فكتب إلى الجنيد:
- «إنّى لا أقدر على الخروج.» فكتب إليه الجنيد:
- «يا بن اللخناء، لتقدمنّ، أو لاوجّهنّ شدّاد بن خالد الباهلي وكان له عدوّا فاقدم، وضع فلانا بفرّخشاذ فى خمسمائة ناشب، والزم الماء، فلا تفارقه.» فأجمع على المسير. فقال له الوجف بن خالد العبدى:
- «إنّك لهلك نفسك والعرب ومن معك بمسيرك.» قال:
- «لا بدّ.» فقال له عبادة [٦٦] وحليس:
- «أمّا إذا أبيت فخذ على النّهر.» فقال:
- «أنا لا أصل إليه على النّهر فى يومين، وبيني وبينه من هذا الوجه ليلة فأصبّحه، فإذا سكنت الرّجل [١] سرّ فصبّحته.»
ذكر إفشاء سرّه فى ذلك حتّى هلك هو ومن معه
فكان خطأه فى هذا الرّأى أن أظهره، وكان ينبغي أن يعرّض بغير الطّريق [الّذى [٢]] يسلكه. فلمّا قال ما قاله، جاءت عيون الأتراك إلى خاقان، فأخبروه بما عزم عليه سورة.
وأمر سورة بالرّحيل، واستخلف على سمرقند موسى بن أسود، وخرج فى اثنى عشر ألفا. فأصبح على رأس جبل دلّه عليه علج. فتلقّاه خاقان حين أصبح، وقد سار ثلاثة فراسخ، وبينه وبين الجنيد فرسخ.
стр. 1122
فقال بعض الرّواة وهو أبو الذّيّال:
- «قاتلهم فى أرض حوّارة.» فصبر، وصبروا حتّى اشتدّ الحرّ. فقال له غورك:
- «يومك يوم حارّ، فلا تقاتلهم حتّى تحمى الشّمس عليهم، وعليهم السّلاح، يثقلهم.» فأخذ خاقان برأيه، وأشعل النّيران فى الحشيش، وواقعهم، وحال بينهم وبين الماء.
فقال سورة لعبادة:
- «ماذا ترى يا أبا السّليل؟» قال:
- «تركت الرّأى.» قال:
- «فما ترى الآن؟» قال:
- «أن تشرع الرّماح، وتزحف [٦٧] زحفا، فإنّما هو فرسخ حتّى تصل إلى العسكر.» قال: «لا أقوى على هذا، ولا يقوى فلان وفلان وعدّد رجالا ولكنّى أرى أن أجمع الخيل ومن أرى أنّه يقاتل، فأصكّهم به، سلمت أم عطبت.» فجمع النّاس، وحملوا، فانكشف التّرك، وثار الغبار، فلم يبصروا. وكان وراء التّرك لهب فسقطوا فيه، سقط فيه العدوّ والمسلمون، وسقط سورة، فاندقّت فخذه، وتفرّق النّاس، فانجلت الغبرة والنّاس متفرّقون. فعطفت التّرك، فقتلوهم لم ينج منهم إلّا ألف رجل.
فانحاز المهلّب بن زياد العجلى فى سبعمائة إلى رستاق يعرف بالمرغاب، فأصيب المهلّب بالمرغاب. لأنّ القوم تبعوهم وقاتلوهم، وقاتلهم أهل قصر من قصور المرغاب. فلمّا أصيب المهلّب، ولّوا أمرهم الوجف بن خالد.
فقال لهم غورك وكان فى من تبعهم مع التّرك:
стр. 1123
- «يا وجف، لكم الأمان.» فقال قريش بن عبد الله.» - «لا تثقوا بهم. ولكن إذا جنّنا [١] الليل خرجنا عليهم حتّى نأتى سمرقند.
فإنّا إن أصبحنا قتلونا.» فعصوه وأقاموا. فساقوهم إلى خاقان فقال:
- «لا أجيز أمان غورك.» فقال غورك للوجف:
- «أنا عبد لخاقان، من شاكريّته.» قال:
- «فلم غررتنا؟» فقاتلهم الوجف وأصحابه [٦٨] فقتلوا غير سبعة عشر رجلا دخلوا حائطا فأمسوا. فقطع المشركون شجرة فألقوها على ثلمة الحائط، فجاء قريش بن عبد الله العبدى إلى الشّجرة، فرمى بها، فخرج فى ثلاثة، فأتوا ناؤوسا فكمنوا فيه، وجبن الآخرون، فقتلوا حين أصبحوا، وقتل سورة.
وكان الجنيد خرج من الشّعب لمّا اشتغل التّرك بسورة، وبادر بالسّير، وكان خالد بن عبيد الله بن حبيب يقول له:
- «سر، سر.» ومجشّر بن مزاحم السّلمى يقول:
- «أذكّرك الله، أقم.» والجنيد يتقدّم. فلمّا رأى المجشّر ذلك، نزل، فأخذ بلجام دابّة الجنيد. فقال:
- «والله، لا تسير ولتنزلنّ طائعا أو كارها، ولا ندعك تهلكنا بقول [٢] هذا
стр. 1124
الهجرىّ، انزل.» فنزل، ونزل النّاس، فلم يتتامّ نزولهم حتّى طلع التّرك.
فقال المجشّر:
- «لو لقونا ونحن نسير، ألم يستأصلونا؟» فلمّا أصبحوا تناهضوا، فانكشفت طائفة وجال النّاس.
فقال الجنيد:
- «ايّها النّاس، إنّها النّار.» فتراجعوا، وأمر الجنيد رجلا فنادى:
- «أىّ عبد قاتل فهو حرّ.» فقاتل العبيد قتالا عجبا عجب منه النّاس، وجعل أحدهم يأخذ اللّبد، فيجوبه [١] ، ويجعله فى عنقه يتوقّى به، فسرّ النّاس بما رأوا من صبرهم، [٦٩] وحمل العدوّ، وصبر النّاس حتّى انهزم العدوّ. فقال موسى بن النّعر للنّاس:
- «أتفرحون بما رأيتم من العبيد! والله، إنّ لكم منهم ليوما أرونان [٢] .» ومضى الجنيد إلى سمرقند، فحمل عيال من كان مع سورة إلى مرو. وكان المجشّر صاحب رأى فى الحرب يرجع إليه. وأمّا عبيد الله بن حبيب فكان له تعبئة فى القتال وعلم به، وكان عبد الرّحمن بن صبح الحرقىّ إذا نزل الأمر العظيم فى الحرب، لم يكن لأحد مثل رأيه.
ولمّا انصرف التّرك إلى بلادهم بعث الجنيد بنهار بن توسعة مع ابن عمّ له إلى هشام بن عبد الملك يخبره.
стр. 1125
- «أنّ سورة عصاني. أمرته بلزوم الماء، فلم يفعل، وتفرّق أصحابه، وأصيب سورة فى جماعة من أصحابه.» فدعا هشام بنهار بن توسعه، فاستخبره الخبر، فأخبره بجميع ما شهد. وكان الجنيد أوفد إلى خالد، وأوفد خالد إلى هشام يحسّن أمره فى قتل سورة.
فقال هشام:
- «إِنَّا لِلَّهِ، وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. ٢: ١٥٦ مصاب سورة بخراسان، والجرّاح بالباب.» فكان أبلى نصر بن سيّار يوم الشّعب، فانقطع سيفه، وانقطع سير [١] ركابه.
فأخذ سيور [٢] ركابه يضرب بها من كان يقاتله [٧٠] حتّى أثخنه، وسقط فى اللهب مع سورة جماعة يومئذ، فلم يشكر الجنيد لنصر ما كان من بلائه.
فقال نصر:
إن تحسدونى على حسن البلاء لكم ... يوما، فمثل بلائي جرّ لى حسدا
يأبى الإله الّذى أعلى بقدرته ... كعبي عليهم، وأعطى فوقكم عضدا
وضربي التّرك عنكم يوم فرقكم ... بالسّيف فى الشّعب، حتّى جاوز السّندا
ذكر آراء أشير بها عليه، فأخذ بأصولها [٣]
ولمّا أقام الجنيد بسمرقند، وانصرف خاقان إلى بخارى، وكان عليها قطن بن قتيبة، فخاف النّاس على قطن من التّرك. فشاورهم الجنيد. فقال قوم:
- «الزم سمرقند، واكتب إلى أمير المؤمنين يمدّك بالجنود.» وقال قوم:
- «بل تسير وتأتى ربنجن، ثمّ تسير منها إلى كسّ ثمّ إلى نسف، فتصل منها إلى أرض زمّ، وتقطع النّهر، فتنزل آمل، فتأخذ عليه بالطّريق.»
стр. 1126
فبعث إلى عبد الله بن أبى عبد الله، فقال:
- «قد اختلف النّاس علىّ فأخبره بما قالوا فما [٧١] الرأى؟» فاشترط عليه ألّا يخالفه فى ما يشير به من ارتحال ونزول أو قتال. قال:
- «نعم.» - «فإنى أطلب إليك خصالا.» قال:
- «ما هي؟» قال:
- «تخندق حيثما نزلت، ولا يفوتنّك حمل الماء ولو كنت على شاطئ نهر، وأن تطيعنى فى نزولك وارتحالك.
فأعطاه ما أراد. فقال:
- «أمّا ما أشاروا به عليك فى مقامك بسمرقند حتّى يأتيك الغياث، فالغياث يبطئ عليك. وإن سرت فأخذت بالنّاس غير الطّريق، فتتّ فى أعضادهم وانكسروا عن عدوّهم، واجترأ عليك خاقان وهو اليوم قد استفتح بخارى ولم تفتح له. فإن أخذت بهم فى غير الطّريق، تفرّق النّاس عنك مبادرين إلى منازلهم، ويبلغ أهل بخارى فيستسلمون لعدوّهم وإن أخذت الطّريق الأعظم، هابك العدوّ. والرّأى أن تعمد إلى عيالات من شهد الشّعب وأصحاب سورة، فتقسمهم على عشائرهم، وتحملهم معك، فإنّى أرجو أن ينصرك الله على عدوّك وتعطى كلّ رجل تخلّف [١] بسمرقند ألف درهم وفرسا.» فأخذ برأيه، وخلّف بسمرقند عثمان بن عبد الله بن الشّخّير فى ثمانمائة رجل فرسانا [٧٢] ورجّالة، وأعطاهم سلاحا.
فشتم النّاس عبد الله بن أبى عبد الله وقالوا:
стр. 1127
- «عرّضنا للهلاك.» وأمر الجنيد بحمل العيال، وخرج معه النّاس، وعلى طلائعه الوليد بن القعقاع، وسرّح الجنيد الأشهب بن عبيد الحنظلي ومعه عشرة من طلائع الجند، وقال له:
- «كلّما مضيت مرحلة، فسرّح إلىّ رجلا يعلمني الخبر.» وسار الجنيد، فلمّا صار بقصر الرّيح، أخذ عطاء [١] الدّبوسىّ [٢] بلجام فرس الجنيد، فكبحه فقرع رأسه هارون الشّاشى مولى ابن خازم بالرّمح حتّى كسره على رأسه.
فقال الجنيد لهارون: «خلّ عن الدّبوسىّ.» وقال له:
- «مالك يا دبوسىّ؟» قال:
أنظر أضعف شيخ فى عسكرك، فسلّحه سلاحا تامّا، وقلّده سيفا وجعبة وترسا، وأعطه رمحا، ثم سر بنا على قدر مشيه، فإنّا لا نقدر على السّوق والقتال وسرعة السّير ونحن رجّالة.» ففعل ذلك الجنيد، فلم يعرض النّاس عارض حتّى خرجوا من الأماكن المخوفة، ودنا من الطواويس، فجاءتنا الطلائع بإقبال خاقان، فعرضوا لهم بكرمينية أوّل يوم من شهر رمضان. فلمّا ارتحل الجنيد من كرمينية قدّم محمّد بن زيد [٣] فى الأساورة آخر النّهار [٧٣] فلمّا كان فى طرف مفازة كرمينية رأى العدوّ ضعيفا. فرجع إلى الجنيد، فأخبره. فنادى منادى ألّا يخرج المكذّبون [٤]
стр. 1128
إلى عدوّهم. فخرج النّاس وشبّت الحرب، وجاء عبد الله بن أبى عبد الله إلى الجنيد يضحك.
فقال له الجنيد:
- «ما هذا بيوم ضحك.» قال:
- «بلى، والحمد للَّه، إذا لم يلقك هؤلاء إلّا فى حال معطشة على ظهر وأنت مخندق آخر النّهار، بل أتوك كالّين وأنت مستريح، معك الزّاد.» فما قاتل التّرك إلّا قليلا، ثم رجعوا.
وكان عبد الله بن أبى عبد الله قال للجنيد وهم يقاتلون:
- «ارتحل.» فقال الجنيد:
- «فهل من حيلة؟» قال:
- «نعم، تمضى برايتك [١] قدر ثلاث غلوات [٢] ، فإنّ خاقان يودّ أنّك لو أقمت، فينطوى عليك إذا شاء.» فأمر بالرّحيل وعبد الله بن أبى عبد الله على السّاقة. ثمّ أرسل إليه أن:
«أنزل.» قال:
- «أنزل على غير ماء؟» فأرسل إليه:
- «إن لم تنزل ذهبت خراسان من يدك.» فنزل، وأمر النّاس أن يستقوا. فذهب النّاس الرّجالة والنّاشبة وهما صفّان، فاستقوا، وباتوا، فلمّا أصبحوا ارتحلوا.
فقال عبد الله بن أبى عبد الله:
стр. 1129
- «إنكم معشر العرب أربعة جوانب، فليس [٧٤] يغيث [١] بعضكم بعضا، كلّ ربع لا يقدر أن يزول عن مكانه مقدّمة وهم: القلب ومجنّبتان وساقة، فإن جمع خاقان خيله ورجاله، ثمّ صدم جانبا منكم وهم ساقه كان بواركم، وبالحرىّ أن يفعل [٢] ، وأنا أتوقّع ذلك فى يومى، فشدّوا السّاقة بخيل.» فوجّه الجنيد بخيل بنى تميم والمجفّفة، وجاءت التّرك، فمالت على السّاقة وقد دنا المسلمون من الطّواويس، فاقتتلوا واشتدّ الأمر بينهم، فحمل سلم بن أحوز على عظيم من عظماء التّرك، فقتله، فتطيّر التّرك وانصرفوا من الطّواويس، ومضى المسلمون فأتوا بخارى يوم المهرجان، فتلقّاهم أهل بخارى بالدّراهم البخاريّة، ففرّق فيهم عشرة عشرة.
وكان الجنيد يذكر خالد بن عبد الله ويقع [٣] فيه ويقول:
- «ربذة بن [٤] الرّبذ، صنبور [٥] بن صنبور، قلّ بن قلّ، هيفة بن [٦] الهيف.» وقدمت الجنود على الجنيد مع عمرو بن مسلم الباهلي فى أهل البصرة، ومع عبد الرّحمن بن نعيم الغامدى [٧] فى أهل الكوفة وهو بالصّغانيان، وابتدأ الشّعراء يمدحون نصر بن سيّار ويذكرون بلاءه، ويذمّون الجنيد، فتركنا ذكرها. [٧٥]
стр. 1130
ودخلت سنة ثلاث عشرة ومائه
وفى هذه السّنة هلك عبد الوهّاب بن بخت وهو مع البطّال بأرض الرّوم.
غزا معه فى هذه السّنة، فانهزم النّاس عن البطّال، فانكشفوا، فجعل عبد الوهّاب يكرّ [١] فرسه ويقول:
- «ما رأيت فرسا أجبن منه، سفك الله دمى إن لم أسفك دمك.» ثمّ ألقى البيضة عن رأسه وصاح:
- «أنا عبد الوهّاب بن بخت، إلى أين أيّها النّاس؟ أمن الجنّة تفرّون؟» ثمّ تقدّم فى نحور العدوّ، فمرّ برجل وهو يقول:
- «وا عطشاه!» فقال:
- «تقدّم، الرّىّ أمامك.» قال: فخالط القوم، وقتل وقتل فرسه.
وفى هذه السّنة صار من دعاة ولد العباس جماعة إلى خراسان، فأخذ الجنيد رجلا منهم، فقتله، ثم قال:
- «من أصبت منهم فدمه هدر.»
ودخلت سنة أربع عشرة ومائة
وفيها ولى عاصم بن عبد الله بن يزيد الهلالي خراسان، وتوفّى الجنيد قبل أن يصل إليها.
وكان سبب ولاية عاصم أنّ الجنيد تزوّج الفاضلة بنت يزيد بن [٧٦]
стр. 1131
المهلّب، فغضب هشام على الجنيد، وكان بين عاصم وبينه عداوة شديدة، فولّاه خراسان وقال:
- «إن أدركته وبه رمق فأرهق نفسه.» وأنّما قال ذلك، لأنّ الجنيد كان قد استسقى بطنه، فمات الجنيد قبل وصول عاصم.
فقال أبو الجويرية:
هلك الجود والجنيد جميعا ... فعلى الجود والجنيد السّلام
أصبحا ثاويين فى بطن مرو ... ما تغنّى على الغصون الحمام
كنتما نهزة الكرام، فلمّا ... متّ مات النّدى ومات الكرام
وفى هذه السّنة خلع الحارث بن سريج، وكانت الحرب بينه وبين عاصم بن عبد الله. وذلك أنّ عاصما لمّا قدم خراسان، أقبل الحارث بن سريج حتّى قدم بلخ، وعليها نصر بن سيّار، والبختي [١] بن ضبيعة المرّى ولّاهما الجنيد.
فلمّا انتهى إلى قنطرة عطاء، وهي على نهر بلخ على فرسخين من المدينة، تلقّاه نصر بن سيّار فى عشرة آلاف، والحارث بن سريج فى أربعة آلاف.
فدعاهما الحارث إلى الكتاب والسنّة والبيعة للرّضا.
فقال قطن بن عبد الرّحمن بن حرّ [٢] الباهلي:
- «يا حارث، أنت تدعو إلى كتاب الله والسّنة. [٧٧] والله، لو أنّ جبرئيل عن يمينك وميكائيل عن يسارك، ما أجبتك.»
стр. 1132
وقاتلهم، فأصابته رمية فى عينه، فكان أوّل قتيل، وانهزم إلى المدينة أهل بلخ، واتّبعهم الحارث حتى دخلها وخرج نصر من باب آخر، فأمر الحارث بالكفّ عنهم، وخرج إلى الجوزجان، واستعمل على بلخ رجلا من ولد عبد الله بن خازم.
ثمّ استشار أصحابه فى قصد مرو. فقال له أبو فاطمة:
- «مرو بيضة خراسان، وفرسانهم كثير، لو لم يلقوك إلّا بعبدهم لانتصفوا منك، فأقم، فإن أتوك قاتلتهم، وإن أقاموا قطعت المادّة عنهم.» فعصاه وغيره [١] وسار.
فقال أهل الدّين من مرو:
- «إن مضى إلى أبرشهر ولم يأتنا فرّق جماعتنا، وإن أتانا نكب.» وبلغ عاصما أنّ أهل مرو يكاتبون الحارث، فأجمع على الخروج وقال:
- «يا أهل خراسان، قد بايعتم الحارث بن سريج، وأنّه قصد بلخ والجوزجان والفارياب والطّالقان ومرو الرّوذ ففتحها، وليس يقصد مدينة إلّا خلّيتموها له. أنا لا حق بأرض قومي أبرشهر، وكاتب منها أمير إلى المؤمنين حتّى يمدّنى بعشرين ألفا من أهل الشّام.» فقال له مجشّر بن مزاحم:
- «إن أعطوك بيعتهم بالطّلاق والعتاق [٧٨] فأقم، وإن أبوا، فسر حتّى تنزل أرض أبرشهر وتكاتب أمير المؤمنين.» فقال خالد بن هريم [٢] وهلال بن عليم:
- «لا والله، لا نخلّيك والذّهاب، فيلزمنا ذنبك عند أمير المؤمنين، ونحن.
стр. 1133
معك حتّى نموت إن بذلت الأموال.» قال:
- «فإنّى أفعل.» قال يزيد بن قران الرّياحى:
- «إن لم أقاتل معك ما قاتلت، فبنت الأبرد بن قرّة الرّياحى طالق ثلاثا.» وكانت عنده. فقال عاصم:
- «كلّكم على هذا؟» قالوا:
- «نعم.» وكان سلمة بن أبى عبد الله صاحب حرسه يحلّفهم بالطّلاق.
وأقبل الحارث بن سريج إلى مرو فى جمع كثير يقال ستّون ألفا، ومعه فرسان الأزد وتميم وعدّة من الدّهاقين، وخرج عاصم فى أهل مرو، وغيرهم، فعسكر عند البيعة وقال: فأعطى النّاس دينار دينارا، فخفّ عنهم النّاس، وأعطاهم ثلاثة دنانير ثلاثة دنانير. فلمّا قرب بعضهم من بعض، أمر بالقناطر فكسرت. فجاء أصحاب الحارث، فقالوا:
- «تحصروننا فى البرّيّة [١] ، دعونا نقطع إليكم فنناظركم فى ما خرجنا له.» فأبوا عليهم. وذهبت رجّالتهم يصلحون القناطر، وأتاهم رجّالة مرو يقاتلونهم ويمنعونهم. فمال محمّد بن المثنّى برايته إلى عاصم، فلمّا فعل ذلك بدأ أصحاب الحارث بالحملة، والتقى النّاس، فقتل قوم وانهزم أصحاب الحارث، فغرق بشر كثير من أصحاب [٧٩] الحارث ومضت الدّهاقين إلى بلادهم. فأرسل عاصم بجماعة إلى الحارث يسأله ما يريد. فبعث الحارث إليه بمحمّد بن مسلم وحده، فرجع معهم، وقال لهم:
- «إنّ الحارث وإخوته يقرأون عليكم السّلام ويقولون: قد عطشنا، فدعوا
стр. 1134
ننزل الليلة ونتناظر غدا، فإن اتّفقنا، وإلّا كنتم من وراء أمركم.» فأبوا عليه. فقال مقاتل بن حيّان:
- «يا أهل خراسان، كنّا بمنزلة أهل بيت واحد، ثغرنا واحد، ويدنا على عدوّنا واحدة، وقد أنكرنا ما صنع صاحبكم. وجّه إليه أميرنا بجماعة الفقهاء والقرّاء من أصحابه، ووجّه [هو] رجلا واحدا.» قال محمّد:
- «إنّما أتيتكم مبلغا، وسيأتيكم الّذى تطلبون غدا إن شاء الله.» وانصرف محمّد بن مسلم إلى الحارث.
وسار الحارث، فبلغ عاصما، فلمّا أصبح سار إليه، فالتقوا واقتتلوا، فهزم أصحاب الحارث وقتلوا قتلا ذريعا، وقطع الحارث وادي مرو، وضرب رواقا.
فكفّ عنه عاصم، ولو ألحّ فى طلبه لأهلكه.
وكان الحارث قال لأصحابه:
- «لا يردّ لى راية.» فلمّا هزم هذه الهزيمة، أجمع أصحابه على مفارقته.
وكان عاصم لمّا رأى الحارث يستفحل أمره والنّاس يميلون إليه وهو يفتح كلّ يوم [٨٠] مدينة، هابه وانهزم أصحابه، وخشي أن يبطئ عنه المدد من جهة الخليفة فيهلك.
ودخلت سنة سبع عشرة ومائة
وفيها عزل هشام بن عبد الملك عاصم بن عبد الله عن خراسان وضمّها إلى خالد بن عبد الله، فولّاها أخاه أسد بن عبد الله.
ذكر السّبب فى ذلك
كان عاصم كتب إلى هشام بن عبد الملك:
- «أمّا بعد، يا أمير المؤمنين، فإنّ الرّائد لا يكذب أهله. وقد كان من أمير
стр. 1135
المؤمنين إلىّ ما يحقّ به علىّ النّصيحة له، وإنّ خراسان لا تصلح إلّا أن تضمّ إلى صاحب العراق، فتكون موادّها ومعونتها فى الأحداث والنّوائب من قريب لتباعد أمير المؤمنين عنها وتباطؤ غياثه عمّن يكون بها.» فلمّا أمضى كتابه، أخرج حديثه إلى أصحابه، مثل مجشّر بن مزاحم ويحيى بن حصين وأشباههم. فقال لهم المجشّر بعد ما مضى الكتاب:
- «كأنّك بأسد قد طلع عليك.» فقدم أسد بعد كتاب عاصم بشهرين.
ثمّ عاد الحارث واستعدّ وأراد مناجزة عاصم. فلمّا بلغ عاصما أنّ أسد بن عبد الله قد أقبل، صالح الحارث، وكتب بينه وبينه كتابا على أن ينزل الحارث أىّ كور خراسان [٨١] شاء، على أن يكتبوا [١] جميعا إلى هشام يسألونه كتاب الله وسنّة نبيّه. صلّى الله عليه فإن أبى، أجمعوا أمرهم جميعا عليه.
فختم على الكتاب جماعة من الرّؤساء ممّن رضى به، وأبى يحيى بن حصين وقال:
- «هذا خلع لأمير المؤمنين.» وكان فى بعث الشّام رجل من اليمانية يعدل بألف رجل، اختارته اليمانية، يكنّى أبا داود، وكان فى خمسمائة. فكان لا يمرّ بقرية من قرى خراسان إلّا قال لأهلها:
- «انتظروني [٢] ، فكأنّكم بى قد مررت بكم راجعا حاملا رأس الحارث بن سريج.» فلمّا التقوا خرج ودعاه إلى البراز، فبرز له الحارث بن سريج، فضربه فوق
стр. 1136
منكبه الأيسر، فصرعه، وحامى أصحابه فحملوه، فخولط فكان يقول:
- «يا أبرشهر [١] ، يا أصحاب العموداه [٢] ، الحارث بن سريجاه.» ورمى الحارث بن سريج رجل من أهل الشّام بنشّابة فأصابت لبان فرسه، فاستحضره وألحّ عليه بالضّرب حتّى [٣] عرّقه وشغله عن ألم الجراحة، فحمل الشّامى عليه برمحه، حتّى إذا ظنّ أنّ الرّمح قد خالطه، مال الحارث عن فرسه، ثمّ لحق الشّامىّ. فقال له الشّامىّ:
- «بحرمة الإسلام إلّا كففت عن دمى.» قال:
- «انزل عن فرسك.» فنزل، وركبه الحارث.
وعظّم أهل [٨٢] الشّام يحيى بن الحصين لما كان منه فى أمر الكتاب الّذى كتبه عاصم. وكان هشام لمّا بلغه أمر الحارث بن سريج وكتاب عاصم، كتب إلى خالد بن عبد الله:
- «ابعث أخاك ليصلح ما أفسد. فإن كانت وجبة فلتكن به.» فوجّه أخاه أسدا إلى خراسان وما يملك عاصم من خراسان إلّا مرو وناحية أبرشهر، والحارث بن سريج بمرو الرّوذ، وخالد بن عبد الله الهجرىّ بآمل من قبل الحارث. فأقام أسد أيّاما يروّى: أيقصد الحارث بمرو الرّوذ، أم خالدا بآمل؟ حتّى أجمع على توجيه عبد الرّحمن بن نعيم الغامدى فى أهل الكوفة إلى الحارث، وسار أسد إلى آمل، فلقيه خيل عظيمة لأهل آمل عليها
стр. 1137
زياد الفرشى [١] فهزمهم، وتحصّنوا فى ثلاث مدائن لهم، ونزل عليهم أسد وحصرهم ونصب المجانيق عليهم وهناك خالد بن عبد الله الهجري من قبل الحارث بن سريج. فلمّا ضاق عليهم الحصار طلبوا الأمان.
فخرج إليهم بعض أصحاب أسد وقال:
- «يقول لكم الأمير: ما تطلبون؟» قالوا:
- «كتاب الله وسنة نبيّه.» قال:
- «فلكم ذلك.» قالوا:
- «على ألّا يأخذ أهل المدن بجنايتنا.» فأعطاهم ذلك.
وسار أسد إلى بلخ فى طريق زمّ، وكان أهل بلخ [٨٣] قد تابعوا [٢] سليمان بن عبد الله بن خازم، فقدم بلخ، ثمّ اتّخذ سفنا، وسار منها إلى التّرمذ، فوجد الحارث محاصرا لها، وكان مع الحارث وجوه النّاس ومعه السّيل [٣] . فنزل أسد دون النّهر، ولم يطق العبور إليهم، ولا أن يمدّ أهل التّرمذ. إلّا أنّ أهل التّرمذ قد قويت نفوسهم، فهم يخرجون ويقاتلون أشدّ قتال.
فكان أصحاب الحارث من القرّاء يأتون أبواب التّرمذ، فيبكون عندهم، فيشكون جور بنى مروان، ويسألونهم أن يمالئوهم على حرب بنى مروان، حتّى تكون أيديهم واحدة، فيأبون عليهم.
فقال السّيل يوما للحارث وهو معه:
- «يا حار، إنّ التّرمذ بنيت بالطّبول والمزامير، ولا تفتتح بالبكاء، إنّما تفتتح
стр. 1138
بالسّيف. فقاتل إن كان بك قتال.» فتركه السّيل وأتى بلاده وارتحل أسد إلى بلخ، وخرج أهل التّرمذ إلى حارث، فقاتلوه ووثبوا حتّى هزموه، وقتلوا أبا فاطمة وعكرمة وخلقا من أهل البصائر.
وسار أسد إلى سمرقند على طريق زمّ وكان بزمّ القاسم الشّيبانى بحصن هناك. فلمّا مرّ به أسد لم يعرض له. ولمّا عاد فى هذا الوقت مجتازا به، بعث إلى الهيثم الشّيبانى وهو بزّم أيضا [٨٤] فى طاعة الحارث. فقال له:
- «إنّكم ما أنكرتم على قومكم إلّا سوء سيرتهم، ولم يبلغ ذلك السّبى ولا استحلال الفروج ولا غلبة المشركين على مثل سمرقند، وأنا أريد سمرقند، ولك عهد الله وميثاقه أن لا يبدأك منّى شرّ، ولك المواساة واللطف والكرامة والأمان [١] لمن معك، وإن أنت غمطت ما دعوتك إليه، فعلى عهد الله وميثاقه وذمّة أمير المؤمنين وذمّة خالد، إن أنت رميت بسهم أن لا أومنك أبدا، ولا أفي لك بأمان إن جعلته لك.» فخرج إليه على ما أعطاه من الأمان. فآمنه، وسار معه إلى سمرقند.
قتل دعاة بنى العبّاس بخراسان
وفى هذه السّنة أخذ أسد جماعة من دعاة بنى العبّاس بخراسان، فقتل بعضهم ومثل ببعضهم. فكان فيهم سليمان بن كثير، ومالك بن الهيثم، وموسى بن كعب، ولاهز بن قريط، وعدّة منهم. فأمّا موسى بن كعب، فأمر به فألجم بلجام حمار، وأمر باللجام أن يجذب، فجذب حتّى تحطّمت أسنانه، ثمّ أمر فوجئ لحياه، فندر ضرسه. وضرب لاهز بن قريط بالسّوط، وأمر بصلبه، فتكلّم
стр. 1139
فيه الحسن بن زيد وقال:
- «هو لى جار وهو بريء [٨٥] ممّا قرف [١] به.» فوهبه له.
فقال:
- «والآخرون أعرفهم بالبراءة.» فخلّى سبيلهم وضمنهم [٢] .
ودخلت سنة ثماني عشرة ومائة
وفيها وجّه بكير بن ماهان خداشا على خراسان يدعو إلى محمّد بن علىّ، فصار واليا على شيعة بنى العباس. ويقال إنّ اسمه عمّار بن يزيد، فغيّر اسمه.
فلمّا دعا النّاس تسارعوا إليه، وقبلوا ما جاءهم به، وسمعوا وأطاعوا، حتّى غيّر ما دعاهم إليه، وتكذّب وأظهر دين الخرّمّية ودعا إليه، ورخّص لبعضهم نساء بعض، وأخبرهم أنّ ذلك دين محمّد بن علىّ.
فبلغ ذلك أسد بن عبد الله، فوضع عليه العيون حتّى ظفر به، فأتى به فسأله فلم يلطف به وجعل يغلّظ فى بعض كلامه. فأمر به أسد فقطعت يداه وقلع لسانه وسمل وصلب بآمل.
ثمّ إن أسدا لما انصرف من سمرقند سرّح جديعا الكرماني إلى القلعة الّتى فيها [٣] الحارث من طخارستان العليا. فحصرهم وقتل مقاتلتهم، وكان فيها
стр. 1140
أصهار الحارث ورهطه، فسبى عامّة أهلها من العرب والموالي وغيرهم من الذّرارىّ، وباعهم فيمن يزيد بسوق بلخ. [٨٦]
والسّبب فى ذلك
وكان السّبب فى ذلك أنّه كان قد نقم على الحارث نحو من خمسمائة رجل من أصحابه أشياء ورئيسهم جرير بن الميمون القاضي، وهمّوا بمفارقته.
فقال لهم الحارث:
- «إن كنتم لا بدّ مفارقىّ وطلبتم الأمان فاطلبوه وأنا شاهد، فإنّه أجدر أن يجيبوكم، وإن ارتحلت قبل ذلك لم تعطوا الأمان.» فقالوا:
- «ارتحل أنت عنّا وخلّنا.» ثمّ بعثوا من يطلب لهم الأمان، فوصل أسدا الرّسول وأحسن إليه.
فقال الرّسول:
- «إنّ القوم فى القلعة، ليس لهم طعام ولا ماء.» فغدر بهم وسرّح أسد جديعا الكرماني فى ستّة آلاف. فلمّا كان بينه وبين القلعة فرسخ أو دونه، نزل حتّى وافاهم قوم فيهم المهاجر بن ميمون فى جماعة مستأمنة. فتركهم حتّى اجتمعوا. ثمّ خطبهم فقال بعد حمد الله والثّناء عليه:
- «يا أهل بلخ، لا أجد لكم مثلا غير الزّانية من أتاها أمكنته من رجلها.
أتاكم الحارث فى ألف من العجم فأمكنتموه من مدينتكم، فقتل أشرافكم وطرد أميركم. ثمّ سرتم معه مكانفيه [١] إلى مرو فخذلتموه. ثمّ انصرف إليكم منهزما،
стр. 1141
فأمكنتموه من المدينة. والّذى نفسي بيده، لا يبلغني عن رجل منكم [٨٧] كتب كتابا إليهم فى سهم إلّا قطعت يديه ورجليه. فأمّا من كان معى من أهل مرو فهم خاصّتى، ولست أخاف غدرهم.» ثمّ نهد إلى القلعة وحصرها وكان القوم مجهودين، قد جاعوا وعطشوا.
فنادى مناديه أن:
- «قد نبذنا إليكم بالعهد.» وقاتلوهم. فسألوا أن ينزلوا على الحكم وتترك نساؤهم وأولادهم، فنزلوا على حكم أسد. وأقام حتّى رجع إليه جواب كتابه من أسد على يد المهلّب بن عبد العزيز العتكىّ [١] بكتاب يقول فيه:
- «احمل إلىّ خمسين رجلا منهم، وليكن فيهم المهاجر بن ميمون وأمثاله من وجوههم.» ففعل، فقتلهم أسد.
وكتب إلى الكرماني أن يصيّر الّذين بقوا عنده أثلاثا. فثلثا يصلبهم، وثلثا يقطع أيديهم وأرجلهم، وثلثا يقطع أيديهم. ففعل ذلك الكرماني وباع أثقالهم وذراريّهم كما حكينا.
موت علىّ بن عبد الله بن العبّاس
وفى هذه السّنة مات علىّ بن عبد الله بن العبّاس وله ثمان وسبعون سنة، وكان ولد فى الليلة الّتى ضرب فيها علىّ بن أبى طالب- رضى الله عنه [٢]- فسمّاه عبد الله بن العبّاس أبوه عليّا وكنّاه أبا الحسن وقال:
стр. 1142
- «سمّيته باسم أحبّ النّاس إلىّ.»
ودخلت سنة تسع عشرة ومائة
وفيها لقى أسد صاحب التّرك، فقتله وغنم كلّ ما معه، وقتل خلقا، وسلم أسد والمسلمون [٨٨] .
ذكر الخبر عن هذه الوقعة
لمّا دخل أسد الختل كتب ابن السّائجى [١] إلى خاقان يعلمه دخول أسد الختّل، وتفرّق جنده، وأنّه بحال مضيعة.
وكان ابن السّائجى هذا استخلفه السّيل عند موته وأوصى إليه. وسيجيء خبره إن شاء الله.
فلمّا أتاه كتابه تجهّز، وكان لخاقان مرج وجبل حمى لا يقربها أحد. فصاد ما فى المرج ثلاثة أيام وما فى الجبل ثلاثة أيام. فتجهّزوا ودبغوا جلود الصّيد، واتّخذوا أوعية، واتّخذوا القسّى والنّشّاب، ودعا خاقان ببرذون مسرّج ملجم، وأمر بشاة فقطّعت، ثمّ علّقها فى معاليق سرجه، وأخذ شيئا من ملح، فصيّره فى كيس وجعله فى منطقته، وأمر كلّ تركىّ أن يفعل مثل ذلك وقال:
- «هذا زادكم حتّى تلقوا العرب بالختّل.» فلمّا أحسّ ابن السّائجى بخاقان قد أقبل، بعث إلى أسد:
- «أخرج عن الختّل، فإنّ خاقان قد أظلّك.» فشتم أسد رسوله ولم يصدّقه. فبعث صاحب الختّل:
стр. 1143
- «إنّى لم أكذبك، وأنا الّذى أعلمته دخولك وتفرّق جندك. وأعلمته أنّها فرصة [٨٩] له، وسألته المدد. غير أنّى نظرت فرأيت أنّك قد أمعرت [١] البلاد وأصبت الغنائم. فإن لقيك على هذه الحالة ظفر بك، وعادتنى العرب أيضا ما بقيت، واستطال علىّ خاقان، واشتدّت مؤنته، وأمتنّ علىّ يقول: أخرجت العرب من بلادك ورددت عليك ملك.» فعرف أسد أنّه صدقه، فأمر بالأثقال أن تقدّم، وولّى عليها إبراهيم بن عاصم العقيلىّ، وهو الّذى ولى سجستان بعد، وأخرج معه المشيخة. فسارت الأثقال.
وكتب أسد إلى داود بن شعيب والأصبغ بن ذؤالة [٢] الكلبي وقد كان وجّهها فى وجه أنّ خاقان قد أقبل. فانضمّا إلى الأثقال مع إبراهيم بن عاصم. ووقع إلى داود والأصبغ رجل دبوسى، فأشاع أنّ خاقان قد هزم المسلمين وقتل أسدا.
فقال الأصبغ:
- «إن كان أسد ومن معه أصيبوا، فإنّ فيئتنا [٣] هشام ننحاز إليه، فإنّ الله حىّ قيّوم وجنود المسلمين كثير.» قال داود:
- « [أ] فلا ننظر ما فعل أسد فنخرج على علم؟» قال: «بلى.» فسارا حتّى شارفا عسكر إبراهيم. فإذا هما بالنّيران.
فقال داود: «هذه نيران المسلمين، لأنّها متقاربة، ونيران الأتراك متفرّقة.»
стр. 1144
فقال الأصبغ: [٩٠]- «هم فى مضيق.» ثمّ دنوا، فسمعوا نهيق الحمير.
فقال داود:
- «أما علمت أنّ التّرك ليس لهم حمير؟» فقال الأصبغ:
- «أصابوها بالأمس، ولم يستطيعوا أكلها فى يوم ولا اثنين.» فقال داود:
- «نسرّح فارسيّين فيكبّران.» فبعثا إلى العسكر بهما. فلمّا دنوا منهم كبّرا، فأجابهما أهل العسكر بالتكّبير.
فأقبلوا إلى العسكر الّذى فيه الأثقال، ومع إبراهيم أهل الصّغانيان وصاغان [١] خذاه. فضامّا إبراهيم بن عاصم.
وأقبل أسد يريد أن يخوض نهر بلخ، وقد كان إبراهيم قطعه بالسّبى وجميع ما أصاب. فلمّا أشرف أسد على النّهر، وقد أتاه أنّ خاقان قد سار من الشومان [٢] سبع عشرة ليلة، قام إليه أبو نميلة [٣] بن بحر وعبد الرّحمن بن حيفر [٤] الأزديان، فقالا:
- «أصلح الله الأمير، إنّ الله قد أحسن بلاءك فى هذه الغزوة، فغنمت
و
стр. 1145
سلمت، فاقطع هذه النّطفة واجعلها وراء ظهرك.» فأمر بهما، فوجئت رقابهما وأخرجا من العسكر، وأقام يومه.
فلمّا كان من الغد ارتحل وفى النّهر ثلاثة وعشرون موضعا يخوضه النّاس، وموضع فيه مجتمع ماء يبلغ دفّتى السّرج. فخاضه النّاس. وأمر أن يحمل كلّ رجل شاة، وحمل هو نفسه شاة.
وقال له غسّان بن عبيد الله [٩١] بن مطرّف بن الشّخّير [١] :
- «أيها الأمير، إنّ الّذى أنت فيه من حمل الشّاء، ليس له خطر، وقد فرّقت النّاس، وشغلتهم وأظلّك عدوّك، فدع هذه الشّاء لعنة الله عليها ومر النّاس بالاستعداد.» فقال أسد:
- «والله، لا يعبر رجل ليس معه شاة حتّى تفنى هذه الغنم، الفارس يحملها بين يديه، والرّاجل على عنقه.» وخاض النّاس.
فلمّا حفرت سنابك الخيل النّهر، صار بعض المواضع مخائض يقع فيها الرجل. فأمر أسد بالشّاء أن تقذف ويخوضوا. فما استتمّ النّاس العبور حتّى طلعت عليهم التّرك بالدّهم، فقتلوا من لم يقطع النّهر، وجعل النّاس يقتحمون، وركب أسد إلى النّهر، وأمر بالإبل أن يقطع بها النّهر حتّى يحمل عليها الأثقال. وأقبل رهج من ناحية الختّل، فإذا خاقان. فلمّا توافى معه صدر من جنده حمل على الأزد وبنى تميم، وكانوا على مسلحة خلّفهم أسد على الضّعفة من النّاس.
فلمّا حمل عليهم خاقان انكشفوا، وركض أسد حتّى انصرف إلى عسكره،
و
стр. 1146
بعث إلى أصحاب الأثقال الّذين كان قد سرّحهم أمامه أن:
- «انزلوا وخندقوا مكانكم فى بطن الوادي.» وأقبل خاقان، [٩٢] فظنّ المسلمون أنّه لا يقطع النّهر إليهم. فلمّا نظر خاقان إلى النّهر أمر الإسكند [١] ، وهو يومئذ اصبهبذ، أن يسير فى الصّفّ. وسأل الفرسان وأهل البصر بالحرب:
- «هل يطاق قطع النّهر والحملة على أسد؟» وكلّهم يقول:
- «لا يطاق.» حتّى انتهى إلى استجن [٢] فقال:
- «بلى يطاق، لأنّنا خمسون ألف فارس، فإذا نحن اقتحمنا دفعة واحدة ردّ بعضنا عن بعض الماء، فذهبت جريته.» قال: فضربوا بكوساتهم. فظنّ أسد ومن معه أنّه منهم وعيد، فأقحموا دوابّهم، فجعلت تنخر أشدّ النّخير. فلمّا رأى المسلمون إقحام التّرك ولّوا إلى العسكر، وعبرت التّرك، فسطع رهج شديد لا يبصر الرّجل دابّته ولا يعرف بعضهم بعضا، ودخل المسلمون عسكرهم وحوى التّرك ما كان خارجا، وخرج الغلمان بالبراذع والعمد، فضربوا وجوه التّرك، فأدبروا. وبات أسد وعبّأ من الليل تخوّفا من غدوّ [٣] خاخان. فلمّا أصبح لم ير شيئا، ودعا وجوه النّاس واستشارهم.
стр. 1147
فقالوا له:
- «اقبل العافية.» قال:
- «ما هذه عافية، بل هذه بليّة، لقينا خاقان أمس، فظفر وأصاب من الجند والسّرح [١] ، فما منعه اليوم منّا إلّا أنّه قد وقع فى يده أسرى [٩٣] فأخبروه بموضع الأثقال.» فكان هذا رأيا جيّدا وحديثا صوابا من أسد، وقد علم العدوّ أنّ الثقل أمامنا، فترك لقاءنا طمعا فيها [٢] .
ثمّ ارتحل أسد وبعث أمامه الطّلائع. فرجع بعضهم فأخبره أنّه عاين طوقات الأتراك وأعلاما من أعلام اسكند [٣] ، فسار [والدوابّ] [٤] مثقلة. فقيل له:
- «انزل أيّها الأمير واقبل العافية.» فقال:
- «واين العافية فأقبلها، إنّما هي بليّة ذهاب الأموال والأنفس.» فلمّا صار الى منزل وأمسى، استشار النّاس:
- «أتنزلون أم تسيرون؟» فقال النّاس:
- «اقبل العافية، وما عسى أن يكون من ذهاب الأثقال بعافيتنا وعافية أهل خراسان» ونصر بن سيّار مطرق.
فقال أسد:
- «مالك يا بن سيّار لا تتكلّم؟»
стр. 1148
فقال: «أصلح الله الأمير، خلّتان كلتاهما لك: إن تسر تغث الأثقال وتخلّصهم، وإن أنت انتهيت إليهم وقد هلكوا، فقد قطعت قحمة لا بدّ من قطعها.» فقبل رأيه وسار يومه كلّه.
قال: ودعا أسد قبل أن يسير سعيدا الصّغير، وكان عالما بطريق الختّل فارسا، وكتب معه كتابا إلى إبراهيم يأمره بالاستعداد ويعلمه أنّ خاقان طواه وتوجّه إلى ما قبلك. ثم قال له:
- «سر [٩٤] بالكتاب إلى إبراهيم حيث كان قبل الليل، فإن لم تفعل فأسد بريء من الإسلام إن لم يقتلك، وأنت لحقت بالحارث هربا منّى، فعلىّ مثل الّذى حلفت. إنّى أبيع أمرأتك دلال فى سوق بلخ، وجميع أهل بيتك.» قال سعيد:
- «فادفع إلىّ فرسك الكميت الذّنوب.» قال:
- «لعمري، لئن جدت بدمك وبخلت عليك بالفرس، إنّى للئيم.» فدفعه إليه وسار على دابّة من جنائبه وغلامه على فرس معه فرس أسد يجنبه. فلمّا حاذى غبرة طلائع التّرك تحوّل إلى فرس أسد، فطلبته الطّلائع، فركض ولم يلحقوه. وأتى إبراهيم بالكتاب وتبعه بعض الطّلائع حتّى وافوا عسكر إبراهيم والأثقال. فرجعوا إلى خاقان فأخبروه. فغدا خاقان اليوم الثّانى على الأثقال وقد خندق إبراهيم خندقا والنّاس قيام عليه. فأمر خاقان أهل السّغد بقتالهم. فلمّا دنوا من مسلحة المسلمين، ثاروا فى وجوههم فهزموهم، وقتلوا منهم رجلا.
فقال خاقان:
- «اركبوا.» وصعد تلّا مشرفا، وجعل ينظر العورة، ووجّه المقاتلة وكذا كان يفعل ينفرد فى رجلين [٩٥] أو ثلاثة، فإذا رأى عورة أمر جنوده فحملت من ناحية العورة.
стр. 1149
ذكر ظفر خاقان ثمّ انهزامه باتّفاق حسن مع تدبير جيّد وجدّ فى المسير من أسد حتّى رجع كيد العدوّ عليه وسلم المسلمون وأثقالهم
ولمّا صعد خاقان التّلّ رأى خلف العسكر جزيرة ودونها مخاضة. فدعا بعض قوّاد التّرك، فأمرهم أن يقطعوا فوق العسكر فى مقطع وصفه، ثمّ ينحدروا، فى الجزيرة، حتى يأتوا عسكر المسلمين من ورائهم، وأمرهم أن يبدءوا بالأعاجم وأهل الصّغانيان وقد عرفهم بأبنيتهم وأعلامهم. وقال لهم:
- «إن أقام القوم فى خندقهم وأقبلوا إليكم دخلنا نحن خندقهم، وإن ثبتوا لنا، فادخلوا من دبره عليهم.» ففعلوا، ودخلوا عليهم من ناحية الأعاجم، فقتلوا صاغان خذاه، ودخلوا عسكر إبراهيم، فأخذوا عامّة ما فيه، وترك المسلمون التّعبئة، واجتمعوا فى موضع وأحسّوا بالهلاك، فإذا رهج قد ارتفع وتربة سوداء، وإذا أسد فى جنده قد أتاهم، فجعلت التّرك ترتفع عنهم إلى الموضع الّذى فيه خاقان وإبراهيم [٩٦] يتعجّب من كفّهم، وقد ظفروا، وقتلوا من قتلوا، بعد [١] إصابتهم الغنيمة، وهو لا يطمع فى أسد.
وكان أسد قد أغذّ السّير، فأقبل أسد حتّى وقف على التّلّ الّذى عليه خاقان، وتنحّى خاقان إلى ناحية الختّل، وخرج إلى أسد من كان بقي من أصحاب إبراهيم وقد قتل منهم بشر كثير ومشيخة من خزاعة. وخرجت امرأة صاغان خذاه إلى أسد فبكت زوجها، وبكى أسد معها حتّى علا صوته.
وانصرف خاقان على طريق طخارستان وهناك الحارث بن سريج، فانضمّ الحارث إلى خاقان، وسار معه فى أصحابه، ومضى أسد إلى بلخ، فعسكر فى
стр. 1150
مرجها حتّى الشّتاء، وكان الحارث يقول لخاقان:
- «إنّه لا نهوض بأسد، وقد تفرّق عنه العسكر.» فبثّ خاقان جنده فى الغارات على النّواحى وأقبل حتّى نزل جزّة، فأمر بالنّيران، فرفعت على أعلى المدينة. فجاء النّاس من الرّساتيق إلى مدينة بلخ.
فأصبح أسد وصلّى، وخطب النّاس وقال:
- «إن عدوّ الله الحارث بن سريج [١] استجلب طاغية التّرك ليطفئ نور الله ويبدّل دينه، وإنّ عدوّكم قد أصاب من إخوانكم ما أصاب، فإن يرد الله نصركم لم يضرركم [٩٧] قلّتكم وكثرتهم، فاستنصروا الله.» ثمّ وضع جبهته لله ، ودعا، فأمّنوا عليه، ثمّ رفعوا رؤوسهم وهم لا يشكّون فى الفتح. ثمّ نزل عن المنبر وضحّى، وكان يوم الأضحى، وشاور النّاس فى المسير إلى خاقان.
فقال قوم:
- «أنت شاب [٢] لا تتخوّف من غارة على دابّة ولا شاة إلّا ما لا خطر فيه لخروجك [٣] .» فقال:
- «والله لأخرجنّ، فإمّا ظفر وإمّا شهادة.» ثمّ أخذ من جبلة بن أبى داود مائة وعشرين ألف درهم، وأمر النّاس بعشرين عشرين، ومعه من جنود خراسان وأهل الشّام سبعة آلاف رجل.
فاستخلف على بلخ الكرمانىّ، وأمره أن لا يدع أحدا يخرج من مدينتها وإن
стр. 1151
ضرب التّرك باب المدينة.
فقال نصر بن سيّار الليثي والقاسم بن بخيت وجماعة أمثالهم وسعيد الصّغير:
- «أصلح الله الأمير، ائذن لنا فى الخروج ولا تهجّن [١] طاعتنا.» فأذن لهم وخرج فنزل بابا من أبواب بلخ، وصلّى بالنّاس ركعتين طوّلهما، ونادى فى النّاس:
- «ادعوا الله.» وأطال الدّعاء بالنّصر وأمّن النّاس على دعائه.
ثمّ انتقل من دعائه فقال:
- «نصرتم وربّ الكعبة إن شاء الله.» ثلاث مرّات.
ثمّ نادى مناديه: [٩٨]- «بريت الذّمّة من رجل حمل امرأة.» وسار، فلمّا كان عند قنطرة عطاء، قال لمسعود بن عمرو:
- «أبغنى خمسين رجلا وراية أخلّفهم على هذه القنطرة، فلا يدع أحدا ممّن جازها أن يرجع.» وكان مسعود هذا يخلف الكرمانىّ بحضرته. فقال مسعود:
- «من أين أجد خمسين رجلا؟» فأمر به فصرع عن دابّته وضرب. ثمّ أمر بضرب عنقه. فتكلّم فيه قوم، فكفّ عنه.
وسار منزلا وأقام حتّى أصبح، فقال له بعضهم:
- «ليتمّ الأمير على المقام يومه حتّى يتلاحق النّاس.»
стр. 1152
فأمر بالرّحيل وقال:
- «لا حاجة لنا فى المتخلّفين [١] .» ثمّ جعل على مقدّمته سالم بن منصور تفألا باسمه. فلقى ثلاثمائة من التّرك طليعة لخاقان. فأسر [٢] قائدهم وسبعة معه وهرب بقيّتهم، فأتى به أسدا، فبكى التّركىّ. فقال أسد:
- «ما يبكيك؟» فقال:
- «لست أبكى لنفسي، وإنّما أبكى لهلاك خاقان.» قال:
- «وكيف؟» قال:
- «لأنّه فرّق خيله فى ما بينه وبين مرو.» وسار أسد حتّى إذا شارف العين الحارّة استقبله بشر بن رزين، فقال:
- «ما وراءك؟» قال:
- «إن لم تلحقنا [٣] غلبنا على مدينتنا.» فقال:
- «قل للمقدام بن عبد الرّحمن يطاول نزّ رمحي [٤] .» وسار فنزل مدينة [٩٩] الجوزجان وقد استباحها خاقان. فأتاه المقدام بن عبد الرّحمن فى مقاتلته وأهل الجوزجان، وانصرفت طلائع الخاقان إليه، فأخبرته أنّ رهجا ساطعا من قبل بلخ طلع.
стр. 1153
فدعا خاقان الحارث فقال:
- «ألم تزعم أنّ أسدا ليس به نهوض؟ وهذا رهج من ناحية بلخ.» فقال الحارث:
- «هذا هو اللصّ الّذى كنت أخبرتك أنّه من أصحابى.» فبعث خاقان طليعة وقال:
- «أنظروا هل ترون على الإبل سريرا وكراسىّ» فجاءته الطلائع، فأخبرته أنّهم عاينوها.
فقال خاقان:
«اللصوص لا يحملون الأسرّة والكراسىّ. هذا أسد قد أتاك.» فسار أسد غلوة، فلقيه سالم بن منصور فقال:
- «أبشر أيّها الأمير، حزرتهم [١] فلا يبلغون أربعة آلاف، وأرجو أن يكون عقيرة الله.» وسار أسد على تعبئة، ميمنة وميسرة وقلبا، وعبّى خاقان مثل ذلك وجعل على ميمنته الحارث بن سريج وأصحابه وملك السّغد وصاحب الشّاش وصاحب الختّل والتّرك كلّهم معه. فلمّا التقوا حمل الحارث ومن معه على الميسرة، وفيها ربيعة وأهل الشّام، فما ثبت له أحد، وانهزموا، فلم يردّهم شيء دون رواق أسد، ثمّ شدّت عليهم ميمنة أسد وهم الأزد وبنو تميم والجوزجان، [١٠٠] فانهزم الحارث والأتراك، فحمل النّاس جميعا.
فقال أسد:
- «اللهمّ إنّهم عصوني فانصرهم.»
стр. 1154
وذهب التّرك عباديد لا يلوى بعضهم على، بعض، وتبعهم النّاس يقتلون من لحقوا منهم، حتّى انتهوا إلى أغنامهم، فاستاقوا أكثر من خمسين ومائة ألف رأس، ودوابّ كثيرة، وأخذ خاقان غير طريق الجادّة فى الجبل، والحارث بن سريج يحميه، وهاجت ريح الحرب الّتى تسمّى الهفّافة، فهزمهم الله تعالى.
فقال الجوزجان لعثمان بن عبد الله بن الشّخّير:
- «إنّى أعلم ببلادي وطرقها، فهل لك فى أمر فيه هلاك خاقان ولك فيه ذكر ما بقيت؟ فقال:
- «وما هو؟» قال:
- «تتبعني.» قال:
- «نعم.» فأخذ به طريقا يسمّى ورادك، فأشرفوا على طوقات [١] خاقان وهم آمنون، فأمر خاقان بالكوسات فضربت ضربة الانصراف وقد شبّت الحرب، فلم يقدر التّرك على الانصراف ثمّ ضربت الثّانية، فلم يقدروا لاشتغالهم. فحمل ابن الشّخّير والجوزجان على الطوقات، وولىّ خاقان مدبرا، فحوى المسلمون عسكرهم، وتركوا قدورهم تغلى ونساءهم مع نساء العرب كنّ معهم، ووحل بخاقان دابّته، فحماه الحارث بن سريج، وأراد خصّى لخاقان أن يحمل امرأة خاقان، [١٠١] فأعجلوه عن ذلك، فطعنها [٢] بخنجر، فلحقوها وهي تتحرّك، فأخذوا خفّها وهو من لبود مضرّب، ووجد عسكر التّرك مشحونا من كلّ شيء من آنية الفضّة وصنّاجاتهم وأمتعتهم. وبعث أسد بجوارى التّرك إلى دهاقين خراسان، فاستنقذ من كان فى أيديهم من المسلمين، وانصرف أسد إلى
стр. 1155
بلخ اليوم التّاسع من خروجه، فقال ابن السّجف المشاجعى:
لو سرت فى الأرض تقيس الأرضا ... تقيس منها طولها والعرضا
لم تلق خيرا مرّة ونقضا ... من الأمير أسد وأمضى
أفضى إلينا الخير حين أفضى ... وجمع الشّمل وكان رفضا [١]
ما فاته خاقان إلّا ركضا ... قد فضّ من جموعه ما فضّا
يا ابن سريج قد لقيت حمضا ... حمضا به يشفى صداع المرضى
وأصاب أسد أربعة آلاف درع، وكان أسد يوجّه النّاس فى السّرايا، فكانوا لا يزالون يصيبون جماعة من التّرك.
ومضى خاقان إلى بلاده، فلمّا ورد سروشنه، تلّقاه [١٠٢] خرّابغره جدّ كاوس أبى الأفشين باللعّابين، وأعدّ له هدايا عظيمة ودوّاب له ولجنده. وكان الّذى بينهما متباعدا، ولكنّه لمّا رجع منكوبا، أحبّ أن يتّخذ عنده يدا، فأتاه بكلّ ما يقدر عليه. فلمّا رجع خاقان إلى بلاده أخذ فى الاستعداد للحرب ومحاصرة سمرقند. وحمل الحارث بن سريج وأصحابه على خمسة آلاف برذون، وفرّق فى أصحابه مثلها.
ثمّ إنّه لاعب يومّا كورصول بالنّرد على خطر تدرجة، فقمر كورصول الرقشى [٢] ، فطلب منه التدرجة، فقال أحدهما: أنثى، وقال الآخر: ذكر. وتأدّى التّنازع إلى أن رفع يده فضرب يد خاقان، فأوهنه، فحلف خاقان ليكسرنّ يد كورصول، فتنحّى كورصول من بين يديه، وجمع جمعا، ثمّ بيّت خاقان فقتله، وتفرّق عنه التّرك، فتركوه مجرّدا، حتّى أتاه عظماء التّرك، ودفنوه، وصنع به
стр. 1156
ما يصنع بمثله، وتفرّقت التّرك فى الغارات بعضها على بعض، وانحاز بعضهم إلى الشّاش. فعند ذلك طمع أهل السّغد فى الرّجعة إليها، فلم يسلم من خيل التّرك الّتى تفرّقت فى الغارات إلّا زرابر [١] الكسّى، فإنّه سلم حين صار إلى طخارستان. [١٠٣]
ذكر اتّفاق حسن اتّفق لمقاتل بن حيّان من غير قصد منه
كان أسد بعث من مدينة بلخ رجلا يعرف بسيف بن وصّاف إلى هشام يخبره بما أظلّه من الخطب العظيم، ويستمدّه. فلمّا وصل إليه أخبره، فلم يصدّقه هشام، وقال لحاجبه:
- «ويحك، إنّ هذا الشيخ قد أتانا بالطّامّة الكبرى إن كان صادقا، ولا أظنّه صادقا، اذهب به، فغدّه [٢] ، ثمّ سله، وأتنى بما يقول.» ففعل، ثمّ سأله فأخبره بما أخبر به هشاما، فدخل عليه أمر عظيم، وصرفه.
ثمّ دعاه بعد أيّام بسيرة، وقال له:
- «من القاسم [٣] بن بخيت منكم؟» قال:
- «ذاك، صاحب العسكر.» قال:
- «فإنّه قد أقبل.» قال:
- «فإن كان قد أقبل، فقد فتح الله على أمير المؤمنين.» وكان أسد وجّهه حين فتح عليه، فأقبل القاسم بن بخيت، فكبّر على الباب، ثمّ دخل يكبّر وهشام يكبّر معه حتّى انتهى إليه. فقال:
- «الفتح يا أمير المؤمنين.»
стр. 1157
وأخبره الخبر. فنزل هشام عن سريره، فسجد سجدة الشّكر، وهي واحدة عندهم. فحسدت القيسيّة أسدا وخالدا، وقالوا لهشام:
- «اكتب إلى خالد فليأمر أخاه أن يوجّه مقاتل بن حيّان.» فكتب إليه، فدعا [١٠٤] أسد مقاتل بن حيّان على رؤوس النّاس وقال له:
- «سر إلى أمير المؤمنين، فأخبره بما عاينت، وقل الحقّ، وأنت لا تقول غير الحق إن شاء الله، وخذ من بيت المال حاجتك.» فقال النّاس:
- «إنّه لا يأخذ شيئا، أعطه من المال كذا وكذا، ومن الكسوة كذا.» وجهّزه. فسار حتّى قدم على هشام وهو والأبرش جالسان. فسأله، فقال:
كان من أمرنا كيت وكيت. إلى أن قال:
- «قصدنا خاقان، فساق من الذّرارىّ وأهل البلدان بعد أن قاتلناه كذا يوما، ثمّ واقعناه وهو لا ينتظر، فحملوا على ميسرتنا فكشفوهم، ثمّ حملت ميمنتنا فهزمناهم، ثمّ تبعناهم حتّى استبحنا عسكر خاقان بما فيه من النّساء والذّرارىّ والآلات.» وكان هشام متكئا، فاستوى جالسا عند ذكر خاقان، وقال ثلاثا:
- «أنتم استبحتم عسكر خاقان؟» قال:
- «بلى» قال:
- «حاجتك.» قال:
- «إنّ يزيد بن المهلّب أخذ من أبى حيّان من غير حقّ مائة ألف.» فقال هشام:
- «لا أكلّفك شاهدا، أحلف بالله، إنّه لكما قلت.» فحلف، فردّها عليه من بيت مال خراسان، وكتب إلى خالد أن يكتب إلى
стр. 1158
أسد فيها. فكتب إليه، فأعطاه مائة ألف، فقسمها بين [١٠٥] ورثة حيّان على فرائض الله.
خروج المغيرة بن سعيد على خالد بن عبد الله
وفى هذه السّنة خرج على خالد بن عبد الله المغيرة بن سعيد وبيان [١] فى نفر، فأخذهم وقتلهم.
ذكر السّبب فى ذلك أمّا المغيرة بن سعيد، فكان يتشيّع، ثمّ نسبت إليه أمور شنيعة فيها تزيّد وإسراف.
فأحدها ما حكاه صاحب التّاريخ على ما أخبرنا به القاضي عن محمّد بن جرير الطّبرى، قال: حدّثنا ابن حميد قال: حدّثنا جرير عن الأعمش، قال سمعت المغيرة بن سعيد يقول:
- «لو أراد [٢] علىّ أن يحيى عادا وثمود وقرونا بين ذلك كثيرا، لأحياهم.» قال الأعمش:
- «كان المغيرة يخرج إلى المقبرة، فيتكلّم فيرى مثل الجراء على القبور.» ونحو هذا من الكلام.
وحكيت عنه حكايات عظيمة .
فلمّا أخذ خالد المغيرة وأصحابه أتى بهم، وهم سبعة، وأمر بسريره،
стр. 1159
فأخرج إلى المسجد الجامع، وأمر بأطنان قصب ونفط، فأحضر، ثمّ أمر المغيرة أن يتناول طنّا، فكعّ وتأنّى، فصبّت السّياط على رأسه، فتناول طنّا فاحتضنه، فشدّ عليه، ثمّ صبّ عليه وعلى الطّنّ نفط، [١٠٦] ثمّ ألهبت النّار، فاحترقا، ثمّ فعل بالرّهط مثل ذلك. ثمّ أمر بيانا آخرهم، فتقدّم إلى الطّنّ مبادرا، فاحتضنه، فقال خالد:
- «ويلكم، فى كلّ أمركم تحمقون، هلّا رأستم هذا إلّا المغيرة [١] .» ثمّ أحرقه.
وكان هؤلاء يسمّون الوصفاء، وكان ظهورهم وخروجهم بظهر الكوفة، فأخبر خالد القسري بخروجهم وهو على المنبر، فقال:
- «أطعمونى ماء [٢] .» وقيل فيه:
أخالد لا جزاك الله خيرا ... وأير فى حر أمّك من أمير
وقلت من المخافة أطعمونى ... شرابا، ثمّ بلت على السّرير
ولمّا قتل خالد المغيرة، أرسل إلى مالك بن أعين الجهني، فسأله، فصدّقه عن نفسه، فأطلقه. فلمّا خلا مالك بمن يثق به وكان فيهم أبو مسلم صاحب الدّعوة قال لهم:
ضربت لهم بين الطريقين لاحبا ... وطنت عليه الشّمس فى من يطينها
وألقيته فى شبهة حين سألنى ... كما اشتبها فى الخطّ سين وشينها
стр. 1160
وكان يقول أبو مسلم حين ظهر أمره:
- «لو وجدته لقتلته بإقراره على نفسه. [١٠٧]
وفى هذه السّنة حكّم بهلول بن بشر الملقب كثارة فقتل ذكر الخبر عن مخرجه ومقتله
كان بهلول يتألّه [١] ، وكان بدابق، وهو مشهور بالبأس والنّجدة عند هشام بن عبد الملك، فخرج يريد الحجّ. فلمّا كان بسواد الكوفة أمر غلامه أن يبتاع له خلّا بدرهم. فجاء غلامه إليه بخمر، فردّه وقال:
- «استرجع الدّرهم.» فلمّا رجع الغلام لم يجبه البائع إلى ذلك، فجاء بهلول إلى عامل القرية، فكلّمه، فقال العامل:
- «الخمر خير منك [٢] ومن قومك.» فمضى البهلول فى حجّه حتّى فرغ منه. ثمّ عزم على الخروج على السّلطان، فلقى بمكة من كان على مثل رأيه، فاتّعدوا قرية من قرى الموصل، واجتمع إليه أربعون رجلا، وأمّروا عليهم بهلول، وأجمعوا على أن لا يمرّوا بأحد إلّا أخبروا أنهم أقبلوا من عند هشام على بعض الأعمال، وجّههم إلى خالد لينفذهم فى أعمالهم. فجعلوا لا يمرّون بعامل إلّا أخبروه بذلك وأخذوا منه دوابّ من [١٠٨] دوّاب البريد. فلمّا انتهوا إلى القرية الّتى كان ابتاع الغلام فيها الخلّ فأعطى خمرا، قال له أصحابه:
- «نحن نريد قتل خالد، فإن بدأنا بهذا شهرنا وحذرنا خالد وغيره، ولعلّ