المبحث الثاني
الصيغة
صيغة عقد الشركة تتحقق في الأصل باللفظ، وهي الصيغة القولية، وكما تتحقق باللفظ تتحقق أيضاً بالفعل، والكتابة، والرسالة، والإشارة، واللفظ يكون بالماضي، أو المضارع، أو الأمر.
والمراد بالصيغة القولية (الإيجاب والقبول)، وهو: ربط بين عبارتين تصدر إحداهما عن طرف، وتصدر ثانيتهما عن طرف آخر، ويترتب على هذا الربط أثره الشرعي.
وما صدر ابتداءً من الطرف الأول دالاً على معنى الشركة يعتبر إيجاباً، كأن يقول رجل لآخر شاركتك في تجارة هذه الحبوب، أو في الاتجار في الحبوب، برأس مال قدره كذا، أدفع منه كذا، وتدفع أنت منه كذا، والربح بيننا بنسبة كذا، أو يقول شاركتك على أن نتقبل الأعمال، والربح بيننا مناصفة، وما صدر عن الآخر دالاً على الرضا فهو قبول.
ويتم عقد الشركة بكل لفظ يدل على المشاركة عرفاً عند جمهور الفقهاء (١)، وعلى هذا لو لم يذكرا لفظ الشركة بأن قال أحدهما للآخر: ما اشتريت اليوم، أو من هذه الأشياء؛ فهو بيني وبينك؛ فإنه يكون شركة (٢) وإن اختلفت اللغتان
стр. 37
فيقبل قول المترجم الحاذق العالم بأسرار اللغتين (١). وقد اشترط الشافعية والمالكية في اللفظ الدال على الاشتراك أن يكون دالاً على الإذن في التصرف (٢)، ولكنهم اختلفوا في مدى وضوح هذه الدلالة، فذهب المالكية وبعض الشافعية إلى أنه يكفي أي لفظ يفهم منه ذلك ولو كناية تشعر بالمراد (٣).
وذهب بعض الشافعية إلى اشتراط لفظ صريح يفيد ذلك (٤)، فلو اقتصر على اشتركنا لم يكف في الأصح (٥)، لأن نية الاشتراك وإن اعتبرها القانونيون ركناً، فإن الفقهاء لم يعتبروها ركناً، اكتفاءً بالصيغة، لأن الأصل في اللفظ أو نحوه أن يدل على قصد المتكلم، فإذا عبر بالشركة وقبل الآخر دل هذا على أنهما يقصدان الشركة.
أما إذا قام دليل على خلافه كأن يأتي بلفظ الشركة هازلاً أو مكرهاً أو حاكياً فإنها لا تعبر شركة، ومثل أن يشترط الربح للعامل، فإنه يكون قرضاً لا شركة، وفي هذا المثال لو نوى الشركة فإن هذه النية لا تنفعه، لأنه لم يعبر بالشركة، ولا بما يدل على معناها، نعم إذا عبر في عقد الشركة بلفظ يتبادر منه غيرها، وأراد الشركة فلابد من قرينة تدل على ذلك.
وينعقد عقد الشركة كما قلنا بلفظ الماضي والمضارع والأمر، فصيغة الماضي كأن يقول أحد الشركاء لغيره شاركتك، أو شاركتكم في كذا أو نحو ذلك ثم يجيب من وجه إليه الإيجاب من بقية الشركاء بالقبول، فينعقد بها عقد الشركة بلا خلاف.
стр. 38
لأن هذه الصيغة وإن كانت للإخبار عن الماضي وضعاً لكنها نقلت إنشاء للحال في عرف أهل اللغة.
والمضارع كأن يقول أشاركك أو نتشارك في كذا فيقبل من وجه إليه الإيجاب، وقد نويا عقد الشركة بينهما، وإنما اعتبرنا النية ههنا لأن صيغة أفعل تستعمل للحال والاستقبال فيحتمل الكلام العقد والوعد (١)، فلابد من نية الحال لتعيينه، ويمكن تعيينه بالقرينة، كقوله أشاركك الآن، بل هو أولى لظهوره.
إذا تقدم المضارع لا يجوز عند الحنابلة بصيغة استفهام أو بدون استفهام، نصوا على هذا، ومفهومه أنه يجوز إذا لم يتقدم.
وصيغة الأمر كأن يقول أحدهما شاركني، أو يقولون شاركنا، فيقبل من وجه إليه الإيجاب. قال مالك والشافعي: ينعقد بها العقد (٢).
وقال الحنابلة والحنفية لا ينعقد بها العقد (٣).
إلاّ أن الحنفية استثنوا ما إذا كانت بطريق الاقتضاء (٤)، فإذا دلت بطريق الاقتضاء على إيجاب الشركة، كقوله اتجر معي في هذا المال على أن الربح بيننا مناصفة فقال رضيت فإن هذه العبارة تدل على إيجاب مطوي (٥).
يقول الحنابلة صيغة الأمر لا ينعقد بها عقد البيع، إلاّ أن يتقدم القبول على الإيجاب، مثل أن يقول المشتري بعني فيقول البائع بعتك ففيه روايتان أرجحها الصحة، ولكن الشركة ليس فيها تقدم للقبول على الإيجاب، فالأول منهما موجب
стр. 39
والثاني منهما قابل على كل الأحوال. أما ما تمحض للاستقبال كالمضارع المقرون بالسين، أو سوف، أو الاستفهام فلا ينعقد به عقد الشركة، كأن يقول سأشاركك، أو سوف أشاركك، أو أتشاركني؟ ونحو ذلك لأنه وعد لا عقد، وعلى الجملة فالمعتبر في ذلك كله عرف العاقدين.
الصيغة الفعلية:
يمكن أن تكون الصيغة في عقد الشركة بالفعل، وهذا في القبول لا في الإيجاب، بأن يوجب الطرف الأول بالقول فيقبل الطرف الثاني بالفعل، كأن يأخذ حصة شريكه من رأس المال ويضع عليها حصته من الشركة ويباشر نشاطه، أو يدفع قسطه من رأس المال إلى شريكه دون أن يعلن قبوله لفظاً (١).
والقبول بالفعل ذكره الحنابلة في باب المضاربة (٢).
التعاقد يكون بالكتابة والرسالة والإشارة:
كما يكون التعبير عن الإرادة باللفظ والفعل يكون أيضاً بالكتابة والرسالة والإشارة.
وصورة الرسالة هي أن يرسل العاقد للعاقد الآخر رسولاً يبلغه الإيجاب شفاهاً. «والمنقول عن الإمام أحمد أنه إذا كان المتعاقدان غائبين أو أحدهما غائباً والآخر حاضراً (فنقل) الإيجاب أحدهما بواسطة رسول أو كتاب إلى الآخر (فقبل) في مجلس البلاغ (جاز)، بخلاف ما إذا كانا حاضرين (٣)،» فإذا قبل في مجلس وصول الكتاب، أو الرسالة إليه تم العقد بينهما، لوجود المجلس حكماً؛ إذ
стр. 40
تعتبر قراءة الرسالة، أو استماعه كلام الرسول بمنزلة الإيجاب من الكاتب، أو المرسل، فإن قبل في ذلك المجلس (أو كتب بالقول) فقد صدر الإيجاب والقبول في مجلس واحد (١)، ونقل ابن عابدين في حاشيته عن خواهر زاده نحو هذا الكلام (٢)، وفي التعاقد بالكتابة عند الشافعية وجهان، وصحح الشيرازي في المهذب القول بعدم الانعقاد بالكتابة؛ إذ لا ضرورة تدعو إلى العدول عن التعاقد بالقول ولو بالوكالة (٣)، ومفاده أنه إذا دعت الضرورة صح العقد بالكتابة.
التعاقد بالإشارة:
تنعقد الشركة بإشارة الأخرس، إذا كانت مفهمة، وكذلك بكتابته الواضحة، لا فرق بين أن يكون خرسه أصلياً أو طارئاً، لأن كلاً من الإشارة المفهمة والكتابة تقوم مقام الكلام عند الضرورة، وهذا هو المعتمد من المذاهب الأربعة (٤)،
قال الحنابلة فإن عجز عن الإشارة والكتابة قام وليه مقامه (٥)، كأنهم يقيسونه على السفيه، لأن الخرس مع العجز عن الإفهام شبيه بنقص الأهلية.
стр. 41
المبحث الثالث
المحل
المراد بالمحل هو ما تنعقد عليه الشركة من رأس المال، أو العمل.
المال: ما يميل إليه الطبع ويجري فيه البذل والمنع (١).
والمال إما أن يكون نقوداً، أو عروضاً، والعروض إما أن تكون مثلية، أو غير مثلية.
النقود:
عرف ابن القيم ﵀ النقود بأنها: المعيار الذي به يعرف تقويم الأموال، وأنها لا تقصد لأعيانها، بل يقصد بها التوصل إلى السلع. (٢).
فقوله: (المعيار) أي أن النقد هو الشيء المحدود المضبوط، بأي وسيلة من وسائل الضبط التي تبعده عن الغرر أو التدليس.
وقوله: (الذي به يعرف تقويم الأموال) أي الذي جري عرف الناس على أنه نقد تقوم السلع به، ولا يقوم هو بغيره، ويزيده إيضاحاً أنه لا يقصد لعينه، فهو ليس غاية في ذاته بل وسيلة لتحقيق الغايات، وهي السلع التي يحتاج إليها الناس.
стр. 42
فقوله: (المعيار الذي به يعرف تقويم الأموال) عام يشمل كل شيء تعارف الناس على أنه نقد، فيشمل القطع المسكوكة من الذهب والفضة، وكذلك القطع غير المسكوكة إذا كان العرف يثبت ثمنيتها، كما يشمل الفلوس النافقة، والأوراق النقدية؛ حيث إن التعريف يصدق على كل ذلك.
وعرف علماء الاقتصاد النقد: «بأنه كل شيء يلقى قبولاً عاماً (باعتباره) وسيطاً للتبادل مهما كان ذلك الشيء وعلى أي حال يكون» (١)، والمراد بالقبول العام أي في الأسواق، أو أمر الدولة باعتباره نقداً صحيحاً.
وبهذا التعريف يتضح لنا، أن أي وسيط للتبادل مقبول قبولاً خاصاً لا يصح تسميته نقداً؛ كالسندات الإذنية والكمبيالات والشيكات، لأنه لم يصطلح على نقديتها، وفي التعبير بكلمة يلقي دون التعبير بماضيها - لقي - إخراج للعملات السابقة (٢)، التي ألغي التعامل بها عرفاً أو بأمر من الدولة عن مسمى النقود، وعما لها من الأحكام.
وقوله: (باعتباره) يعني أنها لا تقصد لذاتها بل لتؤدي دور الوسيط في الوصول إلى الحاجات.
وقوله: (كل شيء) شامل لما كان ذا ندرة عالية في نفسه؛ كالذهب والفضة، أو ما في حكمهما كالأوراق النقدية (٣).
وبهذين التعريفين نرى أن الاقتصاديين وافقوا الفقهاء في تعريف النقد. إذا تبين هذا فتقول: اتفق الفقهاء على جواز الشركة بالنقود من الذهب والفضة
стр. 43
المضروبين (١)، لأنها عرفت أثماناً ومعياراً لقيم الأشياء المالية، ويلحق بهما ما في حكمهما مما هو وسيط للتبادل؛ كالفلوس وكالأوراق النقدية، لأن هذه العلة وجدت فيها، كما يأتي في بحث الفلوس والأوراق النقدية.
التبر والنقرة والحلي والجواهر والمغشوش، هل هي نقود أم عروض؟ وهل يصح جعلها رأس مال للشركة؟ (٢).
قال الحنفية والمالكية: هذا يختلف باختلاف العرف في كل موضع، فإن كانت المبيعات بين الناس في بلدة بالتبر فهو كالنقود، فتجوز الشركة به، وإن لم يكن في ذلك عرف ظاهر فهو كالعروض (٣).
أما الشافعية فنقل عنهم الرافعي أن غير المضروب من التبر والحلي والسبائك قد أطلقوا منع الشركة فيها (٤)، وفي تحفة المحتاج وحاشية البجيرمي أنها تصح في كل مثلي ومنه التبر والمغشوشة الرائجة (٥)، وفي شرح البهجة تصح الشركة بالمغشوشة إن استمر رواجها (٦).
وقال الحنابلة: النُقرة والمغشوش الحكم فيها كالحكم في العروض (٧). والظاهر أن التبر مثلها لاتحاد العلة.
стр. 44
الفلوس:
جمع فلس، بفتح الفاء وسكون اللام، وهي عملة معدنية غير الذهب والفضة.
وقد بحث الفقهاء ﵏ حكم الشركة بالفلوس، واختلفوا في ذلك بناءً على اختلافهم في تكييفها، من حيث إنها أثمان أي نقود، أو عروض، ومن حيث كسادها أو رواجها، وإذا قيل إنها عروض فتصح الشركة بها عند من يرى جواز الشركة بالعروض، ولا تصح عند من لا يرى ذلك. وتفصيل ذلك فيما يلي:
١ - تصح الشركة بالفلوس إذا كانت نافقة، وهو أحد قولين في مذهب الحنابلة وعلى هذا يتخرج قول الإمام أحمد: لا أرى السلم في الفلوس لأنه يشبه الصرف (١)، وهذا قول محمد بن الحسن، والأصح من مذهب أبي حنفية وأبي يوسف (٢).
وهو مذهب مالك وأبي ثور (٣)، وقال الدردير من المالكية المشهور عدم التعامل بالفلوس في المضاربة (٤).
وممن قال بجواز التعامل بها من الحنابلة أبو الخطاب، وابن عبدوس، وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم (٥)، ولهما بحوث نفيسة في هذا الموضوع، وممن قال به من الشافعية النووي والبغوي والرافعي (٦).
стр. 45
٢ - لا تصح الشركة بالفلوس مطلقاً وهو مذهب الحنابلة والرواية المشهورة عن أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله- (١)
أدلة الفريقين:
استدل المجيزون للشركة بالفلوس بأنها إذا كانت نافقة تكون ثمناً، فلا يجوز بيع فلس بفلسين، كما أنها لا تتعين بالتعيين (٢).
واستدل المانعون بأنها إنما صارت ثمناً باصطلاح الناس وليست ثمناً في الأصل (٣).
ولأنها تنفق مرة وتكسد أخرى فأشبهت العروض (٤).
والذي يقوى عندي هو رأي المجيزين للشركة بالفلوس، وذلك للقياس على ما اتفق على ثمنيته، وهو الذهب والفضة، لأنها وسيلة في التعامل، ولا تتعين بالتعيين، ولا تقصد لذاتها، وعلى الجملة تثبت لها الآثار النقدية التي تثبت للذهب والفضة؛ إذ يقع فيها ربا الفضل والنسيئة، أما إذا كانت من خارج البلد فيقع فيها ربا النسيئة فقط.
الأوراق النقدية:
لم تكن الأوراق النقدية معروفة لدى قدماء فقهاء المسلمين، أما المتأخرون فبعد أن انتشر تداولها في البلاد الإسلامية بحثوا حقيقتها، وفرعوا على بحوثهم حكم زكاتها، ومصارفتها، والبيع بها، إلاّ أن وجهات نظرهم كانت مختلفة تبعاً لاختلافهم في تصور حقيقتها، ويمكن حصر اختلافهم في أربعة أقوال:
стр. 46
الأول: الأوراق النقدية سندات بدين على جهة إصدارها، وهذا القول يستلزم عدم جواز الشركة بها.
الثاني: الأوراق النقدية عروض من عروض التجارة، وهذا القول يستلزم جواز الشركة بها عند من يرى جواز الشركة بالعروض.
وفي هذين القولين تشديد لا مبرر له، وتضييق يتنافى مع يسر الإسلام، وفيهما إباحة للتعامل بالربا، وإسقاط الزكاة، فمثلاً رجل مسلم يملك مليون جنيه إسترليني أودعه أحد المصارف بفائدة قدرها ٨%، لم يقصد بهذا المبلغ التجارة وإنما يريده باقياً عند المصرف بصفة مستمرة، على أن يأخذ فائدته ليقوم بصرفها على نفسه، فبناءً على هذه الأقوال لا بأس بصنيعه هذا، لأن هذا المبلغ ليس نقداً فيجري فيه الربا، ولا زكاة فيه لكونه عرضاً لم يقصد به التجارة، فأي تفريط أبلغ من إسقاط أحد أركان الإسلام، وأي تفريط أبلغ من رفع الربا عن نقد يعتبر الآن النقد الوحيد في جميع بلدان العالم أو يكاد.
الثالث: إلحاقها بالفلوس:
وأصحاب هذا القول يرون أن الأوراق النقدية كالفلوس، فما ثبت للفلوس من جواز عقد الشركة أو عدم جواز ذلك ثبت للأوراق النقدية.
الرابع: النظرية البدلية:
وهذا القول يعني أن الأوراق النقدية بدل لما استيعض بها عنه، وهما النقدان الذهب والفضة، وللبدل حكم المبدل عنه مطلقاً، وهذه الأوراق النقدية قائمة في الثمنية مقام ما تفرعت عنه من ذهب أو فضة، حالة محلها، جارية مجراها (١).
стр. 47
الترجيح:
عند الكلام على الفلوس ذكرنا أن الفقهاء منقسون فيها إلى فريقين، فريق قال بأنها أثمان، فتأخذ حكم الأثمان، فتصح الشركة بها، وفريق قال بأنها عروض، وهنا تصح الشركة بها عند من يرى جواز الشركة بالعروض، ولا تصح عند من لا يرى ذلك.
وسبق ترجيح أن الفلوس أثمان قياساً على ما اتفق على ثمنيته، وهو الذهب والفضة، والأوراق النقدية ملحقة بها، فهي أثمان، لأنها أصبحت معياراً يتوصل به للحصول على حاجات الناس، وتعرف بها قيم الأشياء، ولا تقصد لأعيانها، فيجوز أن تكون رأس مال في الشركة، ويجري فيها الربا بنوعيه، إذا كانت من دولة واحدة، وتجب زكاتها، ويجري فيها جميع ما يجري في النقدين، لأنها موغلة في الثمنية إيغالاً عظيماً، وتكاد تكون هي النقد الوحيد في العالم، فالصفقات التجارية الكبيرة لا تتم غالباً إلاّ بالأوراق النقدية، ولذا فإن الفقهاء الذين روي عنهم أنهم منعوا الشركة بالفلوس لو رأوا رواج الأوراق النقدية في هذا العصر، وندرة التعامل بغيرها، لن يترددوا في القول بصحة الشركة بها، والقول بخلاف هذا يؤدي إلى أن جميع النقود الورقية ليس فيها زكاة، وأنه لا ربا فيها.
العروض (١):
أطلق الفقهاء القول بالمنع، أو الجواز للاشتراك بالعروض، ولتحديد موضع النزاع سبق بيان اتفاق الفقهاء على عدم جواز الشركة في أعيان العروض، بمعنى أن يقدم كل شريك عرضه على أنه حصته من رأس المال، فيشتركون في أعيان
стр. 48
العروض، وفيما ينتج منها من ربح، أو خسارة. فهذه الصورة ممنوعة عند الفقهاء إلاّ من أجاز الشركة بالمثلي.
أما مدار الخلاف بين المانعين والمجيزين فهو ما إذا قومت هذه العروض وعلمت قيمتها فهل يصح أن يقدم الشريك هذه العروض في الشركة؟ فتدخل في ملك الشركاء لتكون من مجال نشاط الشركة بالبيع والشراء وطلب الربح وتكون قيمتها هي حصته مقدمها، هذا هو موضع النزاع.
وعلى هذا فقد اختلف الفقهاء في صحة انعقاد الشركة بقيمة العروض من أحد الشركاء أو منهم جميعاً إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول: قال المالكية وهي إحدى الروايتين عن الإمام أحمد أنها تجوز بالعروض مقومة، قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن المضاربة بالمتاع؟ قال جائز، اختار هذا أبوبكر وأبو الخطاب وابن تيمية وابن أبي ليلى، وبه قال في المضاربة طاووس والأوزاعي وحماد بن أبي سليمان (١)، واستثني بعض المالكية المضاربة فمنعوا صحتها بالعروض المقومة، وقال بعضهم تجوز، لأن الدراهم والدنانير ليست مقصودة لذاتها حتى يمتنع القراض بغيرها (٢).
القول الثاني: تصح الشركة في المثليات من العروض عدا المضاربة، وبه قال: الشافعية في الأظهر عندهم (٣)، ومحمد بن الحسن من الحنفية، وذلك بعد اختلاطها، وكونها من جنس واحد، وهنا تصح الشركة بأعيان العروض (٤).
القول الثالث: لا تصح الشركة بقيمة العروض وهو مذهب الحنفية وظاهر مذهب الحنابلة (٥).
стр. 49
الأدلة:
استدل المجيزون للشركة بالعروض المقومة، بقياس العروض بعد تقويمهما على الأثمان.
فقالوا: تجعل قيمتها وقت العقد راس المال، لأن مقصود الشركة جواز تصرفهما في المالين جميعاً، وكون ربح المالين المعلومين بينهما، وهذا يحصل في العروض كحصوله في الأثمان، فيجب أن تصح الشركة والمضاربة بها كالأثمان، وحينئذ يستطيع كل واحد منهما أن يرجع عند القسمة بقيمة ماله عند العقد، كما أننا جعلنا نصاب زكاتها قيمتها (١).
واستدل الشافعية على جواز الشركة في المثليات: بأن المثلي إذا اختلط بجنسه ارتفع معه التمييز فأشبه النقدين، وليس المثلي كالمتقوم، لأنه لا يمكن الخلط في القيمي، وربما يتلف مال أحدهما ويبقى مال الآخر فلا يمكن الاعتداد بتلفه عنهما، وفي المثليات يكون التالف بعد الخلط تالفاً عليهما جميعاً، ولأن قيمتها ترتفع وتنخفض، وربما تنقص قيمة مال أحدهما دون الآخر أو تزيد فيؤدي إلى ذهاب الربح في رأس المال، أو دخول رأس مال في الربح (٢).
واستدل محمد بن الحسن: بأن المكيل والموزون عرض من وجه، ثمن من وجه، بدليل أن الشراء بهما ديناً في الذمة صحيح فكان ثمناً، وأن بيع عينهما صحيح فكانت مبيعة، وما تردد بين الأصلين يوفر حظه عليهما، فلشبههما بالعروض قلنا لا تجوز الشركة بهما قبل الخلط، ولشبههما بالأثمان قلنا تجوز الشركة بهما بعد الخط (٣).
стр. 50
ويمكن أن يقال ثمن من وجه باعتبار أنها تثبت ديناً في الذمة، ويؤخذ في مقابلها مال، ومن وجه آخر عروض لأن هذه الأشياء تتعين بالعقد بالتعيين، فيعمل في الحالين بالشبهين فإذا خلط تعتبر ثمناً، وإذا لم تخلط تعتبر عروضاً.
واستدل الحنفية والحنابلة المانعون الاشتراك بالعروض بما يلي:
أولاً: لا تصح الشركة بالعروض، لأن الشركة إما أن تقع على أعيان العروض، أو على قيمتها، أو على أثمانها، لا يجوز وقوعها على أعيانها لأن الشركة تقتضي الرجوع عند انقضاء العقد برأس المال، أو بمثله، وهذه لا مثل لها فيرجع إليه، ولا على قيمتها لأن القيمة غير متحققة القدر؛ فيفضي إلى التنازع، وقد يقوم الشيء بأكثر من قيمته، ولا يجوز وقوعها على أثمانها لأنها معدومة حال العقد ولا يملكانها (١).
ثانياً: الشركة تتضمن الوكالة، والوكالة لا تصح في العروض، ووجه عدم صحتها في العروض أن كل شريك وكيل عن صاحبه في التصرف، ولا يصح للإنسان أن يتصرف في عروض مملوكة له على وجه الوكالة عن غيره في هذا التصرف؛ إذ إن الولاية عليه له وحده دون غيره (٢).
ثالثاً: الربح في العروض قد يظهر قبل التصرف فيها، وذلك بارتفاع سعرها بعد عقد الشركة، فإذا كان هذا الربح مشتركاً بين الشركاء بمقتضى عقد الشركة فإن غير المالك يستحق منه حصة، وكيف يستحقها وليست إلاّ زيادة فيما لا ملك له فيه ولا ضمان؟ وكذلك إذا ظهرت الخسارة فإنها تكون على الشركاء بمقتضى عقد الشركة، وكيف يلزم غير المالك بجزء منها من غير اشتراك ولا ضمان في الأصل؟ (٣).
стр. 51
رابعاً: لو تمت الشركة في العروض لأدى ذلك إلى جهالة الربح عند القسمة، لأن رأس المال يكون قيمة العروض، ولا تعرف إلاّ بالظن فيظل الربح مجهولاً، فيؤدي إلى النزاع (١).
مناقشة الأدلة:
أولاً: قول المانعين للاشتراك بقيمة العروض إن قيمتها غير متحققة القدر فيفضي إلى النزاع، فيه نظر، فالقائلون بها لا يجيزون الشركة بها إلاّ إذا تم الاتفاق على القيمة، أما إذا وجد نزاع حصل بسببه عدم الاتفاق على القيمة فلا ينعقد عقد الشركة، كما أنها لا تنعقد عند الإخلال بأحد أركانها الأخرى.
ثانياً: قولهم لا يصح للإنسان أن يتصرف في عروضه المملوكة له، على وجه الوكالة عن غيره، فيه نظر أيضاً، فبعد أن تقوم العروض وتجعل قيمتها حصة مالكها، وتنتقل ملكية ما زاد عن نصيبه إلى باقي الشركاء، فيتصرف فيها بالأصالة عن نفسه في الجزء الذي يملكه على قدر حصته في الشركة، ووكيلاً عن غيره من الشركاء فيما زاد عن حصته حيث إن ملكيتهم ثابتة في هذه العروض على قدر حصصهم في الشركة.
ثالثاً: قولهم قد يظهر الربح أو الخسارة قبل التصرف وكيف يستحقها وليست إلاّ زيادة فيما لا ملك له فيه ولا ضمان؟
يقال لهم: استحقاق الربح أو الخسارة بعد انعقاد الشركة وقبل التصرف هو استحقاق فيما ثبتت الملكية والضمان فيه، وهو المعتمد من مذهب المالكية والحنابلة، وهو صيرورة رأس المال مشتركاً بين الشركاء بمجرد العقد، ودخوله في ضمانهم جميعاً، وبهذا يكون حصول الشريك في ربح العروض التي قدمها غيره
стр. 52
من الشركاء ربحاً لما ثبتت ملكيته فيه ولما يلزمه ضمانه، وليس كما قالوا ربحاً لما لم يملكه ولما لم يضمن.
ولا دليل على أن ملك الشركاء يتأخر إلى أن يتحقق الشراء برأس المال فيما يشترى على ملكهما، بل الظاهر أنه يترتب على عقد الشركة الاشتراك في رأس المال ملكاً من حين العقد، كما يترتب عليه الاشتراك في الربح.
وأما قولهم إنها تؤدي إلى جهالة الربح، لأن رأس المال يكون قيمة العروض، ولا تعرف إلاّ بالظن، فهذا القول يتحقق لو أن العروض تقوم عند القسمة، أما إذا قومت قبل عقد الشركة - وهو ما يقوله المجوزون لانعقاد الشركة بقيمة العروض- وجرى الاتفاق على أن قيمتها عشرة آلاف ريال مثلاً، ثم إن هذه القيمة تعادل عشرة أسهم، فإنه يعرف أن استحقاق صاحب هذه العروض هو ربح عشرة أسهم من مجموع أسهم الشركاء، وبهذا لا يفتقر إلى الظن المؤدي إلى النزاع.
الرد على الشافعية:
ويرد على الشافعية بأنه: ليس للتفريق بين ذوات الأمثال، كالحبوب وبين غيرها معنى، فإن الشركة إذا جازت في ذوات الأمثال جازت في غيرها، ولا عبرة للتمييز، فإن التصرف يحصل في المالين معاً.
ويرد على محمد بأن ما يصلح أن يكون رأس مال في الشركة لا يختلف الحكم فيه بالخلط وعدم الخلط كالنقود، ويقال لمحمد أيضاً إن تحصيل رأس المال عند القسمة هنا ممكن لأنها من ذوات الأمثال يشكل بما قبل الخلط، فإن هذا المعنى موجود فيه.
стр. 53
الترجيح:
بعد استعراض الأدلة ومناقشتها يترجح جواز الشركة بالعروض، وهو رأي المالكية وإحدى الروايتين في مذهب الحنابلة، لأن العروض بعد تقويمها تحدد مقدارها بالنقود، فتكون رأس مال معلوم، فإذا قومت حصته وعرفت قيمتها انتقلت ملكيتها إلى جميع الشركاء، كل بقدر حصته، وقيمتها هي أسهم صاحبها أو حصته، التي يعلم بموجبها مقدار نسبة نصيبه من الأرباح أو الخسارة، هذا فيما عدا المضاربة.
أما شركة المضاربة فلا يصح أن يكون رأس مالها عروضاً، لأن رأس المال من طرف والعمل من طرف آخر، ولا يعرف نصيب المضارب من الأرباح إذا كان رأس مالها عروضاً، فلابد أن يقدم رب المال نقوداً معلومة المقدار لكي يستردها بقدرها دون زيادة أو نقصان؛ والتقويم لا يتأتي هنا، وإنما رجحناه في أنواع الشركات الأخرى لأنه يدخل في ملك الشركاء، أما الشريك المضارب فإنه شريك في الربح وليس شريكاً في رأس المال، ولهذا فتقويم العروض في المضاربة لا يصح.
أما المضاربة بثمن العروض كأن يقول بع هذا العرض وما حصل من ثمنه فقد ضاربتك به، فيترجح لي جوازه، وسيأتي تفصيله إن شاء الله.
والذين منعوا الشركة بالعروض، أجازوها بطريق الحيلة، وهي أن يبيع كل واحد من الشركاء جزءاً شائعاً من عروضه للآخرين بجزء شائع من عروضهم، بطريق المقايضة، فإذا كانت الشركة بين اثنين على التساوي باع كل واحد منهما نصف عروضه بنصف ما لصاحبه من العروض، لتصير عروض كل منهما شركة ملك على التساوي، ثم يعقدان بينهما شركة عقد على الاتجار بهذه العروض المشتركة، وبذلك تنشأ بينهما شركة عقد (١).
стр. 54
وإذا كان مال أحدهما عروضاً، ومال الآخر نقوداً، وأرادا عقد شركة بينهما باع صاحب العروض نصف عروضه بنصف نقود الآخر (١)، ويقبض ثمن ذلك ليتعين في يده، ثم يعقدان على ذلك شركة العقد، وإنما اشترط قبض الثمن لأنه قبل قبضه دين في الذمة، ولا تصح الشركة بالدين كما سيأتي:
سبق ذكر خلاف الفقهاء في الشركة بالعروض، أما إذا قال: صاحب العروض للمضارب: بع هذا العرض وما حصل من ثمنه فقد ضاربتك به، فقد ذهب الفقهاء فيه إلى مذهبين:
المذهب الأول: المنع، وهو مذهب الشافعية والمالكية (٢)
المذهب الثاني: الجواز، وهو مذهب الحنابلة والأحناف (٣).
الأدلة:
استدل المانعون بما يأتي:
قال الشافعية لم يجز لعلتين: (٤).
أ- جهالة ثمنه، والقراض بالمال المجهول باطل.
ب- عقده بالصفة، والقراض بالصفات باطل.
стр. 55
وقال المالكية: لأن في هذا زيادة منفعة لرب المال لا تقابل بشيء من الربح (١)، وقالوا: إن تولى غير المضارب بيعة ثم سلم قيمته للمضارب جاز (٢).
واستدل المجيزون: بأنه وكيل في بيع العرض، فإذا باعه صار الثمن في يده أمانة (٣).
المناقشة:
أولاً: دليل المجيزين لا يكفي للتدليل على الجواز، فقولهم: بأنه وكيل في بيع العرض، فإذا باعه صار الثمن في يده أمانة مسلم بالنسبة لجواز التوكيل، أما بالنسبة لعقد المضاربة فغير مسلم، لأن من شروط رأس المال أن يكون معلوماً عند العقد، ورأس المال في هذه الصورة غير معلوم عنده.
ثانياً: ناقش الشيخ على الخفيف قول الشافعية: إن التعليق يبطل عقود التمليك، فقال وهذا في يده ليس ملكاً له، لأن رب المال جعل للمضارب أن يبيع العروض وقد سلمها إليه، فكان له ذلك بمقتضى عقد الوكالة، كما كان له بمقتضى عقد المضاربة حق التصرف بالبيع والشراء، وقولهم إن فيه جهالة يقال لهم إن هذه الجهالة لا تفضي إلى نزاع، فهي لذلك جهالة مغتفرة (٤).
وأضيف أما قول الشافعية فيه جهالة فيجاب عليه بأنه ليس فيه جهالة مطلقا، فبعد بيع العرض يتحدد مقدار رأس المال، فيكون معلوماً غير مجهول.
ثالثاً: يرد على المالكية: بأن هذا يقال لو أنه تم بناءً على عقد المضاربة، لكنه تم بناءً على عقد وكالة منفصل عن عقد المضاربة، والوكيل فيه متبرع.
стр. 56
الترجيح:
في وقت إعداد هذه الرسالة عام ١٣٩٤ - ١٣٩٥ هـ رجحت المنع. والآن في وقت مراجعتها للطباعة أي في شهر صفر ١٤٤٤ هـ أي ما يقارب خمسين سنة أقرر رجوعي عن ترجيحي السابق. وأعرض ترجيحي السابق ثم أتبعه بترجيحي الجديد.
الذي يترجح عندي هو مذهب القائلين بالمنع، لأن من شروط رأس مال الشركة، أن يكون رأس المال معلوماً، وهنا رأس المال مجهول، لأنه لا يدري هل تباع أم لا؟ ولا يدري بكم تباع، وربما اختلفا في الثمن، فرأس المال غير معروف وقت العقد، فيؤدي إلى الاهتزاز في عقد الشركة.
أما بعد أن تباع العروض، وتعرف قيمتها، فلا بأس بأن تعقد شركة المضاربة على ما حصل من قيمة العروض.
والآن أرجح جواز ذلك، لأن رب المال علق عقد المضاربة على قبض ثمن المبيع أو قبض الوديعة، فإذا قبض ثمن أي منهما انعقد العقد؛ إذ أصبح معلوماً، فليس فيه جهالة.
الاشتراك في كسب منفعة العروض
عقد الشركة على العروض إما أن يكون على الاشتراك في أعيانها، بمعنى أن تكون ملكاً للشركاء، وهذا يكون بالتقويم، أو الحيلة عند من يمنع الشركة بقيمة العروض.
وإما أن يكون الاشتراك معقوداً على منفعة العين، مع بقاء ملكية كل شريك في العين التي قدمها.
стр. 57
وصورة الاشتراك في منفعة العروض كأن يقدم أحد الشركاء جملاً، والآخر راوية، ومن الثالث العمل، والربح بينهم شركة.
ومثال ذلك أيضاً: أن يتفق الشركاء على تأسيس مصنع للورق، على أن يكون من أحدهم المبنى الذي يقام المصنع فيه، وأن يقدم الثاني الآلات، وأن يقوم الثالث بالعمل، وأن تكون المواد الخام التي يصنع منها الورق عليهم جميعاً أو على شخص رابع.
فالشريك الأول قدم المبنى للانتفاع به لا على تمليكه لبقية الشركاء وله ثلث الأرباح أو ربعها أو ما يتفق عليه، وعليه من الخسارة بمقدار ماله من الأرباح، وكذلك الثاني قدم الآلات للانتفاع بها لا على سبيل تمليكها لمجموع الشركاء، وله حصة من الربح وعليه حصته من الخسارة، وهكذا.
حكمها:
ذهب الفقهاء في الاشتراك في كسب منفعة العروض إلى رأيين، الرأي الأول: يجوز ذلك وهو مذهب الحنابلة والمالكية، وأحد قولين في مذهب الشافعية، ونقل عن الأوزاعي ما يدل على الجواز (١)، وعند الشافعية قول آخر بالجواز، قاله الشيرازي (٢)
وقد اشترط المالكية لصحة ذلك أن يشرط عمل كل شريك ممن قدم عرضة للانتفاع به، كما يشترط اتحاد الصنعة.
الرأي الثاني: لا يجوز ذلك وهو مذهب الحنفية والشافعية (٣).
стр. 58
الأدلة:
استدل الحنابلة على جواز الاشتراك في كسب منفعة العروض بأنها: عين تنمى بالعمل عليها فصح العقد عليها ببعض نمائها، كالدراهم والدنانير، وكالشجر في المساقاة والأرض في المزارعة، قال أحمد: لا بأس بالثوب يدفع بالثلث والربع لحديث جابر «أن النبي ﷺ أعطى خيبر على الشطر … » الحديث (١).
واستدل المالكية بقولهم: «ألا ترى لو أن هؤلاء الثلاثة أرادوا أن يشتركوا والمتاع لأحدهم فاكتروا منه ثلثي ما في يديه لجازت شركتهم إذا اعتدلت هذه الأشياء، فكذلك إذا كان لكل واحد منهم شيء على حده، وكراؤه معتدل؛ إذ كل واحد منهم كأنه أكرى متاعه بمتاع صاحبه (٢).
واستدل المانعون بما يأتي:
قال الحنفية: شركة المنافع كالعروض، فكما لا تكون العروض رأس مال للشركة، لا تكون المنافع أيضاً رأس مال للشركة (٣).
وقال الشافعية: لا تجوز، لأنها منافع أشياء متميزة (٤). ومعلوم أن الشركة لا تصح عند الشافعية حتى تختلط أموال الشركاء بحيث لا يتميز المال المقدم من أحدهم من المال المقدم من الآخر.
الترجيح:
الذي يترجح لي هو القول بجواز الاشتراك في كسب منفعة العروض، لأنه يؤيده الدليل، وبيان ذلك ما يأتي:
стр. 59
أولاً: ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي عن رويفع بن ثابت قال إن كان أحدنا في زمن رسول الله ﷺ ليأخذ نضو أخيه على أن له النصف مما يغنم ولنا النصف وإن كان أحدنا ليطير له النصل والريش وللآخر القدح (١).
قال الشيخ محمود خطاب السبكي في كتابه المنهل العذب: قال في المرقاة سنده حسن (٢).
وجه الدلالة في هذا الحديث: هو أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يأخذون الإبل من أصحابها ليركبوا عليها عند ما يذهبون للغزو، على ان يشتركوا في الغنيمة، فإذا غنموا تقاسم الغازي وصاحب الناقة الغنيمة بالنصف، فاستحقاق الغازي بعمله، واستحقاق صاحب الناقة مقابل منفعة ناقته، وهذا دليل على جواز الاشتراك في كسب منفعة العروض.
ثانياً:
إن الاشتراك في منفعة العروض مقيس على الاشتراك في منفعة المساقاة والمزارعة الثابت بالحديث الصحيح وهو «أن النبي ﷺ أعطى خيبر على الشطر» ففي المزارعة والمساقاة العقد معقود على منفعة الأرض أو الشجر ومنفعة العامل، والنماء بينهما، فالعروض مقيسة عليهما، فكما يجوز الاشتراك في منفعة الأرض والشجر والعامل، يجوز الاشتراك في منفعة العروض، وكما أن ملكية صاحب الأرض أو الشجر باقية له، فكذلك ملكية صاحب العروض باقية له.
стр. 60
ثالثاً:
المال إما عين وإما منفعة، فكما يجوز الاشتراك في العين، يجوز أيضاً في المنفعة، والاشتراك في المنفعة في شركة الملك ثابت فكذا يثبت في شركة العقد.
الأحكام التي تترتب على الاشتراك في كسب منفعة العروض هي ما يأتي:
١ - يحدد ربح كل من الشركاء بما يتفقون عليه، ويمكن تعيين ربح كل بتقويم المنفعتين المدة التي يشتركون فيها.
٢ - تبقى ملكية الشريك للعين التي قدمها، وليس للشركة أن تتصرف فيها تصرفاً يؤثر على ملكيتها.
٣ - إذا هلكت العين هلكت على صاحبها، وعليه أن يقدم عيناً أخرى، وإذا تعيبت بحيث تقل الفائدة منها فعليه إصلاحها، بحيث تؤدي الغرض منها.
٤ - يلزم الشريك بالضمان إذا ظهر عيب أو تدخل من الغير يحول دون انتفاع الشركة بالحصة.
٥ - لا يحق للشريك أن يتصرف في العين بشيء من التصرفات التي تؤثر على فائدة الشركة فيها؛ كالبيع أو الإجارة أو الرهن أو العارية أو الوديعة أو الحوالة أو نحو ذلك.
٦ - بعد فسخ الشركة أو انتهاء مدة الانتفاع يأخذ كل شريك عينه التي قدمها.
شروط رأس مال الشركة
١ - يشترط أن يكون رأس مال الشركة معلوماً، فلا يجوز أن يكون مجهولاً، ولا جزافاً، لأنه لابد من الرجوع به عند المفاصلة، ولا يمكن مع الجهل والجزاف (١).
стр. 61
«وإن اشتركا في مختلط بينهما شائع صح إن علما قدر ما لكل واحد منهما» (١).
وقال بعض الشافعية: «الأصح أنه لا يشترط العلم بقدر حصة كل منهما من المالين، أهو النصف أم غيره عند العقد؛ حيث أمكنت معرفته بعد بنحو مراجعة حساب، أو كيل، (لأن مآله إلى العلم)، ولأن الحق لا يعدوهما، بخلاف ما لا تمكن معرفته (٢).
وقال بعض الحنفية العلم بمقدار رأس المال وقت العقد ليس بشرط (٣).
ويرد عليهم: بأن جهالة مقدار رأس المال تؤدي إلى جهالة الربح إذا لم يكن مقدار ربح الشريك معلوماً، والعلم بمقدار الربح شرط جواز هذا العقد، فكان العلم بمقدار رأس المال شرطاً.
٢ - ولا يجوز بمال غائب، بل يشترط حضور رأس مال الشركة من جميع الشركاء عند العقد على الصحيح من مذهب الحنابلة، لكنهم أجازوا ما في معنى الحضور في المضاربة مثل لو قال أقبض ديني الذي على فلان ثم ضارب به، أو لو قال أقبض وديعتي من زيد أو منك وضارب بها، لأنه وكله في القبض وعلق المضاربة على القبض وتعليقه صحيح (٤).
أما الحنفية والمالكية والشافعية فإنهم لا يشترطون حضور رأس المال وقت العقد بل الشرط وجوده وقت الشراء (٥).
стр. 62
وأجاز الحنفية والحنابلة ما لو قال أقبض ديني الذي على فلان ثم ضارب به (١) ومنعه مالك والشافعية (٢)، كما منع مالك ما لو قال رب المال للمضارب أقبض وديعتي من فلان أو منك وضارب بها (٣).
٣ - اشترط الحنابلة في المال المقدم من الشريك، أن يكون ملكاً له، فلا تنعقد بنحو مغصوب (٤).
هل يشترط الاتفاق في جنس المالين؟
ذهب الحنابلة والحنفية إلى أنه لا يشترط لصحة الشركة الاتفاق في جنس المالين، بل يجوز أن يخرج أحدهما ذهباً والآخر فضة، نص على هذا الإمام أحمد وبه قال الحسن وابن سيرين (٥).
لأنهما من جنس الأثمان فصحت الشركة فيهما كالجنس الواحد (٦).
وذهب المالكية والشافعية وزفر من الحنفية إلى اشتراط الاتفاق في جنس المالين (٧)، وذلك كأن يكون مال كل من الشركاء ذهباً أو فضة، وقد بنى الشافعية وزفر على رواية عنه رأيهم هذا على وجوب خلط رأس مال الشركة؛ بحيث لا تتميز حصة كل شريك عن الشركاء الآخرين، وإذا اختلف جنس المالين يمكن التمييز.
стр. 63
أما المالكية فقد زادوا اشتراط الاتفاق في الوزن، والصرف، والجودة والرداءة، وقد قالوا بذلك لئلا يكون شركة وصرف (١).
وأجاز الشافعية في شركة المضاربة أن يكون رأس مالها دراهم ودنانير معاً، جاء في مغني المحتاج قيل: ([يعني في الشركة] تختص بالنقد المضروب الخالص من الدنانير والدراهم كالقراض) (٢).
الترجيح:
الراجح هو ما ذهب إليه الحنابلة والحنفية، من عدم اشتراط الاتفاق في الجنس أو الوزن، لأن الشروط التي ذكرها الشافعية لا يؤيدها نص من كتاب أو سنة، ولا مصلحة عامة، بل فيها تضييق وتشديد لا مبرر له، فيعمل بعقد الشركة على إطلاقه.
وقول المالكية: (لئلا يكون شركة وصرف) مبني على قولهم: الشركة: بيع ملك كل بعضه ببعض الآخر، وبما أن المالين هنا من النقدين المختلفين فلا يتم هذا التبادل إلاّ بالمصارفة، ومن هنا كان من قبيل بيعتين في بيعة المنهى عنه.
وهذا غير مسلم، فانتقال الملك هنا بعقد الشركة لا بعقد البيع، والصرف هنا لازم لعقد الشركة، وأثر من آثاره، وليس عقداً آخر.
أما التساوي فيما يدفعه كل شريك فليس بشرط بالاتفاق، إلاّ في وجه قاله الأنماطي من الشافعية (٣)، وإلاّ في المفاوضة عند الأحناف.
стр. 64
اختلاف سكة النقود:
لم يشترط الفقهاء الاتفاق في سكة النقود، وقد نصوا على جواز أن يخرج أحد الشريكين دنانير هاشمية، والآخر دمشقية، أو محمدية ويزيدية، ومعلوم مما سبق أن الشافعية يشترطون عدم تميز أحد المالين عن الآخر، واختلاف السكة فيه تمييز يعرف به مال كل شريك، أما المالكية فيشترطون الاتفاق في الصرف، وذلك بأن يتفقا في الوزن بعد اتفاقهما في الجنس، إلاّ إذا كان التفاوت قليلاً، كما سبق بيانه، والإجابة عليه، ولم يشترط المالكية الاتفاق في سكة النقود (١).
ومعلوم أن عملات الدول في هذا الوقت تكون عروضاً بالنسبة لدولة أخرى، كالأوراق النقدية، بدليل تغير سعرها خارج بلدها، واعتبارها كالعروض من جهة جواز التفاضل في القيمة إذا كان يداً بيد، لقوله ﷺ : «إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد» (٢). وإلاّ فهي أثمان مختلفة الجنس.
والذي نراه لجواز الشركة بالنقود من بلدان مختلفة، هو توحيد هذه النقود بنقد واحد، وذلك بأن يستبدل أحدهما نقده بنقد من جنس نقد الآخر.
هل يشترط خلط رأس المال؟
ذهب الحنابلة إلى عدم اشتراط اختلاط رأس مال الشركاء، إذا عينوها وأحضروها، واستدلوا على ذلك: بأنه عقد يقصد به الربح، فلم يشترط فيه خلط المال كالمضاربة، ولأنه عقد على التصرف فلم يكن من شرطه الخلط كالوكالة، وبنوا على هذا أن تلفه عليهم، وزيادته لهم، من حين العقد، لأن الشركة اقتضت ثبوت الملك لكل واحد منهم في جزء من مال صاحبه (٣).
стр. 65
وذهب المالكية إلى أن الخلط ليس شرطاً لصحة العقد، فالعقد ينشأ صحيحاً بمجرد انعقاده، وذهب سحنون إلى أنه شرط في لزومها، وهو خلاف المشهور في المذهب (١).
ويفرق الحنفية بين النقود وغيرها في اشتراط الاختلاط في رأس مال الشركة، فلا يشترطون اختلاط أموال الشركاء إذا كانت نقوداً «لأن الشركة تشتمل على الوكالة فما جاز التوكيل فيه جازت الشركة فيه، والتوكيل جائز في المالين قبل الخلط فكذا الشركة» (٢)، ولأن الربح لم يكن مستفاداً بعين رأس المال حتى يلزم فيه الخلط بل بالتصرف، وإذا ظهر تحقق الشركة بلا خلط تحققت في المستفاد بدونه، وصار كالمضاربة تتحقق الشركة في الربح بلا خلط (٣)، أما الشركة بالعروض فمعلوم -مما قدمنا- أنهم لا يجيزون الشركة بها إلاّ بطريق الحيلة؛ التي هي بيع كل شريك جزءاً من عرضه بجزء من عرض الآخر، أو نقوده، بحيث تكون شركة ملك، ثم يعقدون شركة العقد، وهذا البيع ينتج عنه اختلاط أموال الشركة.
أما إذا لم يحصل بيع فلا تصح الشركة في العروض إلاّ عند محمد في المثليات؛ إذ قال: يصح أن تكون أي المثليات رأس مال للشركة، بشرط الخلط، وأن تكون من جنس واحد، لأن المثليات ثمن من وجه، عرض من وجه، فتوفر لها الشبهين، فقال: إذا اختلطت أخذت حكم الأثمان، وإذا لم تخلط أخذت حكم العروض (٤).
ويرى الشافعية والظاهرية وزفر، أن شركة الأموال لا تصح إلاّ بخلط رأس المال خلطاً لا يتأتى معه تمييز مال الشركاء، وأن يكون ذلك قبل التصرف، فلا
стр. 66
يكون شركة إلاّ بالخلط، ولا يكفي الخلط مع إمكان التمييز لأن كل مال ملك لصاحبه قبل خلطه، له غنمه وعليه غرمه وحده (١).
وقد اشترط الشافعية لصحة الشركة أن يكون الخلط قبل العقد، فإن وقع بعده في المجلس لم يكف على الأصح (٢).
وبهذا البيان يظهر أن الراجح عدم اشتراط الخلط؛ إذ لم يقم دليل قوى على اشتراطه.
العمل
سنرى في الباب الآتي - إن شاء الله- أن الشركة إما أن تكون شركة أموال، أو أعمال، أو أموال وأعمال، والعمل ركن في جميع الشركات، ويتفاوت أثره من نوع لآخر من أنواع الشركات، وعندما نقول العمل محل فمعنى هذا أنه يمثل حصة تقابل بجزء من رأس المال، يترتب عليها التفاوت في الربح، كالنصف أو الثلث أو الربع، أو نحو ذلك، ما عدا شركة المضاربة، وسنرى أثر العمل فيما يأتي:
١ - شركة الصنائع:
تسمى شركة الأبدان والأعمال والتقبل، ومحل الشركة فيها العمل من الطرفين المشتركين، فإذا اتفق نجاران على فتح منجرة والاشتراك في العمل، بأن يتقبلا ما يعرض عليهما من العمل، ويلتزما إنجازه، على أن يقتسما الكسب الذي سيحصل بينهم، فهو جائز.
стр. 67
ولا يشترط أن ينص على تقبل جميع الشركاء، وعلى عملهم جميعاً، بل يجوز عقد الشركة على أن يتقبل العمل أحد الشركاء ويعمل الآخر (١).
وهنا يكون محل الشركة هو المال والعمل.
٢ - شركة المضاربة:
وهي الشركة التي يكون المال فيها من جانب، والعمل من جانب آخر، فمحل الشركة يتكون من المال والعمل، وقد اعتبرنا العمل محلاً لأنه إذا لم يوجد العمل من جانب والمال من جانب آخر لم تكن شركة مضاربة.
والمراد بالعمل هنا هو الاتجار من بيع وشراء، وما يلزم ذلك من عمل عرفاً.
والعمل خاص بالمضارب فلا يجوز لرب المال أن يشترطه أو يشترط بعضه له، لأن هذا الشرط يجعل لرب المال يداً عليه، فكان شرطاً مخلاً بكمال التسليم إلى المضارب، ذهب إلى هذا الحنفية والشافعية وبعض الحنابلة (٢)، وزاد المالكية ولو كان هذا الشرط من المضارب، أو شرط رب المال أن ينصب عليه أميناً فسدت المضاربة (٣).
٣ - شركة الوجوه:
وهنا يكون محل الشركة هو المال المأخوذ بالوجاهة والعمل، سواء كان هذا المال نقوداً أو بضائع؛ إذ يشترط اشتراكهم في العمل، فلو عمل أحدهم دون الآخر فسدت الشركة.
стр. 68
٤ - شركتا (العنان والمفاوضة):
وهاتان الشركتان المعتمد فيهما على الاشتراك بالمال والعمل من جميع الشركاء، والأصل أن يكون العمل على المشتركين بجانب اشتراكهم في رأس المال. فإن شرط العمل على أحدهم فله من الربح أكثر من ربح ماله ليقابل عمله ما لم يكن متبرعاً، كما أنه إذا كان العمل عليهم جميعاً ولكن بعضهم لم يعمل لعذر أو لغير عذر فإن العامل لا يستحق زيادة في الربح مقابل انفراده بالعمل، لأنهما وكيلان فبعمل شريكه يعد كأنه عمل (١) وإذا عملوا جميعاً وجعل لأحدهم من الربح أكثر من الآخر فهذا جائز عند الحنفية والحنابلة، لأنه قد يكون أحذق وأمهر من شريكه. وقال الحنفية لا يلزم أن يكون المشروط له زيادة من الربح أكثر مهارة ما دام أن شريكه قد قبل أن قيمة عمل شريكه أزيد من قيمة عمل نفسه (٢).
أما الشافعية والمالكية فيجعلون الربح والخسران على قدر المالين تساويا في العمل أو تفاوتا فيه، فإن شرط خلافه فسد العقد (٣).
لأنهم يعتبرون العامل متبرعاً، ولا يصح أن يأخذ ربحاً أكثر من حصته في رأس المال، لأنه نماء مال مملوك لغيره (٤).
стр. 69
المبحث الرابع شروط الشركة
الشروط منها ما يرجع إلى العاقدين، ومنها ما يرجع إلى الصيغة، ومنها ما يرجع إلى المحل، وقد تقدم كل هذا في محله، ومنها ما يختص ببعض الشركات دون بعضها الآخر، وسنبين - إن شاء الله- الشروط الخاصة بكل شركة عند ذكرها، ومن الشروط ما يرجع إلى العقد برمته، وهي ما يلي:
١ - بيان نصيب كل شريك من الأرباح:
اتفق الفقهاء في شركة المضاربة على وجوب اشتراط بيان مقدار نصيب المضارب من الربح، لأنه يستحقه بالشرط، فلم يقدر إلاّ به فوجب بيانه (١).
أما أنواع الشركات الأخرى فقد اختلف الفقهاء فيها.
فمذهب الحنفية والحنابلة أنه يجب بيان مقدار نصيب كل شريك من الأرباح، ولا تصح الشركة إن لم يذكر مقدار الربح عند عقدها، لأن المعقود عليه في الشركة هو الربح، فإذا لم يبين يكون المعقود عليه مجهولاً، ولأنه المقصود منها، فلم يكن بد من اشتراطه، فلا يجوز الإخلال به، وعدم بيانه يفسد العقد في جميع أنواع الشركات عند الحنفية والحنابلة (٢).
وقال المالكية والشافعية: لا يشترط بيان مقدار ربح كل شريك (٣)،
وسبب الاختلاف في وجوب اشتراط مقدار ربح كل شريك، وعدمه، ناتج عن الاختلاف في جواز التفاضل في الربح وعدمه، فالذين قالوا بجواز التفاضل
стр. 70
أوجبوا اشتراط مقدار الربح، والذين منعوا التفاضل في الربح لم يشترطوا بيان مقداره، اكتفاءً بمعرفة نصيب كل من رأس المال، ويأتي بسط هذا الخلاف إن شاء الله.
والراجح هو وجوب بيان مقدار كل شريك من الأرباح، لأن الغرض الأساسي للشركة هو طلب الربح، فوجب بيانه، لأن عدم بيانه يؤدي إلى جهالة ربح كل، وهذه الجهالة قد تفضي إلى نزاع، وهذا الترجيح مبني على ترجيحي القول بجواز تفاوت الربح.
أما إذا قالا الربح بيننا، فهو بينهما نصفان، لأن الإضافة إليهما إضافة واحدة من غير ترجيح، فاقتضت التسوية، وهذا باتفاق.
٢ - أن يكون الربح جزءاً شائعاً:
يشترط أن يكون نصيب الشريك من الأرباح جزءاً، فإذا اشترط كل الربح لأحد الشركاء لا تصح، وأن يكون شائعاً في الجملة؛ كثمنه أو سدسه أو نصفه أو نسبة؛ كثلاثة أو خمسة أو عشرة في المائة، من مجموع أرباح الشركة، لا من أسهم الشريك، فلا يجوز تحديد ربح أحد من الشركاء، أو تحديد ربح السهم بمبلغ معين من المال كخمسين ريالاً مثلاً، أو ربح عين معينة، أو ربح مدة معينة كشهر كذا أو سنة كذا، أو ربح إحدى الصفقتين أو نحو ذلك، وذلك لأنه يحتمل أن لا يربحها فيأخذ جزءاً من رأس المال، وقد تربح الشركة كثيراً فيتضرر من شرطت له الدراهم.
٣ - أن تكون الشركة لغرض مشروع:
يشترط لصحة عقد الشركة أن تكون لغرض جائز شرعاً، فيجب أن يكون المال والعمل في مباح، فلا تصح إن عقدت للإقراض بالربا، أو لصناعة الخمور،
стр. 71
أو الاتجار فيها، كما أنها تكون باطلة إن عقدت للحصول على الكسب في أي شيء حرمه الله تعالى وهذ عند جميع الفقهاء. وإذا كان المتجر فيه مباحاً ولكنه يؤول إلى محرم، عرف ذلك بالقرائن والأمارات، فإنه لا يصح العقد لأنه سبحانه إذا حرم شيئاً وله طرق ووسائل تؤدي إليه فإنه يحرمها ويمنعها تحقيقاً لتحريمه، وسداً لذريعة الفساد، لأنه ليس الشأن في الأسماء وصور العقود، وإنما الشأن في حقائقها ومقاصدها، وقد نص المحققون من الفقهاء على ذلك، كبيع السلاح لأهل الحرب أو في أيام الفتنة، أو لقطاع الطرق، وكبيع العنب لمن يتخذه خمراً، وكبيع الأمة أو إجارتها للغناء، وكإجارة داره لتتخذ كنيسة أو بيت نار، فكل هذا حرام والعقد باطل، وهذا مذهب أكثر الفقهاء (١).
والشافعية لا يقولون بالبطلان في هذه الحالات.
والأدلة على عدم جواز عقد الشركة لغرض محرم كثيرة، أكتفى بإيراد بعض منها:
أ- ما رواه الستة إلا النسائي عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «قَاتَلَ اللَّهُ يَهُودَ حُرِّمَتْ عليهمُ الشُّحُومُ، فَبَاعُوهَا وأَكَلُوا أثْمَانَهَا» (٢)؛ فالحديث دليل على أن كل ما يؤدي إلى الحرام فهو حرام، وفيه إبطال للحيل والوسائط إلى المحرم.
ب- ما رواه الإمام أحمد وأبو داود عن ابن عباس ﵄، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أتاني جِبريلُ، فقال: يا محمدُ، إنَّ اللهَ عزَّ
стр. 72
وجلَّ لعَنَ الخَمرَ، وعاصِرَها، ومُعتَصِرَها، وشارِبَها، وحامِلَها، والمَحمولَةَ إليه، وبائِعَها، ومُبتاعَها، وساقيَها، ومُستَقيَها» (١).
قال أحمد شاكر: إسناده صحيح (٢).
وجه دلالة الحديث:
الحديث دليل على حرمة كل تسبب في معصية، وإعانه عليها، ومثل ذلك كل تصرف يفضي إلى معصية، فإن عصر العنب حلال لا شيء فيه، لكن لما كان الغرض منه ما يؤول إليه وهو انقلابه إلى خمر تشرب كان العاصر ملعوناً.
ج- إنه عقد لغرض محرم فيبطل كنكاح التحليل، وبيع العينة (٣).
٤ - اشترط الحنفية أن يكون المعقود عليه قابلاً للوكالة:
نص الحنفية على اشتراط أن يكون ما يستفاد بعقد الشركة قابلاً للوكالة، بمعنى أنه يصح التوكيل فيه، ويفرعون على هذا الشرط عدم جواز الاشتراك في المباحات؛ كاصطياد السمك، أو الاحتشاش، أو نحو ذلك.
أما الفقهاء الآخرون فإنهم لم ينصوا على هذا الشرط، ولكن الذي تقتضيه قواعدهم في الشركة هو القول به، ومدار الخلاف في هذا الشرط هو فيما يمكن أن يكون قابلاً للوكالة كما في المباحات، وما لا يمكن أن يكون قابلاً لها (٤)، وتفصيل هذا الموضوع يأتي في الشركة في المباحات إن شاء الله.
٥ - يشترط أن يكون عقد الشركة لغرض التجارة وطلب الربح، فإذا عقدت لغرض خيري، أو علمي أو ثقافي، فإنها لا تكون شركة.
стр. 73
الفصل الثالث
أحكام الشركة بوجه عام
المراد بأحكام الشركة الآثار المترتبة على العقد بما معه من الشروط
وفيه سبعة مباحث:
المبحث الأول: الشركة تتضمن الوكالة.
المبحث الثاني: الاشتراك في الربح والخسارة.
المبحث الثالث: حكم اشتراط أكثر من ربح رأس المال.
المبحث الرابع: الحكم فيما إذا لم ينص على مقدار ربح كل شريك.
المبحث الخامس: حكم الخسارة.
المبحث السادس: هل عقد الشركة يثبت ملكية كل شريك فيما قدمه بقية الشركاء؟
المبحث السابع: الحكم عند فساد الشركة.
стр. 74
المبحث الأول الشركة تتضمن الوكالة
يتضمن كل نوع من أنواع شركة العقد عند الفقهاء الوكالة ما عدا المالكية في شركة العنان، وذلك ليكون ما يستفاد بالتصرف مشتركاً بينهما فيتحقق حكمه، وهو الاشتراك في الربح والخسارة؛ إذ لو لم يكن كل منهما وكيلاً عن صاحبه لا يكون المستفاد مشتركاً لاختصاص المشتري بالمشترى (١).
وتتضمن المضاربة الوكالة، لأن المضارب متصرف لغيره بإذنه، والمال تحت يده على وجه لا يختص بنفعه (٢).
ولا يخلو أي نوع من أنوع الشركات من الوكالة، لأنها إذا لم تتضمن الوكالة بالشراء فلا يمكن لأحد الشركاء أن يدخل مالاً إلى ملك الشريك الآخر، لعدم ولاية أحدهما على مال الآخر، وبذلك لا يحصل المقصود من الشركة في المشترى، ويبقى المال المشترى غير مشترك، ومختصاً بالمشتري (٣).
وبيانه في شركة الأبدان أن العقد يقتضي ثبوت الوكالة، فإذا تقبل أحد الشريكين عملاً، فإن هذا القبول، قبول لنفسه بالأصالة ولشريكه بالوكالة، فتتحقق الشركة في المال المستفاد عن ذلك العمل.
ويظهر أثر الوكالة في أركان الشركة الثلاثة:
أولاً: أثرها في الصيغة:
стр. 75
اشترط الشافعية والمالكية أن يوافق الصيغة ما يدل على التوكيل، كالإذن في التصرف، ونحو ذلك (١).
وقد اكتفى الحنفية والحنابلة بأي لفظ يفهم منه المشاركة، كقوله شاركتك، وقالوا: إنه يدل بمقتضاه على الإذن في التصرف.
ثانياً: أثرها في العاقدين:
اتفق الفقهاء على أنه يشترط في عاقد الشركة أن يكون أهلاً للتوكيل والتوكل، إذا كان كل منهما متصرفاً في الشركة.
ثالثاً: أثرها في المحل:
نص الحنفية على أنه يشترط أن يكون محل الشركة قابلاً للوكالة، والفقهاء الآخرون وإن لم ينصوا عليه لكن قواعدهم تتفق مع الحنفية في اشتراطه، ومحل الخلاف في مقتضى هذا الشرط هو فيما يكون قابلاً للوكالة، وفيما ليس بقابل لها، وقد سبق بيانه.