Полный текст (774 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
ويتعصب له، ويؤيد أُصوله بكل ما يستطيع من الأدلة، ويدفع الشبه عنه، ويرد على الخصوم بما يستطيع من أوجه الرد، فلهذا نجده إذا مرَّ بآية من آيات القرآن التى يستطيع أن يستند إليها ويعتمد عليها فى نظره، أخذ فى تأويلها على وفق مذهبه وهواه، وإن كان فى ذلك خروج عن ظاهر النظم القرآنى.
* ولاية على:
فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٥٥] من سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين آمَنُواْ الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكاة وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ .. نراه يستند إلى هذه الآية استناداً قوياً فى أن علياً رضى الله عنه هو وصى النبى ﷺ وخليفته من بعده، فيقول ما نصه: "فى الكافى عن الصادق فى تفسير هذه الآية "أولى بكم": أى أحق بكم وبأموركم من أنفسكم وأموالكم الله ورسوله والذين آمنوا - يعنى علياً وأولاده الأئمة إلى يوم القيامة - ثم وصفهم الله فقال: ﴿الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكاة وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ .. وكان أمير المؤمنين فى صلاة الظهر - وقد صلَّى ركعتين - وهو راكع، عليه حُلَّة قيمتها ألف دينار، وكان النبى أعطاه إياها، وكان النجاشى أهداها له، فجاء سائل فقال: السلام عليك يا ولى الله وأولى المؤمنين من أنفسهم.. تصدق على مسكين، فطرح الحُلَّة إليه، وأومأ بيده إليه أن احملها، فأنزل الله فيه هذه الآية، وصيَّر نعمة أولاده بنعمته، فكل مَن بلغ من أولاده مبلغ الإمامة يكون بهذه النعمة مثله، فيتصدَّقون وهم راكعون. والسائل الذى سأل أمير المؤمنين من الملائكة، والذين يسألون الأئمة من أولاده يكونون من الملائكة.
وعنه عن أبيه عن جده فى قوله : ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ الله ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾ .. قال: لما نزلت: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله﴾ ... الآية، اجتمع نفر من أصحاب رسول الله ﷺ فى مسجد المدينة فقال بعضهم: إن كفرنا بهذه الآية نكفر بسائرها، وإن آمنا فإن هذا ذلٌ حين يُسلَّط علينا علىّ ابن أبى طالب، فقالوا: قد علمنا أن محمداً صادق فيما يقول، ولكنا نتولاه ولا نطيع علياً فيما أمرنا، قال: فنزلت هذه الآية: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ الله ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾ يعنى ولاية على، ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الكافرون﴾ بالولاية.
وعنه أنه سُئل: الأوصياء طاعتهم مفروضة؟. قال: نعم، هم الذين قال الله: ﴿أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] .. وهم الذين قال الله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين آمَنُواْ﴾ ... الآية، وروى المؤلف غير ذلك من الروايات، وكلها يدور حول هذا الشأن، ثم ادّعى إجماع الأُمة على أنه لم يُؤْتِ الزكاة يومئذ أحد منهم وهو راكع غير رجل واحد هو علىّ.. ثم علَّل عدم ذكره باسمه فى الكتاب بأنه لو ذُكِر باسمه فى الكتاب لأُسقط مع ما أُسقط.. ثم وفَّق بين الروايات
стр. 457
القائلة بأنه تصدَّق بحُلَّته، وبين الروايات القائلة بأنه تصدَّق بخاتمه فقال: "لعله تصدَّق مرة فى ركوعه بالحُلَّة، ومرة بالخاتم.. والآية نزلت بعد الثانية، وقوله تعالى: ﴿وَيُؤْتُونَ﴾ إشعار بذلك، لتضمنه التكرار والتجديد، كما أن فيه إشعاراً بفعل أولاده أيضاً".
وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٦٧] من سورة المائدة: ﴿ياأيها الرسول بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ ... الآية، نراه يحمل التبليغ المأمور به ﵇ على تبليغه للناس إمامة علىّ وولايته، ويروى هنا قصة طويلة جداً، ويروى خطبة النبى لأصحابه عند "غدير خُمْ"، وهى خطبة طويلة كذلك، وفى هذه الخطبة يقول رسول الله ﷺ مبيناً سبب نزول الآية: "وأنا مبين لكم سبب هذه الآية: إن جبريل هبط إلىَّ مراراً ثلاثة، يأمرنى عن السلام ربى وهو السلام: أن أقوم فى هذا المشهد وأُعلم كل أبيض وأسود أن علىَّ بن أبى طالب أخى، ووصيى وحليفتى، والإمام من بعدى، الذى محله منى محل هارون من موسى، إلا أنه لا نبى بعدى، وهو وليكم بعد الله ورسوله، وقد أنزل الله علىّ بذلك آية من كتابه: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين آمَنُواْ الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكاة وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ ، وعلىّ بن أبى طالب أقام الصلاة وآتى الزكاة وهو راكع، يريد الله فى كل حال، وسألتُ جبريل أن يستغفر لى عن تبليغ ذلك إليكم أيها الناس، لعلمى بِقِلَّة المتقين، وكثرة المنافقين، وإدغال الآثمين، وحيل المستهزئين بالإسلام، الذين وصفهم الله فى كتابه بأنهم يقولون بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم، ويحسبونه هَيِّناً وهو عند الله عظيم، وكثرة أذاهم لى غيره مرة حتى سمونى أُذُناً، وزعموا أنى كذلك لكثرة ملازمته إياى وإقبالى عليه، حتى أنزل الله فى ذلك: ﴿وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبي وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ﴾ [التوبة: ٦١] ... الآية، ولو شئتُ أن أسميهم بأسمائهم لسميت، وأن أُومئ إليهم لأعيانهم لأومأت، وأن أدل عليهم لدللت، ولكنى - والله - فى أُمورهم قد تكرمت، وكل ذلك لا يرضى الله منى إلا أن أُبلِّغ ما أنزل إلىّ.. ثم تلا: ﴿ياأيها الرسول بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ فى علىّ، ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس﴾ .. إلخ". * *
* أُولوا الأمر الذين تجب طاعتهم:
ومثلاً عند قوله تعالى فى الآية [٥٩] من سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ﴾ .. الآية، نراه يحمل هذه الآية على وفق مذهبه، فيقصر أُولى الأمر على الأئمة من أهل البيت خاصة، أما مَن عداهم فليسوا أُولى الأمر، وليس يجب على أحد من يقوم بطاعتهم، ولهذا يقول عند تفسيره لهذه
стр. 458
الآية ما نصه: "فى الكافى والعياشى عن الباقر: إيانا عنى خاصة.. أمر جميع المؤمنين إلى يوم القيامة بطاعتنا. وفى الكافى عن الصادق: أنه سُئِل عن الأوصياء، طاعتهم مفترضة؟ قال: نعم، هم الذين قال الله: ﴿أَطِيعُواْ الله﴾ ... .. الآية، وقال الله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله﴾ ... الآية. وفيه والعياشى عنه فى هذه الآية قال: نزلت فى علىّ بن أبى طالب والحسن والحسين، فقال: إن الناس يقولون: فما له لم يُسَمِ علياً وأهل بيته فى كتابه؟ فقال: فقولوا لهم: نزلت الصلاة ولم يُسَمِ الله لهم ثلاثاً ولا أربعاً حتى كان رسول الله ﷺ فسَّر ذلك لهم، ونزلت: ﴿أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ﴾ ، ونزلت فى علىّ والحسن والحسين، فقال رسول الله ﷺ فى علىّ: "مَن كنت مولاه فهذا علىّ مولاه"، وقال: "أُوصيكم بكتاب الله وأهل بيتى، فإنى سألت الله أن لا يُفرِّق بينهما حتى يوردهما على الحوض، فأعطانى ذلك". وقال: "لا تعلموهم، فإنهم أعلم منكم"، وقال: "إنهم لم يخرجوكم من باب هدى ولم يدخلوكم فى باب ضلالة"، فلو سكت رسول الله ﷺ ولم يبين مَنْ أهل بيته لادعاها آل فلان وآل فلان، ولكن الله أنزل فى كتابه تصديقاً لنبيه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ [الأحزاب: ٣٣] ، فكان علىّ والحسن والحسين وفاطمة، فأدخلهم رسول الله ﷺ تحت الكساء فى بيت أُم سلمة ثم قال: "اللَّهم إن لكل نبى أهلاً وثَقَلاً، وهؤلاء أهل بيتى وثَقَلى"، فقالت أُم سلمة: ألستُ من أهلك؟ فقال: "إنك إلى خير، ولكن هؤلاء أهل بيتى وثقلى" ... (الحديث) ، وزاد العياشى: آل عباس، وآل عقيل، قبل قوله: وآل فلان.
عن الصادق أنه سئُل عما بنيت عليه دعائم الإسلام التى إذا أُخِذَ بها زكى العمل ولم يضر جهل ما جهل بعده، فقال: "شهادة أنْ لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله، والإقرار بما جاء به من عند الله، وحق فى الأموال: الزكاة، والولاية التى أمر الله بها: ولاية آل محمد، فإن رسول الله قال: "مَن مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية".. قال الله تعالى: ﴿أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ﴾ ، فكان علىّ، ثم صار من بعده الحسن، ثم بعده الحسين، ثم من بعده علىّ بن الحسين، ثم من بعده محمد بن علىّ، ثم هكذا يكون الأمر، إن الأرض لا تصلح إلا بإمام" ... (الحديث) .
وفى المعانى عن سليم بن قيس الهلالى عن أمير المؤمنين أنه سأله: ما أدنى ما يكون به الرجل ضالاً، فقال: أن لا يعرف مَن أمر الله بطاعته وفرض ولايته، وجعله حُجَّته فى أرضه، وشاهده على خلقه.. قال: فمن هم يا أمير المؤمنين؟ قال: الذين قرنهم الله بنفسه ونبيه فقال: ﴿أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ﴾ . قال: فقبلَّتُ رأسه وقلت: أوضحتَ لى، وفرَّجتَ عنى، وأذهبتَ كل شئ كان فى قلبى.
стр. 459
وفى الإكمال عن جابر بن عبد الله الأنصارى قال: لما نزلت هذه الآية قلت: يا رسول الله؛ عرفنا الله ورسوله، فمَن أُولوا الأمر الذين قرن الله طاعتهم بطاعتك؟ فقال: "هم خلفائى يا جابر وأئمة المسلمين من بعدى، أولهم علىّ بن أبى طالب، ثم الحسن، ثم الحسين، ثم علىّ بن الحسين، ثم محمد بن علىّ المعروف فى التوراة بالباقر - وستدركه يا جابر، فإذا لقيته فأقرئه منى السلام - ثم الصادق جعفر بن محمد بن موسى بن جعفر، ثم علىّ بن موسى، ثم محمد بن علىّ، ثم علىّ بن محمد، ثم الحسن ابن علىّ، ثم سميى محمد، وكنيته "حُجَّة الله فى أرضه، وبقيته فى عباده"، ابن الحسن بن علىّ، ذاك الذى يُفتح على يديه مشارق الأرض ومغاربها، ذاك الذى يغيب عن شيعته وأوليائه غيبة لا يثبت فيها على القول بإمامته إلا مَن امتحن الله قلبه للإيمان". قال جابر: فقلت: يا رسول الله؛ فهل لشيعته الانتفاع به فى غيبته، فقال: "إى، والذى بعثنى بالنبوة إنهم يستضيئون بنوره، وينتفعون بولايته، كانتفاع الناس بالشمس وإن تجللها سحاب. يا جابر؛ هذا من مكنون سر الله ومخزون علم الله فاكتمه إلا عن أهله".
والأخبار فى هذا المعنى من الكتب المتداولة المعتبرة لا تحصى كثرة. وفى التوحيد عن أمير المؤمنين: اعرفوا الله بالله، والرسول بالرسول، وأُولى الأمر بالمعروف والعدل والإحسان.
وفى العلل عنه: لا طاعة لمن عصى الله، وإنما الطاعة لله ولرسوله ولولاة الأمر، إنما أمر الله بطاعة الرسول لأنه معصوم مُطهَّر لا يأمر بمعصية، وإنما أمر بطاعة أُولى الأمر لأنهم معصومون مُطهَّرون لا يأمرون بمعصية".
* *
الإمام يوصى لمن بعده:
ولما كان مذهب المؤلف أن كل إمام يوصى بالإمامة لمن بعده، وليس ذلك لأحد من المسلمين غيره، فإنَّا نجده يتأثر بهذه العقيدة ويُفسِّر قوله تعالى فى الآية [٥٨] من سورة النساء: ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إلى أَهْلِهَا﴾ ... الآية على وفق هذه العقيدة فيقول: "فى الكافى وغيره فى عدة روايات أن الخطاب إلى الأئمة.. أمر كُلاً منهم أن يؤدى إلى الإمام الذى بعده ويوصى إليه، ثم هى جارية فى سائر الأمانات.. وفيه وفى العياشى عن الباقر: إيانا عنى، أن يؤدى الإمام الأول إلى الذى بعده العلم والكتب والسلاح" ... إلخ.
* *
* استدلاله على الرجعة:
ولما كان المؤلف يدين بالرجعة فإنَّا نجده يستدل على جوازها بقوله تعالى فى الآيتين [٥٥، ٥٦] من سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً
стр. 460
فَأَخَذَتْكُمُ الصاعقة وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ .. وذلك حيث يقول: "أقول: قيَّد البعث بالموت لأنه قد يكون عن إغماء ونوم، وفيه دلالة واضحة على جواز الرجعة التى قال بها أصحابنا نقلاً عن أئمتهم، واحتج بهذه الآية أمير المؤمنين على ابن الكواء حين أنكرها كما رواه عنه الإصبع بن نباتة، والقُمِّى، هذا دليل على الرجعة فى أُمة محمد ﷺ . فإنه قال: لم يكن فى بنى إسرائيل شئ إلا وفى أُمته مثله - يعنى دليلاً على وقوعها".
* *
* الإيمان بالرجعة وقيام القائم من الإيمان بالغيب:
ولكون المؤلف يعتقد بالرجعة ويرى ضرورة الإيمان بها لكل مؤمن، فإنَّا نراه يعد الإيمان بها من ضمن الإيمان بالغيب الذى مدح الله به عباده المتقين وذلك حيث يقول عند تفسيره لقوله تعالى فى الآيتين [٢، ٣] من سورة البقرة: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب﴾ : ﴿الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب﴾ بما غاب عن حواسهم من توحيد الله، ونبوة الأنبياء، وقيام القائم، والرجعة، والبعث، والحساب، والجنَّة، والنار، وسائر الأُمور التى يلزمهم الإيمان بها مما لا يُعرف بالمشاهدة وإنما يُعرف بدلائل نصبها الله ".
* *
* التقيَّة:
ولما كان ملا محسن يقول بالتقية، ويراها ضرورة من ضروريات قيام مذهبه وصون أصحابه من الاضطهاد، فإنَّا نراه يفيض فيها عندما تكلم عن قوله تعالى فى الآية [٢٨] من سورة آل عمران: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ المؤمنين وَمَن يَفْعَلْ ذلك فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ ... الآية فيقول: ﴿إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ إلا أن تخافوا من جهتهم خوفاً وأمراً يجب أن يُخاف منه، وقرئ: "تقية"، منع عن موالاتهم ظاهراً وباطناً فى الأوقات كلها إلا وقت المخافة، فإن إظهار الموالاة حينئذ جائز بالمخالفة كما قيل: كن وسطاً وامش جانباً.. ثم قال: وفى العياشى عن الصادق قال: كان رسول الله ﷺ يقول: "لا إيمان لمن لا تقية له"، ويقول: قال الله: ﴿إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ . وفى الكافى عنه قال: التقية ترس الله بينه وبين خلقه. وعن الباقر قال: التقية فى كل شئ يضطر إليه ابن آدم، وقد أحلَّ الله له. والأخبار فى ذلك مما لا يُحصى".
* *
* تأثره فى تفسيره بالفروع الفقهية للإمامية:
ولما كان المؤلف كغيره من علماء مذهبه له فى بعض المسائل الاجتهادية الفقهية
стр. 461
رأى يخالف آراء مجتهدى المذاهب الأخرى، فإنا نراه ينتصر لمذهبه ويعمل على تأييده بما يظهر له من آيات القرآن.. والمتتبع لتفسيره لآيات الأحكام يجد أثر هذا كله ظاهراً جلياً، فهو يحاول محاولة جدية أن يأخذ رأيه من النص القرآنى أو يدفع رأى مخالفيه بما يظهر له منه، وإليك بعض المثل لتعرف مقدار تأثر هذا التفسير بمذهب صاحبه الفقهى:
* المتعة:
فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٢٤] من سورة النساء: ﴿فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ .. نراه يتأثر بما يراه من حِلِّ نكاح المتعة فيحمل الآية على هذا ويجعلها دليلاً على صحة مذهبه وذلك حيث يقول ما نصه: ﴿فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ مهورهن، سمى أجراً لأنه فى مقابلة الاستمتاع، ﴿فَرِيضَةً﴾ مصدر مؤكد. فى الكافى عن الصادق: وإنما أُنزلت: "فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أُجورهن فريضة".. والعياشى عن الباقر: أنه كان يقرأها كذلك، وروته العامة أيضاً عن جماعة من الصحابة: ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفريضة﴾ من زيادة فى المهر أو الأجل، أو نقصان فيهما، أو غير ذلك مما لا يخالف الشرع. فى الكافى مقطوعاً والعياشى عن الباقر: "لا بأس بأن تزيدها وتزيدك إذا انقطع الأجل فيما بينكما، تقول: استحللتك بأجر آخر برضاً منها، ولا تحل لغيرك حتى تنقضى عدَّتها، وعدَّتها حيضتان، ﴿إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً﴾ بالمصالح، ﴿حَكِيماً﴾ فيما شرع من الأحكام. فى الكافى عن الصادق: المتعة نزل بها القرآن، وجرت بها السُّنَّة من رسول الله ﷺ وآله، وعن الباقر: كان علىّ يقول: لولا ما سبقنى به ابن الخطاب ما زنى إلا شفى - بالفاء، يعنى إلا قليل - أراد أنه لولا ما سبقنى به عمر من نهيه عن المتعة وتمكن نهيه من قلوب الناس، لندبتُ الناس عليها، ورغَّبتهم فيها، فاستغنوا بها عن الزنا، فما زنى منهم إلا قليل، وكان نهيه عنها تارة بقوله: متعتان كانتا على عهد رسول الله ﷺ أنا مُحرِّمهما ومُعاقِبٌ عليهما: مُتعة الحج، ومُتعة النساء، وأخرى بقوله: ثلاث كُنّ على عهد رسول الله ﷺ أنا مُحرِّمهن ومُعاقِبٌ عليهن: مُتعة الحج ومُتعة النساء وحىّ على خير العمل فى الأذان. وفيه: جاء عبد الله بن عمر الليثى إلى أبى جعفر فقال له: ما تقول فى مُتعة النساء؟ فقال: أحلَّها الله فى كتابه وعلى لسان نبيه، فهى حلال إلى يوم القيامة، فقال: يا أبا جعفر؛ مثلك يقول هذا وقد حرَّمها عمر ونهى عنها؟ فقال: وإن كان فعل، قال:
فإنى أُعيذك بالله من ذلك أن تحل شيئاً حرَّمه عمر، فقال له: فأنت على قول صاحبك وأنا على قول رسول الله ﷺ ، فهلم أُلاعنك أن القول ما قال رسول الله ﷺ وأن الباطل ما قال صاحبك، وقال: فأقبل عبد الله بن عمر فقال: أيسرك أن نساءك، وبناتك، وأخواتك، وبنات عمك،
стр. 462
يفعلن ذلك؟ فأعرض عنه أبو جعفر حين ذكر نساءه وبنات عمه. وفيه: سأل أبو حنيفة أبا جعفر محمد ابن النعمان صاحب الطاق فقال: يا أبا جعفر؛ ما تقول فى المتعة؟ أتزعم أنها حلال؟ قال: نعم. قال: فما يمنعك أن تأمر نساءك ليستمتعن ويكسبن عليك؟ فقال أبو جعفر: ليست كل الصناعات يُرغَب فيها وإن كانت حلالاً، وللناس أقدار ومراتب يرفعون أقدارهم، ولكن ما تقول يا أبا حنيفة فى النبيذ، أتزعم أنه حلال؟ قال: نعم، قال: فما يمنعك أن تُقْعِد نساءك فى الحوانيت نبَّاذات فيكسبن عليك؟ فقال أبو حنيفة: واحدة بواحدة، وسهمك أنفذ، ثم قال: يا أبا جعفر؛ إن الآية التى فى "سأل سائل" تنطق بتحريم المتعة والرواية عن النبى قد جاءت بنسخها، فقال أبو جعفر: يا أبا حنيفة؛ إن سورة "سأل سائل" مكية وآية المتعة مدنية، وروايتك شاذة ردية، فقال أبو حنيفة: وآية الميراث أيضاً تنطق بنسخ المتعة، فقال أبو جعفر: قد ثبت النكاح بغير ميراث، فقال أبو حنيفة: من أين قلت ذاك؟ فقال أبو جعفر: لو أن رجلاً من المسلمين تزوج بامرأة من أهل الكتاب ثم توفى عنها. ما تقول فيها: قال: لا ترث منه، فقال: قد ثبت النكاح بغير ميراث.. ثم افترقا. وعن الصادق أنه سأله أبو حنيفة عن المتعة فقال: عن أى المتعتين تسأل؟ فقال: سألتك عن متعة الحج فأنبئنى عن متعة النساء أحق هى؟ فقال: سبحان الله.. أما تقرأ كتاب الله: ﴿فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ؟ فقال أبو حنيفة: واللهِ لكأنها آية لم أقرأها قط. وفى الفقه عنه: ليس منا مَن لم يؤمن بكَرَّتنا ويستحل متعتنا (أقول) : الكَرَّة: الرجعة، وهى إشارة إلى ما ثبت عندهم من رجوعهم إلى الدنيا مع جماعة من شيعتهم فى زمن القائم لينصروه، وقد مضت الإشارة إليه فيما سلف، ويأتى أخبار أُخر فيها إن شاء الله.
* *
* نكاح الكتابيات:
وملا محسن، لا يميل إلى حُرْمة نكاح الكتابيات من اليهود والنصارى، بل نراه يذكر لنا فى تفسيره للآيات التى تتصل بهذا الموضوع أقوال العلماء، ويفيض فى سرده لأقوال المجيزين منهم، ويُعقِّب على أقوال المجيزين بما يدل على أنه مؤيد لعدم الحُرْمة، ومرتض لقول مَن يقول بالحِلِّ، ولهذا نراه عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٢٢١] من سورة البقرة: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات﴾ ... الآية، يقول ما نصه: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات﴾ لا تزوجوا الكافرات ﴿حتى يُؤْمِنَّ﴾ ، ﴿وَلأَمَةٌ﴾ مملوكة، ﴿مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ﴾ حُرَّة، ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ المشركة بجمالها أو مالها أو حسبها، ﴿وَلاَ
стр. 463
تَنْكِحُواْ المشركين﴾ لا تزوِّجوا منهم المؤمنات، ﴿حتى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ﴾ مملوك، ﴿خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ﴾ حُرٍّ، ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ جماله أو ماله أو حاله، ﴿أولائك﴾ إشارة إلى المشركين والمشركات، ﴿يَدْعُونَ إِلَى النار﴾ إلى الكفر المؤدى إلى النار، فحهقم أن لا يُوالوا لا يُصَاهروا، ﴿والله يدعوا إِلَى الجنة والمغفرة﴾ إلى فعل ما يوجب الجنَّة والمغفرة من الإيمان والطاعة، ﴿بِإِذْنِهِ﴾ بأمره وتوفيقه، ﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ﴾ أوامره ونواهيه، ﴿لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ويتعظون. القُمِّى: هى منسوخة بقوله تعالى فى الآية [٥] من سورة المائدة: ﴿اليوم أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات ... ﴾ ... إلى قوله: ﴿والمحصنات مِنَ الذين
стр. 464
أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ قال: فنسخ هذه الآية: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ﴾ وترك قوله: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركين حتى يُؤْمِنُواْ﴾ على حاله لم ينسخ، لأنه لا يحل للمسلم أن يُنكح المشرك، ويحل له أن يتزوج المشركة من اليهود والنصارى، وكذلك قال النعمان فى كتابه، وكلاهما عَدَّ قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات﴾ من منسوخ النصف من الآيات، ويأتى تمام الكلام فيه فى سورة المائدة إن شاء الله تعالى".
وعندما تكلم عن قوله تعالى فى الآية [٥] من سورة المائدة: ﴿اليوم أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ والمحصنات مِنَ المؤمنات والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ﴾ ... الآية، يقول ما نصه: ﴿.. والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ﴾ فى الفقيه عن الصادق: هن العفائف. والعياشى عن الكاظم: أنه سُئل ما معنى إحصانهن؟ قال: هن العفائف من نسائهم. وفى الكافى، والمجمع، والعياشى، عن الباقر: أنها منسوخه بقوله: ﴿وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر﴾ [الممتحنة: ١٠] .. وزاد فى المجمع: وبقوله: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات﴾ .. القُمِّى: أحل الله نكاح أهل الكتاب بعد تحريمه فى قوله فى سورة البقرة: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ﴾ .. قال: وإنما يحل نكاح أهل الكتاب الذين يؤدون الجزية، وغيرهم لم تحل مناكحتهم.. (أقول) : يؤيد هذا الحديث النبوى: "إن سورة المائدة آخر القرآن نزولاً فأحِلُّوا حلالها وحَرَّموا حرامها".. وفى الكافى عن الحسن ابن الجهم قال: قال لى أبو الحسن الرضا: يا أبا محمد؛ ما تقول فى رجل يتزوج نصرانية على مسلمة؟ قلت: جُعِلتُ فداك، وما قولى بين يديك؟ قال: لتقولن، فإن ذلك تعلم به قولى. قلت: لا يجوز تزوج نصرانية على مسلمة ولا على غير مسلمة؟ قال: ولِمَ؟ قلت: لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ﴾ .. قال: فما تقول فى هذه الآية: ﴿والمحصنات مِنَ المؤمنات والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ﴾ ؟ قلت: فقوله: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات﴾ نسخت هذه الآية، فتبسم ثم سكت. وفيه وفى الفقيه عن الصادق فى الرجل المؤمن يتزوج النصرانية واليهودية قال: إذا أصاب المسلمة فماذا يصنع باليهودية والنصرانية؟ فقيل: يكون له فيها الهوى، فقال: إن فعل فيمنعها من شرب الخمر وأكل لحم الخنزير، واعلم أن عليه فى دينه غضاضة. وعن الباقر: لا ينبغى للمسلم أن يتزوج يهودية ولا نصرانية وهو يجد مسلمة حُرَّة أو أَمَة. وعنه: إنما يحل منهم نكاح البُلْه. وفى الفقيه عنه: أنه سئل عن الرجل المسلم يتزوج المجوسية قال:
لا، ولكن إن كانت له أَمَة مجوسية فلا بأس أن يطأها ويعزل عنها ولا يطلب ولدها، وفى رواية: لا يتزوج الرجل اليهودية ولا النصرانية على المسلمة، ويتزوج المسلمة على اليهودية والنصرانية. وفى التهذيب عن الصادق: لا بأس أن يتمتع الرجل باليهودية والنصرانية وعنده حُرَّة. وفيه فى جواز التمتع بهما وبالمجوسية أخبار أُخر".
وفى سورة الممتحنة عند قوله تعالى فى الآية [١٠] : ﴿وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر﴾ .. قال ما نصه: ﴿وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر﴾ بما يعتصم به الكافرات من عقد ونسب.. جمع عصمة، والمراد نهى المؤمنين عن المقام على نكاح المشركات. القُمِّى عن الباقر فى هذه الآية قال: يقول: مَن كانت عنده امرأة كافرة - يعنى على غير مِلَّة الإسلام - وهو على مِلَّة الإسلام، فليعرض عليها الإسلام، فإن قبلت فهى امرأته، وإلا فهى بريئة منه، فنهى الله أن يمسك بعصمتها. وفى الكافى عنه قال: لا ينبغى نكاح أهل الكتاب، قيل: وأين تحريمه؟ قال: قوله: ﴿وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر﴾ .. (أقول) : قد مضى فى سورة المائدة ما يخالف ذلك".
* فرض الرِجْلين فى الوضوء وحكم المسح على الخُفَّين:
ويرى صاحبنا أن فرض الرِجْلين فى الوضوء مسحها لا غسلها، كما يرى عدم جواز المسح على الخُفَّين، ولهذا نراه عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٦] من سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكعبين﴾ ... الآية، نراه يقول بوجوب وصول الماء إلى بشرة سائر الأعضاء كما هو مقتضى الأمر بالغسل والمسح، وعليه فلا يجزئ المسح على القلنسوة ولا على الخُفَّين، ثم يروى ما جاء فى التهذيب عن الباقر من أن عمر جمع أصحاب رسول الله ﷺ وفيهم علىّ فقال: ما تقولون فى المسح على الخُفَّين؟ فقام المغيرة بن شعبة فقال: رأيتُ رسول الله ﷺ يمسح على الخُفَّين، فقال علىّ: قبل المائدة أو بعد المائدة؟ قال: لا أدرى، فقال علىّ: سبق الكتاب الخُفَّين، إنما نزلت المائدة قبل أن
стр. 465
يُقبض بشهرين أو ثلاثة. وهنا يُعقِّب ملا محسن على هذه الرواية فيقول: (أقول) : المغيرة بن شعبة هذا هو أحد رؤساء المنافقين من أصحاب العقبة والسقيفة لعنهم الله.. ثم يقول: وفى الفقيه: روت عائشة عن النبى أنه قال: أشد الناس حسرة يوم القيامة من رأى وضوءه على جلد غيره. وروى عنها أنها قالت: لأن أمسح على ظهر عير بالفلاة أحب إلىّ من أن أمسح على خُفَّىْ. ولم يُعرف للنبى خف إلى خف أهداه النجاشى وكان موضع ظهر القدمين منه مشقوقاً، فمسح النبى ﷺ على رِجْليه وعليه خُفَّاه، فقال الناس: إنه مسح علىخُفَّيه، على أن الحديث فى ذلك غير صحيح الإسناد (انتهى كلام الفقيه) .
وبعد هذا انتقل المؤلف إلى الكلام على فرض الرِجْلين فى الوضوء، فقال بعد ما بيَّن أولاً أن قراءة نصب الأرجل مردودة عندهم: ".. ثم دلالة الآية على مسح الرِجْلين دون غسلهما أظهر من الشمس فى رابعة النهار، وخصوصاً على قراءة الجر، ولذلك اعترف بها جمع كثير من القائلين بالغسل، وفى التهذيب عن الباقر أنه سُئل عن قول الله : ﴿وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكعبين﴾ .. على الخفض هى أم على النصب؟ قال: "بل هى على الخفض"، ثم قال: (أقول) : وعلى تقدير القراءة على النصب أيضاً تدل على المسح، لأنها تكون حينئذ معطوفة على محل الرؤوس، كما تقول: مررت بزيد وعَمْراً، إذ عطفهما على الوجوه خارج عن قانون الفصاحة، بل عن أسلوب العربية.. ثم روى من الأخبار عن أهل البيت ما يشهد لمذهبه".
* * *
*الغنائم:
وهو يرى فى الغنائم ما يراه غيره من علماء مذهبه من أن الخُمس يُقسم إلى ستة سهام: سهم لله. وسهم للرسول. وسهم للإمام، وسهم ليتامى آل الرسول، وسهم لمساكينهم، وسهم لأبناء سبيلهم. وسهم الله وسهم الرسول يرثهما الإمام، فيكون للإمام ثلاثة أسهم من ستة.. ثم يعلل اختصاص الإمام من الخُمس بالأسهم الثلاثة، بأن الله تعالى قد ألزم الإمام بما ألزم به النبى من تربية الأُمة، ومؤن المسلمين وقضاء ديونهم، وحملهم فى الحج والجهاد، وذلك قول رسول الله ﷺ ، لما أُنزل عليه: ﴿النبي أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ "وهو أبٌ لهم"، فلما جعله الله أباً للمؤمنين لزمه ما يلزم الوالد للولد، فقال عند ذلك: "مَن ترك مالاً فلورثته، ومَن ترك دَيْناً أو ضَيَاعاً فعلىَّ وإلىَّ"، فلزم الإمام ما لزم الرسول. فلذلك صار له من الخُمس ثلاثة أسهم.
"والمؤلف يرى أن الله تعالى عوّض يتامى آل البيت ومساكينهم وأبناء سبيلهم بما
стр. 466
خُصوا به من هذه السهام عن الصدقات التى حُرِّمت عليهم ومُنعوا من أخذها لكونهها أوساخ الناس، ويروى فى ذلك أخباراً كثيرة عن علماء آل البيت".
وعندما فسَّر المؤلف قوله تعالى فى الآية [٧] من سورة الحشر: ﴿مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القربى﴾ ... الآية، نقل من الكافى عن أمير المؤمنين أنه قال: "نحن والله الذين عنى الله بـ "ذى القُرْبَى" الذين قرنهم الله بنفسه ونبيه فقال: ﴿مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القربى واليتامى والمساكين﴾ منا خاصة ولم يجعل لنا سهماً فى الصدقة.. أكرم الله نبيه وأكرمنا أن يطعمنا أوساخ ما فى أيدى الناس". * *
* الاستنباط:
ويرى ملا محسن أن الاستنباط لا يجوز لأحد من الأُمة إلا للأئمة، لأنهم هم المعصومون عن الخطأ، أما من عداهم فليس له هذه العصمة، ولهذا نراه عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٨٣] من سورة النساء: ﴿وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأمن أَوِ الخوف أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرسول وإلى أُوْلِي الأمر مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ... الآية، يقول ما نصه: ﴿وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأمن أَوِ الخوف﴾ مما يوجب الأمن والخوف، ﴿أَذَاعُواْ بِهِ﴾ فشوه. قيل: كان قوم من ضعفه المسلمين إذا بلغهم خبر عن سرايا رسول الله ﷺ أو أخبرهم الرسول بما أُوحى إليه من وعد بالظفر أو تخويف من الكفرة أذاعوه، وكانت إذاعتهم مفسدة، ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ﴾ ردوا ذلك الأمر، ﴿إِلَى الرسول وإلى أُوْلِي الأمر مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ قيل: أى يستخرجون تدبيره بتجاربهم وأنظارهم. فى الجوامع عن الباقر: هم الأئمة المعصومون. والعياشى عن الرضا: يعنى آل محمد ﷺ وهم الذين يستنبطون من القرآن، ويعرفون الحلال والحرام، وهم حُجَّة الله على خلقه. وفى الإكمال عن الباقر: مَن وضع ولاية الله وأهل استنباط علم الله فى غير أهل الصفوة من بيوتات الأنبياء فقد خالف أمر الله ، وجعل الجُهَّال وُلاة أمر الله، والمتكلفين بغير هدى زعموا أنهم أهل استنباط علم الله فكذبوا على الله وزاغوا عن وصية الله وطاعته، فلم يضعوا فضل الله حيث وضعه الله ﵎، فضلُّوا وأضلُّوا أتباعهم، فلا تكون لهم يوم القيامة حُجَّة".
* *
* موقف المؤلف من مسائل علم الكلام:
والمؤلف كغيره من الشيعة متأثر إلى حد ما بتعاليم المعتزلة وآرائهم الكلامية، فهو يوافقهم فى بعض المسائل، ويخالفهم فى بعض آخر منها. وإنَّا لنلحظ هذا التأثر فى تفسيره للآيات التى لها ارتباط بالمسائل الكلامية، وإليك بعض المثل التى وافق فيها المعتزلة، وبعض المثل التى خالفهم فيها:
*
стр. 467
أفعال العباد:
يرى صاحبنا أن العبد يخلق أفعال نفسه، ويوافق برأيه هذا رأى المعتزلة القائلين بخلق العباد أفعال أنفسهم. ولهذا نراه يتأثر بهذه العقيدة فى تفسيره. فمثلاً عندما فسَّر قوله تعالى فى الآية [١٢٣] من سورة الأنعام: ﴿وكذلك جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا﴾ ... الآية، نراه يفر من نسبة هذا الجعل إلى الله تعالى فيقول: ".. والمعنى خليناهم وشأنهم ليمكروا ولم نكفهم عن المكر".
* *
* رؤية الله:
كذلك يوافق ملا محسن المعتزلة فى أن رؤية الله تعالى غير جائزة ولا واقعة، ولهذا نراه يتأوَّل آيات الرؤية كما تأوَّلها المعتزلة.
فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآيتين [٢٢، ٢٣] من سورة القيامة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ .. يقول ما نصه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾ القُمِّى: أى مشرقة، ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ قال: ينظرون إلى وجه الله أى إلى رحمته ونعمته. وفى العيون عن الرضا قال: يعنى مشرقة تنتظر ثواب ربها. وفى التوحيد والاحتجاج عن أمير المؤمنين فى حديث قال: ينتهى أولياء الله بعد ما يُفرغ من الحساب إلى نهر يسمى "الحيوان"، فيغتسلون فيه ويشربون منه فتبيض وجوههم إشراقاً، فيذهب عنهم كل قذى ووعث، ثم يُؤمرون بدخول الجنَّة، فمن هذا المقام ينظرون إلى ربهم، قال: فذلك قوله تعالى: ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ، وإنما نعنى بالنظر إليه النظر إلى ثوابه ﵎. وزاد فى الاحتجاج: والناظرة فى بعض اللغة هى المنتظرة، ألم تسمع إلى قوله: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المرسلون﴾ [النمل: ٣٥] .. أى منتظرة".
* الشفاعة:
ويخالف المؤلف المعتزلة فى القول بالشفاعة فهو يرى أنها جائزة وواقعة يوم القيامة، وأهل البيت يشفعون للعصاة من شيعتهم، ولهذا عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٤٨] من سورة البقرة: ﴿واتقوا يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ ... الآية، نراه ينقل من تفسيره الإمام عن الصادق أنه قال: "هذا يوم الموت فإن الشفاعة والفداء لا يُغنى عنه، فأما القيامة فإنَّا وأهلنا نجزى عن شيعتنا كل جزاء، ليكونن على الأعراف بين الجنَّة والنار: محمد، وعلىّ، وفاطمة، والحسن، والحسين، والطيبون من آلهم، فنرى بعض شيعتنا فى تلك العرصات، فمَن كان منهم مُقصِّراً وفى بعض شدائدها فنبعث عليهم خيار شيعتنا كسلمان، والمقداد، وأبى ذر، وعمَّار، ونظرائهم فى العصر الذى يليهم، ثم فى كل عصر إلى يوم القيامة، فينقضوُّن عليهم كالبزاة والصقور، ويتناولونهم كما تتناول البزاة والصقور صيدها،
стр. 468
فيزفونهم إلى الجنة زفاً، وإنَّا لنبعث على آخرين من محبينا خيار شيعتنا كالحمام فيلتقطونهم من العرصات كما يلتقط الطير الحب وينقلونهم إلى الجنان بحضرتنا، وسيؤتى بالواحد من مُقصِّرى شيعتنا فى أعماله بعد أن حاز الولاية والتقية وحقوق إخوانه ويوقف بإزائه مائة أو أكثر من ذلك إلى مائة ألف من النُّصَّاب فيقال له: هؤلاء فداؤك من النار، فيدخل هؤلاء المؤمنون الجنَّة وأُولئك النُّصَّاب النار، وذلك ما قال الله فى الآية [٢] . من سورة الحجر: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ﴾ يعنى: بالولاية، ﴿لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ فى الدنيا، منقادين للأئمة، ليُجعل مخالفوهم من النار فداؤهم".
* *
* السحر:
كذلك يخالف المؤلف المعتزلة فى القول بالسحر، فهو يعترف بحقيقته ولا ينكر أن النبى ﷺ سُحر، ولهذا نراه عند تفسيره لسورة الفلق يقول ما نصه: ﴿وَمِن شَرِّ النفاثات فِي العقد﴾ [الفلق: ٤] ومن شر النفوس أو النساء السواحر اللواتى يعقدن عقداً فى خيوط وينفثن عليها، والنفث: النفخ مع ريق.. ثم ذكر الحديث الذى فيه أن رسول الله ﷺ سُحِر بفعل لبيد ابن الأعصم.
* *
* روايته للأحاديث الموضوعة:
ثم لا يفوتنا أن ننبه على أن هذه الأحاديث التى يرويها المؤلف فى تفسيره عن رسول الله ﷺ أو عن أهل البيت كشاهد لصحة ما يقول، هى فى الغالب مكذوبة موضوعة لا أصل لها، وقد مَرّ بك الكثير من هذه الروايات، وهى ناطقة على نفسها بالوضع، فلستُ فى حاجة إلى بيان وضعها بميزان نقد الرواة، إذ نحن فى غنى عن هذا بعد ما حمل الحديث تكذيب نفسه بنفسه فى ثنايا ألفاظه ومعانيه. والمصنف بعد هذا لا يفوته أن يذكر فى نهاية تفسير كل سورة من الروايات عن أهل البيت ما يشهد لفضل هذه السورة، وما أعد الله لقارئها من الأجر والثواب، وفى اعتقادى أن هذه الروايات لا تعدو أن تكون مكذوبة كالروايات المنسوبة إلى أُبَىّ وابن عباس فى فضائل السور، وليس بغريب أن يذكر صاحبنا مثل هذه الروايات المكذوبة فى تفسيره بعد ما سوَّد كتابه من أوله إلى آخره بالأحاديث الموضوعة على رسول الله ﷺ وعلى آل بيته عليهم رضوان الله.
* * *
стр. 469
٥- تفسير القرآن (للسيد عبد الله العلوى)
* التعريف بمؤلف هذا التفسير:
مؤلف هذا التفسير هو السيد عبد الله بن محمد رضا، العلوى، الحسينى، الشهير بشبَّر، وُلِد بأرض النجف سنة ١١٨٨ هـ (ثمان وثمانين ومائة بعد الألف من الهجرة النبوية) .. ثم ارتحل مع والده إلى الكاظمية ومكث بها إلى أن مات سنة ١٢٤٢ هـ (اثنتين وأربعين ومائتين بعد الألف من الهجرة) . كان فى نظر أصحابه من أعيان الشيعة وفضلائهم، فقيهاً، محدِّثاً، مفسِّراً متبحراً، جامعاً لعلوم كثيرة، آية فى الأخلاق. تلقى العلم على والده، وعلى الإمام الكبير السيد محسن الأعرجى، وقد تتلمذ عليه خلق كثير، لأنهم كانوا يعتبرونه عَلَماً من أعلام الشيعة، وشخصية علمية بارزة لها مكانها ومقدارها. ولقد عكف مدة حياته العلمية على التأليف والتصنيف حتى أخرج للناس مع سنه الذى لم يتجاوز الأربع والخمسين سنة كتباً كثيرة ومصنفات عديدة نذكر منها:
١ - الدرر المنثورة فى المواعظ المأثورة عن الله تعالى والنبى والأئمة الطاهرين ﵈ والحكماء.
٢ - رسالة فى حِجَّية خبر واحد.
٣ - إعمال السُّنَّة. كتاب على نمط زاد المعاد للمجلسى.
٤ - رسالة فى حِجِّية العقل والحسن والقبح العقليين.
٥ - مصباح الظلام فى شرح مفاتيح شرائع الإسلام.
٦ - قصص الأنبياء.
٧ - البرهان المبين فى فتح أبواب علوم الأئمة المعصومين.
٨ - كتاب شرح نهج البلاغة.
٩ - صفوة التفاسير فى ستين ألف بيت.
١٠ - الجوهر الثمين فى تفسير القرآن المبين.. فى مجلدين فى ثلاثين ألف بيت.
١١ - التفسير الوجيز، مجلد واحد فى ثمانية عشر ألف بيت. ولعل هذا التفسير هو الذى فى أيدينا.
وهناك مؤلفات أخرى كثيرة مذكورة فى ترجمته لا نطيل بذكرها.
* *
* التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه:
هذا التفسير يجرى على مذهب الإمامية الإثنا عشرية، من حمل ألفاظ القرآن
стр. 470
الكريم على معان تتفق وأصول المذهب وتعاليمه، مع شئ من التعصب والغلو فى التنويه بشأن أهل البيت والحط من قدر الصحابة الذين يعتبرهم غير موالين لعلىّ وذُرِّيته. والكتاب مختصر فى ألفاظه، موجز فى عباراته، مع تضمنه للمعانى الكثيرة الدقيقة، فهو أشبه ما يكون بتفسير الجلالين من جهة إفادة المعانى كثيرة، والنكات الخفية الدقيقة، بعبارة سهلة موجزة.
ولقد حرص المؤلف فيه على أن يكون جُلّ اعتماده على ما ورد من التفسير عن أهل البيت، وإن كان لا يعزو كل قول إلى قائله فى الغالب، كما حرص على أن ينصر مذهبه ويدافع عنه سواء فى ذلك ما يتعلق بأُصول المذهب أو بفروعه، وهو بعد ذلك يشرح الآيات التى لها صلة بمسائل علم الكلام شرحاً يتفق أحياناً كثيرة مع مذهب المعتزلة، وأحياناً مع مذهب أهل السُّنَّة. وذلك راجع إلى أنه يأخذ بمذهب المعتزلة فى بعض المسائل، وبمذهب أهل السُّنَّة فى بعض آخر منها، شأن الكثير الغالب من علماء الإمامية الإثنا عشرية. ثم لا يفوت المؤلف فى تفسيره هذا أن يشير إلى بعض مشكلات القرآن التى ترد على ظاهر النظم الكريم. ثم يجيب عنها. كما لا يفوته أن يكشف لنا عن كثير من النكات اللَّفظية والبيانية والمعنوية، مع الخوض أحياناً فى المعانى اللُّغوية والمسائل النحوية، كل هذا - كما قلت - فى أسلوب ممتع لا يمل قارئه من تعقيد ولا يسأم من طول.
ولقد وصف المؤلف تفسيره هذا، وبيَّن مسلكه فيه فقال فى مقدمته:
"هذه كلمات شريفة، وتحقيقات منيفة، وبيانات شافية، وإشارات وافية، تتعلق ببعض مشكلات الآيات القرآنية، وغرائب الفقرات الفرقانية. وتتحرى غالباً ما ورد عن خُزَّان أسرار الوحى والتنزيل، ومعادن جواهر العلم والتأويل، والذين نزل فى بيوتهم جبرائيل، بأوجز إشارة، وألطف عبارة، وفيما يتعلق بالألفاظ والأغراض والنكات البيانية تفسير وجيز، فإنه ألطف التفاسير بياناً وأحسنها تبياناً مع وجازة اللَّفظ وكثرة المعنى".
هذا.. وقد أتم المؤلف تفسيره هذا - كما قال فى خاتمته - فى جمادى الأولى سنة ١٢٣٩ هت (تسع وثلاثين ومائتين بعد الألف من الهجرة) والكتاب مطبوع فى مجلد واحد كبير الحجم، وموجود بدار الكتب المصرية، وإليك بعض ما يكشف عن منهج هذا التفسير:
* تعصب المؤلف لأصول مذهبه وأثر ذلك فى تفسيره:
هذا.. وإن المؤلف بحكم عقيدته وهواه يتأثر فى تفسيره بتعاليم الإمامية
стр. 471
الإثنا عشرية وأُصول مذهبهم، فلا يكاد يمر بآية يلمح منها حُجَّة لمذهبه أو دفعاً لمذهب مخالفيه إلا فسَّرها كما يحب ويهوى.
* الإمامة:
فمثلاً نراه يتأثر بعقيدته فى الإمامة عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٥٥] من سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين آمَنُواْ الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكاة وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ .. فيذكر أنها "نزلت فى علىّ ﵇ حين سأل سائل وهو راكع فى صلاته فأومأ إليه بخنصره فأخذ خاتمه منها".. ويدَّعى إطباق أكثر المفسِّرين على ذلك واستفاضة الروايات فيه من الجانبين - جانب الموافقين وجانب المخالفين - ثم يقول بعد ذلك: "وتدل - يعنى الآية - على إمامته دون مَن سواه، للحصر وعدم اتصاف غيره بهذه الصفات، وعَبَّر عنه بصيغة الجمع تعظيماً، أو لدخول أولاده الطاهرين".
وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٦٧] من سورة المائدة أيضاً: ﴿ياأيها الرسول بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ ... الآية، يروى عن أهل البيت وابن عباس وجابر: "أن الله أوحى إلى نبيه أن يستخلف علياً، فكان يخاف أن يشق ذلك على جماعة من أصحابه فنزلت، فأخذ بيده فقال: ألستُ أولى بكم من أنفسكم"؟ قالوا: بلى.. قال: "مَن كنت مولاه فعلىّ مولاه".
* كل إمام يوصى لمن بعده:
ويدين المؤلف بأن الأمر الإمامة ليس موكولاً لأحد من الناس، بل كل إمام يوصى لمن بعده، ولهذا نراه عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٥٨] من سورة النساء: ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إلى أَهْلِهَا﴾ .. الآية، يعترف بأن الأمر يعم كل مكلَّف وكل أمانة.. ثم يقول: "وعنهم ﵈ أنه أمر لكل واحد من الأئمة أن يسلم الأمر لمن بعده".
وفى سورة الأحزاب عند قوله تعالى فى الآية [٣٦] : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخيرة مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ... الآية، يقول: "وفيه رد على من جعل الإمامة بالاختيار".
* *
* وجود الأئمة فى كل زمان وعصمتهم، ووجوب الرجوع إليهم عند الاختلاف دون غيرهم:
ولما كان المؤلف يرى أنه لا يخلو كل زمان من إمام، وأن الأئمة لهم من الله العصمة
стр. 472
كالأنبياء وليس هذا لغيرهم، فإنه يوجب الرجوع إليهم عند الاختلاف وعدم وجود نص من الكتاب أو السُّنَّة، وأما مَن عداهم من الناس فلا يصح الرجوع إليه بحال من الأحوال، لأن غير المعصوم لا يُرجع إليه، ولا يُؤخذ برأيه فى مسائل الخلاف.
يقول المؤلف هذا ويدين به فنجده يتأثر به فى تفسيره، فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٥٩] من سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ﴾ .. الآية، يقول: "دَلَّ على وجود أُولى الأمر فى كل زمان، بحيث يجب طاعتهم لعلمهم وفضلهم، وعصمتهم، ولا ينطبق إلا على مذهب الإمامية.. وعنهم ﵈: إيانا عنى خاصة، أمر جميع المؤمنين إلى يوم القيامة بطاعتنا. ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ﴾ أيها المأمورون، ﴿فِي شَيْءٍ﴾ من أُمور الدين،. ﴿فَرُدُّوهُ﴾ فراجعوا فيه، ﴿إِلَى الله﴾ إلى محكم كتابه، ﴿والرسول﴾ بالأخذ لسُنَّته، والمراجعة إلى من أمر بالمراجعة إليه، فإنها رد إليه. وقرئ: "فإن خفتم تنازعاً فى شئ فردوه إلى الله وإلى الرسول وإلى أُولى الأمر منكم".
وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٨٣] من سورة النساء أيضاً: ﴿وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأمن أَوِ الخوف أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرسول وإلى أُوْلِي الأمر مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ .. يقول: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرسول وإلى أُوْلِي الأمر مِنْهُمْ﴾ هم آل محمد ﵈، ﴿لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ يستخرجون تدبيره بأفكارهم وهم آل محمد ﵈.
* *
* الرجعة:
والمؤلف يدين بالرجعة ويتأثر بها، فمثلاً فى تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٢، ٣] من سورة البقرة: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب﴾ .. نجده يُفسِّر الغيب: "بما غاب عن حواسهم من معرفة الصانع، وصفاته، والنبوة، وقيام القائم، والرجعة، والبعث، والحساب، والجنَّة والنار".
ومثلاً فى تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٥٦] من سورة البقرة أيضاً: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ .. يقول: "وفيه حُجَة على صحة البعث والرجعة".
* *
* التقيَّة:
ولتأثر المؤلف بعقيدته فى التقيَّة نجده عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٢٨] من سورة آل عمران: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ المؤمنين وَمَن يَفْعَلْ
стр. 473
ذلك فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ ... الآية، يقول: "رخَّص لهم إظهار موالاتهم إذا خافوهم مع إبطال عداوتهم وهى التقيَّة التى تدين بها الإمامية، ودلت عليها الأخبار المتواترة وقوله: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان﴾ [النحل: ١٠٦] .
* *
* تحريف القرآن:
كذلك نجد شبَّراً يعتقد بأن القرآن بُدِّل وحُرِّف، ولما اصطدم بقوله تعالى فى الآية [٩] من سورة الحِجْر: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ، نجحده يتفادى هذا الاصطدام بالتأويل فيقول: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ عند أهل الذكر واحداً بعد واحد إلى القائم، أو فى اللَّوح.. وقيل: الضمير للنبى".
* *
*آيات العتاب:
والمؤلف يكبر عليه معاتبة الله لنبيه محمد ﷺ على أمر من الأُمور، فيحاول بكل ما يستطيع أن يُحوِّل العتاب إلى غير النبى ﷺ .
فمثلاً عتاب الله لنبيه ﷺ فى شأن ابن أُم مكتوم يشق على شبَّر أن يكون مقصوداً به النبى، فنراه يقتصر على ما روى عن أهل البيت من أن آيات العتاب "نزلت فى رجل من بنى أُميَّة، كان عند النبى ﷺ فجاء ابن أُم مكتوم فلما رآه تقذَّر منه وجمع نفسه وعبس وأعرض بوجهه عنه".
* *
* طعنه على الصحابة:
وإنَّا لنلاحظ على المؤلف أنه يطعن على الصحابة ويرميهم بالكفر أو ما يقرب منه، ويجردهم من كل فضل نُسب إليهم فى القرآن تنقيصاً لهم، وحطاً من قدرهم.
فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٤٠] من سورة التوبة: ﴿ثَانِيَ اثنين إِذْ هُمَا فِي الغار إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾ ... الآية، نجده يعرض عن تعيين هذا الذى صحب النبى ﷺ فى هجرته، وهو أبو بكر، ثم يُصرِّح أو يُلمِّح بما ينقص من قدره، أو يذهب بفضله المنسوب إليه والمنوَّه به فى القرآن الكريم فيقول: ﴿ثَانِيَ اثنين﴾ حال أى معه واحد لا غير، ﴿إِذْ هُمَا فِي الغار﴾ نقب فى ثور، وهو جبل بقرب مكة، ﴿إِذْ﴾ بدل ثان، ﴿يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ - ولا مدح فيه إذ قد يصحب المؤمن الكافر كما قال: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ [الكهف: ٣٧]- ﴿لاَ تَحْزَنْ﴾ فإنه خاف على نفسه وقُبض واضطرب حتى كاد أن يدل عليهما فنهاه عن ذلك، ﴿إِنَّ الله مَعَنَا﴾ عالم بنا. ﴿مَا يَكُونُ مِن نجوى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ
стр. 474
هُوَ رَابِعُهُمْ ... ﴾ ... . إلى قوله. ﴿إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] : أى عالِم بهم. ﴿فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ طمأنينته، ﴿عَلَيْهِ﴾ على الرسول. وفى إقرانه ﷺ ههنا مع اشتراك المؤمنين معه حيث ذكرت ما لا يخفى، وجعل "الهاء" لصاحبه ينفيه كونها للرسول قبل وبعد.. إلخ".
* *
* تعصبه لآل البيت:
ولقد مَرَّ بنا عند قراءتنا فى هذا التفسير، الكثير مما يدل على تعصب المؤلف لآل البيت تعصباً ممقوتاً مرذولاً، فتارة نجده يصرف اللفظ العام إلى علىّ رضى الله عنه، كما فعل فى الآية [٤] من سورة التحريم عند قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ ، فإنه صرف لفظ "صالح المؤمنين" عن عمومه وادَّعى أنه خاص بأمير المؤمنين علىّ ﵇، كما ادَّعى رواية العامة والخاصة لذلك.
كما نجده يحاول أن يأخذ من القرآن ما يدل على أن آل البيت كانوا معروفين لدى الأُمم السابقة وأنبيائهم يتوسلون بهم إلى الله، فيكشف عنهم الغُمَّة، ويزحزح عنهم الكُرْبة.
فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٣٤] وما بعدها من سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسجدوا لأَدَمََ﴾ ... إلى آخر القصة، نجده يدَّعى أن السجود لآدم إنما كان "لما فى صلبه من نور محمد ﷺ وأهل بيته"، ويدَّعى أن الكلمات التى تلقاها آدم من ربه ليتوب عليه هو "التوسل فى دعائه بمحمد ﷺ وآله الطيبين".
ومثل هذا التعصب كثير فى مواضع من هذا التفسير.
* *
* علم القرآن كله عند آل البيت:
والمؤلف يدَّعى - كغيره من الإمامية الإثنا عشرية - أن علم القرآن كله عند أهل البيت دون غيرهم، وأنَّا لنجد أثر هذا واضحاً فى تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٧] من سورة آل عمران: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله والراسخون فِي العلم﴾ ... الآية، وذلك حيث يقول: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ تأويل القرآن كله الذى يجب أن يُحمل عليه ﴿إِلاَّ الله والراسخون فِي العلم﴾ الثابتون فيه ومَن لا يُختلف فى علمه.. عن الصادق ﵇: نحن الراسخون فى العلم، ونحن نعلم تأويله. ومَن وقف مِن الجمهور على "الله"، فسَّر المتشابه بما استأثر الله تعالى بعلمه كوقت قيام الساعة ...
стр. 475
نحوه". * *
* تأثر المؤلف فى تفسيره بفروع الإمامية الفقهية:
ثم إن المؤلف يجرى فى تفسيره لآيات الأحكام على وفق ما يأخذ به ويميل إليه من اجتهادات فقهاء الإمامية.
* نكاح المتعة:
فمثلاً نجده يتأثر برأيه الذى يقول بجواز نكاح المتعة وعدم نسخه. فنراه عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٢٤] من سورة النساء: ﴿ ... وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ... الآية، يقول: "والمراد به نكاح المتعة بإجماع أهل البيت، ويدل عليه قراءة أُبَىّ وابن عباس وابن مسعود: "فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى"، ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ مهورهن، ﴿فَرِيضَةً﴾ من الله ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفريضة﴾ من استئناف عقد آخر بعد انقضاء المدة بزيادة فى الأجر والمدة".
* *
* فرض الرِجْلين فى الوضوء:
ولما كان المؤلف يرى أن فرض الرِجْلين فى الوضوء هو المسح لا الغسل، فإنَّا نراه يشير إلى ذلك عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٦] من سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكعبين﴾ ... الآية، فيقول: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكعبين﴾ .. بالجر كما عن حمزة وابن كثير وأبى عمرو.. ونصبه الباقون عطفاً على "رُءُوسِكُمْ" محلاً".
* *
* الغنائم:
كذلك يقول المؤلف بما يقول به علماء مذهبه فى تفسير خُمس الغنائم، ويجرى على مذهبه فى تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٤١] من سورة الأنفال: ﴿واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ﴾ ... الآية، فيقول: ﴿فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ﴾ خبر محذوف، أو مبتدأ، أى فالحكم أو فواجب أن الله خُمُسه، ﴿وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القربى﴾ الإمام، ﴿واليتامى﴾ يتامى الرسول، ﴿والمساكين﴾ منهم، ﴿وابن السبيل﴾ منهم".
وفى تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٧] من سورة الحشر: ﴿مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ ...
стр. 476
الآية. يقول مثل ما قاله فى الآية السابقة وينبه على أنه مَرَّ فى الأنفال نحوه.
* *
* ميراث الأنبياء:
ونجد شبَّراً يقول بأن الأنبياء يُوَرِّثون المال كسائر الناس، ولهذا عند تفسيره لقوله تعالى فى الآيتين [٥، ٦] من سورة مريم: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الموالي مِن وَرَآئِي وَكَانَتِ امرأتي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ واجعله رَبِّ رَضِيّاً﴾ .. يقول ما نصه: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الموالي﴾ الذين يلونى فى النسب، وهم بنو عمه، ﴿مِن وَرَآئِي﴾ بعد موتى أن يرثوا مالى فيصرفوه فيما لا ينبغى، إذ كانوا أشراراً ﴿وَكَانَتِ امرأتي عَاقِراً﴾ لا تلد ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً﴾ ابناً، ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ ... إلخ".
وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١٦] من سورة النمل: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ ... الآية، يقول ما نصه: "وورث سليمان داود ماله ومُلْكه، وقيل: نبوته وعلمه، بأن قام مقامه فى ذلك بدون سائر بنيه وهم تسعة عشر، والأول مروى".
* *
* نكاح الكتابيات:
ولكن نرى المؤلف فى مسألة نكاح الكتابيات يميل إلى القول بالحلِّ وعدم الحُرْمة، ففى قوله تعالى فى الآية [٥] من سورة المائدة: ﴿اليوم أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ والمحصنات مِنَ المؤمنات والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ﴾ ... الآية، يقول: ﴿والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ﴾ ظاهره حل نكاح كل كتابية ذمِيَّة أو حربية، دائماً، أو منقطعاً، أو ملكاً.. فيخص آية: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات﴾ إن شملت الكتابية.. وعن الباقر ﵇ أنه منسوخ بتلك".
وعند قوله تعالى فى الآية [١٠] من سورة الممتحنة: ﴿وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر﴾ .. نراه يمر عليها بدون أن يتعرَّض لهذا الموضوع أصلاً". * *
* تأثره بمذهب المعتزلة فى تفسيره:
والمؤلف كغيره من علماء الإمامية الإثنا عشرية ينظر إلى بعض المسائل الكلامية نظرة المعتزلة إليها، ويقول بما يقولون به فى كثير من أُمور العقائد، كما يخالف أهل الاعتزال فى بعض منها ويقول بما يقول به أهل السُّنَّة، وإننا لنلمس أثر ذلك واضحاً جلياً فى تفسيره لكتاب الله تعالى.
стр. 477
* حرية الإرادة وخلق الأفعال:
فمثلاً نجد المؤلف يوافق المعتزلة فى أن العبد حُرٌ فى إرادته. خالق لأفعاله كلها، ولهذا نراه كلما اصطدم بآية من الآيات التى تدل على أن الله هو الذى يخلق أفعال العباد، لجأ إلى التأويل الذى يتفق مع عقيدته هذه.
فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٧] من سورة البقرة: ﴿ ... خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ وعلى سَمْعِهِمْ وعلى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ .. نراه يفر من نسبة الختم إلى الله تعالى ويقول: ﴿خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ وعلى سَمْعِهِمْ﴾ وسمها بسمة يعرفها مَن يشاء من ملائكته وأوليائه، إذا نظروا إليها علموا بأنهم لا يؤمنون. وعن الرضا ﵇: الختم هو الطبع على قلوب الكفار عقوبة على كفرهم - كما قال تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]- ﴿وعلى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ غطاء.. (أقول) : ويمكن أن يكون تهكماً حكاية لقولهم: ﴿قُلُوبُنَا في أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥] أى فى الآخرة. والتعبير بالماضى لتحققه، ويشهد له قوله: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً﴾ [الإسراء: ٩٧] .
ومثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١٠٨] من سورة الأنعام: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ .. الآية، نراه يفر من نسبة التزيين إلى الله فيقول: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ .. أى لم نكفهم حتى حسن عندهم سوء عملهم، أو أمهلنا الشيطان حتى زينَّه لهم".
ومثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١١٢] من السور نفسها: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإنس والجن﴾ ... الآية، يتخلص من نسبة الجعل هنا إلى الله تعالى بتأويله بالتخلية فيقول: "أسند الجعل إليه تعالى لأنه بمعنى التخلية، أى لم يمنعهم من العداوة".
ومثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١٢٥] من السور نفسها: ﴿فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً﴾ ... الآية، نراه يخرج من هذه الورطة بإرادة معنى اللطف والخذلان فيقول: ﴿فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ﴾ أى يلطف به ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ﴾ بأن يفسح فيه ويُنوِّر قلبه، ﴿وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً﴾ أى يمنعه آلطافه حتى ينبو عن قبول الحق فلا يدخله الإيمان".
стр. 478
* رؤية الله:
ولقد تأثر المؤلف أيضاً فى تفسيره باعتقاده بعدم رؤية الله وعدم وقوعها، ولهذا لما فسَّر قوله تعالى فى الآية [١٤٣] من سورة الأعراف: ﴿قَالَ رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي ولاكن انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ ... الآية، قال ما نصه: ﴿قَالَ رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ روى لما كرر سؤال الرؤية أوحى الله إليه: يا موسى سلنى ما سألوك فلن أُؤاخذك بجهلهم، ﴿قَالَ لَن تَرَانِي ولاكن انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ علق على المحال، ﴿فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ أى أظهر له أمره واقتداره أو نوره وعظمته، ﴿فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ تنزيها لك عما لا يليق بك من الرؤية وغيرها، ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ من طلب الرؤية، أو السؤال بلا إذن، ﴿وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين﴾ بأنك لا تُرى".
وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآيتين [٢٢، ٢٣] من سورة القيامة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ .. يقول: "ناظرة إلى رحمته وإنعامه".
* *
* غفران الذنوب:
ولما كان المؤلف يخالف المعتزلة فى بعض معتقداتهم، فإنَّا نراه يُفسِّر الآيات التى يستندون إليها فى بعض عقائدهم بخلاف تفسيرهم لها، فمثلاً يرى المؤلف أنه يجوز فى حق الله تعالى أن يغفر الذنوب - إلا الشرك - بدون توبة من العبد تفضلاً منه ورحمة، وهذا ما لا يقول به المعتزلة، فلهذا نجده يجرى على هذه العقيدة فى تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٤٨] من سورة النساء: ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ فيقول: ﴿.. إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ﴾ أى الشرك ﴿بِهِ﴾ بدون توبة للإجماع على غفرانها بها، ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ ما سواه من الذنوب بدون توبة، ﴿لِمَن يَشَآءُ﴾ تفضلا، ومقتضاه الوقوف بين الخوف والرجاء".
وهكذا نجد هذا الكتاب يجمع بين الاختصار وسهولة العبارة مع كثير من التعصب للمذهب الشيعى، والدفاع عن أُصوله وفروعه.
* * *
٦- بيان السعادة فى مقامات العبادة (لسلطان محمد الخراسانى)
* التعريف بمؤلف هذا التفسير:
مؤلف هذا التفسير هو سلطان محمد بن حيدر الجنابذى الخراسانى أحد متطرفى الإمامية الإثنا عشرية فى القرن الرابع عشر الهجرى.
* *
*
стр. 479
قيمة هذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه:
يعطينا هذا التفسير لونا آخر من ألوان التفسير عند الإمامية الإثنا عشرية، وذلك لأن كل ما تقدم لنا من كتبهم فى التفسير يكاد يكون متفقاً على لون واحد، وهو نقل ما جاء فى التفسير عن الأئمة وآل البيت، وما كان من تفاوت بينها فهو لا يعدو أن يكون تفاوتاً بمقدار ما بين مؤلفيها من اعتدال فى التشيع أو غلو فيه، وبمقدار ما بينهم من تفاوت فى القدرة على تأييد مذهبهم وتدعيم أُصوله بالأدلة والبراهين.
أما هذا الكتاب الذى نحن بصدده فقد سلك مؤلفه فيه مسلكاً غير هذا المسلك، مما جعل له لوناً مخالفاً للون تلك الكتب السابقة، ذلك أن المؤلف وإن كان يعتقد كغيره من علماء مذهبه أن علم القرآن كله عند الأئمة، إلا أنه لم يعتمد فى تفسيره على هذه الناحية كل الاعتماد، بل تراه يمزج بها التفسير الصوفى الذى يقوم على الرموز والإشارات، كما يخلط بالتفسير كثيراً من البحوث الفلسفية الدقيقة. والذى يقرأ هذا الكتاب ويتتبع ما فيه من الشطحات الصوفية العميقة فى إدراكها، الغريبة فى لفظها وأسلوبها، لا يسعه إلا أن يحكم على الكتاب بأنه مغلق فى إدراك معانيه، عسير فى فهم مراده ومراميه. وأنا إذ أحكم على الكتاب هذا الحكم لا أكون مغالياً ولا متجنياً فيما حكمت، فكثيراً ما قرأت فيه العبارة المرة بعد المرة، ولا أخرج منها إلا بالمعنى القاصر المبتور، بعد أن يرتد إلىَّ البصر خاسئاً وهو حسير، ويرجع الذهن عاجزاً عن الفهم وهو كليل.. وربما أكون واهماً فى هذا الحكم، لقصور معرفتى باصطلاحات القوم، وعدم وقوفى على أُصول مذهبهم ومرامى رموزهم التى يرمزون بها.. ولو تيسر لى ذلك لجاز أن يكون لى حكم على هذا التفسير مغاير لهذا الحكم، ورأى فيه مخالف لهذا الرأى..
والذى نلحظه فى هذا التفسير بعد ذلك: أنه يدافع عن أُصول مذهبه ويطيل فى دفاعه، مع تعصب كبير، وتطرف بالغ إلى درجة الغلو والعناد. أما فروع المذهب ومسائله الاجتهادية الفقهية، فيمر عليها مراً سريعاً بدون تفصيل للأدلة وبيان لوجهة النظر، كما نلاحظ فيه أنه لا يقتصر على النقل من تفاسير الشيعة بل ينقل من تفاسيرها أهل السُّنَّة أيضاً كالبيضاوى وغيره، وكثيراً ما ينقل بعض العبارات الفارسية لبعض العلماء كشاهد على ما يقول.
وبالجملة.. فالكتاب يكاد فى جملته أن يكون تفسيراً جارياً على النمط الذى يجرى عليه الصوفية فى تفاسيرهم، ويظهر أن مؤلفه كان يقصد هذا اللون الصوفى فى تفسيره أولاً، وبالذات، يدلنا على ذلك هذه العبارة التى نقتطفها من مقدمة تفسيره وهى قوله: ".. وقد كنت نشيطاً منذ أوان اكتسابى للعلوم وعنفوان شبابى بمطالعة
стр. 480
كتب التفاسير والأخبار ومدارستها، ووفقنى الله تعالى لذلك، وقد كان يظهر لى فى بعض الأحيان من إشارات الكتب وتلويحات الأخبار لطائف ما كنت أجدها فى كتاب ولا أسمعها من خطاب، فأردت أن أُثبتها فى وريقات، وأجعلها نحو تفسير للكتاب، لتكون تذكرة لى ولإخوانى المؤمنين، وتنبيهاً لنفسى ولجملة الغافلين، راجياً من الله أن يجعلها لى ذخيرة ليوم الدين، ولسان صدق فى الآخرين وهو جدير بأن يسمى: "بيان السعادة فى مقدمات العبادة".
فأنت ترى أن المؤلف يقرر فى هذه العبارة أن تفسيره هذا عبارة عن مجموعة تلك الإشارات والتلويحات التى فتح الله بها عليه ولم يُسبق إليها، فلو أَنَّا جعلناه ضمن تفسير الصوفية لما كنا بعيدين عن وجهة الحق والصواب، ولكنا آثرنا أن نجعله ضمن تفاسير الإمامية الإثنا عشرية، لما فيه من اللَّون المذهبى والأثر الشيعى البالغ حد التطرف والغلو حتى فى ناحيته الصوفية والفلسفية. والكتاب مطبوع فى جزءين، وموجود بدار الكتب المصرية، آخره ما يدل على أن مؤلفه فرغ منه سنة ١٣١١هـ.
وأرى قبل كل شئ أن أسوق للقارئ الكريم أهم الآراء التى يقول بها المصنِّف ويجهر بها فى مقدمة تفسيره، ثم أعرض بعد هذا لتوضيح مسلكه الذى سلكه فى هذا التفسير بما أذكره ضمن النماذج المختلفة. وإليك أهم هذه الآراء:
* الإمامية الإثنا عشرية والمهدى المنتظر:
يدين صابحنا بأن علياًَ أول العترة، ووارث علم محمد ﷺ ، وبعده الأحد عشر من ولده، وأن الحادى عشر منهم غائب قائم منتظر لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطوَّل الله ذلك اليوم حتى يخرج ويملأ الأرض قِسْطاً وعدلاً، كما مُلئت ظلماً وجوراً، وأن هؤلاء الإثنا عشر أئمته وشفعاؤه يوم القيامة.
* *
* القرآن والعترة:
ويعتقد المؤلف أن القرآن دليل العترة، وأن العترة مبينون للقرآن، ويقول: "إن القرآن إمام صامت، والعترة إمام ناطق"، كما يقول: "إن محبة العالِم من العترة وتعظيمه، والنظر إليه، والجلوس عنده، واستماع قوله وسماعه، والتدبر فى أفعاله وأحواله وأخلاقه، والتفكر فى شئونه والتسليم له والمتشابهات ما منه، وتخلية بيت القلب لنزوله بملكوته فيه، بملاحظة أنه حبل الله الممدود إلى الناس من غير عناد منه من أعظم العبادات. كذلك تعظيم القرآن، والنظر فى سطوره، واستماع كلماته وسماعها، والتدبر فى عباراته، والتفكر فى إشاراته ولطائفه، وتخلية بيت القلب
стр. 481
لتجلى حقائقه، واتباع أحكامه وتسليم متشابهاته من أعظم العبادات إذا كان بلحاظ كونه حبلاً ممدوداً من الله".
* *
* علم القرآن جميعه عند محمد والأوصياء:
ويعتقد المؤلف أن علم القرآن جميعه عند النبى ﷺ والأئمة، أما مَن عداهم فعلمهم بمعانى القرآن قاصر لا يبلغ المبلغ الذى خُصَّ به النبى والأئمة، وذلك فى نظره راجع إلى تفاوت المقامات التى يتفاوت العلم بتفاوتها. ونظرية تفاوت المقامات التى يتفاوت من أجلها العلم بمعانى القرآن، نظرية فلسفية صوفية شيعية، وإليك نص عبارة المؤلف فى الفصل العاشر من مقدمة كتابه لتكون على بصيرة بها..
يقول المؤلف ما نصه: "الفصل العاشر: إن علم القرآن بتمام مراتبه منحصر فى محمد ﷺ وأوصيائه الإثنا عشر وليس لغيرهم إلا بقدر مقامه، قد مضى أن بطون القرآن وحقائقه كثيرة متعددة، وأن بطنه الأعلى وحقيقته العليا هو محمدية محمد، وعلوية علىّ، وهو مقام المشيئة التى هى فوق الإمكان، وكل نبى ووصى كان لا يتجاوز مقامه الإمكان سوى محمد ﷺ وأوصيائه، ومن لم يبلغ إلى مقام المشيئة لا يعلم ما فيه، ولا يتبين من ذلك المقام شيئاً، لأن المفسِّر لا يتجاوز فى تفسيره حد نفسه، فكل مَن علم من القرآن شيئاً أو فسَّر منه شيئاً وإن بلغ من المقامات لا يكون علمه وتفسيره بالنسبة إلى علم القرآن إلا كقطرة من بحر محيط، فإن حقيقة القرآن - التى هى حقيقة محمد وعلىّ - هى مقام الإطلاق الذى لا نهاية له، والممكن وإن كان أشرف الممكنات الذى هو العقل اإلكلى يكون محدوداً، ولا يتصور النسبة بين المحدود وغير المتناهى الغير محدود، فعلم كل عالِم ومفسِّر للقرآن بالنسبة إلى علم القرآن كقطرة إلى البحار. ولما كان مقام محمد ﷺ وعلىّ وأولاده المعصومين مقام المشيئة كان علم القرآن كله عندهم، وكان علىّ هو مَن عنده علم الكتاب كما فى الآية بإضافة العلم إلى الكتاب المفيد للاستغراق. وكان آصف هو الذى عنده علم من الكتاب. وكان إبراهيم ابتلاه ربه بكلمات معدودة لا بجملة الكلمات، مع أنه كان أكمل الأنبياء بعد نبينا. وكان محمد ﷺ يؤمن بالله وكلماته جميعاً فى قوله تعالى: ﴿فَآمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ النبي الأمي الذي يُؤْمِنُ بالله وَكَلِمَاتِهِ﴾ [الأعراف: ١٥٨] .. فإن "الكلمات" جمع مضاف مفيد للاستغراق، وليس المراد به الإيمان الإجمالى وإلا لشاركه غيره فيه، بل الإيمان التفصيلى، والإيمان التفصيلى لا يكون إلا بإدراك المؤمن به شهوداً وعياناً".
* *
* تحريف القرآن وتبديله:
والمؤلف يذكر لنا رأيه بوضوح فى تحريف القرآن وتبديله فيقول ما نصه: "اعلم أنه
стр. 482
قد استفاضت الأخبار عن الأئمة الأطهار بوقوع الزيادة والنقيصة والتحريف والتغيير فيه بحيث لا يكاد يقع شك فى صدور بعضها منهم وتأويل الجميع بأن الزيادة والنقيصة والتغيير إنما هى فى مدركاتهم من القرآن لا فى لفظ القرآن كلغة، ولا يليق بالكاملين فى مخاطباتهم العامة، لأن الكامل يخاطب بما فيه حظ العوام والخواص، وصرف اللَّفظ عن ظاهره من غير صارف، وما تواهموه صارفاً من كونه مجموعاً عندهم فى زمن النبى، وكانوا يحفظونه ويدرسونه، وكانت الأصحاب مهتمين بحفظه عن التغيير والتبديل، حتى ضبطوا قراءات القُرَّاء وكيفيات قراءاتهم.
فالجواب عنه: أن كونه مجموعاً غير مُسَلَّم، فإن القرآن نزل فى مدة رسالته إلى آخر عمره نجوماً، وقد استفاضت الأخبار بنزول بعض السور وبعض الآيات فى العام الآخر، وما ورد من أنهم جمعوه بعد رحلته، وأن علياً جليس فى بيته مشغولاً بجمع القرآن، أكثر من أن يمكن إنكاره. وكونهم يحفظونه ويدرسونه مُسَلَّم، لكن كان الحفظ والدرس فيما كان بأيديهم، واهتمام الأصحاب بحفظه وحفظ قراءات القُرَّاء وكيفيات قراءاتهم كان بعد جمعه وترتيبه، وكما كانت الدواعى متوفرة فى حفظه، كذلك كانت متوفرة من المنافقين فى تغييره. أما ما قيل: إنه لم يبق لنا حينئذ اعتماد عليه، والحال أنَّا مأمورون بالاعتماد عليه، واتباع أحكامه، والتدبر فى آياته، وامتثال أوامره ونواهيه. وإقامة حدوده، وعرض الأخبار عليه، لا يعتمد عليه صرف مثل هذه الأخبار الكثيرة الدالة على التغيير والتحريف عن ظواهرها، لأن الاعتماد على هذا المكتوب ووجوب اتباعه، وامتثال أوامره ونواهيه، وإقامة حدوده وأحكامه، إنما هى للأخبار الكثيرة الدالة على ما ذُكِر، للقطع بأن ما بين الدفتين هو الكتاب المنزَّل على محمد ﷺ من غير نقيصة وزيادة وتحريف فيه. ويُستفاد من هذه الأخبار: أن الزيادة والنقيصة والتغيير إن وقعت فى القرآن لم تكن مخلة بمقصود الباقى منه، بل نقول: كان المقصود الأهم من الكتاب الدلالة على العترة والتوسل بهم، وفى الباقى منه حُجَّتهم أهل البيت، وبعد التوسل بأهل البيت إن أمروا باتباعه كان حُجَّة قطعية لنا ولو كان مغيراً تغييراً مخلاً بمقصوده، وإن لم نتوسل بهم أو لم يأمروا باتباعه، وكان التوسل به، واتباع أحكامه، واستنباط أوامره ونواهيه، وحدوده، وأحكامه، من قِبَل أنفسنا كان من قِبَل التفسير بالرأى الذى منعوا منه، ولو لم يكن متغيراً".
* *
* نزول القرآن فى شأن الأئمة وأشياعهم وأعدائهم:
ويرى المؤلف أن القرآن نزل بتمامه فى الأئمة الإثنا عشر بوجه، ونزل فيهم وفى
стр. 483
أعدائهم بوجه، ونزل أثلاثاً: ثلث فيهم وفى أعدائهم، وثلث سُنَن وأمثال، وثلث فرائض وأحكام.. بوجه. أو ثلث فيهم وفى أحبائهم، وثلث فى أعدائهم، وثلث سُنَّة ومُثل.. بوجه. ونزل أرباعاً: ربع فيهم، وربع فى عدوهم، وربع سُنَن وأمثال، وربع فرائض وأحكام.. بوجه. ويرى أن كل هذا قد أشعرت به الأخبار الواردة عن أهل البيت، ويوجه ذلك فيقول: "لما كان جميع الشرائع الإلهية والكتب السماوية لتصحيح الطريق الإنسانية، وتوجيه الخلق إلى الولاية، وكان أصل المتحققين بالطريق الإنسانية والولاية والمتحقق بالولاية المطلقة محمداً ﷺ وعلياً وأولادهما، صح أن يقال: جملة الشرائع الإلهية وجميع الكتب السماوية نزلت فيهم وفى توجيه الخلق إليهم. وهو أيضاً وصف وتبجيل لهم. ولما كان كثير من آيات القرآن نزلت فيهم تصريحا أو تعريضاً أو تورية، وما كان فى أعدائهم لم يكن المقصود منه إلا الاعتبار بمخالفيهم والانزجار عن مخالفتهم ليكون سبباً للتوجه إليهم ولمعرفة قدرهم وعظمة شأنهم، وكان سائر آيات الأمر والنهى والقصص والأخبار لتأكد السير على الطريق الإنسانية إلى الولاية، صح أن يقال: جميع القرآن نزل فيهم، ولما كان القرآن مفصَّلاً يكون بعض آياته فيهم وفى محبيهم. وبعضها فى أعدائهم ومخالفيهم، وبعضها سُنَناً وأمثالاً، وبعضها فرائص وأحكاماً، صح أن يقال: نزل القرآن فيهم وفى أعدائهم، أو نزل أثلاثاً أو أرباعاً، والآية الدالة على أخبار الأخيار والأشرار الماضين كلها تعريض بالأئمة وأخيار هذه الأمة وأشرارهم، مع قطع النظر عن رجوعها إليهم وإلى أعدائهم بسبب كونهم أصلا فى الخير وكون أعدائهم أصلاً فى الشر. بل نقول: كل آية ذُكِر فيها خير كان المراد بها أخيار الأُمة، وكل آية ذُكِر فيها شر كان المراد بها أشرار الأُمة، لكون الآية فيهم أو تعريضاً بهم، أو لكونهم وكون أعدائهم أصلاً فى الخير والشر".
هذه أهم آراء المصنِّف التى يراها فى القرآن وتفسيره ومُفسِّريه. وإليك بعض النماذج التى توضح لك الطريقة التى جرى عليها المصنِّف فى تفسيره، ومقدار تأثره بنزعته الصوفية، وهواه الشيعى:
* من التفسير الصوفى:
قلنا: إن هذا التفسير يغلب عليه الطابع الصوفى لكثرة ما فيه من التأويلات الإشارية، والشطحات الصوفية، والمواجيد التى تقرؤها للمؤلف فى تفسيره للآيات القرآنية، وإليك بعض المثل لتعرف مقدار طغيان هذه الناحية على باقى النواحى فى هذه التفسير:
стр. 484
فمثلاً عندما تكلَّم عن قوله تعالى فى الآية [٧٥] من سورة النساء: ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله والمستضعفين مِنَ الرجال والنسآء والولدان الذين يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هاذه القرية الظالم أَهْلُهَا واجعل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً واجعل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً﴾ .. يقول عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هاذه القرية﴾ ... الآية: "إن كان النزول فى ضعفاء قِلَّة فلا اختصاص لها بهم كما فى الخبر. فالقرية مكة وكل قرية لا يجد الشيعة فيها ولياً من الإمام ومشايخهم، وكل قرية وقع بها الأئمة بين منافقى الأُمة، وقرية النفس الحيوانية التى لا يجد الجنود الإنسانية فيها ولياً ويطلبون الخروج منها إلى قرية الصدر ومدينة القلب. ويسألون الحضور عند إمامهم أو مشايخهم فى بيت القلب خالياً عن مزاحمة الأغيار بقولهم: ﴿واجعل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً واجعل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً﴾ .. تكرار "جعل"، لأن مقام التضرع والابتهال يناسبه التطويل والإلحاح فى السؤال، ولأن المسئول ليس شخصاً واحداً، ولو كان واحداً، لم يكن مسئولا من جهة واحدة، بل المسئول محمد ﷺ وعلىّ، أو المسئول محمد من جهة هدايته ومن جهة نُصْرته، وعلىّ كذلك".
"وقد بقى بين الصوفية أن يكون التعليم والتلقين بتعاضد نفسين متوافقتين، يسمى أحد الشخصين هادياً والآخر دليلاً، والشيخ الهادى له الهداية وتولى أمور السالك فيما ينفعه ويجذبه، والشيخ الدليل ينصره لمدافعة الأعداء، ويخرجه عن الجهل والردى بدلالة طريق التوسل إلى شيخ الهدى، وفى الآية إشارة إلى أن السالك ينبغى له أن يطلب دائماً حضوره عند شيخه بحسب مقام نورانيته ومقام صدره، وهو معنى انتظار ظهور الشيخ فى عالم الصغير، وأما ظهور الشيخ بحسب بشريته على بشرية السالك، فلا يصدق عليه أنه لدن الله، وإذا ظهر الشيخ بحسب النورانية كان ولياً من لدن الله ونصيراً من لدنه".
ومثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٨٧] من سورة المائدة: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ الله لَكُمْ وَلاَ تعتدوا إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المعتدين﴾ .. يقول: ".. اعلم أن الإنسان ذو مراتب عديدة بعضها فوق بعض إلى ما لا نهاية له، والتكاليف الإلهية الواردة عليه ليست لمرتبة خاصة منه، بل - ما عرفتَ سابقاً - للمفاهيم الواردة فى التكاليف مصاديق متعددة بتعدد مراتب الإنسان. بعضها فوق بعض، فكل ما ورد فى الشريعة المطهَّرة من الألفاظ فهى مقصودة من حيث مفاهيمها العامة باعتبار جميع مصاديقها بحيث لا يشذ عنها مصداق من المصاديق، فالإنسان
стр. 485
بحسب مرتبته النباتية له محللات إلهية، وبحسب مرتبته الحيوانية أخرى، وبحسب الصدر أخرى، وبحسب القلب أخرى، وبحسب الروح أخرى، والتحريم الإلهى فى كل مرتبة بحسبه، وكذا تحريم الإنسان على نفسه، فالمحللات بحسب مرتبته الحيوانية والنباتية: ما أباح الله له من المأكول، والمشروب، والملبوس، والمركوب، والمنكوح، والمسكون، والمنظور، وبحسب الصدر: ما أباح الله له من الأفعال الإرادية، والأعمال الشرعية، والتدبيرات المعادية والمعاشية، والأخلاق الجميلة، والمكاشفات الصورية، وبحسب القلب: ما أباح الله له من الأعمال القلبية، والواردات الإلهية، والعلوم اللدنية، والمشاهدات المعنوية الكلية.. وهكذا فى سائر المراتب. والطيبات من ذلك فى كل مرتبة: ما تستلذه المدارك المختصة بتلك المرتبة، ومطلق المباح فى كل مرتبة طيب بالنسبة إلى مباح المرتبة الدانية منه، وأن الله تعالى يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه، ولا يحب الشره والاعتداء فى رخصه بحيث يؤدى إلى الانتقال إلى ما هو حرام محظور بأصل الشرع، أو بحيث يؤدى إلى صيرورة المباح حراماً بفضل التجاوز عن حد الترخيص بالإكثار فيه، كما لا يحب الامتناع عن رخصه، فمعنى الآية: "يا أيها الذين آمنوا لا تمتنعوا من الرخص، ولا تحرِّموا - بقسم وشبهة، ولا بكسل ونحوه - على أنفسكم ما تستلذه المدارك بحسب كل مرتبة وقوة مما أباحه الله لكم، لأن الله يحب أن يرى عبده مستلذاً بما أباحه له، كما يحب أن يراه مستلذاً بعباداته ومناجاته، ولا
تمتنعوا بالاكتفاء بمستلذات المرتبة الدانية عن مستلذات المرتبة العالية، فإنه يحب أن يرى عبده مُصِّراً على طلب مستلذات المرتبة العالية، كما يحب أن يراه فى هذه الحالة معرضاً عن مباحات المرتبة الدانية، مكتفياً بضرورياتها وراجحاتها. ولا تعتدوا عما أباح الله إلى ما حظره، وفى المباح إلى حد الحظر. والآية إشارة إلى التوسط بين التفريط والإفراط فى كل الأُمور من الأفعال والطاعات والأخلاق والعقائد والسير إلى الله، فإن المطلوب من السائر إلى الله أن يكون واقعاً بين إفراط الجذب وتفريط السلوك"..
ثم بعد ذلك فسَّر قوله تعالى: ﴿وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله حَلاَلاً طَيِّباً واتقوا الله الذي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: ٨٨] بما يشبه التفسير السابق.. ثم بعد ذلك ذكر أن الآية نزلت فى علىّ وبلال وعثمان بن مظعون، فأما علىّ فحلف أن لا ينام بالليل، وأما بلال فحلف أن لا يفطر بالنهار أبداً، وأما عثمان ابن مظعون فإنه حلف أن لا ينكح أبداً، فلما علم بذلك رسول الله خرج على الناس ونادى: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "ما بال أقوام يُحرِّمون على أنفسهم الطيبات؟ إنى أنام الليل وأنكح وأفطر بالنهار، فمن رغب عن سُنَّتى فليس منى"، فقام
стр. 486
هؤلاء فقالوا: يا رسول الله؛ قد حلفنا على ذلك، فأنزل الله آيات الحلف.. ثم استشكل المؤلف على هذه الرواية إشكالين:
أولهما: أن مثال هذه المعاتبات ونسبة التحريم والاعتداء والتقوى ولغو الأيمان غير مناسبة لمقام علىّ.
وثانيهما: أن علياً إما كان عالماً بأن تحريم الحلال إن كان بالاستبداد والرأى كان من البدع والضلال، وإن كان بالنذر وشبهه كما دَلَّ عليه الخبر، كان مرجوحاً غير مرضى لله تعالى، ومع ذلك حرَّمه على نفسه، أو كان جاهلاً بذلك، وكِلا الوجهين غير لائق بمقامه..
ثم أجاب عن هذين الإشكالين بجواب كله من قبيل النظرات الصوفية فقال: "والجواب الجلى لطالبى الآخرة والسالكين إلى الله، الذين بايعوا علياً بالولاية، وتابعوه بقدم صدق، واستشهوا نفحات نشأته حال سلوكه أن يقال: إن السالك إلى الله يتم سلوكه باستجماعه بين نشأتى الجذب والسلوك، بمعنى توسطه بين تفريط السلوك الصرف، وإفراط الجذب الصرف، فإنه إن كان فى نشأة السلوك فقد جمد طبعه ببرودة السلوك حتى يقف عن السير. وإن كان فى نشأة الجذب فقط، فنى بحرارة الجذب عن أفعاله وصفاته وذاته، بحيث لا يبقى منه أثر ولا خبر، وهو وإن كان فى روح وراحة، لكنه ناقص كمال النقص من حيث أن المطلوب منه حضوره بالعودة لدى ربه مع جنوده، وخدمه، وأتباعه، وحشمه، وهو طرح الكل، وتسارع بوحدته، فالسالك إلى الله تكميله مربوط بأن يكون فى الجذب والسلوك منكسراً برودة سلوكه بحرارة جذبه، فالجذب والسلوك كالليل والنهار وكالصيف والشتاء، من حيث أنهما يربيان المواليد بتضادهما، فهما - مع كونهما متنازعين متآلفان متوافقان.
إذا علمت ذلك، فاعلم أن السالك إذا وقع فى نشأة الجذب، وشرب من شراب الشوق الزنجبيلى، سكر وطرب ووجد، بحيث لا يبقى فى نظره سوى الخدمة للمحبوب، وكل ما رآه منافياً للخدمة رآه ثقلاً ووبالاً على نفسه ومكروهاً لمولاه، فيصمم فى طرحه، ويعزم على ترك الاشتغال به، وهو من كمال الطاعة لا أنه ترك الطاعة كما يظن، فلا ضير أن يكون أمير المؤمنين حال سلوكه وقع فى تلك النشأة، وحرَّم على نفسه كل ما يشغله عن الخدمة، لكمال الاهتمام بالطاعة، ولما لم يكن تحصيل الكمال التام إلا بالجمع بين النشأتين، أسقاه محمد ﷺ من شراب السلوك، لأنه كان مكملاً مربياً له ولغيره، ولذا قالوا: لأن يكون للسالك شيخ وإلا فيوشك أن يقع فى الورطات المهلكة، ولا منقصة فى أمثال هذه المعاتبات على الأحباب، بل فيها من اللطف والترغيب فى الخدمة ما لا يخفى، وعلىّ كان عالماً بأن الكمال لا يحصل إلا بالنشأتين، لكنه يرى حين الجذب أن كل ما يشغله عن الخدمة فهو مكروه المحبوب،
стр. 487
ومرجوح عنده، فحلف على ترك المرجوح. أو يقال: إن علياً لما كان شريكاً للرسول ﷺ فى تكميل السلاك لقوله: "أنت منى بمنزلة هارون من موسى"، وكان له شأن الدلالة، ولمحمد شأن الإرشاد، والمرشد بنشأته النبوية شأنه تكميل السالك بحسب نشأة السلوك، وإن كان بنشأته الولوية وشأن الإرشاد شأنه التكميل بحسب الجذب، والدليل بنشأته الولوية شأنه التكميل بحسب نشأة الجذب، وإن كان بنشأته النبوية وشأن الدلالة شأنه التكميل بحسب السلوك فالدليل بولايته يقرب السالك إلى الحضور، ويعلمه آداب الحضور، وطريق العبودية، من عدم الالتفات إلى ما سوى المعبود، وطرح جميع العوائق من طريقه، والمرشد بنبوته يُبعده عن الحضور، ويُقربه إلى السلوك، ويرغبه فيه، فهما فى فعلهما كالنشأتين: متضادان متوافقان، فأمير المؤمنين لما رأى بلالاً وعثمان مستعدين لنشأة الجذب، رغَّبهما إلى تلك النشأة بطرح المستلذات وترك المألوفات، وشاركهما فى ذلك ليستكمل بذلك شوقهما ويتم جذبهما، ولما مضى مدة ورأى الرسول أن عودهما إلى السلوك أوفق وأنفع لهما، ردهما إلى نشأة السلوك، وعاتبهما بألطف عتاب، ولا يرد نقص على أمير
المؤمنين. ولما قالوا بعد عتابه: قد حلفنا.. نزل ﴿لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو في أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥، المائدة: ٨٩] ، وهو الذى يؤتى به للتأكيد فى الكلام كما هو عادة العوام".. إلخ.
فأنت ترى من هذين المثالين السابقين، أن المؤلف يفيض فى الناحية الصوفية فى تفسيره للآيات، كما أنه لم يخل تفسيره الصوفى من التشيع لعلىّ وذُرِّيته بل ومن اتخاذه مخرجاً يخرج به من الإشكالات التى ترد عليه.
* *
* من التفسير الفلسفى:
كذلك نجد المؤلف فى كثير من الأحيان يخلط البحوث الفلسفية بتفسيره للآيات القرآنية، فمثلاً فى أول سورة الإسراء نراه يحقق أن المعراج كان بجسده وروحه ﵇، ويرد على الفلاسفة الذين ينكرون ذلك، ويقدم لبحثه هذا بمقدمة كلها نظريات فلسفية مخلوطة ببعض خرافات منسوبة إلى الإمام علىّ رضى الله عنه، وذلك حيث يقول:
"العالَم ليس منحصراً فى هذا العالَم المحسوس المعبَّر عنه بعالَم الطبع بسماواته وأرضيه، بل فوقه البرزخ، وهو عالَم بين عالَم الطبع وعالَم المثال، وله الحكومة على عالَم الطبع والتصرف فيه أى تصرف شاء، من الإحياء والإماتة، وإيجاد المعدوم، وإعدام الموجود، وستر المحسوس، وإظهار غير المحسوس بصورة المحسوس. ومنه طى
стр. 488
الأرض، والسير على الماء والهواء، والدخول فى النار سالماً، وقلب الماهيات. ومنه طى الزمان، كما ورد فى الأخبار أنه قال المعصوم لمنافق: اخسأ فصار كلباً. وقال لآخر: أنت امرأة بين الرجال فصار امرأة. وأنكر آخر قلب الماهيات عند المعصوم، فسار إلى نهر ليغتسل فدخل الماء وارتمس فخرج ورأى نفسه امرأة على ساحل بحر قرب قرية منكورة، فدخلت القرية وتزوجت وعاشت مدة وولدت لها أولاد.. ثم خرجت لتغتسل فى البحر فدخلت الماء وارتمست فخرجت على ساحل النهر المعهود وهو رجل وإذا بثيابه موضوعة كما وضعها. فلبسها ودخل بيته وأهله غير شاعرين بغيبته لقصر الزمان، وأمثال ذلك رويت عن التابعين لهم على الصدق، وهذا من قبيل بسط الزمان إن كان وقوعه فى عالَم الملك، كما نقل أن امرأة وقع لها ذلك فأخبرت وأنكرها جماعة فأُتيت بأولادها بعد ذلك من بلدة بعيدة، مع أنه لم يمض فى بلدها قدر ساعة، أو من قبيل البسط فى الدهر من غير تصرف فى الزمان إن كان وقوعه فى الملكوت. وفوق البرزخ عالَم المثال، وله التصرف فى البرزخ والطبع. وفوقه عالَم النفوس الكليات المعبَّر عنها بـ ﴿فالمدبرات أَمْراً﴾ [النازعات: ٥] . وفوقه الأرواح المعبَّر عنها بـ ﴿والصافات صَفَّا﴾ [الصافات: ١] ، ويُعبَّر عنها فى لسان الإشراقيين بأرباب الأنواع وأرباب الطلَسمات. وفوقها العقول المعبَّر عنها بالمقرَّبين. وفوقها الكرسى وفوقه العرش، وهو سرير الملك المتعال، وهما بين الوجوب والإمكان لا واجبان ولا ممكنان، بل فوق الإمكان وتحت الوجوب. وكل من تلك العوالم له الإحاطة والتصرف والحكومة على جميع ما دونه، فإذا غلب واحد من تلك العوالم على ما دونه صار ما دونه بحكمه، وذهب عنه حكم نفسه.
ثم اعلم أن الإنسان مختصر من تلك العوالم، وله مراتب بإزاء تلك العوالم، وكل مرتبة عالية لها الحكومة على ما دونها من غير فرق، كما نشاهده من حكومة النفس على البدن والقوى، لكن تلك المراتب فى أكثر الناس بالقوة، وما بالفعل من النفس المجردة التى هى بإزاء عالَم النفوس ضعيفة غاية الضعف، بحيث لا يمكنها التصرف فى بدنها زائداً على ما جعله الله فى جبلتها، فكيف بغير بدنها؟ فإذا صار بعض تلك المراتب بالفعل كما فى أكثر الأنبياء والأولياء، أو جميعها كما فى خاتم الأنبياء وصاحبى الولاية الكلية، كان لهم التصرف فى أبدانهم بأى نحو شاءوا، وفى سائر أجزاء العالم، كما روى عن الأنبياء والأولياء من طى المكان والزمان، والسير على الماء والهواء، ودخول النار، وإحياء الموتى، وإماتة الأحياء، وقلب الماهيات، وغير ذلك مما لا يُنكر تمامها لكثرتها، وتواتر الأخبار بمجموعها وإن كان آحادها غير متواترة. وأما
стр. 489
التصرف فى البدن الطبيعى بحيث يُخرجه عن حكم الإمكان ويُدخله فى عالم العرش الذى هو فوق الإمكان وفوق عالَم العقول والملائكة المقرَّبين، كما روى أن جبريل تخلَّف عن الرسول ﷺ فى المعراج، وقال: لو دنوتُ أنملة لاخترقت، مع أنه من عالَم العقول المقرَّبين، فهو من خواص خاتم الكل فى الرسالة والنبوة والولاية، وهو من خواص نبينا ﷺ لا يشاركه فيه غيره لا نبى مرسل ولا خاتم الأولياء. ولذلك جعلوا المعراج الجسمانى بالكيفية المخصوصة من خواصه ﷺ . ولما كان المعراج بتلك الكيفية أمراً لا يتصور أمر فوقه من الممكن، وكان لا يتيسر إلا إذا غلب العالَم الذى فوق الإمكان على البدن الطبيعى ولا تتيسر تلك الغلبة بسهولة ولكل واحد وفى كل زمان، قالوا: إن المعراج للنبى ﷺ كان مرتين، مع أنه نُسِب إلى بعض العرفاء أنه قال: إنى أعرج كل ليلة سبعين مرة، والمعراج بالروح أمر يقع لكثير من الرياضيين، بل ورد أن الصلاة معراج المؤمن.
إذا تقرر ذلك نقول: إنه عرج ببدنه الطبيعى وعليه عباءته ونعلاه إلى بيت المقدس، ومنه إلى السماوات، ومنها إلى الملكوت، ومنها إلى الجبروت، ومنها إلى العرش الذى هو فوق الإمكان، وفى هذا السير تخلَّف جبريل عنه ﷺ ، لأنه كان من عالَم الإمكان، ولم يكن له طريق إلى ما فوق الإمكان، لأن الملائكة كُلٌ له مقام معلوم لا يتجاوزه، بخلاف الإنسان. ولم يكن منه ذلك المعراج إلا مرتين كما فى الأخبار، ولا يلزم منه خرق السماوات، لارتفاع حكم الملك عن بدنه بغلبة الملكوت - ولا استغراب فى عروج البدن الطبيعى إلى الملكوت والجبروت - ولسقوط حكم الملك بل حال الإمكان عنه مع بقاء عينه، ولا غرو فى كثرة وقائعه فى المعراج، فإنه من بسط الدهر مع قصر الزمان كما قال: ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧] ، وقال أيضاً: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] .. فقدر ساعة من الدهر بإزاء ساعة من الزمان تكون كألف ساعة من الزمان أو خمسين ألف ساعة".
ومثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٢١] من سورة الحِجْر: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ .. يقول ما نصه: "اعلم أنه قد يُطلق الشئ ويراد به ما يساوق الموجود، فيشمل الحق الأول تعالى شأنه. وقد يُطلق ويُراد به المشئ وجوده، فلا يشمل الحق الأول، ولا حضرة الأسماء ولا حضرة الفعل الذى هو مبدأ إضافاته، ويشمل الممكنات كلها من حضرة العقول المعبَّر عنها بالأقلام العالية والملائكة المقرَّبين، وحضرة الأرواح المعبَّر عنها بأرباب الأنواع والصَّافات صفاً، وحضرة النفوس الكلية المعبَّر عنها بالأرواح
стр. 490
الكلية المحفوظة والمدبِّرات أمراً، وحضرة النفوس الجزئية بألواح المحو والإثبات وبعالم المثال باعتبارين، ويشمل موجودات عالَم الطبع تماماً، وكل ما فى تلك الحضرات له حقيقة فى حضرة الأسماء، وحقيقة فى حضرة الفعل والإضافة الإلهية الإشراقية. وكل ما فى حضرة الفعل له حقيقة أيضاً فى حضرة الأسماء، وكل ما فى حضرة الأرواح له حقيقة فى حضرة الأقلام، وحقيقة فى حضرة الفعل، وحقيقة فى حضرة الأسماء، وهكذا حضرة النفوس الكلية وما فيه، وحضرة النفوس الجزئية وما فيها، وعالَم الطبع وما فيه، وبعبارة أخرى: كل دان له صورة بالاستقلال فى العالى، وصورة بالاستقلال فى عالى العالى، وصروة بتبع العالى فى عالى العالى، فلكل شئ من الممكنات حقائق فى حضرة الأسماء استقلالاً وتبعاً، وهكذا فى حضرة الفعل، وهكذا فى حضرة الأقلام إلى عالَم المثال، وكل تلك الحضرات من حيث إنها عوالم مجردة عن المادة وأغشيتها، تسمى "عند الله"، و "لدن الله"، لحضورها فى محضره، ولما كانت تلك الحقائق محفوظة عن التغير والتبدل كالأشياء النفيسة المخزونة المحفوظة، سمَّاها تعالى بالخزائن، فكل ما فى عالَم الملك له حقيقة فى عالَم المثال، ينزله - تعالى شأنه - من عالَم المثال إلى عالم الملك بقدر استعداد المادة لقبوله وحين استعدادها، وهكذا من النفوس الكلية إلى عالَم المثال، وهكذا الأمر فى العالى والأعلى إلى حضرة الأسماء. ولما كان موجودات عالَم الملك متحددة بالتحدد الذاتى، بمعنى أنها كل آن فانية عن ذواتها، وموجودة بموجدها كما حقق فى محله، فما من شئ مما فى عالم
الملك إلا ويفنى آنا فآناً، وينزله تعالى من خزائنه آناً فآناً، فلذلك قال: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ .
* *
* آل البيت والأُمم السابقة:
ومما نلاحظه على المؤلف أنه يذكر لنا من الأخبار ما يدل على أن محمداً ﷺ وآل بيته كانوا معروفين عند الأُمم السابقة، وكان لهم أشياع وأتباع يوالونهم، ويتوسَّلون بهم، وينالهم الخير والبركة بسبب حبهم.
وهذه الروايات لا نعتقد إلا أنها من قبيل الخرافات التى تسلَّطت على عقول أولئك القوم، ومن هذه الروايات - مثلاً - ما ذكره المؤلف فى قصة قتيل بنى إسرائيل المذكورة فى قوله تعالى فى الآية [٦٧] وما بعدها من سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ ... الآيات إلى آخر القصة من أن موسى جمع أماثل القبيلة التى وجد القتيل فيها، وألزمهم أن يحلف خمسون منهم بالله
стр. 491
القوى الشديد إله بنى إسرائيل بفضل محمد وآله الطيبين على البرايا أجمعين ما قتلناه ولا علمنا له قائلاً.
وبعد ذلك بقليل يذكر أنهم طلبوا هذه البقرة المذكورة بأوصافها فى القرآن فلم يجدوها إلا عند شاب من بنى إسرائيل أراه الله فى منامه محمداً وعلياً وطيبى ذُرِّيتهما فقالا: إنك كنت لنا محباً مفضِّلاً، ونحن نريد أن نسوق إليك بعض جزائك فى الدنيا، فإذا راموا شراء بقرتك فلا تبعها إلا بأمر أُمك، فإن الله يلقنها ما يغنيك عقبك، وجاء القوم يطلبون بقرته، فقالوا: بكم تبيع بقرتك هذه؟ قال: بدينارين، والخيار لأمى، قالوا: رضينا بدينار، فسألها، فقالت: بأربعة، فأخبرهم، فقالوا: نعطيك دينارين، فأخبر أُمه، فقالت: ثمانية، فما زالوا يطلبون على النصف مما تقول أُمه، ويرجع إلى أمه فتَضَعِّف الثمن حتى بلغ ثمنها ملئ مسك ثور أكبر ما يكون دنانير، فأوجب لهم البيع فذبحوها وما كادوا يفعلون.. ".
وبعد ذلك بقليل يقول: "وفى تفسير الإمام: أن أصحاب البقرة ضجوا إلى موسى وقالوا: افتقرت القبيلة، وانسلخنا بلجاجنا عن قليلنا وكثيرنا، فأرشدهم موسى إلى التوسل بنبينا ﷺ ، فأوحى الله إليه: ليذهب رؤساؤهم إلى خربة بنى فلان ويكشفوا عن موضع كذا ويستخرجوا ما هناك، فإنه عشرة آلاف ألف دينار، وليردوا على كل مَن دفع من ثمن هذه البقرة ما دفع، لتعود أحوالهم على ما كانت، ثم ليتقاسموا بعد ذلك ما يفضل وهو خمسة آلاف ألف دينار على قدر ما دفع كل واحد منهم، لتتضاعف أموالهم جزاء على توسلهم بمحمد وآله، واعتقادهم لتفضيلهم".
كما يروى أنهم توسلوا إلى الله تعالى بالنبى محمد وآله عند ضربهم للقتيل ببعض البقرة، لأجل أن يُحييه لهم فاستجاب، وأن القتيل بعد حياته توسل إلى الله بمحمد وآله أن يُبقيه فى الدنيا متمتعاً بابنة عمه، ويجزى عنه أعداءه، ويرزقه رزقاً كثيراً طيباً، فوهب له سبعين سنة زيادة على السنين التى عاشها قبل ذلك، وعاش فى الدنيا صحيحة حواسه، قوية شهواته، متمتعاً بحلال الدنيا، وعاش معها لم يفارقها ولم تفارقه، وماتا جميعاً معاً، وصارا إلى الجنة وكانا فيها زوجين ناعمين".
* *
* قصص القرآن:
وإنَّا لنجد المؤلف يقرر فى غير موضع من كتابه: أن القصص القرآنى وما ورد فى شروحه من الروايات على اختلافها وتضاربها، ليس المقصود منه ظاهره الذى يتبادر إلى الذهن، بل هى مَن قبيل المرموزات التى رمزوا بها لأشياء يعلمونها ويريدونها، كما
стр. 492
يقرر أن من يريد حملها على الظاهر فلا بد وأن يتحَّير فيها، وليس يمكن له أن يصل إلى حقيقتها، والمقصود منها بمجرد قوته البَشرية: فعندما تكلم على قصة آدم فى أول البقرة وجدناه يقول: "ولما كان قصة آدم وخلقته، وأمر الملائكة بسجدته، وإباء إبليس عن السجود، وهبوطه من الجنَّة، وبكائه فى فراق الجنَّة وفراق حواء، وخلقته حواء من ضلع الجنب الأيسر، وغرروة بقول الشيطان وحواء، وكثرة نسله، وحمل حواء فى كل بطن ذكراً وأُنثى، وتزويج كل بطن لذكر البطن الآخر من مرموزات الأوائل، وقد كثر ذكره فى كتب السَلَف خصوصاً كتب اليهود وتواريخهم، وردت أخبارنا مختلفة فى هذا الباب اختلافاً كثيراً، مرموزاً بها إلى ما رمزوه، ومَن أراد أن يحملها على ظاهرها تحيَّر فيها، ومَن رام أن يدرك المقصود بقوته البَشرية والمدارك الشيطانية منها طُرِد عنها، ولم يدرك منها إلا خلاف مدلولها".
وبعد أن يقرر المؤلف هذا نراه يكشف لنا عن تلك الأُمور المرموز إليها فى القصة، لا بقوته البشرية، فإنها عاجزة عن إدراكها كما يقول، بل بقوته الروحية التى تستلهم المعارف من الله، وذلك حيث يقول فى أثناء تفسيره للقصة نفسها: "اعلم أن قصة خلق آدم من الطين، وحواء من ضلعه الأيسر. وأمر الملائكة بالسجود لآدم، وإباء إبليس عن السجدة، وإسكان آدم وحواء الجنة، ونهيهما عن أكل شجرة من أشجارها، ووسوسة إبليس لهما، وأكلهما من الشجرة المنهية، وهبوطهما، من المرموزات المذكورة فى كتب الأُمم السالفة وتواريخهم كما ذكرنا سابقاً، فالمراد بآدم فى العالَم الصغير: اللطيفة العاقلة الآدمية، الخليفة على الملائكة الأرضيين، وعلى الجِنَّة والشياطين المطرودين عن وجه أرض النفس والطبع، المسجودة للملائكة، المخلوقة من الطين، الساكنة فى جنَّة النفس الإنسانية، وهى أعلا من مقام النفس الحيوانية، المخلوق من ضلع جنبها الأيسر الذى يلى النفس الحيوانية زوجتها المسماة بحواء، لكدورة لونها بقربها من النفس الحيوانية. والمراد بالشجرة المنهية: مرتبة النفس الإنسانية التى هى جامعة لمقام الحيوانية والمرتبة الآدمية. والمراد بالحيَّة واختفاء إبليس بين لحييها: القوة الواهمة، فإنها لكونها مظهراً لإبليس، تسمى بإبليس فى العالَم الصغير، ووسوسته: تزيينها ما لا حقيقة له للجنب الأيسر من آدم المغبَّر عنه بحواء. وهبوط آدم وحواء عبارة عن تنزيلهما إلى مقام الحيوانية. وهبوط الحيَّة وذُرِّيتهما: عبارة عن تنزلهما عن مقام التبعية لآدم، فإن إبليس لما كان الواهمة أحد مظاهره كان رفعتها رفعته، وشرافتها باستخدام آدم لها شرافته، وهبوط الواهمة كان هبوطاً له، وإذا أريد بالشجرة: النفس الإنسانية ارتفع الاختلاف من الأخبار، فإن النفس الإنسانية شجرة لها أنواع الثمار
стр. 493
والحبوب، وأصناف الأوصاف والخصال، لأن الحبوب والثمار وإن لم تكن بوجود ذاتها العينية الدانية الموجودة فيها لكن الكل بحقائقها موجودة فيها، فتعيين تلك الشجرة بشئ من الحبوب والثمار، والعلوم والأصناف بيان لبعض شئونها.
روى فى تفسير الإمام: أنها شجرة علم محمد وآل محمد الذين آثرهم الله تعالى دون سائر خلقه، فقال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هاذه الشجرة﴾ [البقرة: ٣٥] شجرة العلم، فإنها لمحمد وآله دون غيرهم، ولا يتناول منها بأمر الله إلا هم. ومنها ما كان يتناوله النبى ﷺ ، وعلىّ، وفاطمة، والحسن، والحسين، بعد إطعامهم المسكين، واليتيم، والأسير، حتى لم يحسوا بجوع، ولا عطش ولا تعب ولا نَصّب، وهى شجرة تميزت من بين سائر الأشجار بأن كلا منها إنما يحمل نوعاً من الثمار، وكانت هذه الشجرة وجنسها تحمل البُرّ، والعِنَب، والتِّين، والعُنَّاب، وسائر أنواع الثمار والفواكه والأطعمة، فلذلك اختلف الحاكون.. فقال بعضهم: بُرَّة، وقال آخرون: هى الشجرة التى مَن تناول منها بإذن الله أُلْهِمَ عِلْم الأوَّلين والآخرين من غير تعلم، ومن تناول بغير إذن الله خاب مراده وعصى ربه".
أقول: "آخر الحديث يدل على ما قالته الصوفية من أن السالك ما لم يتم سلوكه، ولم ينته إلى مقام الفناء، ولم يرجع إلى الصحو بعد المحو بإذن الله، لم يجز له الاشتغال بالكثرات ومقتضيات النفس زائداً على قدر الضرورة. وشجرة علم محمد وآل محمد إشارة إلى مقام النفس الجامع لكمالات الكثرة والواحدة".
وفى سورة البقرة أيضاً عندما تكلَّم عن قصة هاروت وماروت يقول: "اعلم أن أكثر قصص سليمان كان من مرموزات الأوائل، وأخذها المتأخرون بطريق الأسمار، وأخذوا منها ظاهرها الذى لا يليق بشأن الأنبياء، وورد عن المعصومين تقرير ما أخذوه أسماراً نظراً إلى ما رمزها الأقدمون، وأمثال هذه ورد عنهم تكذيبها نظراً إلى ظاهر ما أخذها العوام، وتصديقها نظراً إلى ما رمزوا إليه".
وفى أول سورة النساء عند قوله: ﴿ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ ... الآية: يقول: "لما كان تلك الحكاية وأمثالها من مرموزات الأوائل من الأنبياء والأولياء والحكماء التابعين لهم، وحملها العوام من الناس على ظاهرها، اختلفت الأخبار فى تصديقها وتقريرها وتكذيبها وتوهينها، فإن فى كيفية خلقه آدم وتناسلهما وتناكحهما وتناكح أولادهما، وكذا فى قصة هاروت وماروت. وقصة داود، وغير ذلك، اختلافاً كثيراً فى الأخبار، واضطراباً شديداً، بحيث يورث التحير والاضطرابات لمن لا خبرة له، حتى يكاد يخرج من الدين، ولكن الراسخين فى العلم
стр. 494
يعلمون أن كلاً من معادن النبوة ومحال الوحى صدر، ولا اختلاف فيها ولا اضطراب، جعلنا الله منهم، والله ولى التوفيق".
وفى سورة [ص] عند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ .. الآيات من [٣٤] إلى تمام القصة، يقول بعد ما ذكر قصة الفتنة: "وأمثال هذه، وأمثال روايات سلب مُلْك سليمان، وجلوس الشيطان على كرسيه، وكون مُلْكه منوطاً بخاتم، ليس إلا من الرموز التى رمزها الأقدمون، ثم أخذها العامة بصورها الظاهرة، ومفاهيمها العامية، ونسبوا إلى الأنبياء ما لا يليق أن ينسب إلى مؤمن، فكيف بكامل أو نبى"؟!.
* *
* الإمامية:
والمؤلف يقرر فى تفسيره إمامة علىّ رضى الله عنه، وخلافته للنبى ﷺ بدون فصل، فمثلاً فى تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٥٥] من سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين آمَنُواْ الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكاة وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ .. نجده يؤكد أن الآية نازلة فى حق علىّ رضى الله عنه، وأن المراد من الولاية ولاية التصرف لا ولاية المعاشرة، ويرد على مَن يخالف ذلك بما يظهر له من الدليل، كما يبين السر الذى من أجله ذُكِر علىّ بوصفه دون اسمه. وذلك حيث يقول: "قد ورد من طريق العامة والخاصة أن الولاية نازلة فى علىّ حين تصدَّق فى المسجد فى ركوع الصلاة بخاتمه أو بحُلَّته التى كان قيمتها ألف دينار، ومفسرو العامة لا ينكرون الأخبار فى كونها نازلة فى أمير المؤمنين وقد نقلوا بطرق عديدة من رواتهم أنها نزلت فى علىّ، ومع ذلك يقولون فى تفسيرها: إن الآية نزلت بعد النهى عن اتخاذ أهل الكتاب أولياء، ولا شك أن المراد بالأولياء هناك أولياء المعاشرة، بقرينة المقابلة، وبقرينة جمع المؤمنين، ولو كان المراد أمير المؤمنين وبالولاية ولاية التصرف لصرَّح باسمه، أو لقال: "والذى آمن" بالإفراد، وهم غافلون عن أنه لو صرَّح باسمه، أو أفرد المؤمن - مع الاتفاق فى أنها نازلة فى أمير المؤمنين - لأسقطوه تمويهاً على عابدى عِجْلهم، فنقول: نسبة الولاية أولاً إلى الله، ثم إلى رسوله ﷺ وآله، ثم إلى الذين آمنوا، تدل على أن المراد بالولاية ولاية التصرف التى فى قوله تعالى: ﴿النبي أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] .. لأن ولاية الله ليست ولاية المعاشرة ولا ولاية الرسول، بقرينة العطف، وبما هو معلوم من الخارج، فكذلك ولاية الذين آمنوا بقرينة العطف، وبقرينة عدم تكرار الولى، فإن المراد أن الولاية ههنا أمر واحد مترتب فى الظهور، فإن ولاية الرسول ليست شيئاً سوى ولاية الله، وولاية الله تتحقق بولاية الرسول، فهكذا ولاية الذين آمنوا، فإنها ولاية الرسول ﵌ تظهر فى ولاية الذين آمنوا على ما قاله الشيعة، ولو كان المراد ولاية
стр. 495
المعاشرة كان "أولياؤكم" بلفظ
الجمع أولى، وتقييد الذين آمنوا بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فى حال الركوع يدل على أنها ليست ولاية المعاشرة، وإلا لكان جملة المؤمنين فيها سواء، وليس كل المؤمنين متصفين بالصفات المذكورة، على أنه لا خلاف معتداً فى أنها نزلت فى علىّ وصورة الأوصاف خاصة به، وقوله: ﴿الذين يُقِيمُونَ الصلاة﴾ بالمضارع إشارة إلى أن هذا الوصف مستمر لهم، يعنى حالهم استمرار إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فى حال الخضوع لله، لا فى حال بهجة النفس، لأنهم ﴿يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إلى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠] .. بخلاف الفاعل من قِبَلِ النفس فإن شأنه الارتضاء بفعله، وتوقع المدح من الغير على فعله، لأن كل حزب من أحزاب النفس بما لديهم فرحون، ويحبون أن يُحمدوا على ما لم يفعلوا، فضلاً عمَّا فعلوا. واستمرار الصفات بحسب المعنى: لعلىّ وأولاده المعصومين بشهادة أعدائهم، وبحسب الصورة: ما كان أحد مصداقها إلا علىّ نقلاً عن طريق العامة والخاصة. ووقع صدور الزكاة فى الركوع من كل الأئمة كما ورد عن طريق الخاصة. وفى نسبة الولاية إلى الله دون المخاطب والإتيان بأداة الحصر دلالة تامة على أن المراد بها ولاية التصرف، فإنها ثابتة لله ذاتاً ولرسوله ولخلفاء رسوله باعتبار كونهما مظهرين لله، وليس لأحد شركة فيها، وليس المراد بها ولاية المعاشرة التى تكون بالمواضعة والاتخاذ، وإلا لم يكن للحصر وجه، وكان اقتضاء المقابلة أن يقول: بل أنتم أولياء الله ... إلخ، أو: بل اتخذوا الله ورسوله والمؤمنين أولياء، ولأن المراد بها ولاية التصرف التى كانت بالذات لله قال فى عكسه: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ الله وَرَسُولَهُ والذين آمَنُواْ﴾ .. إشعاراً بأن الولاية السابقة هى ولاية التصرف وليست لغير الله إلا قبولها، ومَن قبلها منهم باستعداده لظهورها فيه صار مرتبطاً بالله وخلفائه، ومَن صار مرتبطاً بالله صار من حزب الله، ومن صار من حزب الله كان غالباً ﴿فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الغالبون﴾ [المائدة: ٥٦] . ولو كان المراد بها المعاشرة لكان الأوْلى أن يقول: ومن يتخذ الله، أو: ومَن صار ولياً لله، والحاصل: أن فى لفظ الآية دلالات واضحة على أن
المراد بالولاية ولاية التصرف، وأنها بعد الرسول ليست لجملة المؤمنين، بل لمن اتصف بصفات خاصة كائناً مَن كان، متعدداً أو منفرداً، سواء قلنا نزلت فى علىّ أو لم نقل، لكن باتفاق الفريقين لم توجد الأوصاف إلا فيه، ونزلت الآية فى حقه، والمراد بـ ﴿الذين آمَنُواْ﴾ ههنا، هم الموصوفون فى الآية السابقة، لما تقرر عندهم أن المعرفة إذا تكررت كانت عَيْن الأولى".
وفى سورة المائدة أيضاً عند قوله تعالى فى الآية [٦٧] : ﴿ياأيها الرسول بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ ... الآية، نجده يدَّعى - كغيره من الإمامية - أن القراءة
следующие страницы →