ما يصنع بمثله، وتفرّقت التّرك فى الغارات بعضها على بعض، وانحاز بعضهم إلى الشّاش. فعند ذلك طمع أهل السّغد فى الرّجعة إليها، فلم يسلم من خيل التّرك الّتى تفرّقت فى الغارات إلّا زرابر [١] الكسّى، فإنّه سلم حين صار إلى طخارستان. [١٠٣]
ذكر اتّفاق حسن اتّفق لمقاتل بن حيّان من غير قصد منه
كان أسد بعث من مدينة بلخ رجلا يعرف بسيف بن وصّاف إلى هشام يخبره بما أظلّه من الخطب العظيم، ويستمدّه. فلمّا وصل إليه أخبره، فلم يصدّقه هشام، وقال لحاجبه:
- «ويحك، إنّ هذا الشيخ قد أتانا بالطّامّة الكبرى إن كان صادقا، ولا أظنّه صادقا، اذهب به، فغدّه [٢] ، ثمّ سله، وأتنى بما يقول.» ففعل، ثمّ سأله فأخبره بما أخبر به هشاما، فدخل عليه أمر عظيم، وصرفه.
ثمّ دعاه بعد أيّام بسيرة، وقال له:
- «من القاسم [٣] بن بخيت منكم؟» قال:
- «ذاك، صاحب العسكر.» قال:
- «فإنّه قد أقبل.» قال:
- «فإن كان قد أقبل، فقد فتح الله على أمير المؤمنين.» وكان أسد وجّهه حين فتح عليه، فأقبل القاسم بن بخيت، فكبّر على الباب، ثمّ دخل يكبّر وهشام يكبّر معه حتّى انتهى إليه. فقال:
- «الفتح يا أمير المؤمنين.»
стр. 1157
وأخبره الخبر. فنزل هشام عن سريره، فسجد سجدة الشّكر، وهي واحدة عندهم. فحسدت القيسيّة أسدا وخالدا، وقالوا لهشام:
- «اكتب إلى خالد فليأمر أخاه أن يوجّه مقاتل بن حيّان.» فكتب إليه، فدعا [١٠٤] أسد مقاتل بن حيّان على رؤوس النّاس وقال له:
- «سر إلى أمير المؤمنين، فأخبره بما عاينت، وقل الحقّ، وأنت لا تقول غير الحق إن شاء الله، وخذ من بيت المال حاجتك.» فقال النّاس:
- «إنّه لا يأخذ شيئا، أعطه من المال كذا وكذا، ومن الكسوة كذا.» وجهّزه. فسار حتّى قدم على هشام وهو والأبرش جالسان. فسأله، فقال:
كان من أمرنا كيت وكيت. إلى أن قال:
- «قصدنا خاقان، فساق من الذّرارىّ وأهل البلدان بعد أن قاتلناه كذا يوما، ثمّ واقعناه وهو لا ينتظر، فحملوا على ميسرتنا فكشفوهم، ثمّ حملت ميمنتنا فهزمناهم، ثمّ تبعناهم حتّى استبحنا عسكر خاقان بما فيه من النّساء والذّرارىّ والآلات.» وكان هشام متكئا، فاستوى جالسا عند ذكر خاقان، وقال ثلاثا:
- «أنتم استبحتم عسكر خاقان؟» قال:
- «بلى» قال:
- «حاجتك.» قال:
- «إنّ يزيد بن المهلّب أخذ من أبى حيّان من غير حقّ مائة ألف.» فقال هشام:
- «لا أكلّفك شاهدا، أحلف بالله، إنّه لكما قلت.» فحلف، فردّها عليه من بيت مال خراسان، وكتب إلى خالد أن يكتب إلى
стр. 1158
أسد فيها. فكتب إليه، فأعطاه مائة ألف، فقسمها بين [١٠٥] ورثة حيّان على فرائض الله.
خروج المغيرة بن سعيد على خالد بن عبد الله
وفى هذه السّنة خرج على خالد بن عبد الله المغيرة بن سعيد وبيان [١] فى نفر، فأخذهم وقتلهم.
ذكر السّبب فى ذلك أمّا المغيرة بن سعيد، فكان يتشيّع، ثمّ نسبت إليه أمور شنيعة فيها تزيّد وإسراف.
فأحدها ما حكاه صاحب التّاريخ على ما أخبرنا به القاضي عن محمّد بن جرير الطّبرى، قال: حدّثنا ابن حميد قال: حدّثنا جرير عن الأعمش، قال سمعت المغيرة بن سعيد يقول:
- «لو أراد [٢] علىّ أن يحيى عادا وثمود وقرونا بين ذلك كثيرا، لأحياهم.» قال الأعمش:
- «كان المغيرة يخرج إلى المقبرة، فيتكلّم فيرى مثل الجراء على القبور.» ونحو هذا من الكلام.
وحكيت عنه حكايات عظيمة .
فلمّا أخذ خالد المغيرة وأصحابه أتى بهم، وهم سبعة، وأمر بسريره،
стр. 1159
فأخرج إلى المسجد الجامع، وأمر بأطنان قصب ونفط، فأحضر، ثمّ أمر المغيرة أن يتناول طنّا، فكعّ وتأنّى، فصبّت السّياط على رأسه، فتناول طنّا فاحتضنه، فشدّ عليه، ثمّ صبّ عليه وعلى الطّنّ نفط، [١٠٦] ثمّ ألهبت النّار، فاحترقا، ثمّ فعل بالرّهط مثل ذلك. ثمّ أمر بيانا آخرهم، فتقدّم إلى الطّنّ مبادرا، فاحتضنه، فقال خالد:
- «ويلكم، فى كلّ أمركم تحمقون، هلّا رأستم هذا إلّا المغيرة [١] .» ثمّ أحرقه.
وكان هؤلاء يسمّون الوصفاء، وكان ظهورهم وخروجهم بظهر الكوفة، فأخبر خالد القسري بخروجهم وهو على المنبر، فقال:
- «أطعمونى ماء [٢] .» وقيل فيه:
أخالد لا جزاك الله خيرا ... وأير فى حر أمّك من أمير
وقلت من المخافة أطعمونى ... شرابا، ثمّ بلت على السّرير
ولمّا قتل خالد المغيرة، أرسل إلى مالك بن أعين الجهني، فسأله، فصدّقه عن نفسه، فأطلقه. فلمّا خلا مالك بمن يثق به وكان فيهم أبو مسلم صاحب الدّعوة قال لهم:
ضربت لهم بين الطريقين لاحبا ... وطنت عليه الشّمس فى من يطينها
وألقيته فى شبهة حين سألنى ... كما اشتبها فى الخطّ سين وشينها
стр. 1160
وكان يقول أبو مسلم حين ظهر أمره:
- «لو وجدته لقتلته بإقراره على نفسه. [١٠٧]
وفى هذه السّنة حكّم بهلول بن بشر الملقب كثارة فقتل ذكر الخبر عن مخرجه ومقتله
كان بهلول يتألّه [١] ، وكان بدابق، وهو مشهور بالبأس والنّجدة عند هشام بن عبد الملك، فخرج يريد الحجّ. فلمّا كان بسواد الكوفة أمر غلامه أن يبتاع له خلّا بدرهم. فجاء غلامه إليه بخمر، فردّه وقال:
- «استرجع الدّرهم.» فلمّا رجع الغلام لم يجبه البائع إلى ذلك، فجاء بهلول إلى عامل القرية، فكلّمه، فقال العامل:
- «الخمر خير منك [٢] ومن قومك.» فمضى البهلول فى حجّه حتّى فرغ منه. ثمّ عزم على الخروج على السّلطان، فلقى بمكة من كان على مثل رأيه، فاتّعدوا قرية من قرى الموصل، واجتمع إليه أربعون رجلا، وأمّروا عليهم بهلول، وأجمعوا على أن لا يمرّوا بأحد إلّا أخبروا أنهم أقبلوا من عند هشام على بعض الأعمال، وجّههم إلى خالد لينفذهم فى أعمالهم. فجعلوا لا يمرّون بعامل إلّا أخبروه بذلك وأخذوا منه دوابّ من [١٠٨] دوّاب البريد. فلمّا انتهوا إلى القرية الّتى كان ابتاع الغلام فيها الخلّ فأعطى خمرا، قال له أصحابه:
- «نحن نريد قتل خالد، فإن بدأنا بهذا شهرنا وحذرنا خالد وغيره، ولعلّ
стр. 1161
خالدا يفلت، وهو الّذى يهدم المساجد ويبنى البيع والكنائس، ويولّى المجوس على المسلمين، وينكح أهل الذّمّة المسلمات.» قال:
- «لا والله، إن [١] تركت هذا وأتيت خالدا لعلّى لا أظفر منه بما أريد ويفوتني هذا، والله يقول: «قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ من الْكُفَّارِ.» ٩: ١٢٣ قالوا:
- «أنت ورأيك.» فأتاه، فقتله، فنذر بهم النّاس، وعلموا أنهم خوارج، وابتدروا إلى الطّريق هرّابا، وخرجت البرد إلى خالد، فأعلموه أنّ خارجة خرجت وهم لا يدرون من رئيسهم.
فخرج خالد من واسط حتّى أتى الحيرة فى خلق كثير، وكان قدم فى تلك الأيّام قائد من أهل الشّام من بنى القين، قد وجّهوهم مددا لعامل خالد على الهند، فنزلوا الحيرة. فقصدها خالد ودعا رئيسهم وقال له:
- «قاتل هؤلاء المارقة، فإنّى أعطى من قتل منهم واحدا عطاء سوى ما قبض بالشّام وأعفيه من الخروج إلى أرض الهند.» وكان الخروج إلى أرض الهند شاقّا عليهم، فسارعوا إلى ذلك وقالوا:
- «نقتل هؤلاء النّفر ونرجع إلى بلادنا.» فتوجّه [١٠٩] القينىّ إليهم فى ستّمائة، وضمّ إليهم خالد مائتين من شرط الكوفه. وقال القائد:
- «لا تكونوا معنا.» وإنّما يريد [٢] فى نفسه أن يخلو هو وأصحابه بالقوم، فيكون الظّفر لهم دون غيرهم لما وعدهم خالد.
стр. 1162
وخرج إليهم بهلول، فسأل عن رئيسهم حتّى عرف مكانه، ثمّ حمل عليه، فطعنه فى فرج درعه فأنفذه، فقال:
- «قتلتني، قتلك الله.» فقال بهلول:
- «إلى النّار أبعدك الله.» وولّى أهل الشّام مع شرط أهل الكوفة منهزمين حتّى بلغوا الكوفة وبهلول وأصحابه يقتلونهم.
فأمّا الشّاميّون، فمن كان منهم على خيول جياد فأتوه.
وأمّا الشرط فإنّه لحقهم، فقالوا:
- «اتّق الله فينا فإنّا مكرهون مقهورون.» فجعل يقرع رؤوسهم برمحه ويقول:
- «الحقوا، النّجا النّجا.» وأصاب البهلول مع القيني بدرة. وكان بالكوفة ستة نفر يرون رأى البهلول، فخرجوا يريدونه، فقتلوا. وخرج إليهم البهلول وحمل البدرة بين يديه، فقال:
- «من قتل هؤلاء النّفر حتّى أعطيه هذه الدّراهم؟» فجعل هذا يقول، أنا، وهذا يقول: أنا. حتّى عرفهم، وهم يرون أنّه [١] من قبل خالد جاء ليعطيهم ثواب ما فعلوا.
فقال بهلول لأهل القرية.
- «أصدق هؤلاء، هم قتلوا هؤلاء النّفر؟» قالوا:
- «نعم.» وكان خشي بهلول [١١٠] أن يكونوا ادّعوا ذلك طمعا فى المال.
стр. 1163
فقال لأهل القرية:
- «انصرفوا أنتم.» وأمر بأولئك، فقتلوا.
وبلغ هزيمة القوم خالدا، فأنفذ إليهم جيشا مع قائد من بنى شيبان، فلقيهم بين الموصل والكوفة، فشدّ عليه البهلول، فقال:
- «نشدتك الله والرّحم، فإنّى جانح [١] مستجير.» فكفّ عنه وانهزم أصحابه. فأتى خالدا وهو بالحيرة، فلم يرعه إلّا الفلّ قد هجم عليه، وارتحل البهلول يريد الموصل، فكتب عامل الموصل إلى هشام أنّ خارجة خرجت وأنّه يخافهم ويسأله جندا يقاتلهم به.
فكتب إليه هشام:
- «وجّه إليه كثارة بن بشر.» وكان هشام لا يعرف البهلول إلّا بلقبه. فكتب إليه العامل:
- «إن الخارج هو كثارة!» وكان البهلول قال لأصحابه:
- «ما نصنع بابن النّصرانية؟ يعنى خالدا وإنّما خرجت لله، فلم لا نطلب الرّأس الّذى يسلّط خالدا وأشباهه؟» فتوجّه إلى الشّام يريد هشاما، فخاف عمّال هشام موجدته، إن تركوه يجوز بلادهم إليه. فجنّد له خالد جندا من العراق، وجنّد له عامل الجزيرة جندا من الجزيرة، ووجّه إليه هشام جندا من الشّام. فاجتمعوا بدير بين الجزيرة والموصل، وأقبل بهلول [١١١] حتّى انتهى إليهم، فنزل على باب [٢] الدير، فقالوا له:
стр. 1164
- «تزحزح عن باب الدّير حتّى نخرج إليك.» فتنحّى وخرجوا. فلمّا رأى كثرتهم وهو فى سبعين، جعل من أصحابه ميمنة وميسرة، ثمّ أقبل على أعدائه، فقال:
- «أكلّكم يرجو أن يقتلنا ويسلم فيأتى أهله سالما؟» قالوا:
- «نعم، إنّا نرجو ذلك، إن شاء الله.» فشدّ على رجل عظيم من عظمائهم فقتله، وقال:
- «أمّا هذا، فلا يأتى أهله أبدا.» ولم يزل هذا ديدنه حتّى قتل ستّة، فانهزموا ودخلوا الدّير، وحاصرهم حتّى جاءتهم الأمداد، وكانوا عشرين ألفا.
فقال له أصحابه:
- «ألا نعقر دوابّنا ثمّ نشدّ عليهم شدّة واحدة؟» فقال:
- «لا، حتّى نبلى [١] عذرا ما استمسكنا على دوابّنا.» فقاتلوهم عامّة نهارهم حتّى فشا فيهم القتل والجراح.
ثمّ إنّ بهلولا نزل هو وأصحابه، فعقروا دوابّهم وترجّلوا لهم، وأصلتوا السّيوف [٢] وقتل عامة أصحاب البهلول، وهو يقاتل ويذود عن أصحابه، إلى أن حمل عليه رجل يكنّى أبا الموت، فصرعه، فارتثّه من بقي من أصحابه، وقالوا له:
- «ولّ أمرنا من بعدك من يقوم به.» فقال:
- «إن هلكت، فأمير المؤمنين دعامة الشّيبانى.» ومات البهلول [١١٢] فى ليلته، وهرب دعامة قبل الصّبح.
стр. 1165
ثمّ دخلت سنة عشرين ومائة
وفيها هلك أسد بن عبد الله من دبيلة كانت فى جوفه، فاستخلف جعفر بن حنظلة البهراني، فعمل أربعة أشهر، وجاء عهد نصر بن سيّار فى رجب سنة احدى وعشرين.
وفى هذه السنّة وجّهت شيعة بنى العبّاس بخراسان إلى محمد بن علىّ بن عبد الله بن العبّاس سليمان بن كثير، ليعلمه أمرهم وما هم عليه.
سبب توجيههم سليمان إلى محمّد
والسّبب فى ذلك موجدة كانت من محمّد بن على، على من كان بخراسان من شيعته من أجل طاعتهم كانت لخداش [١] الّذى ذكرنا خبره وقبولهم منه الكذب الّذى رواه لهم عنه. فلمّا أبطأ كتابه اجتمعوا، فذكروا ذلك منهم، فأجمعوا على الرّضا بسليمان بن كثير ليلقاه بأمرهم ويخبره عنهم ويرجع إليه بما يرد عليه. فقدم سليمان بن كثير على محمّد بن علىّ وهو متنكّر، فأخبره عنهم بطاعة وخير، فعنّفهم وقال:
- «لعن الله خداشا ومن كان على رأيه ومن سمع مقالته فأجابه إليها.» ثمّ صرف سليمان إلى أهل خراسان [١١٣] فسأله أن يكتب إليهم معه كتابا، فكتب كتابا وختمه. فلمّا قدم عليهم سليمان فضّوا خاتم الكتاب، فلم يجدوا فيه إلّا «بسم الله الرّحمن الرّحيم» ، فغلظ ذلك عليهم وعلموا أنّ ما كان من خداش أتاهم به مخالف لأمره. ثمّ أنفذ محمّد بن علىّ بكير بن ماهان إلى شيعته بخراسان وبعث معه بعصىّ مضبّبة [٢] بعضها بالحديد وبعضها بالشّبّة [٣] .
فقدم بها بكير وجمع النّقباء والشّيعة ودفع إلى كلّ رجل منهم عصا، فعلموا
стр. 1166
أنهم عصاة، فرجعوا، وتابوا واعتذروا إلى بكير.
وفى هذه السّنة عزل هشام خالد بن عبد الله عن أعماله كلّها ذكر السّبب فى عزل خالد بن عبد الله القسري ونكبته
كان السّبب فى ذلك سكرة عرضت لخالد من طول الولاية وعزّ الإمرة وكثرة ما اجتمع عنده من الأموال. فمن ذلك أنّ كاتبا كان لابنه خلا به يوما فقال له:
- «كم غلّة ابني؟» فقال:
- «قد زاد على عشرة آلاف ألف درهم.» فقال:
- «ابني مظلوم. ما تحت قدمي من شيء إلّا وهو له.» يعنى أنّ عمر بن الخطّاب رضى الله عنه جعل لبجيلة ربع [١] السّواد. [١١٤] وكان خالد قد اتخذ بالعراق أموالا، وحفر أنها را حتّى بلغت غلّته عشرين ألف ألف درهم، وكان كثيرا ما يقول فى خلواته عند من يأنس به:
- «هذا ابن الحمقاء.» يعنى هشاما. وكانت أمّ هشام مستحمقة، فتكلّم فيه أولاد هشام وحسدوه وسبعوه [٢] هم [٣] وأهل بيت مروان، وكان أحد الأسباب الّذى غاظ هشاما أنّه دخل على خالد رجل من قريش من أولاد سعيد بن العاص، أو عمرو بن العاص، فتبسّط عنده، فاستخفّ به خالد وعضّه بلسانه. فكتب إلى هشام يشكوه.
стр. 1167
فكتب هشام إلى خالد:
كتاب هشام إلى خالد القسري
- «أمّا بعد، فإنّ أمير المؤمنين، وإن كان أطلق يدك ورأيك فى من استرعاك أمره واستحفظك عليه للّذى من كفايتك ووثق به من حسن تدبيرك، لم يفرشك غرّة أهل بيته لتطأه بقدمك ولا تحدّ إليه بصرك، فكيف بك وقد بسطت عليه لسانك تريد بذلك تصغير خطره واحتقار قدره. زعمت بالنّصفة منه حتّى أخرجك ذلك إلى الإغلاظ له فى اللفظ بمحضر العامّة غير متحلحل [١] له حين رأيته مقذّا [٢] من صدر مهادك الّذى مهّدك [١١٥] الله فيه، وفى قومك من يعلوك بحسبه، ويغمرك بأوّليته، فنلت مهادك بما رفع به آل عمرو من ضعتك خاصّة، مساورين [٣] بك فروع غرر القبائل وقرومها قبل أمير المؤمنين، حتّى حللت هضبته صرت تنحو بها عليهم مفتخرا. هذا إن لم تدهده بك قلّة شكرك متحطّما وقيذا.
- «فهلا يا ابن محرّشة [٤] قومه، أعظمت رجلهم داخلا عليك وخارجا، ووسّعت مجلسه إذا رأيته مقبلا إليك، وتجافيت له عن صدر فراشك مكرما، ثمّ فاوضته مقبلا عليه ببشرك، إكراما لأمير
стр. 1168
المؤمنين، فإذا اطمأنّ به مجلسه نازعته نجّى [١] السّرار. معظّما لقرابته، عارفا بحقّه. فهو سنّ البيتين ونابهم وابن شيخ آل أبى العاص وحرب وغرّتهم.
- «وبالله يقسم أمير المؤمنين لولا ما تقدّم من حرمتك، وما يكره من شماتة عدوّك بك، لوضع ما رفع من قدرك، حتى [يردّك إلى حال [٢]] تفقد بها أهل الحوائج بعراقك، وتزاحم المواكب ببابك، وما أقربنى من أن أجعلك تابعا لمن كان لك تبعا.
- «فانهض على أىّ حال ألفاك رسول أمير المؤمنين وكتابه من ليل أو نهار ماشيا على [١١٦] قدميك بمن معك من حولك، حتّى تقف بباب ابن عمرو صاغرا مستأذنا عليه، متنصّلا إليه، إذن لك أو منعك، فإن حرّكته عواطف رحمه [٣] احتملك، وإن احتملته [٤] حميّته وأنفته من دخولك عليه، فقف ببابه حولا غير متحلحل ولا زائل، ثمّ أمرك إليه بعد: عزل أو ولّى، انتصر أو عفا.
- «فلعنك الله من متّكل عليه بالثّقة، ما أكثر هفواتك، وأقذع لأهل الشّرف ألفاظك الّتى لا تزال تبلغ أمير المؤمنين من إقدامك بها على من هو أولى بما أنت فيه من ولاية مصرى العراق وأقدم وأقوم، وقد كتب أمير المؤمنين إلى ابن عمّه بما كتب به إليك من إنكاره عليك ليرى فى العفو عنك والسّخط عليك رأيه، مفّوضا
стр. 1169
ذلك إليه، مبسوطة فيه يده، محمودا عند أمير المؤمنين على أيّها [١] أتى إليك موفّقا إن شاء الله.»
وكتابه إلى ابن عمرو:
- «أمّا بعد، فقد بلغ أمير المؤمنين كتابك، وفهم ما ذكرت من بسط خالد عليك لسانه فى مجلس العامّة، محتقرا لقدرك، مستصغرا لقرابتك بأمير المؤمنين، وعواطف رحمه عليك، وإمساكك عنه [١١٧] تعظيما لأمير المؤمنين وسلطانه، وتمسّكا بوثائق عصم طاعته، على مؤلم ما تداخلك من قبائح ألفاظه، وشرارة منطقه، وإكبابه [٢] عليك عند إطراقك عنه مروّيا فى ما أطلق أمير المؤمنين من لسانه، وأطال من عنانه، ورفع من ضعته، ونوّه من خموله. كذلك أنتم آل سعيد فى مثلها عند هذر الذّنابى، وطائشة أحلامها، صمت غير [٣] ما إفحام، بل بأحلام تخفّ [٤] بالجبال، وقد حمد أمير المؤمنين تعظيمك إيّاه، وتوقيرك سلطانه وسكره [٥] ، وقد جعل أمر خالد إليك فى عزله وإقراره، فإن عزلته أمضى عزلك إيّاه، وإن أقررته فتلك منّة لك عليه لا يشركك أمير المؤمنين فيها.
стр. 1170
- «وقد كتب إليه أمير المؤمنين بما يطرد عنه سنة الهاجع عند وصوله له، يأمره بإتيانك، راجلا على أيّة حالة صادفه كتاب أمير المؤمنين وألفاه رسوله الموجّه إليك من ليلة أو نهاره، حتّى يقف ببابك، أذنت له أو حجبته، أقررته أو عزلته.
- «وتقدّم أمير المؤمنين إلى رسوله فى ضربه بين يديك عشرين سوطا على رأسه، إلّا أن تكره أن يناله ذلك بسببك [١١٨] لحرمة خدمته، فأيّهما رأيت إمضاءه كان لأمير المؤمنين فى برّه لك وتعظيمه حرمتك وقرابتك وصلة رحمك موافقا وإليه حبيبا فى ما ينوي من قضاء حقّ آل أبى العاص وسعيد.
- «فكاتب أمير المؤمنين مبتدئا ومجيبا ومحادثا وطالبا، ما عسى أن ينزل بك أهلك من حوائجهم التي تقعد بهم الحشمة عن تناولها من قبله لبعد دارهم عنه، وقلّة إمكان الخروج لإنزالها به غير محتشم من أمير المؤمنين، ولا مستوحش من تكرارها عليه على قدر قرابتهم وأديانهم وأسنانهم [١] ، مستميحا ومسترفدا ومطالبا مستزيدا، تجد إليك أمير المؤمنين سريعا بالبرّ لما يحاول من صلة قرابتهم، وقضاء حقوقهم.
- «وبالله يستعين أمير المؤمنين على ما ينوي، وإليه يرغب فى العون على قضاء حقوق قرابته، وعليه يتوكّل، وبه يثق، والله وليّه ومولاه، والسّلام.»
جناية خالد على نفسه
وممّا جناه خالد على نفسه، أنّ رجلا يقال له: فرّوخ كان قد تقبّل من ضياع
стр. 1171
هشام بن عبد الملك بموضع يقال له: نهر الرّمان فكان يدعى لذلك: فرّوخ الرمّانى فثقل مكانه على خالد.
فقال خالد لحسّان [١١٩] النّبطى:
- «ويحك، اخرج إلى أمير المؤمنين، وزد على فرّوخ.» فخرج حسّان، فزاد عليه ألف ألف، فبعث معه هشام رجلين من صلحاء أهل الشّام [١] ، فحاز الضياع، فصار حسّان أثقل على خالد من فرّوخ، فجعل يضرّبه ويوذيه، فيقول حسّان له:
- «لا تفسدنى وأنا صنيعتك.» فأبى إلّا الإضرار به حتّى بثق عليه البثوق. فخرج حسّان إلى هشام، فقال:
- إنّ خالدا بثق البثوق على ضياعك.» فوجّه هشام رجلا، فنظر إليها، ثمّ رجع فأخبره.
وأقام حسّان يفسد أمر خالد حتّى قال يوما لخادم من خدم هشام:
- «إن تكلّمت بكلمة أقولها لك حيث يسمع هشام، فلك عندي ألف دينار.» قال:
- «فعجّل لى الألف، وأقول ما شئت.» فعجّلها له وقال له:
- «بكّ صبيّا من صبيان هشام، فإذا بكى فقل له: اسكت والله لكأنّك ابن خالد القسري الّذى غلّته ثلاثة عشر ألف ألف.» ففعل. فسمعها هشام، ودارت فى نفسه. فلمّا دخل عليه حسّان، قال:
- «أدن منّى.» فقال:
- «كم غلّة خالد؟» قال:
стр. 1172
- «عشرون ألف ألف.» قال.
- «فكم غلّة ابنه؟» قال:
- «ثلاثة عشر ألف ألف.» قال:
- «فكيف لم تخبرني [١٢٠] بهذا؟» فقال:
- «وهل سألتنى؟» فوقرت [١] فى نفس هشام، حتّى عزله.
وممّا كتب به هشام إلى خالد:
- «قد بلغني يا ابن أمّ خالد أنّك تقول: ما ولاية العراق لى بشرف. فيابن اللخناء، كيف وأنت من بجيلة القليلة الذليلة؟ أما والله، إنّى لأظنّ أن أوّل ما يأتيك صفر [٢] من قريش يشدّ يديك إلى عنقك.» وكان من أسباب موجدته أيضا، أنّ رجلا قدم عليه، فقال:
- «إنّى سمعت خالدا ذكر أمير المؤمنين بما لا يلتقى به الشفتان، قال: قال الأحول! قال لا، بل أشدّ من ذلك.» قال:
- «فما هو؟» قال:
- «لا أقوله أبدا.» ولمّا صحّ عزم هشام على عزل خالد، أحب أن يكتم ذلك حتّى يتمّمه.
فاختار لمكانه يوسف بن عمر، وكان يومئذ والى اليمن. فكاتبه، فقدم عليه جندب مولى يوسف بكتاب له. فقرأه، ثمّ قال لكاتبه:
- «أجبه على لسانك.» وكتب هو بخطّه كتابا صغيرا. ثمّ قال لى [٣] :
стр. 1173
- «ايتنى بكتاب سالم.» وكان سالم على الدّيوان، فأتيته به، فأدرج فيه الكتاب الصّغير، ثمّ قال:
- «اختمه.» ففعلت. ثمّ دعا برسول يوسف، فقال:
- «إنّ صاحبك لمتعدّ طوره، ويسأل فوق قدره.» [١٢١] ثمّ قال لى:
- «مزّق ثيابه.» ثمّ أمر بضربه. فضربه أسواطا، وقال:
- «أخرجه عنّى، وادفع إليه كتابه.» فدفعت إليه الكتاب وقلت له:
- «ويلك، النّجا.» فارتاب بشير بن أبى ثلجة [١] بذلك وكان خليفة سالم وقال:
- «هذه حيلة والله.» وقد ولى يوسف العراق. فكتب إلى عياض، وهو صاحب طارق بن أبى زناد، وطارق هذا خليفة خالد على الخراج. وكان كتابه إلى عياض:
- «إنّ أهلك قد بعثوا إليك بالثّوب اليماني، فإذا أتاك فالبسه، واحمد الله، وأعلم ذلك طارقا.» فبعث عياض إلى طارق بالكتاب، وندم بشير على كتابه، فكتب إلى عياض:
- «إن أهلك قد بدا لهم فى إمساك الثّوب، فلا تتّكل عليه.» فجاء عياض بالكتاب الآخر إلى طارق. فقال طارق:
стр. 1174
- «الخبر فى الكتاب الأوّل، ولكن صاحبك ندم وخاف أن يظهر الكتاب [١] .
فكتب بهذا.» ثمّ ركب طارق من الكوفة إلى خالد، وهو بواسط، فسار يوما وليلة، فصبّحهم، فرءاه داود البربري وكان على حجابة خالد وحرسه وديوان الرّسائل فأعلم خالدا قدومه، فغضب وقال:
- «قدم بغير إذن!» ثمّ أذن له. [١٢٢] فلمّا رءاه قال:
- «ما أقدمك؟» [٢] قال:
- «أمر كنت أخطأت فيه.» قال:
- «وما هو؟» قال:
- «وفاة أسد. ﵀ كتبت إلى أمير أعزّيه عنه، وإنّما كان ينبغي أن آتيه ماشيا.» فرقّ خالد، ودمعت عيناه وقال:
- «ارجع إلى عملك.» فقال:
- «أردت أن أذكر للأمير أمرا أسرّه إليه.» قال:
- «ما دون داود سرّ.» قال:
- «أمر من أمرى.» فغضب داود وخرج، فأخبر طارق خالدا. قال:
- «فما الرأى؟» قال:
стр. 1175
ذكر آراء أشير بها على خالد فلم يقبلها
- «تركب إلى أمير المؤمنين، فتعتذر [١] إليه من شيء إن كان بلغه عنك.» قال خالد:
- «ما أركب إليه بغير إذنه.» قال:
- «فشيء آخر.» قال:
- «وما هو؟» قال:
- «تسير فى عملك وأتقدّمك إلى الشّام، فأستاذنه لك. فإنّك لا تبلغ أقصر عملك حتّى يأتيك إذنه.» قال:
- «ولا هذا.» قال:
- «فأذهب، واضمن لأمير المؤمنين جميع ما انكسر فى هذه السّنين، وآتيك بعهدك مستقبلا.» قال:
- «وما مبلغ ذلك؟.» قال:
- «مائة ألف ألف.» قال:
- «ومن أين أجد [٢] هذا؟ والله ما أجد عشرة آلاف ألف [٣] درهم.» قال:
- «أتحمّل أنا وسعيد بن راشد [١٢٣] أربعين ألف ألف درهم، وتفرّق الباقي على العمّال [والزينبي وأبان بن الوليد عشرين ألف ألف درهم [٤]] قال:
- «إنّى إذن للئيم إن كنت سوّغت قوما شيئا ثمّ أرجع فيه.» فقال طارق:
- «إنّا نقيك ونقى أنفسنا بأموالنا، ونستأنف الدّنيا، ونبقّى النّعمة عليك
و
стр. 1176
علينا، خير من أن يجيء من يطالبنا بالأموال، وهي عند تجّار أهل الكوفة، فيتقاعسون ويتربّصون بنا، فنقتل نحن ويأكلون تلك الأموال.» فأبى خالد فودّعه طارق وبكى وقال:
- «هذا آخر ما نلتقي فى الدّنيا.»
[مواساة من بلال بن أبى برده لخالد]
وتحدّث ابن عيّاش أنّ بلال بن أبى بردة كتب إلى خالد وهو عامله على البصرة حين بلغه تعتّب هشام عليه:
- «إنّه حدث أمر لا أجد بدّا من مشافهتك به. فإن رأيت أن تأذن لى، فإنّما هي ليلة ويومها إليك، ويوم عندك، وليلة ويومها منصرفا.» فكتب إليه: أن أقبل إذا شئت.
فركب هو وموليان، له الجمّازات. فسار يوما وليلة حتّى صلّى المغرب بالكوفة وهي ثمانون فرسخا. فأخبر خالد بمكانه، فأتاه وقد تعصّب. فقال:
- «أبا عمرو، أتعبت نفسك.» قال:
- «أجل.» قال:
- «متى عهدك بالبصرة؟» قال:
- «أمس.» قال:
- «أحقّ ما تقول؟» قال:
- «هو والله ما قلت.» قال:
- «فما أنصبك؟» قال:
- «بلغني من تعتّب أمير المؤمنين وقوله [١٢٤] وما بغاك [١] به ولده وأهل
стр. 1177
بيته. فإن رأيت أن تعرض عليه بعض أموالنا ثمّ تدعوه منها إلى أحبّ، فأنفسنا به طيّبة. ثمّ اعرض على مالك، فما أخذ منه فعلينا [١] العوض منه بعد.» قال:
- «ما أتّهمك، وحتّى أنظر.» قال:
- «إنّى أخاف أن تعاجل.» قال:
- «كلّا.» قال:
- «إنّ قريشا من عرفت [٢] ولا سيّما سرعتهم إليك.» قال:
- «يا بلال، إنّى والله ما أعطى شيئا قسرا أبدا.» قال:
- «أيّها الأمير، أتكلّم؟» قال:
- «نعم.» قال:
- «إنّ هشاما أعذر [٣] منك. يقول: استعملتك وليس لك شيء، فلم تر من الحقّ عليك أن تعرض علىّ بعض ما صار إليك، وأخاف أن يزيّن له حسّان النّبطى ما لا تستطيع إدراكه، فاغتنم هذه الفترة.» قال:
- «أنا ناظر فى ذلك، فانصرف راشدا.» فانصرف بلال وقد يئس منه.
هشام يولّى يوسف بن عمر العراق
وكان رسول يوسف بن عمر لمّا قدم عليه قال له:
- «ما وراءك؟» قال:
- «الشّرّ. أمير المؤمنين ساخط عليك، وقد ضربني ولم يكتب جواب كتابك، وهذا كتاب سالم صاحب الدّيوان.» ففضّ الكتاب وقرأه. فلمّا انتهى إلى آخره قرأ كتاب هشام بخطّه أن:
стр. 1178
- «سر إلى العراق، فقد ولّيتكه، وإيّاك أن يعلم بذلك أحد، وخذ ابن النّصرانيّة [١٢٥] وعمّاله، فاشفني منهم.» فاستخلف يوسف ابنه على عمله، واختار دليلا عالما بالطّرق [١] وسار.
فسأله ابنه:
- «أين تريد؟» قال له:
- «يا بن اللخناء، أيخفى عليك إذا استقرّ بى منزل» ثمّ سار. فكان إذا أتى طريقين سأل. فإذا قيل: هذا إلى العراق، قال: أعرف، حتّى أتى الكوفة. فقال لغلامه كيسان:
- «انطلق، فأتنى بطارق، فإن كان قد أقبل، فأحمله على أكاف، وإن لم يكن قد أقبل، فأت به سحبا.» قال: فأتيت الحيرة دار عبد المسيح وهو سيّد أهل الحيرة. فقلت له:
- «إنّ يوسف قد قدم على العراق، وهو يأمرك أن تشدّ طارقا وتأتيه به [٢] .» فخرج هو وولده وغلمانه حتّى أتوا منزل طارق. وكان لطارق غلام شجاع معه غلمان شجعان، لهم سلاح وعدّة. فقال لطارق:
- «إن أذنت لى خرجت إلى هؤلاء فى من معى فقتلتهم، ثمّ طرت على وجهك حيث شئت.» فقال: «لا.» وأذن لكيسان. فلمّا دخل قال:
- «أخبرنى عن الأمير ما يريد؟» قال:
- «المال.» قال:
стр. 1179
- «فأنا أعطيه ما سأل.» ثمّ أقبلوا إلى يوسف، فتوافوا بالحيرة. فلمّا عاينه ضربه ضربا مبرّحا، يقال:
خمسمائة، [١٢٦] ودخل المدينة- يعنى الكوفة- فخطب بها وتوعّد أهل العراق وقال:
- «والله لأقتلنّ منافقيكم بالسّيف وجناتكم بالعذاب، وفسّاقكم بالسّوط.» ثمّ نزل، ومضى إلى واسط وأتى بخالد وهو بها، فحبسه. فتوسّط بينهما النّاس حتّى صالحه آبان [١] بن الوليد على تسعة آلاف ألف درهم. فندّم [٢] يوسف وقيل له:
- «لو لم تفعل لأخذت منه مائة ألف ألف درهم.» قال:
- «ما كنت لأرجع وقد رهنت لساني بشيء.» وأخبر خالد، فقال:
- «أسأتم حين أعطيتموه عند أوّل وهلة تسعة آلاف ألف، ما آمن أن يأخذها ثمّ يعود عليكم، فارجعوا عليه.» فجاؤوه، وقالوا:
- «إنّ خالدا ليس يرضى بما ضمنّا وأخبرنا أنّ الملك لا يمكنه.» فقال:
- «أنتم أعلم وصاحبكم. أما أنا فلا أرجع عليكم. فإن رجعتم لم أمنعكم.» قالوا:
- «فإنّا قد رجعنا.» قال:
- « [أ] [٣] فقد فعلتم؟» قالوا:
- «نعم.» قال:
стр. 1180
- «فمنكم أتى النّقص. فو الله لا أرضى بتسعة آلاف ألف، ولا أضعافها.» فأخذ مائة ألف ألف.
كتاب يوسف بن عمر إلى جديع بولاية خراسان
ثمّ كتب يوسف بن عمر إلى جديع بن على الكرماني بولاية خراسان. فأتاه الكتاب بمرو، فخرج إلى النّاس، فخطبهم، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر أسدا وما صنع [١٢٧] الله للنّاس على يده بعد ما كانوا فيه من الشّدة والجهد. ثمّ ذكر أخاه خالدا بالجميل، وأثنى عليه، وذكر قدوم يوسف بن عمر إلى العراق، وحثّ النّاس على الطّاعة ولزوم الجماعة، ثمّ قال:
- «غفر الله للميّت- يعنى أسدا- وعافى المعزول، وبارك للقادم.» ثمّ نزل.
وفى هذه السّنة عزل جديع الكرماني عن خراسان وولّيها نصر بن سيّار ذكر السّبب فى ذلك
لمّا انتهت وفاة أسد إلى هشام استشار أصحابه فى من يصلح لخراسان.
فأشير عليه بقوم. فقال:
- «اكتبوا أسماءهم.» فكان ممّن كتب له: عثمان بن عبد الله بن الشّخير، ويحيى بن الحصين بن المنذر، ونصر بن سيّار، والمجشّر بن مزاحم السّلمى، وغيرهم.
- فسأل عن عثمان، فقيل: «هو صاحب شراب.» وسأل عن المجشّر، فقيل: «هو شيخ همّ.» وسأل عن ابن حصين، فقيل: «فيه تيه وعظمة.»
стр. 1181
وسأل عن قطن بن قتيبة، فقيل: «هو موتور.» فاختار نصر بن سيّار. فقيل:
- «ليست له بها عشيرة.» فقال:
- «أنا عشيرته.» فولّاه، وبعث بعهده. وكان هشام سأل عبد الكريم [١٢٨]- وكان أتاه من خراسان من أخبره بموت أسد:
- « [من ترى أن نولّى خراسان؟] [١] بلغني أنّ لك بها وبأهلها علما.» فقال:
- «يا أمير المؤمنين، أمّا رجل خراسان حزما ونجدة فالكرمانى.» فأعرض بوجهه وتطّير من اسمه: «جديع.» وقال:
- «سمّ لى غيره.» قال: قلت:
- «اللّسن المحرب يحيى بن نعيم بن هيبرة الشّيبانى.» قال:
- «ربيعة لا تسدّ بها الثّغور.» فقال عبد الكريم: فقلت فى نفسي، قد كره ربيعة واليمن، فأرميه بمضر.
فقلت:
- «عقيل بن معقل الليثي إن اغتفرت هنة.» قال:
- «ما هي؟» قلت:
- «ليس بالعفيف.» قال:
- «فلا حاجة لى به.» قال: قلت:
- «المجشّر بن مزاحم، عاقل شجاع له رأى.» قال:
- «فيه كذب، ولا خير فى الكذب.»
стр. 1182
قال عبد الكريم: وأخّرت نصرا وهو أرجل القوم [١] وأعرفهم بالسّياسة.
ثمّ قلت: «نصر بن سيّار الليثي.» فقال:
- «نصر بن سيّار هو لها.» قلت:
- «فإنّ عشيرته بها قليلة.» قال [٢] :
- «لا أبا لك، أكثر منّى؟ أنا عشيرته.» فولّى نصرا، وأمره بمكاتبة يوسف بن عمر. وكان يوسف قد أسمى لخراسان جماعة، وأوفد فى ذلك وفدا، فأبى عليه هشام فيهم.
وكان خرج بعهد نصر إلى خراسان عبد الكريم الحنفي، أنفذه هشام مع كاتبه أبى المهنّد، فوصل عبد الكريم بعشرة آلاف درهم. [١٢٩] واستعمل نصر خلفاءه على كور خراسان، وعمر خراسان عمارة لم تعمر قطّ مثلها، ووضع الخراج، وأحسن الولاية والجباية، ومدحه الشّعراء، وكان نصر شاعرا خطيبا، فخطب النّاس، وقال فى خطبته:
استمسكوا أصحابنا يحد بكم [٣] ... فقد عرفنا خيركم من شرّكم
ثمّ دخلت سنة احدى وعشرين ومائة
وفيها غزا مروان بن محمّد بلاد صاحب السّرير الذّهب، ففتح قلاعه، وخرّب أرضه، فأذعن له بالجزية فى كل سنة ألف رأس يؤدّيه، وأخذ رهائنه، وملّكه [٤] على أرضه.
стр. 1183
قتل زيد بن علىّ بن الحسين (ع)
وفيها قتل زيد بن على بن الحسين بن علىّ بن أبى طالب- صلوات الله عليهم [١]- فى قول الواقدي. وفى قول هشام بن محمّد: قتل فى سنة اثنتين وعشرين ومائة.
ذكر السّبب فى مقتله والسّبب فى خروجه كان بين أولاد الحسين والحسن- ﵈ [٢]- خصومة فى صدقة رسول الله [٣]- صلّى الله عليه- وكانوا يتنازعون إلى والى المدينة، وكان واليها يومئذ إبراهيم بن هشام. وانتهت الخصومة إلى زيد بن على، وإلى جعفر بن حسن. فلمّا هلك جعفر قال عبد الله بن حسن بن حسن [١٣٠]- «من لزيد؟» [٤] قال حسن بن حسن بن حسن:
- «أنا.» قال:
- «إنّا نخاف لسانك ويدك. ولكنّى [أنا أكفيكه [٥] .] » قال:
- «إذن لا تبلغ حاجتك [وحجتك [٦]] ولكن أبلغ حجّتى.»
стр. 1184
فتنازعا يوما، فأغلظ عبد الله لزيد وقال:
- «يا ابن العندكية [١] .» فتضاحك زيد وقال:
- «فعلتها يا با محمد.» ثمّ ذكر أمّه بشيء.
وكانت ولاية المدينة يومئذ لخالد بن عبد الملك وهذه الخصومة كانت عنده. فقال خالد:
- «اغدوا علينا غدا. فلست لعبد الملك إن لم أفصل بينكما.» فباتت المدينة تغلى كالمرجل، يقول قائل: قال زيد كذا، ويقول قائل: قال عبد الله كذا. فلمّا كان الغد، جلس خالد فى المسجد واجتمع النّاس. فمن شامت ومن مهموم. فدعا بهما خالد وهو يحبّ أن يتشاتما فيتبيّن ذلك لهما.
وذهب عبد الله يتكلّم. فقال زيد:
- «لا تعجل يا با محمّد، أعتق زيد ما يملك، إن خاصمك إلى خالد أبدا [٢] .» ثمّ قال:
- «يا خالد، لقد جمعت ذرّيّة رسول الله صلّى الله عليه لأمر ما كان يجمعهم عليه أبو بكر ولا عمر. [٣] » فقال خالد:
- «ما لهذا السّفيه أحد.» فتكلّم رجل من الأنصار من آل عمرو بن حزم، فقال:
стр. 1185
- «يا بن أبى تراب وابن حسين السّفيه [١] ، أما ترى للوالي عليك حقّا ولا طاعة! فقال زيد:
- «أسكت أيّها القحطانىّ، فإنّا لا نجيب مثلك.» فقال:
- «ولم؟ أترغب عنّى؟ فو الله، إنّى لخير منك وأبى [١٣١] خير من أبيك، وأمى خير من أمّك.» فتضاحك زيد، ثمّ قال:
- «يا معشر قريش، هذا الدّين قد ذهب، أذهبت الأحساب؟ فو الله، إنّه ليذهب دين القوم وما تذهب أحسابهم.» فتكلّم عبيد الله بن واقد بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب، فقال:
- «كذبت والله يا قحطانىّ، فهو لخير منك نفسا وأبا وأمّا ومحتدا.» وتناوله بكلام كثير.
فقال القحطانىّ:
- «دعنا منك، يا ابن واقد.» فأخذ ابن واقد كفا من حصباء المسجد، فضرب بها الأرض، ثمّ قال:
- «أف! والله ما لنا على هذا صبر.» وقام فشخص زيد إلى هشام بن عبد الملك. فجعل هشام لا يأذن له، فيرفع إليه القصص. فكلّما قرأ قصّة له كتب هشام فى أسفلها:
- «إرجع إلى أميرك.» فيقول زيد:
- «إنّى والله ما أرجع إلى خالد أبدا، وما أسأل مالا، وإنّما أنا رجل مخاصم.»
стр. 1186
إذن هشام لزيد ومحاجّة جرت بينهما
ثم إنّ هشاما أذن له يوما بعد طول حبس، وجلس فى عليّة له رفيعة، وأمر خادما له أن يتبعه ويتسمّع عليه، فقال له:
- «أنظر لا يرينّك [واسمع ما يقول] [١] » قال: فأتعبته الدّرجة وكان بادنا فوقف فى بعضها وقال:
- «والله ما أحبّ الدنيا أحد إلّا ذلّ.» فلمّا أعيد ذلك على هشام، علم أنّه خارج عليه.
فيقال: إنّ هشاما قال له يوما:
- «لقد بلغني يا زيد، أنّك تذكر الخلافة وتتمنّاها ولست [١٣٢] هناك [٢] ، فإنّك ابن أمّة.» فقال زيد:
- «إنّ لك يا أمير المؤمنين جوابا.» قال:
- «فتكلّم به.» قال:
- «إنّه ليس أحد أولى بالله، ولا أرفع عنده منزلة من نبىّ ابتعثه، وقد كان إسماعيل من خير الأنبياء وولد خيرهم محمّدا صلّى الله عليه وكان ابن أمة، وأخوه ابن صريحة مثلك، فاختاره الله عليه، فأخرج منه خير البشر، وما على أحد [من ذلك] [٣] جدّه رسول الله- صلّى الله عليه ما كانت أمّه.» [٤] فقال له هشام:
- «أخرج عنّى.» قال:
стр. 1187
- «إن خرجت لا تراني إلّا حيث تكره.» فقال له سالم:
«لا يظهرنّ منك هذا.»
بين خالد بن عبد الله القسري وزيد بن على
ثمّ إنّ خالد بن عبد الله القسري ادّعى مالا له قبل زيد بن علىّ، ومحمّد بن عمر بن أبى طالب، وداود بن علىّ بن عبد الله بن العبّاس وإبراهيم بن سعد بن عبد الرّحمن بن عوف الزّهرى، وأيّوب بن سلمة بن عبد الله بن الوليد بن المغيرة المخزومي. فقدمت كتب يوسف بن عمر على هشام بذلك، فبعث إليهم يخبرهم بما ادّعى عليهم خالد، فأنكروا.
فقال لهم هشام:
- «فاخرجوا إليه يجمع بينكم وبينه.» فقال له زيد بن علىّ:
- «أنشدك الله والرّحم، أن تبعث بى إلى يوسف بن عمر.» قال:
- «وما الّذى تخاف منه؟» قال:
- «أخاف أن يعتدى علىّ.» قال هشام:
- «ليس له ذاك.» ودعا كاتبه وقال له: أكتب إلى يوسف بن عمر:
- «أمّا بعد، فإذا قدم [١٣٣] عليك فلان وفلان، فاجمع بينهم وبين خالد القسري وابنه يزيد. فإن هم أقرّوا بما ادّعى عليهم، فسرّح بهم إلىّ، وإنّ هم أنكروا، فسله بيّنة، فإن لم يقمها،
стр. 1188
فاستحلهم بالله الّذى لا إله إلا هو: ما استودعكم خالد ولا ابنه يزيد وديعة، ولا لهما قبلكم شيء. ثمّ خلّ سبيلهم.» فقالوا لهشام:
- «إنّا نخاف تعدّيه لكتابك.» قال:
- «كلّا، إنّى قد صدّقتكم، ولكن لا بدّ من أن تكذّبوا خالدا فى وجهه، وأنا باعث معكم رجلا من الحرس بذلك، حتّى يعجّل الفراغ منه، ويردّكم إلىّ.» قالوا:
- «جزاك الله خيرا.» فوصلهم هشام، وسرّح بهم إلى يوسف. فلمّا قدموا عليه أجلس زيد بن علىّ قريبا منه، وألطفه فى المسألة. ثمّ سألهم عن المال، فأنكروا جميعا، فأخرج يوسف خالدا إليهم فى عباءة، وجمع بينه وبينهم، وقال:
- «هذا زيد بن علىّ وهذا داود بن على، وهذا فلان وفلان الّذين ادّعيت عليهم ما ادّعيت، وقد أمر أمير المؤمنين بكيت وكيت، وهذا الكتاب. فهل عندك بيّنة بما ادّعيت؟» فلم تكن له بيّنة.
فقال يوسف للقوم:
- «أتحلفون أنّ خالدا ما أودعكم ما لا ولا له قبلكم حقّ [١٣٤] فقال زيد:
- «أنّى [١] يودعنى هذا مالا وهو يشتم آبائي على منبره؟» وسكت القوم. ثمّ التفتوا بأجمعهم إلى خالد وقالوا:
стр. 1189
- «ما دعاك إلى ما صنعت؟» قال:
- «إنّه أغلظ علىّ فى العذاب، فادّعيت ما ادّعيت، وأمّلت أن يأتى الله بفرج قبل قدومكم.» فأطلقهم يوسف، فمضوا، وتخلّف بالكوفة زيد بن علىّ وداود.
إقبال الشّيعة إليه
وأقبلت الشّيعة تختلف إلى زيد ويوسف يأمره بالخروج، وهو يعتلّ عليه.
وبلغ ذلك هشاما. فكتب إلى يوسف:
- «إنّه بلغني أنّ زيدا يحتجّ عليك فى مقامه بخصومة بينه وبين بعض آل طلحة فى مال بينه وبينهم بالمدينة، فليقم جريّا [١] يقوم مقامه.» وأزعجه، وقد كان بايعه سلمة بن كهل، ونصر بن خزيمة العبسي، ومعاوية بن إسحاق الأنصارى وناس من وجوه أهل الكوفة. فلمّا رأى ذلك داود بن علىّ قال:
- «يا ابن عمّ، لا يغرّنك هؤلاء من نفسك. ففي أهل بيتك لك عبرة.» وذكّره بأيّام علىّ وأيّام الحسن والحسين، ولم يزل به حتّى أخرجه معه، فشخصا حتّى بلغا القادسيّة. فاتبعه شيعته حتّى بلغوا الثعلبية، وقالوا له:
نحن أربعون ألفا، وإن رجعت إلى الكوفة لم يتخلّف عنك أحد.» فجعل يقول:
- «إنّى أخاف أن تخذلوني [١٣٥] وتسلّمونى كما فعلتم بأبى وجدّى.»
стр. 1190
فيحلفون له ويعطونه المواثيق والأيمان المغلّظة، ويقول له داود:
- «يا بن عمّ، هكذا قالوا لأبيك وجدّك، ثمّ لم يفوا.» فقال لزيد:
- «إنّ هذا لا يحبّ أن تظهر أنت، ويزعم [١] أنّه وأهل بيته أحقّ بهذا الأمر منكم.»
رجوع زيد إلى المدينة
ولم يزالوا عليه بهذا الكلام ونحوه حتّى انصرف معهم إلى الكوفة. فأتاه سلمة بن كهل، فاستأذن عليه، فأذن له. فذكر قرابته برسول الله صلى الله عليه وحقّه، فأحسن. ثمّ تكلّم زيد فأحسن.
فقال سلمة:
- «اجعل لى الأمان حتّى أقول.» قال:
- «سبحان الله! ومثلك يسأل مثلي الأمان؟» وإنّما أراد سلمة أن يسمع ذلك أصحابه.
ذكر رأى أشار به سلمة على زيد، فلم يقبله
فقال:
- «نشدتك الله، كم بايعك [٢] ؟» قال:
- «أربعون ألفا.» قال:
- «فكم بايع جدّك؟» قال:
- «ثمانون ألفا.» قال:
стр. 1191
- «فكم حصل معه؟» قال:
- «ثلاثمائة.» قال:
- «نشدتك الله، أأنت خير أم جدّك؟» قال:
- «بل جدّى.» قال:
- «أفقرنك الّذين خرجت فيهم خير، أم القرن [١] الّذين خرج فيهم جدّك؟» قال:
- «بل القرن الّذين خرج فيهم جدّى.» قال:
- «أفتطمع أن يفي لك هؤلاء، وقد غدر أولئك [١٣٦] بجدّك؟» قال:
- «إنّهم بايعوني، ووثّقوا لى.» قال:
- «فتأذن لى أن أخرج من البلد؟» قال:
- «ولم؟» قال:
- «آمن أن يحدث فى أمرك حدث، فلا أملك نفسي.» قال:
- «وقد أذنت لك.» فخرج إلى اليمامة.
كتاب عبد الله بن الحسن إلى زيد
وكتب عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علىّ بن أبى طالب إلى زيد:
- «يا بن عمّ، إنّ أهل الكوفة نفج [٢] العلانية، خوز السّريرة، تقدّمهم ألسنتهم، ولا تشايعهم قلوبهم. ولقد تواترت إلىّ كتبهم، فصممت عن ندائهم، وألبست قلبي غشاء عن ذكرهم، يأسا منهم، واطّراحا لهم، وما لهم مثل إلّا ما قال على بن أبى طالب»
стр. 1192
وذكّره بأشياء قالها فى أهل العراق.
[كيف كانت بيعة زيد]
واستخفى زيد بالكوفة وبثّ دعاته، وأخذ يتنقّل من موضع إلى موضع ويبايع من استجاب له. وكانت بيعته:
- «إنّى أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه صلّى الله عليه وجهاد الظّالمين، والدّفع عن المستضعفين، وإعطاء المحرومين، وقسم هذا الفيء بين أهله بالسّواء، وردّ المظالم، وإقفال المجمّر [١] ، ونصرنا أهل البيت على من نصب لنا. أتبايعون على ذلك؟» فإذا قالوا: نعم، وضع يده على يده، ثمّ يقول:
- «عليك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله صلّى الله عليه- لتفينّ ببيعتي، ولتقاتلنّ معى عدوّى، ولتنصحنّ لى فى السّر [١٣٧] والعلانية.» فإذا قال: نعم، مسح يده على يده، ثمّ قال:
- «اللهمّ اشهد.» فمكث بذلك عشر شهرا، وبلغ هشاما خبر رجوعه إلى الكوفة بعد خروجه منها. ولم يبلغ ذلك يوسف بن عمر، وظنّ أنّه استمرّ فى خروجه إلى المدينة.
стр. 1193
كتاب هشام إلى يوسف بن عمر فى أمر زيد بن علىّ
فكتب هشام إلى يوسف بن عمر فى أمر زيد كتابا نسخته:
- «أمّا بعد، فقد علمت حال الكوفة فى حبّهم أهل هذا البيت، ووضعهم إيّاهم فى غير مواضعهم، لأنّهم افترضوا طاعتهم على أنفسهم، وضيّقوا [١] عليهم شرائع دينهم، ونحلوهم علم ما هو كائن، حتّى حملوهم من تفريق الجماعة على حال استخفّوهم فيها إلى الخروج، وقد كان قدم زيد بن علىّ على أمير المؤمنين فى خصومة له، فرأى رجلا جدلا لسنا خليقا بتمويه الكلام وصوغه واجترار الرّجال بحلاوة لسانه وكثرة مخارجه فى حججه، وما يدلى به عند لدد الخصام من السّطوة على الخصم بالقوّة الحادّة لنيل الفلج. فعجّل إشخاصه إلى الحجاز، ولا تخلّه والمقام قبلك، فإنّه إن أعاره القوم أسماعهم فحشّاها من لين لفظه وحلاوة منطقه مع ما يدلى به من القرابة برسول الله- صلّى الله عليه- وجدّهم [غير متئدة قلوبهم، ولا ساكنة أحلامهم، ولا مصونة عندهم أديانهم] [٢] ، ميّلا إليه، وبعض التحامل عليه [١٣٨] فى أذى له [وإخراجه وتركه] [٣] مع السّلامة للجميع، والحقن للدماء، والأمن للفرقة، أحبّ إلىّ من أمر فيه سفك دمائهم، وانتشار كلمتهم، وقطع سبلهم، والجماعة حبل الله المتين، ودين
стр. 1194
الله القويم، وعروته الوثقى. فادع إليك اشراف أهل المصر، فأوعدهم العقوبة فى الأبشار، واستصفاء الأموال. فإنّ من له عقد أو عهد منهم سيبطئ عنه، ولا يخفّ معه إلّا الرّعاع وأهل السّواد ومن تنهضه الحاجة استلذاذا للفتنة، [وأولئك ممّن يستعبد إبليس وهو يستعبدهم] [١] فبادهم بالوعيد، واعضضهم بسوطك، وجرّد منهم سيفك، وأخف الأشراف قبل الأوساط، والأوساط قبل السّفلة. واعلم أنّك قائم على باب ألفة، وداع إلى طاعة، وحاضّ على جماعة، ومشمّر لدين الله، فلا تستوحش لكثرتهم، واجعل معقلك الّذى تأوى إليه، وصغوك الّذى تخرج به، الثّقة بربّك والغضب لدينك والمحاماة على الجماعة ومناصبة من أراد كسر هذا الباب الّذى أمرهم الله، ، بالدّخول فيه، والتشاحّ، عليه، فإنّ أمير المؤمنين قد أعذر إليه، وقضى من ذمامه، فليس له منزى [٢] إلى ادّعاء حقّ هو له، ظلمه [٣] من نصبه فى فيء أوصله لذي قربى، إلّا ما [١٣٧] خاف أمير المؤمنين من حمل مدرة السّوء له [٤] ، على الّذى عسى أن يكونوا به أشقى وبه أضلّ، ولهم أمرّ، ولأمير المؤمنين أعزّ وأسهل، إلى حياطة الدّين والذبّ عنه، فإنّه لا يحبّ أن يرى فى أمّته حالا متفاوتا، نكالا لهم مفتنا [٥] . فهو
стр. 1195
يستديم النّظر، ويتأتّى للرّشاد، ويجتبيهم [١] ، على المخاوف، ويستجرّهم إلى المراشد، ويعدل بهم عن المهالك، فعل الوالد المشفق على ولده، والرّاعى الحدب على رعيّته. واعلم أنّ من حجّتك عليهم، واستحقاق نصر الله لك عند معاندتهم، توفيتك أطماعهم وأعطية ذرّيّتهم، ونهيك جندك أن ينزلوا حريمهم ودورهم. فانتهز رضا الله فى ما أنت بسبيله، فإنّه ليس ذنب أسرع تعجيل عقوبة من بغى، وقد أوقعهم الشّيطان، ودلّاهم فيه، ودلّهم عليه، والعصمة بتارك البغي أولى. فأمير المؤمنين يستعين الله عليهم وعلى غيرهم من رعيّته ويسأل إليه ومولاه ووليّه أن يصلح منهم ما كان فاسدا، وأن يسرع بهم إلى النّجاة والفوز، إنّه سميع قريب.» فبعث يوسف فى طلب زيد، فأرشد إلى من يعرف خبره، وجاءه سليمان بن سراقة البارقي، فأخبره أنّه يختلف إلى [١٤٠] ابن أخت له، فطلبه يوسف هناك، فلم يوجد عنده، وجاء بالرّجل. فلمّا كلّمه استبان له أمر زيد وأصحابه، وتخوّف زيد أن يؤخذ، فأخذ فى التّعجيل.
نكث بيعة زيد
ولمّا رأى أصحاب زيد أنّ يوسف بن عمر قد بلغه أمر زيد وأصحابه، وأنّه يستبحث [٢] عن أمره، اجتمعت إليه جماعة من رؤساء من بايعه، فقالوا: