ولا تجوز مخالفته، لقوله ﷺ «المسلمون عند شروطهم». المسألة الثانية: هل يصح أن يشتري المضارب أو رب المال لنفسه شيئاً من تجارة المضاربة؟ فرق الفقهاء في هذه المسألة بين ما إذا كان المشتري المضارب، أو رب المال. فإذا كان المشتري هو المضارب فقد فرق الفقهاء بين ما إذا كان ظهر في المال ربح أم لا. أولاً: إذا لم يظهر ربح، وكان المشتري من مال المضاربة هو المضارب صح على الصحيح من مذهب الحنابلة، نص عليه الإمام أحمد (١)، وهو مذهب المالكية، والحنفية، خلافاً لزفر (٢)، وبه قال الثوري والأوزاعي، وإسحاق. وقال أبو ثور البيع باطل، لأنه شريك (٣). وقد استدل المجوزون: بأنه ملك لغيره، فصح شراؤه كشراء الوكيل من موكله، وإنما يكون شريكاً إذا ظهر ربح، لأنه إنما شارك في الربح دون أصل المال.

стр. 143

ثانياً: إذا ظهر ربح: أ- كذلك يجوز للمضارب أن يشتري من مال المضاربة، وإن ظهر في المال ربح، وهو مذهب المالكية، والحنفية، وأحد قولين في مذهب الحنابلة (١). ب- ليس له أن يشتري من مال المضاربة إذا ظهر في المال ربح، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة، لأنه حينئذ يشتري ماله بماله (٢). أما رب المال: فله أن يشتري من مال المضاربة شيئاً لنفسه، وهو مذهب الحنفية والمالكية والأوزاعي، وإحدى الروايتين في مذهب الحنابلة (٣)، واشترط المالكية أن يكون القصد صحيحاً، وذلك بأن لا يتوصل به إلى أخذ شيء من الربح قبل المفاصلة، وبأن يشتري منه كما يشتري من الناس بغير محاباة (٤). ومذهب الشافعية والحنابلة: أنه ليس له ذلك (٥). وقد استدل أصحاب المذهب الأول: بأنه قد تعلق به حق المضارب فجاز شراؤه كما لو اشترى من مكاتبه (٦). واستدل أصحاب المذهب الثاني: بأنه يؤدي إلى شراء ماله بماله كما لو اشترى ماله من وكيله (٧).

стр. 144

وقد أجاب المانعون، على دليل المجيزين «بأنه ملكه فلم يصح شراؤه له كشرائه من وكيله، بخلاف السيد مع مكاتبه، فإن السيد لا يملك ما في يده، ولا تجب زكاته عليه، وله أخذ ما في يده شفعة منه» (١). الترجيح: والظاهر المنع من الشراء قياساً، لكن يترجح عندي الجواز استحساناً للحاجة، بشرط التأكد من عدم الخيانة والمحاباة، سواء كان المشترى المضارب أم رب المال، وسواء ظهر ربح أم لا؛ إذ كثيراً ما يحتاج رب المال أو المضارب، إلى شراء شيء من سلع المضاربة وأقل المنافع التي يجنيانها هي قضاء حاجتهما بالشراء ما دام ذلك بثمنها من غير وضيعة ولا محاباه، ويصعب على النفس أن يكون للمرء متجر سواء أكان هو فيه - رب المال - أم المضارب فيتركه ويشتري من متجر آخر، لا سيما إذا أخذت المضاربة صفة الشخص الحكمي فإن هذا الاستحسان يكون أقوى. ولا خوف من المحاباة، لأن الذي يبيع لرب المال هو العامل، أما إذا اشترى العامل لنفسه فيجب أن يكون هذا بعلم رب المال وموافقته. الحكم الثالث: المضارب وكيل في التصرف وأمين في مال المضاربة فلا يضمن مالها إذا تلف من غير تعد، ولا تقصير منه، ولا مخالفة لما اتفق عليه؛ فإذا انعقدت المضاربة انعقدت على الوكالة والأمانة، وكل ما يجوز لشريك العنان أن يفعله جاز للمضارب أن يعمله، وما منع منه الشريك فيمنع منه المضارب (٢).

стр. 145

وإذا تعدى المضارب، وفعل ما ليس له فعله، مثل أن استدان على مال المضاربة، أو اشترى شيئاً نهى عن شرائه، كما لو اشترى بمال المضاربة أغناماً وقد نهى عن شرائها، أو نحو ذلك، فهو ضامن، لأنه أمين ما لم يتعد، أو يخالف الشرط، فإذا خالف أو تعدى فهو ضامن، وهذا قول أكثر أهل العلم، روي ذلك عن أبي هريرة وحكيم بن حزام وأبي قلابة ونافع وإياس والشعبي والنخعي والحكم وحماد ومالك والشافعي واسحاق والحنفية (١). وقال مالك والصاوي من المالكية: لو خالف اضطرارا بأن مشى في الوادي الذي نهي عنه، أو سافر بالليل، أو في البحر اضطراراً لعدم المندوحة فلا ضمان ولو تلف (٢) وعن علي ﵁ لا ضمان على من شورك في الربح (٣). الحكم الرابع: نفقة المضارب الخاصة به تعرض الفقهاء ﵏ لنفقة المضارب الخاصة به، فيما إذا كان له الحق في الإنفاق على نفسه من مال المضاربة؟ ومتى؟ وكيف ذلك؟ والكلام في نفقة المضارب في مواضع: أولاً: الآراء في وجوبها: ذهب الحنابلة إلى أنه ليس للمضارب نفقة إلاّ بشرط، سواء أكانت تجارته في الحضر أم في السفر، وبهذا قال ابن سيرين وحماد ابن أبي سليمان (٤). وقال ابن تيمية: أو عادة (٥).
следующие страницы →