← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 12393

التفسير والمفسرون

محمد حسين الذهبي

Полный текст (774 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

القوى الشديد إله بنى إسرائيل بفضل محمد وآله الطيبين على البرايا أجمعين ما قتلناه ولا علمنا له قائلاً. وبعد ذلك بقليل يذكر أنهم طلبوا هذه البقرة المذكورة بأوصافها فى القرآن فلم يجدوها إلا عند شاب من بنى إسرائيل أراه الله فى منامه محمداً وعلياً وطيبى ذُرِّيتهما فقالا: إنك كنت لنا محباً مفضِّلاً، ونحن نريد أن نسوق إليك بعض جزائك فى الدنيا، فإذا راموا شراء بقرتك فلا تبعها إلا بأمر أُمك، فإن الله يلقنها ما يغنيك عقبك، وجاء القوم يطلبون بقرته، فقالوا: بكم تبيع بقرتك هذه؟ قال: بدينارين، والخيار لأمى، قالوا: رضينا بدينار، فسألها، فقالت: بأربعة، فأخبرهم، فقالوا: نعطيك دينارين، فأخبر أُمه، فقالت: ثمانية، فما زالوا يطلبون على النصف مما تقول أُمه، ويرجع إلى أمه فتَضَعِّف الثمن حتى بلغ ثمنها ملئ مسك ثور أكبر ما يكون دنانير، فأوجب لهم البيع فذبحوها وما كادوا يفعلون.. ". وبعد ذلك بقليل يقول: "وفى تفسير الإمام: أن أصحاب البقرة ضجوا إلى موسى وقالوا: افتقرت القبيلة، وانسلخنا بلجاجنا عن قليلنا وكثيرنا، فأرشدهم موسى إلى التوسل بنبينا ﷺ ، فأوحى الله إليه: ليذهب رؤساؤهم إلى خربة بنى فلان ويكشفوا عن موضع كذا ويستخرجوا ما هناك، فإنه عشرة آلاف ألف دينار، وليردوا على كل مَن دفع من ثمن هذه البقرة ما دفع، لتعود أحوالهم على ما كانت، ثم ليتقاسموا بعد ذلك ما يفضل وهو خمسة آلاف ألف دينار على قدر ما دفع كل واحد منهم، لتتضاعف أموالهم جزاء على توسلهم بمحمد وآله، واعتقادهم لتفضيلهم". كما يروى أنهم توسلوا إلى الله تعالى بالنبى محمد وآله عند ضربهم للقتيل ببعض البقرة، لأجل أن يُحييه لهم فاستجاب، وأن القتيل بعد حياته توسل إلى الله بمحمد وآله أن يُبقيه فى الدنيا متمتعاً بابنة عمه، ويجزى عنه أعداءه، ويرزقه رزقاً كثيراً طيباً، فوهب له سبعين سنة زيادة على السنين التى عاشها قبل ذلك، وعاش فى الدنيا صحيحة حواسه، قوية شهواته، متمتعاً بحلال الدنيا، وعاش معها لم يفارقها ولم تفارقه، وماتا جميعاً معاً، وصارا إلى الجنة وكانا فيها زوجين ناعمين". * * * قصص القرآن: وإنَّا لنجد المؤلف يقرر فى غير موضع من كتابه: أن القصص القرآنى وما ورد فى شروحه من الروايات على اختلافها وتضاربها، ليس المقصود منه ظاهره الذى يتبادر إلى الذهن، بل هى مَن قبيل المرموزات التى رمزوا بها لأشياء يعلمونها ويريدونها، كما

стр. 492

يقرر أن من يريد حملها على الظاهر فلا بد وأن يتحَّير فيها، وليس يمكن له أن يصل إلى حقيقتها، والمقصود منها بمجرد قوته البَشرية: فعندما تكلم على قصة آدم فى أول البقرة وجدناه يقول: "ولما كان قصة آدم وخلقته، وأمر الملائكة بسجدته، وإباء إبليس عن السجود، وهبوطه من الجنَّة، وبكائه فى فراق الجنَّة وفراق حواء، وخلقته حواء من ضلع الجنب الأيسر، وغرروة بقول الشيطان وحواء، وكثرة نسله، وحمل حواء فى كل بطن ذكراً وأُنثى، وتزويج كل بطن لذكر البطن الآخر من مرموزات الأوائل، وقد كثر ذكره فى كتب السَلَف خصوصاً كتب اليهود وتواريخهم، وردت أخبارنا مختلفة فى هذا الباب اختلافاً كثيراً، مرموزاً بها إلى ما رمزوه، ومَن أراد أن يحملها على ظاهرها تحيَّر فيها، ومَن رام أن يدرك المقصود بقوته البَشرية والمدارك الشيطانية منها طُرِد عنها، ولم يدرك منها إلا خلاف مدلولها". وبعد أن يقرر المؤلف هذا نراه يكشف لنا عن تلك الأُمور المرموز إليها فى القصة، لا بقوته البشرية، فإنها عاجزة عن إدراكها كما يقول، بل بقوته الروحية التى تستلهم المعارف من الله، وذلك حيث يقول فى أثناء تفسيره للقصة نفسها: "اعلم أن قصة خلق آدم من الطين، وحواء من ضلعه الأيسر. وأمر الملائكة بالسجود لآدم، وإباء إبليس عن السجدة، وإسكان آدم وحواء الجنة، ونهيهما عن أكل شجرة من أشجارها، ووسوسة إبليس لهما، وأكلهما من الشجرة المنهية، وهبوطهما، من المرموزات المذكورة فى كتب الأُمم السالفة وتواريخهم كما ذكرنا سابقاً، فالمراد بآدم فى العالَم الصغير: اللطيفة العاقلة الآدمية، الخليفة على الملائكة الأرضيين، وعلى الجِنَّة والشياطين المطرودين عن وجه أرض النفس والطبع، المسجودة للملائكة، المخلوقة من الطين، الساكنة فى جنَّة النفس الإنسانية، وهى أعلا من مقام النفس الحيوانية، المخلوق من ضلع جنبها الأيسر الذى يلى النفس الحيوانية زوجتها المسماة بحواء، لكدورة لونها بقربها من النفس الحيوانية. والمراد بالشجرة المنهية: مرتبة النفس الإنسانية التى هى جامعة لمقام الحيوانية والمرتبة الآدمية. والمراد بالحيَّة واختفاء إبليس بين لحييها: القوة الواهمة، فإنها لكونها مظهراً لإبليس، تسمى بإبليس فى العالَم الصغير، ووسوسته: تزيينها ما لا حقيقة له للجنب الأيسر من آدم المغبَّر عنه بحواء. وهبوط آدم وحواء عبارة عن تنزيلهما إلى مقام الحيوانية. وهبوط الحيَّة وذُرِّيتهما: عبارة عن تنزلهما عن مقام التبعية لآدم، فإن إبليس لما كان الواهمة أحد مظاهره كان رفعتها رفعته، وشرافتها باستخدام آدم لها شرافته، وهبوط الواهمة كان هبوطاً له، وإذا أريد بالشجرة: النفس الإنسانية ارتفع الاختلاف من الأخبار، فإن النفس الإنسانية شجرة لها أنواع الثمار

стр. 493

والحبوب، وأصناف الأوصاف والخصال، لأن الحبوب والثمار وإن لم تكن بوجود ذاتها العينية الدانية الموجودة فيها لكن الكل بحقائقها موجودة فيها، فتعيين تلك الشجرة بشئ من الحبوب والثمار، والعلوم والأصناف بيان لبعض شئونها. روى فى تفسير الإمام: أنها شجرة علم محمد وآل محمد الذين آثرهم الله تعالى دون سائر خلقه، فقال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هاذه الشجرة﴾ [البقرة: ٣٥] شجرة العلم، فإنها لمحمد وآله دون غيرهم، ولا يتناول منها بأمر الله إلا هم. ومنها ما كان يتناوله النبى ﷺ ، وعلىّ، وفاطمة، والحسن، والحسين، بعد إطعامهم المسكين، واليتيم، والأسير، حتى لم يحسوا بجوع، ولا عطش ولا تعب ولا نَصّب، وهى شجرة تميزت من بين سائر الأشجار بأن كلا منها إنما يحمل نوعاً من الثمار، وكانت هذه الشجرة وجنسها تحمل البُرّ، والعِنَب، والتِّين، والعُنَّاب، وسائر أنواع الثمار والفواكه والأطعمة، فلذلك اختلف الحاكون.. فقال بعضهم: بُرَّة، وقال آخرون: هى الشجرة التى مَن تناول منها بإذن الله أُلْهِمَ عِلْم الأوَّلين والآخرين من غير تعلم، ومن تناول بغير إذن الله خاب مراده وعصى ربه". أقول: "آخر الحديث يدل على ما قالته الصوفية من أن السالك ما لم يتم سلوكه، ولم ينته إلى مقام الفناء، ولم يرجع إلى الصحو بعد المحو بإذن الله، لم يجز له الاشتغال بالكثرات ومقتضيات النفس زائداً على قدر الضرورة. وشجرة علم محمد وآل محمد إشارة إلى مقام النفس الجامع لكمالات الكثرة والواحدة". وفى سورة البقرة أيضاً عندما تكلَّم عن قصة هاروت وماروت يقول: "اعلم أن أكثر قصص سليمان كان من مرموزات الأوائل، وأخذها المتأخرون بطريق الأسمار، وأخذوا منها ظاهرها الذى لا يليق بشأن الأنبياء، وورد عن المعصومين تقرير ما أخذوه أسماراً نظراً إلى ما رمزها الأقدمون، وأمثال هذه ورد عنهم تكذيبها نظراً إلى ظاهر ما أخذها العوام، وتصديقها نظراً إلى ما رمزوا إليه". وفى أول سورة النساء عند قوله: ﴿ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ ... الآية: يقول: "لما كان تلك الحكاية وأمثالها من مرموزات الأوائل من الأنبياء والأولياء والحكماء التابعين لهم، وحملها العوام من الناس على ظاهرها، اختلفت الأخبار فى تصديقها وتقريرها وتكذيبها وتوهينها، فإن فى كيفية خلقه آدم وتناسلهما وتناكحهما وتناكح أولادهما، وكذا فى قصة هاروت وماروت. وقصة داود، وغير ذلك، اختلافاً كثيراً فى الأخبار، واضطراباً شديداً، بحيث يورث التحير والاضطرابات لمن لا خبرة له، حتى يكاد يخرج من الدين، ولكن الراسخين فى العلم

стр. 494

يعلمون أن كلاً من معادن النبوة ومحال الوحى صدر، ولا اختلاف فيها ولا اضطراب، جعلنا الله منهم، والله ولى التوفيق". وفى سورة [ص] عند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ .. الآيات من [٣٤] إلى تمام القصة، يقول بعد ما ذكر قصة الفتنة: "وأمثال هذه، وأمثال روايات سلب مُلْك سليمان، وجلوس الشيطان على كرسيه، وكون مُلْكه منوطاً بخاتم، ليس إلا من الرموز التى رمزها الأقدمون، ثم أخذها العامة بصورها الظاهرة، ومفاهيمها العامية، ونسبوا إلى الأنبياء ما لا يليق أن ينسب إلى مؤمن، فكيف بكامل أو نبى"؟!. * * * الإمامية: والمؤلف يقرر فى تفسيره إمامة علىّ رضى الله عنه، وخلافته للنبى ﷺ بدون فصل، فمثلاً فى تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٥٥] من سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين آمَنُواْ الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكاة وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ .. نجده يؤكد أن الآية نازلة فى حق علىّ رضى الله عنه، وأن المراد من الولاية ولاية التصرف لا ولاية المعاشرة، ويرد على مَن يخالف ذلك بما يظهر له من الدليل، كما يبين السر الذى من أجله ذُكِر علىّ بوصفه دون اسمه. وذلك حيث يقول: "قد ورد من طريق العامة والخاصة أن الولاية نازلة فى علىّ حين تصدَّق فى المسجد فى ركوع الصلاة بخاتمه أو بحُلَّته التى كان قيمتها ألف دينار، ومفسرو العامة لا ينكرون الأخبار فى كونها نازلة فى أمير المؤمنين وقد نقلوا بطرق عديدة من رواتهم أنها نزلت فى علىّ، ومع ذلك يقولون فى تفسيرها: إن الآية نزلت بعد النهى عن اتخاذ أهل الكتاب أولياء، ولا شك أن المراد بالأولياء هناك أولياء المعاشرة، بقرينة المقابلة، وبقرينة جمع المؤمنين، ولو كان المراد أمير المؤمنين وبالولاية ولاية التصرف لصرَّح باسمه، أو لقال: "والذى آمن" بالإفراد، وهم غافلون عن أنه لو صرَّح باسمه، أو أفرد المؤمن - مع الاتفاق فى أنها نازلة فى أمير المؤمنين - لأسقطوه تمويهاً على عابدى عِجْلهم، فنقول: نسبة الولاية أولاً إلى الله، ثم إلى رسوله ﷺ وآله، ثم إلى الذين آمنوا، تدل على أن المراد بالولاية ولاية التصرف التى فى قوله تعالى: ﴿النبي أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] .. لأن ولاية الله ليست ولاية المعاشرة ولا ولاية الرسول، بقرينة العطف، وبما هو معلوم من الخارج، فكذلك ولاية الذين آمنوا بقرينة العطف، وبقرينة عدم تكرار الولى، فإن المراد أن الولاية ههنا أمر واحد مترتب فى الظهور، فإن ولاية الرسول ليست شيئاً سوى ولاية الله، وولاية الله تتحقق بولاية الرسول، فهكذا ولاية الذين آمنوا، فإنها ولاية الرسول ﵌ تظهر فى ولاية الذين آمنوا على ما قاله الشيعة، ولو كان المراد ولاية

стр. 495

المعاشرة كان "أولياؤكم" بلفظ الجمع أولى، وتقييد الذين آمنوا بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فى حال الركوع يدل على أنها ليست ولاية المعاشرة، وإلا لكان جملة المؤمنين فيها سواء، وليس كل المؤمنين متصفين بالصفات المذكورة، على أنه لا خلاف معتداً فى أنها نزلت فى علىّ وصورة الأوصاف خاصة به، وقوله: ﴿الذين يُقِيمُونَ الصلاة﴾ بالمضارع إشارة إلى أن هذا الوصف مستمر لهم، يعنى حالهم استمرار إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فى حال الخضوع لله، لا فى حال بهجة النفس، لأنهم ﴿يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إلى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠] .. بخلاف الفاعل من قِبَلِ النفس فإن شأنه الارتضاء بفعله، وتوقع المدح من الغير على فعله، لأن كل حزب من أحزاب النفس بما لديهم فرحون، ويحبون أن يُحمدوا على ما لم يفعلوا، فضلاً عمَّا فعلوا. واستمرار الصفات بحسب المعنى: لعلىّ وأولاده المعصومين بشهادة أعدائهم، وبحسب الصورة: ما كان أحد مصداقها إلا علىّ نقلاً عن طريق العامة والخاصة. ووقع صدور الزكاة فى الركوع من كل الأئمة كما ورد عن طريق الخاصة. وفى نسبة الولاية إلى الله دون المخاطب والإتيان بأداة الحصر دلالة تامة على أن المراد بها ولاية التصرف، فإنها ثابتة لله ذاتاً ولرسوله ولخلفاء رسوله باعتبار كونهما مظهرين لله، وليس لأحد شركة فيها، وليس المراد بها ولاية المعاشرة التى تكون بالمواضعة والاتخاذ، وإلا لم يكن للحصر وجه، وكان اقتضاء المقابلة أن يقول: بل أنتم أولياء الله ... إلخ، أو: بل اتخذوا الله ورسوله والمؤمنين أولياء، ولأن المراد بها ولاية التصرف التى كانت بالذات لله قال فى عكسه: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ الله وَرَسُولَهُ والذين آمَنُواْ﴾ .. إشعاراً بأن الولاية السابقة هى ولاية التصرف وليست لغير الله إلا قبولها، ومَن قبلها منهم باستعداده لظهورها فيه صار مرتبطاً بالله وخلفائه، ومَن صار مرتبطاً بالله صار من حزب الله، ومن صار من حزب الله كان غالباً ﴿فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الغالبون﴾ [المائدة: ٥٦] . ولو كان المراد بها المعاشرة لكان الأوْلى أن يقول: ومن يتخذ الله، أو: ومَن صار ولياً لله، والحاصل: أن فى لفظ الآية دلالات واضحة على أن المراد بالولاية ولاية التصرف، وأنها بعد الرسول ليست لجملة المؤمنين، بل لمن اتصف بصفات خاصة كائناً مَن كان، متعدداً أو منفرداً، سواء قلنا نزلت فى علىّ أو لم نقل، لكن باتفاق الفريقين لم توجد الأوصاف إلا فيه، ونزلت الآية فى حقه، والمراد بـ ﴿الذين آمَنُواْ﴾ ههنا، هم الموصوفون فى الآية السابقة، لما تقرر عندهم أن المعرفة إذا تكررت كانت عَيْن الأولى". وفى سورة المائدة أيضاً عند قوله تعالى فى الآية [٦٧] : ﴿ياأيها الرسول بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ ... الآية، نجده يدَّعى - كغيره من الإمامية - أن القراءة

стр. 496

الصحيحة كانت: "بَلِّغ ما أُنزل إليك من ربك فى علىّ"، ويحمل التبليغ المأمور به النبى على ذلك فحسب، ويمنع إرادة العموم، ويُقيم الأدلة على ذلك رداً على مَن يدَّعى العموم، وغرضه من ذلك كله إثبات إمامة علىّ رضى الله عنه بنص القرآن الكريم". * * * الرجعة: والمؤلف يتأثر بعقيدة الرجعة، فلهذا نراه عندما فسَّر قوله تعالى فى الآية [٥٦] من سورة البقرة: ﴿ ... ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ .. يستدل بهذا البعث على جوار الرجعة فيقول: "وهذه الآية تدل على جواز الرجعة كما ورد الإخبار عنها وصارت كالضرورى فى هذه الأمة. وقد احتج أمير المؤمنين ﵇ بها على ابن الكواء فى إنكاره الرجعة". * * * تحريف القرآن: ولما كان المؤلف ممن يقولون بوقوع التحريف والتبديل فى القرآن، فإنَّا نجده عندما يصطدم بقوله تعالى فى الآية [٩] من سورة الحِجْر: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ .. يحاول أن يتخلص من هذا النص الذى يجبهه فيقول: "ولا ينافى حفظه تعالى للذِكْر بحسب حقيقة التحريف فى صورة تدوينه، فإن التحريف إن وقع وقع فى الصورة المماثلة له كما قال: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هاذا مِنْ عِنْدِ الله﴾ [البقرة: ٧٩] ، وكما قال: ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بالكتاب لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكتاب وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله﴾ [آل عمران: ٧٨] . * * * موقف المؤلف من الصحابة: لم نلاحظ على المؤلف فى تفسيره هذا ما يدل صراحة على أنه يُكَفِّر أحداً من الصحابة، كما لاحظنا على ملا محسن فى تفسيره، غاية الأمر أننا نأخذ عليه أنه أحياناً يقف من الآيات التى وردت فى شأن بعض الصحابة وما لهم من الفضل موقفاً يراد منه سلب هذا الفضل عنهم أو تقليل أهميته، وأحياناً بنسب إلى بعض الصحابة ما يكاد يكون تصريحاً منه بفسقهم أو كفرهم. فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١٤٤] من سورة آل عمران: ﴿ ... وَمَن يَنقَلِبْ على عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ الله شَيْئاً وَسَيَجْزِي الله الشاكرين﴾ نراه يصرف لفظ

стр. 497

"الشاكرين" عن عمومه ويريد منه خصوص علىّ ونفر معه فيقول: "والمراد بالشاكرين ههنا: علىّ ونفر يسير بقوا عند رسول الله ﷺ حين انهزم المسلمون" هنا يروى رواية عليها دليل الوضع وسمته فيقول: "روى عن الصادق: أنه لما انهزم المسلمون يوم أُحُد عن النبى ﷺ انصرف إليها بوجهه وهو يقول: أنا محمد رسول الله، لم أُقتل ولم أمت، فالتفت إليه فلان وفلان فقالا: الآن يسخر بنا أيضاً وقد هُزِمنا، وبقى معه علىّ وأبو دجانة ﵀، فدعاه النبى ﷺ فقال: يا أبا دجانة؟ انصرف وأنت فى حِلَّ من بَيْعتك، فأما علىّ فهو أنا، وأنا هو، فتحوَّل وجلس بين يدى النبى وبكى وقال: لا واللهِ، ورفع رأسه إلى السماء وقال: لا واللهِ، لا جعلتُ نفسى فى حِلٍّ من بَيْعتك، إنى بايعتك فإلى مَنْ انصرف يا رسول الله؟ إلى زوجة تموت؟ أو ولد يموت؟ أو دار تخرب ومال يفنى وأجل قد اقترب؟ فَرَق له النبى ﷺ ، فلم يزل يُقاتل حتى قُتل، فجاء به علىّ إلى النبى فقال: يا رسول الله؛ أوفيتُ ببيعتى؟ فقال: نعم. وقال له النبى خيراً. وكان الناس يحملون على النبى ﷺ الميمنة فيكشفهم علىّ، فإذا كشفهم أقبلت الميسرة إلى النبى فلم يزل كذلك حتى تقطَّع سيفه بثلاث قطع، فجاء إلى النبى فطرحه بين يديه وقال: سيفى قد تقطَّع، فيومئذ أعطاه النبى ذا الفقار، ولما رأى النبى ﷺ اختلاج ساقيه من كثرة القتال، رفع رأسه إلى السماء وهو ويبكى وقال: يا ربِّ، وعدتنى أن تُظهر دينك وإن شئتَ لم يعيك، فأقبل علىّ إلى النبى ﷺ فقال: يا رسول الله؛ أسمع دوياً شديداً، وأسمع: أقدم يا حيزوم، وما أهم أضرب أحداً إلا سقط ميتاً قبل أن أضربه، فقال: هذا جبريل وميكائيل وإسرافيل والملائكة، ثم جاء جبريل فوقف إلى جنب رسول الله ﷺ فقال: يا محمد؛ إن هذه لهى المواساة، فقال النبى ﷺ : إن علياً منى وأنا منه، فقال جبريل: وأنا منكم".. (إلى آخر الحديث) . ونزل: ﴿وَسَيَجْزِي الله الشاكرين﴾ . ومثلاً نجد أن المؤلف عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١٤] وما بعدها إلى آخر سورة اللَّيل: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تلظى * لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ الأشقى * الذي كَذَّبَ وتولى * وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى * الذى يُؤْتِي مَالَهُ يتزكى * وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تجزى * إِلاَّ ابتغآء وَجْهِ رَبِّهِ الأعلى * وَلَسَوْفَ يرضى﴾ يصعب عليه أن يعترف اعترافاً جازماً بأن الأتقى مراد به الصِّدِّيق رضى الله عنه كما يقول المفسِّرون من أهل السًّنَّة، كما نراه حريصاً على أن يكون علىّ هو أولى الناس بهذا الشرف وهذا التنويه الإلهى، فلهذا نراه يقول ما نصه: "إن كانت الآيات نزلت فى رجل خاص فالمعنى عام، والأصل فيمن أعطى واتقَّى: علىّ، وفيمن بخل واستغنى هو الثانى، وقيل المراد بمن أعطى: أبو بكر

стр. 498

حيث اشترى بلالاً فى جماعة من المشركين وكانوا يؤذونه فأعتقه، والمراد بالأشقى: أبو جهل وأُمية بن خلف". وفى سورة النور عند قوله تعالى فى الآية [١١] : ﴿إِنَّ الذين جَآءُوا بالإفك عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ﴾ ... الآية، يقول: "قد نُقِل فى تفاسير الخاصة والعامة أن الآيات نزلت فى عائشة". ثم يروى السبب المعروف لنا، ثم يقول: "ونُقِل عن الخاصة أنها نزلت فى مارية القبطية وما رمتها به عائشة، روى عن الباقر أنه قال: لما هلك إبراهيم ابن رسول الله ﷺ حزن عليه رسول الله ﷺ حزناً شديداً، فقالت له عائشة: ما الذى يُحزنك عليه؟ فما هو إلا ابن جريج، فبعث رسول الله ﷺ علياً وأمره بقتله، فذهب علىّ ومعه السيف، وكان جريج القبطى فى حائط، فضرب علىّ باب البستان، فأقبل إليه جريج ليفتح له الباب، فلما رأى علياً عرف فى وجهه الغضب، فأدبر راجعاً ولم يفتح باب البستان، فوثب علىّ على الحائط، ونزل إلى البستان واتبعه، وولى جريج مدبراً، فلما خشى أن يرهقه صعد فى نخلة وصعد علىّ فى إثره، فلما دنى منه رمى بنفسه من فوق النخلة فبدت عَوْرته، فإذا ليس له ما للرجال، ولا له ما للنساء، فانصرف علىّ إلى النبى ﷺ فقال: يا رسول الله؛ إذا بعثتنى فى أمر أكون فيه كالمسمار المحمى فى الوبر أمضى على ذلك أم أتثبت؟ قال: لا، بل تثبت، قال: والذى بعثك بالحق ما له ما للرجال وما له ما للنساء، فقال: الحمد لله الذى صرف عنا السوء أهل البيت". وفى سورة التحريم عند تفسيره لقوله تعالى فى أولها: ﴿ياأيها النبي لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله لَكَ﴾ ... الآيات، إلى آخر القصة. نراه يذكر سبب نزولها فيقول: "قال القُمِّى وغيره: سبب نزول الآيات أن رسول الله ﷺ كان فى بيت عائشة أو فى بيت حفصة، فتناول رسول الله ﷺ مارية، فعلمت حفصة بذلك فغضبت، وأقبلت على رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله؛ فى يومى؟ وفى دارى؟ وعلى فراشى؟ فاستحى رسول الله ﷺ فقال: كفى، فقد حرَّمتُ مارية على نفسى، وأنا أُفضى إليكِ سراً إن أنتِ أخبرتِ به فعليك لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، فقالت: نعم.. ما هو؟ فقال: إن أبا بكر يلى الخلافة بعدى، ثم بعده أبوكِ، فقالت: مَن أنبأك هذا؟ قال: نبأنى العليم الخبير، فأخبرت حفصة به عائشة من يومها ذلك، وأخبرت عائشة أبا بكر، فجاء أبو بكر إلى عمر فقال له: إن عائشة أخبرتنى بشئ عن حفصة ولا أثق بقولها، فاسأل أنت حفصة، فجاء عمر إلى حفصة فقال: ما هذا الذى أخبرتْ عنكِ عائشة؟ فأنكرت ذلك وقالت: ما قلتُ لها من ذلك شيئاً، فقال لها عمر: إن هذا حق فأخبرينا حتى نتقدم فيه، فقالت: نعم، قاله رسول الله ﷺ ، فاجتمعوا أربعة على أن

стр. 499

يسمُّوا رسول الله ﷺ ، فنزل جبريل على رسول الله ﷺ بهذه السورة: ﴿وَأَظْهَرَهُ الله عَلَيْهِ﴾ .. يعنى أظهره الله على ما أخبرت به وما همُّوا من قتله، و ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾ أى خبرها وقال: لِمَ أخبرتِ بما أخبرتك؟ ﴿وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ﴾ يعنى لم يخبرهم بما يعلمه مما هَمُّوا به من قتله". * * * عتاب النبى ﷺ : ويرى المؤلف - كغيره من الشيعة - أن ما ورد من الآيات مشتملاً على عتاب النبى ﷺ ، أو على التهديد والوعيد للنبى ﷺ ، على فرض وقوع المعصية منه - إنما هو من قبيل: "إياكِ أعنى واسمعى يا جارة" والذى دفعه إلى ذلك، هو ارتفاعه بمقام النبوة عن أن يُوجَّه إليه عتاب من الله، أو لوم وتهديد على فرض صدور المعصية. فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآيتين: [٧٤، ٧٥] من سورة الإسراء: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحياة وَضِعْفَ الممات ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾ . نجده يقول: وقد ورد فى الأخبار أن هذه الآية من قبيل: "إياكِ أعنى واسمعى يا جارة" وورد أنها من فرية الملحدين، ولو كان الخطاب له ﷺ من غير كونه عن طريق "إياكِ أعنى واسمعى يا جارة"، ولم تكن فرية لم يكن فيها ازدراء به ﷺ بل يكون صدر الآية ازدراء بالملحدين، لإشعاره بأنهم بالغوا فى فتنته، يعنى أنهم ما أهملوا شيئاً مما يُفتن به، ولو كان المفتون غيرك ولم يكن التثبيت من الله لفتن، وذيَّلها ببيان امتنانه عليه بأن ثبَّته فى مثل هذا المقام". ومثلاً عند تفسيره لقول تعالى فى الآية [٢٨] من سورة الكهف: ﴿واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ ... الآية، يقول ما نصه: "وهذا على إياكِ أعنى واسمعى يا جارة". ومثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى أول سورة عبس: ﴿عَبَسَ وتولى * أَن جَآءَهُ الأعمى ... ﴾ ... الآيات - إلى قوله: ﴿فَأَنتَ عَنْهُ تلهى﴾ يقول ما نصه: "وقد استبعد بعض العلماء كون الآيات فى الرسول الله لبُعْدِ مقامه عن العبوس والتولى عن الأعمى، وعلو مرتبته عن أن يصير مُعاتَباً بمثل هذا العتاب. أقول: لو كانت الآيات فيه والعتاب له لم يكن فيه نقص لشأنه، ولم يكن منافياً لما قاله تعالى فى حقه من قوله: ﴿وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] .. فإن إقباله وإدباره، وعبوسه، واستبشاره، كان لله، فإن عبوسه إن كان لمنع الأعمى عن نشر دين الله، وإسماع كلماته لأعداء الله وأعداء دينه وتقريبهم إلى دينه، لم يكن فيه نقص فيه

стр. 500

وفى خُلُقه، وأما أمثال العتاب له ﷺ فإنها تدل على تفخيمه والاعتداد به، فإن كلها كانت بـ "إياكِ أعنى واسمعى يا جارة"، فالخطاب والعتاب يكون لغيره لا له، وكذا نسبة الله زرية عيب العبوس والقول له يكون متوجهاً إلى غيره فى الحقيقة". * * * الناحية الفقهية فى هذا التفسير: أما الناحية الفقهية فى هذا التفسير: فإنها تظهر فيه بمظهر التأثر بما لفقهاء الشيعة من الاجتهادات التى يخالفون فيها مَن عداهم، غير أن المؤلف يطوى الكلام طياً، فلا يتعرض لتفصيل المسائل الجزئية، ولا يُشغل نفسه بكثرة الأدلة والبراهين، ولا بالدفاع عن مذهبه ورد مذهب مخالفيه، كما يفعل الطبرسى مثلاً.. * نكاح الكتابيات: فمثلاً عندما فسَّر قوله تعالى فى الآية [٥] من سورة المائدة: ﴿والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ﴾ ... الآية، يقول ما نصه: "قد اختلفت الأخبار والأقوال فى نكاح النساء من أهل الكتاب، وكذا فى أن هذه الآية منسوخة بآية حُرْمة نكاح المشركات، وحُرْمة الأخذ بعِصَمِ الكوافر، أو ناسخة، وكذا فى الدوام والتمتع بهن. وقول النبى صلى الله عليه وآله: "إن سورة المائدة آخر القرآن نزولا، فأحلُّوا حلالها وحرِّموا حرامها" ينفى كونها منسوخة". * * * المتعة: وعندما فسَّر قوله تعالى فى الآية [٢٤] من سورة النساء: ﴿فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفريضة﴾ .. نجده يقول: "وفى لفظ الاستمتاع، وذكر الأجور، وذكر الأجل - على قراءة "إلى أجل" - دلالة واضحة على تحليل المتعة، ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ﴾ من إعطاء الزيادة على الفريضة أو إسقاطهن شيئاً من الفريضة ﴿مِن بَعْدِ الفريضة﴾ .. وفيه إشعار بكون الأجر من أركان عقد التمتع كما عليه من قال به. وعن الباقر: لا بأس بأن تزيدها وتزيدك إذا انقطع الأجل فيما بينكما، تقول: استحللتك بأجر آخر برضا منها ولا تحل لغيرك حتى تنقضى عِدَّتها، وعِدَّتها حيضتان.. ﴿إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ فحلَّل المتعة عن علم، ولغايات منوطة بالمصالح والحكم". * * *

стр. 501

فرض الرِجْلين فى الوضوء: وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٦] من سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكعبين﴾ .. الآية، يقول: "وَأَرْجُلِكُمْ" بالجر عطف على "رُءُوسِكُمْ"، وبالنصب على محل "رُءُوسِكُمْ"، وعطفه على "وُجُوهَكُمْ" مع جواز العطف على "رءوسكم" فى غاية البُعْد، غاية الأمر أنها فى هذا العطف محتملة مجملة كسائر أجزاء الآية محتاجة إلى البيان، ولم يكن رأينا مبيناً للقرآن لاستلزامه الترجيح بلا مرجح، بل المبين: من نص الله ورسوله عليه، لا مَن نصبوه لبيانه، فإن نصب شخص إنسانى لبيان القرآن وخلافة الرحمن ليس بأقل من نصب الأصنام لعبادة الآنام، أو العِجْل المصنوع للعوام، وتفصيل الوضوء وكيفيته قد وصل إلينا مفصَّلاً مبيَّناً عن أئمتنا المعصومين من الله ورسوله، وقد فصَّله الفقهاء رضوان الله عليهم، فلا حاجة إلى التفصيل ههنا". * * * ميراث الأنبياء: والمؤلف يقول كغيره من علماء مذهبه بأن الأنبياء يُوَرِّثون كما يُوَرِّث سائر الناس، ولكنا نلاحظ عليه أنه لم يقف من الآيات التى استدل بها علماء مذهبه على أن الأنبياء يُوَرِّثون المال موقفاً فيه تلك المغالاة وهذا التطرف كالذى وقفه الطبرسى منها، بل نجده عندما فسَّر قوله تعالى فى الآية [٥] من سورة مريم: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الموالي مِن وَرَآئِي﴾ .. يقول: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الموالي﴾ فى الإرث الصورى من التضييع والنزاع والخلاف، أو فى الإرث المعنوى من الاختلاف وتضييع العباد، وهذا إشعار بأن دعاءه خال من مداخلة الهوى مقدمة للإجابة. هذا هو كل ما قاله فى هذه الناحية من الآية فأنت ترى أنه لم يقطع أن الآية فى الإرث الصورى دون المعنوى، بل جوَّز صدقها على كل منهما، ولم يدافع عن مذهبه هذا الدفاع العنيف الذى كان من الطبرسى عندما أراد أن يُقصر الإرث فى الآية على الإرث الصورى. ونجده عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [١٦] من سورة النمل: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ

стр. 502

دَاوُودَ﴾ ... الآية، يقرر أن الميراث هو ميراث ما ينبغى أن يرثه منه من الرسالة والعلم والمُلْك والسلطنة، ثم يقول: "ولذلك حذف المفعول الثانى"، يقول هذا أيضاً ولا يحاول أن يُخرج الآية عن ظاهرها وسياقها كما حاول غيره. * * * الغنائم: ويرى المؤلف كغيره من علماء مذهبه أن الغنائم لا تختص بما أُخِذ من الكفار بطريق القهر والغلبة، بل تعم ذلك وكل ما استفاده الإنسان من أى وجه كان، كما يرى أن الخُمس يقسم بين ذوى القُرْبَى وهو الإمام، ويتامى آل البيت، ومساكينهم، وأبناء سبيلهم، وذلك تعويض لهم من الله عن الصدقات التى هى أوساخ الناس. يرى المؤلف هذا كله ويقرره فى تفسيره باختصار فيقول عند قوله تعالى فى الآية [٤١] من سورة الأنفال: ﴿واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القربى واليتامى والمساكين﴾ ... الآية، ما نصه: ﴿واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ .. اسم الغنيمة قد غلب على ما كان يُؤخذ من الكفار بالقهر والغلبة حين القتال، وإلا فهى اسم لكل ما استفاد الإنسان من أى وجه كان وأى شئ كان، فعن الصادق: هى والله الرفادة يوماً بيوم ﴿فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ ، وقد فسّر "ذوى القُرْبىَ" بالإمام من آل محمد، فإنه ذو القربى حقيقة، وفسَّر الثلاثة الأخيرة بمن كان من قرابات الرسول، جعل ذلك لهم بدلاً عن الزكاة التى هى أوساخ الناس تشريفاً لهم". وفى سورة الحشر عند قوله تعالى فى الآية [٧] ﴿مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغنيآء مِنكُمْ﴾ ... الآية، يقول: ﴿مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القربى﴾ .. أى ذى قُرْبَى الرسول ﷺ ، واليتامى والمساكين وابن السبيل من قرابات الرسول ﷺ ، وقد خصص فى الأخبار كل ذلك بأقرباء الرسول ﷺ ". * * * موقف المؤلف فى تفسيره من المسائل الكلامية: وإنَّا لنجد المؤلف يتأثر بمذهب المعتزلة فى بعض المسائل الكلامية فيوافقهم عليها فى تفسيره، ويخالفهم فى بعض آخر منها فيقول بما يقول به أهل السُّنَّة، فمن المسائل التى يوافق فيها المعتزلة مثلاً: * رؤية الله: فهو ينكر جوازها ووقوعها، ويُجرى تفسيره لآيات الرؤية على هذه العقيدة. فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٥٥] من سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً﴾ نجده يقول ما نصه: "وورد أنه سُئِل الرضا: كيف يجوز أن يكون كليم الله موسى بن عمران لا يعلم أن الله لا يجوز عليه الرؤية حتى

стр. 503

يسأل هذا السؤال؟ فقال: إن كليم الله علم أن الله منزَّه عن أن يُرى بالأبصار، ولكنه لما كلَّمه وقرَّبه نجيا رجع إلى قومه فأخبرهم أن الله كلَّمه وقرَّبه وناجاه، فقالوا: لن نؤمن لك حتى نسمع كلامه كما سمعته، وكان القوم سبعمائة ألف، فاختار منهم سبعين ألفاً، ثم اختار منهم سبعة آلاف، ثم اختار منهم سبعمائة، ثم اختار منهم سبعين رجلاً لميقات ربه، فخرج بهم إلى طور سيناء فأقامهم فى سفح الجبل، وصعد موسى إلى الطور وسأل ربه أن يُكلِّمه ويُسمعهم كلامه "وكلَّمه الله وسمعوا كلامه من فوق وأسفل ويمين وشمال ووراء وأمام - لا أن الله أحدثه فى الشجرة، ثم جعله منبعثاً منها - حتى سمعوه من جميع الوجوه. فقالوا: لن نؤمن بأن هذا الذى سمعناه كلام الله حتى نرى الله جهرة، فلما قالوا هذا القول العظيم واستكبروا وعتوا، بعث الله عليه بصاعقة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم، فماتوا، فقال موسى: ما أقول لبنى إسرائيل إذا رجعت إليهم وقالوا إنك ذهبت بهم فقتلتهم، لأنك لم تكن صادقاً فيما ادعيتَ من مناجاة الله إياك، فأحياهم وبعثهم. فقالوا: إنك لو سألت الله أن يُريك تنظر إليه لأجابك فتخبرنا كيف هو ونعرفه حق معرفته، فقال موسى: يا قوم؛ إن الله لا يُرى بالأبصار ولا كيفية له، وإنما يُعرف بآياته ويُعلم بأعلامه، فقالوا: لن نؤمن لك حتى تسأله، فقال موسى: يا ربِّ إنك قد سمعتَ مقالة بنى إسرائيل، وأنت أعلم بصلاحهم، فأوحى الله إليه: يا موسى؛ سلنى ما سألوك فلن أؤاخذك بجهلهم، فعند ذلك قال موسى: ﴿رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي ولاكن انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ﴾ وهو يهوى، ﴿فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسى صَعِقاً فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ يقول: رجعت إلى معرفتنى بك عن جهل قومى، ﴿وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين﴾ [الأعراف: ١٤٣] منهم بأنك لا تُرّى". وفى سورة القيامة عند قوله تعالى فى الآيتين [٢٢، ٢٣] : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ .. يقول: ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ أى إلى ربها المضاف لظهور الولاية وصاحبها فى ذلك اليوم، أو إلى ربها المطلق لظهور آثاره، أى إلى آثاره ناظرة، أو منتظرة إلى ثواب ربها. روى عن أمير المؤمنين فى حديث: ينتهى أولياء الله بعد ما يُفرغ من الحساب إلى نهر يسمى "الحيوان" فيغتسلون فيه ويشربون منه فتبيض وجوههم إشراقاً، فيذهب كل قذى ووعث، ثم يُؤمرون بدخول الجنَّة، فمن هذا المقام ينظرون إلى ربهم كيف يثيبهم قال: فذلك قوله تعالى: ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ، وإنما يعنى بالنظر إليه، النظر إلى ثوابه ﵎. وفى الخبر: والناظرة فى بعض اللُّغة هى المنتظرة، ألم تسمع إلى قوله: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المرسلون﴾ [النمل: ٣٥] أى منتظرة". * * ومن المسائل التى يخالف فيها المعتزلة: * السحر: فهو يقول به ويعترف بحقيقته ويوضح لنا عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١٠٢] من سورة البقرة: ﴿واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين على مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ولاكن الشياطين كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ الناس السحر﴾ ... الآية، حقيقة السحر

стр. 504

وكيفية تأثيره فى المسحور وذلك حيث يقول: "والسحر اسم لقول أو فعل أو نقش فى صفحة يؤثر فى عالَم الطبع تأثيراً خارجاً عن الأسباب والمعتاد، وذلك التأثير يكون سبب مزج القُوَى الروحانية مع القُوَى الطبيعية، أو بتسخير القُوَى الروحانية بحيث تتصرف على إرادة المسخِّر الساحر، وهذا أمر واقع فى الأمر ليس محض تخييل كما قيل.. وتحقيقه أن يقال: إن عالَم الطبع واقع بين الملكوت السفلى والملكوت العلوى كما مَرّ، وأن لأهل العالمين تصرفاً بإذن الله فى عالَم الطبع بأنفسهم، أو بأسباب من قِبَل النفوس البَشرية، وأن النفوس البَشرية إذا تجردت من علائقها، وصفت من كدروتها بالرياضات الشرعية أو غير الشرعية، وناسبت المجردات العلوية أو السفلية، تؤثر بالأسباب أو بغير الأسباب فى أهل العالمين بتسخيرها إياهم، وجذبها لهم إلى عالمها، وتوجيههم فى مراداتها شرعية كانت أو غير شرعية، وإذا كان التأثير كان من أهل العالَم السفلى تسمى أسبابه سحراً، وقد يسمى ذلك التأثير والأثر الحاصل به سحراً، وإذا كان من أهل العالَم العلوى يسمى ذلك التأثير والأثر الحاصل به معجزة وكرامة، وقد تتقوى فى الجهة السفلية أو العلوية فتؤثر بنفسها من دون حاجة إلى التأثير فى الأرواح، ويُسمى ذلك التأثير والأثر أيضاً سحراً ومعجزة. فالسحر هو السبب المؤثر فى الأرواح الخبيثة الذى خفى سببيته، أو تأثير تلك الأرواح وآثارها فى عالَم الطبع بحيث خفى مدركها، ثم أُطلق على كل علم وبيان دقيق قلَّما يُدرك مدركه، ويُطلق على العالم بذلك العلم اسم الساحر، ومنه: ﴿ياأيه الساحر ادع لَنَا رَبَّكَ﴾ [الزخرف: ٤٩] على وجه.. فيُستعمل على هذا فى المدح، والذم". وفى الآية [٤] من سورة الفلق نجده يعترف أيضاً بالسحر ويُروى أن الرسول سُحِرَ بيد لُبيد بن الأعاصم وذلك حيث يقول: ﴿وَمِن شَرِّ النفاثات فِي العقد﴾ .. أى من شر النفوس اللاتى يعقدن على الشعور والخيوط، وينفثن فيها، ويسحرون الناس بها. أو النساء اللاتى يفعلن ذلك.. ثم ساق حديث سِحْر الرسول ﷺ ". وهناك مسائل أُخرى يوافق فيها المعتزلة، ومسائل أُخرى يخالفهم فيها ويوافق أهل السُّنَّة، ولا أطيل بذكرها بعد أن ذكرت نموذجاً من كل طائفة، ومَن أراد الرجوع إليها فليرجع إلى تفسيره للآيات التى تتعلق بهذه المسائل. هذا.. ولا يفوتنا أن ننبه على أن المؤلف كثيراً ما يهتم فى بعض المواضع بالمسائل النحوية، فنراه يذكر الأعاريب التى فى الآية، كما يهتم فى بعض النواحى بالقراءات، وإن كان يعتمد فى كثير من الأحيان ما نُسِب إلى أهل البيت من قراءات لاأصل لها، كما نراه يذكر بعض النكات التى ترجع إلى نظم القرآن وأسلوبه. وبالجملة.. فهذا التفسير يكشف لنا عن مقدار تعصب صاحبه لمذهبه، وتأثره بعقيدته الشيعية، ونزعته الصوفية الفلسفية فى فهمه لكتاب الله تعالى. .. والكتاب مطبوع فى جزءين كبيرين. وموجود بدار الكتب المصرية. * * *

стр. 505

الإمامية الإسماعيلية "الباطنية" وموقفهم من تفسير القرآن الكريم كلمة إجمالية عن الإسماعيلية وعقائدهم وأغراضهم قلنا: إن الإسماعيلية من الشيعة الإمامية تنتسب إلى إسماعيل بن جعفر الصادق، وقلنا: إنهم يلقبون بالباطنية أيضاً لقولهم بباطن القرآن دون ظاهره، أو لقولهم بالإمام الباطن المستور. والحق أن هذه الطائفة لا يمكن أن تكون داخلة فى عدَاد طوائف المسلمين، وإنما هى فى الأصل جماعة من المجوس رأوا شَوْكة الإسلام قوية لا تُقهر، وأبصروا عِزَّة المسلمين فتية لا تُغلب ولا تُكسر، فاشتعلت بين جوانحهم نار الحقد على الإسلام والمسلمين، ورأوا أنه لا سبيل لهم إلى الغلب على المسلمين بقوة الحديد والنار، ولا طاقة لهم بالوقوف أمام جيشهم الزاخر الجرَّار، فسلكوا طريق الاحتيال الذى يوصلهم إلى مآربهم وأهوائهم، ليطفئوا نور الله بأفواههم، وخفى على هؤلاء الملاحدة أن الله متم نوره ولو كره الكافرون. * * مؤسسو هذه الطائفة ظهرت بوادر هذه الفتنة، ونبتت نواه هذه الطائفة: زمن المأمون، وبيد جماعة جمع بينهم سجن العراق، هم: عبد الله بن ميمون القدَّاح، وكان مولى جعفر بن محمد الصادق. ومحمد بن الحسين المعروف بـ "ذيذان"، وجماعة كانوا يدعون "الجهاربجة". اجتمع هؤلاء النفر، فوضعوا مذهب الباطنية وأسسوا قواعده، فلما خلصوا من السجن ظهرت دعوتهم، لم استفحل أمرها، واستطار خطرها إلى كثير من بلاد المسلمين. وما زالت لها بقية إلى يومنا هذا بين كثير ممن يَدَّعون الإسلام. * * احتيالهم على الوصول إلى أغراضهم رأى المؤسسون لمبادئ الباطنية أنه لا طاقة لهم بالوقوف فى وجه المسلمين صراحة وجهاراً، فاحتالوا - كما قلنا - على الوصول إلى مآربهم بشتَّى الحيل، فاندسوا بين المسلمين باسم الحدب على الإسلام، وتلفعوا بالتشيع والموالاة لأهل البيت، وتظاهروا

стр. 506

بالورع الكاذب، وجعلوا ذلك كله ستاراً لما يريدون أن يبذروه بين المسلمين من بذور الفساد والاضطراب فى العقيدة والسياسة. ومن المحزن أن يَدِّعى هؤلاء الملاحدة الانتماء إلى أهل بيت النبوة، ويصلون أنسابهم بأنسابهم عن طريق آباء وأئمة مستورين، فيلقى هذا الادعاء رواجاً وقبولا من أناس ضعفاء أغمار، غرَّهم التباكى على آل البيت والتحزن عليهم، فتحركت أحقاد دفينة، وثارت فتن دامية بين المسلمين كان لها أثرها وخطرها. أسس هؤلاء الباطنية الجمعيات السرية لنشر مذهبهم وهدم مذهب المسلمين، ورسموا لهذا المذهب خطة دبروها بنوع من المكر والخديعة، فجعلوا هدفهم الأول: الاحتيال على الطغام بتأويل الشرائع إلى ما يعود إلى قواعدهم من الإباحة والإلحاد، وتدرجوا فى وصولهم إلى غرضهم هذا بجعلهم الدعوة على مراتب وهى ما يأتى: مراتب الدعوة عند الباطنية أولا - الذوق: وهو تفرس حال المدعو. هل هو قابل للدعو أو لا؟ ولذلك منعوا من إلقاء البذر فى السبخة.. أى دعوة مَن ليس قابلاً لها، ومنعوا التكلم فى بيت البذر فى السبخة.. أى دعوة مَن ليس قابلاً لها، ومنعوا التكلم فى بيت فيه سراج.. أى فى موضع فيه فقيه أو متعلم. ثانياً - التأنيس: باستمالة كل واحد من المدعوين بما يميل إليه بهواه وطبعه، من زهد، وخلاعة، وغيرهما، فإن كان يميل إلى زهد زيَّنه فى عينه وقبَّح نقيضه، وإن كان يميل إلى الخلاعة زينَّها وقبَّح نقيضها، ومَن رآه الداعى مائلاً إلى أبى بكر وعمر مدحهما عنده وقال: لهما حظ فى تأويل الشريعة، ولهذا استصحب النبى أبا بكر إلى الغار، ثم إلى المدينة، وأفضى إليه فى الغار تأويل الشريعة.. وهكذا حتى يحصل له الأُنس به. ثالثاً - التشكيك فى أُصول الدين وأركان الشريعة: كأن يقول للمدعو: ما معنى الحروف المقطعة فى أوئل السور؟ ولِمَ تقضى الحائض الصوم دون الصلاة؟ ولِمَ يجب الغُسل من المنى دون البول؟ ولِمَ اختلفت الصلوات فى عدد ركعاتها فكان بعضها ركعتين، وبعضها ثلاثاً، وبعضها أربعاً؟ وحيث يشككون بمثل هذا فلا يجيبون ليتعلق قلب مَن يشككونه بالرجوع إليهم والأخذ عنهم. رابعاً - الرابط: وهو أمران: أحدهما: أخذ الميثاق على الشخص بأن لا يفشى لهم سراً، ويستدلون على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وموسى وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً﴾ [الأحزاب: ٧] ، وقوله: ﴿وَلاَ تَنقُضُواْ الأيمان بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ الله عَلَيْكُمْ كَفِيلاً﴾ [النحل: ٩١] .. وثانيهما: حوالته على الإمام فى حل ما أشكل عليه من الأُمور التى أُلقيت إليه، فإنها لا تُعلم إلا من قِبَلِ الإمام.

стр. 507

خامساً - التدليس: وهو دعوة موافقة أكابر الدين والدنيا ليزداد الإقبال على مذاهبهم. سادساً - التأسيس: وهو تمهيد مقدمات يراعون فيها حال المدعو لتقع تعاليمهم منه موقع القبول من نفسه. سابعاً - الخلع: وهو الطمأنينة إلى إسقاط الأعمال البدنية. ثامناً - السلخ: وهو سلخ المدعو من العقائد الإسلامية، ثم بعد ذلك يأخذون من تأويل الشريعة على ما تشاء أهواؤهم. فأنت ترى أن الباطنية قد توسَّلوا بكل هذه الحيل إلى تشكيك المسلمين فى عقائدهم، وكأنهم رأوا أن القرآن ما دام موجوداً بين المسلمين ومحفوظاً عندهم يرجعون إليه فى أُمور الدين، ويهتدون بهَدْيه كلما نزلت بهم نازلة، فليس من السهل صرف الناس عنه إلا بواسطة تأويله، وصرف ألفاظه وآياته عن مدلولاتها الظاهرة، فأخذوا يَجِدُّون فى تأويل نصوص القرآن كما يُحبون. وعلى أى وجه يرونه هدماً لتعاليم الإسلام، الذى أصبح قذىً فى أعينهم، وشجىً فى حلوقهم!! وحرصاً منهم على أن تكون دعواهم فى تأويل القرآن مقبولة لدى مَن يَستخِفُّونه.. قالوا: "إن الأئمة هم الذين أودعهم الله سره المكنون، ودينه المخزون، وكشف لهم بواطن هذه الظواهر، وأسرار هذه الأمثلة، وإن الرشد والنجاة من الضلال بالرجوع إلى القرآن وأهل البيت، ولذلك قال ﵇ لما قيل: ومن أين يُعرف الحق بعدك؟ -: "ألم أترك فيكم القرآن وعترتى"؟.. وأراد به أعقابه، فهم الذين يَطِّلِعون على معانى القرآن". ولكن احتيال الباطنية بتأويل القرآن على هدم الشريعة لم يلق رواجاً عند عقلاء المسلمين، ولم يجد غباوة فى عقول علمائهم الذين نصبوا أنفسهم لحماية القرآن من أباطيل المضللين.. وكيف يمكن أن يجد رواجاً عند هؤلاء أو غباوة من أولئك، وقد علموا وتيقنوا بأن الألفاظ إذا صُرِفت عن مقتضى ظواهرها بغير اعتصام فيه بنقل عن صاحب الشريعة، ومن غير ضرورة تدعو إليه من دليل العقل، اقتضى ذلك بطلان الثقة بالألفاظ، وسقط به منفعة كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ ، فإن ما يسبق منه إلى الفهم لا يُوثق به، والباطن لا ضبط له. بل تتعارض فيه الخواطر، ويمكن تنزيله على وجوه شتَّى. * *

стр. 508

إنتاج الباطنية فى تفسير القرآن الكريم ومع أن هؤلاء الباطنية قد اتخذوا من تأويل القرآن باباً للوصول إلى أغراضهم، فإنَّا لم نقف لهم على كتب مستقلة فى تفسير كتاب الله تعالى، ولم نسمع أن واحداً منهم كتب تفسيراً جامعاً للقرآن كله، سورة سورة، وآية آية، ولعل السر فى ذلك: أنهم لم يستطيعوا أن يتمشوا بعقائدهم مع القرآن آية آية، ولو أنهم حاولوا ذلك لاصطدموا بعقبات وصعاب لا يستطيعون تذليلها، ولا يقدرون على التخلص منها. وكل الذى وجدناه لهم فى تفسير القرآن - أو تأويله على الأصح - إنما هو نصوص متفرقة فى بطون الكتب، تعطينا إلى حد ما صورة واضحة، وفكرة جلية عن موقف هؤلاء القوم من القرآن الكريم، ومبلغ تهجمهم على القول فيه بغير علم ولا هُدىً ولا كتاب منير. وأرى أن أقسم موقف الباطنية من القرآن الكريم إلى قسمين اثنين: الأول: موقف الباطنية المتقدمين من القرآن الكريم. والثانى: موقف الباطنية المتأخرين منه أيضاً. ونريد المتقدمين: الذين أسسوا مذهب الباطنية ومَن قاربهم من الزمن، وبالمتأخرين: البابية والبهائية. وسنوضح عند الكلام عن البابية والبهائية السبب الذى من أجله عددناهم من قبيل الباطنية. * * *

стр. 509

موقف متقدمى الباطنية من تفسير القرآن الكريم علمت أن الغرض الأول الذى تقوم عليه دعوة الباطنية وتتركز فيه: هو العمل على هدم الشرائع عموماً، وشريعة الإسلام على الخصوص. فكان لزاماً عليهم وقد قاموا يحاربون الإسلام - أن يُعمِلوا معاول الهدم فى ركن الإسلام المكين، وهو القرآن الكريم، وقد عجموا معاولهم كلها فلم يجدوا مِعْوَلاً أصلب ولا أقوى على تنفيذ غرضهم من مِعْوَل التأويل والميل بالآيات القرآنية إلى غير ما أراد الله. كتب عبيد الله بن الحسن القيروانى إلى سليمان بن الحسن بن سعيد الجنانى رسالة طويلة جاء فيها: ".. وإنى أوصيك بتشكيك الناس فى القرآن والتوراة والزبور والإنجيل، وتدعوهم إلى إبطال الشرائع، وإلى إبطال المعاد والنشور من القبور، وإبطال الملائكة فى السماء، وإبطال الجن فى الأرض، وأوصيك أن تدعوهم إلى القول بأنه قد كان قبل آدم بشر كثير، فإن ذلك عون لك على القول بقِدَم العالَم". رأى هذا الزعيم الباطنى أن التشكيك فى القرآن خير معوان لهم على تركيز عقائدهم، ورأى رأيه أهل الباطن جميعاً فقالوا: "للقرآن ظاهر وباطن، والمراد منه باطنه دون ظاهره العلوم من اللُّغة، ونسبة الباطن إلى الظاهر كنسبة اللُّب إلى القشر، والمتمسك بظاهره معذَّب بالشقشقة فى الكتاب، وباطنه مُؤدِّ إلى ترك العمل بظاهره، وتمسكوا فى ذلك بقوله تعالى فى الآية [١٣] من سورة الحديد: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرحمة وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العذاب﴾ . فانظر إليهم كيف وضعوا هذه القاعدة لفهم نصوص القرآن الكريم، ثم اعجب ما شاء لك أن تعجب من استدلالهم بهذه الآية الكريمة على قاعدتهم التى قَعَّدوها؟ ولستُ أدرى ما صلة هذه الآية بتلك القاعدة والآية واردة فى شأن من شئون الآخرة ينساق إلى فهمه كل مَن يمر بالآية بدون كلفة ولا عناء. * * * من تأويلات الباطنية القدامى: على هذه القاعدة السابقة جرى القوم فى شرحهم لكتاب الله تعالى، فكان من تأويلاتهم ما يأتى: "الوضوء" عبارة عن موالاة الإمام، و "التيمم" هو الأخذ من المأذون عند غيبة الإمام الذى هو الحُجَّة، و "الصلاة" عبارة عن الناطق الذى هو الرسول بدليل قوله تعالى فى

стр. 510

الآية [٤٥] من سورة العنكبوت: ﴿إِنَّ الصلاة تنهى عَنِ الفحشآء والمنكر﴾ .. و "الغُسْل، تجديد العهد ممن أفشى سراً من أسرارهم من غير قصد، وإفشاء السر عندهم على هذا النحو هو معنى "الاحتلام". و "الزكاة" عبارة عن تزكية النفس بمعرفة ما هم عليه من الدين.. و "الكعبة" النبى. و "الباب" علىّ. و "الصفا" هو النبى. و "المروة" علىّ. و "الميقات" الإيناس. و "التلبية" إجابة الدعوة. و "الطواف بالبيت سبعاً" موالاة الأئمة السبعة. و "الجنة" راحة الأبدان من التكاليف. و "النار" مشقتها بمزاولة التكاليف. وتأوَّلوا أنهار الجنة فقالوا: "أنهار من لبن" أى معادن العلم؛ اللبن العلم الباطن، يرتفع به أهلها، ويتغذون به تغذياً تدوم به حياتهم اللطيفة، فإن غذاء الروح اللطيفة بارتضاع العلم من المعلم، كما أن حياة الجسم الكثيف بارتضاع اللبن من ثدى الأم. "وأنهار من خمر" هو العلم الظاهر. "وأنهار من عسل مصفى" هو علم الباطن المأخوذ من الحجج والأئمة. كذلك نجد الباطنية يرفضون المعجزات، ولا يعترفون بها للرسل، وينكرون نزول ملائكة من السماء بالوحى من الله، بل وزادوا على ذلك فأنكروا أن يكون فى السماء مَلَك وفى الأرض شيطان، وأنكروا آدم والدجَّال، ويأجوج ومأجوج، ولكنهم وجدوا أنفسهم أمام آيات من القرآن تُكذِّب دعواهم هذه، فتخلَّصوا منها بمبدائهم الذى ساروا عليه فى تفسيرهم وهو إنكار الظاهر والأخذ بالباطن، وأوَّلوا هذه الآيات بما يتفق ومذهبهم، فتأوَّلوا "الملائكة" على دعاتهم الذين يدعون إلى بدعتهم. وتأوَّلوا "الشياطين" على مخالفيهم. وتأوَّلوا كل ما جاء فى القرآن من معجزات الأنبياء ﵈، فقالوا: "الطوفان" معناه الطوفان العلم ... أغرق به المتمسكون بالسُّنَّة، و "السفينة" حرزه الذى تحصن به مَن استجاب لدعوته. و "نار إبراهيم" عبارة عن غضب نمروذ عليه لا النار الحقيقية. و "ذبح إسحاق" معناه أخذ العهد عليه. و "عصا موسى" حُجَّته التى تلقفت ما كانوا يأفكون من الشُبه لا الخشب. "وانفلاق البحر" افتراق علم موسى فيهم عن أقسام. و "البحر" هو العلم. و "الغمام الذى أظلمهم" معناه الإمام الذى نصبه موسى لإرشادهم وإفاضة العلم عليهم. و "الجراد والقُمَّل والضفادع" هى سؤالات موْسى والتزاماته التى سُلِّطت عليهم. و "المن والسلوى" علم نزل من السماء لداع من الدعاة هو المراد بالسلوى. و "تسبيح الجبال" معناه تسبيح رجال شداد فى الدين راسخين فى اليقين. و "الجن الذين ملكهم سليمان بن داود" باطنية ذلك الزمان. و "الشياطين" هم الظاهرية الذين كُلِّفوا بالأعمال الشاقة. و "عيسى" له

стр. 511

أب من حيث الظاهر، وإنما أراد بالأب المنفى: الإمام، إذ لم يكن له إمام، بل استفاد العلم من الله بغير واسطة، وزعموا - لعنهم الله - أن أباه يوسف النجار و "كلامه فى المهد" اطلاعه فى مهد القالب قبل التخلص منه على ما يَطِّلِع عليه غيره بعد الوفاة والخلاص من القالب. و "إحياء الموتى من عيسى" معناه الإحياء بحياة العلم عن موت الجهل بالباطن. و "إبراؤه الأعمى: " عن عمى الضلالة. و "الأبرص" عن برص الكفر ببصيرة الحق المبين. و "إبليس وآدم" عبارة عن أبى بكر وعلىّ، إذ أُمِرَ أبو بكر بالسجود لعلىّ والطاعة له فأبى واستكبر. و "الدجال" أبو بكر، وكان أعوراً إذ لم يبصر إلا بعين الظاهر دون عين الباطن. و "يأجوج ومأجوج" هم أهل الظاهر". بل بالغوا فقالوا: "إن الأنبياء قوم أحبوا الزعامة، فساسوا العامة بالنواميس والحيل، طلباً للزعامة بدعوة النبوة والإمامة. هذا.. وإن مما زعمته الباطنية: أن مَن عرف معنى العبادة سقط عنه فرضها وتأولَّوا فى ذلك قوله تعالى فى الآية [٩٩] من سورة الحِجْر: ﴿واعبد رَبَّكَ حتى يَأْتِيَكَ اليقين﴾ .. وحملوا اليقين على معرفة التأويل. كذلك استحل الباطنية نكاح البنات والأخوات وجميع المحارم، بحجة أن الأخ أحق بأُخته، والأب أولى بابنته ... وهكذا: ولست أدرى على أى وجه وتأوَّلوا آية النساء الى حرَّمت ذلك، ومنعته منعاً باتاً!! ويقول القيروانى فى رسالته التى أرسلها إلى سليمان بن الحسن: ".. وينبغى أن تحيط علماً بمخاريق الأنبياء ومناقضاتهم فى أقوالهم، كعيسى ابن مريم، قال لليهود: لا أرفع شريعة موسى، ثم رفعها بتحريم الأحد بدلاً من السبت، وأباح العمل فى السبت، وأبدل قِبْلة موسى بخلاف جهتها.. وبذلك قتلته اليهود لما اختلفت كلمته، ولا تكن كصاحب الأُمَّة المنكوسة حين سألوه عن الروح فقال: ﴿الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] لما لم يحضره جواب المسألة، ولا تكن كموسى فى دعواه التى لم يكن عليها برهان سوى المخرقة بحسن الحيلة والشعوذة، ولما لم يجد المحق فى زمانه عنده برهاناً قال له: ﴿لَئِنِ اتخذت إلاها غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المسجونين﴾ [الشعراء: ٢٩] ، وقال لقومه: ﴿أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى﴾ [النازعات: ٢٤] لأنه كان صاحب الزمان فى وقته". ثم قال فى آخر هذه الرسالة: ".. وما العجب من شئ كالعجب من رجل يدَّعى العقل، ثم يكون له أُخت أو بنت حسناء وليس له زوجة فى حُسْنها، فيُحَرِّمها على نفسه ويُنكحها من أجنبى، ولو عقل الجاهل لعلم أنه أحق بأُخته، وبنته من الأجنبى؛ وما وجه ذلك إلا أن صاحبهم حرَّم عليهم الطيبات وخوَّفهم بغائب لا يُعقل، وهو الإله

стр. 512

الذى يزعمونه، وأخبرهم بكون ما لا يرونه أبداً من البعث من القبور، والحساب، والجنَّة، والنار، حتى استعبدهم بذلك عاجلاً وجعلهم له فى حياته، ولذُرِّيته بعد وفاته خولاً، واستباح بذلك أموالهم بقوله: ﴿لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِي القربى﴾ [الشورى: ٢٣] . فكان أمره معهم نقداً وأمرهم معه نسيئة، وقد استعجل منهم بذل أرواحهم وأموالهم على انتظار موعود لا يكون، وهل الجنَّة إلا هذه الدنيا ونعيمها؟ وهل النار وعذابها إلا ما فيه أصحاب الشرائع من التعب والنَصَب فى الصلاة والصيام والجهاد والحج"؟ ثم قال لسليمان بن الحسن فى هذه الرسالة: ".. وأنت وإخوانك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس، وفى هذه الدنيا ورثتم نعيمها ولذَّاتها محرَّمة على الجاهلين المتمسكين بشرائع أصحاب النواميس، فهنيئاً لكم ما نلتم منْ الراحة عن أمرهم". ومن جملة تأويلاتهم الباطلة التى يتوصلون بها إلى هواهم النفسى، ومأربهم الشخصى، أنهم بعد أن يلقوا على المدعو ما يشككونه به، وتتطلع إلى معرفته من جهتهم نفسه، ويقولون له: لا نظهره إلا بتقديم خير عليه، فيطلبون مائة وتسعة عشر درهماً من السبيكة الخالصة. ويقولون: هذا تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَقْرِضُواُ الله قَرْضاً حَسَناً﴾ [المزمل: ٢٠] .. فالحاء والسين والنون والألف إذا جُمِع عددها بحساب الجُمَّل يكون مبالغه مائة وتسعة عشر". ومن ذا الذى قال إن القرآن يخضع فى تفسيره وفهم معانيه إلى حساب الجُمَّل؟.. اللهم إن هذا لا يصدر إلا عن مُخرِّف أو زنديق يريد أن يضل الناس ويحتال على سلب أموالهم بدعوى يدعيها على كتاب الله!! كذلك نجد الباطنية يحرصون على نفى وجود الإله الحق، والنبى المرسل محمد ﷺ ، ليتوصلوا بذلك إلى رفع التكاليف، فنراهم يقولون للمبتدئ: "إن الله خلق الناس واختار منهم محمداً ﷺ ، فيستحسن المبتدئ هذا الكلام، ثم يقول له: أتدرى مَن محمد؟ فيقول: نعم، محمد رسول الله، خرج من مكة، وادَّعى النبوة، وأظهر الرسالة، وعرض المعجزة. فيقول له: ليس هذا الذى تقول إلا كقول هؤلاء الحمير - يعنون به المؤمنين من أهل الإسلام - إنما محمد أنت. فيستعيذ السامع ويقول: ليست أنا محمداً، فيقول له: الله تعالى وصفه فى هذا القرآن فقال: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بالمؤمنين رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾

стр. 513

[التوبة: ١٢٨] .. وهؤلاء الحمير يقولون: من مكة.. فيقول له الغر الغمر: على أى معنى تقول أنا محمد؟ فيقول: خلقك وصوَّرك خلقة محمد، فالرأس بمنزلة الميم، واليدان بمنزلة الحاء، والسُرَّة بمنزلة الميم، والرجلان بمنزلة الدال، وكذلك أنت علىّ أيضاً، عينك هى العين، والأنف هى اللام، والفم الياء". وبهذا يوهمه أنه هو محمد الذى جاء ذكره فى القرآن، أما ما يدعى من وجود رسول اسمه محمد، فهذا ظاهره غير مراد. ولأجل أن يوهمه أيضاً بأنه لا إله موجود على الحقيقة، وما جاء فى القرآن من ذلك فظواهر غير مرادة، نجده يقول للمبتدئ: إن المراد بإثبات الذات يرجع إلى نفسك، ويُؤوِّلون عليه قوله تعالى:.. ﴿فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هاذا البيت﴾ [قريش: ٣] ويقولون: الرب هو الروح والبيت هو البدن. ولقد وصل الغلو ببعض الباطنية إلى ادعاء أُلوهية محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، وأنه هو الذى كلَّم موسى بقوله: ﴿إني أَنَاْ رَبُّكَ فاخلع نَعْلَيْكَ﴾ [طه: ١٢] .. وفى هذا يروى لنا البغدادى صاحب الفَرْق بين الفِرَق قصة رجل دخل فى دعوة الباطنية، ثم وفقه الله لتركها والرجوع لرشده.. يحكى هذا الرجل قصته للبغدادى فيقول: "إنهم لما وثقوا بإيمانه قالوا له: إن المسمين بالأنبياء كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد، وكل مَن ادَّعى النبوة: كانوا أصحاب نواميس ومخاريق، وأحبوا الزعامة على العامة، فخدعوهم بنيرنجات، واستعبدوهم بشرائعهم - قال الحاكى للبغدادى: ثم ناقض الذى كشف لى هذا السر بأن قال: ينبغى أن تعلم أن محمد ابن إسماعيل بن جعفر هو الذى نادى موسى بن عمران من الشجرة فقال له: ﴿إني أَنَاْ رَبُّكَ فاخلع نَعْلَيْكَ﴾ .. ثم قال: فقلت: سخنت عينك! تدعونى إلى الكفر برب قديم خالق للعاَلم، ثم تدعونى مع ذلك إلى الإقرار بربوية إنسان مخلوق، وتزعم أنه كان قبل ولادته إلهاً مرسلاً لموسى؟ فإن كان موسى عندك كاذباً، فالذى زعمتَ أنه أرسله أكذب، فقال: إنك لا تفلح أبداً، وندم على إفشاء أسراره إلىَّ وتُبْتُ من بدعتهم". فانظر إليهم - لعنهم الله - كيف يصرفون القرآن عن أن يكون الله هو المتكلم به، ويدَّعون أنه كلام إلههم المزعوم محمد بن إسماعيل!!.. أليس هذا غلواً فى الإلحاد؟ وإغراقاً فى الكفر والعناد؟ وبين أيدينا كتاب أسرار الباطنية، وهو يكشف لنا عن نواياهم ويفضح أسرارهم وخباياهم. وهو لمحمد بن مالك اليمانى أحد علماء القرن الخامس الهجرى، ولا أريد

стр. 514

أن أُطيل على القارئ بذكر ما فيه من مخازى القوم، ولكن أكتفى بذكر نبذة من الكتاب. ضمنها المصنِّف ما شهده بنفسه من ضلالهم وإضلالهم، وذلك حين اندس بينهم متظاهراً بدخوله فى زمرتهم، ليقف بنفسه على ما بلغه عنهم من أباطيل وأضاليل، وإنما اخترت هذه النبذة بالذات، لأنها تعطينا فكرة واضحة عن مقدار تلاعب الباطنية بكتاب الله تحت ستار التأويل. وعن مبلغ استهزائهم بعقول العامة الذين وقعوا فيما نصبوه لهم من الأحابيل!! * * * مقالة محمد بن مالك اليمانى فى الباطنية: يقول محمد بن مالك اليمانى: "أول ما أشهد به وأشرحه، وأُبيِّنه للمسلمين وأُوضِّحه، أن له - يريد علىّ بن محمد الصليحى زعيم باطنية اليمن فى وقته - نواباً يسميهم الدعاة المأذونين، وآخرين يلقبهم المُكَلبين، تشبيهاً لهم بكلاب الصيد، لأنهم ينِصبون للناس الجبائل، ويكيدونهم بالغوائل، وينقبضون عن كل عاقل، ويُلبِّسون على كل جاهل، بكلمة حق يُراد بها الباطل، ويحضونه على شرائع الإسلام، من الصلاة والزكاة والصيام، كالذى ينثر الحب للطير ليقع فى شِرْكه، فيقيم أكثر من سنة يمعنون به، وينظرون صبره، ويتصفحون أمره. ويخدعونه بروايات عن النبى ﷺ مُحرَّفة، وأقوال مزخرفة، ويتلون عليه القرآن على غير وجهه، ويُحرِّفون الكَلم عن مواضعه، فإذا رأوا منه الانهماك والركون والقبول والإعجاب بجميع ما يُعلِّمونه، والانقياد بما يأمرونه، قالوا حينئذ: اكشف عن السرائر ولا ترض لنفسه ولا تقنع بما قنع به العوام من الظواهر، وتدبر القرآن ورموزه، واعرف مُثله وممثوله، واعرف معانى الصلاة والطهارة، وما روى النبى ﷺ بالرموز والإشارة، دون التصريح فى ذلك والعبارة، فإنما جميع ما عليه الناس أمثال مضروبة، لممثولات محجوبة، فاعرص الصلاة وما فيها، وقف على باطنها ومعانيها، فإن العمل بغير علم لا ينفع به صاحبه. فيقول: عَمّ أسأل؟ فيقول: قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكاة﴾ [البقرة: ٤٣] .. فالزكاة مفروضة فى كل عام مرة، وكذلك الصلاة، مَن صلاها مرة فى السنة فقد أقام الصلاة بغير تكرار، وأيضاً فالصلاة والزكاة لهما باطن لأن الصلاة صلاتان، والزكاة زكاتان، والصوم صومان، والحج حجان، وما خلق الله سبحانه من ظاهر إلا وله باطن، يدل على ذلك: ﴿وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإثم وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٠] ، و ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣] .. ألا ترى أن البيضة لها ظاهر وباطن؟ فالظاهر ما تساوى به الناس، وعرفه الخاص والعام، وأما الباطن فقصر علم الناس به عن العلم به، فلا يعرفه إلا القليل، من ذلك قوله: ﴿وَمَآ آمَنَ مَعَهُ

стр. 515

إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠] ، وقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ [ص: ٢٤] ، وقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشكور﴾ [سبأ: ١٣] .. فالأقل من الأكثر الذين لا عقول لهم. و"الصلاة" و "الزكاة" سبعة أحرف دليل على محمد وعلىّ صلى الله عليهما، لأنهما سبعة أحرف، فالَمعْنِىُ بالصلاة والزكاة ولاية محمد وعلىّ، فمن تولاهما فقد أقام الصلاة وآتى الزكاة، فيوهمون على مَن لا يعرف لزوم الشريعة والقرآن وسنن النبى ﷺ ، فيقع هذا من ذلك المخدوع بموقع الاتفاق والموافقة، لأن مذهب الراحة والإباحة يريحهم مما تُلزمهم الشرائع من طاعة الله، ويبيح لهم ما حُظِرَ عليهم من محارم الله، فإذا قبل منهم ذلك المغرور هذا قالوا له: قرِّب قُرباناً ليكون لك سلما ونجوى، ونسأل لك مولانا يحط عنك الصلاة، ويضع عنك هذا الإصر، فيدفع اثنى عشر ديناراً، فيقول ذلك الداعى: يا مولانا؛ إن عبدك فلاناً قد عرف الصلاة ومعانيها، فاطرح عنه الصلاة وضع عنه هذا الإصر، وهذا نجواه إثنا عشر ديناراً، فيقول اشهدوا أنى قد وضعت عنه الصلاة ويقرأ له: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ والأغلال التي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] . فعند ذلك يقبل إليه أهل هذه الدعوة ويهنئونه ويقولون: الحمد لله الذى وضع عنك وزرك، الذى أنقض ظهرك. ثم يقول له ذلك الداعى - الملعون - بعد مدة: قد عرفت الصلاة وهى أول درجة، وأنا أرجو أن يُبلِّغك الله إلى أعلى الدرجات، فأسأل وابحث، فيقول: عمّ أسأل؟ فيقول له: سل عن الخمر والميسر، اللذين نهى الله تعالى عنهما: هما أبا بكر وعمر لمخالفتهما على علىّ، وأخذهما الخلافة دونه، فأما ما يُعمل من العنب والزبيب والحنطة وغير ذلك فليس بحرام، لأنه مما أنبتت الأرض، ويتلو عليه: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله التي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرزق﴾ [الأعراف: ٣٢] ... إلى آخر الآية، ويتلو عليه: ﴿لَيْسَ عَلَى الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جُنَاحٌ فِيمَا طعموا﴾ [المائدة: ٩٣] .. إلى آخر الآية، والصوم: الكتمان، فيتلو عليه: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] يريد كتمان الأئمة فى وقت استتارهم خوفاً من الظالمين، ويتلو عليه: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ للرحمان صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ اليوم إِنسِيّاً﴾ [مريم: ٢٦] فلو كان عَنِىَ بالصيام ترك الطعام لقال: فلن أُطعم اليوم شيئاً، فدل على أن الصيام الصموت، فحينئذ يزداد ذلك المخدوع طغياناً وكفراً، وينهمك إلى قول ذلك الداعى الملعون، لأنه أتاه بما يوافق هواه، والنفس أمَّارة بالسوء.. ثم يقول له: ادفع النجوى تكن لك سلماً ووسيلة حتى نسأل مولانا يضع عنك الصوم، فيدفع اثنى عشر ديناراً، فيمضى به إليه فيقول: يا مولانا؛ عبدك فلان قد عرف معنى الصوم على الحقيقة، فأبح له الأكل فى رمضان، فيقول له: قد وثَّقته وأمَّنته على سرائرنا؟ فيقول له: نعم، فيقول: قد وضعتُ عنه ذلك، ثم يقيم بعد ذلك مدة، فيأتيه ذلك الداعى الملعون فيقول له: قد عرفتَ ثلاث درجات، فاعرف الطهارة ما هى، ومعنى الجنابة ما هى فى التأويل، فيقول له: فسِّر لى ذلك، فيقول له: اعلم أن معنى الطهارة طهارة القلب، وأن المؤمن طاهر بذاته، والكافر نجس لا يطهره الماء ولا غيره، وأن الجنابة هى موالاة الأضداد، أضداد الأنبياء والأئمة، فأما المِنَى فليس بنجس، منه خلق الله الأنبياء، والأولياء، وأهل طاعته، وكيف يكون نجساً وهو مبدأ خلق الإنسان، وعليه يكون أساس البنيان؟ فلو كان التطهير منه من أمر الدين لكان الغُسْل من الغائط والبول أوجب، لأنهما نجسان، وإنما معنى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فاطهروا﴾ [المائدة: ٦] معناه: وإن كنتم جهلة بالعلم الباطن فتعلَّموا واعرفوا العلم الذى هو حياة الأرواح، كالماء الذى هو حياة الأبدان، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] .. وقوله: ﴿فَلْيَنظُرِ الإنسان مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٥-٦] .. فلما سمَّاه الله بهذا دَلَّ على طهارته، ويوهمون ذلك المخدوع بهذه المقالة، ثم يأمره ذلك الداعى أن يدفع اثنى عشر ديناراً، ويقول: يا مولانا، عبدك فلان قد

стр. 516

عرف معنى الطهارة حقيقة وهذا قربانه إليك، فيقول: اشهدوا أنى قد حللت له ترك الغُسل من الجنابة، ثم يقيم مدة فيقول له هذا الداعى الملعون: قد عرفتَ أربع درجات، وبقى عليك الخامسة، فاكشف عنها، فإنها منتهى أمرك وغاية سعادتك، ويتلو عليه: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] فيقول له: ألهمنى إياها ودلنى عليها، فيتلو عليه: ﴿لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هاذا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ اليوم حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] .. ثم يقول له: أتحب أن تدخل الجنة فى الحياة الدنيا؟ فيقول: وكيف لى ذلك؟ فيتلو عليه: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ والأولى﴾ [الليل: ١٣] . ثم يتلو عليه: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله التي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرزق قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الحياة الدنيا خَالِصَةً يَوْمَ القيامة﴾ [الأعراف: ٣٢] .. والزينة ههنا: ما خفى على الناس من أسرار النساء التى لا يَطَّلع عَلِيها إلا المخلصوصون بذلك، وذلك قوله: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] .. والزينة مستورة غير مشهورة، ثم يتلو عليه: ﴿وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللؤلؤ المكنون﴾ [الواقعة: ٢٢-٢٣] .. فمن لم ينل الجنة فى الدنيا لم ينلَها فى الآخرة، لأن الجنة مخصوص بها ذوو الألباب، وأهل العقول دون الجُهَّال، لأن المستحسن من الأشياء ما خفى، ولذلك سميت الجنَّة جَنّة لأنها مستجنة، وسميت الجِن جِنا لاختفائهم عن الناس، والمجنة المقبرة لأنها تستر مَن فيها، والترس المجن لأنه يُستتر به، فالجَنَّة ههنا: ما استتر عن هذا الحق المنكوس الذين لا علم لهم ولا عقول،

стр. 517

فحينئذ يزداد هذا المخدوع انهماكاً، ويقول لذلك الداعى الملعون: تَلَطَّف فى حالى، وبَلِّغنى إلى ما شوَّقتنى إليه، فيقول: ادفع النجوى اثنى عشر ديناراً تكون لك قرباناً وسلماً، فيمضى به فيقول: يا مولانا؛ إن عبدك فلاناً قد صَحَّت سريرته، وصفت خبرته وهو يريد أن تُدخله الجنة، وتُبلغه حد الأحكام، وتزوِّجه الحور العين، فيقول له: قد وثَّقته وأمَّنته؟ فيقول: يا مولانا؛ قد وثَّقته وأمَّنته وخبرته فوجدته على الحق صابراً، ولأنعمك شاكراً، فيقول: عِلْمُنا صعب مستعصب لا يحمله إلا نبى مرسل، أو مَلك مُقرَّب، أو عبد امتحن الله قلبه بالإيمان، فإذا صح عند حاله فاذهب به إلى زوجتك فاجمع بينه وبينها، فيقول: سمعاً وطاعة لله ولمولانا، فيمضى به إلى بيته، فيبيت مع زوجته، حتى إذا كان الصباح قرع عليهما الباب وقال: قوما قبل أن يعلم نبأنا هذا الخلق المنكوس، فيشكر ذلك المخدوع ويدعو له، فيقول له: ليس هذا من فضلى، هذا من فضل مولانا، فإذا خرج من عنده تسامع به أهل هذه الدعوة الملعونة، فلا يبقى منهم أحد إلا بات مع زوجته كما فعل ذلك الداعى الملعون، ثم يقول له: لا بد لك أن تشهد هذا المشهد الأعظم عند مولانا، فادفع قربانك، فيدفع اثنى عشر ديناراً ويصل به ويقول: يا مولانا؛ إن عبدك فلاناً يريد أن يشهد المشهد الأعظم، وهذا قربانه، حتى إذا جن الليل، ودارت الكؤوس، وحميت الرؤوس، وطابت النفوس، أحضر جميع أهل هذه الدعوة الملعونة حريمهم، فيدخلن عليهم من كل باب، وأطفأوا السراج والشموع، وأخذ كل واحد منهم ما وقع عليه فى يده، ثم يأمر المقتدى زوجته أن تفعل كفعل الداعى الملعون وجميع المستجيبين، فيشكره ذلك المخدوع على ما فعل له، فيقول له: ليس هذا من فضلى، هذا من فضل مولانا أمير المؤمنين فاشكروه ولا تكفروه على ما أطلق من وثاقكم، ووضع عنك أوزاركم، وحَطَّ عنكم آصاركم، ووضع عنكم أثقالكم، وأحلَّ لكم بعض الذى حرَّم عليكم جُهَّالكم ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الذين صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥] . قال محمد بن مالك - رحمه الله تعالى - هذا ما اطلعت عليه من كفرهم وضلالتهم، والله تعالى لهم بالمرصاد، والله تعالى علىّ شهيد بجميع ما ذكرته مما اطلعتُ عليه من فعلهم وكفرهم وجهلهم، والله يشهد علىّ بجميع ما ذكرته، عالِم به، ومَن تَكلَّم عليهم بباطل فعليه لعنة الله، ولعنة اللاعنين، والملائكة، والناس أجمعين، وأخزى الله مَن كذب عليهم، وأعدّ لهم جهنم وساءت مصيراً، ومَن حكى عنهم بغير ما هم عليه فهو يخرج من حَوْل الله وقوته إلى حَوْل الشيطان وقوته.. "

стр. 518

وبعد.. ألستَ ترى معى أن تأويلهم للقرآن تأويل فاسد لا يقوم على أساس ولا يستند إلى برهان، وإنما هى أوهام وأباطيل، غروراً بها ضعاف العقول ليسلخوهم من الدين، وليدخلوهم فى زمرة الملحدين وحزب الشياطين؟ أعتقد ذلك، وأظن أن سؤالاً يدور بخلد القارئ هو: كيف نجزم بنسبة هذه التأويلات كلها إلى الباطنية مع وجود التناقض والاختلاف بين بعض المعانى التى نُقِلتْ عنهم للفظ الواحد؟ أليس هذا دليلاً على عدم صحة كل ما يُنسب إليهم؟.. والحق أن السؤال وارد، ولكنه مدفوع بما ذكره الغزالى من أن سر هذا الاضطراب راجع إلى أنهم كانوا لا يخاطبون الخلق بمسلك واحد، بل غرضهم الاستتباع والاحتيال، فلذلك تختلف كلمتهم، ويتفاوت نقل المذهب عنهم. * * *

стр. 519

البابية والبهائية كلمة إجمالية عن نشأة البابية والبهائية البابية: نسبة إلى الباب، وهو لقب ميرزا علىّ محمد، الذى ابتدع هذه النِحْلة، وإليه تُنسب هذه الطائفة، باعتباره المؤسس الأول لها. والبهائية: نسبة إلى بهاء الله ، وهو لقب ميرزا حسين على، الزعيم الثانى للبابية، وإليه تُنسب هذه الطائفة، باعتباره المؤسس الثانى لها. وأصل نشأة هذه الطائفة: أن ميرزا علىّ محمد، الملقب بالباب، والمولود فى سنة ١٢٣٥ هجرية، توفى عنه والده ميرزا محمد رضا قبل فطامه، فرُبى في حجر خاله ميرزا سيد علىّ، ونشأ معه فى مدينة شيراز بجنوب إيران، واشتغل معه بالتجارة، ولما بلغ سنه الخامسة والعشرين ادعى أنه الباب - والباب عند الشيعة معناه نائب المهدى المنتظر - وكان ادعاؤه هذا فى سنة ١٢٦٠ هجرية، وما لبث أن وصلت هذه الدعوة إلى طائفة من الجاهلين فصدَّقوا بها، وتتابعوا عليها، وكان عدد مَن صدَّقه في أول الأمر ثمانية عشر رجلاً، فسماهم بكلمة "حى" لأن عدد حرفيها بحساب الجُمَّل ثمانية عشر، ثم أمر أتباعه هؤلاء بالانتشار في إيران وبلاد العراق، يبشرون به وبدعوته، وأوصاهم بكتمان اسمه حتى يُظهره هو بنفسه، ولما حج وفرغ من أعمال الحج أعلن دعوته فى المجتمع الكبير فاشتهر اسمه، ولما حج وفرغ من أعمال الحج أعلن دعوته في المجتمع الكبير فاشتهر اسمه، وذاعت دعوته، فثارت عليه طوائف المسلمين، وقاموا فى سبيل دعوته يحاربونها بكل الوسائل. وقد عقد بعض الولاة بين العلماء وبين الباب مناظرات أظهرت ما فى دعوته من غواية وضلال، فكفَّره بعض العلماء، ورماه بعض آخر منهم بالجنون، فاعتقله الوالى فى سجن شيراز، ثم فى سجن أصفهان، ثم فى طهران، ثم فى أذربيجان. وفى عهد السلطان ناصر الدين شاه اشتدت الخصومة بين البابيين ومخالفيهم، وقامت بينهم حرب طاحنة كان من نتائجها أن أمر الصدر الأعظم بقتل الباب، فَعُلِّقَ في ميدان مدينة تبريز، وقُتِل رمياً بالرصاص، وذلك فى سنة ١٢٦٥ هجرية. وبعد قتله اختلف أتباعه على أنفسهم في شأن مَن ينوب عنه، وظهرت من بعض أتباعه دعاوى مختلفة، من قبيل النبوة، والوصاية، والولاية، وأمثالها، وظلوا على هذا الأمر إلى أن حاول بعضهم اغتيال ناصر الدين شاه سنة ١٢٦٨ هجرية انتقاماً لزعيمهم الباب، ولما خاب سعيهم وفشلوا فى هذه المؤامرة، أخذت الحكومة تضطهد زعماء البابيين، وتسوقهم إلى التحقيق، فقُتل مَن قُتِل، ونُفِىَ مَن نُفى، وكان من بين زعمائهم فى هذا الوقت - وقت الاضطهاد - ميرزا حسين علىّ الملقب فيما بعد: "بهاء الله". ** بهاء الله ولد بهاء الله سنة ١٢٣٣ هجرية، وكان ابنه ميرزا عباس من كبار وزراء الدولة فى

стр. 520

وقته، فلما قام الباب واشتهر أمره صدَّقه بهاء الله، فاشتد به أزر البابيين وكثرت جماعتهم، ولما حدثت حادثة سنة ١٢٦٨ هجرية، وهى محاولة اغتيال ناصر الدين شاه، قُبِض على بهاء الله وسُجِن نحو أربعة أشهر، ثم أُفرج عنه وأُبعد إلى العراق، فدخل بغداد سنة ١٢٦٩ هجرية، ومكث بها اثنى عشر عاماً، يدعو الناس إلى نفسه، ويزعم أنه هو الموعود به الذى أخبر عنه الباب، وكان يشير إليه بلفظ "مَن يُظهره الله" وهناك تجمَّع حوله بعض أتباعه الذين لحقوا به من البابيين، وتسموا حينئذ بالبهائيين، ووقعت بينهم وبين شيعة العراق فتنة كادت تُفضي إلى قيام حرب أهلية بين الفريقين، فقررت الحكومة العثمانية فى ذلك الوقت إرسال بهاء الله إلى الآستانة، فأرسل إليها ومكث بها نحواً من أربعة أشهر، ثم نُفى إلى أدرنة ومكث بها نحواً من خمس سنوات، ثم نُفى منها إلى عكا من بلاد الشام سنة ١٢٨٥ هجرية، وبقى بها إلى أن مات سنة ١٣٠٩ هجرية، فتولى رئاسة الطائفة ابنه عباس (المولود سنة ١٨٤٤م والمتوفى سنة ١٩٢١م) والملقب "عبد البهاء"، فأخذ يدعو إلى هذا المذهب، ويتصرف فيه كيف يشاء، فلم يرض هذا الصنيع أتباع البهاء فانشقوا عليه، والتف فريق منهم حول أخيه الميرزا علىّ، وألَّفوا كتباً في الطعن على عبد البهاء يتهمونه فيها بالمروق من دين البهاء. * * الصلة بين عقائد البابية وعقائد الباطنية القدامى بالرغم من أن هذه الفرقة لم تظهر إلا قريباً، فإنَّا نجدها ليست بالفرقة المحدَثة فى عقائدها وتعاليمها، بل هى فى الحقيقة ونفس الأمر وليدة من ولائد الباطنية، تغذت من ديانات قديمة، وآراء فلسفية، ونزعات سياسية. ثم درجت تحذو حذو الباطنية الأُوَل، وتترسم خطاهم فى كل شىء، وتهذى فى كتاب الله، فتأوَّلته بمثل ما تأوَّلوه، لتصرف عنه قلوباً تعلقت به ونفوساً اطمأنت إليه. والذى يقرأ تاريخ الباطنية الأُوَل، ويطلع على ما فى كتبهم من خرافات وأباطيل، ثم يقرأ تاريخ البابية والبهائية، ويطلع على ما فى كتبهم من خرافات وأباطيل، لا يسعه إلا أن يحكم بأن روح الباطنية حلَّت فى جسم ميرزا علىّ، وميرزا حسين علىّ، فخرجت للناس أخيراً باسم البابية والبهائية.

стр. 521

تقوم دعوة قدماء الباطنية على إبطال الشريعة الإسلامية، وينفذون إلى عقول العامة بإظهارهم الحب والتشيع، بل والانتساب إلى آل البيت، ثم يصلون إلى أهوائهم ومآربهم بصرفهم القرآن إلى معان باطنية لا يقبلها العقل، ولا تمت إلى الدين بسبب، وعلى هذا الأساس قامت دعوة البابية والبهائية، وبمثل هذه الوسيلة وصلوا إلى أغراضهم وأهوائهم، وإليك ما يوضح ذلك: أولا: فى الباطنية مَن يدَّعى النبوة لنفسه أو يدَّعيها لغيره، وميرزا علىّ الملقب بالباب يدَّعى أنه رسول للناس من قِبَلِ الله تعالى، وله كتاب اسمه "البيان" ادَّعى أنه مُنزَّل عليه من عند الله تعالى. وقد جاء فى رسالة بعث بها الباب إلى العلامة الألوسى صاحب التفسير المعروف، يدعوه فيها إلى الإيمان به: "إنني أنا عبد الله، قد بعثنى بالهدى من عنده" وسمى فى هذه الرسالة مذهبه "دين الله" فقال: "ومَن لم يدخل فى دين الله، مثله كمثل الذين لم يدخلوا فى الإسلام". ولا نعلم ماذا أجاب به الآلوسى على هذه الرسالة، وإن كنا نعلم رأيه فى هذه الطائفة عندما تعرَّض لتفسير قوله تعالى فى الآية [٤٠] من سورة الأحزاب: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ولاكن رَّسُولَ الله وَخَاتَمَ النبيين﴾ ... وذلك حيث يقول: "وقد ظهر فى هذا العصر عصابة من غلاة الشيعة لقبوا أنفسهم بالبابية، لهم فى هذا الباب فصول يحكم بكفر معتقدها كل من انتظم فى سلك ذوى العقول، وقد كاد يتمكن عرقهم من العراق لولا همة واليه النجيب الذى وقع على همته وديانته الاتفاق، حيث خذلهم - نصره الله - وشتت شملهم، وغضب عليهم - رضي الله تعالى عنه - وأفسد عملهم. فجزاه الله تعالى عن الإسلام خيراً، ودفع عنه فى الدارين ضيماً وضيراً". وكذلك ادَّعى زعيمهم الثانى الملقب ببهاء الله: أنه رسول من عند الله، جاء لتأسيس الإسلام على الأرض، وبين أيدينا كتاب بهاء الله، ويُطلق عليه اسم "الكتاب" قرأنا فيه فوجدناه يقول: "لعمر الله إن البهاء ما نطق عن الهوى، قد أنطقه الذى أنطق الأشياء بذكره وثنائه، لا إله إلا هو الفرد الواحد المقتدر المختار". "لعمرى ما أظهرتُ نفسى، بل الله أظهرنى كيف أراد، إنى كنت كأحد من العباد، وراقداً على المهاد، مرّت علىّ نسائم السبحان، وعلَّمنى علم ما كان. ليس هذا من عندى بل من لدن عزيز عليم. وأمرنى بالنداء بين الأرض والسماء، بذلك ورد علىّ ما

стр. 522

ذرفت به دموع العارفين. ما قرأتُ ما عند الناس من العلم، وما دخلتُ المدارس؛ فاسأل المدينة التي كنتُ فيها لتوقن بأنى لست من الكاذبين". "قل قد أتى المختار، فى ظل الأنوار، ليحيى الأكوان، من نفحات اسمه الرحمن، ويتحد العالم، ويجتمعوا على هذه المائدة التى نزلت من السماء". ويرى الباب أن شريعته ناسخة للشريعة الإسلامية، فابتدع لأتباعه أحكاماً خالف بها ما جاءت به الشريعة الإسلامية، فجعل الصوم تسعة عشر يوماً من شروق الشمس إلى غروبها، وعيَّن لهذه الأيام وقت الاعتدال الربيعى، بحيث يكون عيد الفطر عندهم يوم "النيروز" على الدوام، وفى كتاب "البيان": " ... أيام معدودات، وقد جعلنا النيروز عيداً لكم بعد إكمالها". كذلك يرى بهاء الله أن شريعته ناسخة للشريعة الإسلامية، ويقرر ذلك فى كتابه فيقول: "لو كان القديم هو المختار عندكم، لما تركتم ما شرع فى الإنجيل، بَيِّنوا يا قوم ... لعَمْرى ليس لكم اليوم من محيص، إن كان هذا جرمى فقد سبقنى فى ذلك محمد رسول الله، ومن قبله الروح، ومن قبله الكليم. وإن كان ذنبى إعلاء كلمة الله وإظهار أمره، فأنا أول المذنبين. لا أبدل هذا الدين بملكوت السموات والأرضين". وقرر البهاء أن الدين قسمان. عملى وروحانى، فالقسم الروحانى وهو مظاهر الألوهية والنبوة، غير قابل للتبديل. والقسم العملى، وهو المتعلق بالصور والأشكال الخارجية، قابل للتغيير. وعلى هذا المبدأ جعل لأتباعه الصلاة تسع ركعات فى اليوم والليلة، وجعل قبلتهم فى الصلاة أين يكون هو!!. وفى هذا يقول: "إذا أردتم الصلاة فوَلَّوا وجوهكم شطرى الأقدس"، وسوَّى بين الرجل والمرأة في الحقوق الشرعية والسياسية، وقرر عقوبات مالية للزنا والسرقة وغيرهما، ومنع التسرِّى، وحرَّم الزواج بأكثر من واحدة، وقيَّد لهم الطلاق وصعَّبه. وحُجَّته فى هذا كله: أن جميع الأديان أضحت لا تصلح لإصلاح العالَم، فلا بد من دين جديد يوافق هذا العصر.. عصر التقدم المادى العظيم. وهذا الدين الذى جاء به هو الذى يصلح فى نظره لمسايرة هذا العصر دون غيره.

стр. 523

ثانياً: منع الحسن بن الصبَّاح وغيره من زعماء الباطنية، العوام من دراسة العلوم، والخواص من النظر فى الكتب المتقدمة، وفعل الباب مثل ذلك فحرَّم فى كتابه "البيان" التعليم وقراءة كتب غير كتبه، فكان من وراء ذلك أن حرق أتباعه القرآن الكريم، وما فى أيديهم من كتب العلم.. ولكن بهاء الله أدرك أن هذا التحجير قد يصرف بعض الناس عن دعوته، فنسخ ذلك التحجير، وذلك حيث يقول فى كتابه المسمى بـ "الأقدس": "قد عفا الله عنكم ما نَزَّل فى البيان من محو الكتب، وآذنا بكم بأن تقرأوا من العلوم ما ينفعكم". ثالثاً: مِنَ الباطنية مَن يدَّعى حلول الإله فى بعض الأشخاص، كالقرامطة الذين يدَّعون حلول الإله فى إمامهم محمد بن إسماعيل. ونجد مثل هذه الدعوى متجلية فى بعض مقالات البابية، فهذا بهاء الله يقول فى "الكتاب": "لنا مع الله حالات نحن فيها هو، وهو نحن، ونحن نحن". وهذا عباس الملقب بعبد البهاء يقول: "وقد أخبرنا بهاء الله بأن مجىء رب الجنود والأب الأزلى، ومخلِّص العالَم الذى لا بد منه فى آخر الزمان، كما أنذر جميع الأنبياء، عبارة عن تجليه فى الهيكل البشرى، كما تجلى فى هيكل عيسى الناصرى، إلا أن تجليه فى هذه المرة أتم وأكمل وأبهى، فعيسى وغيره من الأنبياء هيأوا الأفئدة والقلوب لاستعداد هذا التجلى الأعظم". يريد بهذا: أن الله تجلَّى فيه بأعظم من تجليه فى أجسام الأنبياء على ما يزعم. وهذا أبو الفضل الإيرانى أحد دعاتهم يقول: " ... فكل ما توصف به ذات الله ويُضاف ويُسند إلى الله من العزة، والعظمة، والقدرة، والعلم، والحكمة، والإرادة، والمشيئة ... . وغيرها من الأوصاف، إنما يرجع بالحقيقة إلى مظاهر أمره، ومطالع نوره، ومهابط وحيه، ومواقع ظهوره" ... . ومثل هذا كثير فى كلام زعمائهم ودعاتهم. رابعاً: يدَّعى الباطنية رجوع الإمام المعصوم بعد استتاره، ويحصرون مدارك الحق فى أقواله. والبهائية يقولون هذا القول ويثبتونه فى كتبهم. يقول بهاء الله في الكتاب: "يسند القائم ظهره إلى الحرم، ويمد يده المباركة، فتُرى بيضاء من غير سوء، ويقول: هذه يد الله، ويمين الله، وعين الله ... وبأمر الله أنا الذى لا يقع عليه اسم ولا صفة، ظاهرى إمامة، وباطنى غيب لا يُدرك".

стр. 524

وقد عرفت أن البابية والبهائية يعبرون عن الإمام المعصوم بـ "مَن سيُظهره الله"، ويزعمون أنه هو الذى يعرف تأويل ما جاءت به الرسل ﵈. خامساً: من مبادىء قدماء الباطنية التفرس. وعلى هذا المبدأ منعوا التكلم بآرائهم في بيت فيه سراج - أى فقيه أو متعلم - والبهائية يسيرون على هذا المبدأ وإليك ما يثبت ذلك: أرسل إلى أبى الفضائل الإيرانى بعض إخوانه كتاباً يرجوه فيه أن يرد على مقال كتبه جرجس صال الإنجليزى بإمضاء هاشم الشامى، والمقال يتضمن توجيه الاعتراضات على فصاحة القرآن الكريم، فاعتذر أبو الفضائل عن ذلك فى رسالة أرسل بها إلى صاحبه يقول فيها: " ... إن هناك موانع جمة، أعظمها وأشدها مانع كبير لا يستسهل العاقل تذليل صعوباته، ولا يتسنم النبيه متن صهواته، حيث إن قلوب الذين اكتفوا من الإسلام باسمه، ومن القرآن برسمه، تعذت فى مدة مديدة، وأزمنة غير وجيزة بقشور المطالب، وألفت سفاسف المسائل حتى بعدت عن لباب الكتاب، وجهلت حقيقة معانى الخطاب، فلو كشفنا عن حقائق الإشارات، وأظهرنا المعانى المقصودة من ظواهر العبارات، فطلعت صور الحقائق المقصورة فى قصر الآيات، وتهللت وجوه المعانى المستورة فى خدور الاستعارات، لندفع تلك الردود والاعتراضات، ونظهر بطلان تلك الإيرادات والانتقادات، تثور أولاً أحقاد جهلائنا، ويرتفع نعيب سفهائنا، وينادون بالويل والثبور، ويثيرون الأحقاد الكامنة فى الصدور ... ". ثم يقول لصاحبه فى آخر الرسالة: " ... لتعلم حق العلم أنى ما نسيت ولم أكره صفة من صفاتك، ولا خلة من خلالك، ولكن - والحق يقال - إنك نسيت وصية روح الله الواردة فى سفر مَتَّى: "لا تلقوا جواهركم تحت أرجل الخنازير" حيث تجاهر بجواهر الأسرار ومعالى المعانى، عند مَن لا يستحق أن تخاطبه وتلاطفه، وتجالسه وتؤانسه، فكيف أنه يكون مستودع الحكمة الإلهية، والأسرار الربانية، فتمسَّك بالحكمة، وكن على جانب عظيم من الفطنة". ويقول فى رسالة أرسلها إلى الشيخ فرح الله زكى الكردى أحد أتباعهم فى مصر: ".. واعلم يا حبيبى أنه سيدخل عليكم كثيرون، ويتظاهرون بنوايا المتفحص الباحث، ويظهرون السلم والوفاق، وهم أهل النفاق وأصل الشقاق، ومقصودهم معرفة أهل الإيمان، واضطهاد أصحاب الإيقان كما تصرح وتنادى أى الفرقان، منها قوله تعالى: [الحديد: ١٣-١٥] ﴿يَوْمَ يَقُولُ المنافقون والمنافقات لِلَّذِينَ آمَنُواْ انظرونا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ

стр. 525

ارجعوا وَرَآءَكُمْ فالتمسوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرحمة وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العذاب﴾ ... إلى آخر الآيات، فتحكم الآية المباركة أنه لا بد من دخول أهل النفاق على أصحاب الوفاق، للاستطلاع والاستراق، فلا يغرنك تحببهم وترفقهم، ولا يخدعنك ملاينتهم وتملقهم، فإن التهور والتعجل يوجب الندم والافتضاح، والتروى يكفل النجاح والفلاح. ومن الحكم المأثورة: "العجلة من الشيطان، والتأنى من الرحمن". من كل ما تقدم يظهر لنا بوضوح: أن البابية والبهائية ليسوا أصحاب نِحْلة جديدة فى تعاليمها ومعتقداتها، وإنما هم قوم من أهل الباطن يريدون الكيد للإسلام باسم الإصلاح الدينى، وسيظهر لك من تأويلاتهم للقرآن - علاوة على ما سبق - أنهم ينهجون نهج الباطنية الأُوَل، ويترسمون خطاهم فى تحريفهم لكتاب الله، والعبث بآياته!! * * موقف البابية والبهائية من تفسير القرآن الكريم لم تحل عقائد البابية والبهائية بينهم وبين الاعتراف بالقرآن الكريم، ولم يمنعهم موقفهم الشاذ من الرجوع إليه ليأخذوا منه الشواهد على دعاواهم الباطلة، ومذاهبهم الفاسدة، تمويهاً على العامة، وتغريراً بعقول الأغمار الجهلة. * * أبو الفضائل الإيرانى يعيب تفاسير أهل السُّنَّة ولم يكن فى وجوههم قطرة من الحياء تمنعهم من التنديد بتفاسير علماء أهل السُّنَّة وتحقيرها، فهذا داعيتهم أبو الفضائل الإيرانى، نجده فى رسالة أرسلها لصديق له، يعيب على تفاسير أهل السُّنَّة فيقول: " ... ولقد يدهش الإنسان ويتحير يا حبيبى من تعاليمهم الباطلة، وتفاسيرهم المضحكة، فإن أحباءنا الأمريكيين الذين تشرفوا بالوفود على الأرض المقدسة فى هذه الأيام الأخيرة، قابلناهم فى بيروت، وسافرنا معهم إلى الأرض الفيحاء مدينة حيفاً، أخبرونا بما يتحير منه الأريب، ويدهش منه اللبيب، كيف تقدمت كلمة الله فى تلك الأقطار البعيدة الشاسعة مع هذه التفاسير الباطلة الضائعة، من النفوس الجاهلة الخادعة؟ أليس ذلك من عظيم قدرة الله وشديد قوته؟ وسطوع آياته وظهور بَيِّناته"؟ يعيب أبو الفضائل تفسير أهل السُّنَّة، لأنه يرى فى زعمه أنه وأهل نِحلْته خير مَن يفهم القرآن، ويعلم ما فيه من أسرار ورموز، ويرى أنه ومن شاكله هم الراسخون فى العلم، الذين يقفون على عجائب القرآن التى لا يدل عليها إلا باطنه، أما ما يعنى به

стр. 526

مفسرو أهل السُّنَّة من الظواهر فليس فى زعمه من المعانى التى يرمى إليها القرآن، وفى هذا يقول ما نصه: " ... لو كان معانى آيات القرآن ما هو ظاهر يعرفه كل مَن يعرف اللُّغة العربية، ويتلذذ منه كل مَن له إلمام بالعلوم الأدبية، كيف يتم هذا القول - يريد قول رسول الله ﷺ فى شأن القرآن: "إنه لا تنقضى عجائبه" - وكيف يصدق قول الله فى الآية [٧] من سورة آل عمران: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله والراسخون فِي العلم﴾ . * * إنتاج البابية والبهائية فى التفسير، ومثل من تأويلاتهم الفاسدة ولكن هل وصل إلى أيدينا شىء من كتب هذه الطائفة فى تفسير القرآن؟ لم نسمع ولم نقرأ أنهم ألَّفوا تفسيراً متناولاً للقرآن آية آية، وإنما قرأنا أن رئيسهم الأول فسَّر سورة البقرة، وسورة الكوثر، ولكن لم يصل إلى أيدينا شىء من ذلك، وكل ما وصل إلينا هو نبذ من تفسيره، وتفسير بعض أشياعه ودعاته، قرأناها فى كتبهم أنفسهم، وفى الكتب والمقالات التى كتبت عنهم، وهذه النبذ مع قِلَّتها تصور لنا مقدار تهجمهم على تحريف القرآن الكريم، والميل بنصوصه إلى ما يُرضى أهواءهم، ويُشبع أطماعهم. وإليك بعض التأويلات، لتقف بنفسك على مقدار هذيان القوم، وتلاعبهم بالقرآن وبالعقول!! *من تأويلات الباب: فسَّر الباب سورة يوسف، فمشى فيها على طريقة التأويل الذى لا يقره الشرع ولا يقبله العقل، ولا يمكن أن يفهمه إلا مَن يفهم لغة المبرسمين كما قيل. وإليك بعض ما قاله الباب في تفسيره لسورة يوسف، لتقف على مقدار هذيانه، وتلاعبه بالنصوص القرآنية: عند قوله تعالى فى الآية: [٤] : ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ ياأبت إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً والشمس والقمر رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ ... يقول ما نصه: "وقد قصد الرحمن من ذكر يوسف نفس الرسول، وثمرة البتول، حسين ابن عليّ بن أبى طالب مشهوداً.. إذا قال حسين لأبيه يوماً: إنى رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم بالإحاطة على الحق لله القديم سُجَّاداً ... وإن الله قد أراد بالشمس فاطمة، وبالقمر محمداً، وبالنجوم أئمة الحق فى أُمِّ الكتاب معروفاً، فهم الذين يبكون على يوسف بإذن الله سُجَّداً وقياماً". وفى قوله تعالى فى الآية: [٥] : ﴿قَالَ يابني لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ على إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ

стр. 527

لَكَ كَيْداً إِنَّ الشيطان لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ .. يقول ما نصه: "إذ قال علىّ: يا بُنَيَّ لا تُخبر مما أراك الله من أمرك إخوتك ترحماً على إلفهم، وصبراً لله تعالى، وهو الله كان عزيزاً حميداً. إن كنت تخبر من أمرك فى بعض مما قضى الله فيك، فيكيدوا لك كيداً، بأن يقتلوا أنفسهم فى محبة الله من دون نفسك الحق شهيداً، وإن الله لوجهك بدمك محمراً على الأرض بالحق على الحق صبيغاً، وإن الله قد شاء كما شاء أن يراك مخضباً شعرك من دمك ونفسك على الأرض على غير الحق لدى الحق قتيلاً. وجسمك على الأرض عرياً. وإن الله شاء كما شاء بأن يرى بناتك وحريمك فى أيدى الكافرين أسيراً. وعند قوله تعالى فى الآية [٨] : ﴿إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إلى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ .. يقول ما نصه: ".. إذ قالوا حروف لا إله إلا الله. وأن يوسف أحب إلى أبينا منا بما قد سبق من علم الله حرفاً مستسراً بالسر مُقنَّعاً على السر محتجباً في سطر، غايباً في سر السر مرتفعاً عما فى الدنيا وأيدى العالَمين جميعاً. وإنَّا نحن عصبة فيما أراد الله فى شأن يوسف النبى محمد العربى حول السطر مسطوراً. وإن الله قد فضَّل أبانا بفضل نفسه وقدر الله سر المستسر من سر أمره بما فى أيدى العالمين بالكشف المبين على أهل النار من سر "الباء" ضلالاً ... إلخ. ** *من تأويلات بهاء الله: ويروى بهاء الله أن ما ورد فى القرآن عن الصراط، والزكاة، والصيام، والحج، والكعبة، والبلد الحرام، وما إلى ذلك، كله لا يراد به ظاهره وإنما يراد به الأئمة. وفى هذا يقول فى "الكتاب": "قال أبو جعفر الطوسى: قلت لأبى عبد الله: أنتم الصراط فى كتاب الله، وأنتم الزكاة، وأنتم الحج؟ قال: يا فلان؛ نحن الصراط فى كتاب الله ، ونحن الزكاة، ونحن الصيام، ونحن الحج، ونحن الشهر الحرام، ونحن البلد الحرام، ونحن كعبة الله، ونحن قِبْلة الله، ونحن وجه الله". وفى كتاب بهاء الله والعصر الجديد، ما يدل على أن البهائيين لا يعترفون بالبعث، ولا بالجنة والنار، حيث يفسِّرون يوم الجزاء ويوم القيامة بمجىء ميرزا حسين الملقب ببهاء الله، قال فى كتاب بهاء الله والعصر الجديد: "وطبقاً للتفاسير البهائية، يكون مجيء كل مظهر إلهى عبارة عن يوم الجزاء، إلا أن مجىء المظهر الأعظم بهاء الله: هو يوم الجزاء الأعظم للدورة الدنيوية التى نعيش فيها"، وقال: "ليس يوم القيامة أحد الأيام العادية، بل هو يوم يبتدئ بظهور المظهر، ويبقى ببقاء الدورة العالمية". ويُفسِّر البهائية الجنة بالحياة الروحانية، والنار بالموت الروحانى، فقد جاء فى

стр. 528

كتاب بهاء الله والعصر الجديد: "إن الجنة والنار فى الكتب المقدسة حقائق مرموزة" فالجنة ترمز إلى حياة الكمال، والنار ترمز إلى حياة النقص، ولما كانت الحياة الروحية في نظر البهاء هي الإيمان به، والموت الروحى هو تكذيب دعوته. فإنَّا نراه يقرر ذلك فيقول: " ... منهم مَن قال: هل الآيات نزلت؟ قل: إى ورب السموات. قال: أين الجنة والنار؟ قل: الأولى لقائى، والأخرى نفسك يا أيها المشرك المرتاب". *من تأويلات عبد البهاء عباس: كذلك نجد عبد البهاء، يتكلم عن النبوة والوحى بما يوافق كلام قدماء الباطنية الذين قلَّدوا الفلاسفة فيقول: "الأنبياء مرايا تنبئ عن الفيض الإلهى، والتجلى الروحانى، وانطبعت فيها أشعة ساطعة من شمس الحقيقة، وارتسمت فيها الصور العالية ممثلة لها تجليات أسماء الله الحُسنى. ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فهم معادن الرحمة، ومهابط الوحى، ومشارق الأنوار، ومصادر الإرسال. وما أرسلناك إلا رحمة للعالَمين". ونجد قُرَّة العيون - إحدى أتباع الباب - تدَّعى أنها الصُور الذي يُنفخ فيه يوم القيامة، وتقول: "إن الصُور الذى ينتظرون فى اليوم الأخير هو أنا". وبين أيدينا رسائل أبى الفضائل، محمد بن رضا الجرفادقانى، المعروف بفضل الله الإيرانى، أحد دعاة البابية المتعصبين، وكتاب الحجج البهية له أيضاً، وفيهما تفسير لبعض الآيات القرآنية، بما يتفق ومذهبه الباطل. فمن ذلك مثلاً أنه يُفسِّر الروح الأمين الذى ورد فى القرآن بأنه الحقيقة المقدسة، ثم يُعَرِّفها فيقول: "هى غيب فى ذاتها، مجردة بحقيقتها عن الجسم أو الجسمانيات، فلا تُوصف بأوصاف الماديات، ولا تُذكر بخصائصها، ولا يُطلق عليها الخروج والدخول، ولا تُوصف بالتحيز والحلول، وإنما هى حقيقة تنجلى فى مظاهر أمر الله تعالى، عرشها قلوب الأصفياء، ومرآة تجليها صدور الأولياء، وإنما مثل طلوعها وإشراقها فى النفوس القدسية كمثل انطباع الشمس فى المرايا، فلا يقال: إن الشمس حلَّت فى المرآة، ولا إنها دخلت فيها، بل ولا يقال: إنها عُرِضت عليها، بل يقال: إن الشمس تجلَّت في المرآة، وظهرت منها وأشرقت، وانطبعت بها" ... وهذا بعينه مذهب قدماء الباطنية والفلاسفة. ومن ذلك أيضاً أنه فسَّر قوله تعالى فى الآيتين [١٤٢-١٤٣] من سورة الأعراف: ﴿وَوَاعَدْنَا موسى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ ... الآيتين،

стр. 529

تفسيراً باطنياً فقال: "المراد بالليل - كما سمعته منى مراراً - هو عبارة عن أيام غيبة شمس الحقيقة، واليوم حسب ما نزل فى التوراة المقدِّس يُحسب كل يوم واحد بسنة واحدة، وكان موسى ﵇ لما فارق أرض مصر، وفرَّ من فرعون وملئه إلى مدين، كان ابن ثلاثين، وأقام فى مدين عشر سنوات يشتغل فيها برعى أغنام شعيب النبى ﵇، وكان فى طى هذه المدة التى كانت كالليالى المظلمة، والدياجى الكالحة من ظلم الفراعنة، وأوهام الصابئة، مشتغلاً بتهذيب أخلاقه، وتطييب أعراقه، وتنقية فؤاده، والمناجاة مع ربه فى وحدته وانفراده، فلما طاب خلُقُه، وتم خَلْقه، بعثه الله نبياً لهداية بنى إسرائيل، وإنقاذهم من ذلك الوبيل. فالمراد بأربعين ليلة هو أربعون سنة. أقام موسى ﵇ فى أثنائها فى مصر ومدين، ولا تنافى كلمة "واعدنا" هذا التفسير، حيث ظاهرها يقتضى تكلم الرب مع موسى قبل بعثته، فإن أمثال هذه الكلمة كثيراً ما أُطلقت على ما أُلقى فى الروع، وأُلهم فى القلب، حتى على الحيوانات، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وأوحى رَبُّكَ إلى النحل أَنِ اتخذي مِنَ الجبال بُيُوتاً﴾ ، ﴿وَقَالَ موسى لأَخِيهِ هَارُونَ اخلفني فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ المفسدين﴾ ... ظاهر الآية المباركة يدل على أن موسى ﵇ أخلف أخاه هارون حينما كان مع الشعب فى البرية، كما هو مذكور فى التواريخ، إلا أن التواريخ القديمة مظلمة جداً، حيث إن المؤرخين اعتمدوا فى هذه المسائل على ما جاء فى التوراة وسائر الكتب العتيقة، ولكنا أثبتنا فى كتاب الدرر البهية ضعف هذا المستند من حيث العلم، فيجوز أن يكون هارون مستخلفاً عن موسى ﵉، لحفظ الشعب أيام غياب موسى فى مدين، وقد كان بنو إسرائيل يحافظون على التوحيد من لدن جدهم إبراهيم ﵇، فلما غاب موسى وضع بنو إسرائيل رسم عجل إبيس أحد معبودات المصريين تزلفاً إلى فرعون وقومه، فكأنهم تجنسوا بالجنسية المصرية، واعتنقنوا الديانة الوثنية، فلما رجع موسى ﵇ ورآهم على تلك الحال السيئة والعبادة الباطلة، أنكر ذلك على هارون، كما ذكره المؤرخون، إذ لا يعقل أن بنى إسرائيل على ما عُرفوا بصلابة الرأى يتركون ديانتهم الموروثة بسبب تأخير موسى عن الرجوع إليهم عشر ليال. ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ موسى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي ولاكن انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسى صَعِقاً فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين﴾ [الأعراف: ١٤٣] .. اعلم - حفظك الله - أن علماءنا - سامحهم الله - اختلفوا فى رؤية الله تعالى وعدم جواز رؤيته، فالشيعة والمعتزلة أنكروا جواز رؤيته، حيث تقتضى الجهة والمقابلة، وهى من مقتضيات الجسد والتحين والتحدد وأمثال ذلك، وهو منزَّه

стр. 530

عن تلك الأوصاف، إذ لم يفهموا من لفظة "الله" سوى الذات، ولا شك أن الذات منزَّهة عن تلك الصفات. وأهل السُّنَّة والجماعة جوَّزوا رؤية الله تعالى اعتماداً على صريح الآيات، واستناداً على صريح الأحاديث والروايات، وكانوا على هذه العقيدة الصالحة إلى أواسط القرون الهجرية، فمزجوها بالعقائد الوهمية، حيث شاعت فى تلك القرون بينهم المسائل الكلامية، والمعارف الناقصة العقلية، فإنهم قالوا: إن رؤية الله تعالى جائزة وواقعة فى القيامة، إلا أنها ليست من قبيل الإحاطة بالنظر، فترى ذات الله تعالى من غير مواجهة ومقابلة، وكيفية وإحاطة، مما يرجع إلى الوهم الصريح، وإنكار الرؤية حقيقة، وأهل البهاء المستظلين بظلال الفرع الكريم المتشعب من الدوحة المباركة العليا، لما عرفوا - على حسب ما يعلمون من القلم الأعلى - أن ذات الله بسبب تجردها وتقديسها الذاتى لا تُدرك، ولا تُوصف، ولا تُسمى باسم، ولا تُشار بإشارة، ولا تتعين بإرجاع ضمير. والأسماء والأوصاف وكل ما يُسند ويُضاف إليها راجعة فى الحقيقة إلى مظاهرها ومطالعها، ولذلك سهل عليهم فهم معنى أمثال تلك الألفاظ التى نزلت فى الكتب المقدسة والصحف المطهّرة، من قبيل رؤية الله تعالى، ولقاء الله وظهور الله ومجىء الله وغيرها مما ليس بخاف على أهل التحقيق. ثم اعلم أيها الحبيب اللبيب أن أهل البيان كثيراً ما أطلقوا فى عباراتهم لفظ "جَلَّ" على أكابر الرجال استعارة، سواء أكانوا من صناديد الدولة والملك، أو من قروم أهل العلم والفضل، كما أطلق أمير المؤمنين ﵇ على مالك بن الحارث النخعى المعروف بالأشتر، لما اشتهر ذكر وفاته، وأخبر بمماته، ومقامه ﵇ معلوم لديك فى الفصاحة والبراعة، ورسائله وخطبه مستغنية عن المدح والإطراء بالطلاوة والصناعة، وعبارته هذه مذكورة فى نهج البلاغة. وهذه استعارة فى غاية المناسبة واللَّطافة حيث إن أكابر الرجال هم بمنزلة الأوتاد، لاستقرار أرض المعارف والديانة، أو الأُمة والدولة، وكثيراً ما أطلقه داود ﵇ فى مزاميره، وسائر الأنبياء من بنى إسرائيل فى كتبهم على الرب تعالى، كما جاء فى مزمور [٤٢] : "أقول لله صخرتى لماذا نسيتنى"، وجاء فى مزمور [٧١] : "كن لى صخرة وملجأ أدخله دائماً. أمرت بخلاصى لأنك صخرتى وحصنى" ... إلى كثير من أمثالها، فإذا عرفت هذا، فاعلم أن موسى ﵇ إنما طلب رؤيا الله تعالى بسبب اقتراح الشعب عليه أن يريهم الله، كما يدلك عليه قوله تعالى: ﴿أَرِنَا الله جَهْرَةً﴾ إلا أن الله تعالى أخبره بأن رؤيته موقوفة باستقرار جبال العلم والإيمان فى مكانهم من الإذعان واليقين، ولكنهم بسبب عدم بلوغهم إلى المقام الثابت الراسخ المكين من العلم والمعرفة واليقين فلا بد وأن تندك جبال وجودهم، ويتزعزع بنيان إذعانهم لمعبودهم حين لقائه فيتبدل إيمانهم بالكفر، ويقينهم بالشك، وإقبالهم بالإعراض، حيث لم تكمل بعد مراتب
следующие страницы →