الضرّاء، وارفع عنهم السرّاء.» فشتم النّاس جهرا وشتموه سرّا.
خطيب يحصر
وكان استخلف حين خرج إلى التّرك ثابت قطنة، وكان خطيبا شاعرا. فلمّا خطب الناس حصر فقال:
- «من يطع الله ورسوله فقد ضلّ!» وأرتج عليه، فلم ينطق بكلمة. فلمّا نزل عن المنبر قال:
فإلّا أكن فيكم خطيبا فإنّنى ... بسيفي، إذا جدّ الوغى لخطيب [٢٨]
فقيل له:
- «لو قلت هذا على المنبر كنت خطيبا.» فهجاه حاجب الفيل، وكان يهاجيه، فقال:
أبا العلاء، لقد لاقيت معضلة ... يوم العروبة من كرب وتخنيق
لمّا [١] رمتك عيون النّاس ضاحية ... أنشأت تجرض، لمّا قمت، بالرّيق
تلوى اللسان إذا رمت الكلام به ... كما هوى زلق من شاهق النّيق
وقال أيضا:
تقضى الأمور، وبكر غير شاهدة ... بين المجاذيف والسّكان مشغول
ما يعرف النّاس منه غير قطنته [٢] ... وما سواها من الآباء مجهول
стр. 1087
ثمّ دخلت سنة سبع ومائة
بكير بن ماهان يوجّه أبا عكرمة وأبا محمّد الصّادق ومحمّد بن خنيس وعمّار دعاة إلى خراسان.
وفيها وجّه بكير بن ماهان أبا عكرمة، وأبا محمّد الصادق [١] ، ومحمّد بن خنيس، وعمّار العبادي فى عدّة من شيعتهم، معهم زياد خال الوليد الأزرق، دعاة إلى خراسان. فجاء رجل من كندة إلى خراسان. فجاء رجل من كندة إلى أسد بن عبد الله، فوشى بهم إليه، فأتى بأبى عكرمه ومحمّد بن خنيس وعامّة أصحابه، ونجا عمّار. فقطع أسد أيدى من ظفر به وأرجلهم [٢٩] وصلبهم. وأقبل عمار إلى بكير بن ماهان، فأخبره الخبر، فكتب إلى محمّد بن علىّ بذلك.
فأجابه:
- «الحمد لله الّذى صدّق مقالتكم ودعوتكم. أما إنّه قتلى ستقتل.»
غزو جبال تمرون
وفى هذه السّنة غزا أسد جبال تمرون ملك الغرشستان ممّا يلي جبال الطّالقان. فصالحه تمرون وأسلم على يديه، فهم اليوم يتولّون اليمن.
غزو الغور
وفيها غزا أسد الغور، وهي جبال هراة. فعمد أهلها إلى أثقالهم، فصيّروها فى كهف ليس إليه طريق. فأمر أسد باتّخاذ توابيت، ووضع فيها الرّجال ودلّاها بالسّلاسل، فاستخرجوا ما قدروا عليه. فقال ثابت قطنة:
стр. 1088
أرى أسدا تضمّن مقطعات ... تهيّبها الملوك ذوو الحجاب
سما بالخيل من أكناف مرو ... يوقّرهنّ [١] بين هلا وهاب
إلى غورين حيث حوى أربّ [٢] ... وصافح بالسّيوف وبالحراب
هدى ضلّالنا قتلى نراها ... مصلّية بأفواه الشّعاب
وكان إذا أناخ بدار قوم ... أراها المخزيات من العذاب [٣٠]
ودخلت سنة ثمان ومائة غزو الختّل
وفيها غزا أسد بن عبد الله الختّل. فذكر على بن محمّد بإسناده، أنّ خاقان أتى أسدا وقد انصرف إلى القواذيان وقطع النّهر، فلم يكن بينهم قتال، ومضى إلى الغوريان، فقاتلوهم يوما، وصبروا لهم، وبرز رجل من المشركين، فوقف أمام أصحابه، وركز رمحه وقد أعلم بعصابة خضراء، وسلم بن أحوز واقف مع نصر بن سيّار، فقال سلم لنصر:
- «قد علمت سوء رأى أسد، وأنا حامل على هذا العلج، فلعلّى أقتله فيرضى [٣] .» قال:
- «شأنك» فحمل عليه، فما اختلج رمحه حتّى غشيه سلم، فطعنه، فإذا هو بين يدي فرسه يفحص برجليه، ورجع سلم، فوقف فقال لنصر:
- «أنا حامل حملة أخرى.»
стр. 1089
فحمل، حتّى إذا دنا منهم اعترضه [١] رجل من العدوّ، فاختلفا ضربتين، فقتله سلم، ورجع سلم جريحا، فوقف. فقال نصر لسلم:
- «قف لى، حتى أحمل عليهم.» فحمل، حتّى خالط العدوّ، فصرع رجلين، ورجع جريحا، ووقف فقال:
- «أترى ما صنعنا يرضيه [٢] ، لا رضى الله عنه؟» [٣١] قال:
- «لا والله، فيما أظنّ.» قال: وأتاهما رسول أسد فقال:
- «يقول لكما الأمير: قد رأيت موقفكما منذ اليوم، وقلّة غنائكما عن المسلمين، لعنكم الله!» فقالا:
- «آمين، إن عدنا لمثل هذا.» وتحاجزوا يومئذ، ثمّ عادوا من الغد. فلم يلبث المشركون أن انهزموا، وحوى المسلمون عسكرهم، وظهروا على البلاد، فأسروا وغنموا. [٣]
ثمّ دخلت سنة تسع ومائة
عزل هشام بن عبد الملك خالدا القسرىّ عن خراسان والسبب فى ذلك
وفى هذه السنّة، عزل هشام بن عبد الملك خالد بن عبد الله القسري عن
стр. 1090
خراسان، وصرف أخاه أسدا عنها. وكان السّبب فى ذلك أنّ أسدا أخا خالد تعصّب، حتّى أفسد النّاس، وخطب فى يوم جمعة فقال فى خطبته:
- «قبّح الله هذه الوجوه، وجوه أهل الشّقاق والنّفاق والشّغب والفساد.
اللهمّ فرّق بيني وبينهم، وأخرجنى إلى مهاجرى [١] ووطنى.» ثمّ قال:
- «من يروم ما قبلي، أو يترمرم [٢] وامير المؤمنين خالي، وخالد بن عبد الله أخى ومعى اثنا عشر ألف سيف يمان؟» ثم نزل عن منبره. فلمّا صلّى ودخل عليه النّاس وأخذوا مجالسهم [٣٢] أخرج كتابا من تحت فراشه، فقرأه على النّاس، فيه ذكر نصر بن سيّار، وعبد الرّحمن بن نعيم، وسورة بن أبجر، والبختري بن أبى درهم من بنى الحارث بن عبّاد. فدعا بهم، وأنبهم، فأرّم [٣] القوم، وتكلّم سورة بن أبجر، فذكر حاله وطاعته ومناصحته، وأنّه ليس ينبغي له أن يقبل قول عدوّ مبطل، وأن يجمع بينهم وبين من فوقهم بالباطل. فلم يقبل قوله، وأمر بهم فجرّدوا، فضرب عبد الرّحمن بن النّعيم، وكان رجلا بطينا أرسح. فلمّا ضرب التوى وجعل سراويله يزلّ عن موضعه. فقام بعض أهل بيته، فأخذ رداء له هرويّا، وقام مادّا ثوبه بيديه، وهو ينظر إلى أسد يريد أن يأذن له فيؤزره. فأومأ إليه أن افعل. فدنا منه فأزّره وقال:
- «اصبر أبا زهير، فإنّ الأمير وال مؤدّب.»
стр. 1091
ثم ضرب الجميع، وحلّقهم بعد الضّرب، ودفعهم إلى عبد ربّه [١] بن أبى صالح مولى بنى سليم وكان من الحرسي، وعيسى بن بريق، ثمّ وجّههم إلى خالد، وكتب إليه أنّهم أرادوا الوثوب عليه. فكان ابن بريق كلّما نبت شعر أحدهم حلقه.
وكان البختري بن أبى درهم يقول: [٣٣]- «وددت أنّه ضربني وهذا شهرا.» يعنى نصر بن سيّار، لما كان بينهم بالبروقان.
فأرسل بنو تميم إلى نصر:
- «إن شئتم انتزعناكم من أيديهم.» فكفّهم نصر. فلمّا قدم بهم على خالد، لام أسدا، وعنّفه، وقال:
- «ألا بعثت برؤوسهم؟» فقال عرفجة التميمي:
فكيف [٢] ، وأنصار الخليفة كلّهم ... عناة وأعداء الخليفة مطلق
بكيت ولم أملك دموعي وحقّ لى ... ونصر شهاب الحرب فى الغلّ موثق
وقال نصر:
بعثت بالعتاب فى غير ذنب ... فى كتاب تلوم أمّ تميم
إن أكن موثقا أسيرا لديهم ... فى هموم وكربة وسهوم
رهن قسر فما وجدت بلاء ... كإسار الكريم عند اللئيم
أبلغ المدّعين قسرا، وقسر ... أهل عود القناة ذات الوصوم
стр. 1092
هل فطمتم عن الخيانة والنّك ... ث، أم أنتم كالحاكم [١] المستديم
وقال الفرزدق:
أخالد، لولا الله لم تعط طاعة ... ولولا بنو مروان لم توثقوا نصرا [٣٤]
إذا للقيتم دون شدّ وثاقه ... بنى الحرب لا كشف اللقاء ولا غمرا
وكان قدم خراسان أبو محمّد مولى همدان، داعيا بعثه محمّد بن علىّ بن عبد الله بن عبّاس وقال له:
- «أدع النّاس إلينا، وانزل فى اليمن، والطف بمضر [٢] .» ونهاه عن رجل يقال له غالب من أبرشهر، لأنّه كان مفرطا فى حبّ بنى فاطمة. فلمّا قدم زياد أبو محمّد، ودعا إلى بنى العبّاس، وذكر سيرة بنى مروان وظلمهم، وجعل يطعم النّاس الطّعام، توافى إليه خلق، فقدم عليه غالب من أبرشهر، فكانت بينهم منازعة، غالب يفضّل آل أبى طالب، وزياد يفضّل بنى العبّاس. فأخبر بخبرهم أسد بن عبد الله، فدعا بزياد، وكان معه رجل يكنّى أبا موسى. فلمّا نظر إليه أسد قال له:
- «أعرفك، رأيتك فى حانوت بدمشق.» قال:
- «نعم.» قال أسد لزياد:
- «فما هذا الّذى بلغني عنك.» قال:
- «رفع إليك الباطل. إنّما قدمت خراسان فى تجارة لى وقد فرّقت مالي
стр. 1093
على النّاس ولو قد صار إلىّ خرجت.» قال له أسد:
- «أخرج عن بلادي.» فانصرف عنه، وعاد إلى أمره.
وكان الحسن بن شيخ [١] [٣٥] على خراج مرو، ويبلغه خبره، فدخل على أسد وعظّم عليه أمره، فأرسل إليه. فلمّا نظر إليه قال:
- «ألم أنهك عن المقام بخراسان؟» فقال له زياد:
- «ليس عليك، أيّها الأمير، منّى بأس.» فأحفظه فأمر بقتلهم، وكانوا عشرة.
فقال له أبو موسى:
- «اقض ما أنت قاض.» فازداد غضبا وقال:
- «أنزلتنى منزلة فرعون.» فقال:
- «ما أنزلتك [٢] ، ولكن الله أنزلك.» فقتلوا، وكانوا عشرة من أهل الكوفة، ولم ينج منهم يومئذ إلّا غلامان استصغرهما، وصلب الباقون. فأتى من الغد أحدهما [٣] وسأله أن يلحقه بأصحابه، فأشرف به على السّوق وهو يقول:
- «رضينا بالله ربّا، وبالقرآن إماما، وبمحمد، صلى الله عليه، نبيّا.»
стр. 1094
فدعا أسد بسيف كان لبخارا خذاه [١] ، وضرب عنقه بيده.
ثمّ قدم بعدهم رجل من أهل الكوفة يقال له كثير. فكان يأتيه الّذين لقوا زيادا فيدعوهم. وكان على ذلك سنة أو سنتين، وكان كثير أمّيّا. فقدم عليه خداش [٢] وهو فى قرية يقال لها مرغم، فغلب كثيرا على أمره. ولمّا تعصّب أسد وأفسد النّاس بالعصبيّة، بلغ ذلك هشاما، فكتب إلى خالد: اعزل أخاك.
فعزله، [٣٦] واستأذن له بالحجّ، ففعل. فقفل أسد إلى العراق، واستخلف الحكم بن عوانة الكلبىّ، فأقام الحكم صيفته ولم يغز.
استعمال هشام بن عبد الملك أشرس على خراسان
واستعمل هشام بن عبد الملك على خراسان أشرس بن عبد الله السّلمى، وأمره، أن يكاتب خالدا، وكان أشرس فاضلا خيّرا، كانوا يسمّونه: الكامل، لفضله عندهم.
وقال: ولمّا قدم خراسان، فرح به أهلها، فاستعمل على شرطته عميرة أبا أميّة اليشكري، ثمّ عزله وولّى السّمط، واستقضى محمّد بن زيد وكان أوّل من اتّخذ الرّابطة بخراسان، فاستعمل على الرّابطة عبد الملك بن زياد الباهلىّ.
وتولّى أشرس صغير الأمور وكبيرها بنفسه، وكان يحجّ بالنّاس فى هذه السّنين إبراهيم بن هشام. فيقال: إنّه خطب النّاس بمنى فى غد يوم النّحر وقال:
- «سلوني، فأنا ابن الوحيد، لا تسألون أحدا أعلم منّى.» فقام إليه رجل من العراق فسأله عن الأضحية: أواجبة هي؟ فما درى أىّ
стр. 1095
شيء يقول، فنزل.
ثمّ دخلت سنة عشر ومائة
وفى هذه السّنة همّ أشرس بأن يدعو أهل الذّمّة ممّا وراء النّهر إلى الإسلام [٣٧] على أن يوضع عنهم الجزية.
ذكر سوء رأى أشرس وفساد تدبيره وحرصه على المال حتّى نصب النّاس له الحرب
ذكر أنّ أشرس قال فى عمله بخراسان:
- «أبغونى رجلا له ورع وفضل أوجّهه إلى من وراء النّهر يدعوهم إلى الإسلام.» فأشاروا عليه بأبى الصّيداء صالح بن طريف مولى بنى ضبّة، فقال:
- «لست بالماهر بالفارسيّة.» فضمّوا إليه الرّبيع بن عمران التّيمى. فقال أبو الصّيداء:
- «فإنّى أخرج على شريطة أنّ من أسلم لم تؤخذ منه الجزية، فإنّما خراج خراسان على رؤوس الرّجال.» قال أشرس: «أجل، ذلك لك.» قال أبو الصيداء لأصحابه: «فإنّى أخرج، فإن لم يف أعنتمونى عليهم.» قالوا: «نعم.» فشخص إلى سمرقند، وعليها الحسن بن أبى العمرّطة الكندي حربها وخراجها. فدعا يومئذ أبو الصّيداء أهل سمرقند ومن حولها إلى الإسلام على أن توضع عنهم الجزية. فتسارع النّاس إلى ذلك، فكتب غورك إلى أشرس أنّ الخراج [٣٨] قد انكسر، وكتب أشرس إلى ابن أبى العمرّطة فى ذلك، فقال ابن
стр. 1096
أبى العمرّطة لأبى الصّيداء:
- «لست من الخراج فى شيء. فدونك هانئا والاشحيذ [١] .» فقام [٢] أبو الصّيداء يمنعهم من أخذ الجزية ممّن أسلم. فكتب هانئ إلى أشرس وقال:
- «ممّن تأخذ الخراج، والنّاس قد أسلموا وبنو المساجد.» فكتب أشرس إلى هانئ والعمّال:
- «إنّ الخراج قوّة للمسلمين، وقد بلغني أنّ أهل السّغد وأشباههم لم يسلموا رغبة وإنّما دخلوا فى الإسلام تعوّذا من الجزية، فانظر من اختتن وأقام الفرائض، وحسن إسلامه، وقرأ من القرآن شيئا فارفع عنه خراجه، وإلّا فاستوفه منه.» فأعاد العمّال الجزية على من أسلم، فامتنعوا، واعتزل من أهل السّغد سبعة آلاف، فنزلوا على ستّة فراسخ من سمرقند، وخرج إليه أبو الصّيداء والرّبيع بن عمران التّيمى، وأقسم الشّيبانى وأبو فاطمة الأزدى وجماعته من العرب لينصرونهم [٣] ، ولم يخرج ابن أبى العمرّطة إلى حربهم، فعزل أشرس بن أبى العمرّطة عن الحرب، واستعمل مكانه المجشّر بن مزاحم السّلمى، وضمّ إليه عميرة بن سعد [٣٩] الشّيبانى.
فلمّا قدم المجشّر كتب إلى أبى الصّيداء وثابت قطنة، وكان خرج معه يسألهما أن يقدما عليه فى أصحابهما، فقدم أبو الصّيداء وثابت قطنة، فحبسهما.
стр. 1097
فقال ابو الصّيداء:
- «أغدرتم ورجعتم عمّا قلتم؟» فقال له هانئ:
- «ليس بغدر ما كان فيه حقن الدّماء.» وحمل أبا الصّيداء إلى الأشرس، وحبس ثابت قطنة عنده. فلمّا حمل ابو الصّيداء اجتمع أصحابه، وولّوا أمرهم أبا فاطمة ليقاتلوا هانئا، فقال لهم:
- «كفّوا، حتى أكتب إلى الأشرس فيأتينا رأيه.» فكتبوا إلى أشرس، فكتب الأشرس:
- «ضعوا عليهم الجزية.» فرجع أصحاب أبى الصّيداء منكسرين وضعف أمرهم، ولم يقدموا على محاربة السّلطان، وتتبّع العمّال الرؤساء منهم وحملوا إلى مرو، وبقي ثابت قطنة محبوسا، وألحّ هانئ والعمّال فى الخراج وجباية الأموال والجزية، حتّى استخفّوا [١] بعظماء العجم، وسلّطوا عليهم من أقامهم، وحرّق ثيابهم، وألقى مناطقهم فى أعناقهم، وأخذوا الجزية من الضّعفاء. فكفرت السّغد وبخارى، واستجاشوا التّرك فلم يزل ثابت قطنة فى حبس المجشّر حتّى قدم نصر بن سيّار واليا [٤٠] على المجشّر، فحمل ثابتا إلى أشرس مع إبراهيم بن عبد الله الليثي، فحبسه، وكان نصر بن سيّار ألطفه وأحسن إليه، فمدحه ثابت وهو محبوس عند أشرس، فقال:
ما هاج شوقك من نؤى وأحجار ... ومن رسوم عفاها صوب أمطار
لم يبق منها ومن أعلام عرصتها ... إلّا صبيح [٢] ، وإلّا موقد النّار
стр. 1098
وماثل [١] فى ديار الحىّ بعدهم ... مثل الرّبيئة فى أهدامه العاري
ديار ليلى قفار، لا أنيس بها ... دون الحجون وأين الحجن من دارى
بدّلت منها، وقد شطّ المزار بها ... وادي المخافة لا يسرى بها السّارى
بين السّماوة فى حزم مشرّقة ... ومعنق دوننا آذيّة جارى
نقارع [٢] التّرك ما تنفك نائحة ... منّا ومنهم على ذى نجدة شار
إن كان ظنّى بنصر صادقا أبدا ... فما أدبّر من نقضي وإمرارى
لا يصرف الجند حتّى يستفيء بهم ... نهبا عظيما ويوفى [٣] ملك جبّار
حتّى تروهم ودون [٤] السّرح بارقة ... فيها لواء كظلّ الأجدل الضّارى [٤١]
لا يمنع الضّيم [٥] إلّا ذو محافظة ... من الخضارم سبّاق [٦] بأوتار [٧]
إنّى وإن كنت من جذم الّذى نشرت ... منه الفروع وزندي الثّاقب الواري
لذاكر منك أمرا قد سبقت به ... من كان قبلك يا نصر بن سيّار
ناضلت عنّى نضال الحرّ إذ قصرت ... عنّى لعشيرة واستبطأت أنصارى
وصار كلّ صديق كنت آمله ... ألبا علىّ، ورثّ الحبل من جارى
وما تلبّست بالأمر الّذى وقعوا ... به علىّ ولا دنّست أطمارى
ولا عصيت إماما كان طاعته ... حقّا علىّ، ولا فارقت من عار
ولمّا ارتدّ أهل السّغد وأهل بخارى لأجل الجزية، واستجاشوا التّرك،
стр. 1099
خرج إليهم أشرس، فنزل آمل، وأقام ثلاثة أشهر، وقدم قطن بن قتيبة بن مسلم فعبر النّهر فى عشرة آلاف واقبل التّرك مع أهل بخارى والسّغد فحصروا قطن بن قتيبة فى خندقه، وجعل خاقان ينتخب كلّ يوم فارسا فيعبر، وقطعت قطعة من التّرك النهر فقال قوم:
- «أقحموا [١] دوابّكم عريا.» فعبروا، وأغاروا على سرح النّاس، فأخرج أشرس ثابت قطنة [٤٢] بكفالة عبد الله بن بسطام بن مسعود بن عمرو، ووجّهه مع عبد الله بن بسطام فى خيل، فاتّبعوا التّرك، فقاتلوهم بآمل حتّى استنقذوا ما بأيديهم. ثمّ قطع التّرك النّهر راجعين، ثمّ عبر أشرس بالنّاس إلى قطن بن قتيبة، ووجّه أشرس رجلا يقال له: مسعود، أحد بنى حيّان فى سريّة، فلقيهم العدوّ، فقاتلهم، فهزم مسعود وأصيب رجال من المسلمين، وأقبل العدوّ. فلمّا صاروا بقرب، لقيهم المسلمون، فقاتلوهم، فجال المسلمون، فقتل فى تلك الجولة خلق من المسلمين. ثمّ كرّ المسلمون، وصبروا، فانهزم المشركون، ومضى أشرس بالنّاس حتّى نزل بيكند [٢] ، وقطع عنهم العدوّ الماء، فأقام أشرس والمسلمون فى عسكرهم يومهم وليلتهم، فأضحوا وقد نفد ماؤهم، فاحتفروا فلم ينبطوا وعطشوا، فارتحلوا إلى المدينة الّتى منها قطعوا الماء عنهم [٣] ، وعلى مقدّمة المسلمين قطن بن قتيبة، فلقيهم العدوّ، فقاتلوهم، فجهدوا من العطش، فمات منهم سبعمائة وعجز النّاس عن القتال، وكاد قوم يوسرون من الجهد، فحضّ الحارث بن سريج [٤٣] النّاس. فقال:
- «أيّها النّاس، القتل بالسّيف أكرم فى الدّنيا وأعظم أجرا عند الله من
стр. 1100
الموت عطشا.» وتقدّم الحارث بن سريج [١] وقطن بن قتيبة وجماعة من بنى تميم وقيس، فقاتلوا حتّى أزالوا التّرك عن الماء، وابتدره النّاس، فاستقوا ورووا. فمرّ ثابت قطنة بعبد الملك بن دثار الباهلي، فقال:
- «يا عبد الملك، هل لك فى الجهاد؟» قال:
- «أنظرنى ريث ما أغتسل وأتحنّط.» فوقف له، حتّى خرج ومضى. فقال ثابت لأصحابه:
- «أنا أعلم بقتال هؤلاء منكم.» وحضّهم، فحملوا على العدوّ، واشتدّ القتال، فقتل ثابت وعبد الملك فى عدّة من المسلمين فضمّ قطن بن قتيبة وإسحاق بن حسّان خيلا من بنى تميم تبايعوا على الموت، فأقدموا على العدوّ، فقاتلوهم حتّى كشفوهم وركبهم المسلمون يقتلونهم حتّى حجزهم الليل وتفرّق العدوّ. فأتى أشرس بخارى فحاصر أهلها.
وتحدّث قوم شهدوا قتال التّرك لمّا التقوا على الماء وقاتلوا عليه، قالوا:
سمعنا ثابتا يقول:
- «اللهمّ إنّى كنت ضيف ابن بسطام البارحة، فاجعلني ضيفك الليلة، والله لا ينظر إلىّ بنو أميّة [٤٤] مشدودا فى الحديد.» فحمل، وحمل أصحابه، فكذب أصحابه وثبت هو، فرمى برذونه فشبّ، وضربه فأقدم وضرب فارتثّ، فقال وهو صريع:
- «اللهم إنّى أصبحت ضيفا لابن بسطام، وقد أمسيت ضيفك، فاجعل قراي من ثوابك الجنّة.»
стр. 1101
ولحق غورك فى تلك الوقعة بالتّرك. فيقال: إنّه وقع وسط خيل، فلم يجد بدّا من اللحاق بهم. ويقال: إنّ أشرس كان أرسل إلى غورك يطلب منه طاسا كان عنده. فقال غورك [١] لرسول [٢] أشرس:
- «إنّه لم يبق معى شيء أتدهّن [٣] به غير هذا الطّاس. فاصفح عنه.» فأرسل إليه:
- «اشرب فى قرعة، وابعث إلىّ بالطّاس.» فكان ذلك سبب فراقه.
فيقال: إنّ أشرس نزل قريبا من مدينة بخارى، ثمّ تحوّل منه إلى كمرجة [٤] ، وكانت كمرجة من أشرف آجام خراسان وأعظمها. فمرّ بهم سبّابة [٥] مولى قيس وقال:
- «إنّى قصدتكم للنّصيحة. إنّ خاقان مارّ بكم غد، فأرى لكم أن تظهروا عدّتكم ليرى حدّا واحتشادا فينقطع طمعه منكم.» فقال لهم رجل:
- «استوثقوا منه، فإنّه جاءكم ليفت فى أعضادكم.» [٤٥] قالوا:
- «لا تفعل هذا مولانا، وقد عرفناه بالنّصيحة.» فلم يقبلوا منه، وفعلوا ما أمرهم به المولى. وصبّحهم خاقان، فلمّا حاذى بهم ارتفع إلى طريق بخارى، كأنّه يريدها، فانحدر بجنوده من وراء تلّ بينه
و
стр. 1102
بينهم. فنزلوا وتأهّبوا وهم لا يشعرون بهم. فما فاجأهم أن طلعوا على التّلّ، فإذا جبل حديد [١] فيهم أهل فرغانة والطّاربند وأفشينة ونسف وطوائف من أهل بخارا. فسقط فى أيدى النّاس.
فقال لهم كليب بن قبان [٢] الذّهلى:
- «هم يريدون مزاحفتكم، فسرّحوا دوّابكم المجفّفة فى طريق النّهر، كأنّكم تريدون أن تسقوها، فإذا حدرتموها [٣] فخذوا طريق الباب، وتسرّبوا الأوّل فالأوّل.» فلمّا رءاهم التّرك يتسرّبون، شدّوا عليهم فى مضيق، وكانوا أعلم بالطّريق من التّرك، فسبقوهم إلى الباب، فلحقوهم عنده، وقتلوا رجلا من العرب كان على حاميتهم يقال له المهلّب، وقاتلوهم، فغلبوهم على الباب الخارج من الخندق ودخلوه، فاقتتلوا، وجاء رجل بحزمه قصب قد أشعلها، فرمى بها فى وجوههم، فتنحّوا [٤] ، وأجلوا عن قتلى وجراحات [٥] . [٤٦] وأمسى القوم.
فانصرف التّرك وأحرق العرب القنطرة.
وجاءهم خسرو بن يزدجرد فى ثلاثين رجلا. فقال:
- «يا معشر العرب، لم تقتلون أنفسكم وأنا الّذى جئت بخاقان ليردّ علىّ مملكة آبائى؟ وأنا آخذ لكم الأمان.» فشتموه، فانصرف.
стр. 1103
فجاءهم بازغرى [١] فى مائتين، وكان داهية، من وراء النّهر، وكان خاقان لا يخالفه، ومعه رجلان من قرابة خاقان، ومعه أفراس من رابطة أشرس، فقال:
- «آمنونا حتّى ندنو منكم، وأعرض عليكم ما أرسلنى به إليكم خاقان.» فآمنوه، فدنا من المدينة، فأشرفوا عليه، ومعه أسرى من العرب، وقال بازغرى:
- «يا معشر العرب، احدروا إلىّ رجلا منكم أكلّمه برسالة خاقان.» فحدروا حبيبا مولى مهرة من أهل درقتين [٢] ، فكلّموه، فلم يفهم. فقال:
- «احدروا إلىّ رجلا يعقل عنّى.» فحدروا يزيد بن سعيد الهلالي [٣] ، وكان يشدو شيئا من التركية. فقال له:
- «هذه خيل الرّابطة، ووجوه العرب، معه أسرى.» وقال لهم:
- «إنّ خاقان أرسلنى إليكم وهو يقول لكم: إنّى أجعل من كان عطاءه منكم ثلاثمائة، ستّمائه، ومن كان عطاؤه [٤٧] ستّمائة أجعله ألفا، وهو مجمع بعد هذا على الإحسان إليكم.» فقال له يزيد:
- «هذا أمر لا يلتئم، كيف يكون العرب وهم ذئاب، مع التّرك وهم شاء لا يكون بيننا وبينهم صلح.» فغضب بازغرى.
стр. 1104
فقال التّركيان اللذان معه:
- «ألا تضرب عنقه؟» فقال:
- «لا، نزل إلينا بأمان.» وفهم يزيد ما قالا له، فخاف. فقال:
- «بلى يا بازغرى، إلّا أن تجعلونا نصفين، فيكون نصفنا فى أثقالنا، ويسير النّصف معه، فإن ظفر خاقان فنحن معه، وإن كان غير ذلك كنّا كسائر مدائن سغد.» فرضي بازغرى والتّركيان بما قال [١] . فقال له:
- «اعرض على القوم ما تراضينا به.» وأقبل، فأخذ بطرف الحبل، فجذبوه حتّى صار على السّور، فنادى:
- «يا أهل كمرجه اجتمعوا، فقد جاءكم قوم يدعونكم إلى الكفر بعد الإيمان.» قالوا:
- «لا نجيب ولا نرضى.» قال:
- «يدعونكم إلى قتال المسلمين مع المشركين.» قالوا:
- «نموت جميعا قبل ذلك.» قال:
- «فأعلموهم ذلك.» قال:
- «فأشرفوا عليهم.» فقال:
- «يا بازغرى، أتبيع الأسرى الّذين فى أيديكم فنفادى بهم؟ فأما ما دعوتنا إليه فإنّا لا نجيبكم إليه.» فقال لهم:
- «أفلا تشترون أنفسكم [٤٨] منّا؟ فما أنتم عندنا إلّا بمنزلة من فى أيدينا
стр. 1105
منكم.» وكان فى أيديهم الحجّاج بن حميد النّضرى.
فقالوا:
- «يا حجّاج، إلا تتكلّم؟» قال:
- «علىّ رقباء.» ثمّ أمر خاقان بقطع الشّجر.»
ذكر حيلة تمّت مع اتّفاق حسن
فكان خاقان يقطع الشّجر الرّطب، ويلقيه فى الخندق، وجعل أهل كمرجة يلقون معه الحطب اليابس، حتّى سوّى الخندق ليقطعوا [١] إليهم. فأشعلوا النّيران، فهاجت ريح شديدة، صنعا من الله ، فاشتعلت النّيران فى الحطب، فأحرق ما عملوا فى ستّة أيام، فى ساعة واحدة من نهار، ورميناهم فأوجعناهم، وشغلناهم بالجراحات، فأصابت بازغرى نشّابة فى سرّته، فاحتقن بوله، فمات من ليلته، فقطع أتراكه أذانهم، فأصبحوا بشرّ منكّسين رؤوسهم يبكونه، ودخل عليهم أمر عظيم.
فلمّا امتدّ النّهار، جاءوا بالأسرى، وهم مائة، فيهم أبو العوجاء العتكي وأصحابه، فقتلوهم، ورموا إليهم برأس الحجّاج بن حميد النّضرىّ [٢] ، وكان مع المسلمين مائتان من أولاد [٤٩] المشركين كانوا رهائن فى أيديهم، فقتلوهم، واستماتوا، واشتد القتال، وقاموا على باب الخندق، وصار منهم على السّور خمسة أعلام.
стр. 1106
فقال كليب: «من لى بهؤلاء؟» فقال ظهير بن مقاتل الطّلاوى [١] :
- «أنا لك بهم.» فذهب يسعى وقال لفتيان:
- «امشوا خلفي.» وهو جريح.
فقتل من أصحاب الأعلام اثنان ونجا ثلاثة.
فقال لهم خاقان:
- «عليكم بهذا الغنم وقسمه فى أصحابه.» ثم قال لهم:
- «كلوا لحومها واسلخوا جلودها واملأها ترابا، ثمّ اكبسوا [٢] خندقهم بها.» ففعلوا، وبعث الله سحابة فمطرت وسال الخندق، فاحتمل المطر ما ألقوا فيه [٣] ، فألقاه فى النّهر الأعظم. فيقال: إنّ خاقان لمّا رأى أنّه لا يصل إليهم، شتم أصحابه، وعيّر أهل السّغد وفرغانة والشّاش والدّهاقين وقال لهم:
- «زعمتم أنّ فى هذه خمسين حمارا وأنّا نفتحها فى خمسة أيّام وقد صارت الخمسة الأيام شهرين.» وشتمهم وأمرهم بالارتحال، فقالوا:
- «ما ندع جهدا، ولكن أحضرنا غدا فانظر.» فلمّا كان الغد جاء خاقان فوقف فقام إليه ملك الطّاربند، واستأذنه [٥٠] فى
стр. 1107
القتال والدّخول عليهم. قال:
- «لا أرى أن نقاتل فى هذا الموضع.» وكان خاقان يعظّمه، فقال له:
- «اجعل لى جاريتين من جواري العرب وأنا أدخل عليهم.» فأذن لهم، فقاتل حتّى قتل ثمانية، وجاء حتّى وقف على ثلمة، وكان إلى جنب الثّلمة بيت فيه خرق يفضى إلى الثّلمة، وفى البيت رجل مريض من بنى تميم، فرماه بكلّوب، فتعلّق بدرعه، ثمّ نادى النّساء والصّبيان فجذبوه حتّى سقط لوجهه، ورماه رجل بحجر فأصاب أصل أذنه فصرع، وجاء شابّ أمرد من التّرك، فأخذ سيفه، وغلبناهم على جسده [١] . وكانوا قد اتّخذوا أبنية من خشب، فألصقوها بحائط [٢] الخندق، ونصبوا قبالة ما اتّخذوا أبوابا، وأقعدوا وراءها الرّماة وجاء رجلان، فاطّلع أحدهما فى الخندق، فرماه واحد منّا، فلم تضرّه الرّمية لكثرة سلاحه، وكان عليه كاسخودة [٣] تبّتيّة، فرماه رجل شيبانىّ، وليس يرى منه غير عينيه، ورماه غالب بن المهاجر، فدخلت نشّابة فى عينيه وتنكّس، فلم يدخل خاقان شيء أشدّ منه. فأرسل إلى المسلمين: [٥١]- «أنّه ليس من رأينا أن نرتحل من مدينة ننزل عليها دون افتتاحها أو نرحلهم [٤] عنها.» فقال لهم كليب بن قبان:
- «وليس من ديننا أن نعطى بأيدينا حتّى نقتل، فاصنعوا ما بدا لكم.»
стр. 1108
فرأى التّرك أنّ مقامهم عليهم ضرر، فقالوا:
- «نعطيكم الأمان على أن ترحلوا بأموالكم وأهاليكم إلى سمرقند أو الدّبوسيّة.» ورأى أهل كمرجة ما هم فيه من الحصار والشدّة، فبعثوا إلى أهل سمرقند يشاورونهم. فأشاروا عليهم بالدّبوسيّة وقالوا: هي أقرب.
فرجع إلى أصحابه، فأخذوا من التّرك رهائن لئلّا يعرضوا لهم، وأخذ التّرك من العرب رهائن، وارتحل خاقان، وأظهر أنّه إنّما فعل ذلك من أجل غورك، أنّه مع العرب، وأنّ ابنه المختار طلب إليه فى ذلك مخافة على أبيه. فأجابه إلى ذلك.
وقال المسلمون:
- «أعطونا رجلا كبيرا يكون معنا.» فقال لهم التّرك:
- «اختاروا من شئتم.» فاختاروا كورصول، وكان معهم. فلمّا ارتحل خاقان قال كورصول للعرب:
- «ارتحلوا» .
قالوا:
- «نكره أن نرتحل والتّرك لم يمضوا، فلا [٥٢] نأمنهم أن يعرضوا لبعض النّساء فتحمى العرب، فنصير إلى ما كنّا فيه من الحرب.» قال: فكفّ عنهم حتّى مضى خاقان والتّرك.
فلمّا صلّوا الظّهر أمرهم كورصول بالرّحلة، وقال:
- «إنّما الشّدّة والخوف أن تسيروا فرسخين، ثمّ تصيروا إلى قرى متّصلة، فارتحلوا.» وكان فى أيدى التّرك من العرب خمسة رهائن، وفى أيدى العرب من
стр. 1109
التّرك خمسة، فارتدف خلف رجل من التّرك رجل من العرب معه خنجر، وليس على التّركى غير قباء، فساروا بهم. ثمّ قال العجم لكورصول:
- «إنّ الدّبوسيّة فيها عشرة آلاف مقاتل، فلا نأمن أن يخرجوا علينا.» فقال لهم العرب:
- «إن قاتلوكم قاتلناهم معكم.» فساروا، فلمّا صار بينهم وبين الدّبوسيّة قدر فرسخ وأقلّ [١] ، نظر أهلها إلى فرسان ورجّالة، فظنّوا أنّ كمرجة قد فتحت، وإنّ خاقان قصدهم. فتهيّأوا للحرب، فوجّه كليب بن قبان رجلا من بنى ناجية يقال له الضّحّاك، على برذون يركض، وعلى الدّبوسيّة عقيل بن ودّان السّعدىّ. فأتاهم الضّحّاك وهم صفوف فرسان ورجّالة، فأخبرهم بالخبر، فأقبل أهل الدّبوسيّة [٥٣] يركضون، فحملوا كلّ من كان يضعف عن المشي ومن كان مجروحا. ثمّ إنّ كليبا أرسل محمّد بن كرّان [٢] ومحمّد بن درهم ليعلما سباع بن النّعمان وسعيد بن عطيّة وسائر الرّهائن فى أيدى التّرك، أنّهم قد بلغوا مأمنهم، ثمّ خلّوا عن الرّهن، فجعلت العرب ترسل رجلا من الرّهن الّذين [٣] فى أيديهم من التّرك، وترسل التّرك رجلا من الّذين فى أيديهم من العرب، حتّى بقي سباع بن النّعمان فى أيدى التّرك، ورجل من التّرك فى أيدى العرب، وجعل كلّ فريق منهم يخاف على صاحبه الغدر.
فقال سباع:
- «خلّوا رهينة التّرك.» فخلّوه وبقي سباع فى أيديهم. فلمّا التقى مع كورصول قال له:
стр. 1110
- «لم فعلت هذا؟» قال:
- «إنّى وثقت برأيك، وقلت: ترفّع نفسك عن الغدر فى مثل هذا.» فوصله وسلّحه، وحمله على برذون، وردّه إلى أصحابه.
وكان حصار كمرجة خمسة وثلاثين [١] يوما. فيزعمون أنّهم لم يسقوا إبلهم خمسة وعشرين يوما.
وفى هذه السّنة جعل خالد بن عبد الله القسري بالبصرة الصّلاة مع الشرط والأحداث، والقضاء إلى بلال بن أبى برده، فجمع ذلك كلّه. [٥٤]
ودخلت سنة احدى عشرة ومائة وفيها عزل هشام أشرس بن عبد الله عن خراسان
وكان السّبب فى ذلك، أنّ شدّاد بن خالد بن عبد الله الباهلي شخص إلى هشام، فشكاه، فعزله واستعمل الجنيد بن عبد الرّحمن على خراسان سنة احدى عشرة ومائة. وكان السّبب فى استعماله إيّاه، أنّه كان أهدى لأمّ حكيم بنت يحيى بن الحكم امرأة هشام قلادة فيها جوهر، فأعجبت هشاما، فأهدى لهشام قلادة أخرى، فاستعمله على خراسان، وحمله على ثمانية من البريد، فسأله أكثر من تلك الدوابّ، فلم يفعل. فقدم خراسان فى خمسمائة وأشرس بن عبد الله يقاتل أهل بخارا والسّغد. فسأل عن رجل يسير معه إلى ما وراء النّهر، فدلّ على الخطّاب بن محرز السّلمى خليفة أشرس. فسار معه، فلمّا قدم آمويه، أشار عليه الخطّاب أن يقيم ويكتب إلى من بزمّ ومن حوله، فقدموا عليه، فأبى وقطع النّهر، وأرسل إلى أشرس أن أمدّنى بخيل، وخاف أن يقتطع قبل أن
стр. 1111
يصل إليه، فوجّه إليه أشرس عامر بن مالك [١] الحمّانى. فلمّا كان ببعض الطّريق، عرض له التّرك والسّغد ليقتطعوه قبل أن [٥٥] يصل إلى الجنيد. فدخل عامر حائطا حصينا، وقاتلهم على ثلمة الحائط ومعه ورد بن زياد بن أدهم بن كلثوم، فرماه رجل من العدوّ بنشّابة عرض منخريه، فأنفذ المنخرين. فقال له عامر بن مالك:
- «يا بالزّاهرية، كأنّك دجاجة مقفّ [٢] .» وكان خاقان على تلّ خلفه أجمة عظيمة. فخرج من عسكر أشرس، عاصم بن عمير [٣] السّمرقندى وواصل بن عمرو القينى فى شاكريّته، فاستدارا حتّى صارا من وراء الأجمة والماء، فضمّوا خشبا وقصبا وما قدروا عليه، حتّى اتّخذوا طريقا، فعبروا عليه، فلم يشعر خاقان إلّا بالتّكبير من ورائه، وحمل واصل والشاكريّة على العدوّ، فقاتلوهم، فقتل تحت واصل برذونان، وهزم خاقان وأصحابه.
وخرج عامر بن مالك من الحائط، فمضى إلى الجنيد، وهو فى سبعة آلاف، فتلقّى الجنيد، فأقبل معه وعلى مقدّمة الجنيد عمارة بن خزيم [٤] فلمّا انتهى إلى فرسخين من بيكند، تلقّته خيل التّرك، فقاتلهم، وكاد الجنيد يهلك ومن معه، ثمّ أظهره الله، فسار حتّى قدم العسكر وقد ظفر بأولئك الأتراك. فزحف [٥٦] إليه خاقان فالتقوا دون رومان [٥] من بلاد سمرقند وقطن بن قتيبة على ساقة
стр. 1112
الجنيد، وواصل فى أهل بخارا، وكان ينزلها قاسم ملك الشّاش، وأسر الجنيد ابن أخى خاقان فى هذه الغزاة، فبعث به إلى هشام، وأوفد لمّا أصاب فى وجهه ذلك عمّار بن معاوية العدوىّ ومحمّد بن الجرّاح العبدىّ وعبد ربّه بن أبى صالح السّلمى إلى هشام.
ثمّ أتى الجنيد مرو غانما ظاهرا.
فقال خاقان:
- «هذا غلام مترف هرب منّى [١] العام، وأنا مهلكه فى قابل [٢] .» واستعمل الجنيد عمّاله، فلم يستعمل إلّا مضريّا، وكان بينه وبين الباهليّين تباعد، لما كان بينهم بالبروقان.
ثمّ دخلت سنة اثنتي عشرة ومائة
وفى هذه السّنة استشهد الجرّاح بن عبد الله الحكمي فى من معه من أهل الشّام بمرج أردبيل، وافتتحت التّرك أردبيل. ولمّا بلغ هشاما أنّ التّرك قتلت الجرّاح بن عبد الله وافتتحت أردبيل، دعا سعيد بن عمرو الحرشىّ، [٥٧] فقال له:
- «أنّه بلغني أنّ الجرّاح بن عبد الله قد انحاز عن المشركين.» فقال:
- «كلّا يا أمير المؤمنين، الجرّاح أعرف بالله من أن ينحاز عن العدوّ، لكنّه قتل.» قال:
- «فما الرأى؟» قال:
- «تبعثني على أربعين دابّة من دوّاب البريد، ثمّ تبعث إلىّ كلّ يوم أربعين
стр. 1113
دابّة عليها أربعون رجلا. ثمّ اكتب إلى أمراء الأجناد يوافونى.» ففعل ذلك هشام، فأصاب سعيد بن عمرو للتّرك ثلاثة [١] جموع وفودا إلى خاقان بمن أسروا من المسلمين وأهل الذّمّة. فاستنفذ الحرشىّ ما أصابوا، وأكثر القتل فيهم.
ثمّ أنفذ هشام أخاه مسلمة بن عبد الملك فى أثر التّرك، فسار فى شتاء شديد البرد، ومطر وثلوج، فطلبهم، حتّى جاز الباب، وخلّف الحارث بن عمرو الطائىّ بالباب.
وقعة الجنيد مع الترك
وفى هذه السّنة كانت وقعة الجنيد مع التّرك ورئيسهم خاقان بالشّعب. وفيها قتل سورة بن أبجر والأشراف.
وقد قيل: إنّ هذه الوقعة كانت فى سنة ثلاث عشرة.
وكان سبب ذلك أنّ الجنيد بن عبد الرّحمن خرج [٥٨] غازيا فى هذه السّنة يريد طخارستان، فنزل على نهر بلخ، ووجّه عمارة بن خزيم إلى طخارستان فى ثمانية عشر ألفا، وإبراهيم بن بسّام الليثي فى عشرة آلاف فى وجه آخر.
وجاشت التّرك، فأتوا سمرقند، وعليها سورة بن أبجر أحد بنى دارم. وكتب سورة إلى الجنيد:
- «انّ [٢] خاقان جاش بالتّرك، فخرجت إليهم، فما قدرت أن أمنع حائط سمرقند، فالغوث!»
стр. 1114
فأمر الجنيد النّاس بالعبور، فقام إليه المجشّر بن مزاحم السّلمى وابن بسطام الأزدى، وابن صبيح الحرقى، فقالوا:
- «إن التّرك ليسوا كغيرهم، لا يلقونك صفّا ولا زحفا وقد فرّقت جندك:
فمسلم بن عبد الرّحمن بالرّوب، والبختي [١] بهراة، ولم يحضرك أهل الطّالقان، وعمارة بن خزيم غائب.» وقال له المجشّر:
- «إنّ صاحب خراسان لا يعبر النّهر فى أقلّ من خمسين ألفا، فأكتب إلى عمارة، فليأتك، وأمهل ولا تعجل.» قال:
- «فكيف بسورة ومن معه من المسلمين، لو لم أكن إلّا فى بنى مرّة، أو من طلع معى من أهل الشّام، لعبرت.» قال: [٥٩]
- «أليس أحقّ النّاس أن يشهد الوغا ... وأن يقتل الأبطال، ضخم [٢] على ضخم»
وعبر، ونزل كسّ، وبعث الأشهب بن عبيد الحنظلي ليعلم علم القوم.
فرجع إليه فقال:
- «قد أتوك، فتأهّب.» فبلغ التّرك مسيره، فعوّروا [٣] طريق كسّ وما فيه من الركايا.
فقال الجنيد:
- «أىّ الطّرق إلى سمرقند أمثل؟» قالوا:
- «طريق المحترقة.» فقال المجشّر بن مزاحم السّلمى:
стр. 1115
- «القتل بالسّيف أمثل من القتل بالنّار. إنّ طريق المحترقة فيه الشّجر والحشيش، ولم يزرع منذ سنتين، فقد تراكم بعضه على بعض، فإن لقيت خاقان، أحرق ذلك كلّه، فقتلنا بالنّار والدّخان، ولكن خذ طريق العقبة، فهو بيننا وبينهم سواء.» فأخذ الجنيد طريق العقبة، فارتقى فى الجبل [١] . فأخذ المجشّر بعنان دابّته وقال:
- «إنّه كان يقال: إنّ رجلا من قيس مترفا يهلك على يده جند من جنود خراسان، وقد خفنا أن تكونه.» قال: «أفرخ روعك [٢] .» فقال المجشّر: «أمّا ما كان بيننا مثلك فلا يفرح.» فبات فى أصل العقبة، ثمّ ارتحل حتّى. أصبح، فصار [٦٠] الجنيد بين مرتحل ومقيم، فتلقّاه فارس. فقال له:
- «ما اسمك؟» قال:
- «حرب.» قال:
- «ابن من؟» قال:
- «ابن محرب.» قال:
- «ممّن؟» قال:
- «من بنى حنظلة.» قال:
стр. 1116
- «سلّط الله عليك الحرب، والحرب، والكلب [١] .» ومضى بالنّاس حتّى دخل الشّعب وبينه وبين سمرقند أربعة فراسخ.
فصبّحه خاقان فى جمع عظيم، وزحف إليه السّغد، وشاش، وفرغانة. فحمل خاقان على المقدّمة، وعليها عثمان بن عبد الله بن السّخّير [٢] ، فرجعوا إلى العسكر والتّرك تتبعهم وجاءوهم من كلّ وجه، وقد كان الإخريد [٣] قال للجنيد:
- «ردّ النّاس إلى العسكر، فقد جاءك جمع كثير.» فطلع أوائل الخيل من العدوّ، والنّاس يتغدّون، فرءاهم عبيد الله بن زهير بن حيّان، فكره أن يعلم النّاس حتّى يفرغوا من غدائهم، والتفت أبو الوأل [٤] ، فرءاهم، وقال: «العدّو!» فركب النّاس إلى الجنيد. فصيّر تميما والأزد فى الميمنة، وربيعة فى الميسرة ممّا يلي الجبل [٥] ، وعلى مجفّفة خيل بنى تميم عبيد الله بن زهير بن حيّان، وعلى المجرّدة عمر بن حرفاس [٦] المنقري، وعلى جماعة بنى تميم عامر بن مالك الحمّانى، وعلى الأزد عبد الله بن بسطام [٦١] بن مسعود، وعلى خيلهم المجفّفة والمجرّدة فضيل بن هنّاد وعبد الله بن حوذان: أحدهما على المجفّفة والآخر على المجرّدة. فالتقوا وربيعة ممّا يلي
стр. 1117
الجبل [١] فى مكان ضيّق، فلم يقدم عليهم أحد. وقصد العدوّ الميمنة، وفيها تميم والأزد فى موضع واسع فيه مجال للخيل، فترجّل حيّان بن عبيد الله بن زهير بين يدي أبيه، ودفع برذونه إلى أخيه عبد الملك.
فقال له أبوه:
- «يا حيّان، انطلق إلى أخيك فإنّه حدث وأخاف عليه.» فأبى، فقال:
- «يا بنىّ، إنّك إن قتلت على حالك هذه، قتلت عاصيا.» فرجع إلى الموضع الّذى خلّف فيه أخاه والبرذون فإذا أخوه قد لحق بالعسكر وقد شدّ البرذون، فقطع حيّان مقوده وركبه، فإذا العدوّ قد أحاطوا بالموضع الّذى خلّف فيه أباه وأصحابه، فأمدّهم الجنيد بنصر بن سيّار وبسبعة فيهم جميل بن غزوان. فدخل عبيد الله بن زهير معهم، وشدّوا على العدوّ، فكشفوهم، ثمّ كرّوا عليهم، فقتلوا جميعا، فلم يفلت أحد ممّن كان فى ذلك الموضع. [٦٢] قتل عبيد الله بن زهير، وابن حوذان، وابن حرفاس، والفضيل [٢] بن هنّاد، وجالت الميمنة والجنيد واقف فى القلب، فأقبل إلى الميمنة، فوقف تحت راية الأزد، وقد كان جفاهم.
فقال له صاحب راية الأزد:
- «ما جئتنا لتحبونا ولا لتكرمنا، ولكنّك قد علمت أنّه لا يوصل إليك ومنّا رجل حي، فإن ظفرنا كان لك، وإن هلكنا لم تبك علينا، ولعمري، لئن ظفرنا وبقيت لا أكلّمك كلمة أبدا.» وتقدّم، فقتل، وأخذ الرّاية ابن مجّاعة، فقتل، فتناول الرّاية ثمانية عشر
стр. 1118
رجلا من الأزد.
قال: وصبر النّاس يقاتلون حتّى أعيوا. فكانت السّيوف لا تحيك ولا تقطع شيئا، فقطع عبيدهم الخشب يقاتلون به! حتّى ملّ الفريقان. فكانت المعانقة، فتحاجزوا. فقتل من الأزد خلق، وفيهم الفضيل الحارثي صاحب الخيل. وقتل يزيد بن الفضل الحدّانى، وكان حمل يوم الشّعب على مائة بعير سويقا للمسلمين، فجعل يسأل عن النّاس، فلا يسأل عن أحد إلّا قيل له: «قتل.» فاستقدم وهو يقول:
- «لا إله إلّا الله.» فقاتل حتّى [٦٣] قتل.
وقاتل يومئذ محمّد بن عبد الله بن حوذان وهو على فرس أشقر، عليه تجفاف مذهّب. فحمل سبع مرّات يقتل فى كلّ مرّة رجلا، ثمّ يرجع إلى موقفه، فهابه كلّ من كان فى ناحيته.
فناداه التّرجمان من قبل خاقان:
- «يقول لك الملك: لا تستقتل، وتحوّل إلينا، فنرفض صنمنا الّذى نعبده، ونعبدك» .
فقال محمّد:
- «إنما أقاتلكم لتتركوا عبادة كلّ شيء، وتعبدوا الله وحده.» وقاتل حتّى استشهد.
وقتل جشم بن قريظ الهلالي، وقتل النّضر بن راشد العبدى، وكان دخل على امرأته والنّاس يقتتلون، فقال لها:
«كيف أنت إذا أتيت بابى ضمرة فى لبد مضرّجا بالدّماء؟» فشقّت جيبها، ودعت بالويل. فقال:
- «حسبك، لو أعولت كلّ أنثى علىّ اليوم، لعصيتها شوقا إلى الجنّة.»
стр. 1119
وقاتل حتّى استشهد.
وبينا النّاس كذلك، إذ أقبل رهج، وطلعت فرسان.
فنادى منادى الجنيد:
- «الأرض، الأرض.» فترجّل، وترجّل معه النّاس. ثمّ نادى منادى الجنيد:
- «ليخندق كلّ قائد على حياله.» فخندق النّاس فتحاجزوا. [٦٤] وأصبحوا يوم السبت، فأقبل خاقان نصف النّهار، فلم ير موضعا القتال [١] فيه أيسر من موضع بكر بن وائل، وعليهم زياد بن الحارث، فقصدوهم.
فقالت بكر لزياد:
- «إن القوم قد كثروا، فخلّنا نحمل عليهم قبل أن يحملوا علينا.» فقال لهم:
- «قد مارست منذ سبعين سنة أنّكم إن حملتم عليهم فصعدتم [٢] انبهرتم، ولكن دعوهم حتّى يقربوا.» ففعلوا. فلمّا قربوا منهم، حملوا عليهم، فأخرجوا لهم، فسجد الجنيد.
وقال خاقان يومئذ:
- «إنّ العرب إذا أحرجوا استقتلوا. فخلّوهم حتّى يخرجوا، ولا تعرّضوا لهم.» وخرج جوار للجنيد يولولن، فانتدب رجال من أهل الشّام، فقالوا:
- «الله الله، يا أهل خراسان، إلى أين؟»
стр. 1120
وقال [الجنيد [١]] :
- «ليلة كليلة الجرّاح، ويوم كيومه.» فقيل له:
- «لم، أصلحك الله؟» قال:
- «إن الجرّاح سير إليه بآذربيجان، فقتل [٢] أهل الحجى والحفاظ. فلمّا جنّ عليه الليل انسلّ النّاس تحت الظّلمة إلى مدائن لهم بآذربيجان، وأصبح الجرّاح فى قلّة، فقتل.»
سبب قتل سورة بن أبجر
وفى هذه الغزوة، قتل سورة بن أبجر التّميمى. [٦٥] وكان سبب ذلك أنّ عبد الله بن حبيب قال للجنيد:
- «اختر بين أن تهلك أنت أو سورة.» فقال:
- «هلاك سورة أهون علىّ.» قال:
- «فاكتب إليه، فليأتك فى أهل سمرقند، فإنّ التّرك إن بلغهم أنّ سورة قد توجّه إليك انصرفوا إليه، فقاتلوه.» فكتب إلى سورة يأمره بالقدوم عليه، وقيل: كتب إليه: «أغثنى.» فقال عبادة بن السّليل لسورة:
- «انظر أبرد بيت بسمرقند، فنم فيه. فإنّك إن خرجت لا تبالي أسخط عليك الأمير، أم رضى.» وقال له حليس [٣] بن غالب الشّيبانى:
- «إنّ التّرك بينك وبين الجنيد، فإن خرجت كرّوا عليك، فاختطفوك.»
стр. 1121
فكتب إلى الجنيد:
- «إنّى لا أقدر على الخروج.» فكتب إليه الجنيد:
- «يا بن اللخناء، لتقدمنّ، أو لاوجّهنّ شدّاد بن خالد الباهلي وكان له عدوّا فاقدم، وضع فلانا بفرّخشاذ فى خمسمائة ناشب، والزم الماء، فلا تفارقه.» فأجمع على المسير. فقال له الوجف بن خالد العبدى:
- «إنّك لهلك نفسك والعرب ومن معك بمسيرك.» قال:
- «لا بدّ.» فقال له عبادة [٦٦] وحليس:
- «أمّا إذا أبيت فخذ على النّهر.» فقال:
- «أنا لا أصل إليه على النّهر فى يومين، وبيني وبينه من هذا الوجه ليلة فأصبّحه، فإذا سكنت الرّجل [١] سرّ فصبّحته.»
ذكر إفشاء سرّه فى ذلك حتّى هلك هو ومن معه
فكان خطأه فى هذا الرّأى أن أظهره، وكان ينبغي أن يعرّض بغير الطّريق [الّذى [٢]] يسلكه. فلمّا قال ما قاله، جاءت عيون الأتراك إلى خاقان، فأخبروه بما عزم عليه سورة.
وأمر سورة بالرّحيل، واستخلف على سمرقند موسى بن أسود، وخرج فى اثنى عشر ألفا. فأصبح على رأس جبل دلّه عليه علج. فتلقّاه خاقان حين أصبح، وقد سار ثلاثة فراسخ، وبينه وبين الجنيد فرسخ.
стр. 1122
فقال بعض الرّواة وهو أبو الذّيّال:
- «قاتلهم فى أرض حوّارة.» فصبر، وصبروا حتّى اشتدّ الحرّ. فقال له غورك:
- «يومك يوم حارّ، فلا تقاتلهم حتّى تحمى الشّمس عليهم، وعليهم السّلاح، يثقلهم.» فأخذ خاقان برأيه، وأشعل النّيران فى الحشيش، وواقعهم، وحال بينهم وبين الماء.
فقال سورة لعبادة:
- «ماذا ترى يا أبا السّليل؟» قال:
- «تركت الرّأى.» قال:
- «فما ترى الآن؟» قال:
- «أن تشرع الرّماح، وتزحف [٦٧] زحفا، فإنّما هو فرسخ حتّى تصل إلى العسكر.» قال: «لا أقوى على هذا، ولا يقوى فلان وفلان وعدّد رجالا ولكنّى أرى أن أجمع الخيل ومن أرى أنّه يقاتل، فأصكّهم به، سلمت أم عطبت.» فجمع النّاس، وحملوا، فانكشف التّرك، وثار الغبار، فلم يبصروا. وكان وراء التّرك لهب فسقطوا فيه، سقط فيه العدوّ والمسلمون، وسقط سورة، فاندقّت فخذه، وتفرّق النّاس، فانجلت الغبرة والنّاس متفرّقون. فعطفت التّرك، فقتلوهم لم ينج منهم إلّا ألف رجل.
فانحاز المهلّب بن زياد العجلى فى سبعمائة إلى رستاق يعرف بالمرغاب، فأصيب المهلّب بالمرغاب. لأنّ القوم تبعوهم وقاتلوهم، وقاتلهم أهل قصر من قصور المرغاب. فلمّا أصيب المهلّب، ولّوا أمرهم الوجف بن خالد.
فقال لهم غورك وكان فى من تبعهم مع التّرك:
стр. 1123
- «يا وجف، لكم الأمان.» فقال قريش بن عبد الله.» - «لا تثقوا بهم. ولكن إذا جنّنا [١] الليل خرجنا عليهم حتّى نأتى سمرقند.
فإنّا إن أصبحنا قتلونا.» فعصوه وأقاموا. فساقوهم إلى خاقان فقال:
- «لا أجيز أمان غورك.» فقال غورك للوجف:
- «أنا عبد لخاقان، من شاكريّته.» قال:
- «فلم غررتنا؟» فقاتلهم الوجف وأصحابه [٦٨] فقتلوا غير سبعة عشر رجلا دخلوا حائطا فأمسوا. فقطع المشركون شجرة فألقوها على ثلمة الحائط، فجاء قريش بن عبد الله العبدى إلى الشّجرة، فرمى بها، فخرج فى ثلاثة، فأتوا ناؤوسا فكمنوا فيه، وجبن الآخرون، فقتلوا حين أصبحوا، وقتل سورة.
وكان الجنيد خرج من الشّعب لمّا اشتغل التّرك بسورة، وبادر بالسّير، وكان خالد بن عبيد الله بن حبيب يقول له:
- «سر، سر.» ومجشّر بن مزاحم السّلمى يقول:
- «أذكّرك الله، أقم.» والجنيد يتقدّم. فلمّا رأى المجشّر ذلك، نزل، فأخذ بلجام دابّة الجنيد. فقال:
- «والله، لا تسير ولتنزلنّ طائعا أو كارها، ولا ندعك تهلكنا بقول [٢] هذا
стр. 1124
الهجرىّ، انزل.» فنزل، ونزل النّاس، فلم يتتامّ نزولهم حتّى طلع التّرك.
فقال المجشّر:
- «لو لقونا ونحن نسير، ألم يستأصلونا؟» فلمّا أصبحوا تناهضوا، فانكشفت طائفة وجال النّاس.
فقال الجنيد:
- «ايّها النّاس، إنّها النّار.» فتراجعوا، وأمر الجنيد رجلا فنادى:
- «أىّ عبد قاتل فهو حرّ.» فقاتل العبيد قتالا عجبا عجب منه النّاس، وجعل أحدهم يأخذ اللّبد، فيجوبه [١] ، ويجعله فى عنقه يتوقّى به، فسرّ النّاس بما رأوا من صبرهم، [٦٩] وحمل العدوّ، وصبر النّاس حتّى انهزم العدوّ. فقال موسى بن النّعر للنّاس:
- «أتفرحون بما رأيتم من العبيد! والله، إنّ لكم منهم ليوما أرونان [٢] .» ومضى الجنيد إلى سمرقند، فحمل عيال من كان مع سورة إلى مرو. وكان المجشّر صاحب رأى فى الحرب يرجع إليه. وأمّا عبيد الله بن حبيب فكان له تعبئة فى القتال وعلم به، وكان عبد الرّحمن بن صبح الحرقىّ إذا نزل الأمر العظيم فى الحرب، لم يكن لأحد مثل رأيه.
ولمّا انصرف التّرك إلى بلادهم بعث الجنيد بنهار بن توسعة مع ابن عمّ له إلى هشام بن عبد الملك يخبره.
стр. 1125
- «أنّ سورة عصاني. أمرته بلزوم الماء، فلم يفعل، وتفرّق أصحابه، وأصيب سورة فى جماعة من أصحابه.» فدعا هشام بنهار بن توسعه، فاستخبره الخبر، فأخبره بجميع ما شهد. وكان الجنيد أوفد إلى خالد، وأوفد خالد إلى هشام يحسّن أمره فى قتل سورة.
فقال هشام:
- «إِنَّا لِلَّهِ، وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. ٢: ١٥٦ مصاب سورة بخراسان، والجرّاح بالباب.» فكان أبلى نصر بن سيّار يوم الشّعب، فانقطع سيفه، وانقطع سير [١] ركابه.
فأخذ سيور [٢] ركابه يضرب بها من كان يقاتله [٧٠] حتّى أثخنه، وسقط فى اللهب مع سورة جماعة يومئذ، فلم يشكر الجنيد لنصر ما كان من بلائه.
فقال نصر:
إن تحسدونى على حسن البلاء لكم ... يوما، فمثل بلائي جرّ لى حسدا
يأبى الإله الّذى أعلى بقدرته ... كعبي عليهم، وأعطى فوقكم عضدا
وضربي التّرك عنكم يوم فرقكم ... بالسّيف فى الشّعب، حتّى جاوز السّندا
ذكر آراء أشير بها عليه، فأخذ بأصولها [٣]
ولمّا أقام الجنيد بسمرقند، وانصرف خاقان إلى بخارى، وكان عليها قطن بن قتيبة، فخاف النّاس على قطن من التّرك. فشاورهم الجنيد. فقال قوم:
- «الزم سمرقند، واكتب إلى أمير المؤمنين يمدّك بالجنود.» وقال قوم:
- «بل تسير وتأتى ربنجن، ثمّ تسير منها إلى كسّ ثمّ إلى نسف، فتصل منها إلى أرض زمّ، وتقطع النّهر، فتنزل آمل، فتأخذ عليه بالطّريق.»