ورغّبهم فى ما يصير إليه أهل الجهاد والاحتساب والصبر وما لهم فى الدنيا من الغنيمة والشرف إن ظفروا، وما لهم فى الآخرة من الثواب والنعيم الأبدىّ إن قتلوا.
ثم قال لهم:
- «اكعموا [١] دوابّكم وقودوها، فإذا دنوتم من القوم فاركبوا وشدّوا شدّة صادقة وكبّروا. وليكن شعاركم: «يا محمّد» ، ولا تتّبعوا مولّيا [٥٨٤] فتتفرّقوا، وعليكم بالدوابّ فاعقروها، فإنّ دوابّ القوم إذا عقرت أشدّ عليهم منكم.
واعلموا أن القليل الصابر خير من الكثير الفشل، وليست لكم قلّة. إنّ سبعمائة سيف لا تضرب بها فى عسكر إلّا أوهنوه وإن كثر أهله.» وعبّأهم ميمنة وميسرة، وساروا حتّى إذا كانوا على غلوتين [٢] كبّروا، وذلك فى السحر، وثار الترك وخالطهم المسلمون وانهزموا، فعقر المسلمون الدوابّ. عاد الترك وصابروا، فجال المسلمون وانهزموا، حتّى إذا صاروا إلى المسيّب وتبعهم الترك فضربوا عجز دابّة المسيّب. فترجّل قوم من المسلمين منهم البخترىّ، ومحمد بن قيس الغنوي وزياد الإصبهانىّ، ومعاوية بن الحجّاج وثابت قطنة، وكان على ميسرة المسيّب. فأمّا البخترىّ فقاتل حتّى قطعت يمينه فأخذ السيف بشماله فقطعت، فجعل يذبّ ببدنه حتّى استشهد. واستشهد أيضا محمّد بن قيس، وشلّت يد الحجّاج الطائىّ. ثمّ لم يصبر الترك وانهزموا. وضرب ثابت قطنة عظيما من عظمائهم، فقتله [٥٨٥] ونادى منادى المسيّب:
- «لا تتبعوهم، فإنّهم لا يدرون من الرعب أتبعتموهم أم لا، واقصدوا القصر، ولا تحملوا للقوم شيئا من المتاع إلّا المال، واقصدوا من ضعف عن المشي
стр. 1052
فاحملوه ولا تحملوا من أطاق على المشي.» وقال المسيّب:
- «من حمل امرأة أو صبيّا أو ضعيفا حسبة [١] فأجره على الله. ومن أبى فله أربعون درهما. وإن كان فى القصر أحد من أهل عهدكم فاحملوه.» قال: فقصدوا جميعا القصر، فحملوا من كان فيه. وانتهى رجل من بنى فقيم إلى امرأة، فقالت:
- «أغثنى [٢] أغاثك الله.» فوقف وقال:
- «دونك عجز الفرس!» فوثبت، فإذا هي على عجز الفرس، وإذا هي أفرس من رجل يعجب لها من رءاها. وتناول الفقيمىّ بيد ابنها غلاما صغيرا، فوضعه بين يديه وأتوا ملك قىّ [٣] ترك خاقان. فأنزلهم قصره، وأتاهم بطعام وقال:
- «الحقوا بسمرقند.» ثم قال:
- «هل بقي أحد؟» قالوا:
- «نعم، هلال الجديدىّ.» فقال:
- «لا أسلمه.» فأتاه به، وبه بضع وثمانون ضربة. فاحتمله فبرأ، إلى أن أصيب يوم الشعب مع الجند، ورجع الترك من الغد، فلم يروا فى القصر أحدا ورأوا قتلاهم. فقالوا:
- «لم يكن الذين جاءوا [٥٨٦] بالأمس من الإنس.»
стр. 1053
فقال بعض من شهد ليلة قصر الباهلي: كنّا فى القصر. فلمّا التقوا ظننّا أنّ القيامة قامت لهول ما سمعنا من هماهم القوم ووقع الحديد.
غزو سعيد الترك
وفى هذه السنة قطع سعيد خدينة نهر بلخ، وغزا الترك، وكانوا قد نقضوا العهد وأعانوا الترك. وذلك بعد ما كلّم الناس سعيدا مرارا وقالوا له:
- «تركت الغزو. فقد كثر الترك، وكفر أهل السغد.» فلمّا عبر سعيد وقصد السغد لقيه الترك وطائفة من السغد. فهزمهم المسلمون.
وقال سعيد:
- «لا تتبعوهم، فإنّ السغد بستان أمير المؤمنين.» فلمّا كان الغد خرجت مسلحة المسلمين- والمسلحة يومئذ من تميم- فما شعروا إلّا بالترك معهم خرجوا عليهم من غيضة، وعلى خيل بنى تميم شعبة بن ظهير، فقتل شعبة. وذاك أنّه أعجل عن الركوب، فقاتلهم راجلا إلى أن قتل، وقتل نحو من خمسين رجلا، وانهزم المسلحة وأتى الناس الصريخ [١] .
فقال عبد الرحمان بن المهلّب العدوىّ: كنت أوّل من أتاهم لمّا أتانا الخبر وتحتي فرس جواد، فإذا عبد الله بن زهير إلى جنب شجرة [٥٨٧] كأنّه قنفذ من النشّاب وقد قتل. ثمّ لحق الناس وحملوا على العدوّ حتّى كفّوهم. وجاء الأمير والجماعة، فانهزم العدوّ.
ذكر كلمة صارت سبب حتف
كان سعيد عبر النهر مرّتين، فلم يجاوز سمرقند. وكنّا حكينا أنّه لمّا هزم
стр. 1054
المسلمون الترك وأهل السغد ألحّوا [١] فى طلبهم. فنادى منادى سعيد:
- «لا تطلبوهم، فإنّ السغد بستان أمير المؤمنين.» وقال سعيد:
- «قد هزمتموهم. أفتريدون بوارهم وأنتم يا أهل العراق قد قاتلتم أمير المؤمنين غير مرّة، فعفا عنكم ولم يستأصلكم ورجع.» وكان سعيد إذا بعث سريّة فأصابوا وغنموا وسبوا ردّ السبي ووبخ السريّة.
فقال له يوما حيّان النبطىّ وهو بإزاء العدوّ من أهل السغد:
- «أيها الأمير، ناجز العدوّ.» فقال:
- «لا، هذه بلاد أمير المؤمنين.» فلمّا انهزم أهل السغد تبعهم حيّان، فقال له سورة بن أبجر:
- «انصرف كما أمر الأمير.» فقال:
- «أدع عقيرة الله وأنصرف!» [٢] فقال له:
- «يا نبطىّ!» قال:
- «أنبط الله وجهك.» [٥٨٨] وكان حيّان يكنّى فى الحرب: أبا الهيّاج، وإيّاه عنى الشاعر:
إنّ أبا الهيّاج أريحىّ ... للرّيح فى أثوابه دوىّ
فحقد عليه سورة [وقال:] [٣]- «أنبط الله وجهك.»
стр. 1055
ثم خلا بسعيد فقال:
- «إنّ هذا العبد أعدى الناس للعرب. قد عصى أمرك، وهو الذي أفسد خراسان على قتيبة وهو واثب بل مفسد عليك خراسان، ثمّ يتحصّن فى بعض هذه القلاع.» قال:
- «يا سورة! لا تسمعنّ.»
سعيد يقتل حيّان بإطعامه ذهبا
ثم مكث أيّاما وقد ثقل سعيد على الناس وضعّفوه، فلم يأمن حيّان. فأمر سعيد بذهب فسحل [١] وألقى فى طعام وناوله حيّان. فلمّا علم أنّه قد حصل فى جوفه ركب وركب معه الناس وفيهم حيّان. فركض أربعة فراسخ فنزل حيّان وعاش أربعة أيّام ومات فى الرابع.
وفى هذه السنة عزل مسلمة بن عبد الملك عن العراق وخراسان وانصرف إلى الشام.
ذكر سبب عزل مسلمة عن العراق وخراسان [٥٨٩]
كان سبب ذلك أنّ مسلمة لمّا ولى أرض العراق وخراسان لم يرفع من الخراج شيئا، وكان يزيد بن عبد الملك يريد عزله فيستحييه، فيكتب بتشوّقه. فشاور مسلمة عبد العزيز بن حاتم بن النعمان فى الشخوص إلى يزيد ليزوره [٢] فقال له:
- «أمن تشوّق بك إليه؟ إنّك لطروب.» قال:
- «إنّه لا بدّ من ذاك.» قال:
- «إذا لا تخرج من عملك حتّى تلقى الوالي عليه.»
стр. 1056
فشخص. فلمّا بلغ دورين لقيه عمر بن هبيرة الفزارىّ على خمس من دوابّ البريد. فدخل عليه ابن هبيرة مسلّما، فقال:
- «إلى أين يا ابن هبيرة؟» قال:
- «وجّهنى أمير المؤمنين فى حيازة أموال بنى المهلّب.» فلمّا خرج من عنده أرسل إلى عبد العزيز، فجاءه. فقال:
- «هذا ابن هبيرة قد لقينا كما ترى.» قال:
- «قد كنت أنبأتك.» قال:
- «فإنّه إنّما وجّه لحيازة أموال بنى المهلّب.» قال:
- «هذا أعجب من الأوّل: يصرف عن الجزيرة ويوجّه فى حيازة أموال بنى المهلّب.» قال: فلم يلبث أن جاءه عزل ابن هبيرة عمّاله والغلظة عليهم. فقال الفرزدق:
[٥٩٠]
راحت بمسلمة الركاب مودّعا ... فارعى فزارة لا هناك المرتع
ولقد علمت لئن فزارة أمّرت ... أن سوف تطمع فى الإمارة أشجع
ظهور أمر الدعاة فى خراسان
وفى هذه السنة غزا عمر بن هبيرة الروم. فسبى سبعمائة أسير وفيها [١] أيضا وجّه ميسرة رسله من العراق إلى خراسان، فظهر أمر الدعاة فيها.
وكان سعيد خدينة يومئذ بخراسان، فأتاه آت فقال:
- «إنّ ها هنا قوما يدعون إلى إمام لهم وقد ظهر منهم كلام قبيح.» فبعث سعيد
стр. 1057
إليهم فقال:
- «من أنتم؟» قالوا:
- «ناس من التجار.» قال:
- «فما الذي يحكى عنكم؟» قالوا:
- «لا ندري.» قال:
- «جئتم دعاة؟» فقالوا:
- «إنّ لنا فى أنفسنا شغلا عن هذا.» فقال:
- «من يعرف هؤلاء؟» فجاء قوم من خراسان جلّهم من ربيعة واليمن. فقالوا:
- «نحن نعرفهم، وهم علينا إن أتاك منهم شيء تكرهه.» فخلّى سبيلهم.
ثم دخلت سنة ثلاث ومائة
سبب عزل سعيد خدينة عن خراسان
وفيها عزل عمر بن هبيرة سعيد خدينة عن خراسان. وذاك أنّ الناس شكوا [٥٩١] سعيد خدينة. فكتب عمر بن هبيرة بذلك إلى يزيد، وكتب بأسماء من أبلى يوم العقر، ولم يذكر سعيد بن عمرو الحرشىّ. فكتب إليه يزيد بن عبد الملك:
- «لم لم تذكر الحرشىّ؟ ولّه خراسان!» فولّاه، وخرج سعيد الحرشىّ وقدم خراسان فى سنة ثلاث ومائة والناس بإزاء العدوّ، وقد كانوا نكبوا. فخطبهم وحثّهم على الجهاد وقال:
- «إنّكم لا تقاتلون عدوّ الإسلام بكثرة ولا بعدّة، ولكن بنصر الله وعزّ الإسلام.»
стр. 1058
وكان شاعرا، فقال:
فلست [١] لعامر إن لم تروني ... أمام الخيل أطعن بالعوالي
وأضرب هامة الجبّار منهم ... بعضب الحدّ حودث بالصقال
فما أنا فى الحروب بمستكين ... ولا أخشى مصاولة الرجال
أبى لى والدي من كلّ ذمّ ... وخالي فى الحوادث غير خال
إذا خطرت أمامى حىّ كعب ... وزافت كالجبال بنو هلال
وكانت السغد قد أعانت الترك أيّام خدينة. فلمّا وليهم الحرشىّ خافوا [٥٩٢] على أنفسهم. فأجمع عظماؤهم على الخروج من بلادهم، فقال لهم ملكهم:
- «لا تفعلوا، أقيموا واحملوا إليه خراج ما مضى، واضمنوا له خراج ما تستقبلون، واضمنوا له عمارة أرضكم، والغزو معه، إن أراد ذلك، واعتذروا إليه ممّا كان منكم، وأعطوه رهائن تكون فى يديه.» قالوا:
- «لا نفعل، فإنّه لا يرضى ولا يقبل ذلك منّا. ولكنّا نأتى خجندة فنستجير بملكها ونرسل إلى الأمير فنسأله الصفح عما كان منه ونوثق له ألّا يرى منّا أمرا يكرهه.» فقال:
- «أنا رجل منكم، وما أشرت به فهو خير لكم.» فأبوا وخرجوا إلى خجندة، وخرج كارزنج [٢] ، وكشر [٣] ، وشاركث [٤] ، وثابت
стр. 1059
بأهل إشتيخن [١] . وأرسلوا إلى ملك فرغانة، وهو الطار، يسألونه أن يمنعهم وينزلهم مدينته. فأرسل إليهم:
- «سمّوا لى رستاقا أفرّغه لكم، وأجّلونى عشرين يوما، وإن شئتم فرّغت لكم شعب عصام بن عبد الله الباهلىّ.» وكان قتيبة خلّفه فيه، فقيل: شعب عصام. فأرسلوا إليه:
- «فرّغه لنا.» قال:
- «نعم، وليس لكم علىّ عقد ولا جوار حتّى تدخلوه، وإن أتتكم العرب [٥٩٣] قبل أن تدخلوه لم أمنعهم.» فرضوا، ففرّغ لهم الشّعب. وقد كان هذا الشعب من رستاق أسفرة، وأسفرة يومئذ إلى ولىّ عهد ملك فرغانة وهو بلاذا، وكان قال لهم كارزنج:
- «أخيّركم [٢] ثلاث خصال إن تركتموها هلكتم. إنّ سعيدا فارس العرب، وقد وجّه على مقدّمته عبد الرحمان بن عبد الله القشيرىّ فى كماة [٣] أصحابه، فبيّتوه واقتلوه. فإنّ الحرشىّ إن أتاه خبره لم يغزكم.» فأبوا عليه. قال:
- «فاقطعوا إليه نهر الشاش، وسلوه: ما تريدون؟ فإن أجابكم، وإلّا مضيتم إلى سرباب [٤] .» قالوا:
- «لا.» قال:
- «فأعطوهم الخراج.»
стр. 1060
فأبوا. ولحق كار زنج وأهل السغد بخجندة.
تمّت المجلدة الثانية من كتاب تجارب الأمم وعواقب الهمم. ويتلوها فى المجلدة الثالثة: «ودخلت سنة أربع ومائة.» والحمد لله ربّ العالمين وصلواته على النبىّ محمّد وآله الطيّبين، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
فرغ من انتساخه محمّد بن علىّ بن محمّد أبو طاهر البلخي فى (السابع والعشرين) من شهر ربيع الآخر سنة خمس وخمسمائة.
وفرغ من انتساخه الحسن بن منصور فى منتصف شوّال سنة ست و ( ... ؟) وفرغ من انتساخه ابنه محمد بن الحسن بن منصور فى ثالث جمادى الأولى سنة إحدى وخمسين وخمسمائة.
стр. 1061
[المجلد الثالث]
[تتمة تجارب العصر الأموي]
[تتمة خلافة يزيد بن عبد الملك]
[٢ و ١] بسم الله الرّحمن الرّحيم وحسبنا الله ونعم الوكيل الحمد لله ربّ العالمين، وصلواته على محمّد النّبيّ وآله الأخيار أجمعين
ودخلت سنة أربع ومائة
فغزا الحرشىّ وقطع النّهر وعرض النّاس، ثمّ سار فنزل قصر الرّيح على فرسخين من الدّبوسية ولم يجتمع إليه جنده، وأمر النّاس بالرّحيل.
فقال له هلال بن عليم الحنظلي:
- «يا هناه، إنّك وزيرا خير منك أميرا. إنّ الأرض حرب شاغرة برجلها [١] ، ولم يجتمع لك جندك، وقد أمرت بالرّحيل.» قال:
- «فكيف لى؟» قال:
- «تأمر بالنّزول.» فقبل ونزل.
وخرج ابن عمّ لملك فرغانة يقال له السّلار [٢] إلى الحرشىّ، فقال له:
- «إنّ أهل السّغد بخجندة.» وأخبره خبرهم وقال:
- «عاجلهم قبل أن يصيروا إلى الشّعب، فليس علينا لهم جوار حتّى يمضى الأجل.»
стр. 1062
فوجّه الحرشىّ مع السّلار عبد الرّحمن القشيري فى جماعة، ثمّ ندم بعد ما فصلوا، وقال:
- «جاءني علج لا أدرى صدقنى أم كذبني، فغررت بجند من [٣] المسلمين.» وارتحل فى أثرهم حتّى نزل بأسروشنة [١] ، فصالحهم على شيء يسير، وسار جادّا مغذّا حتّى لحق القشيرىّ بعد ثالثة، وسار حتّى انتهى إلى خجندة، فاستشار الفضل بن بسّام وقال:
- «ما ترى؟» قال:
- «أرى المعاجلة.» قال:
- «لكنّى لا أرى ذلك، إن جرح رجل فإلى من يرجع، أو قتل قتيل إلى من يحمل؟ ولكنّى أرى النّزول والتّأنّى، والاستعداد للحرب.» فنزل، ورفع الأبنية، وأخذ فى التّأهب، فلم يخرج أحد من الغد، فجبّن النّاس يومئذ الحرشىّ وقالوا:
«كان هذا يذكر رأيه وبأسه بالعراق، فلمّا صار إلى خراسان ماق.» فحمل رجل من العرب، فضرب بعمود باب خجندة حتّى فتح الباب، وقد كانوا حفروا فى ربضهم وراء الباب الخارج خندقا، وغطّوه بقصب وعلّوه بالتّراب مكيدة، وأرادوا، إذا التقوا، إن انهزموا، أن يكونوا قد عرفوا الطّريق، ويشكل على المسلمين، فسقطوا فى الخندق. فلمّا خرجوا قاتلوهم وأخطئوا هم [٢] الطّريق، فسقطوا فى الخندق [٤] دهشا فأخرجوا من الخندق أربعين
стр. 1063
رجلا على الرّجل درعان درعان. وحصرهم الحرشىّ ووضع عليهم المجانيق.
فأرسلوا إلى ملك فرغانة:
- «غدرت بنا.» وسألوه النّصر. فقال:
- «أغدر ولا أنصركم. فانظروا لأنفسكم، فقد أتوكم قبل انقضاء الأجل، ولستم فى جواري.» فلمّا يئسوا من نصره طلبوا الصّلح وسألوا الأمان، وأن يردّهم إلى السّغد.
فاشترط عليهم أن يردّوا ما فى أيديهم من نساء العرب وذراريّهم، وأن يؤدّوا ما كسروا من الخراج، ولا يغتالوا أحدا، ولا يتخلّف منهم بخجندة أحد، فإن أحدثوا حدثنا حلّت دماؤهم.
فخرج إليه كارذنج [١] . فقال له:
- «إنّ لى إليك حاجة أحبّ أن تشفعني [٢] فيها.» قال:
- «ما هي؟» قال:
- «أحبّ، إن جنى منهم رجل جناية بعد الصّلح، ألّا تأخذنى بما جنى.» فقال الحرشىّ:
- «ولى حاجة فاقضها.» قال:
- «وما هي؟» قال:
- «لا تلحقنّ فى شرطي ما أكره.» ثمّ أخرج التّجّار والملوك من الجانب الشّرقىّ، وترك أهل خجندة الّذين هم
стр. 1064
أهلها على حالهم.
فقال كارذنج للحرشىّ:
- «ما تصنع؟» قال:
- «أخاف عليك معرّة [١] [٥] الجند.» فكان عظماؤهم مع الحرشىّ فى العسكر، ونزلوا على معارفهم فى الجند، ونزل كارذنج على أيّوب بن أبى حسّان.
وبلغ الحرشىّ أنّهم قتلوا امرأة من نساء كنّ [٢] فى أيديهم. فقال لهم:
- «بلغني أنّ ثابتا صاحب اشتيخنج [٣] قتل امرأة ودفنها تحت حائط.» فجحدوا. فأرسل الحرشىّ إلى قاضى خجندة، فنظروا، فإذا المرأة مقتولة.
فدعا الحرشىّ بثابت وأرسل كارذنج غلامه إلى باب السّرادق ليأتيه بالخبر، وسأل الحرشىّ ثابتا وغيره عن المرأة، وكان الحرشىّ تيقّن أنّه قتلها من جهات، فقتله. فرجع غلام كارذنج إليه بقتل ثابت. فجعل يعضّ على لحيته ويقرضها بأسنانه، وخاف كارذنج أن يستعرضهم الحرشىّ، فقال لأيّوب بن أبى حسّان:
- «إنّى ضيفك وصديقك، ولا يجمل بك أن تقتل ضيفك فى سراويل خلق ربما بدا منه عورته.» قال:
- «فخذ سراويلي.» قال:
- «وهذا أيضا لا يجمل، أقتل فى سراويلاتكم! ولكن سرّح غلامي إلى ابن أخى يجيئني بسراويل جديد.»
стр. 1065
وكان قال لابن أخيه:
- «إذا أرسلت إليك أطلب سراويلا، فاعلم أنّه القتل.» فلمّا بعث [٦] بالسّراويل، أخرج قديدة [١] خضراء، فقطّعها عصائب، وعصبها برؤوس شاكريّته. ثم خرج هو وشاكريّته، فاعترض النّاس، فقتل خلقا وتضعضع العسكر، ولقى النّاس منه شرّا، حتّى انتهى إلى ثابت بن عثمان بن مسعود فى طريق ضيّق، فقتله ثابت. وكان فى أيدى السّغد أسرى من المسلمين، فقتلوا خمسين ومائة، وأفلت منهم غلام، فأخبر الحرشىّ، فأرسل من علم علمهم، فوجد الخبر حقّا، فأمر بقتل من عنده، وعزل التّجّار عنهم، وكان التّجار أربعمائة، كان معهم مال عظيم قدموا به من الصّين. فامتنع أهل السّغد، ولم يكن لهم سلاح، فقاتلوا بالخشب، فقتلوا عن آخرهم. فكان عدد الحرّاثين خاصّة سبعة آلاف.
ثمّ أرسل من يحصى أموال التّجّار، وكانوا اعتزلوا وقالوا: لا نقاتل.
فاصطفى أموال السّغد وذراريّهم، فأخذ منه كلّ ما أعجبه. ثمّ دعا مسلم بن بديل العدوىّ، فقال:
- «قد ولّيتك المقسم.» فقال:
- «بعد ما عمل فيه عمّالك ليلة؟ ولّه [٢] غيرى.» فولّاه عبيد الله بن زهير بن حيّان العدوىّ، فأخرج الخمس [٧] وقسم الأموال، وكتب الحرشىّ إلى يزيد بن عبد الملك ولم يكتب إلى عمر بن هبيرة.
وكان هذا ممّا وجد عليه فيه عمر بن هبيرة.
стр. 1066
عجيب ما حكى فى تلك الحال
فمن عجيب ما حكى فى تلك الحال أنّ رجلا اشترى جونة [١] بدرهمين من صاحب الأقباض، فانصرف بها. فلمّا حلّها، وجد فيها سبائك ذهب، فرجع وهو واضع يده على وجهه وكأنّه رمد. فردّ الجونة وأخذ الدّرهمين. ثمّ طلب، فلم يوجد.
فتح قلعة
وسرّح الحرشىّ سليمان بن أبى السّرىّ، وهو مولى لبنى عوافة، الى قلعة ليفتحها. وكان يمرّ بوادي السّغد من وجه واحد، وأنفذ معه خوارزم شاه، وشوكر بن ختلّ [٢] ، وعودم [٣] صاحب أجرون. فوجّه سليمان بن أبى السّرىّ على مقدّمته المسيّب بن بشر الرياحىّ. فتلقّاه أصحاب القلعة على فرسخ، فقاتله، فهزمهم المسيّب، حتى ردّهم إلى القلعة، فحصرهم سليمان ودهقانها يقال له: ديوشتى [٤] فكتب الحرشىّ إلى سليمان يعرض عليه المدد. فأرسل إليه:
- «ملتقانا ضيّق، فسر أنت إلى كسّ، فأنا فى كفاية إن شاء الله.» [٨] .
فلمّا طال الحصار على ديوشتى، طلب النّزول فى أمان. فقال سليمان:
- «لا، إلّا على حكم سعيد الحرشىّ.»
стр. 1067
فرضي بذلك، ونزل على أن يوجّهه مع المسيّب بن بشير الحرشىّ. فوفى له سليمان، ووجّهه إلى الحرشىّ، فألطفه وأكرمه مكيدة، وطلب أهل القلعة الصّلح بعد مسيره على ألّا يعرض لمائة أهل بيت منهم ونسائهم وأبنائهم ويسلّمون إليه القلعة. فكتب سليمان إلى الحرشىّ أن يبعث الأمناء لقبض ما فى القلعة، فبعث ثقاته فباعوا ما فى القلعة مزايدة، فأخذ الخمس، وقسم الباقي بينهم.
خروج الحرشىّ إلى كسّ وربنجن
وخرج الحرشىّ إلى كسّ، فصالحوه على عشرة آلاف رأس، وصالح دهقانها على أن يوفيه ذلك فى أربعين يوما على ألّا يأتيه.
فلمّا فرغ من كسّ خرج إلى ربنجن [١] فقتل ديوشتى، وصلبه على ناؤوس، وكتب على أهل ربنجن كتابا بمائة رأس إن فقد من موضعه، وولّى نصر بن سيّار قبض صلح كسّ، ثمّ عزل سورة بن أبجر، وولّى نصر بن سيّار، وبعث برأس ديوشتى إلى العراق.
وكانت خران [٢] منيعة لا يطمع فيها [٩] فأشير على سليمان أن يوجّه المسربل بن الخرّيت النّاجى، وكان المسربل صديقا لملكها وكان محببا إليهم، فوجّهه، فلما وصل إلى القوم خبّر ملكها بما صنع الحرشىّ بأهل خجندة وخوّفه. قال:
- «فما ترى لى؟» قال:
- «أن تنزل بأمان.» قال:
стр. 1068
- «فما أصنع بمن لحق بى من عوامّ النّاس؟» قال:
- «تصيّرهم معك فى أمانك.» فصالحهم، وآمنوه وبلاده، ورجع الحرشىّ إلى مرو ومعه هذا الملك واسمه سبغرى [١] . فلمّا نزل أسباذ [٢] ، قتل سبغرى ومعه أمانه.
ويقال: إنّ دهقان بن ماخر [٣] قدم على ابن هبيرة، فأخذ أمانا لأهل السّغد، فحبسه الحرشىّ بمرو. فلمّا قدم دعا به فقتله وصلبه فى الميدان. فقال راجزهم:
إذا سعيد سار فى الأخماس فى رهج يأخذ بالأنفاس دارت على الشّرك أمرّ الكاس وطارت التّرك على الأحلاس ولّوا فرارا عطل [٤] القياس وفى هذه السّنة رحل أبو محمّد الصّادق وعدّة من أصحابه من خراسان [١٠] إلى محمّد بن علىّ بن عبد الله بن العبّاس، وقد ولد له أبو العبّاس قبل ذلك بخمس عشرة ليلة، فأخرجه إليهم فى خرقة وقال لهم:
- «والله، ليتمّنّ هذا الأمر حتّى تدركوا ثاركم من عدوّكم.»
стр. 1069
عزل سعيد بن عمرو الحرشىّ عن خراسان .
وفى هذه السّنة، عزل عمر بن هبيرة سعيد بن عمرو الحرشىّ عن خراسان، وولّاها مسلم بن سعيد بن أسلم بن زرعة الكلابي.
ذكر السّبب فى ذلك
كان عمر بن هبيرة وجد [١] على الحرشىّ فى أشياء. أحدها أنّه قد كان كتب إليه بتخلية ديوشتى، فقتله، وكتب أمانا لدهقان بن ماخر، فصلبه، وكان يستخفّ بأمر ابن هبيرة، وإذا ورد عليه له رسول قال له: كيف «أبو المثنّى» ، ويقول لكاتبه: «أكتب إلى أبى المثنّى» ولا يقول: «الأمير.» فبلغ ذلك ابن هبيرة، فدعا جميل بن حمران، وقال له:
- «قد بلغني أشياء عن الحرشىّ، فأخرج إلى خراسان، وأظهر أنّك قدمت تنظر فى الدّواوين، واعلم لى علمه.» فقدم جميل، فقال له الحرشىّ:
- «كيف تركت أبا المثنّى؟» وجعل جميل ينظر فى الدّواوين. فقيل للحرشىّ:
- «إنّ جميلا [١١] ما قدم للنّظر فى الدّواوين، وما قدم إلّا ليعلم علمك.» فدسّ إليه طعاما مسموما، فأكله ومرض، وتساقط شعره، وبادر بالخروج إلى هبيرة، فعولج واستبلّ وصحّ، فقال لابن هبيرة:
- «الأمر أعظم ممّا بلغك، ما يرى سعيد إلّا أنّك بعض عمّاله.» فغضب وعزله وعذّبه، حتّى نفخ [٢] فى بطنه النّمل.
стр. 1070
وكان سعيد يقول حين عزله عمر:
- «لو سألنى ابن هبيرة درهما يضعه على عينه ما أعطيته.» فلمّا عذّب أدّى شيئا كثيرا. فقيل له:
- «ألم تزعم أنّك لا تعطيه درهما؟» فقال:
- «ما كنت ذقت العذاب [١] .»
ذكر السّبب فى ولاية مسلم بن سعيد خراسان
لمّا قتل سعيد بن أسلم ضمّ الحجّاج ابنه مسلما مع ولده، وهو مسلم بن سعيد بن أسلم بن زرعة بن عمرو بن الصّعق، واسم الصّعق خويلد، فتأدّب ونبل. فلمّا قدم عدىّ بن أرطاة، أراد أن يولّيه لما رأى من أدبه ونبله. فشاور كاتبه فقال- «ولّه ولاية خفيفة، ثمّ ارفعه.» فولّاه ولاية، فقام بها وضبطها [١٢] وأحسن. فلمّا وقعت فتنة يزيد بن المهلّب، حمل تلك الأموال إلى الشّام. فلمّا قدم عمر بن هبيرة أجمع على أن يولّيه ولاية، فدعاه ولم يكن شاب بعد، ثمّ نظر فرأى شيبة فى لحيته، فكبّر.
قال: ثمّ سمر ذات ليلة ومسلم فى سمره، فتخلّف مسلم بعد السّمّار وفى يد ابن هبيرة سفرجلة، فألقاها إليه تحيّة، وقال:
- «أيسرّك أن أولّيك خراسان؟» قال:
- «نعم.» قال:
стр. 1071
- «أغد [١] إلىّ إن شاء الله.» فلمّا أصبح جلس، ودخل النّاس، فدعا مسلما، وعقد له على خراسان، وكتب عهده، وكتب إلى عمّال الخراج أن يكاتبوا مسلم بن سعيد.
فسار مسلم، فقدم خراسان نصف النّهار، ووافى دار الإمارة، فوجد بابها مغلقا، فأتى المسجد، فوجد باب المقصورة مغلقا، فصلّى. وخرج وصيف من باب المقصورة فقيل له: الأمير. فمشى بين يديه حتّى أدخله مجلس الوالي فى دار الإمارة، وأعلم الحرشىّ بمكانه، فأرسل إليه:
- «أقدمت أميرا أو وزيرا أو زائرا؟» فأرسل إليه:
- «مثلي لا يقدم خراسان زائرا ولا [١٣] وزيرا.» فأتاه الحرشىّ، فشتمه، وأمر بحبسه. فقيل له:
- «إن أخرجته نهارا قتل.» فحبسه عنده حتّى أمسى، ثمّ قيّده.
وبعث مسلم على كورة رجلا من قبله على حربها، وكان ابن هبيرة أخذ قهرمانا ليزيد بن المهلّب، له علمّ بأهل خراسان وبأشرافهم، وأمره أن يكتب له كلّ من عنده مال، وعليه طريق للسّلطان. فلم يدع شريفا إلّا قرفه [٢] .
فكتب ابن هبيرة إلى مسلم مع أبى عبيدة العنبري يأمره بجباية تلك الأموال.
فأراد مسلم أخذ النّاس بتلك الأموال الّتى فرّقت [٣] عليهم. فقال له نصحاؤه:
стр. 1072
- «إن فعلت هذا بهؤلاء لم يكن لك بخراسان قرار، وإن لم تعمل فى هذا حتّى يوضع عنهم فسدت عليك وعليهم خراسان، لأنّ هؤلاء أعيان النّاس، قرفوا بالباطل. إنّما كان على مهزم بن جابر ثلاثمائة ألف، فزادوا مائة ألف، فصار أربعمائة ألف، وعامّة من سمّى لك ممّن كثير عليه، هو بمنزلته.» فكتب مسلم بذلك إلى ابن هبيرة، وأوفد وفدا فيهم مهزم بن جابر. فلمّا وصلوا قال مهزم بن جابر: [١٤]- «أيّها الأمير، إنّ الّذى رفع إليك رفع الباطل والظّلم. ما علينا من هذا كلّه إلّا القليل الّذى لو أخذنا، به أدّيناه.» فقال ابن هبيرة:
- «إنّ الله يأمركم أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها.» [١] قال:
- «فليقرأ الأمير ما بعده: وإذا حكمتم بين النّاس أن تحكموا بالعدل.» فقال ابن هبيرة:
- «لا بدّ من هذا المال.» قال:
- «أما والله، إن أخذته لتأخذنّه من قوم شديدة شوكتهم ونكايتهم فى عدوّك وليضرّنّ ذلك بأهل خراسان فى عدّتهم وكراعهم وحلقتهم، ونحن فى ثغر نكابد فيه الأعداء لا تنقضي حربهم، وإنّ أحدنا ليلبس الحديد حتّى يلتبس [٢] صدأه بجلده، وحتّى إنّ الخادمة التي تخدمه لتصرف وجهها عن مولاها، أو عمّن تخدمه لسهوكة [٣] الحديد، وأنتم فى بلادكم متفضّلون فى الرّقاق وفى المعصفرات، والّذين قرفوا بهذه الأحوال وجوه أهل خراسان،
و
стр. 1073
أهل الولايات والكلف العظام فى المغازي، وقبلنا قوم قدموا علينا، فجاؤوا على الحمرات [١] ، فولّوا الولايات، واقتطعوا [١٥] الأموال، فهي عندهم موفّرة جمّة.» فكتب ابن هبيرة إلى مسلم بأن يستخرج هذه الأموال ممّن ذكر الوفد أنّها عندهم، وكما ذكروا. فلمّا أتى مسلما كتاب ابن هبيرة أخذ أهل العهد بتلك الأموال فأمر حاجب بن عمرو الحارثي أن يعذّبهم، ففعل حتى استوفى منهم ما قرفوا به.
موت يزيد بن عبد الملك
وفى هذه السّنة مات يزيد بن عبد الملك، وكان بالبلقاء من أرض دمشق، وله ثمان وثلاثون سنة، وكانت خلافته فى قول هشام بن محمّد وأبى معشر أربع سنين وشهرا، ويكنّى أبا خالد، وكان صاحب لهو وطرب، وكانت عنده حبابة [٢] ، وهي الّتى تسمّى العالية، وسلامة، وهو الّذي طرب يوما فقال:
- «أطير والله.» فقالت له حبابة:
- «فعلى من تدع الأمّة!»
стр. 1074
خلافة هشام بن عبد الملك
واستخلف هشام بن عبد الملك
أتت هشاما الخلافة وهو بالزّيتونة، فى دويرة صغيرة كانت له. فجاءته الخلافة على البريد، وسلّم إليه العصا والخاتم، وسلّم عليه [١٦] بالخلافة.
فركب هشام من الرّصافة حتّى أتى دمشق.
قدوم بكير بن ماهان من السّند
وفى هذه السّنة قدم بكير بن ماهان من السّند، وكان بها مع الجنيد بن عبد الرّحمن ترجمانا له. فلمّا عزل الجنيد قدم الكوفة ومعه أربع لبنات من فضّة ولبنة من ذهب. فلقى أبا عكرمة الصّادق، وميسرة، ومحمّد بن خنيس [١] ، وسالما الأعين، وأبا يحيى مولى بنى سلمة. فذكروا له أمر دعوة بنى هاشم، فقبل ذلك ورضيه، وأنفق عليهم ما معه، ودخل إلى محمّد بن علىّ، ومات ميسرة، فوجّه محمّد بن علىّ بكير بن ماهان إلى العراق مكان ميسرة، فأقامه مقامه.
стр. 1075
عزل عمر بن هبيرة
وفى هذه السّنة عزل هشام بن عبد الملك عمر بن هبيرة عن العراق، وما كان إليه من عمل المشرق، وولّى ذلك كلّه خالد بن عبد الله القسري.
ودخلت سنة ستّ ومائة
بب الوقعة بين المضريّة واليمانيّة وربيعة ببلخ
وفيها ولد عبد الصّمد بن علىّ، وفيها كانت الوقعة بين المضريّة واليمانيّة وربيعة [١] بالبروقان من أرض بلخ. وكان سبب ذلك [١٧] أنّ مسلمة بن سعيد غزا، فقطع النّهر، وتباطأ عنه النّاس، وكان ممّن تباطأ عنه البختري [٢] بن درهم.
فلمّا أتى النّهر ردّ نصر بن سيّار وسليمان بن موسى بن عبد الله بن خازم وبلعاء [٣] بن مجاهد بن عبد الله العنبري وجماعة أمثالهم إلى بلخ، وعليهم جميعا نصر بن سيّار، وأمرهم أن يخرجوا النّاس إليه. فأحرق نصر باب البختري وزياد بن طريف الباهلي، فمنعهم عمرو بن مسلم بن عمرو من دخول بلخ، وكان واليا عليها. فنزل نصر البروقان، وأتاه أهل صغانيان، وأتاه سلمة العقفانى [٤] من بنى تميم وحسّان بن خالد الأسدى، وكلّ واحد فى خمسمائة، وأتاه سنان الأعرابى، وزرعة بن علقمة، سلمة بن أوس، والحجّاج بن هارون النّميرى فى أهل بيته.
стр. 1076
وتجمّعت بكر والأزد بالبروقان رأسهم البختري، وعسكر أيضا بالبروقان على نصف فرسخ منهم. فأرسل نصر إلى أهل بلخ:
- «قد أخذتم أعطياتكم، فالحقوا بأميركم، فقد قطع النّهر.» فخرجت مضر إلى نصر، وخرجت ربيعة والأزد إلى عمرو بن مسلم بن عمرو [١٨] ثمّ تكلّم النّاس المكرهون، فقال قوم من ربيعة:
- «إنّ مسلم بن سعد [١] يريد أن يخلع، فهو يكرهنا على الخروج.» واجتمع [٢] قوم من تغلب إلى عمرو بن مسلم:
- «إنّك منّا.» وقال بعضهم شعرا ينسب فيه باهلة إلى تغلب. فقال عمرو بن مسلم حين عزاه التّغلبى إلى تغلب:
- «أمّا القرابة فما أعرفها، وأمّا المنع فسأمنعكم.» فسفر [٣] الضحّاك بن مزاحم ويزيد [٤] بن المفضّل الحدّانى وكلّما نصرا فى الانصراف.
فناشداه بالله، فانصرف. فحمل أصحاب عمرو بن مسلم والبختري، ونادوا:
- «يال بكر [٥] .» فكرّ عليهم نصر، فكان أوّل قتيل رجل من باهلة من أصحاب عمرو بن
стр. 1077
مسلم، وقتل بعده ثمانية عشر رجلا سوى من قتل فى السّكك. وانهزم عمرو بن مسلم إلى القصر، وأرسل إلى نصر:
- «ابعث إلى بلعاء بن مجاهد.» فأتاه بلعاء فقال:
- «خذ لى أمانا.» فآمنه نصر، وقال [١] :
- «لولا أن أشمت بك بكر بن وائل لقتلتك.» وقيل: بل أصابوا عمرو بن مسلم فى طاحونة، وأخذ البختري فى غيضة دخلها، وأخذ زياد بن طريف الباهلي، فضربهم [١٩] نصر مائة مائة، وحلق رؤوسهم ولحاهم، وألبسهم المسوح.
ثمّ إنّ مسلما غزا فى هذه السنّة، وكان خطب فى ميدان يزيد، فقال:
- «ما أخلّف بعدي شيئا أهمّ عندي من قوم يتخلّفون بعدي مخلّقى [٢] الرّقاب، يتواثبون الجدران على نساء المجاهدين، اللهمّ افعل بهم وافعل، وقد أمرت نصرا ألّا يأخذ متخلّقا [٣] إلّا قتله، وما أرى لهم من عذاب ينزله الله بهم.» يعنى عمرو بن مسلم وأصحابه.
فلمّا صار ببخارى أتاه الخبر بولاية خالد بن عبد الله القسري على العراق.
ثمّ أتاه كتاب خالد:
- «أتمم غزاتك.»
стр. 1078
فسار إلى فرغانة، وأتاه الخبر أنّ خاقان قد أقبل، ثمّ أتاه أنّ خاقان معسكر فى موضع كذا. فأمر بالاستعداد للمسير. فلمّا أصبح ارتحل بالعسكر، فسار ثلاث مراحل فى يوم. ثمّ سار من غد حتّى قطع وادي السبّوح، وأقبل إليهم خاقان، وتوافت إليه الخيل، فأنزل عبد الله بن ابى عبد الله قوما [١] من العرفاء والموالي، فأغار التّرك على ذلك الموضع، وعلى [٢] الّذين [٢٠] أنزلهم عبد الله، فقتلوهم، وأصابوا دوابّ لمسلم، وقتل المسيّب بن بشر الرياحيّ، وقتل البراء، وكان من فرسان المهلّب، وقتل أخو غورك، وثار النّاس فى وجوههم، فأخرجوهم من العسكر، ودفع مسلم لواءه إلى عامر بن ماعز الحماني [٣] ، ورحل هو بالنّاس. فسار ثمانية أيام وهم مطيفون بهم.
فلمّا كان الليلة التاسعة، أراد النّزول. فشاور النّاس، فأشاروا عليه بالنّزول، وقال:
- «إذا أصبحنا وردنا الماء والماء منّا غير بعيد، وإنّك إن نزلت المرج تفرّق النّاس فى الثّمار وانتهب عسكرك.» فقال لسورة بن أبجر:
- «ما ترى يا بالعلاء؟» قال:
- «أرى ما رأى النّاس.» ونزلوا ولم يرفع بناء فى العسكر، وأحرق النّاس ما ثقل من الأبنية والامتعة، فحرّقوا قيمة ألف ألف وأصبح النّاس، فساروا ووردوا الماء، فإذا دون النّهر
стр. 1079
أهل فرغانة والشّاش.
- قال مسلم بن سعيد:
- «أعزم على كلّ رجل إلّا اخترط سيفه.» ففعلوا، فسارت الدّنيا كلّها سيوفا. فتركوا [١] الماء، وعبروا. فأقام يوما، ثم [٢١] قطع من غد، واتّبعهم ابن لخاقان.
قال: فأرسل حميد بن عبد الله وهو على السّاقة إلى مسلم:
- «قف لى ساعة، فإنّ خلفي مائتي رجل من التّرك، حتّى أقاتلهم.» وهو مثقل جراحة. فوقف النّاس، وعطف على التّرك، فأسر أهل السّغد وقائدهم وقائد التّرك فى سبعة، وانصرف البقيّة، ورمى حميد بنشّابة فى ركبته فمات.
وعطش النّاس بعد قطع النّهر، وكان عبد الرّحمن بن نعيم الغامدى [٢] حمل عشرين قربة على إبله. فلمّا رأى جهد النّاس أخرجها، فشربوا جرعا، واستسقى يوم العطش مسلم بن سعيد، فأتوه بإناء، فأخذه جابر، أو حارثة بن كثير من فيه. فقال مسلم:
- «دعوه، فما نازعنى شربتى إلّا من حرّ دخله.» فأتوا خجندة، وقد أصابتهم شدّة ومجاعة. فانتشر النّاس، وورد الخبر بولاية أسد بن عبد الله خراسان، ولّاه خالد القسرىّ وعزل مسلم بن سعيد.
فبينا النّاس بخجندة إذا فارسان يركضان ويسألان عن عبد الرّحمن بن نعيم، فأتياه بعهده من أسد بن عبد الله [٢٢] فأقرأه عبد الرّحمن مسلما، فقال:
- «سمعا وطاعة.»
стр. 1080
فكان عبد الرّحمن أوّل من اتّخذ الحياض فى مفازة آمل [١] .
وقيل: إنّ أعظم النّاس غناء يوم العطش إسحاق بن محمّد الغدانى. وكان عمر بن هبيرة قال لمسلم بن سعيد حين ولّاه خراسان:
- «ليكن حاجبك من صالح مواليك، فإنّه لسانك والمعبّر عنك، وحثّ صاحب شرطتك على الأمانة، وعليك بعمّال العذر.» قال: «ومن عمّال العذر؟» قال:
- «مر أهل كلّ بلد أن يختاروا لأنفسهم. فإذا اختاروا رجلا فولّه، فإن كان خيرا كان لك، وإن كان شرّا كان لهم دونك وكنت معذورا.»
توبة بن أبى أسيد وما كان منه
وكان مسلم بن سعيد كتب [٢] إلى ابن هبيرة واستدعى منه توبة بن أبى أسيد مولى بنى العنبر، فكتب ابن هبيرة إلى عامله بالبصرة:
- «احمل إلىّ توبة بن أبى أسيد.» فحمله، فقدم، وكان جميلا وسيما جهيرا له سمت. فلمّا دخل على ابن هبيرة قال:- «مثل هذا فليولّ.» ووجّه به إلى مسلم. فلمّا ورد عليه، قال له مسلم:
- «هذا خاتمي، فاعمل برأيك.» فلم يزل معه حتّى قدم أسد [٣] بن عبد الله، [٢٣] فأراد توبة أن يشخص مع مسلم. فقال له أسد:
стр. 1081
- «أقم معى، فأنا أحوج إليك من مسلم.» فأقام معه، فأحسن إلى النّاس، وألان جانبه، وأجمل مع الجند وأعطاهم أرزاقهم. فقال له أسد يوما:
- «أحلفهم بالطّلاق، لا يتخلّف أحد عن مغزاه، ولا يدحل [١] بديلا سواه.» فأبى ذلك توبة ولم يره صوابا وأحلفهم بأيمان أخر. فلمّا قدم عاصم بن عبد الله، أراد أن يحلّف النّاس بالطّلاق، وقالوا:
- «نحلف بأيمان توبة.» فهم يعرفون ذلك له.
حجّ هشام بن عبد الملك وما استحسن له فى هذا الحجّ
وحجّ بالنّاس فى هذه السّنة هشام بن عبد الملك. فممّا [٢] استحسن له ما تحدّث به ابن أبى الزّناد عن أبيه، قال: كتب إلىّ هشام بن عبد الملك قبل أن يدخل المدينة أن أكتب لى سنن الحجّ. فكتبتها له.
قال أبو الزّناد: فتلقّيته [٣] ، فإنّى لفى موكبه أسير خلفه، إذ لقيه سعيد بن عبد الله بن الوليد بن عثمان بن عفّان. فنزل له، وسلّم عليه، ثمّ سار إلى جنبه.
فصاح هشام:
- «أبو الزّناد!» فتقدّمت، فسرت إلى جانبه الآخر، فأسمع سعيدا يقول:
стр. 1082
- «يا أمير المؤمنين، إنّ [١] الله [٢٤] لم يزل ينعم على أهل بيت أمير المؤمنين وينصر خليفته المظلوم، ولم يزالوا يلعنون أبا تراب فى هذه المواطن الصّالحة.
فأمير المؤمنين ينبغي أن يلعنه فى هذه المواطن الفاضلة.» قال: فشقّ على هشام، وثقل عليه كلامه، ثمّ قال:
- «إنّا ما قدمنا لشتم أحد ولا لعنه، إنّما قدمنا حجّاجا.» ثمّ قطع كلامه، وأقبل علىّ، فقال:
- «يا عبد الله بن ذكوان، فرغت ممّا كتبت إليك؟» قلت:
- «نعم.» قال: أبو الزّناد: وثقل على سعيد، ما حضرته يتكلّم به عند هشام، فرأيته منكسرا كلّما رآنى.
هشام بن عبد الملك وظلامة إبراهيم وألسنة قريش
وفى هذه السّنة أيضا كلّم إبراهيم بن محمّد بن طلحة هشام بن عبد الملك وهشام قد صلّى فى الحجر، فقال له:
- «أسألك بالله وبحرمة هذا البيت والبلد الّذى خرجت معظّما [٢] له ولحقّه لمّا رددت علىّ ظلامتي.» قال:
- «أىّ ظلامة؟» قال:
- «دارى.» قال:
- «فأين كنت عن أمير المؤمنين عبد الملك؟» قال:
- «ظلمني.» قال:
стр. 1083
- «فعن الوليد بن عبد الملك؟» قال:
- «ظلمني.» قال:
- «فعن سليمان بن عبد الملك؟» قال:
- «ظلمني.» قال:
- «فعن عمر بن عبد العزيز؟» قال:
- «رحمة الله عليه، لقد ردّها.» قال:
- «فعن يزيد بن عبد الملك؟» [٢٥] قال:
- «هو قبضها منّى وظلمني بعد قبضي لها وهي اليوم فى يديك.» قال هشام:
- «أما والله، لو كان فيك ضرب لضربتك.» قال إبراهيم:
- «فىّ والله ضرب بالسّيف وبالسّوط.» فانصرف هشام، والأبرش خلفه. فقال:
- «أبا مجاشح، كيف سمعت هذا اللسان [١] ؟» قال:
- «ما أجود لسانه!» قال:
- «هذه قريش وألسنتها، ولا يزال فى النّاس بقايا، ما رأيت مثل هذا.»
قدوم أسد خراسان
وكنّا حكينا قدوم خالد بن عبد الله العراق أميرا، وأنّه ولّى أخاه أسد بن عبد الله خراسان. فقدمها ومسلم غاز بفرغانة. فذكر عن أسد أنّه لمّا أتى النّهر ليقطعه، منعه الأشهب بن عبد الله بن تميم أحد بنى غالب، وكان على السّفن
стр. 1084
بآموية [١] . فقال أسد:
- «أقطعنى.» قال:
- «لا سبيل إلى إقطاعك، لأنّى نهيت عن ذلك.» فقال:
- «لاطفوه وأطمعوه.» فأبى. فقال له:
- «فإنّى الأمير.» - «ففعل حينئذ فقال له أسد:
- «اعرفوا هذا حتّى نشركه [٢] فى أمانتنا.» فقطع النّهر وأتى السّغد، فنزل مرج السّغد، وعلى خراج سمرقند هانئ بن أبى هانئ. فخرج فى النّاس يتلقّى أسدا. فلقوه بالمرج وهو جالس [٢٦] على حجر. فتطيّر النّاس وقالوا:
- «أسد على حجر، ما عند هذا خير.» فقال له هانئ:
- «أقدمت أميرا؟» قال:
- «نعم، وما معى إلّا ثلاثة عشر درهما هي فى كمّى، وإنّما أنا رجل منكم.» ودخل سمرقند، وبعث رجلين معهما عهد عبد الرّحمن بن نعيم على الجند، وكان عبد الرّحمن يومئذ على السّاقة، فدفعا إليه العهد والكتاب بالقفول
و
стр. 1085
الإذن لهم. فقرأ الكتاب، وأتى به مسلم بن سعيد وبعهده [١] . فقال مسلم:
- «سمعا وطاعة.» فقام عمرو بن هلال السّدوسى، فقنعه سوطين لما كان منه إلى بكر بن وائل بالبروقان، وشتمه حسين بن عثمان بن بشر بن المحتفر [٢] . فغضب عبد الرّحمن بن نعيم، وزجرهما، وأغلظ لهما، ثمّ أمر بهما فدفعها، وقفل بالنّاس، وشخص معه مسلم. فلمّا قدموا على أسد، وهو بسمرقند، شخص أسد إلى مرو، وعزل هانئا، واستعمل على سمرقند الحسن بن أبى العمرّطة من ولد آكل المرار.
فقدمت على الحسن امرأته وهي الجنوب بنت القعقاع بن الأعلم سيّد الأزد [٢٧] ويعقوب بن القعقاع قاضى خراسان. فخرج يتلقّاها، وغزاهم التّرك، فقيل له:
- «هؤلاء التّرك قد أتوك.» وكانوا سبعة آلاف. فقال:
- «ما أتونا، ولكن أتيناهم، وغلبناهم على بلادهم، واستعبدناهم. وأيم الله، مع هذا، لأدنيّن بعضكم من بعض، ولأقرننّ نواصي خيلكم بنواصي خيلهم. ثمّ خرج، فتباطأ حتّى أغار التّرك وانصرفوا. فقال النّاس:
- «خرج إلى امرأته فتلقّاها [٣] مسرعا. وخرج إلى العدوّ متباطئا.» فبلغه ذلك، فلم يحتملها فخرج إليهم، وخطبهم وقال:
- «تقولون وتعيبون. اللهم اقطع آثارهم، وعجّل أقدارهم، وأنزل بهم
стр. 1086
الضرّاء، وارفع عنهم السرّاء.» فشتم النّاس جهرا وشتموه سرّا.
خطيب يحصر
وكان استخلف حين خرج إلى التّرك ثابت قطنة، وكان خطيبا شاعرا. فلمّا خطب الناس حصر فقال:
- «من يطع الله ورسوله فقد ضلّ!» وأرتج عليه، فلم ينطق بكلمة. فلمّا نزل عن المنبر قال:
فإلّا أكن فيكم خطيبا فإنّنى ... بسيفي، إذا جدّ الوغى لخطيب [٢٨]
فقيل له:
- «لو قلت هذا على المنبر كنت خطيبا.» فهجاه حاجب الفيل، وكان يهاجيه، فقال:
أبا العلاء، لقد لاقيت معضلة ... يوم العروبة من كرب وتخنيق
لمّا [١] رمتك عيون النّاس ضاحية ... أنشأت تجرض، لمّا قمت، بالرّيق
تلوى اللسان إذا رمت الكلام به ... كما هوى زلق من شاهق النّيق
وقال أيضا:
تقضى الأمور، وبكر غير شاهدة ... بين المجاذيف والسّكان مشغول
ما يعرف النّاس منه غير قطنته [٢] ... وما سواها من الآباء مجهول
стр. 1087
ثمّ دخلت سنة سبع ومائة
بكير بن ماهان يوجّه أبا عكرمة وأبا محمّد الصّادق ومحمّد بن خنيس وعمّار دعاة إلى خراسان.
وفيها وجّه بكير بن ماهان أبا عكرمة، وأبا محمّد الصادق [١] ، ومحمّد بن خنيس، وعمّار العبادي فى عدّة من شيعتهم، معهم زياد خال الوليد الأزرق، دعاة إلى خراسان. فجاء رجل من كندة إلى خراسان. فجاء رجل من كندة إلى أسد بن عبد الله، فوشى بهم إليه، فأتى بأبى عكرمه ومحمّد بن خنيس وعامّة أصحابه، ونجا عمّار. فقطع أسد أيدى من ظفر به وأرجلهم [٢٩] وصلبهم. وأقبل عمار إلى بكير بن ماهان، فأخبره الخبر، فكتب إلى محمّد بن علىّ بذلك.
فأجابه:
- «الحمد لله الّذى صدّق مقالتكم ودعوتكم. أما إنّه قتلى ستقتل.»
غزو جبال تمرون
وفى هذه السّنة غزا أسد جبال تمرون ملك الغرشستان ممّا يلي جبال الطّالقان. فصالحه تمرون وأسلم على يديه، فهم اليوم يتولّون اليمن.
غزو الغور
وفيها غزا أسد الغور، وهي جبال هراة. فعمد أهلها إلى أثقالهم، فصيّروها فى كهف ليس إليه طريق. فأمر أسد باتّخاذ توابيت، ووضع فيها الرّجال ودلّاها بالسّلاسل، فاستخرجوا ما قدروا عليه. فقال ثابت قطنة:
стр. 1088
أرى أسدا تضمّن مقطعات ... تهيّبها الملوك ذوو الحجاب
سما بالخيل من أكناف مرو ... يوقّرهنّ [١] بين هلا وهاب
إلى غورين حيث حوى أربّ [٢] ... وصافح بالسّيوف وبالحراب
هدى ضلّالنا قتلى نراها ... مصلّية بأفواه الشّعاب
وكان إذا أناخ بدار قوم ... أراها المخزيات من العذاب [٣٠]
ودخلت سنة ثمان ومائة غزو الختّل
وفيها غزا أسد بن عبد الله الختّل. فذكر على بن محمّد بإسناده، أنّ خاقان أتى أسدا وقد انصرف إلى القواذيان وقطع النّهر، فلم يكن بينهم قتال، ومضى إلى الغوريان، فقاتلوهم يوما، وصبروا لهم، وبرز رجل من المشركين، فوقف أمام أصحابه، وركز رمحه وقد أعلم بعصابة خضراء، وسلم بن أحوز واقف مع نصر بن سيّار، فقال سلم لنصر:
- «قد علمت سوء رأى أسد، وأنا حامل على هذا العلج، فلعلّى أقتله فيرضى [٣] .» قال:
- «شأنك» فحمل عليه، فما اختلج رمحه حتّى غشيه سلم، فطعنه، فإذا هو بين يدي فرسه يفحص برجليه، ورجع سلم، فوقف فقال لنصر:
- «أنا حامل حملة أخرى.»
стр. 1089
فحمل، حتّى إذا دنا منهم اعترضه [١] رجل من العدوّ، فاختلفا ضربتين، فقتله سلم، ورجع سلم جريحا، فوقف. فقال نصر لسلم:
- «قف لى، حتى أحمل عليهم.» فحمل، حتّى خالط العدوّ، فصرع رجلين، ورجع جريحا، ووقف فقال:
- «أترى ما صنعنا يرضيه [٢] ، لا رضى الله عنه؟» [٣١] قال:
- «لا والله، فيما أظنّ.» قال: وأتاهما رسول أسد فقال:
- «يقول لكما الأمير: قد رأيت موقفكما منذ اليوم، وقلّة غنائكما عن المسلمين، لعنكم الله!» فقالا:
- «آمين، إن عدنا لمثل هذا.» وتحاجزوا يومئذ، ثمّ عادوا من الغد. فلم يلبث المشركون أن انهزموا، وحوى المسلمون عسكرهم، وظهروا على البلاد، فأسروا وغنموا. [٣]
ثمّ دخلت سنة تسع ومائة
عزل هشام بن عبد الملك خالدا القسرىّ عن خراسان والسبب فى ذلك
وفى هذه السنّة، عزل هشام بن عبد الملك خالد بن عبد الله القسري عن
стр. 1090
خراسان، وصرف أخاه أسدا عنها. وكان السّبب فى ذلك أنّ أسدا أخا خالد تعصّب، حتّى أفسد النّاس، وخطب فى يوم جمعة فقال فى خطبته:
- «قبّح الله هذه الوجوه، وجوه أهل الشّقاق والنّفاق والشّغب والفساد.
اللهمّ فرّق بيني وبينهم، وأخرجنى إلى مهاجرى [١] ووطنى.» ثمّ قال:
- «من يروم ما قبلي، أو يترمرم [٢] وامير المؤمنين خالي، وخالد بن عبد الله أخى ومعى اثنا عشر ألف سيف يمان؟» ثم نزل عن منبره. فلمّا صلّى ودخل عليه النّاس وأخذوا مجالسهم [٣٢] أخرج كتابا من تحت فراشه، فقرأه على النّاس، فيه ذكر نصر بن سيّار، وعبد الرّحمن بن نعيم، وسورة بن أبجر، والبختري بن أبى درهم من بنى الحارث بن عبّاد. فدعا بهم، وأنبهم، فأرّم [٣] القوم، وتكلّم سورة بن أبجر، فذكر حاله وطاعته ومناصحته، وأنّه ليس ينبغي له أن يقبل قول عدوّ مبطل، وأن يجمع بينهم وبين من فوقهم بالباطل. فلم يقبل قوله، وأمر بهم فجرّدوا، فضرب عبد الرّحمن بن النّعيم، وكان رجلا بطينا أرسح. فلمّا ضرب التوى وجعل سراويله يزلّ عن موضعه. فقام بعض أهل بيته، فأخذ رداء له هرويّا، وقام مادّا ثوبه بيديه، وهو ينظر إلى أسد يريد أن يأذن له فيؤزره. فأومأ إليه أن افعل. فدنا منه فأزّره وقال:
- «اصبر أبا زهير، فإنّ الأمير وال مؤدّب.»