← История

История · id 12396

تجارب الأمم وتعاقب الهمم

ابن مسكويه

Полный текст (3 569 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

والخيل والبغال، ولكلّ دابّة سائس مفرد، فقال: - «ما هذا؟» قالوا: - «مراكب الخلافة.» قال: - «دابّتى أوفق لى.» وركب دابّته وصرفت تلك الدوابّ. ثمّ أقبل سائرا. فقيل له: - «منزل الخلافة.» فقال: - «فيه عيال أبى أيّوب- يعنى سليمان- وفى فسطاطى كفاية حتّى يتحوّلوا.» فأقام فى منزله حتّى فرّغوه من بعد. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى العمّال بكلّ بلد بما صار إليه، فأوجز وأحسن. ثم وجّه إلى مسلمة وهو بأرض الروم يأمره بالقفول منها بمن معه بخيل عتاق وأموال عظيمة. وعزل يزيد بن المهلّب عن العراق، ووجّه على البصرة عدىّ بن أرطاة الفزارىّ، وبعث على الكوفة عبد الحميد بن عبد الرحمان بن زيد بن الخطّاب من بنى عدىّ بن كعب. فضمّ إليه أبا الزياد [١] ، فكان أبو الزياد كاتب عبد الحميد بن عبد الرحمان. وبعث عدىّ فى إثر يزيد بن المهلّب موسى بن الوجيه [٥٤٣] الحميري. ودخلت سنة مائة وفيها خرجت الخارجة على عمر بن عبد العزيز بالعراق فكتب عمر إلى عبد الحميد بن عبد الرحمان بن زيد بن الخطّاب عامله على العراق، يأمره أن يدعوهم إلى العمل بكتاب الله وسنّة نبيّه، صلّى الله عليه، ففعل.

стр. 1017

ولمّا أعذر فى دعائهم، بعث إليهم عبد الحميد جيشا فهزمتهم الحروريّة، فبلغ عمر، فبعث إليهم مسلمة بن عبد الملك فى جيش من أهل الشام جهّزهم من الرقّة. وكتب إلى عبد الحميد: - «قد بلغني ما فعل جيشك السوء، وقد بعثت مسلمة بن عبد الملك، فخلّ بينه وبينهم.» فلقيهم مسلمة فى أهل الشام، فلم ينشب أن أظهره الله عليهم. وكان هذا الخارجىّ بسطام من بنى يشكر ويلقّب شوذب، وكان خروجه فى ثمانين فارسا أكثرهم من ربيعة. وكان عمر كتب إلى بسطام يدعوه [١] ويسأله عن مخرجه ويقول فى كتابه: - «بلغني أنّك خرجت غضبا لله ولنبيّه، صلّى الله عليه، ولست بأولى بذلك منّى. فهلمّ [٥٤٤] أناظرك، فإن كان الحقّ بأيدينا دخلت فى ما دخل فيه الناس، وإن كان فى يدك نظرنا فى أمرك.» فأمسك بسطام عن الحرب ولم يحرّك ساكنا، وكتب إلى عمر: - «قد أنصفت. وقد بعثت إليك رجلين يدار سانك ويناظرانك.» فلمّا وصل الرجلان إلى عمر، أطالا معه حتّى قالا له: - «أخبرنا عن يزيد، لم تقرّه خليفة بعدك.» قال: - «صيّره غيرى [٢] .» قالا: - «أفرأيت لو وليت مالا لغيرك، ثمّ وكلته [٣] إلى غير مأمون عليه، أتراك كنت

стр. 1018

أدّيت الأمانة إلى من ائتمنك عليها [١] ؟» فقال: - «أنظرنى ثلاثا.» فخرجا من عنده. وبلغ ذلك مروان، فخافوا أن يخرج ما فى أيديهم من الأموال وأن يخلع يزيد. فدسّوا إليه من سقاه سمّا. فلم يلبث بعد خروجهما من عنده إلّا ثلاثا حتّى مات. عمر بن عبد العزيز يحبس يزيد بن المهلّب ثم عدنا إلى حديث يزيد بن المهلّب. لمّا أقبل يزيد بن المهلّب فنزل واسطا، ركب منها السفن يريد البصرة. فبعث عدىّ من منعه وأوثقه، ثمّ بعث به إلى عمر بن عبد العزيز، وكان عمر يبغض يزيد وأهل بيته ويقول: - «هم جبابرة، ولا أحبّ أمثالهم.» وكان يزيد يبغض عمر ويقول: [٥٤٥]- «إنّى لأظنّه مرائيا.» فلمّا ولى عمر عرف يزيد أنّ عمر كان من الرئاء بعيدا. ولمّا وصل يزيد إلى عمر سأله عن الأموال التي كتب بها إلى سليمان. فقال: - «كنت من سليمان بالمكان الذي قد علمت، وإنّما كتبت إلى سليمان لأسمع الناس به، وكنت علمت أنّ سليمان لم يكن ليأخذنى بشيء سمّعت به، ولا بأمر أكرهه.» فقال له: - «لا أجد فى أمرك إلّا حبسك [٢] ، فاتّق الله وأدّ ما قبلك، فإنّها حقوق المسلمين ولا يسعني تركها.» وردّه إلى محبسه.

стр. 1019

وبعث الجرّاح بن عبد الله الحكمي، فسرّحه إلى خراسان. وأقبل مخلد بن يزيد من خراسان يعطى الناس، لا يمرّ بكورة إلّا أعطاهم فيها أموالا عظاما، حتّى قدم على عمر بن عبد العزيز. فدخل عليه، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: - «إنّ الله، يا أمير المؤمنين، صنع لهذه الأمّة بولايتك عليها، وقد ابتلينا بك، فلا نكن أشقى الناس بولايتك، علام تحبس هذا الشيخ؟ أنا أتحمّل ما عليه، فصالحنى على ما [١] إيّاه تسأل.» فقال عمر: - «لا، إلّا أن [٢] تحمل جميع ما إيّاه نسأل.» فقال: - «يا أمير المؤمنين، إن كانت لك بيّنة [٥٤٦] فخذه بها، وإن لم تكن بيّنة فصدّق مقالة يزيد، وإلّا فاستحلفه [٣] ، فإن لم يفعل فصالحه.» فقال عمر: - «ما أجد إلّا أخذه بجميع المال.» فلمّا خرج مخلد من عند عمر، قال: - «هذا خير عندي من أبيه.» ولمّا أبى يزيد أن يؤدّى إلى عمر شيئا، ألبسه جبّة صوف وحمله على جمل وقال: - «سيروا به إلى الدهلك [٤] .»

стр. 1020

فلمّا أخرج، فمرّ به على الناس أخذ يقول: - «أما لى عشيرة؟ ما لي يذهب بى إلى دهلك! وإنّما يذهب إلى دهلك بالفاسق المريب الحارب [١] . سبحان الله! أما لى عشيرة.» فدخل على عمر سلامة بن نعيم الحولاني، فقال: - «يا أمير المؤمنين، اردد يزيد إلى محبسه، فإنّى أخاف إن أمضيته أن ينتزعه قومه. فإنّى قد رأيت قومه غضبوا له.» فردّه إلى محبسه. فلم يزل فى محبسه ذلك حتّى بلغه مرض عمر. فأخذ يعمل فى الهرب من محبسه مخافة يزيد بن عبد الملك، لأنّه قد كان عذّب أصهاره، وكان يزيد بن عبد الملك قد عاهد الله: لئن أمكنه الله من يزيد ليقطعنّ منه طابقا. فكان يخشى ذلك. فبعث [٥٤٧] يزيد بن المهلّب إلى مواليه، فأعدّوا له إبلا، وخرج حتّى حاز مراصد عمر. وكتب إلى عمر بن عبد العزيز: - «إنّى والله لو علمت أنّك تبقى ما خرجت من محبسى، ولكنّى لم آمن يزيد بن عبد الملك.» وقد قيل: إنّ يزيد بن المهلّب إنّما هرب من سجن عمر بعد موت عمر. وكانت خلافة عمر سنتين وخمسة أشهر. ومات وهو ابن تسع وثلاثين سنة. ذكر بعض سيرة عمر بن عبد العزيز كان الجرّاح بن عبد الله لمّا ولى خراسان استخرج الجزية من كلّ من اتّهم إسلامه. فكتب عمر إليه: - «أنظر من صلّى إلى القبلة قبلك، فضع عنه الجزية.» فسارع الناس إلى الإسلام. فقيل للجرّاح:

стр. 1021

- «إنّ الناس قد سارعوا إلى الإسلام. وإنّما ذلك تعوّذ [١] من الجزية، فامتحنهم بالختان.» فكتب الجرّاح بذلك إلى عمر. فكتب عمر إليه: - «إنّ الله بعث محمّدا صلّى الله عليه داعيا ولم يبعثه خاتنا [٢] .» وقال عمر: - «أبغونى رجلا صدوقا أسأله عن [٥٤٨] خراسان.» فقيل له: - «قد أصبته، عليك بأبى مجلز.» وكان الجرّاح لمّا قدم خراسان، كتب إلى عمر: «إنّى قدمت خراسان، فوجدت قوما قد أبطرتهم الفتنة، فهم ينزون فيها نزوا. أحبّ الأمور إليهم أن تعود ليمنعوا حقّ الله عليهم، فليس يكفّهم إلّا السيف والسوط، وكرهت الإقدام على ذلك إلّا بإذنك.» فكتب إليه عمر: - «يا بن أمّ الجرّاح! أنت أحرص على الفتنة منهم، لا تضربنّ مؤمنا ولا معاهدا سوطا إلّا فى حقّ، واحذر القصاص، فإنّك صائر إلى من يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور [٣] ، وتقرأ كتابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصاها [٤] .» وكتب إليه أن: - «احمل معك أبا مجلز [٥] ، وخلّف على خراسان عبد الرحمان بن نعيم الغامدى، وعلى جزيتها عبد الله بن حبيب.»

стр. 1022

ولمّا قدم أبو مجلز لاحق ابن حميد على عمر، وكان رجلا لا تأخذه العين، دخل على عمر فى غمار الناس، فلم يثبته عمر، وخرج مع الناس. فقيل لعمر وقد سأل عنه بأنه: - «دخل مع الناس، ثمّ خرج.» فدعا به عمر، فقال: [٥٤٩]- «يا با مجلز، إنّى لم أعرفك.» قال: - «فهلّا- يا أمير المؤمنين- أنكرتنى إذ لم تعرفني.» قال: - «أخبرنى عن عبد الرحمان بن عبد الله.» قال: - «يكافئ الأكفاء، ويعادى الأعداء، وهو أمير يفعل ما يشاء، ويقدم، إن وجد من يساعده.» قال: - «فعبد الرحمان بن نعيم؟» قال: - «ضعيف ليّن يحبّ العافية، وتأتّى [١] له.» قال: - «الذي يحبّ العافية وتأتّى له أحبّ إلىّ.» فولّاه الحرب والصلاة، وولّى عبد الرحمان القشيري الخراج. وكتب إلى أهل خراسان: - «إنّى استعملت على حربكم عبد الرحمان بن نعيم، وعبد الرحمان بن عبد الله على خراجكم من غير معرفة منّى بهما ولا اختيار إلّا ما أخبرت عنهما، فإن كانا على ما تحبّون فاحمدوا [٢] الله، وإن كانا على غير ذلك فاستعينوا بالله ولا حول ولا قوّة إلّا بالله.»

стр. 1023

ابتداء دعوة بنى هاشم [١] وفى هذه السنة، وهي سنة مائة، وجّه محمد بن علىّ بن عبد الله بن العبّاس من أرض السراة ميسرة إلى العراق، ووجّه محمد بن خنيس وأبا عكرمة السرّاج وحيّان العطّار رجال إبراهيم بن سلمة إلى خراسان دعاة، وعلى خراسان [٥٥٠] يومئذ الجرّاح بن عبد الله الحكمي، فدعوا إليه وكتبوا بأسماء من استجاب، وبعثوا بالكتاب إلى ميسرة، وبعث به ميسرة إلى محمد بن علىّ. فكان ذلك ابتداء دعوة بنى هاشم. فاختار أبو محمّد الصادق وهو أبو عكرمة السرّاج لمحمّد بن علىّ، اثنى عشر نقيبا منهم: سليمان بن كثير الخزاعىّ، ولاهز بن قريط التميمي، وقحطبة بن شبيب الطائىّ، وموسى بن كعب التميمىّ، وخالد بن إبراهيم، والقاسم بن مجاشع، وعمران بن إسماعيل، ومالك بن هيثم الخزاعىّ، وطلحة بن زريق، وأبو حمزة عمرو بن أبى أعين، وشبل بن طهمان وهو أبو على الهروىّ، وعيسى بن أعين. ثم اختار سبعين رجلا كتب إليهم محمّد بن علىّ كتابا كالسيرة والمثال يسيرون بها.

стр. 1024

خلافة يزيد بن عبد الملك ودخلت سنة احدى ومائة وفيها ولى يزيد بن عبد الملك الخلافة، وكنيته أبو خالد، وهو ابن تسع وعشرين سنة فى قول هشام بن محمّد. وفيها قتل شوذب الخارجي [١] . [٥٥١] ذكر ذلك قد كنّا ذكرنا خروج من خرج من قبل شوذب لمناظرة عمر. فلمّا مات عمر أحبّ عبد الحميد بن عبد الرحمان أن يتحظّى عند يزيد بن عبد الملك. فبعث بمحمّد بن جرير فى ألفين إلى محاربة شوذب، ولم يرجع رسولا شوذب، ولم يعلم بموت عمر. فلمّا طلع عليهم محمّد بن جرير مستعدّا للحرب، قالوا: - «ما أعجلكم قبل انقضاء المدّة بيننا وبينكم، أليس قد توادعنا إلى أن يرجع الرسولان؟» فأرسل إليه محمّد: - «إنّه لا يسعنا ترككم.»

стр. 1025

فقالت الخوارج: - «ما فعل هؤلاء هذا إلّا وقد مات الرجل الصالح.» فبرز لهم شوذب، فأكثروا القتل فى أهل الكوفة وولّوا منهزمين والخوارج فى أكنافهم [١] تقتل حتّى بلغوا أخصاص الكوفة وجرح محمّد بن جرير فى استه. ورجع شوذب إلى موضعه ينتظر صاحبيه. فجاءا فأخبراه بما جرى وبموت عمر. فأقرّ يزيد بن عبد الملك عبد الحميد على الكوفة، ووجّه من قبله تميم بن الحباب [٢] فى [٥٥٢] ألفين، فراسلهم وأخبرهم أنّ يزيد لا يقارّهم على ما فارقهم عليه عمر. فلعنوه، ولعنوا يزيد. ثمّ حاربوه وقتلوه وهزموا أصحابه. فلجأ بعضهم إلى الكوفة ورجع الآخرون إلى يزيد. ووجّه إليهم نجدة بن الحكم الأزدى فى خلق كثير، فقتلوه وهزموا أصحابه. ووجّه إليهم الشحاج [٣] بن وداع فى ألفين من أهل البأس والنجدة، فقتلوه وقتل منهم نفرا منهم هدبة اليشكري ابن عمّ شوذب وكان عابدا، وفيهم أبو شبيل مقاتل بن شيبان، وكان فاضلا فيهم سيّدا. دخول مسلمة الكوفة ومقتل شوذب الخارجي فلمّا دخل مسلمة الكوفة فى ما روى هشام شكا إليه أهلها مكان شوذب وخوفهم منه، وما قد قتل منهم. فدعا مسلمة سعيد بن عمرو الحرشي وكان فارسا شجاعا، فعقد له على عشرة آلاف، ووجّهه إليه وهو مقيم بموضعه، فأتاه ما لا طاقة له به. فقال شوذب لأصحابه: - «من كان يريد الله فقد جاءته الشهادة، ومن كان إنّما خرج للدنيا فقد ذهبت الدنيا، وإنّما البقاء فى الدار الآخرة.» [٥٥٣]

стр. 1026

فكسروا أغماد سيوفهم وحملوا، فكشفوا [١] سعيدا وأصحابه مرارا حتّى خاف الفضيحة، فذمر أصحابه وقال: - «أمن هذه الشرذمة- لا أبا لكم- تفرّون؟ يا أهل الشام يوما كأيّامكم!» فحملوا عليهم، فطحنوهم طحنا ولم يبقّوا منهم أحدا وقتلوا شوذبا- وهو بسطام- وفرسانه، والريّان بن عبد الله اليشكري. فرثاهم الشعراء وأكثروا، إلّا أنّا لا نكتب فى هذا الكتاب ما يجرى هذا المجرى، وقد ذكرنا كثيرا منه فى اختيارنا من أشعار العرب. دخول يزيد بن المهلّب البصرة وخلعه يزيد بن عبد الملك وفى هذه السنة لحق يزيد بن المهلّب بالبصرة، فغلب عليها وقد كنّا حكينا هربه من محبس عمر. ولمّا مات عمر وبويع ليزيد بن عبد الملك بلغه هرب يزيد بن المهلّب. فكتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمان يأمره أن يطلبه ويستقبله. وكتب إلى عدىّ بن أرطاة يعلمه هربه ويأمره أن يطلبه ويستقبله. فأمّا عدىّ بن أرطاة فإنّه أخذ من أولاد المهلّب وعشيرته من وجدهم، فحبسهم. وفيهم: المفضّل، [٥٥٤] وحبيب ومروان بنو المهلّب، وأفلت محمّد بن المهلّب فلم يقدر عليه. وأقبل يزيد حتّى ارتفع فوق القطقطانة، وبعث عبد الحميد بن عبد الرحمان هشام بن مساحق القرشىّ فى ناس من أهل الكوفة ذوى [٢] بأس، ووجوه الناس وأهل القوّة. فقال: - «انطلق حتّى نستقبله، فإنّه اليوم يمرّ بجانب العذيب.»

стр. 1027

فمشى هشام قليلا، ثمّ رجع إلى عبد الحميد، فقال: - «أجيئك به أسيرا، أم آتيك برأسه؟» فقال: - «أىّ ذلك شئت.» فكان من سمع ذلك منه تعجّب له. فلمّا خرج هشام مضى إلى العذيب حتّى نزله. ومرّ به يزيد بن المهلّب غير بعيد، فلم يتجاسر أحد منهما الإقدام عليه حتّى عبروا. ومضى نحو البصرة، وانصرف هشام بن مساحق إلى عبد الحميد. فجمع عدىّ بن أرطاة أهل البصرة، وخندق عليها. فقال عبد الملك بن المهلّب لعدىّ بن أرطاة: - «خذ ابني رهينة، واحبسه مكاني وأنا أضمن لك أن أردّ يزيد أخى عن البصرة حتّى يأتى فارس وكرمان ويطلب لنفسه الأمان [٥٥٥] ولا يقربك [١] .» فأبى عليه. وجاء يزيد مع أصحابه الذين أقبل فيهم، والبصرة محفوفة بالرجال، وقد جمع محمّد بن المهلّب- ولم يكن ممّن حبس- رجالا من قومه وأهل بيته وناس من مواليه. فخرج حتّى استقبله فى كتيبة تهول من رءاها، وكان عدىّ قد بعث على كلّ خمسين من أخماس البصرة رجلا مرضيّا، وأقبل يزيد بن المهلّب لا يمرّ بخيل من خيولهم ولا قبيلة من قبائلهم إلّا تنحّوا له عن السبيل تهيّبا وإعظاما. حتّى انتهى إلى المغيرة بن عبد الله الثقفىّ وهو على الخيل فاستقبله ليردّه. فحمل عليه محمّد بن المهلّب، فأفرج له عن الطريق هو وأصحابه وأقبل يزيد حتّى نزل داره، واختلف الناس إليه. وأخذ يبعث إلى عدىّ بن أرطاة أن: - «ادفع إلىّ إخوتى وأنا أصالحك على البصرة وأخلّيك وإيّاها حتّى آخذ

стр. 1028

لنفسي ما أحبّ من يزيد بن عبد الملك.» فلم يجبه إلى ذلك. وكان خرج إلى يزيد بن عبد الملك حميد بن عبد الملك بن المهلّب يصلح [٥٥٦] أمر عمّه يزيد. فبعث معه يزيد بن عبد الملك خالد بن عبد الله القسرىّ [١] وعمر بن يزيد الحكمي بأمان يزيد بن المهلّب وأهل بيته. وأخذ يزيد بن المهلّب، قبل أن يوافيه حميد، يعطى كلّ من أتاه العطايا العظيمة ويقطع لهم قطع الذهب والفضّة. فمال الناس إليه، ولحق به عمران بن مسمع ساخطا على عدىّ. وذلك أنّه نزع منه راية بكر بن وائل وأعطاها ابن عمّه. ومالت إلى يزيد ربيعة كلّها وبقيّة تميم وقيس، وناس بعد ناس فيهم عبد الملك ومالك ابنا مسمع وناس من أهل الشام. وكان عدىّ لا يعطى إلّا درهمين درهمين ويقول: - «لا يحلّ لى أن أعطيكم من بيت المال درهما إلّا بأمر يزيد بن عبد الملك، ولكن تبلّغوا بهذا حتّى يأتى الأمر فى ذلك.» وله يقول الفرزدق: أظنّ رجال [٢] الدرهمين يقودهم [٣] ... إلى الموت آجال لهم ومصارع فأحزمهم من كان فى قعر بيته ... وأيقن أنّ الأمر لا بدّ واقع وخرجت بنو عمرو بن تميم من أصحاب عدىّ، فنزلوا المربد. فبعث إليهم يزيد بن المهلّب [٥٥٧] مولى له يقال له دارس. فحمل عليهم فهزمتهم. فقال الفرزدق:

стр. 1029

تفرّقت الجعراء [١] أن صاح دارس ... ولم يصبروا تحت السيوف الصوارم جزى الله قيسا عن عدىّ ملامة ... ألا صبروا حتّى تكون تلاحم وخرج يزيد بن المهلّب حتّى اجتمع له الناس، حتّى نزل جبّانة بنى يشكر وهو المنصف فى ما بينه وبين القصر. وجاءته تميم وأهل الشام، فاقتتلوا هنيهة، فحمل عليهم محمّد بن المهلّب، فضرب مسور بن عباد الحبطىّ بالسيوف، فقطع أنف البيضة، وأسرع السيف فى وجهه، وحمل على هريم بن أبى طحمة، فأخذ بمنطقته فجذبه عن فرسه وتماسك فى السرج حتّى انقطعت المنطقة، وقال: - «هيهات! عمّك أرزن من هذا.» فانهزم القوم وأقبل يزيد فى أثر القوم يتلوهم حتّى دنا من القصر. وخرج إليه عدىّ بنفسه فى أصحابه، فقاتلوا ساعة وقتل من أصحابه خلق فيهم: الحارث بن مصرّف الأودى، وكان من أشراف أهل الشام وفرسان الحجّاج، وقتل موسى بن الوجيه الحميري [٥٥٨] وقتل جماعة أمثالهم. ثم انهزم أصحاب عدىّ، وسمع أخوه يزيد- وهم فى محبس عدىّ- الأصوات تدنو والنشّاب تقع فى القصر والصحن، فقال لهم عبد الملك: - «إنّى لا أرى يزيد إلّا قد ظهر، ولست آمن من مع عدىّ من مضر ومن أهل الشام أن يأتوا فيقتلونا قبل أن يصل يزيد إلى الدار، فأغلقوا الباب ثمّ أسندوه. بالثياب والرحل.» ففعلوا، فلم يلبثوا ساعة حتّى جاءهم عبد الله بن دينار مولى بنى عامر وكان على حرس بنى عدىّ. فجاء يشتدّ إلى الباب هو وأصحاب له وقد صنع بنو المهلّب ما قال لهم عبد الملك، ووضعوا متاعا كثيرا على الباب، ثمّ اتّكأوا عليه.

стр. 1030

وأخذ القوم يعالجون الباب فلا يستطيعون الدخول، وأعجلهم الناس فخلّوا عنهم، وجاء يزيد بن المهلّب حتّى نزل دار سليم بن زياد بن أبى سفيان إلى جانب القصر، وأتى بالسلاليم، فلم يلبث سفيان أن فتح القصر. وأتى بعدىّ بن أرطاة، فجيء به، وخاطبه بما يجرى مجرى التبكيت. ثمّ أمر بحبسه وقال له: - «أما إنّ حبسي إيّاك [٥٥٩] ليس إلّا لحبسك بنى المهلّب وتضييقك علينا فى ما كنّا نسألك التسهيل عليهم.» ذكر اتّفاق سىّء اتّفق على يزيد بن المهلّب خرج الحوارىّ بن زياد بن عمرو العتكي يريد يزيد بن عبد الملك هاربين من يزيد بن المهلّب فلقى فى طريقه خالد بن عبد الله القسري وعمر بن يزيد الحكمي ومعهما حميد بن عبد الملك بن المهلّب قد أقبلوا من عند يزيد بن عبد الملك بأمان يزيد المهلّب وكلّ شيء أراده. فاستقبلهما فسألاه عن الخبر. فلمّا رأى حميد بن عبد الملك معهما خلا بهما وقال: - «أين تريدان؟» قالا: - «نريد يزيد بن المهلّب، قد جئناه بكلّ شيء يريد ويقترح.» فقال: - «هيهات، قد تجاوز الأمر ذلك وما تقدران أن تصنعا بيزيد أو يصنع هو بكما. قد ظهر على عدوّه عدىّ بن أرطاة وقد قتل سراة الناس ووجوه الفرسان، وحبس [١] عديّا، فارجعا ولا تهديا نفوسكما إلى يزيد.» فعادى مع الحوارىّ بن زياد وأقبلا بحميد معهما إلى يزيد بن عبد الملك. فقال لهما حميد: - «أنشدكم الله أن تخالفا فى أمر يزيد وما بعثتما به، فإنّ يزيد قابل منكما وإنّ

стр. 1031

هذا [٥٦٠] وأهل بيته لم يزالوا لنا أعداء. فناشدتكما الله أن تسمعا مقالة هذا فينا.» فلم يقبلا قوله وأقبلا به حتّى دفعاه إلى عبد الرحمان بن مسلم الكلبي، وكان يزيد بن عبد الملك بعثه إلى خراسان عاملا عليها. فلمّا بلغه خلع يزيد بن المهلّب، كتب إلى يزيد بن عبد الملك: - «إنّ جهاد من خالفك [١] أحبّ إلىّ من ولايتي خراسان، فلا حاجة لى فيها، واجعلنى ممّن توجّه إلى يزيد بن المهلّب.» وبعث بحميد بن عبد الملك إلى يزيد، ووثب عبد الحميد بن عبد الرحمان بن زيد بن الخطّاب على خالد بن يزيد بن المهلّب وهو بالكوفة، وعلى حمّال [٢] بن زحر وليسا ممّن ينطف [٣] بشيء، إلّا أنّه أوثقهما لما عرف بين حمّال وبين بنى المهلّب، وسرّح بهما إلى يزيد بن عبد الملك، فحبسهما جميعا ولم يفارقا السجن حتّى هلكا فيه. وبعث يزيد بن عبد الملك رجالا من أهل الشام إلى الكوفة يسكّنونهم ويثنون عليهم بطاعتهم ويمنّونهم الزيادات. ثم إنّ يزيد بن عبد الملك بعث العبّاس بن الوليد بن عبد الملك فى أربعة آلاف فارس جريدة [٤] خيل حتّى وافوا الحيرة [٥٦١] يبادر إليها يزيد بن المهلّب. أقبل بعد ذلك مسلمة بن عبد الملك فى جنود أهل الشام، فأخذ على الجزيرة على شاطئ الفرات، واستوسق أهل البصرة ليزيد بن المهلّب، وبعث عمّاله إلى الأهواز وفارس. وبعث عبد الرحمان إلى بنى تميم:

стр. 1032

- «إنّ هذا مدرك بن المهلّب يريد أن يلقى بينكم الحرب وأنتم فى بلاد عافية فى طاعة وعلى جماعة.» فخرجوا ليلا يستقبلونه ويكيدونه. وبلغ ذلك الأزد، فخرج منهم نحو ألفى فارس حتّى لحقوهم قبل أن ينتهوا إلى رأس المفازة. فقالوا لهم: - «ما جاء بكم وما أخرجكم إلى هذا المكان؟» فاعتلّوا عليهم بأشياء ولم يقرّوا أنّهم خرجوا ليكيدوا مدرك بن المهلّب. فقال لهم الأزد: - «بل قد علمنا أنّكم لم تخرجوا إلّا لتلقّى صاحبنا وها هو ذا منكم قريب، فما شئتم.» ثم أسرعت الأزد حتّى لقوا مدركا على رأس المفازة، فنصحوا له وأعلموه أنّه يقع فى بلاء لا يدرون ما عاقبته ويشيرون عليه بالانصراف إلى أن يتمّ أمر يزيد.» فقبل ورجع من مكانه. ثم إنّ يزيد بن المهلّب لمّا استجمع له أهل البصرة، صعد المنبر وخطبهم وأخبرهم أنّه [١] يدعوهم [٥٦٢] إلى كتاب الله وسنّة نبيّه ويحثّ على الجهاد ويزعم أنّ جهاد أهل الشام أعظم ثوابا من جهاد الترك والديلم. فكان الحسن البصري حاضرا. فرفع صوته وقال: - «والله لقد رأيناك واليا ومولّيا [٢] عليك، فما ينبغي لك.» فوثب عليه من كان بجنبه، فأخذوا بيده وفمه وأجلسوه، وما شكّ الناس أنّه سمعه ولكنّه لم يلتفت إليه ومضى فى خطبته. ثم إنّ الحسن خرج يخذّل الناس عنه ويقول:

стр. 1033

- «كان بالأمس يضرب أعناق هؤلاء الذين ترون [١] يسرّح بها إلى بنى مروان، يريد بهلاك هؤلاء رضاهم.» فلمّا غضب نصب قصبا ووضع عليه خرقا وقال: - «قد خالفت هؤلاء، فخالفوهم.» وقال: - «إنّى أدعوكم إلى سنّة العمرين، ألا إنّ سنّة العمرين [٢] أن يوضع قيد فى رجليه، ثمّ يردّ إلى محبس عمر الذي حبسه فيه.» فقال ناس من أصحابه ممّن سمعوا قوله: - «والله، لكأنّك يا با سعيد راض عن أهل الشام.» فقال: - «أنا راض عن أهل الشام [٣] ؟ قبّحهم الله ونزحهم! أليسوا الذين أحلّوا حرم رسول الله، صلّى الله عليه، يقتلون أهله ثلاثة أيّام وثلاث ليال وقد أباحوها لأنباطهم وأقباطهم يحملون الحرائر [٥٦٣] وذوات الدين لا يتناهون عن انتهاك حرمة، ثمّ خرجوا إلى بيت الله الحرام، فهدموا الكعبة وأوقدوا النيران بين أحجارها وأستارها، عليهم لعنة الله وسوء الدار.» ثم إنّ يزيد خرج من البصرة، واستخلف عليها مروان بن المهلّب، وقدّم بين يديه عبد الملك بن المهلّب، وخرج معه بالسلاح وبيت المال، وأقبل حتّى نزل واسطا. وكان قبل أن يبلغها استشار أصحابه وقال لهم: - «إنّ أهل الشام قد نهضوا إليكم.» ذكر آراء أشير بها على يزيد بن المهلّب فما عمل بها فقال له حبيب وغيره:

стр. 1034

- «نرى أن تخرج حتّى تنزل فارس وتأخذ بالشعاب والعقاب وتدنو من خراسان وتطاول القوم، فإنّ أهل الجبال ينقضّون إليك وفى يدك القلاع والحصون.» فقال: - «ليس هذا برأى وليس يوافقني. إنّما تريدون أن تجعلوني طائرا على رأس جبل.» فقال له حبيب: - «فإنّ الرأى الذي كان ينبغي أن يكون فى أوّل الأمر قد فات. كنت أمرتك حين ظهرت على البصرة أن توجّه خيلا [٥٦٤] عليها بعض أهل بيتك حتّى يرد الكوفة، فإنّما هو عبد الحميد، مررت به فى سبعين رجلا. فعجز عنك، فهو عن خيلك أعجز فى العدّة، وتسبق إليها أهل الشام وعظم أهلها يرى رأيك ويحبّ أن لا يلي عليهم أهل الشام، فلم تطعني. وأنا اليوم أشير عليك برأى: سرّح مع بعض أهل بيتك خيلا عظيمة، فتأتى الجزيرة وتبادر إليها حتّى تنزل حصنا من حصونها، وتسير فى إثرهم. فإذا أقبل أهل الشام يريدونك لم يدعوا جندا من جندك بالجزيرة ويقبلوا إليك. فيقيمون عليهم، فكانوا حابسيهم عنك حتّى تأتيهم ويأتيك [من] [١] بالموصل من قومك وتبذل المال، ويأتيك أهل الجزيرة، وينقضّ إليك أهل العراق وأهل الثغور وتقاتلهم فى أرض رفيغة [٢] السعر، وقد جعلت العراق كلّه وراء ظهرك.» فقال: - «إنّى أقطع جندي.» فلمّا نزل واسطا أقام بها أيّاما يسيرة.

стр. 1035

ودخلت سنة اثنتين ومائة قد حكينا ما كان من توجيه يزيد بن عبد الملك، العباس بن الوليد بن عبد الملك [٥٦٥] ومسلمة بن عبد الملك إلى يزيد بن المهلّب لمحاربته. واستعدّ يزيد للقائهما واستخلف على واسط ابنه معاوية، وجعل عنده بيت المال والخزائن والأسراء، وقدّم بين يديه أخاه عبد الملك، ثمّ سار حتّى مرّ بفم النيل، ثمّ سار حتّى نزل العقر. وأقبل مسلمة يسير على شاطئ الفرات حتّى نزل الأنبار، ثمّ عقد عليها الجسر، فعبر من قبل قرية يقال لها: فارط. ثمّ أقبل حتّى نزل على يزيد بن المهلّب وقد قدّم يزيد عبد الملك نحو الكوفة فاستقبله العباس بن الوليد بسورا [١] ، فاصطفّوا. ثمّ اقتتل القوم فشدّ عليهم أهل البصرة شدّة كشفوهم فيها، وقد كان معهم ناس من بنى تميم وقيس ممّن انهزم من يزيد من البصرة، فكانت لهم جماعة حسنة مع العبّاس بن الوليد فيهم هريم بن أبى طحمة المجاشعىّ. فلمّا انكشف أهل الشام تلك الانكشافة نادى هريم بن أبى طحمة: - «يا أهل الشام، الله الله! إلى أين؟ أتسلموننا وقد اضطرّهم أصحاب عبد الملك إلى نهر؟» فأخذوا ينادونه: - «لا بأس عليك، إنّ لأهل الشام جولة فى أوّل القتال [٥٦٦] أتاك الغوث [٢] .» ثم إنّ أهل الشام كرّوا عليهم، فكشف أصحاب عبد الملك وهزموا. وجاءهم عبد الملك حتّى انتهى إلى أخيه بالعقر وسقط إلى يزيد ناس كثير من أهل الكوفة ومن أهل الجبال. فبعث على الأرباع رؤساءهم عبد الله بن المفضّل الأزدىّ، والنعمان بن إبراهيم بن الأشتر، ومحمّد بن إسحاق بن محمّد بن الأشعث،

стр. 1036

وحنظلة بن عتّاب بن ورقاء التميمىّ. وجمعهم جميعا مع المفضّل بن المهلّب. فتحدّث علاء بن زهير قال: والله إنّا لجلوس عند يزيد ذات يوم إذ قال: - «أترون أنّ فى العسكر ألف سيف يضرب به؟» قال: فيقول له: حنظلة بن العتّاب: - «إنّهم والله ما ضربوا بألف سيف قطّ، والله لقد أحصى ديوانى مائة وعشرين ألف. والله، لوددت أنّ مكانهم الساعة معى من بخراسان من قومي.» ثم إنّه خطب الناس وحرّضهم، وقال فى كلامه: - «إنّه ذكر لى أنّ هذه الجرادة الصفراء (يعنى مسلمة بن عبد الملك) وعاقر ناقة ثمود (يعنى العبّاس بن الوليد وكان العباس أزرق أحمر، كانت أمّه [٥٦٧] روميّة) والله لقد كان سليمان أراد أن ينفيه حتّى كلّمته فيه فأقرّه على نسبه، فبلغني أنّه ليس يهمّهما إلّا التماسي فى الأرض. والله، لو جاءوا بأهل الأرض جميعا، وليس إلّا أنا، ما برحت العرصة حتّى تكون لى أو لهم.» قالوا: - «إنّا نخاف أن تعنّينا كما عنّانا عبد الرحمان بن محمد بن الأشعث.» قال: - «إنّ عبد الرحمان فضح الذمار [١] وفضح حسبه، وهل كان يعدو أجله؟» نزل. قال: ودخل عامر العميثل، وهو من الأزد وقد جمع جموعا، فأتاه فبايعه. وكانت بيعة يزيد: - «تبايعوني على كتاب الله وسنّة نبيّه وعلى ألّا يطأ الجنود بلادنا ولا بيضتنا، ولا تعاد علينا سيرة الفاسق الحجّاج. ومن بايعنا على ذلك قبلنا منه، ومن أبى جاهدناه، وجعلنا الله بيننا وبينه.» ثم يقول:

стр. 1037

- «تبايعون؟» فإذا قالوا: «نعم.» بايعهم. ذكر رأى صواب رءاه يزيد فخالفه فيه أصحابه دعا يزيد بن المهلّب رؤساء أصحابه، فقال لهم: - «إنّى قد رأيت أن أجمع اثنى عشر ألف رجل، فأبعثهم مع محمّد بن عبد الملك، حتّى يبيّتوا مسلمة ويحملوا معهم البراذع [١] [٥٦٨] والأكف والزبل من الخندق الذي حفروه، فيقاتلهم على خندقهم وعسكرهم بقيّة ليلته. وأمدّه بالرجال حتّى أصبح، فإذا أصبحت نهضت إليهم أنا بالناس فناجزتهم. فإنّى أرجو عند ذلك أن ينصرنا الله عليهم.» فقال السميدع (وكان كنديّا [٢] يرى رأى الخوارج، قد اعتزل مع طائفة من القرّاء أيّام قتال يزيد مع عدىّ بن أرطاة إلى أن قالت طائفة من أصحاب يزيد وطائفة من أصحاب عدىّ: قد رضينا بحكم السميدع. ثمّ دعاه يزيد إلى نفسه وشرط له العمل بالكتاب والسنّة، فأجابه، واستعمله على الأبلّة فى تلك الأيّام) : - «إنّا قد دعوناهم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه، وقد زعموا أنّهم قابلون منّا هذا، فليس لنا أن نمكر ولا أن نغدر. ولا أن نريدهم بسوء حتّى يردّوا علينا ما زعموا أنّهم قابلوه منّا.» فقال جماعة من أهل الديانة: - «هكذا ينبغي.»

стр. 1038

قال يزيد: - «ويحكم! أتصدّقون بنى أميّة أن يعملوا بالكتاب والسنّة وقد ضيّعوا [١] ذلك مذ كانوا! إنّهم لم يقولوا لكم إنّا نقبل منكم، وهم يريدون ألّا يعملوا فى سلطانهم [٥٦٩] إنّما [٢] تأمرونهم وتدعونهم إليه، ولكنّهم أرادوا أن يكفّوهم عنهم حتّى يعملوا فى المكر، فلا يسبقوكم إلى تلك، أبدأوهم بها! إنّى لقيت بنى مروان، فو الله ما لقيت منهم رجلا هو أشدّ تمرّدا ولا أبعد غورا من هذه الجرادة الصفراء.» يعنى: مسلمة. قالوا: - «لا نرى أن نفعل ذلك حتّى يردّوا علينا ما زعموا أنّهم قابلوه منّا.» وكان مروان بن المهلّب وهو بالبصرة يحثّ الناس على حرب أهل الشام ويسرّح الناس إلى يزيد. وكان الحسن البصري يثبّط الناس عن يزيد بن المهلّب ويخطب أصحابه بما يقعدهم [٣] . فلمّا بلغ ذلك مروان بن المهلّب، قام خطيبا كما كان يقوم، فأمر الناس بالجدّ والاجتهاد والاحتشاد، وقال: - «لقد بلغني أنّ هذا الشيخ الضالّ المرائى- ولم يسمّه- يثبّط عنّا الناس. والله، لو أنّ جاره نزع من خصّ [٤] داره قصبة لظلّ يرعف أنفه، وينكر علينا وعلى أهل مصرنا أن نطلب حقّنا وأن ننكر مظلمتنا! أما والله، ليكفّنّ عن ذكرنا، أو عن جمعه سقّاط الأبلّة وعلوج فرات البصرة، [٥٧٠] أو لأنحينّ [٥] عليه مبردا خشنا. فلمّا بلغ ذلك الحسن قال:

стр. 1039

- «والله ما أكره أن يكرمني الله بهوانه.» فقال ناس من أصحابه: - «والله لو أرادك ثمّ شئت لمنعناك.» فقال لهم: - «قد خالفتكم إذا إلى ما نهيتكم عنه، آمركم أن لا يقتل بعضكم بعضا مع غيرى وأدعوكم أن يقتل بعضكم بعضا دوني!.» فبلغ ذلك مروان، فاشتدّ عليهم وأخافهم، وطلبوا حتّى تفرّقوا، ولم يدع الحسن كلامه ذلك، وكفّ عنه مروان بن المهلّب. وكانت مدّة إقامة يزيد بن المهلّب منذ اجتمع هو ومسلمة ثمانية أيّام. حتّى إذا كان يوم الجمعة الأربع عشرة خلت من صفر، بعث إلى الوضّاح أن يخرج بالوضّاحيّة فى السفن حتّى يحرق السفن التي فى الجسر، ففعل. وخرج مسلمة فعبّى جنود أهل الشام ميمنة وميسرة، وازدلف بهم نحو يزيد، وخرج إليه يزيد فى مثل تعبئته. فحدّث العلاء بن منهال، أنّ رجلا من أهل الشام خرج، فدعا إلى المبارزة، فلم يخرج إليه أحد. فبرز إليه محمّد بن عبد الملك، فحمل عليه، فاتّقاه الرجل بيده وعلى كفّه [١] كفّ [٥٧١] وساعد من حديد. فضربه محمّد، فقطع كفّ الحديد وأسرع السيف فى كفّه، واعتنق فرسه. وأقبل محمّد يضربه ويقول: - «المنجل أعود عليك من مبارزة الفرسان، عليك بالمنجل!» قال: وذكر أنّه كان حيّان النبطىّ. قال: ولمّا أحرق الوضّاح الجسر وسطع دخانه وقد نشبت الحرب ولم يشتدّ القتال نظر الناس إلى الدخان وقيل لهم: - «أحرق الجسر.»

стр. 1040

فانهزموا. وقيل ليزيد: - «قد انهزم الناس.» قال: - «وممّ انهزموا؟ وهل كان قتال ينهزم من مثله؟» فقيل له: - «أحرق الجسر فلم يثبت أحد.» قال: - «قبّحهم الله.» قال: - «بقّ دخّن عليه فطار.» فخرج وخرج معه أصحابه ومواليه وناس من قومه. فقال [رجل من أهل بيته: - «ينهزمون وهم كالجبال.» فقال:] [١]- «اضربوا وجوه المنهزمين.» ففعلوا ذلك حتّى كثروا عليهم، واستقبلهم [٢] منهم مثال الجبال.» فقال: - «دعوهم، فو الله إنّى لأرجو أن لا يجمعني الله وإيّاهم فى مكان واحد أبدا، دعوهم يرحمهم الله. غنم عدا فى نواحيها الذئب.» وكان يزيد لا يحدّث نفسه بالفرار. ولمّا انهزم الناس قال يزيد للسميدع: - «يا سميدع! أصحّ أمر رأيك، ألم أعلمك ما يريد القوم؟» قال: - «بلى، والرأى والله كان رأيك [٥٧٢] وأنا ذا معك لا أزايلك فمرني بأمرك.» قال:

стр. 1041

- «إمّا لا فانزل.» فنزل فى أصحابه. وجاء يزيد جاء وقال: - «إنّ حبيبا قد قتل.» فقال: - «لا خير فى العيش بعده امضوا بنا قدما.» فعلمنا أنّه مستقتل [١] ، فأخذ من يكره القتال ينكص، وأخذوا يتسلّلون، وبقيت مع يزيد بقيّة: جماعة حسنة وهو يزدلف بهم. فكلّما مرّ بخيل أو جماعة من أهل الشام كشفها وعدلوا عن سننه وسنن أصحابه. وأتاه آت وقال له: - «ذهب الناس.» وهو يسرّ إليه وأنا أسمعه. وقال له: - «هل لك أن تنصرف إلى واسط، فإنّها حصن حتّى تأتيك الأمداد من البصرة وعمان والبحرين فى السفن وتضرب خندقا.» فقال: - «قبّح الله رأيك! ألى تقول ذا؟ الموت أيسر علىّ من ذلك.» فقال: - «ألا ترى من حولك من جبال الحديد؟.» وهو يسرّ إليه. فقال: - « [أمّا] أنا [فما] أباليها [٢] ، جبال حديد كانت أم جبال نار. اذهب عنّا إن كنت لا تريد القتال معنا.» وتمثّل: أبالموت خشّتنى عباد [٣] وإنّما ... رأيت منايا الناس يسعى دليلها فما ميتة إن متّها [٤] غير عاجز ... بعار، إذا ما غالت النفس غولها [٥٧٣]

стр. 1042

وكان يزيد بن المهلّب على برذون له أشهب. فأقبل نحو مسلمة لا يريد غيره حتّى إذا دنا منه، دعا مسلمة بفرسه ليركب. فعطفت عليه خيول الشام فقتل يزيد بن المهلّب والسميدع، وقتل أخوه محمّد بن المهلّب. فحكى: أنّ رجلا من كلب يقال له: الفحل بن عيّاش [١] لمّا نظر إلى يزيد قال: يزيد بن المهلّب والفحل بن عيّاش كلّ قتل صاحبه ! - «يا أهل الشام، هذا يزيد والله لأقتلنّه، أو يقتلني. إنّ معه ناسا، فمن يحمل معى يكفيني أصحابه حتّى أصل إليه؟» فقال ناس من أصحابه: - «نحن نحمل معك.» ففعلوا، وحملوا بأجمعهم، فاضطربوا ساعة وسطع الغبار وانفرج الفريقان عن يزيد قتيلا وعن الفحل بن عيّاش بآخر رمق. فأومأ إلى أصحابه يريهم مكان يزيد، يقول لهم: - «أنا قتلته.» ويومى إلى نفسه أنّه: - «هو قتلني» ! وكان مسلمة لا يصدّق أنّه هو قتله. فبعث برأسه إلى يزيد بن عبد الملك مع خالد بن الوليد بن عقبة بن أبى معيط.

стр. 1043

وأبلى يومئذ المفضّل بن المهلّب بعد قتل يزيد وإخوته حتّى ظنّ أنّه يتلافى الأمر وحده مع نفر معه يذمر بهم ويقول لهم: - «غضّوا أبصاركم [٥٧٤] ولا تلتفتوا، فداءكم أبى وأمّى.» ويحمل الحملات الصادقة حتّى تفرّقت عنه تلك العصابة وبقي وحده. فأخذ الطريق إلى واسط. فقال الناس: - «ما رأينا من العرب رجلا فى مثل منزلته كان أغشى للبأس [١] بنفسه ولا أضرب بسيفه ولا أحسن تعبئة لأصحابه منه.» وأسر أهل الشام خلقا من أصحاب يزيد، فسرّح بهم إلى محمّد بن عمرو بن الوليد، فحبسهم إلى أن جاء كتاب من يزيد بن عبد الملك إلى محمّد بن عمرو أن: - «اضرب أعناق الأسرى.» فقال للعريان بن الهيثم وكان على شرطته: - «أخرجهم عشرين عشرين، وثلاثين ثلاثين.» فقام قوم من بنى تميم وهم لا يدرون ماذا يراد بهم، فقالوا: - «اتّقوا الله وابدأوا بنا، أخرجونا قبل الناس، فإنّا نحن انهزمنا بالناس.» فقال لهم العريان: - «اخرجوا على اسم الله!» فأخرجهم إلى المصطبّة، ثمّ أرسل إلى محمّد بن عمرو، ويخبره بإخراجهم وبمقالتهم. فبعث إليه أن: - «اضرب أعناقهم.» فتحدّث نجيح [٢] مولى زهير قال: والله إنى أنظر إليهم وهم يقتلون وإنّهم ليقولون:

стр. 1044

- «إنّا لله، انهزمنا بالناس وهذا جزاؤنا.» فما هو إلّا أن فرغ منهم جاء رسول [٥٧٥] مسلمة بكتابه فيه النهى عن قتل الأسرى وإطلاقهم. وكان مسلمة ضمن لهم ضمانات وواطأهم إذا رأوا دخان الحريق من الجسر أن ينهزموا بالناس. ففعلوا، ثمّ قتلوا. ولمّا جاء فلّ يزيد إلى واسط أخرج معاوية بن يزيد بن المهلّب اثنين وثلاثين أسيرا كانوا فى يديه، فضرب أعناقهم. منهم: عدىّ بن أرطاة، وابنه محمّد بن عدىّ ومالك وعبد الملك ابنا مسمع وغيرهم من الأشراف. وكانوا قالوا له: - «ويحك! إنّا لا نراك [١] تقتلنا إلّا أنّ أباك قد قتل، وأنّ قتلنا ليس بنافعك فى الدنيا وهو والله ضارّك فى الآخرة.» فقتلهم كلّهم إلّا ربيع بن زياد بن ربيع بن أنس. فقال له قوم: - «نسيته.» فقال: - «ما نسيته ولكن لم أكن لأقتله وهو شيخ من قومي له شرف ومعروف، ولست أتّهمه فى ودّ، ولا أخاف بغيه.» ورثى الشعراء يزيد وإخوته المقتولين فأكثروا. وأقبل معاوية بن يزيد حتّى أتى البصرة معه المال والخزائن. وجاء المفضّل، فاجتمع إليه جميع آل المهلّب بالبصرة، وقد كانوا أعدّوا السفن البحريّة وتجهزوا بكلّ الجهاز، لأنّهم كانوا يتخوّفون [٥٧٦] ما كان، وقد كان يزيد بن المهلّب بعث وداع بن حميد الأزدىّ على قندابيل [٢] أميرا، فقال له: - «إنّى قد اخترتك من بين قومي لأهل بيتي، فكن عند حسن ظنّى بك.» وأخذ عليه أيمانا غلاظا، وقال:

стр. 1045

- «إنّى سائر إلى هذا العدوّ ولو قد لقيتهم لم أبرح العرصة حتّى يكون لى، أو لهم، وإن ظفرت أكرمتك، وإن تكن الأخرى ولجأ إليك أهل بيتي كنت فى حصن معهم وآويتهم حتّى يأخذوا لأنفسهم أمانا.» ولمّا اجتمعوا بالبصرة حملوا عيالاتهم وأموالهم فى السفن البحرية، ثمّ لجّجوا فى البحر حتّى مرّوا بمهزّم بن الفزر [١] ، وكان يزيد استعمله على البحرين. فقال لهم: - «أشير عليكم أن لا تفارقوا سفنكم فإنّ ذلك بقاؤكم، وإن خرجتم منها يخطفكم الناس وتقرّبوا بكم إلى بنى مروان.» فخالفوه ومضوا حتّى إذا كانوا بحيال كرمان خرجوا من سفنهم وحملوا عيالهم وأموالهم على الدوابّ. وكان معاوية بن يزيد بن المهلّب حين قدم البصرة بالخزائن والأموال أراد أن يتأمّر عليهم. فاجتمع آل المهلّب، فأمّروا عليهم المفضّل بن المهلّب، وقالوا: - «المفضّل أكبرنا وسيّدنا وإنّما [٥٧٧] أنت غلام حدث السن كبعض فتيان أهلك.» فلم يزل المفضّل عليهم حتّى خرجوا إلى كرمان وبكرمان فلول كثيرة. فاجتمعوا إلى المفضّل. وبعث مسلمة بن عبد الملك مدرك بن ضبّ الكلبى فى طلب آل المهلّب وفى أثر الفلّ. فأدرك مدرك المفضّل بن المهلّب وقد اجتمعت إليه الفلول بفارس. فاتّبعهم فأدركهم فى عقبة، فعطفوا عليه، فقاتلوه واشتدّ قتالهم. فقتل ممن كان مع المفضّل: النعمان بن إبراهيم بن الأشتر، ومحمّد بن إسحاق بن الأشعث، وأخذ ابن صول ملك دهستان أسيرا، وجرح عثمان بن إسحاق، ومحمّد بن الأشعث جراحة

стр. 1046

شديدة وهرب حتّى بلغ حلوان. فدلّ عليه هناك فقتل وحمل رأسه إلى مسلمة. ورجع ناس من أصحاب يزيد بن المهلّب فطلبوا الأمان، فأومنوا، منهم: مالك بن إبراهيم بن الأشتر والزّرد [١] بن عبد الله بن حبيب السعدي من تميم، وكان قد شهد مع عبد الرحمان بن محمّد مواطنه كلّها. ومضى آل المهلّب ومن سقط إليهم إلى قندابيل، وكان مسلمة ردّ مدركا الضبىّ وسرّح فى أثرهم هلال بن أحوز التميمىّ [٥٧٨] من بنى مازن بن عمرو بن تميم، فلحقهم بقندابيل. فأراد آل المهلّب دخول قندابيل، فمنعهم وداع بن حميد، وكاتب هلال بن أحوز [٢] ولم يباين آل المهلّب فيحذروه. فلمّا التقوا للحرب وصفّوا كان وداع بن حميد على الميمنة وعبد الملك بن هلال على الميسرة وكلاهما أزدىّ. فرفع لهم هلال بن أحوز المازني راية الأمان، فمال إليها وداع بن حميد وغدر بآل المهلّب، وتبعه عبد الملك بن هلال، وارفضّ عنهم الناس فخلّوهم. فلمّا رأى ذلك مروان بن المهلّب ذهب يريد الانصراف إلى النساء، فقال له المفضّل: - «أين تريد؟» قال: - «أدخل إلى النساء من أهلى فأقتلهنّ لئلّا يصل إليهنّ هؤلاء الفسّاق.» فقال: - «ويحك! أتقتل أخواتك وبنات أخواتك ونساء أهلك؟ إنّا والله ما نخاف عليهنّ منهم.» فردّه عن ذلك. ثم مشوا بالسيوف وقاتلوا حتّى قتلوا من عند آخرهم إلّا عيينة بن المهلّب وعثمان بن المفضّل بن المهلّب، فإنّهما نجوا، فلحقا بخاقان ورتبيل، وبعث

стр. 1047

برؤوسهم ونسائهم وأولادهم إلى مسلمة بن عبد الملك. منع الجرّاح من بيع ذرّيّة آل المهلّب وقال مسلمة: - «والله لأبيعنّ [٥٧٩] ذرّيّتهم.» وكانوا فى دار الرزق. فقال الجرّاح بن عبد الله: - «فإنّى أشتريهم منك لأبرّ قسمك.» فاشتراهم منه بمائة ألف درهم. قال: - «هاتها.» قال: - «إذا شئت [فخذها] [١] .» ثم تركها عليه ولم يطالبه بها، وخلّى سبيلهم إلّا تسعة فتية منهم أحداثا بعث بهم إلى يزيد بن عبد الملك، فقدم بهم عليه، فضرب أعناقهم. ورثاهم الشعراء. يزيد بن عبد الملك يولّى مسلمة على الكوفة والبصرة وخراسان بعد قتل يزيد بن المهلّب ولمّا فراغ مسلمة بن عبد الملك من حرب يزيد بن المهلّب، جمع له يزيد بن عبد الملك ولاية الكوفة والبصرة وخراسان فى هذه السنة. وفى هذه السنة وجّه مسلمة بن عبد الملك سعيد بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن أبى العاص إلى خراسان، وهو الذي يلقّب بسعيد خدينة [٢] ، وإنّما استعمله مسلمة لأنّه كان ختنه على ابنته، وقدّم سعيد خدينة قبل شخوصه سورة بن أبجر من بنى دارم، فقدّمها قبله بشهر أو نحوه، واستعمل شعبة بن ظهير

стр. 1048

النهشلىّ على سمرقند، فخرج إليها فى خمسة وعشرين رجلا من أهل بيته. فأخذ على آمل اموية، وأتى بخارى، فصبّحه [١] وصحبه منها مائتا رجل، فقدم السغد وقد [٥٨٠] كان أهلها ارتدّوا فى ولاية عبد الرحمان بن نعيم، ثمّ عادوا إلى الصلح. فخطب شعبة أهل السغد ووبّخ سكّانها من العرب وغيرهم بالجبن، وقال: - «ما أرى فيكم جريحا ولا أسمع فيكم أنّة.» فاعتذروا بأن جبّنوا عاملهم علباء بن حبيب العبدىّ وكان على الحرب. قدم سعيد. فأخذ عمّال عبد الرحمان بن عبد الله الذين ولوا أيّام عمر بن عبد العزيز فحبسهم. فكلّمه فيهم قوم فضمّنهم وأطلق عنهم، ثمّ رفع إليه على عمّال يزيد بن المهلّب وهم ثمانية. فأرسل إليهم وحبسهم فى القهندز بمرو، فقيل له: - «إنّ هؤلاء لا يودّون إلّا أن يبسط عليهم.» وكان فيهم جهم بن زهر. فأرسل إليه ثمّ ضربه فى ما بعد. وعزل شعبة بن ظهير عن سمرقند، وولّى حربها عثمان بن عبد الله بن مطرّف، وكان الناس يضعّفون سعيدا ولقّبوه خدينة [٢] . فطمع فيه الترك، فجمع له خاقان الترك ووجّههم إلى السغد وكان عليهم كورصول، وأقبلوا حتّى نزلوا بقصر الباهلىّ. سبب طمع الترك فى سعيد خدينة وقيل: إنّ سبب طمع الترك أنّ بعض [٥٨١] عظماء الدهاقين رأى فى ذلك القصر امرأة من باهلة فهويها، فأرسل إليها فخطبها، فأبت فاستجاش ورجا أن يسبوا فيأخذ المرأة قهرا. فأقبل كورصول فى من معه من الترك حتّى حضر

стр. 1049

بالقصر، وفيه مائة أهل بيت بذراريّهم، وعلى سمرقند عثمان بن عبد الله، وخافوا من الترك، وأشفقوا أن يبطئ عنهم المدد. فصالحوا الترك على أربعين ألفا وأعطوهم من الرجال سبعة عشر نفسا رهينة، وندب عثمان بن عبد الله بن مطرّف الشخّير الناس، فانتدب المسيّب بن بشر الرياحىّ وانتدب معه أربعة آلاف من جميع القبائل، فقال شعبة بن ظهير: - «لو كان هاهنا خيول خراسان بأميرهم ما وصلوا إلى إغاثتهم [١] .» وكان فى من انتدب شعبة بن ظهير وجماعة من الرؤساء، فقال لهم المسيّب بن بشر لمّا عسكروا: - «إنّكم تقدمون على حلبة الترك وهي حلبة خاقان، والعوض إن صبرتم الجنّة، والعقاب إن فررتم النار، فمن أراد الصبر فليقدم.» فانصرف عنه ألف وثلاثمائة، وسار فى الباقين. فلمّا سار قليلا أقبل على الناس وقال مثل [٥٨٢] مقالته الأولى، فاعتزل ألف. ثمّ قال بعد ما سار فرسخا مثل ذلك فاعتزل ألف آخر، وسار فى سبعمائة، حتّى إذا كان على فرسخين من القوم نزل. فأتاهم من [٢] ترك خاقان ملك قىّ [٣] ، فقال: - «إنّه لم يبق هاهنا دهقان إلّا وقد تابع [٤] الترك غيرى وأنا فى ثلاثمائة مقاتل، فهم معك. وعندي الخبر أنّ القوم قد كانوا صالحوا على أربعين ألفا وأعطوهم سبعة عشر رجلا يكونون فى أيديهم رهنا. فلمّا بلغهم مسيركم إليهم

стр. 1050

قتل الترك من كان أيديهم من الرهائن.» قال: وكان فيهم نهشل بن يزيد الباهلي فنجا، والأشهب بن عبد الله الحنظلي، وميعادهم أن يقاتلوهم غدا أو يفتحوا القصر. فبعث المسيّب رجلين من العرب ورجلا من العجم من ساعته- وكان ليلا- على خيولهم، وقال: - «إذا قربتم فشدّوا دوابّكم بالشجر واعلموا علم القوم.» فأقبلوا فى ليلة مظلمة وقد أجرت الترك الماء فى نواحي القصر. فليس يصل إليه أحد ودنوا من القصر فصاح بهم [١] الربيئة، فقال: - «لا [٥٨٣] تصح وادع لنا عبد الملك بن دثار.» فدعوه [٢] فقالا له: - «أرسلنا المسيّب وقد أتاكم الغوث.» قال: - «أين هو؟» قالا: - «على فرسخين، فهل عندكم امتناع إلى أن يلحق؟» قال: - «قد أجمعنا على تسليح [٣] نسائنا وتقديمهم للموت أمامنا حتّى نموت جميعا غدا.» فرجعا إلى المسيّب، فأخبراه. فقال المسيّب للذين معه: - «إنّى سائر إلى هذا العدوّ. فمن بايعنى على الموت، وإلّا فليذهب.» فلم يفارقه أحد وبايعوه على الموت. فلمّا أصبح سار وقد زاد الماء الذي أجروه إلى المدينة تحصينا. فلمّا كان بينه وبينهم نصف فرسخ رأى أن ينزل ويبيّتهم. فلمّا أمسى أمر الناس، فشدّوا على خيولهم وركب فحثّهم على الصبر

стр. 1051

ورغّبهم فى ما يصير إليه أهل الجهاد والاحتساب والصبر وما لهم فى الدنيا من الغنيمة والشرف إن ظفروا، وما لهم فى الآخرة من الثواب والنعيم الأبدىّ إن قتلوا. ثم قال لهم: - «اكعموا [١] دوابّكم وقودوها، فإذا دنوتم من القوم فاركبوا وشدّوا شدّة صادقة وكبّروا. وليكن شعاركم: «يا محمّد» ، ولا تتّبعوا مولّيا [٥٨٤] فتتفرّقوا، وعليكم بالدوابّ فاعقروها، فإنّ دوابّ القوم إذا عقرت أشدّ عليهم منكم. واعلموا أن القليل الصابر خير من الكثير الفشل، وليست لكم قلّة. إنّ سبعمائة سيف لا تضرب بها فى عسكر إلّا أوهنوه وإن كثر أهله.» وعبّأهم ميمنة وميسرة، وساروا حتّى إذا كانوا على غلوتين [٢] كبّروا، وذلك فى السحر، وثار الترك وخالطهم المسلمون وانهزموا، فعقر المسلمون الدوابّ. عاد الترك وصابروا، فجال المسلمون وانهزموا، حتّى إذا صاروا إلى المسيّب وتبعهم الترك فضربوا عجز دابّة المسيّب. فترجّل قوم من المسلمين منهم البخترىّ، ومحمد بن قيس الغنوي وزياد الإصبهانىّ، ومعاوية بن الحجّاج وثابت قطنة، وكان على ميسرة المسيّب. فأمّا البخترىّ فقاتل حتّى قطعت يمينه فأخذ السيف بشماله فقطعت، فجعل يذبّ ببدنه حتّى استشهد. واستشهد أيضا محمّد بن قيس، وشلّت يد الحجّاج الطائىّ. ثمّ لم يصبر الترك وانهزموا. وضرب ثابت قطنة عظيما من عظمائهم، فقتله [٥٨٥] ونادى منادى المسيّب: - «لا تتبعوهم، فإنّهم لا يدرون من الرعب أتبعتموهم أم لا، واقصدوا القصر، ولا تحملوا للقوم شيئا من المتاع إلّا المال، واقصدوا من ضعف عن المشي

стр. 1052

فاحملوه ولا تحملوا من أطاق على المشي.» وقال المسيّب: - «من حمل امرأة أو صبيّا أو ضعيفا حسبة [١] فأجره على الله. ومن أبى فله أربعون درهما. وإن كان فى القصر أحد من أهل عهدكم فاحملوه.» قال: فقصدوا جميعا القصر، فحملوا من كان فيه. وانتهى رجل من بنى فقيم إلى امرأة، فقالت: - «أغثنى [٢] أغاثك الله.» فوقف وقال: - «دونك عجز الفرس!» فوثبت، فإذا هي على عجز الفرس، وإذا هي أفرس من رجل يعجب لها من رءاها. وتناول الفقيمىّ بيد ابنها غلاما صغيرا، فوضعه بين يديه وأتوا ملك قىّ [٣] ترك خاقان. فأنزلهم قصره، وأتاهم بطعام وقال: - «الحقوا بسمرقند.» ثم قال: - «هل بقي أحد؟» قالوا: - «نعم، هلال الجديدىّ.» فقال: - «لا أسلمه.» فأتاه به، وبه بضع وثمانون ضربة. فاحتمله فبرأ، إلى أن أصيب يوم الشعب مع الجند، ورجع الترك من الغد، فلم يروا فى القصر أحدا ورأوا قتلاهم. فقالوا: - «لم يكن الذين جاءوا [٥٨٦] بالأمس من الإنس.»

стр. 1053

فقال بعض من شهد ليلة قصر الباهلي: كنّا فى القصر. فلمّا التقوا ظننّا أنّ القيامة قامت لهول ما سمعنا من هماهم القوم ووقع الحديد. غزو سعيد الترك وفى هذه السنة قطع سعيد خدينة نهر بلخ، وغزا الترك، وكانوا قد نقضوا العهد وأعانوا الترك. وذلك بعد ما كلّم الناس سعيدا مرارا وقالوا له: - «تركت الغزو. فقد كثر الترك، وكفر أهل السغد.» فلمّا عبر سعيد وقصد السغد لقيه الترك وطائفة من السغد. فهزمهم المسلمون. وقال سعيد: - «لا تتبعوهم، فإنّ السغد بستان أمير المؤمنين.» فلمّا كان الغد خرجت مسلحة المسلمين- والمسلحة يومئذ من تميم- فما شعروا إلّا بالترك معهم خرجوا عليهم من غيضة، وعلى خيل بنى تميم شعبة بن ظهير، فقتل شعبة. وذاك أنّه أعجل عن الركوب، فقاتلهم راجلا إلى أن قتل، وقتل نحو من خمسين رجلا، وانهزم المسلحة وأتى الناس الصريخ [١] . فقال عبد الرحمان بن المهلّب العدوىّ: كنت أوّل من أتاهم لمّا أتانا الخبر وتحتي فرس جواد، فإذا عبد الله بن زهير إلى جنب شجرة [٥٨٧] كأنّه قنفذ من النشّاب وقد قتل. ثمّ لحق الناس وحملوا على العدوّ حتّى كفّوهم. وجاء الأمير والجماعة، فانهزم العدوّ. ذكر كلمة صارت سبب حتف كان سعيد عبر النهر مرّتين، فلم يجاوز سمرقند. وكنّا حكينا أنّه لمّا هزم

стр. 1054

المسلمون الترك وأهل السغد ألحّوا [١] فى طلبهم. فنادى منادى سعيد: - «لا تطلبوهم، فإنّ السغد بستان أمير المؤمنين.» وقال سعيد: - «قد هزمتموهم. أفتريدون بوارهم وأنتم يا أهل العراق قد قاتلتم أمير المؤمنين غير مرّة، فعفا عنكم ولم يستأصلكم ورجع.» وكان سعيد إذا بعث سريّة فأصابوا وغنموا وسبوا ردّ السبي ووبخ السريّة. فقال له يوما حيّان النبطىّ وهو بإزاء العدوّ من أهل السغد: - «أيها الأمير، ناجز العدوّ.» فقال: - «لا، هذه بلاد أمير المؤمنين.» فلمّا انهزم أهل السغد تبعهم حيّان، فقال له سورة بن أبجر: - «انصرف كما أمر الأمير.» فقال: - «أدع عقيرة الله وأنصرف!» [٢] فقال له: - «يا نبطىّ!» قال: - «أنبط الله وجهك.» [٥٨٨] وكان حيّان يكنّى فى الحرب: أبا الهيّاج، وإيّاه عنى الشاعر: إنّ أبا الهيّاج أريحىّ ... للرّيح فى أثوابه دوىّ فحقد عليه سورة [وقال:] [٣]- «أنبط الله وجهك.»

стр. 1055

ثم خلا بسعيد فقال: - «إنّ هذا العبد أعدى الناس للعرب. قد عصى أمرك، وهو الذي أفسد خراسان على قتيبة وهو واثب بل مفسد عليك خراسان، ثمّ يتحصّن فى بعض هذه القلاع.» قال: - «يا سورة! لا تسمعنّ.» سعيد يقتل حيّان بإطعامه ذهبا ثم مكث أيّاما وقد ثقل سعيد على الناس وضعّفوه، فلم يأمن حيّان. فأمر سعيد بذهب فسحل [١] وألقى فى طعام وناوله حيّان. فلمّا علم أنّه قد حصل فى جوفه ركب وركب معه الناس وفيهم حيّان. فركض أربعة فراسخ فنزل حيّان وعاش أربعة أيّام ومات فى الرابع. وفى هذه السنة عزل مسلمة بن عبد الملك عن العراق وخراسان وانصرف إلى الشام. ذكر سبب عزل مسلمة عن العراق وخراسان [٥٨٩] كان سبب ذلك أنّ مسلمة لمّا ولى أرض العراق وخراسان لم يرفع من الخراج شيئا، وكان يزيد بن عبد الملك يريد عزله فيستحييه، فيكتب بتشوّقه. فشاور مسلمة عبد العزيز بن حاتم بن النعمان فى الشخوص إلى يزيد ليزوره [٢] فقال له: - «أمن تشوّق بك إليه؟ إنّك لطروب.» قال: - «إنّه لا بدّ من ذاك.» قال: - «إذا لا تخرج من عملك حتّى تلقى الوالي عليه.»
следующие страницы →