- «فكم حصل معه؟» قال:
- «ثلاثمائة.» قال:
- «نشدتك الله، أأنت خير أم جدّك؟» قال:
- «بل جدّى.» قال:
- «أفقرنك الّذين خرجت فيهم خير، أم القرن [١] الّذين خرج فيهم جدّك؟» قال:
- «بل القرن الّذين خرج فيهم جدّى.» قال:
- «أفتطمع أن يفي لك هؤلاء، وقد غدر أولئك [١٣٦] بجدّك؟» قال:
- «إنّهم بايعوني، ووثّقوا لى.» قال:
- «فتأذن لى أن أخرج من البلد؟» قال:
- «ولم؟» قال:
- «آمن أن يحدث فى أمرك حدث، فلا أملك نفسي.» قال:
- «وقد أذنت لك.» فخرج إلى اليمامة.
كتاب عبد الله بن الحسن إلى زيد
وكتب عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علىّ بن أبى طالب إلى زيد:
- «يا بن عمّ، إنّ أهل الكوفة نفج [٢] العلانية، خوز السّريرة، تقدّمهم ألسنتهم، ولا تشايعهم قلوبهم. ولقد تواترت إلىّ كتبهم، فصممت عن ندائهم، وألبست قلبي غشاء عن ذكرهم، يأسا منهم، واطّراحا لهم، وما لهم مثل إلّا ما قال على بن أبى طالب»
стр. 1192
وذكّره بأشياء قالها فى أهل العراق.
[كيف كانت بيعة زيد]
واستخفى زيد بالكوفة وبثّ دعاته، وأخذ يتنقّل من موضع إلى موضع ويبايع من استجاب له. وكانت بيعته:
- «إنّى أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه صلّى الله عليه وجهاد الظّالمين، والدّفع عن المستضعفين، وإعطاء المحرومين، وقسم هذا الفيء بين أهله بالسّواء، وردّ المظالم، وإقفال المجمّر [١] ، ونصرنا أهل البيت على من نصب لنا. أتبايعون على ذلك؟» فإذا قالوا: نعم، وضع يده على يده، ثمّ يقول:
- «عليك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله صلّى الله عليه- لتفينّ ببيعتي، ولتقاتلنّ معى عدوّى، ولتنصحنّ لى فى السّر [١٣٧] والعلانية.» فإذا قال: نعم، مسح يده على يده، ثمّ قال:
- «اللهمّ اشهد.» فمكث بذلك عشر شهرا، وبلغ هشاما خبر رجوعه إلى الكوفة بعد خروجه منها. ولم يبلغ ذلك يوسف بن عمر، وظنّ أنّه استمرّ فى خروجه إلى المدينة.
стр. 1193
كتاب هشام إلى يوسف بن عمر فى أمر زيد بن علىّ
فكتب هشام إلى يوسف بن عمر فى أمر زيد كتابا نسخته:
- «أمّا بعد، فقد علمت حال الكوفة فى حبّهم أهل هذا البيت، ووضعهم إيّاهم فى غير مواضعهم، لأنّهم افترضوا طاعتهم على أنفسهم، وضيّقوا [١] عليهم شرائع دينهم، ونحلوهم علم ما هو كائن، حتّى حملوهم من تفريق الجماعة على حال استخفّوهم فيها إلى الخروج، وقد كان قدم زيد بن علىّ على أمير المؤمنين فى خصومة له، فرأى رجلا جدلا لسنا خليقا بتمويه الكلام وصوغه واجترار الرّجال بحلاوة لسانه وكثرة مخارجه فى حججه، وما يدلى به عند لدد الخصام من السّطوة على الخصم بالقوّة الحادّة لنيل الفلج. فعجّل إشخاصه إلى الحجاز، ولا تخلّه والمقام قبلك، فإنّه إن أعاره القوم أسماعهم فحشّاها من لين لفظه وحلاوة منطقه مع ما يدلى به من القرابة برسول الله- صلّى الله عليه- وجدّهم [غير متئدة قلوبهم، ولا ساكنة أحلامهم، ولا مصونة عندهم أديانهم] [٢] ، ميّلا إليه، وبعض التحامل عليه [١٣٨] فى أذى له [وإخراجه وتركه] [٣] مع السّلامة للجميع، والحقن للدماء، والأمن للفرقة، أحبّ إلىّ من أمر فيه سفك دمائهم، وانتشار كلمتهم، وقطع سبلهم، والجماعة حبل الله المتين، ودين
стр. 1194
الله القويم، وعروته الوثقى. فادع إليك اشراف أهل المصر، فأوعدهم العقوبة فى الأبشار، واستصفاء الأموال. فإنّ من له عقد أو عهد منهم سيبطئ عنه، ولا يخفّ معه إلّا الرّعاع وأهل السّواد ومن تنهضه الحاجة استلذاذا للفتنة، [وأولئك ممّن يستعبد إبليس وهو يستعبدهم] [١] فبادهم بالوعيد، واعضضهم بسوطك، وجرّد منهم سيفك، وأخف الأشراف قبل الأوساط، والأوساط قبل السّفلة. واعلم أنّك قائم على باب ألفة، وداع إلى طاعة، وحاضّ على جماعة، ومشمّر لدين الله، فلا تستوحش لكثرتهم، واجعل معقلك الّذى تأوى إليه، وصغوك الّذى تخرج به، الثّقة بربّك والغضب لدينك والمحاماة على الجماعة ومناصبة من أراد كسر هذا الباب الّذى أمرهم الله، ، بالدّخول فيه، والتشاحّ، عليه، فإنّ أمير المؤمنين قد أعذر إليه، وقضى من ذمامه، فليس له منزى [٢] إلى ادّعاء حقّ هو له، ظلمه [٣] من نصبه فى فيء أوصله لذي قربى، إلّا ما [١٣٧] خاف أمير المؤمنين من حمل مدرة السّوء له [٤] ، على الّذى عسى أن يكونوا به أشقى وبه أضلّ، ولهم أمرّ، ولأمير المؤمنين أعزّ وأسهل، إلى حياطة الدّين والذبّ عنه، فإنّه لا يحبّ أن يرى فى أمّته حالا متفاوتا، نكالا لهم مفتنا [٥] . فهو
стр. 1195
يستديم النّظر، ويتأتّى للرّشاد، ويجتبيهم [١] ، على المخاوف، ويستجرّهم إلى المراشد، ويعدل بهم عن المهالك، فعل الوالد المشفق على ولده، والرّاعى الحدب على رعيّته. واعلم أنّ من حجّتك عليهم، واستحقاق نصر الله لك عند معاندتهم، توفيتك أطماعهم وأعطية ذرّيّتهم، ونهيك جندك أن ينزلوا حريمهم ودورهم. فانتهز رضا الله فى ما أنت بسبيله، فإنّه ليس ذنب أسرع تعجيل عقوبة من بغى، وقد أوقعهم الشّيطان، ودلّاهم فيه، ودلّهم عليه، والعصمة بتارك البغي أولى. فأمير المؤمنين يستعين الله عليهم وعلى غيرهم من رعيّته ويسأل إليه ومولاه ووليّه أن يصلح منهم ما كان فاسدا، وأن يسرع بهم إلى النّجاة والفوز، إنّه سميع قريب.» فبعث يوسف فى طلب زيد، فأرشد إلى من يعرف خبره، وجاءه سليمان بن سراقة البارقي، فأخبره أنّه يختلف إلى [١٤٠] ابن أخت له، فطلبه يوسف هناك، فلم يوجد عنده، وجاء بالرّجل. فلمّا كلّمه استبان له أمر زيد وأصحابه، وتخوّف زيد أن يؤخذ، فأخذ فى التّعجيل.
نكث بيعة زيد
ولمّا رأى أصحاب زيد أنّ يوسف بن عمر قد بلغه أمر زيد وأصحابه، وأنّه يستبحث [٢] عن أمره، اجتمعت إليه جماعة من رؤساء من بايعه، فقالوا:
стр. 1196
- «رحمك الله، ما قولك فى أبى بكر وعمر؟» [١] قال زيد: «رحمهما الله وغفر لهما، ما سمعت من أهل بيتي أحدا يتبرّأ منهما، ولا يقول فيهما إلّا خيرا.» قالوا: «فلم تطلب إذا بدم أهل هذا البيت، إلّا أنّ هذين وثبا على سلطانكم.
فنزعاه من أيديكم؟» فقال زيد:
- «إنّ أشدّ ما نقول فى ما ذكرتم أنّا كنّا أحقّ بسلطان رسول الله صلى الله عليه من النّاس أجمعين، وأنّ القوم استأثروا علينا ودفعونا عنه، ولم يبلغ ذلك بهم عندنا كفرا. قد ولوا فعدلوا، وعملوا بالكتاب واتّبعوا السّنّة.» قالوا له:
- «فلم يظلمك إذا هؤلاء، فلم تدعونا إلى قتال قوم ليسوا لك بظالمين؟» فقال لهم:
- «إنّهم ليسوا كأولئك. لأنّ هؤلاء ظالمون لأنفسهم، وإنّما ندعوهم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه، وإلى السّنن أن تحيا، وإلى البدع أن تطفأ. فإن أنتم أجبتمونا سعدتم، وإن [١٤١] أنتم أبيتم، فلست عليكم بوكيل.» ففارقوه ونكثوا بيعته وقالوا:
- «سبق الإمام.» وقد كان هلك محمد بن علىّ بن الحسين يومئذ، وكان ابنه جعفر حيّا، فقالوا:
- «جعفر إمامنا وهو أحقّ بالأمر بعد أبيه وليس زيد بإمام.» فسمّاهم زيد الرّافضة. وهم اليوم يزعمون أنّ الّذى سمّاهم الرّافضة المغيرة، وذلك أنّهم فارقوه بالكوفة وتركوه حتّى قتل، وقد حكينا أمره.
стр. 1197
استتباب الخروج لزيد
واستتبّ لزيد الخروج. فواعد أصحابه ليلة الأربعاء، وهي اوّل ليلة من صفر. يقال سنة اثنتين وعشرين، ويقال سنة احدى وعشرين.
وبلغ يوسف بن عمر أنّ زيدا قد أزمع الخروج. فبعث حكم بن أبى الصّلت [١] ، وأمره أن يجمع أهل الكوفة فى المسجد الأعظم، ثمّ يحصرهم فيه.
فبعث الحكم إلى العرفاء، وإلى الشّرطة، والمناكب، والمقاتلة، فأدخلهم المسجد. ثمّ نادى مناديه أنّ الأمير يقول:
- «من أدركناه فى رحله فقد برئت منه الذمّة. ادخلوا المسجد الأعظم.» فأتى النّاس المسجد يوم الثلاثاء قبل خروج زيد بيوم، وطلبوا زيدا فى المواضع الّتى كان يتنقّل فيها. فخرج ليلة الأربعاء وكانت ليلة شديدة البرد- من دار معاوية بن إسحاق، [١٤٢] وكان قد طلب فيها. فرفعوا هرادىّ النّيران من القصب ونادوا بشعارهم:
- «يا منصور أمت» وكلّما أكلت النّار هرديا رفعوا آخر. فما زالوا بذلك حتّى طلع الفجر. فلمّا أصبحوا، بعث زيد القاسم [٢] التّبعى ورجلا آخر من أصحابه يناديان بشعارهم.
فلقيهما جعفر بن العبّاس الكندي فى أصحابه. فشدّوا عليهما وقتل الرّجل الّذى كان مع القاسم التّبعى، وارتثّ القاسم، فأتى به الحكم بن أبى الصّلت، فكلّمه، فلم يرد عليه شيئا، فضربت عنقه على باب القصر. فكان هذان أوّل من قتل من أصحاب زيد.
стр. 1198
وأمر الحكم به أبى الصّلت بدروب السّوق، فغلّقت، وغلّقت أبواب المسجد الأعظم على أهل الكوفة، وأمر أصحاب الأرباع بالكوفة أن يصيروا إليه، وبعث إلى يوسف بن عمر، فأخبره الخبر، فبعث يوسف جعفر بن العبّاس الكندي فركب فى خمسين فارسا، ثم قال:
- «اذهب فأتنى بخبرهم.» فلمّا استقبل [١] الرّجلين وكان ما كان من أمرهما، رجع إلى يوسف، فأخبره.
فلمّا أصبح خرج إلى تلّ قريب من الحيرة، فنزل عليه ومعه قريش وأشراف النّاس، وعلى شرطته العبّاس بن سعيد المرّى [٢] . فبعث زياد بن سلمة فى ألفين وثلاثمائة من الرّجال معهم النشّاب وأصبح زيد، [١٤٣] فكان جميع من وافاه تلك اللّيلة مائتي رجل وثمانية عشر رجلا فقال زيد:
- «سبحان الله! أين النّاس؟» فقيل:
- «هم فى المسجد الأعظم محصورون.» فقال:
- «لا والله، ما هذا بعذر لمن بايعنا.» وسمع نصر بن خزيمة النّداء، فأقبل إليه، فلقى عمرو بن عبد الرّحمن صاحب شرطة الحكم بن أبى الصّلت فى أصحابه. فقال نصر بن خزيمة:
- «يا منصور أمت.» فشدّ عليه نصر وأصحابه، فقتل عبد الرّحمن، وانهزم من كان معه.
وأقبل زيد الى جبّانة الصّيّادين، وبها خمسمائة من أهل الشّام، فحمل عليهم زيد فى من معه، فهزمهم. وكان تحت زيد يومئذ برذون أدهم بهيم، وسار حتّى انتهى إلى دار رجل من الأزد يقال له: أنس بن عمرو، وكان فى من
стр. 1199
بايعه، فنودي وهو فى داره، فلم يجب. فناداه زيد:
- «يا أنس، اخرج. فقد جاء الحقّ وزهق الباطل، إنّ الباطل كان زهوقا [١] .» فلم يخرج إليه. فقال زيد:
- «قد فعلتموها، الله حسيبكم.» ثمّ مضى زيد إلى الكناسة، فحمل على جماعة بها من أهل الشّام، فهزمهم.
ثمّ خرج حتّى ظهر إلى الجبّانة، ويوسف بن عمر على التّلّ ينظر إليه هو وأصحابه، وبين يديه نحو من مائتي رجل، وناس من الأشراف لا يبلغ عشرة.
فلو أقبل على يوسف لقتله [١٤٤] وتمّم أمره.
ثمّ إن زيد أخذ ذات اليمين على مصلّى خالد بن عبد الله حتّى دخل الكوفة، فأقبل على نصر بن خزيمة وقال:
- «أما ترى خذلان النّاس إيّانا قد جعلوها حسينيّة.» فقال له:
- «جعلني الله فداءك. أمّا أنا، فو الله لأضربنّ معك بسيفي هذا حتّى أموت.» ثمّ إنّ نصرا قال لزيد:
- «جعلني الله فداءك. إنّ النّاس فى المسجد الأعظم محصورون، فاذهب بنا نحوهم.» فخرج بهم زيد نحو المسجد، فمرّ على دار خالد بن عرفطة، وبلغ عبيد الله بن العبّاس الكندي إقباله، فخرج فى أهل الشّام، وأقبل زيد، فالتقوا على باب عمرو بن سعد بن أبى وقّاص، فكعّ [٢] صاحب لواء عبيد الله فقال له:
- «احمل يا ابن الخبيثة.» فحمل حتّى خضب لواءه بالدّم.
стр. 1200
ثمّ إنّ عبيد الله برز، فخرج إليه واصل الحنّاط، فاضطربا بسيفيهما فقال واصل:
- «خذها منّى وأنا الغلام الحنّاط.» فقال:
- «قطع الله يدي إن كلت [١] بقفيز أبدا.» ثمّ ضربه، فلم يصنع شيئا، وانهزم عبيد الله وأصحابه، وبلغ زيد وأصحابه باب المسجد، وجعلوا يدخلون راياتهم من فوق الأبواب ويقولون:
- «يا أهل المسجد، اخرجوا.» وجعل نصر بن خزيمة يناديهم ويقول:
- «يا أهل الكوفة اخرجوا من الذّلّ والصّغار إلى العزّ، اخرجوا الى الدّين والدّنيا.» فأشرف عليهم [١٤٥] أهل الشّام، فجعلوا يرمونهم بالحجارة. وانصرف عنهم زيد بن علىّ، فنزل دار الرزق، وخرج اليه ناس من أهل الكوفة، فأتاه ريّان بن سلمه، فقاتله عند دار الرزق قتالا شديدا، فخرج أهل الشّام وقتل منهم وانهزموا، وتبعهم أصحاب زيد من دار الرزق حتّى انتهوا الى المسجد، فرجع أهل الشّام مساء يوم الأربعاء أسوأ شيء ظنّا. فلمّا كان من الغد يوم الخميس دعا يوسف الرّيّان بن سلمه وليس عليه سلاحه فأفّف به وقال:
- «أفّ لك من صاحب خيل، اجلس.» ودعا العبّاس بن سعد المرّى [٢] صاحب شرطته، فبعثه فى أهل الشّام، فسار حتّى انتهى الى زيد فى دار الرّزق، وخرج زيد فى أصحابه، وعلى مجنّبته نصر بن خزيمة العبسي، ومعاوية بن إسحاق الأنصارى. فلمّا رءاهم العبّاس
و
стр. 1201
لم يكن معه رجّالة، نادى أهل الشّام:
- «الأرض، الأرض.» فنزل معه ناس كثير، فاقتتلوا قتالا شديدا فى المعركة، فقتل نصر بن خزيمة.
ثمّ اشتدّ القتال، فهزمهم زيد وقتل من أهل الشام نحوا من سبعين رجلا، فانصرفوا وهم بشرّ حال. فلمّا كان العشىّ عبّاهم يوسف بن عمر ثمّ وجّههم.
فأقبلوا حتّى التقوا مع زيد وأصحابه، فحمل عليهم زيد [١٤٦] وأصحابه، فكشفهم. ثمّ تبعهم حتّى أخرجهم إلى بنى سليم، ثمّ تبعهم حتّى أخذوا على المسنّاة. ثمّ ظهر لهم زيد فى ما بين بارق ورؤاس [١] ، فقاتلهم هناك قتالا شديدا، فجعلت خيلهم لا تثبت لخيله ولا رجالهم لرجاله. فبعث العبّاس إلى يوسف يعلمه ذلك وقال له:
- «ابعث الىّ النّاشبة.» فبعث إليهم القيقانيّة والبخاريّة، وهم ناشبة، فرموا زيدا وأصحابه، وحرص زيد على أن يصرف أصحابه، فأبوا عليه. فقاتل إسحاق بن معاوية بن إسحاق الأنصارى بين يديه قتالا شديدا حتّى قتل بين يدي زيد وثبت زيد ومن معه، حتّى جنح الليل، فرمى حينئذ بسهم أصاب جبهته اليسرى، فثبت فى الدّماغ، فرجع ورجع أصحابه، ولا يظنّ أهل الشّام أنّهم رجعوا إلّا للمساء والليل. وحمل زيد حتى أدخل بعض دور أرحب وشاكر، وجاءوه بطبيب يقال له: شقّر، فانتزع السّهم، وجعل يضجّ، ولم يلبث أن قضى ﵀.
ماذا فعلوا برأسه وجثّته
فتشاور أصحابه: أين يوارى؟ فقال بعضهم:
стр. 1202
- «نحتزّ رأسه ونطرحه بين القتلى، فهو أجدر أن لا يعرف، وندفن رأسه حيث يخفى.» فقال ابنه:
- «لا والله، لا تأكل لحم أبى الكلاب.» فقال بعضهم:
- «فننطلق به إلى الحفرة الّتى يؤخذ منها الطّين.» فانطلقوا به. فحفروا له ودفنوه، ثمّ أجروا عليه [١٤٧] الماء وتصدّع عنه النّاس، وخرج ابنه نحو النّهرين يعنى نهري كربلاء.
ثمّ بعث يوسف بن عمر لمّا علم بقتل زيد. فأمر أن يطلبوه فى الجرحى فى دور أهل الكوفة. فكانوا يخرجون النّساء إلى صحن الدار ويدخلون جوف البيوت، يلتمسون الجرحى، حتى دلّهم غلام سندىّ كان لزيد حضر دفنه.
وقيل: بل أبصرهم قصّار كان هناك، فدلّ عليه، فاستخرج.
فأمر يوسف بن عمر بحزّ رأسه، وبعث به إلى هشام، وصلب جثّته بالكناسة مع جثّة نصر بن خزيمة، ومعاوية بن إسحاق الأنصارى وزياد النّهدى. فبقى زمانا طويلا يحرس بالكناسة لئلّا ينزل. وأمّا رأسه فإنّ هشاما أمر بنصبه على باب مدينة دمشق. ثمّ أرسل به إلى المدينة. ولم يزل بدنه منصوبا حتّى مات هشام، فأمر به الوليد، فأنزل وأحرق.
كلام يوسف بن عمر بعد قتل زيد بن على
ولمّا قتل زيد بن على أقبل يوسف بن عمر حتّى دخل الكوفة، وجاء إلى المسجد، فصعد المنبر، وقال:
- «يا أهل الكوفة، يا أهل المدرة الخبيثة، إنّى والله ما تقرّن بى
стр. 1203
الصّعبة، ولا تقعقع لى بالسّنان، ولا أخشى [١] بالذئب. هيهات، [حبيت] [٢] بالسّاعد الأشدّ. أبشروا يا أهل الكوفة بالصّغار والهوان [١٤٨] فلا عطاء لكم عندنا ولا رزق. لأخربنّ بلادكم، ولأحربنّكم أموالكم. أما والله، ما أطلت منبري إلّا لأسمعكم عليه ما تكرهون، فإنّكم أهل بغى وخلاف، ما منكم إلّا من حارب الله ورسوله. ولقد سألت أمير المؤمنين فيكم. ولو أذن لى لقتلت مقاتلتكم، وسبيت ذراريّكم.»
ما كان من غزوات نصر بن سيّار
وفى هذه السّنة قتل البطّال بن الحسين، واسمه عبد الله، فى جماعة من المسلمين بأرض الرّوم. وقد حكينا ما جرى فى سنة اثنتين [٣] ومائة إلّا ما كان من غزوات نصر بن سيّار، فإنى كرهت أن أقطع حديث زيد بحديثه.
وكان من حديث نصر بن سيّار أنّه غزا من بلخ ما وراء النّهر، ثم قفل فخطب النّاس وقال:
- «ألا إنّ فلانا كان مانح [٤] المجوس، وفلان مانح اليهود، وفلان مانح النّصارى يحملون أثقال المشركين على المسلمين. ألا، إنّى مانح المسلمين أحمل أثقالهم على المشركين. ألا إنّه لا يقبل منّى إلّا توفير الخراج على ما كتب ورفع، وقد استعملت عليكم منصور بن عمار بن أبى الحرّ، وأمرته
стр. 1204
بالعدل عليكم. فأيّما رجل منكم من المسلمين كان يؤخذ منه جزية من رأسه، أو ثقّل عليه فى خراجه وخفّف مثل ذلك عن المشركين، فليرفع ذلك [١٤٩] إلى منصور بن عمر [١] يحوّله عن المسلم إلى المشرك.» قال: فما كانت الجمعة الثّانية حتّى أتاه ثلاثون ألفا من المسلمين كانوا يؤدّون الجزية عن رؤوسهم، وثلاثون ألف رجل من المشركين قد ألقيت عنهم جزيتهم فحوّل، ذلك إليهم وألقاه عن المسلمين.
ثمّ غزا من مرو الشّاش، فحال بينه وبين قطوع النّهر كورصول فى خمسة عشر ألفا استأجر كلّ رجل منهم كلّ شهر بشقّه حرير، والشّقة يومئذ بخمسة وعشرين درهما. فكانت بينهم مراماة، فمنع نصرا من القطوع إلى الشّاش. وكان الحارث بن سريج يومئذ بأرض التّرك، فأقبل معهم، وكان بإزاء نصر، فرمى نصرا وهو على سريره على شاطئ النّهر بحسبان، [٢] فوقع السّهم فى شدق وصيف لنصر يوضّئه، فتحوّل نصر عن سريره ورمى فرس لرجل من أهل الشّام، فنفق وعبر كورصول فى أربعين رجلا، فبيّت أهل العسكر، وساق شاء أهل بخارى وكانوا فى السّاقة، وأطاف بالعسكر فى ليلة مظلمة، ومع نصر أهل بخارى وسمرقند وكسّ وسروشنة وهم عشرون ألفا.
فنادى نصر فى الأخماس:
- «لا يخرجنّ أحد من بنائه، واثبتوا على مواضعكم.» فخرج عاصم بن عميرة [٣] [١٥٠] وهو على جند سمرقند، حتّى مرّت خيل
стр. 1205
كورصول، فحمل على آخرهم، فأسر رجلا. فإذا هو ملك من ملوكهم صاحب أربعة آلاف قبّة. فجاؤوا به إلى نصر، فإذا هو شيخ يسحب درعه شبرا، وعليه رانا ديباج فيهما حلق وقباء فرند مكفّف بالدّيباج.
فقال له نصر:
- «من أنت؟» قال:
- «كورصول. فما ترجو من قتل شيخ؟ وأنا أعطيك ألف بعير من إبل التّرك، وألف برذون تقوّى به جندك [١] وخلّ سبيلي.» فقال نصر لمن حوله من أهل الشام وأهل خراسان:
- «ما تقولون؟» قالوا:
- «خلّ سبيله.» فسأله عن سنّة. قال:
- «لا أدرى.» قال:
- «كم غزوة غزوت؟» قال:
- «اثنتين وسبعين غزوة.» قال:
- «أشهدت يوم العطش؟» قال:
- «نعم.» قال:
- «لو أعطيتنى ما طلعت عليه الشمس ما انفلت من يدي بعد ما ذكرت من مشاهدك. [٢] » وقالوا لعاصم بن عمير السّعدى:
- «قم إلى سلبه فخذه.»
стр. 1206
فلمّا أيقن بالقتل قال:
- «من أسرنى؟» فقال نصر وهو يضحك:
- «يزيد بن قرّان الحنظلي.» وأشار إليه. قال:
- «هذا لا يقدر أن يغسل استه، فكيف يأسرنى؟ فأخبرنى من أسرنى؟
فإنّى أهل أن أقتل سبع قتلات.» قيل له:
- «عاصم بن عمير.» قال:
- «الآن لست أجد مسّ القتل إذ كان أسرنى فارس من فرسان العرب.» فقتله [١٥١] وصلبه على شاطئ النّهر.
وعاصم بن عمير هذا هو الهزارمرد الّذى قتل بنهاوند أيّام قحطبة.
ولمّا قتل كورصول تجرّدت التّرك، وجاءوا بأبنية له، فحرّقوها، وقطعوا آذانهم، وخدّدوا [١] وجوههم، وتعرّوا يبكون عليه. فلمّا أمسى نصر وأراد الرّحلة بعث إليه بقارورة نفط فصبّها عليه، ثمّ أشعل فيه النّار لئلّا يحملوا عظامه. فكان ذلك أشدّ عليهم من قتله.
فارتفع نصر إلى فرغانة، فسبى منها ثلاثين ألف رأس.
مسير نصر إلى الشّاش
ثمّ إنّ يوسف بن عمر كتب إلى نصر أن:
- «سر إلى هذا الغارز ذنبه بالشّاش. يعنى الحارث بن سريج فإن أظفرك الله به وبأهل الشّاش، فخرّب بلادهم واسب ذراريّهم، وإيّاك وورطة المسلمين.»
стр. 1207
فدعا نصر النّاس، فقرأ عليهم الكتاب، وقال:
- «ما ترون؟» فقال يحيى بن حضين:
- «امض لأمر الأمير.» فقال نصر:
- «يا يحيى، تكلمت ليالي عاصم بكلمة فبلغت الخليفة فحظيت بها، وزيد فى عطائك، وفرض لأهل بيتك وبلغت الدّرجة الرّفيعة. فقلت أقول مثلها. سرّ يا يحيى، فقد ولّيتك مقدّمتى.» فأقبل النّاس على يحيى يلومونه. فسار إلى الشّاش، فأتاه الحارث بن سريج، فنصب عرّادتين تلقاء بنى تميم. فقيل له:
- «هؤلاء بنو تميم.» فنقلها ونصبها على الأزد [١٥٢] وأغار عليهم الأخرم، وهو فارس الترّك، فقتله المسلمون وأسروا سبعة من أصحابه. فأمر نصر برأس الأخرم، فرمى به إلى عسكرهم فى منجنيق. فلمّا رأوه ضجّوا ضجّة ثم ارتحلوا منهزمين. ورجع نصر وأراد أن يعبر، فحيل بينه وبين ذلك. فأقبل نصر حتّى نزل سمرقند. ثمّ سار إلى الشّاش. فلمّا وافاها تلقّاه نذر ملكها بالصّلح والفدية والرّهن، واشترط عليه إخراج الحارث بن سريج من بلدانه. فأخرجه إلى فاراب [١] واستعمل على الشّاش نيزك بن صالح مولى عمرو بن العاص.
وكان نصر بعث سليمان بن صول إلى صاحب فرغانة بكتاب الصّلح بينهما يعنى ملك الشّاش.
قال سليمان: فقدمت عليه، فقال لى:
- «من أنت؟» قلت:
стр. 1208
- «شاكري خليفة كاتب الأمير.» فقال:
- «أدخلوه الخزائن ليرى ما أعددناه.» قال: فأدخلت خزائنه، فقلت فى نفسي يا سليمان، شمت بك حسّادك، ليس هذا إلّا لكراهية الصّلح، وسأنصرف بخفّى حنين. قال: فرجعت إليه فقال لى:
- «كيف رأيت الطّرق فى ما بيننا وبينكم؟» قلت:
- «سهلا كثير الماء والرّعى.» فقال:
- «ما علمك؟» قلت:
- «غزوت غرشستان [١] ، والختّل وطبرستان. فكيف لا اعلم؟» قال:
- «فكيف رأيت ما أعددنا؟» قلت:
- «رأيت عدّة حسنة [١٥٣] ولكنّى أعلم أنّ صاحب الحصار لا يسلم من خصال.» قال:
- «وما هنّ؟» قلت:
- «لا يأمن أقرب النّاس إليه وأحبّهم له وأوثقهم فى نفسه أن يثب عليه، ويتقرّب به، أو يفنى ما جمع بطول المدّة، فيسلّم، برمّته، أو تصيبه الأدواء الّتى لا يجد أدويتها ومعالجها فيموت.» فقطب وقال لى:
- «انصرف إلى منزلك.» فانصرفت وأنا لا أشكّ فى تركه الصّلح.
فدعاني بعد يومين، فحملت كتاب الصّلح ومعى غلامي، وقلت له:
- «إن أتاك رسولي فطلب الكتاب فقل: إنّى خلّفته فى منزلي.»
стр. 1209
فدخلت إليه. فسألنى عن الكتاب، فقلت:
- «خلّفته فى منزلي.» فبعثت إلى الغلام أن اذهب فجئنى بالكتاب، وقبل الصّلح وأحسن جائزتي، وسرّح معى أمّه وكانت صاحبة أمره ومدبّرته. فلمّا قدمت على نصر قال:
- «مثلك ما قال الأوّل: أرسل [١] حكيما ولا توصه.»
ودخلت سنة ثلاث وعشرين ومائة
وفى هذه السنة سعى يوسف بن عمر للحكم بن أبى الصّلت فى ضمّ خراسان إلى عمله وعزل نصر بن سيّار
وذلك أنّ أيّام نصر طالت بخراسان ودانت له، فحسده يوسف فكتب [١٥٤] إلى هشام يسأله أن يضمّها إلى العراق، ليعمرها ويستغرز دخلها. وأنفذ إليه الحكم بن أبى الصّلت وقال:
- «هو لبيب وله نصيحة ومودّة لأمير لمؤمنين، وقد كان مع الجنيد [٢] ، وولى جسام أعمالها [٣] . وقد سرّحته إلى باب أمير المؤمنين ليراه.» فلمّا أتاه وقرأ كتاب يوسف بعث إلى دار الضّيافة، فوجد فيها مقاتل بن على السّغدى، فأتوه به، فقال:
- «ابن خراسان أنت؟» قال:
- «نعم، وأنا صاحب الترّك.» وكان قدم على هشام بخمسين ومائة من التّرك. فقال:
стр. 1210
- «هل تعرف الحكم بن أبى الصّلت؟» قال:
- «نعم.» قال:
- «فما ولى بخراسان؟» قال:
- «ولى قرية يقال لها: الفاراب، خراجها سبعون ألفا، فأسره الحارث بن سريج.» قال:
- «ويحك! فكيف أفلت من يده؟» قال:
- «عرك أذنه وقفده [١] وخلّى سبيله.» فلمّا قدم الحكم عليه وشاهده رأى جمالا وبيانا. فكتب إلى يوسف:
- «إنّ الحكم قدم، وهو على ما وصفت وفى ما قبلك سعة، فخلّ الكنانىّ وعمله.» ثم أوفد نصر بن سيّار مغراء [٢] بن أحمر إلى العراق لمّا غزا فرغانة غزوته الثّانية.
فقال له يوسف بن عمر:
- «يا مغراء، أيغلبكم ابن الأقطع على سلطانكم معشر قيس!» فقال:
- «قد كان ذلك أصلح الله [١٥٥] الأمير.» قال:
- «فإذا قدمت على أمير المؤمنين فابقر بطنه.» فلمّا قدموا على هشام وسألهم عن أمور خراسان، تكلّم مغراء، فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر يوسف بن عمر بخير. فقال:
- «ويحك، أخبرنى عن خراسان.» فقال:
стр. 1211
- «يا أمير المؤمنين، ليس لك جند أعدّت ولا أحدّ [١] منهم، من سرادق [٢] فى السّماء وقراسية [٣] مثل الفيل، وعدة [٤] وعدد من قوم ليس لهم قائد.» قال:
- «ويحك، فما فعل الكناني؟» قال:
- «لا يعرف ولده من الكبر.» فردّ هشام عليه مقالته، وبعث إلى دار الضيافة، فأتى بشبيل بن عبد الرّحمن المازني.
فقال له هشام:
- «أخبرنى عن نصر.» قال:
- «ليس بالشيخ يخشى خرفه ولا الشابّ يخشى سفهه، المحرب المجرّب، قد ولى عامّة ثغور خراسان وحروبها قبل ولايته.» فكتب إلى يوسف بذلك. فوضع يوسف الأرصاد. فلمّا انتهوا إلى الموصل تركوا طريق البريد، وقد بلغ نصرا قول شبيل، وكان ابراهيم بن يسّار فى الوفد، فمكر به يوسف ونعى إليه نصرا، وأخبره أنّه قد ولّى الحكم بن أبى الصلت خراسان. ففسّر له أمر خراسان كلّه، حتّى قدم ابراهيم بن زياد رسول نصر، فعرف أنّ يوسف قد مكر به، وقال:
- «أهلكنى [١٥٦] يوسف، أهلكه الله.» وكان بعد ذلك إذا ذكر انسان نصرا بين يدي هشام، قال:
стр. 1212
- «معلّم وهذا من جهة يوسف.» ويقال: إنّ مغراء لمّا كلّفه يوسف الوقيعة فى نصر، قال له مغراء:
- «كيف أعيب نصرا مع بلائه وآثاره الجميلة عندي وعند قومي.» فلم يزل به حتّى قال:
- «فبأىّ شيء أعيبه؟ أعيبه تجربته، أو طاعته، أمّ يمن نقيبته، أم حسن سياسته؟» قال:
- «بواحدة من هذه. عبه بالكبر.» فلمّا قدم مغراء وكان منه ما كان، قال ليوسف:
- «قد علمت بلاء نصر عندي، وقد صنعت به ما قد علمت. فليس لى فى صحبته خير، ولا لى بخراسان مقام.» فأمره بالمقام. وكتب إلى نصر:
- «إنّى قد حوّلت اسمه، فأشخص إلىّ من كان قبلك من أهله.»
ثمّ دخلت سنة أربع وعشرين ومائة
ولم يجر على ما بلغنا، فيها ما تستفاد منه تجربة.
ثمّ دخلت سنة خمس وعشرين ومائة
وفاة هشام بن عبد الملك
وفيها كانت وفاة هشام بن عبد الملك. وكانت خلافته تسع عشرة سنة وثمانية أشهر، [١٥٧] وسنّة خمس وخمسون سنة. فتحدّث سالم قال:
- «خرج علينا هشام بن عبد الملك يوما وهو كئيب، يعرف ذلك فى وجهه، مسترخ ثيابه، قد أرخى عنان دابّته. فلمّا سار ساعة انتبه، فجمع ثيابه وأخذ
стр. 1213
بعنان دابّته، وقال للرّبيع:
- «أدع الأبرش.» فسار بيني وبين الأبرش فقال له الأبرش:
- «يا أمير المؤمنين، لقد رأيت منك اليوم ما غمّنى.» قال:
- «وما هو؟» فوصف حاله. قال:
- «وكيف لا أكون كذلك وقد زعم أهل العلم أنّى ميّت إلى ثلاثة وثلاثين يوما؟» قال سالم: فلمّا عدت إلى منزلي كتبته فى قرطاس: زعم أمير المؤمنين يوم كذا أنّه يسافر إلى ثلاثة وثلاثين يوما. فمات فى اليوم الثّالث والثّلاثين.
قال: فأغلق الخزّان الأبواب لما سنذكره. فطلبوا قمقما يسخن فيه الماء لغسله. فما وجد، حتّى استعاروه من بعض الجيران.
فقال الحاضرون:
- «إنّ فى هذا لمعتبرا لمن اعتبر.» وكانت وفاته بالذّبحة.
ذكر بعض سيرة هشام
حكى عقّال بن شبّة [١] قال: دخلت على هشام حين وجّهنى إلى خراسان وعليه قباء [١٥٨] أخضر عليه فنك. فجعل يوصيني وأنا أنظر إلى القباء وأتأمّله. ففطن وقال:
- «مالك؟» قلت:
стр. 1214
- «إنّى رأيت عليك قبل أن تلى الخلافة قباء فنك أخضر، فأنا أتأمّل هل هو ذاك.» قال:
- «هو- والله الّذى لا إله غيره- ذاك. ما لي قباء غيره وما ترون من جمعى هذا المال وصونه إلّا لكم.» وكان عقّال يقول: دخلت على هشام، فرأيت رجلا محشوّا عقلا.
ولم يكن يسير أيّام هشام أحد فى موكب إلّا مسلمة بن عبد الملك. ورأى هشام يوما سالما فى موكب. فزجره وقال:
- «لا أعلمنّ [١] متى سرت فى موكب!» فكان بعد ذلك إذا قدم الرّجل الغريب، فسار مع سالم، وقف له سالم ويقول: حاجتك؟ ويمنعه أن يسير معه. هذا وسالم يرى كأنّه هو أمرّ هشاما.
ولم يكن أحد يأخذ العطاء إلّا ألزمه الغزو، فمنهم من يغزو، ومنهم من يخرج بديلا.
وولّى هشام بعض مواليه ضيعة، فعمرها، فجاءت بغلّة كثيرة، ثمّ عمرها أيضا، فأضعفت الغلّة، وبعث بها مع ابنه فجزاه خيرا ووجد ابن هذا المولى منه انبساطا، فقال:
- «يا أمير المؤمنين، إنّ لى حاجة.» قال:
- «ما هي؟» قال:
- «زيادة عشرة دنانير فى العطاء.» فقال:
- «ما يخيّل إلى أحدكم [١٦٠] عشرة دنانير زيادة إلّا بقدر الجوز [٢] . لا لعمري، لا أفعل.»
стр. 1215
وقال غسّان بن عبد الحميد: لم يكن أحد من بنى مروان أشدّ نظرا، ولا أشدّ مبالغة فى الفحص عن أمور أصحابه ودواوينه من هشام.
وكان أقطع هشام قبل الخلافة أرضا يقال لها: دورين. فلمّا أرسل فى قبضها، وجدها خرابا. فقال لكاتب كان بالشّام يقال له. دويد: [١]- «ويحك! كيف الحيلة؟» قال:
- «ما تجعل لى؟» قال:
- «خمسمائة دينار.» فكتب دويد دورين وقراها. ثمّ أمضاها فى الدّواوين، فأخذ شيئا كثيرا.
فلمّا ولى هشام دخل عليه دويد. فقال:
- «يا دويد، دورين وقراها لا والله، لا تلى لى ولاية أبدا.» فأخرجه من الشّام.
وقال له بعض آل مروان يوما:
- «أتطمع فى الخلافة وأنت بخيل جبان؟» قال:
- «ولم لا أطمع، وأنا عليم عفيف سائس؟» وأتى هشاما محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب فقال:
- «مالك عندي شيء.» ثم قال:
- «إيّاك أن يغرّك أحد فيقول: لم يعرفك أمير المؤمنين. أنت محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب. فلا تقيمنّ وتنفق ما معك. فليس عندي صلة.
فبادر، والحق بأهلك!» [١٦٠] وحجّ هشام، فأخذ الأبرش مخنّثين معهم برابط. فقال هشام:
стр. 1216
- «احبسوهم وبيعوا متاعهم هذا وما أدرى ما هو، وصيّروا ثمنه فى بيت المال، فإذا صلحوا فردّوا الثّمن عليهم.» وكان هشام ينزل الرّصافة. وكان سبب ذلك أنّ الخلفاء وأبناءهم كانوا يهربون من الطاعون، فينزلون البرّيّة. فعزم هشام على نزول الرّصافة. فقيل له:
- «لا تخرج، فإنّ الخلفاء لا يطعنون، لم نر خليفة طعن!» فقال:
- «أفتريدون أن تجرّبوا بى؟» فخرج إلى الرّصافة، وهي برّيّة. فابتنى بها قصرين. والرّصافة كانت مدينة روميّة بنتها الرّوم فى القديم، ثمّ خربت.
وبعث يوسف بن عمر إلى هشام بياقوتة حمراء يخرج طرفاها من كفّ القابض، وحبّة لؤلؤ أعظم ما يكون الحبّ على يد كاتبه قحذم.
قال: فدخلت عليه، ودنوت منه، فلم أر وجهه من طول السّرير وكثرة الفرش. فتناول الحجر والحيّة فقال:
- «أكتب معك وزنهما.» قلت:
- «يا أمير المؤمنين، هما أجلّ من أن يكتب بوزنهما ومن أين يوجد مثلهما؟» قال:
- «صدقت.» وكانت الياقوتة لجارية خالد بن عبد الله القسري [١٦١] ويقال لها: رائقة، اشترتها بثلاثة وسبعين ألف دينار. [١]
стр. 1217
خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك [١]
وفى هذه السّنة ولى الخلافة بعد موت هشام، الوليد بن يزيد بن عبد الملك. وكان يزيد بن عبد الملك عقد له الخلافة بعد أخيه هشام. وذاك أنّ ابنه هذا كان صغيرا يوم عقد لهشام. ثمّ لم يمت يزيد حتّى بلغ ابنه خمس عشرة سنة، فندم على استخلافه هشاما. وكان إذا نظر إلى ابنه الوليد يقول:
- «الله بيني وبين من جعل هشاما بيني وبينك.» وولى هشام وهو للوليد مكرم معظّم مقرّب، ولم يزل ذلك من أمرهما حتّى ظهر من الوليد مجون وشرب الشّراب، حمله على ذلك عبد الصّمد بن عبد الأعلى، وكان مؤدّبه. واتخذ الوليد ندما، فأراد هشام أن يقطعهم عنه، فولّاه الحجّ سنة ستّ عشرة ومائة. فحمل معه كلابا فى صناديق، فسقط صندوق منها، فأحالوا [٢] على الكرىّ السّياط فأوجعوه ضربا. وكان حمل معه قبّة عملها على قدر الكعبة ليضعها فوق الكعبة، وحمل معه خمرا. وأراد أن ينصب القبّة على الكعبة ويجلس فيها للشّرب. فخوّفه أصحابه وقالوا:
стр. 1218
- «لا نأمن النّاس [١٦٢] عليك وعلينا.» فلم يحرّكها. وظهر للنّاس تهاون بالدّين واستخفاف به، وبلغ ذلك هشاما فطمع فى خلعه والبيعة لابنه مسلمة بن هشام، فأراده على أن يخلعها ويبايع لمسلمة، فأبى. فقال له:
- «فأجعلها له من بعدك.» فأبى فتنكّر له هشام وأضرّ به، وعمل سرّا فى البيعة لابنه. فأجابه جماعة فيهم خالاه محمد وإبراهيم. وتمادى الوليد فى شرب الشّراب وطلب اللذّات، فأفرط.
فقال له هشام يوما:
- «ويحك يا وليد، والله ما أدرى أعلى الإسلام أنت، أم لا؟ لا تدع شيئا من المنكر إلّا أتيته غير متحاش ولا مستتر به.
قال: فكتب إليه الوليد:
يا أيّها السّائل عن ديننا ... نحن على دين أبى شاكر
نشربها صرفا وممزوجة ... بالسّخن أحيانا وبالفاتر
يعنى بأبى شاكر، مسلمة بن هشام، وكان يكنّى أبا شاكر.
فغضب هشام على ابنه وقال:
- «يعيّرنى بك الوليد، وأنا أرشّحك للخلافة، فالزم الأدب، واحضر الجماعة.» وولّاه الموسم سنة تسع عشرة، وأظهر النّسك والوقار [١٦٣] واللين والجود. وقسم بالمدينة ومكّة أموالا. فقال الشّاعر:
стр. 1219
يا أيّها السائل عن ديننا ... نحن على دين أبى شاكر
الواهب الجرد بأرسانها ... ليس بزنديق ولا كافر
يعرّض بالوليد.
وأخذ هشام يعيب الوليد ويتنقّصه، وزاد حتى قصد أصحابه. فخرج الوليد لمّا رأى ذلك مع خاصّته حتّى نزل بالأزرق على ماء يقال له: الأعدف، وخلّف كاتبه عياض بن مسلم مولى عبد الملك بن مروان بالرّصافة، ووصّاه أن يكاتبه بما يحدث، وأخرج معه عبد الصّمد بن عبد الأعلى. فقطع هشام عن الوليد ما كان يجرى عليه، وكتب إليه:
- «بلغني أنّك اتّخذت عبد الصّمد خدنا ونديما، وقد حقّق ذلك عندي أشياء بلغتني عنك، ولم أبرّئك من سوء، فأخرج عبد الصّمد مذموما مدحورا.» فأخرجه إليه، وكتب إليه:
- «إنّى قد أخرجت إليك عبد الصّمد.» واعتذر إليه ممّا بلغه.
وبلغ هشاما أنّ عياض بن مسلم يكاتب الوليد بالأخبار، فأخذه، وضربه ضربا مبرّحا، والبسه المسوح. [١٦٤] فبلغ الوليد، فقال:
- «من يثق بالنّاس ويصطنع المعروف؟ هذا الأحول المشؤوم قدّمه أبى على أهل بيته، ثمّ صيّره ولىّ عهده، ويصنع بى ما ترون! اللهمّ أجزنى منه.
وقال:
أنا النذير لمسدى نعمة أبدا ... إلى المقاريف ما لم تخبر [١] الدخلا
إن أنت أكرمتهم ألفيتهم بطرا ... وإن أهنتهم ألفيتهم ذللا
стр. 1220
أتشمخون ومنّا رأس نعمتكم ... ستعلمون إذا صارت لنا دولا
أنظر، فإن أنت لم تقدر على مثل ... له سوى الكلب، فاضربه له مثلا
بينا يسمّنه للصّيد صاحبه ... حتّى إذا ما نوى من بعد ما هزلا
عدا عليه، فلم تضرره عدوته ... ولو أطاق له أكلا لقد أكلا
وكتب إلى هشام:
- «قد بلغني الّذى أحدث أمير المؤمنين من قطع ما قطع عنّى ومحو من [١] محا من أصحابى وحرمتي وأهلى، ولم أكن أخاف أن يبتلى الله أمير المؤمنين بذلك، ولا إيّاى [٢] منه. فان يكن منّى ذنب [٣] ، فيحسب الغير أن يكون على قدر الذّنب، وإن يكن ذلك لشيء فى نفس أمير المؤمنين علىّ فقد سبّب الله لى من العهد وكتب لى من العمر وقسم لى من الرّزق ما لا يقدر أحد [١٦٥] على قطع شيء منه دون مدّته، ولا صرف شيء عن مواقعه، فأمر الله يجرى بمقاديره فى ما أحبّ النّاس أو كرهوا.
فالنّاس بين ذلك يقترفون الآثام على أنفسهم من الله، أو يستوجبون الأجور عليه، وأمير المؤمنين أحقّ أمّته بالبصر لذلك [٤] والتحفّظ به، والله الموفّق لأمير المؤمنين.»
стр. 1221
فكتب هشام فى الجواب إلى الوليد:
- «قد فهم أمير المؤمنين ما كتبت به فى قطع ما قطع عنك وغير ذلك، وأمير المؤمنين يستغفر الله من إجرائه ما كان يجرى عليك، وأمير المؤمنين أخوف على نفسه فى اقتراف المآثم حيث أجرى عليك ممّا أحدثه فى قطع ما قطع ومحو من محا من صاحبتك لأمرين: أحدهما إيثار أمير المؤمنين ايّاك بما كان يصل إليك وهو يعلم وضعك له فى غير موضعه، والآخر اثبات أصحابك وإدرار أرزاقهم، وهم لا ينالهم ما ينال المسلمين فى كلّ عام من مكروه الغزو، وهم معك تجول بهم فى سفهك، ولأمير المؤمنين أخرى بالتّقصير فى الغير عليك، منه فى الاعتداء عليك، مع أنّ الله قد بصّر أمير المؤمنين فى قطع ما قطع عنك من ذلك ما يرجوا به تكفير ما يتخوّف مما سلف فيه.
وأمّا ما ذكرت ممّا [١٦٦] سبّب الله لك، فإنّ الله ابتدأ أمير المؤمنين بذلك واصطفاه له، والله بالغ أمره. فقد أصبح أمير المؤمنين وهو على اليقين من ربّه، لا يملك لنفسه فى ما أعطاه الله من كرامته ضرّا ولا نفعا، وأنّ الله ولىّ ذلك منه، وأنّه لا بدّ له من مزايلته، والله أرأف بعباده وأرحم من أن يولّى أمرهم غير الرّضا له منهم، وأنّ أمير المؤمنين من حسن ظنّه بربّه- لعلى أحسن الرّجاء أن يولّيه من هو أهله، فإنّ بلاء الله عند أمير المؤمنين أعظم من أن يبلغه ذكره أو يؤدّيه شكره إلّا بعون منه له [١] . ولعمري، إنّ كتابك إلى أمير المؤمنين بما كتبت به، لغير مستنكر من سفهك
و
стр. 1222
حمقك. فاربع على نفسك من غلوائها، وارق على ظلعك، فإنّ لله سطوات يصيب بها من يشاء، ويأذن فيها لمن يشاء، وأمير المؤمنين يسأل الله العصمة والتّوفيق.» فكتب الوليد إلى هشام
رأيتك تبنى جاهدا فى قطيعتي ... ولو كنت ذا إرب لهدّمت ما تبنى
تثير على الباقين مجنى ضغينتى ... فويل لهم إن متّ من شرّ ما تجنى [١٦٧]
كأنّى بهم واللّيت أفضل قولهم ... ألا ليتنا كنّا إذ اللّيت لا يغنى
ولم يزل الوليد مقيما فى تلك البرّيّة حتّى مات هشام.
ولما كان صبيحة اليوم الّذى جاءته فيه الخلافة دعا أبا الزّبير المنذر بن أبى عمرو. فقال له:
- «يا أبا الزّبير، ما أتت علىّ ليلة، منذ عقلت، أطول من هذه الليلة، عرضت لى هموم وحدّثت نفسي فيها بأمور من أمر هذا الرّجل الّذى قد أولع بمكروهى يعنى هشاما فاركب بنا نتنفّس.» فركبا وسارا ميلين. فبينا هو يشكو حاله إذا برهج [١] . فقال:
- «أسأل الله خير الأمور. هؤلاء رسل هشام.» فلمّا دنا القوم نزل موليان يعدوان حتّى دنوا. فسلّما عليه بالخلافة، فوجم، وجعلا يكرّران عليه ذلك. فقال:
- «ويحكما! أمات هشام؟» قالا:
стр. 1223
- «نعم.» قال:
- «فممّن كتابكما؟» قالا:
- «من مولاك، سالم بن عبد الرّحمن صاحب ديوان الرّسائل.» ثمّ سأل عن كاتبه عياض بن مسلم. فقالا:
- «يا أمير المؤمنين. لم يزل محبوسا» حتّى نزل بهشام أمر الله، فلمّا صار فى حدّ لا يرجى الحياة لمثله أرسل عياض إلى الخزّان: احتفظوا بما فى أيديكم، فلا يصلنّ أحد منه إلى شيء.
فمنعوه بعض ما التمسه. [١٦٨] فقال: أرءانا كنّا خزّانا للوليد. فمات من ساعته.
فخرج عياض من السّجن وختم أبواب الخزائن وأمر بهشام، فأنزل عن فرشه. فما وجدوا قمقما يسخّن له فيه الماء حتّى استعاروه، ولا وجدوا كفنا من الخزائن، فكفّنه غالب مولى هشام.
استعمال الوليد العمّال
واستعمل الوليد العمّال، وجاءته بيعته من الآفاق، وكتب إليه العمّال، وجاءته الوفود، وجاءه كتاب من مروان بن محمّد وكان إليه ارمينية وآذربايجان بليغ يثنى عليه، ويذكر أنّه قد بايع له من قبله ويستأذنه فى المصير إليه لمشاهدته.
إجراء على الزّمنى والعميان
وأجرى الوليد على الزّمنى والعميان، وأمر لكلّ إنسان منهم بخادم، وأخرج لعيالات النّاس الطّبيب والكسوة، وزاد النّاس جميعا فى العطاء عشرات، ثمّ زاد أهل الشّام بعد زيادة العشرات عشرة عشرة، وأضعف جوائز أهل بيته ولم يقل قطّ فى شيء سئله: لا.
стр. 1224
عقد الوليد بن اليزيد للخلافة بعده لابنيه: الحكم وعثمان وفى هذه السنة عقد الوليد لابنيه: الحكم وعثمان، بعده وجعلهما وليّى عهده، أحدهما بعد الآخر، وكتب بذلك إلى الأمصار، إلى يوسف بن عمر بالعراق، وإلى نصر بن سيّار بخراسان.
ونسخة البيعة: [١٦٩]- «تبايع [١] لعبد الله [٢] بن الوليد أمير المؤمنين وللحكم بن أمير المؤمنين إن كان بعده، وعثمان بن أمير المؤمنين إن كان بعد الحكم، على السّمع والطّاعة. فإن حدث بواحد منهما حدّث، فأمير المؤمنين أملك فى ولده ورعيّته، يقدّم من أحبّ ويؤخّر من أحبّ. عليك بذلك عهد الله وميثاقه.» وفى هذه السنّة ولّى الوليد نصر بن سيّار خراسان كلّها وأفرده بها.
وفيها كتب يوسف بن عمر إلى نصر بن سيّار يأمره بالقدوم عليه، وبحمل ما قدر عليه من الهدايا والأموال، وبعياله أجمعين.
فلمّا أتى نصرا كتابه قسم على أهل خراسان الهدايا وعلى عمّاله، ولم يدع بخراسان جارية، ولا عبدا: ولا برذونا فارها، إلّا أعدّه، واشترى ألف مملوك وأعطاهم السّلاح، وحملهم على الخيل، وأعدّ خمسمائة وصيفة، وأمر بصنعة أباريق الذّهب والفضة، وتماثيل الظباء، ورؤوس السباع والأيائل، وغير ذلك. فلمّا فرع من جميع ذلك كتب الوليد يستحثّه، فسرّح
стр. 1225
أوائلها حتّى بلغ ذلك بيهق، وكتب الوليد إليه يأمره أن يبعث إليه برابط وطنابير، وأن يجمع له كلّ صنّاجة بخراسان يقدر عليها [١٧٠] وكلّ باز هناك، ثمّ يسير بذلك كلّه بنفسه، مع ما أعدّه، وبوجوه أهل خراسان.
وكان المنجّمون يخبرون نصرا بفتنة تكون. فبعث نصر إلى صدقة بن وثّاب، وكان منجّما محذقا [١] ببلخ فأحضره فكان مقيما عنده، وألحّت عليه الكتب. فلم يزل يتباطأ حتّى وجّه إليه يوسف رسولا وأمره بلزومه واستحثاثه، فإن أبطأ، أشاع فى الناس أنّه خلع.
فلمّا جاء الرسول أجازه وأرضاه، وتحوّل إلى قصره الذي هو دار الإمارة اليوم. فلم يأت لذلك إلّا يسير، حتّى وقعت الفتنة، فحوّل نصر إلى قصره بماجان، واستخلف عصمة بن عبد الله الأسرى على خراسان، وولّى كلّ كورة ثقة له، وأمرهم، إذا بلغهم خروجه من مرو، أن يستجلبوا [٢] الترك، وأن يغيروا على ما وراء النهر لينصرف بعد خروجه، يعتلّ بذلك. فبينا هو يسير يوما إلى العراق طرقه ليلا مولى لبنى ليث وناجاه [٣] .
فلمّا أصبح أذن للناس، وبعث إلى رسل الوليد، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
- «قد كان من مسيري ما رأيتم، وبعثني بالهدايا ما علمتم، فطرقنى فلان ليلا وأخبرنى أنّ الوليد قد قتل، ووقعت الفتنة بالشام، وقدم منصور بن جمهور العراق، [١٧١] وقد هرب يوسف بن عمر منه، ونحن فى بلاد قد علمتم حالها وكثرة عدوّها.»
стр. 1226
ثمّ دعا بالقادم، فأحلفه أنّ ما جاء به حقّ. فحلف.
فقال سلم بن أحوز [١] :
- «أصلح الله الأمير، لو حلفت لكنت صادقا أنّه بعض مكايد قريش، أرادوا تهجين طاعتك. فسر ولا تهجّنّا.» فقال:
- «يا سلم، أنت رجل لك علم بالحروب، ولك مع ذلك حسن طاعته لبنى أميّة. فأمّا مثل هذا من الأمور فرأيك فيه رأى أمة هتماء.» ثم قال لمن حضر:
إنّى لم أشهد بعد ابن خازم أمرا مفظعا إلّا كنت المفرع [٢] فى الرأى.» فقال الناس:
- «قد علمنا ذلك، فالرأى رأيك.»
يوسف الثقفي يولّى المدينة ومكّة
وفى هذه السنة وجّه الوليد بن يزيد خاله يوسف بن محمد بن يوسف الثقفي واليا على المدينة ومكّة، ودفع إليه إبراهيم ومحمّدا ابني هشام بن إسماعيل المخزومي موثقين فى عباءتين. فقدم بهما المدينة وأقامهما للناس ثمّ بعث بهما إلى يوسف بن عمر وهو يومئذ عامله على العراق فعذّبهما حتّى قتلهما وقد كان رفع عليهما عند الوليد أنّهما أخذا مالا كثيرا.
стр. 1227
ذكر أبى مسلم
وفى هذه السنة قدم سليمان بن كثير ومالك بن الهيثم ولاهز بن قريظ وقحطبة بن شبيب مكّة على محمّد بن علىّ وأخبروه [١٧٢] بقصّة أبى مسلم وما رأوا منه. فقال لهم:
- «أحرّ هو أم عبد؟» قالوا:
- «أمّا عيسى فيزعم أنّه عبد وأمّا هو فيزعم أنّه حرّ.» قال:
- «فاشتروه وأعتقوه وأعطوا محمّد بن علىّ مائتي ألف درهم.» وكسى بثلاثين ألف درهم. فقال لهم:
- «ما أظنّكم تلقوني بعد عامي هذا فإن حدث بى حدث فصاحبكم إبراهيم بن محمّد فانّه مأمون وأنا أثق به لكم وأوصيكم به خيرا وقد أوصيته بكم.» فصدروا من عنده.
وفى هذه السنة قتل يحيى بن زيد بن علىّ بخراسان.
ذكر مقتل يحيى بن زيد والسبب فيه
أقام يحيى بن زيد ببلخ عند الحريش بن عمر بن داود حتّى هلك هشام وولى الوليد بن يزيد بن عبد الملك. فكتب يوسف بن عمر إلى نصر بن سيّار بمسير يحيى بن زيد وبمنزله [١] ببلخ حتّى قال أنّه عند الحريش وقال له:
- «ابعث إليه فخذه أشدّ الأخذ.»
стр. 1228
فبعث نصر إلى عقيل بن معقل يأمره أن يأخذ الحريش فلا يفارقه حتّى يزهق نفسه أو يأتيه بيحيى بن زيد، فبعث إليه عقيل فسأله عنه فقال:
- «لا علم لى به.» فجلده ستمائة سوط. فقال له الحريش:
- «والله لو أنّه كان تحت قدمي ما رفعتها لك عنه.» فلمّا رأى ذلك قريش بن الحريش [١٧٣] أتى عقيلا فقال له:
- «لا تقتل أبى وأنا أدلّك عليه.» فأرسل معه فدلّه عليه وهو فى بيت جوف بيت فأخذه فأتى به نصر بن سيّار فحبسه وكتب إلى يوسف بن عمر يخبره بذلك فكتب بذلك يوسف إلى الوليد بن يزيد فكتب الوليد إلى نصر بن سيّار يأمره أن يؤمنه ويخلّى سبيله وسبيل أصحابه وكان معه نفر خرجوا معهم [١] من الكوفة فظفر بهم فدعاه نصر بن سيّار وأمره بتقوى الله وحذّره الفتنة وأمره أن يلحق بالوليد بن يزيد وأمر له بألفي درهم وبغلين فخرج هو وأصحابه إلى سرخس وأقام بها فكتب نصر إلى عامله بسرخس أن يشخصه منه وكتب إلى عامله بطوس:
- «انظر يحيى بن زيد إذا مرّ بك فلا تدعه يقيم بطوس.» وأمرهما إذا مرّ بهما أن لا يفارقاه حتّى يدفعاه إلى عمرو بن زرارة بأبرشهر ففعل به ذلك ووكّل به سرحان بن فرّوخ بن مجاهد بن بلعاء العنبري.
قال سرحان: فدخلت يوما عليه فذكر نصر بن سيّار وما أعطاه وإذا هو يستقلّه وذكر الوليد فأثنى عليه ثمّ اعتذر من مجيئه بأصحابه. وأنّه لم يأت بهم إلّا مخافة أن يسمّ أو يغمّ ثمّ عرض [١٧٤] بيوسف وذكر أنّه يتخوّفه وهمّ
стр. 1229
بالوقوع فيه ثمّ أمسك فبسطته وقلت:
- «قل ما أحببت يرحمك الله، فليس عليك منّى عين.» ثمّ اعتذرت إليه من مسيري معه وكنت أسير معه على رأس فرسخ حتى تلقّانا عمرو بن زرارة فدفعنا إليه فأشخاصه إلى بيهق وهي أقصى خراسان وأدناه من قومس فأقبل فى سبعين رجلا وكان يخاف اغتيال يوسف إيّاه ومرّ به قوم تجّار فأخذ دوابّهم وقال:
- «علينا أثمانها.» وكتب عمرو بن زرارة إلى نصر: أنّ يحيى قد أقبل وفعل كيت وكيت.
فكتب نصر إلى عبد الله بن قيس وإلى الحسن بن زيد أن يمضيا إلى عمرو بن زرارة فهو عليهم ثمّ يقاتلوا يحيى بن زيد حتّى يقتلوه أو يأخذوه أسيرا فانتهوا إلى عمرو بن زرارة وكانوا عشرة آلاف وأتاهم يحيى وليس معه إلّا سبعون رجلا فهزمهم وقتل عمرو بن زرارة وأصاب دوابّ ومتاعا كثيرا.
وأقبل يحيى بن زيد حتى مرّ بهراة، وعليها مغلّى بن زياد فلم يعرض له ولا عرض هو [١] لمغلّى وقطع هراة فسرّح نصر بن سيّار سلم بن أحوز فى طلب يحيى فتبعه حتّى لحقه بالجوزجان بقرية منها [٢] وقد لحق [١٧٥] بيحيى نفر من الشيعة فصافّه سلم بن أحوز وأمر سلم جماعة بتعبئة الناس فتباطؤوا عليه حتّى عبّأهم سورة بن محمد بن عزير [٣] الكندي واقتتلوا فقتل أصحاب يحيى من عند آخرهم ومرّ سورة بيحيى صريعا فأخذ رأسه وبعث به إلى يوسف بن عمر فنصبه فكتب الوليد بن يزيد إليه أن أحرقه ثمّ انسفه فى اليمّ نسفا. فأمر
стр. 1230
يوسف بإنزاله من جذعه وأحرقه بالنار ثمّ رضّه وجعله فى قوصرة وأمر بأن يذّر فى الفرات.
ودخلت سنة ستّ وعشرين ومائة
وفيها قتل الوليد بن يزيد قتله يزيد بن الوليد.