فبعثوا إليه هبيرة، فقال له حين دخل عليه:
- «قد رأيتم عظيم ملكي وأنّه ليس أحد يمنعكم منّى وأنتم فى بلادي بمنزلة الخاتم فى كفّى، وأنا سائلكم عن أمر، فإن لم تصدقوني [١] قتلتكم.» قال:
- «سل.» قال:
- «لم صنعتم ما صنعتم من الزىّ [٢] فى اليوم الأوّل والثاني والثالث؟» قال:
- «أمّا زيّنا فى اليوم الأوّل فلباسنا فى أهالينا، وأمّا يومنا الثاني، فإذا أتينا أمراءنا، وأمّا يومنا الثالث فزيّنا لعدوّنا، فإذا هاج هيج كنّا هكذا.» قال:
- «ما أحسن ما دبّرتم دهركم! فانصرفوا إلى صاحبكم فقولوا له ينصرف [٥٠٧] فإنّى قد عرفت حرصه وقلّة أصحابه وإلّا بعثت إليه من يهلكه ويهلككم معه.»
ذكر كلام لهبيرة فى جواب الملك صار سببا لحمله الخراج وتهيّبه الحرب
فأجابه هبيرة وقال:
- «كيف يكون قليل الأصحاب من أوّل خيله فى بلادك وآخرها فى منابت الزيتون، وكيف يكون حريصا من خلّف الدنيا وراءه قادرا عليها وغزاك؟ وأمّا تخويفك إيّانا بالقتل فإنّ لنا آجالا إذا حضرت فلسنا نكرهها ولا نخافها.» فقال بعد أن أطرق:
- «فما الذي يرضى صاحبك؟» قال:
- «إنّه قد حلف ألّا ينصرف حتّى يطأ أرضكم ويختم ملوككم ويعطى
стр. 982
الجزية.» قال:
- «فإنّا نخرجه من يمينه: نبعث إليه بتراب أرضنا فيطأه، ونبعث إليه ببعض أبنائنا فيختمهم، ونبعث إليه بجزية يرضاها.» قال: فدعا بصحاف من ذهب فيها تراب، وبعث بحرير وذهب وأربعة غلمان من أبناء ملوكهم. ثمّ أجازهم فأحسن جوائزهم، فساروا فقدموا بما بعثوا به.» فقبل الجزية وختم الغلمة وردّهم ووطئ التراب. فقال فى ذلك سوادة بن عبد الله السلولي:
لا عيب فى الوفد الذين بعثتهم ... للصين لو سلكوا طريق المنهج [٥٠٨]
كسروا الجفون على العدى [١] خوف الرّدى ... حاشا الكريم هبيرة بن مشمرج
لم يرض غير الختم فى أعناقهم ... ورهائن دفعت لحمل سمرّج
أدّى رسالتك التي استرعيته ... وأتاك من حنث اليمين بمخرج
قال: فأوفد قتيبة هبيرة إلى الوليد، فمات بقرية من فارس.
من سيرة قتيبة
وكان من سيرة قتيبة إذا بعث طلائع الفرسان أو غيرهم أن يأمر بلوح منقوش فيشقّ شقّتين، فيعطيهم شقّة ويحتبس شقّة ويأمرهم أن يدفنوها فى موضع يصفه من مخاضة معروفة، أو تحت شجرة معلومة، ثمّ يبعث بعده من يستخرجها ليعلم أصادق طليعته أم لا.
стр. 983
خلافة سليمان بن عبد الملك بن مروان
وفى هذه السنة بويع سليمان بن عبد الملك وخالف قتيبة بخراسان وتأدّى أمره إلى أن قتل.
ذكر السبب فى ذلك كان سبب ذلك ما حكيناه من إجابة قتيبة الوليد إلى خلع سليمان.
فلمّا مات الوليد وبويع سليمان خافه قتيبة، وأشفق أن يولّى سليمان يزيد بن المهلّب خراسان [٥٠٩] لمودّة كانت بين يزيد بن المهلّب وبين سليمان.
فكتب قتيبة كتابا إلى سليمان يهنّئه بالخلافة ويعزّيه عن الوليد ويعلمه بلاءه [١] وطاعته لعبد الملك والوليد وأنّه على مثل ذلك له من الطاعة والنصيحة إن لم يعزله عن خراسان، ثمّ كتب كتابا آخر يعلمه فيه فتوحه ونكايته وعظم قدره عند ملوك العجم وهيبته فى صدورهم وبعد صوته فيهم، ويذمّ المهلّب وآل المهلّب، ويحلف بالله لئن استعمل يزيد على خراسان ليخلعنّه.
ثم كتب كتابا ثالثا فيه خلعه.
وبعث بالكتب الثلاثة مع رجل من باهلة وقال:
стр. 984
- «ادفع هذا الكتاب، فإن كان يزيد بن المهلّب حاضرا فقرأه ثمّ ألقاه إليه فادفع إليه هذا الكتاب، فإن قرأه وألقاه إليه فادفع إليه هذا الكتاب الثالث. وإن قرأ الأوّل ولم يدفعه إلى يزيد فاحتبس الكتابين الآخرين.» فقدم رسول قتيبة ودخل على سليمان وعنده يزيد بن المهلّب، فدفع الكتاب الأوّل، فقرأه، ثمّ ألقاه إلى يزيد، ثمّ دفع إليه الكتاب الثاني [٥١٠] فقرأه ثمّ رمى به إلى يزيد، ثمّ أعطاه الكتاب الثالث فتمعّر [١] لونه ثمّ دعا بطين فختمه ثمّ أمسكه [بيده] [٢] . ثمّ أمر رسول قتيبة أن ينزل. فحوّل إلى دار الضيافة. فلمّا أمسى دعا به سليمان، فأعطاه صرّة فيها دنانير، فقال:
- «هذه جائزتك وهذا عهد صاحبك على خراسان، فسر، وهذا رسولي معك بعهده.» فخرج الباهلىّ و [معه] [٣] رسول سليمان. فلمّا كانا بحلوان تلقّاهما الناس بخلع قتيبة واضطراب الأمر. فدفع الرسول العهد إلى رسول قتيبة وانصرف هو.
ذكر عجلة قتيبة بالخلع وما دبّره من أمره
فأمّا قتيبة فإنّه لمّا همّ بالخلع استشار إخوته، فقال عبد الرحمان:
- «اقطع بعثا، فوجّه فيه كلّ من تخافه، ووجّه قوما إلى مرو وسر [٤] حتّى تنزل سمرقند، ثمّ قل لمن معك: من أحبّ المقام فله المواساة، ومن أراد الانصراف فغير مستكره ولا متبوع بسوء، فإنّه لا يقيم معك إلّا ناصح.»
стр. 985
وقال أخوه عبد الله:
- «اخلعه مكانك، وادع الناس إلى خلعه، فليس يختلف عليك رجلان.» فأخذ برأى عبد الله [٥١١] فخلع سليمان ودعا الناس إلى خلعه، وخطب:
- «أيها الناس، إنّى قد جمعتكم من عين التمر وفيض البحر، فضممت الأخ إلى أخيه والولد إلى أبيه، وقسمت بينكم فيئكم، وأجريت عليكم أعطياتكم غير مكدّرة ولا مؤخّرة، وقد جرّبتم الولاة [قبلي،] [١] أتاكم أميّة، فكتب إلى أمير المؤمنين أنّ خراج خراسان لا يقيم مطبخى، ثمّ جاءكم أبو سعيد [٢] ، فدوّم [٣] ثلاث سنين ولا تدرون: أفى طاعة أنتم أم فى معصية، لم يجب فيئا، ولا نكا عدوّا. ثمّ جاءكم بنوه بعده. فحل تنازى [٤] إليه النساء، وإنّما خليفتكم يزيد بن ثروان هبنّقة القيسي، فلم يجبه أحد..» فغضب وقال:
- «.. لا أعزّ الله من نصرتم، والله لو اجتمعتم على غير ما كسرتم قرنه يا أهل السافلة- ولا أقول العالية- يا أوباش الصدقة، جمعتكم كما تجمع إبل الصدقة من كلّ أوب، يا معشر بكر بن وائل، يا أهل النفح والكذب والبخل! بأىّ يوميكم تفخرون: بيوم حربكم، أم يوم سلمكم؟ يا أصحاب مسيلمة، يا بنى ذميم- ولا أقول: تميم- يا أهل الخور والقصف والغدر، كنتم تسمّون الغدر [٥١٢] فى الجاهليّة كيسا [٥] ، يا معشر عبد القيس القساة، تبدّلتم من أبر النخل أعنّة الخيل، يا
стр. 986
معشر الأزد تبدّلتم من [قلوس] [١] السفن أعنّة الحصن. الأعراب، وما الأعراب! يا كناسة المصرين، جمعتكم من منابت الشيخ [٢] والقيصوم ومنابت الفلفل، تركبون البقر والحمر فى جزيرة بنى كاوان [٣] ، حتّى إذا جمعتكم كما يجمع قزع [٤] الخريف، قلتم كيت وكيت. أما والله، لأعصبنّكم عصب السلمة [٥] . يا أهل خراسان! هل تدرون من واليكم؟ يزيد بن ثروان. كأنّى بأمير قد جاءكم، من جاء وحكم فغلبكم على فيئكم وظلالكم. إنّ هاهنا نارا ارموها أرم معكم، ارموا غرضكم الأقصى. قد استخلف عليكم أبو نافع ذو الودعات. الشام أب مبرور، والعراق أب مكفور، حتّى متى ينتطح أهل الشام بأفنيتكم وظلال دياركم. يا أهل خراسان! انسبوني تجدوني عراقىّ الأب، عراقىّ الأمّ، عراقىّ المولد، عراقىّ الهوى والرأى والدين، وقد أصبحتم اليوم فى ما ترون من الأمن والعافية وقد فتح الله لكم البلاد، وآمن سبلكم، فالظعينة تخرج [٥١٣] من مرو إلى بلخ بغير جواز، فاحمدوا الله على النعمة، وسلوه المزيد.» ثم نزل.
فأتاه أهل بيته، فقالوا:
- «ما رأينا كاليوم قطّ، والله، ما اقتصرت على العالية وهم شعارك ودثارك،
стр. 987
حتّى تناولت بكرا وهم أعضادك وأنصارك، ثمّ لم ترض بذلك حتّى تناولت تميما وهم إخوتك، ثمّ لم ترض حتّى تناولت الأزد وهم يدك.» فقال:
- «ويحكم! إنّى لمّا تكلّمت فلم يجيبوا غضبت، فلم أدر ما قلت. أما أهل العالية فكإبل الصدقة وقد جمعت من كلّ أوب، وأمّا بكر فإنّها أمة لا تمنع يد لامس، وأمّا تميم فجمل أجرب، وأمّا عبد القيس فما تضرب [١] العير بذنبه، وأمّا الأزد فأعلاج أشرار لو وسمتهم لما أثمت.» فغضب الناس من شتم قتيبة، فأجمعوا على خلافه، وكرهوا أيضا خلع سليمان. فكان أوّل من تكلّم فى ذلك الأزد. فأتوا حصين بن المنذر، فأبى أن يقبل رئاستهم فأرادوا أن يولّوا عبد الله بن ذودان الجهضمي، فأبى وتدافعوها، فرجعوا إلى حصين وقالوا:
- «قد تدافعنا الرئاسة، فنحن نولّيك أمرنا وربيعة [٥١٤] تخالفك.» قال:
- «لا ناقة لى فى هذا ولا جمل.» قالوا:
- «فما ترى؟» قال:
- «إن جعلتم هذه الرئاسة فى تميم تمّ أمركم.» قالوا:
- «فمن ترى من تميم؟» قال:
- «ما أرى أحدا غير وكيع.» فقال حيّان النبطىّ وكان حاضرا:
- «إنّ أحدا لا يتقلّد هذا الأمر ثمّ يصلى بحرّه ويبذل دمه ويتعرّض للقتل، فإن قدم أمير أخذه بما جنى وكان المهنأ لغيره إلّا هذا الأعرابى- يعنى وكيعا- فإنّه مقدام لا يبالى ما ركب ولا ينظر فى عاقبة، وله عشيرة كثيرة تطيعه [٢] ، وهو
стр. 988
موتور يطلب قتيبة برئاسته التي صرفها عنه وصيّرها لضرار بن حصين بن زيد الفوارس الضبىّ.» فمشى الناس بعضهم إلى بعض سرّا، وقيل لقتيبة:
- «ليس يفسر أمر الناس إلّا حيّان.» فأراد أن يغتاله. وكان حيّان كثير الملاطفة لحشم الولاة، فلا يخفون عنه شيئا.
فدعا قتيبة رجلا وأمره بقتل حيّان وسمعه بعض الخدم. فأتى حيّان فأخبره.
فأرسل إليه يدعوه، فحذر وتمارض. وأتى الناس وكيعا فسألوه أن يقوم بأمرهم، فقال:
- «نعم.» وتمثّل:
سأجنى ما جنيت وإنّ أمرى ... لمعتمد على نضد ركين [٥١٥]
وبخراسان يومئذ من المقاتلة من جميع القبائل نحو من خمسين ألفا ومن الموالي سبعة آلاف، وكان الذي يلي أمر الموالي حيّان. ويقال: إنه ديلمىّ، وقيل:
بل هو من خراسان، وإنّما قيل له نبطىّ للكنته [١] .
فأرسل حيّان إلى وكيع:
- «أرأيت إن كففت عنك وأعنتك، أتجعل لى جانب نهر بلخ خراجه ما دمت واليا؟» قال:
- «نعم.» فقال للعجم:
- «هؤلاء يقاتلون على غير دين، فدعوهم يقتل بعضهم بعضا.» قالوا:
- «نعم.»
стр. 989
فبايعوا وكيعا سرّا. فأتى ضرار بن حصين قتيبة، فقال له:
- «إنّ الناس يختلفون إلى وكيع ويبايعونه.» فكان وكيع يأتى منزل عبد الله بن مسلم الفقير أخى قتيبة فيشرب عنده، فقال عبد الله:
- «هذا يحسد وكيعا والحديث باطل. وكيع فى بيتي يشرب ويسكر ويسلح [١] فى ثيابه وهذا يزعم أنّهم يبايعونه.» وجاء وكيع إلى قتيبة، فقال:
- «احذر ضرارا، فإنّى لا آمنه عليك.» فأنزل قتيبة ذاك على الحسد الذي بينهما. وتمارض وكيع، فدسّ قتيبة ضرار بن سنان الضبّى إلى وكيع، فبايعه سرّا، فتبيّن لقتيبة أمره، فدعا ضرارا وقال له:
- «كنت صدقتني.» قال:
- «لم أخبرك إلّا بعلم، فأنزلت [٥١٦] ذلك منّى على الحسد.» قال:
- «صدقت.» فأرسل قتيبة إلى وكيع يدعوه. فوجده الرسول قد طلى على رجليه مغرة [٢] وعلّق عليها خرزا وعنده من يرقيه [٣] . فقال له:
- «أجب الأمير.» قال:
- «قد ترى ما برجلي.» فرجع الرسول إلى قتيبة، فأعاده إليه وقال:
стр. 990
- «ايتنى به محمولا على سرير.» قال:
- «لا أستطيع.» فقال قتيبة لشريك بن الصامت، وكان على شرطته، ولرجل آخر من غنىّ [١] :
- «انطلقا إلى وكيع فأتيا به، فإن أبى فاضربا عنقه.» ووجّه معهما خيلا فقال هريم بن طخفة [٢] :
- «أنا آتيك به أصلحك الله.» قال:
- «فانطلق.» قال هريم: فركبت برذوني وركضت مخافة أن يردّنى، فأتيت وكيعا وقد سبق إليه الخبر والخيل يأتيه.
فخرج وخرج معه هريم وهو على يمينه. ونادى وكيع فى الناس، فأقبلوا أرسالا من كلّ وجه، وأقبل فى الناس وهو يقول:
قرم إذا حمّل مكروهة ... شدّ الشراسيف لها والحزيم
وأمر قتيبة رجلا فقال:
- «ناد فى الناس: أين بنو عامر؟» فنادى:
- «أين بنو عامر؟» [٥١٧] فقال له مجفر [٣] بن جزء الكلابىّ:
- «وقد كان جفاؤهم حيث وضعتهم.» قال:
- «ناد: أذكّركم الله والرحم.» قال مجفر:
стр. 991
- «أنت قطعتها.» قال:
- «ناد لكم العتبى.» فناداه مجفر وغيره:
- «لا أقالنا الله إذا.» فدعا قتيبة ببرذون له مدرّب كان يلجأ إليه فى الزحوف [١] ، فقرّب إليه، فجعل يقمص حتّى أعياه. فلمّا رأى ذلك عاد إلى سريره وقال:
- «دعوه، هذا أمر يراد.» وجاء حيّان النبطي فى العجم، فوقف وقتيبة واجد عليه، فوقف معه عبد الله مسلم، وقال لحيّان:
- «احمل على أحد هذين الطرفين.» قال:
- «لم يأن لى ذلك.» فغضب عبد الله وقال:
- «ناولني قوسي.» فقال:
- «ليس هذا يوم قوس.» وأرسل وكيل إلى حيّان:
- «أين ما وعدتني؟» فقال حيّان لابنه:
- «إذا رأيتنى قد حوّلت قلنسوتي ومضيت، فمل بمن معك من العجم إلىّ.» ففعل، ومالت [٢] الأعاجم إلى عسكر وكيع، فكبّر أصحابه. وبعث قتيبة أخاه صالحا إلى الناس، فرمى بسهم فأصاب هامته، فحمل إلى قتيبة مائل الرأس،
стр. 992
وتهايج الناس، وأقبل عبد الرحمان بن مسلم نحوهم، فرماه أهل السوق [٥١٨] والغوغاء فقتلوه، ودنوا من قتيبة، فدعا بدابّة فأتى به، فلم يقرّ ليركبه، فقال:
- «إنّ له لشأنا.» ورجع فجلس، وجاء الناس حتّى بلغوا فسطاطه، فخرج عنه من كان حوله فقتل وقتل معه من بنى مسلم [١] أحد عشر رجلا سبعة منهم لصلب مسلم، وأربعة من بنى أبنائهم، فصلبهم وكيع، وهم: قتيبة، وعبد الرحمان وعبيد الله، وعبد الله الفقير، وصالح، ويسار [٢] ، ومحمد بنو مسلم، وكثير بن قتيبة، ومفلّس بن عبد الرحمان، ورجلان آخران، ولم ينج من صلب مسلم غير عمرو، وكان عامل الجوزجان، وضرار أخوه استنقذ أخواله، وكانت أمّه الغرّاء بنت ضرار بن القعقاع بن معبد بن زرارة. وسقطت على قتيبة يوم قتل جارية له خوارزميّة، فوضعت بعد ليزيد بن المهلّب، فأخذها، فهي أمّ خليدة.
ولمّا قتل قتيبة صعد وكيع المنابر، فعلم منه أنّه يأتى بآبدة [٣] وهوجة [٤] .
فصعد معه عمارة بن خئيّه [٥] ، فتكلّم فأكثر، فقال وكيع:
- «دعنا من هذرك وقذرك.» وتكلّم وكيع فقال:
- «مثلي ومثل قتيبة، ما قال الأوّل:
стр. 993
من ينك العير ينك نيّاكا [٥١٩]
من أىّ يوميك من الموت تفرّ ... أيوم لم يقدر، أم يوم قدر
«.. أراد قتيبة أن يقتلني وأنا قتّال، والله لأقتلنّ ثمّ لأقتلنّ، ثمّ لأصلبنّ. إنّى لوالغ دماء، إلّا أنّ مرزبانكم هذا ابن الزانية قد أغلى أسعاركم، والله ليصيرنّ القفيز فى السوق غدا بأربعة، أو لأصلبنّه. صلّوا على نبيّكم صلّى الله عليه.» ثم نزل.
وطلب وكيع رأس قتيبة وخاتمه، فقيل له:
- «إنّ الأزد أخذته.» فخرج وكيع وهو يقول:
- «دهدرّين سعد القين! [١] والله الذي لا إله غيره لا أبرح حتّى أوتى بالرأس، أو يذهب برأسى معه.» ودعا بخشب، فقال:
- «إنّ هذه الخيل لا بدّ لها من فرسان يتهدّد بالصلب.» فقال له حصين:
- «يا أبا مطرّف، توتى به فاسكن.» وذهب حصين إلى الأزد، وهو سيّدهم، فقال:
- «أحمقى أنتم؟ بايعناه وأعطيناه المقادة وعرّض نفسه، ثمّ تأخذون الرأس! أخرجوه، لعنه الله من رأس!»
стр. 994
فجاؤوه به، فوهب لمن جاء به ثلاثة آلاف درهم. وبعث بالرأس مع رجال من القبائل وعليهم [٥٢٠] سليط، ولم يبعث من بنى تميم أحدا.
ووفّى لحيّان النبطي بما كان وعده به.
فقال رجل من عجم خراسان:
- «يا معشر العرب! قتلتم قتيبة، والله لو كان منّا ثمّ مات فينا لجعلناه شهيدا وحفظنا تابوته إلى الحشر نستفتح به إذا غزونا.» وقال الإصبهبذ يوما لرجل:
- «يا معشر العرب! قتلتم قتيبة ويزيد وهما سيّد العرب.» قال:
- «نعم، فأيّهما كان أهيب فى صدوركم وأعظم قدرا عندكم؟» فقال له الإصبهبذ:
- «لو كان قتيبة بالمغرب بأقصى جحر به مكبّلا بالحديد ويزيد معنا فى بلادنا وال علينا، لكان قتيبة أهيب فى صدورنا وأعظم من يزيد.» ورثى الشعراء قتيبة، فأكثروا.
وولّى سليمان يزيد بن المهلّب العراق مكان الحجّاج حربها وخراجها وصلاتها
. ذكر رأى رءاه يزيد لنفسه عاد مكروها عليه
فكرّ يزيد فى نفسه فقال:
- «إنّ العراق قد أخربها الحجّاج، وأنا اليوم رجاء أهل العراق، ومتى قدمتها وأخذت الناس بالخراج وعذّبتهم عليه صرت [٥٢٠] [١] مثل الحجّاج وأعيد عليهم مثل تلك السجون التي قد عافاهم الله منه أو متى لم آت سليمان بمثل
стр. 995
ما جاء به الحجّاج لم يقبل منّى.» فأتى يزيد سليمان وقال له:
- «أدلّك على رجل بصير بالخراج تولّيه إيّاه فتكون أنت الذي تأخذه به؟» قال:
- «نعم.» قال صالح بن عبد الرحمان: قال:
- «قد قبلنا رأيك.» وولّاه. فأقبل يزيد إلى العراق وتقدّم صالح فنزل واسطا. فلمّا قدم يزيد خرج الناس يتلقّونه. وقيل لصالح:
- «هذا يزيد وقد خرج الناس يتلقّونه.» فلم يخرج حتّى قرب يزيد من المدينة، فخرج صالح عليه درّاعة وبين يديه أربعمائة من أهل الشام، فلقى يزيد فسايره، فلمّا دخل المدينة، قال له صالح:
- «قد فرّغت لك هذه الدار.» وأشار إلى دار. فنزلها يزيد واحتمل ذلك، ثمّ ضيّق صالح على يزيد فلم يملكه شيئا.
واتخذ يزيد ألف خوان يطعم الناس عليها، فأخذها صالح. فقال له يزيد:
- «أكتب علىّ ثمنها.» واشترى متاعا كثيرا وصكّ صكاكا إلى صالح لباعتها فلم ينفذ. فرجعوا إلى يزيد، فغضب وقال:
- «هذا عملي بنفسي.» فلم يلبث [أن جاء] [١] صالح، فأوسع له يزيد، فجلس وقال ليزيد:
стр. 996
- «ما هذه [٥٢١] الصكاك التي لا يقوم لها الخراج. قد أنفذت لك منذ أيّام صكا بمائة ألف [٠٠٠، ١٠٠] درهم وعجّلت لك أرزاقك، ثمّ سألت مالا للجند، فأعطيتك، فهذا لا يقوم له شيء ولا يرضى به أمير المؤمنين وتؤخذ به.» فقال له يزيد:
- «يا با الوليد، أجز هذه الصكاك هذه المرّة.» قال:
- «فإنّى أجيزها، فلا تكثرنّ علىّ.» قال:
- «لا.» وضجر يزيد بصالح [١] ، فكان لا يصل معه إلى شيء. فدعا عبد الله بن الأهتم، فقال له:
- «إنّى أريدك لأمر قد أهمّنى فأحبّ أن تكفينيه ولك مائة ألف.» قال:
- «مرني بما شئت.» قال:
- «أنا فى ما ترى من الضيق، قد أضجرنى ذلك، وبلغني أنّ أمير المؤمنين ذكر خراسان لعبد الملك أخى، فاخرج واحتل حتّى يسمّيها لى.» قال:
- «أفعل، سرّحنى إلى أمير المؤمنين فى بعض الأمور فإنّى أرجو أن آتيك بعهدك عليها.»
ما احتال به الأهتم حتّى قلّد يزيد خراسان
فكتب معه يزيد كتابين إلى سليمان وذكر فى أحدهما أمر العراق وأثنى فيه على ابن الأهتم وعلمه بها. ثمّ وجّهه على البريد وأعطاه ثلاثين ألفا، فسار سبعا.
[٥٢٢] ثمّ قدم على سليمان فباسطه سليمان وحادثه وقال له:
- «إنّ يزيد بن المهلّب كتب إلىّ يذكّر علمك بالعراق وبخراسان، فكيف علمك
стр. 997
بها [١] ؟» قال:
- «يا أمير المؤمنين، بها ولدت وبها نشأت، فلي بها خبر وعلم.» قال:
- «ما أحوج أمير المؤمنين إلى مثلك، فأخبرنى عن خراسان.» قال:
- «أمير المؤمنين أعلم بمن يريد أن يولّى، فإن ذكر أحدا أخبرته برأى فيه: هل يصلح أم لا.» فسمّى سليمان رجلا من قريش. فقال:
- «يا أمير المؤمنين، ليس من رجال خراسان.» قال:
- «فعبد الملك بن المهلّب.» قال:
- «ولا هو.» حتّى عدّد رجالا كان فى آخرهم وكيع بن أبى سود. فقال:
- «يا أمير المؤمنين، ما أحد أوجب شكرا ولا أعظم عندي يدا من وكيع. لقد أدرك بثأرى وشفاني من عدوّى، ولكنّ أمير المؤمنين أعظم حقّا علىّ وإنّ النصيحة تلزمني له. إنّ وكيعا لم يجتمع له قطّ ثلاثمائة عنان إلّا حدّث نفسه بغدرة. خامل [٢] فى الجماعة نابه [٣] فى الفتنة.» قال:
- «صدقت. ويحك! فمن لها؟» قال:
- «رجل أعلمه لم يسمّه أمير المؤمنين.» قال:
- «فمن هو؟» قال:
- «لا أبوح به إلى أن يضمن أمير المؤمنين ستر ذلك علىّ وأن يجيرني [٤] منه إن
стр. 998
علم.» قال:
- «نعم، سمّه لى من هو؟» قال:
- «يزيد بن المهلّب.» [٥٢٣] قال:
- «ويحك! ذاك بالعراق، والمقام بها أحبّ إليه من المقام بخراسان.» قال:
- «قد علمت يا أمير المؤمنين، ولذلك استجرت [١] بك، ولكن تكرهه على ذلك، فتستخلف على العراق، ويسير هو.» قال:
- «أصبت.» فكتب عهده على خراسان، وأنفذه إليه على يد ابن الأهتم. فقدم به على يزيد، فدعا يزيد ابنه مخلدا، فقدّمه إلى خراسان، فسار من يومه، ثمّ سار يزيد، واستخلف على واسط الجرّاح بن عبد الله الحكمي، وعلى البصرة عبد الله بن هلال الكوفي، وصيّر مروان بن المهلّب على أمواله وأموره بالبصرة، وكان أوثق إخوته عنده، وعلى الكوفة بشير بن حسّان النهدي. ولمّا قرب مخلد من مرو تلقّاه الناس، فتثاقل وكيع، وكان مخلد قدّم عمرو بن عبد الله بن سنان العتكي حين دنا من مرو. فأرسل عمرو بن عبد الله إلى وكيع:
- «انطلق إلى أميرك فتلقّه [٢] ولا تكن أعرابيّا أحمق جافيا.» وأخرجه على كره. فلمّا بلغ الناس إلى مخلد ترجّلوا له غير وكيع ومحمد بن حمران وعبّاد بن لقيط. فجاءهم قوم، فأنزلوهم.
ولمّا قدم مخلد مرو حبس وكيعا، فعذّبه وأصحابه قبل [٥٢٤] قدوم أبيه.
فتحدّث إدريس بن حنظلة قال: لمّا قدم مخلد مرو حبسني، فجاءني ابن الأهتم، فقال لى:
стр. 999
- «أتريد أن تنجو؟» قلت:
- «نعم.» قال:
- «أخرج الكتب التي كتبها القعقاع بن خليد العبسي وخريم [١] بن عمرو المرّى إلى قتيبة فى خلع سليمان.» فقلت له:
- «يا بن الأهتم إيّاى تخدع عن ديني؟» قال: فدعا بطومار وقال:
- «إنّك أحمق.» وكتب كتبا عن لسان القعقاع ورجال من قريش إلى قتيبة:
- «إنّ الوليد قد مات وإنّ سليمان باعث هذا المزونىّ [٢] على خراسان، فاخلعه.» فقلت:
- «يا بن الأهتم تهلك والله نفسك. لئن دخلت عليه لأعلمنّه أنّك كتبتها.» فلم يحفل وقال:
- «قد قلت: إنّك أحمق.»
ذكر حيلة تمّت على مسلمة بن عبد الملك فى هذه السنة بأرض الروم حتّى كاد يهلك هو والمسلمون
كان وجّه أخاه مسلمة إلى قسطنطينية وأمره أن يقيم عليها حتّى يفتحها أو يأتيه أمره. فشتا [٣] بها وصاف، وذلك أنّه لمّا دنى من قسطنطينية أمر كلّ فارس أن يحمل على عجز فرسه مدّين من طعام حتّى يأتى به قسطنطينية. [٥٢٥] فأمر
стр. 1000
بالطعام فألقى ناحية مثل الجبال. ثمّ قال للمسلمين:
- «لا تأكلوا منه شيئا.» فغبروا [١] فى أرضهم وازدرعوا، وعمل بيوتا من خشب، فشتا فيها، وزرع الناس. ومكث ذلك الطعام فى الصحراء لا يكنّه شيء طول الصيف، والناس يأكلون مما أصابوا من الغارات، ثمّ أكلوا من الزرع.
فأقام مسلمة على قسطنطينية قاهرا لأهلها ومعه وجوه أهل الشام. واتفق موت ملك الروم، فراسلوا إليون صاحب أرمينية، فشخص إليون من أرمينية ومكر فى طريقه بمسلمة، ووعده أن يسلّم إليه قسطنطينية، وكانت قد راسلت الروم إليون:
- «إن صرّفت عنّا مسلمة ملّكناك.» ووثّقوا له. فلمّا أتى إليون مسلمة، قال له:
- «إنّك لا تصدقهم القتال ولا تزال تطاولهم ما دام هذا الطعام عندك، وقد أحسّوا بذلك، فلو أحرقت الطعام أعطوا بأيديهم.» فأحرقه، ووجّه مسلمة معه من شيّعه حتّى نزل بقسطنطينية، وملّكه الروم.
فكتب إلى مسلمة يخبره بما جرى من أمره ويسأله أن يأذن له حتّى يدخل من الطعام من النواحي، [٥٢٦] [وما] [٢] يعيش به القوم ويصدّقونه بأنّ أمره وأمر مسلمة واحد وأنّهم فى أمان من [السباء] والخروج من بلادهم، وأن يأذن لهم ليلة واحدة فى حمل الطعام وقد [هيّأ] إليون السفن والرجال. فأذن له، فما بقي
стр. 1001
فى تلك الحظائر إلّا ما لا يذكر، حمل [فى] ليلة واحدة، وأصبح إليون محاربا وقد خدعه خديعة لو كان امرأة لعيب [بها] [١] . فلقى الجند ما لم يلق جند قطّ، حتّى إن كان الرجل ليخاف أن يخرج من عسكره وحده. وأكلوا الدوابّ والجلود وأصول الشجر والعروق [و] الورق، وكلّ شيء حتّى الروث، وسليمان مقيم بدابق ونزل الشتاء، فلم يقدر [على] أن يمدّهم حتّى هلك سليمان.
سليمان يحرّض يزيد بذكر فتوح قتيبة
فأمّا يزيد بن المهلّب فإنّه أقام ثلاثة أشهر، وكان سليمان بن عبد الملك كلّما افتتح قتيبة فتحا قال ليزيد بن المهلّب:
- «أما ترى ما صنع الله على يدي قتيبة؟» فيقول له يزيد بن المهلّب:
- «ما فعلت جرجان [التي] حالت بين الناس والطريق الأعظم وأفسدت قومس وأبر شهر.» ويقول:
- «هذه الفتوح ليست بشيء فى جرجان.» وكذلك كانت حال جرجان، لأنّ سعيد بن العاص [٥٢٧] كان صالح أهل جرجان. ثمّ إنّهم امتنعوا وكفروا، ولم يأتهم أحد بعد سعيد، ومنعوا ذلك الطريق.
فلم يكن يسلك طريق خراسان من ناحيته إلّا بوجل وخوف. كان الطريق من فارس إلى كرمان، فأوّل من صيّر الطريق من قومس قتيبة بن مسلم. ثمّ غزا مصقلة خراسان فى أيّام معاوية فى عشرة آلاف، فأصيب هو وجنده بالرّويان، فهلكوا فى واد من أوديتها، أخذ العدوّ عليهم بمضائقه، فقتلوا جميعا، فهو يسمّى:
وادي مصقلة، وكان يضرب به المثل: «حتّى يرجع مصقلة من خراسان» .
стр. 1002
اهتمام يزيد بن المهلّب بجرجان
فلمّا ولى يزيد بن المهلّب لم تكن له همّة غير جرجان. فخرج إلى دهستان [١] ، وبها صول التركىّ مع الأتراك، وهناك جزيرة فى البحر بينها وبين دهستان خمسة فراسخ، وهي من جرجان ممّا يلي خوارزم. فكان صول يغير على فيروز مرزبان جرجان، وبينهما خمسة وعشرون فرسخا، فيصيب من أطرافهم، ثمّ يرجع إلى البحيرة ودهستان.
فوقع بين فيروز وبين ابن عمّ له يقال له: المرزبان، منازعة، فاعتزله المرزبان، فنزل المياسان [٢] ، فخاف فيروز أن يغير عليه الترك، فخرج إلى يزيد بن المهلّب [٥٢٨] وأخذ صول جرجان. فلمّا قدم على يزيد بن المهلّب قال له:
- «ما أقدمك؟» قال:
- «خفت صولا فهربت منه.» فقال له يزيد:
- «هل من حيلة لقتاله؟» قال:
- «نعم، وشيء واحد إن ظفرت به قتلته، أو أعطى بيده.» قال:
- «ما هو؟» قال:
- «أن يخرج من جرجان حتّى ينزل البحيرة، فإن أتيته هناك وحاصرته ظفرت به، فاكتب إلى الإصبهبذ كتابا تسأله فيه أن يحتال لصول حتّى يقيم بجرجان، واجعل على ذلك جعلا [٣] ومنّه، فإنّه يبعث بكتابك إلى صول يتقرّب به إليه، لأنّه يعظّمه، فيتحوّل على جرجان فينزل البحيرة.»
стр. 1003
ذكر هذه الحيلة التي احتال بها يزيد بمشورة فيروز حتّى ظفر به
فكتب يزيد بن المهلّب إلى صاحب طبرستان:
- «إنّى أريد أن أغزو صولا وهو بجرجان، فخفت، إن بلغه أنّى أريد ذلك أن يتحوّل إلى البحيرة فينزلها، وإن يتحوّل إليها لم يقدر عليه، وهو يسمع منك ويستنصحك، فإن حبسته العام بجرجان، فلم يأت البحيرة، حملت إليك خمسين ألف مثقال، فاحتل له بكلّ حيلة حتّى تحبسه بجرجان، فإن أقام ظفرت به.» فلمّا أتى الإصبهبذ الكتاب تقرّب به إلى صول. فلمّا أتى [٥٢٩] صولا الكتاب أمر الناس بالرحيل إلى البحيرة، وحمل الأطعمة ليتحصّن بها وبلغ يزيد مسيره من جرجان إلى البحيرة، وحمل الأطعمة ليتحصّن بها. فخرج إلى جرجان فى ثلاثين ألفا ومعه فيروز، واستخلف على خراسان مخلد بن يزيد، وعلى سمرقند وكسّ ونسف وبخارى ابنه معاوية، وعلى طخارستان حاتم بن قبيصة بن المهلّب.
دخول يزيد بن المهلّب جرجان
وأقبل حتّى أتى جرجان ولم تكن يومئذ مدينة، إنّما هي جبال محيطة بها أبواب ومخارم يقوم عليها الرجل فلا يقدم عليه أحد. فدخلها يزيد لم يعازّه أحد، وأصاب أموالا، وهرب المرزبان عمّ فيروز، وخرج يزيد بالناس إلى البحيرة، وأناخ على صول، فحاصرهم، وكان صول يخرج إليه فى الأيّام فيقاتله ثمّ يرجع إلى حصنه، حتّى عجزوا وانقطعت عنهم المواد.
فأرسل إليه صول يطلب الصلح، فقال يزيد:
- «لا إلّا على حكمى.»
стр. 1004
فأبى. فأرسل إليه:
- «إنّى أصالحك على نفسي ومالي وثلاثمائة من أهل بيتي وخاصّتى على أن تؤمننا فننزل [١] البحيرة.» فأجابه إلى ذلك. فخرج بماله وغلمانه ممّن أحبّ، وصار مع يزيد. فقتل يزيد من الأتراك جماعة صبرا ومن على آخرين، وقال الجند ليزيد:
- «أعطنا أرزاقنا.» فدعا [٥٣٠] إدريس بن حنظلة العمّى، فقال له:
- «يا بن حنظلة، أحص لنا ما فى البحيرة حتّى نعطى الجند.» فدخلها إدريس فلم يقدر على إحصاء ما فيها، فقال ليزيد:
- «فيها ما لا يستطاع إحصاؤه فى هذه السرعة. وهناك ظروف. فتحصى الجواليق وتعلم ما فيها، ثمّ تقول للجند: أدخلوا فخذوها. فمن أخذ شيئا عرفنا ما أخذ من حنطة، أو شعير، أو أرز، أو سمسم، أو عسل، فأثبتناه عليه.» قال:
- «نعم ما رأيت.» ففعلوا ذلك، وقال للجند:
- «خذوا.» فكان الرجل يخرج وقد أخذ ثيابا أو طعاما، أو حمل من شيء فيكتب على كلّ رجل ما أخذ، فأخذوا شيئا كثيرا.
طمع يزيد بن المهلّب فى طبرستان
ولمّا فرغ يزيد من صول طمع فى طبرستان أن يفتتحها، وهمّ بالمسير إليها.
فاستعمل عبد الله المعمر اليشكري على دهستان البياسان، وضمّ إليه أربعة آلاف
стр. 1005
رجل، وسار إلى آخر حدود جرجان مما يلي طبرستان، فاستعمل اندرشان [١] أسد بن عمرو، ويقال: بل ابنا لعبد الله بن المعمّر وضمّ إليه أربعة آلاف، ودخل يزيد بلاد الإصبهبذ، فراسله الإصبهبذ يسأله الصلح، وأن يخرج من طبرستان ولا يتوغّلها. فأبى يزيد، ورجا أن يفتتحها. فوجّه أخاه [٥٣١] أبا عيينة من وجه وخالد بن يزيد من وجه وأبا الجهم الكلبي من وجه. وقال:
- «إذا اجتمعتم فأبو عيينة على الناس.» فسار أبو عيينة فى أهل المصرين ومعه هريم بن أبى طحمة، ووصّى يزيد أبا عيينة بأن يشاور هريما وقال:
- «هو ناصح وذو رأى.» وأقام يزيد معسكرا واستجاش الإصبهبذ بأهل جيلان والديلم، فأتوه والتقوا فى سفح جبل، فانهزم المشركون، واتبعهم المسلمون حتّى انتهوا إلى فم الشعب، فدخله المسلمون وصعد المشركون واتّبعهم المسلمون، فرماهم وهم فوقهم بالحجارة والنشّاب، فانهزم أبو عيينة والمسلمون، فركب بعضهم بعضا يتساقطون من الجبل، فلم يثبتوا حتّى انتهوا إلى عسكر يزيد، وكفّ العدوّ عن اتّباعهم.
وكتب الإصبهبذ إلى المرزبان ابن عمّ فيروز وهو بأقصى جرجان مما يلي البياسان:
- «إنّا قد قتلنا يزيد وأصحابه، فاقتل [٢] أنت من فى البياسان من العرب.» فخرج إلى البياسان والمسلمون غارّون فى منازلهم فقتلوا جميعا فى ليلة.
وأصبح عبد الله بن المعمّر مقتولا فى أربعة آلاف من المسلمين لم ينج منهم أحدا [٥٣٢] وقتل من بنى عمّ يزيد خمسون رجلا، وكتب المرزبان إلى الإصبهبذ:
стр. 1006
- «إنّى قد قتلت من عندي من العرب، فخذ أنت المضائق والطرق على من بقي منهم قبلك.» وبلغ يزيد والمسلمين مقتل عبد الله بن المعمّر وأصحابه، فأعظموا ذلك وهالهم.
ففرغ يزيد إلى حيّان النبطىّ وقال:
- «لا يمنعنّك ما كان منّى إليك من نصيحة المسلمين.» وكان يزيد قد غرّم حيّان مائتي ألف درهم- وسنذكر ذلك- وشكا يزيد إليه ما يرى بالمسلمين من الوهن بما بلغهم عن جرجان ثمّ بما أخذ عليهم الإصبهبذ من الطرق، وقال له:
- «اعمل فى الصلح.» قال:
- «أفعل.» فأتى حيّان الإصبهبذ وقال له:
- «أنا رجل منكم وإن كان الدين فرّق بيني وبينكم، وأنا لك ناصح، فإنّك أحبّ إلىّ على كلّ حال من يزيد، وقد بعث يستمدّ وأمداده منه قريبة، وإنّما أصابوا منه طرفا، ولست آمن أن يأتيك ما لا تقوم له. فأرح نفسك منه وصالحه، فإنّك إن صالحته صيّر حدّه على أهل جرجان بغدرهم وقتلهم من قتلوا.» فقبل الإصبهبذ منه وصالحه على سبعمائة ألف [٠٠٠، ٧٠٠] ، ويروى خمسمائة ألف [٥٣٣] وأربعمائة وقر زعفران أو قيمته من العين وأربعمائة رجل على يد كلّ رجل جام فضّة وسرقة حرير [١] وكسوة. ثمّ رجع إلى يزيد وقال:
- «ابعث من يحمل صلحهم الذي صالحتهم عليه.» قال:
- «من عندهم، أو من عندنا؟» قال:
- «من عندهم.» وكان يزيد قد طابت نفسه أن يعطيهم ما سألوا ويرجع إلى جرجان. فبعث من
стр. 1007
يحمل ما صالحهم عليه حيّان، وانصرف إلى جرجان.
فأمّا سبب تغريم يزيد حيّان مائتي ألف درهم وخوفه أنّه لا يناصحه، فهو أنّ مخلد بن يزيد كان ببلخ ويزيد يومئذ بمرو، وعرض لحيّان ما احتاج فيه إلى مكاتبة مخلد. فأحضر كاتبه وأملى عليه:
- «من حيّان مولى مصقلة إلى مخلد بن يزيد.» فقال له ابنه مقاتل بن حيّان:
- «يا أبه [١] تكتب إلى مخلد وتبدأ بنفسك.» فقال:
- «نعم يا بنىّ. فإن لم يرض لقى ما لقى قتيبة.» وتمّم كتابه وأنفذه إلى مخلد. فبعث مخلد بالكتاب إلى أبيه يزيد فأغرمه يزيد مائتي ألف درهم.
يزيد بن المهلّب يفتح جرجان الفتح الآخر
ثم إنّ يزيد بعد انصرافه من طبرستان ومصالحة الإصبهبذ قصد جرجان وأعطى الله عهدا لئن ظفر بهم ألّا يقلع عنهم ولا يرفع السيف [٥٣٤] حتّى يطحن بدمائهم ويختبز من ذلك الطحين ويأكل منه لغدرهم بجنده ونقضهم لعهده.
فلمّا بلغ المرزبان أنّه قد صالح الإصبهبذ وتوجّه إلى جرجان ضاقت به الأرض، فجمع أصحابه وأتى وجاة [٢] وتحصّن فيها وصاحبها لا يحتاج إلى عدّة من طعام وشراب، وأقبل حتّى نزل عليها وهم متحصّنون فيها وحولها غياض عظيمة، فليس يعرف لها إلّا طريق واحد. فأقام على ذلك سبعة أشهر لا يقدر منهم على شيء ولا يعرف لهم ما يأتى إلّا من وجه واحد، فكانوا يخرجون إليه
стр. 1008
فى الأيّام ويقاتلونه ثمّ يرجعون إلى حصنهم.
فبيناهم على ذلك إذ خرج رجل من عسكر يزيد بن المهلّب إلى الصيد ومعه شاكريّة له، فأبصر وعلا فى الطريق يرقى [١] فى الجبل فاتّبعه وقال لمن معه:
- «قفوا مكانكم.» ووقل فى الجبل يتبع الوعل، فما شعر بشيء حتّى اطّلع على عسكر العدوّ، فرجع يريد أصحابه وخاف ألّا يهتدى إن عاد، فجعل يحرق قباءه وعمامته، ويعقد على الشجر علامات حتّى ظفر بأصحابه ينتظرون. [٥٣٥] ثمّ رجع إلى العسكر وأتى من أوصله إلى يزيد.
فلمّا رءاه يزيد قال:
- «ما عندك؟» فقال:
- «أتريد أن تدخل وجاة [٢] بغير قتال؟» قال:
- «نعم.» قال:
- «جعالتى؟» قال:
- «احتكم.» قال:
- «أربعة آلاف.» قال:
- «بل أضعافها.» قال:
- «عجّلوا إلى أربعة آلاف، ثمّ أنتم بعد من وراء الأحساب.» فأمر له بأربعة آلاف، وندب الناس، فانتدب ألف وأربعمائة، فقال:
- «الطريق لا يحتمل هذه الجماعة، لا لتفاف الغياض [٣] .»
стр. 1009
فاختار منهم ثلاثمائة رجل، واستعمل عليهم ابنه خالد بن يزيد، وضمّ إليه جهم بن زحر، وقال لابنه:
- «إن غلبت على الحياة، فلا تغلبنّ على الموت، وإيّاك أن أراك عندي منهزما.» وقال للناس:
- «إذا وصلتم إلى المدينة فانتظروا حتّى إذا كان فى السحر فكبّروا، ثمّ توجّهوا نحو باب المدينة فإنّكم تجدوني قد نهضت بجميع الناس إلى بابها.» فلمّا أشرف ابن زحر على المدينة أمهل حتّى إذا كانت الساعة التي أمره يزيد أن ينهض فيها، مشى بأصحابه، فأخذ لا يستقبل من أحراسهم أحدا [١] إلّا قتله.
وكبّر ففزع أهل المدينة فزعا لم يدخلهم مثله قطّ، لم يرعهم [٥٣٦] إلّا والمسلمون معهم فى مدينتهم يكبّرون. فدهشوا وأقبلوا لا يدرون أين يتوجّهون.
غير أنّ عصابة منهم أقبلوا نحو جهم بن زحر، فقاتلوا ساعة فدقّت يد جهم وصبر لهم هو وأصحابه، فلم يلبّثوهم إلّا قليلا حتّى قتلوهم.
يزيد بن المهلّب يدخل باب جرجان ويبرّ يمينه فى أهلها
وسمع يزيد بن المهلّب التكبير، فوثب فى الناس إلى الباب، فوجدهم قد شغلهم جهم بن زحر عن الباب، فلم يجد من يمنعه ولا يدفع عنه كبير دفع. ففتح الباب ودخلها من ساعته، فأخرج من كان فيها من المقاتلة، فنصب لهم الجوذع فرسخين عن يمين الطريق وعن يساره، فصلبهم أربعة فراسخ وسبى وأصاب ما كان فيها وقاد أربعين ألفا [٠٠٠، ٤٠] إلى اندر هرز وادي جرجان وقال:
- «من طلبهم بثأر فليقتل.»
стр. 1010
فكان الرجل من المسلمين يقتل الجماعة فى الوادي، وأجرى الماء على الدم وعليه أرحاء، ليطحن بدمائهم ولتبرّ يمينه، فطحن واختبز وأكل. وهي مدينة جرجان، ولم يكن جرجان يومئذ مدينة.
وكتب بذلك إلى سليمان بن عبد العزيز بالفتح، وعظّم [٥٣٧] ذلك قال:
- «إنّ الله فتح لأمير المؤمنين من جرجان وطبرستان ما أعيا سابور ذا الأكتاف، وكسرى بن قباذ، وكسرى بن هرمز، وأعيا الفاروق عمر بن الخطّاب، وعثمان بن عفّان، ومن بعدهما من خلفاء الله.» وكتب فى الكتاب [١] أن:
- «قد صار عندي من خمس ما أفاء الله على المسلمين بعد أن صار إلى كلّ ذى حقّ حقّه من الفيء والغنيمة ستّة آلاف ألف [٠٠٠، ٠٠٠، ٦] وأنا حامل ذلك إلى أمير المؤمنين إن شاء الله.»
ذكر رأى أشير به على يزيد بن المهلّب فلم يقبله فعاد وبالا عليه
فقال له كاتبه المغيرة بن أبى قرّة:
- «لا تكتب بتسمية مال، فإنّك من ذلك بين أمرين: إمّا استكثره فأمرك بحمله، وإمّا سخت نفسه بذلك به فسوّغكه فتتكلّف له الهديّة ولا يأتيه من قبلك شيء إلّا استقلّه، ويحصّل الكتّاب ما سمّيته فى دواوينهم فيبقى مخلدا عليك، فإن ولى وال بعده أخذك به، وإن ولى من يتحامل عليك لم يرض منك بأضعافه، فلا تمض كتابك، ولكن اكتب بالتفح وسله القدوم عليه، ثمّ تشافهه بما أحببت وتقصّر فى الكتاب. [٥٣٨] فإنّك إن تقصّر عمّا أصبت أحرى من أن تكثّر.»
стр. 1011
فأبى يزيد وأمضى الكتاب.
ودخلت سنة تسع وتسعين
وفيها توفّى سليمان بن عبد الملك يوم الجمعة لعشر ليال مضين من صفر.
فكانت خلافته سنتين وسبعة أشهر. وكانوا يتبرّكون به ويسمونه مفتاح الخير، وذاك أنّه ذهب عنهم الحجّاج، فأطلق الأسرى وخلّى أهل السجون وأحسن إلى الناس.
стр. 1012
خلافة عمر بن عبد العزيز
واستخلف سليمان بن عبد الملك عمر بن عبد العزيز على ما سنحكيه. وهو أنّه لمّا مرض مرضته التي مات فيها، عهد فى كتاب كتبه لبعض بنيه وهو غلام لم يبلغ.
قال رجاء بن حبوة [١] : فقلت:
- «ما تصنع يا أمير المؤمنين، إنّه ممّا يحفظ به الخليفة فى قبره أن يستخلف على المسلمين الرجل الصالح.» فقال سليمان:
- «أنا أستخير الله وأنظر فيه، ولم أعزم عليه.» قال: فمكث يوما أو يومين، ثمّ خرّقه ودعاني، فقال:
- «ما ترى فى داود بن سليمان؟» يعنى ابنه. قلت:
- «هو غائب عنك بقسطنطينية وأنت لا تدرى أحيّ [٥٣٩] هو أم ميّت.» فقال لى:
- «فمن ترى؟» قلت:
стр. 1013
- «رأيك يا أمير المؤمنين.» - «وأنا أريد أن أنظر من يذكر [١] .» قال:
- «كيف ترى فى عمر بن عبد العزيز؟» فقلت:
- «أعلمه والله خيّرا فاضلا مسلما.» فقال:
- «هو والله على ذلك.» ثم قال:
- «والله، لئن ولّيته ولم أولّ أحدا سواه، لتكوننّ فتنة، ولا يتركونه يلي أبدا عليهم إلّا أن يجعل أحدهم بعده.» ويزيد بن عبد الملك يومئذ غائب على الموسم. قال:
- «فأجعل يزيد بن عبد الملك بعده، فإنّ ذلك ممّا يسكّنهم ويرضون به.» قلت:
- «رأيك.» فكتب:
- «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من عبد الله بن سليمان أمير المؤمنين لعمر بن عبد العزيز. إنّى ولّيتك الخلافة من بعدي. ومن بعدك يزيد بن عبد الملك.
فليسمع المؤمنون له وليطيعوا، وليتّقوا الله ولا يختلفوا، فيطمع فيهم.» وختم الكتاب، وبعث به إلى صاحب شرطته يأمره أن يجمع أهل بيته ولمّا اجتمعوا قال سليمان لرجاء:
- «اذهب بكتابي إليهم، فأخبرهم أنّه كتابي، ومرهم فليبايعوا من ولّيت فيه.» ففعل رجاء. فلمّا قال رجاء ذلك لهم قالوا: [٥٤٠]- «ندخل ونسلّم على أمير المؤمنين.» قال:
- «نعم.»
стр. 1014
فدخلوا. فقال لهم سليمان:
- «فى هذا الكتاب- وهو يشير لهم إليه وهم ينظرون إلى يد رجاء بن حبوة- عهدي. فاسمعوا وأطيعوا وبايعوا لمن سمّيت فى هذا الكتاب.» فبايعوه رجلا رجلا.
قال: ثمّ خرج بالكتاب مختوما.
قال رجاء: فلمّا تفرّقوا جاءني عمر بن عبد العزيز، فقال [١] :
- «إنّى أخشى أن يكون هذا قد أسند إلىّ شيئا من الأمر. فأنشدك الله وحرمتي ومودّتى إلّا أعلمتنى إن كان ذلك حتّى أستعفيه الآن قبل أن تأتى حال لا أقدر فيها على ما أقدر عليه الساعة.» قال رجاء:
- «لا والله، ما أنا بمخبرك حرفا.» فذهب عمر غضبان.
قال رجاء: ولقيني هشام بن عبد الملك، فقال:
- «يا رجاء، إنّ لى بك حرمة ومودّة قديمة وعندي شكر، فأعلمنى فإن كان إلىّ علمت، وإن كان إلى غيرى تكلّمت، فليس مثلي قصّر به ذلك، ولك الله علىّ ألّا أذكر من ذلك شيئا أبدا.» قال رجاء: فأبيت وقلت:
- «لا والله، لا أخبرك حرفا واحدا ممّا أسرّ إلىّ.» قال: فانصرف هشام وقد يئس وضرب بإحدى يديه على الأخرى [٥٤١] وهو يقول:
- «فإلى من إذا نحّيت [٢] عنّى! أتخرج من بنى عبد الملك؟»
стр. 1015
قال رجاء: ودخلت على سليمان وهو يجود بنفسه، فلقّنته الشهادة، وحرّفته إلى القبلة، وسجّيته، وأجلست على الباب من أثق به، ووصّيته ألّا يبرح حتّى آتيه، ولا يدخل على الخليفة أحد. ثمّ خرجت وأرسلت إلى صاحب الشرطة حتّى جمع أهل بيت أمير المؤمنين فى مسجد دابق [١] ، وتوسّطتهم إلى المنبر، وقلت:
- «بايعوا!» فقالوا:
- «قد بايعنا مرّة ونبايع أخرى.» قلت:
- «هذا عهد أمير المؤمنين. فبايعوا من سمّى فى هذا الكتاب المختوم.» فبايعوا الثانية رجلا رجلا. فلمّا بايعوا بعد موت سليمان رأيت أنّى قد أحكمت الأمر. قلت:
- «قوموا إلى صاحبكم فقد مات.» قالوا:
- «إنّا لله وإنّا إليه راجعون.» وقرأت الكتاب عليهم. فلمّا انتهيت إلى ذكر عمر بن عبد العزيز، نادى هشام بن عبد الملك:
- «لا نبايعه أبدا.» قلت:
- «أضرب والله عنقك. قم فبايع من [٢] قد بايعته مرّتين.» فقام يجرّ رجليه.
قال رجاء: وأخذت بضبعي [٣] عمر بن عبد العزيز، فأجلسته على المنبر وهو يسترجع [٥٤٢] لما وقع فيه وهشام يسترجع لما أخطأه.
ولمّا كفّن سليمان وصلّى عليه عمر ودفنه وأتى بمراكب الخلافة من البراذين
стр. 1016
والخيل والبغال، ولكلّ دابّة سائس مفرد، فقال:
- «ما هذا؟» قالوا:
- «مراكب الخلافة.» قال:
- «دابّتى أوفق لى.» وركب دابّته وصرفت تلك الدوابّ. ثمّ أقبل سائرا. فقيل له:
- «منزل الخلافة.» فقال:
- «فيه عيال أبى أيّوب- يعنى سليمان- وفى فسطاطى كفاية حتّى يتحوّلوا.» فأقام فى منزله حتّى فرّغوه من بعد.
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى العمّال بكلّ بلد بما صار إليه، فأوجز وأحسن.
ثم وجّه إلى مسلمة وهو بأرض الروم يأمره بالقفول منها بمن معه بخيل عتاق وأموال عظيمة.
وعزل يزيد بن المهلّب عن العراق، ووجّه على البصرة عدىّ بن أرطاة الفزارىّ، وبعث على الكوفة عبد الحميد بن عبد الرحمان بن زيد بن الخطّاب من بنى عدىّ بن كعب. فضمّ إليه أبا الزياد [١] ، فكان أبو الزياد كاتب عبد الحميد بن عبد الرحمان. وبعث عدىّ فى إثر يزيد بن المهلّب موسى بن الوجيه [٥٤٣] الحميري.
ودخلت سنة مائة
وفيها خرجت الخارجة على عمر بن عبد العزيز بالعراق
فكتب عمر إلى عبد الحميد بن عبد الرحمان بن زيد بن الخطّاب عامله على العراق، يأمره أن يدعوهم إلى العمل بكتاب الله وسنّة نبيّه، صلّى الله عليه، ففعل.
стр. 1017
ولمّا أعذر فى دعائهم، بعث إليهم عبد الحميد جيشا فهزمتهم الحروريّة، فبلغ عمر، فبعث إليهم مسلمة بن عبد الملك فى جيش من أهل الشام جهّزهم من الرقّة.
وكتب إلى عبد الحميد:
- «قد بلغني ما فعل جيشك السوء، وقد بعثت مسلمة بن عبد الملك، فخلّ بينه وبينهم.» فلقيهم مسلمة فى أهل الشام، فلم ينشب أن أظهره الله عليهم.
وكان هذا الخارجىّ بسطام من بنى يشكر ويلقّب شوذب، وكان خروجه فى ثمانين فارسا أكثرهم من ربيعة. وكان عمر كتب إلى بسطام يدعوه [١] ويسأله عن مخرجه ويقول فى كتابه:
- «بلغني أنّك خرجت غضبا لله ولنبيّه، صلّى الله عليه، ولست بأولى بذلك منّى. فهلمّ [٥٤٤] أناظرك، فإن كان الحقّ بأيدينا دخلت فى ما دخل فيه الناس، وإن كان فى يدك نظرنا فى أمرك.» فأمسك بسطام عن الحرب ولم يحرّك ساكنا، وكتب إلى عمر:
- «قد أنصفت. وقد بعثت إليك رجلين يدار سانك ويناظرانك.» فلمّا وصل الرجلان إلى عمر، أطالا معه حتّى قالا له:
- «أخبرنا عن يزيد، لم تقرّه خليفة بعدك.» قال:
- «صيّره غيرى [٢] .» قالا:
- «أفرأيت لو وليت مالا لغيرك، ثمّ وكلته [٣] إلى غير مأمون عليه، أتراك كنت
стр. 1018
أدّيت الأمانة إلى من ائتمنك عليها [١] ؟» فقال:
- «أنظرنى ثلاثا.» فخرجا من عنده. وبلغ ذلك مروان، فخافوا أن يخرج ما فى أيديهم من الأموال وأن يخلع يزيد. فدسّوا إليه من سقاه سمّا. فلم يلبث بعد خروجهما من عنده إلّا ثلاثا حتّى مات.
عمر بن عبد العزيز يحبس يزيد بن المهلّب
ثم عدنا إلى حديث يزيد بن المهلّب. لمّا أقبل يزيد بن المهلّب فنزل واسطا، ركب منها السفن يريد البصرة. فبعث عدىّ من منعه وأوثقه، ثمّ بعث به إلى عمر بن عبد العزيز، وكان عمر يبغض يزيد وأهل بيته ويقول:
- «هم جبابرة، ولا أحبّ أمثالهم.» وكان يزيد يبغض عمر ويقول: [٥٤٥]- «إنّى لأظنّه مرائيا.» فلمّا ولى عمر عرف يزيد أنّ عمر كان من الرئاء بعيدا.
ولمّا وصل يزيد إلى عمر سأله عن الأموال التي كتب بها إلى سليمان. فقال:
- «كنت من سليمان بالمكان الذي قد علمت، وإنّما كتبت إلى سليمان لأسمع الناس به، وكنت علمت أنّ سليمان لم يكن ليأخذنى بشيء سمّعت به، ولا بأمر أكرهه.» فقال له:
- «لا أجد فى أمرك إلّا حبسك [٢] ، فاتّق الله وأدّ ما قبلك، فإنّها حقوق المسلمين ولا يسعني تركها.» وردّه إلى محبسه.
стр. 1019
وبعث الجرّاح بن عبد الله الحكمي، فسرّحه إلى خراسان.
وأقبل مخلد بن يزيد من خراسان يعطى الناس، لا يمرّ بكورة إلّا أعطاهم فيها أموالا عظاما، حتّى قدم على عمر بن عبد العزيز. فدخل عليه، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال:
- «إنّ الله، يا أمير المؤمنين، صنع لهذه الأمّة بولايتك عليها، وقد ابتلينا بك، فلا نكن أشقى الناس بولايتك، علام تحبس هذا الشيخ؟ أنا أتحمّل ما عليه، فصالحنى على ما [١] إيّاه تسأل.» فقال عمر:
- «لا، إلّا أن [٢] تحمل جميع ما إيّاه نسأل.» فقال:
- «يا أمير المؤمنين، إن كانت لك بيّنة [٥٤٦] فخذه بها، وإن لم تكن بيّنة فصدّق مقالة يزيد، وإلّا فاستحلفه [٣] ، فإن لم يفعل فصالحه.» فقال عمر:
- «ما أجد إلّا أخذه بجميع المال.» فلمّا خرج مخلد من عند عمر، قال:
- «هذا خير عندي من أبيه.» ولمّا أبى يزيد أن يؤدّى إلى عمر شيئا، ألبسه جبّة صوف وحمله على جمل وقال:
- «سيروا به إلى الدهلك [٤] .»
стр. 1020
فلمّا أخرج، فمرّ به على الناس أخذ يقول:
- «أما لى عشيرة؟ ما لي يذهب بى إلى دهلك! وإنّما يذهب إلى دهلك بالفاسق المريب الحارب [١] . سبحان الله! أما لى عشيرة.» فدخل على عمر سلامة بن نعيم الحولاني، فقال:
- «يا أمير المؤمنين، اردد يزيد إلى محبسه، فإنّى أخاف إن أمضيته أن ينتزعه قومه. فإنّى قد رأيت قومه غضبوا له.» فردّه إلى محبسه. فلم يزل فى محبسه ذلك حتّى بلغه مرض عمر. فأخذ يعمل فى الهرب من محبسه مخافة يزيد بن عبد الملك، لأنّه قد كان عذّب أصهاره، وكان يزيد بن عبد الملك قد عاهد الله: لئن أمكنه الله من يزيد ليقطعنّ منه طابقا.
فكان يخشى ذلك. فبعث [٥٤٧] يزيد بن المهلّب إلى مواليه، فأعدّوا له إبلا، وخرج حتّى حاز مراصد عمر. وكتب إلى عمر بن عبد العزيز:
- «إنّى والله لو علمت أنّك تبقى ما خرجت من محبسى، ولكنّى لم آمن يزيد بن عبد الملك.» وقد قيل: إنّ يزيد بن المهلّب إنّما هرب من سجن عمر بعد موت عمر.
وكانت خلافة عمر سنتين وخمسة أشهر. ومات وهو ابن تسع وثلاثين سنة.
ذكر بعض سيرة عمر بن عبد العزيز
كان الجرّاح بن عبد الله لمّا ولى خراسان استخرج الجزية من كلّ من اتّهم إسلامه. فكتب عمر إليه:
- «أنظر من صلّى إلى القبلة قبلك، فضع عنه الجزية.» فسارع الناس إلى الإسلام. فقيل للجرّاح: