← История

История · id 12396

تجارب الأمم وتعاقب الهمم

ابن مسكويه

Полный текст (3 569 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

ثمّ دعا بالقادم، فأحلفه أنّ ما جاء به حقّ. فحلف. فقال سلم بن أحوز [١] : - «أصلح الله الأمير، لو حلفت لكنت صادقا أنّه بعض مكايد قريش، أرادوا تهجين طاعتك. فسر ولا تهجّنّا.» فقال: - «يا سلم، أنت رجل لك علم بالحروب، ولك مع ذلك حسن طاعته لبنى أميّة. فأمّا مثل هذا من الأمور فرأيك فيه رأى أمة هتماء.» ثم قال لمن حضر: إنّى لم أشهد بعد ابن خازم أمرا مفظعا إلّا كنت المفرع [٢] فى الرأى.» فقال الناس: - «قد علمنا ذلك، فالرأى رأيك.» يوسف الثقفي يولّى المدينة ومكّة وفى هذه السنة وجّه الوليد بن يزيد خاله يوسف بن محمد بن يوسف الثقفي واليا على المدينة ومكّة، ودفع إليه إبراهيم ومحمّدا ابني هشام بن إسماعيل المخزومي موثقين فى عباءتين. فقدم بهما المدينة وأقامهما للناس ثمّ بعث بهما إلى يوسف بن عمر وهو يومئذ عامله على العراق فعذّبهما حتّى قتلهما وقد كان رفع عليهما عند الوليد أنّهما أخذا مالا كثيرا.

стр. 1227

ذكر أبى مسلم وفى هذه السنة قدم سليمان بن كثير ومالك بن الهيثم ولاهز بن قريظ وقحطبة بن شبيب مكّة على محمّد بن علىّ وأخبروه [١٧٢] بقصّة أبى مسلم وما رأوا منه. فقال لهم: - «أحرّ هو أم عبد؟» قالوا: - «أمّا عيسى فيزعم أنّه عبد وأمّا هو فيزعم أنّه حرّ.» قال: - «فاشتروه وأعتقوه وأعطوا محمّد بن علىّ مائتي ألف درهم.» وكسى بثلاثين ألف درهم. فقال لهم: - «ما أظنّكم تلقوني بعد عامي هذا فإن حدث بى حدث فصاحبكم إبراهيم بن محمّد فانّه مأمون وأنا أثق به لكم وأوصيكم به خيرا وقد أوصيته بكم.» فصدروا من عنده. وفى هذه السنة قتل يحيى بن زيد بن علىّ بخراسان. ذكر مقتل يحيى بن زيد والسبب فيه أقام يحيى بن زيد ببلخ عند الحريش بن عمر بن داود حتّى هلك هشام وولى الوليد بن يزيد بن عبد الملك. فكتب يوسف بن عمر إلى نصر بن سيّار بمسير يحيى بن زيد وبمنزله [١] ببلخ حتّى قال أنّه عند الحريش وقال له: - «ابعث إليه فخذه أشدّ الأخذ.»

стр. 1228

فبعث نصر إلى عقيل بن معقل يأمره أن يأخذ الحريش فلا يفارقه حتّى يزهق نفسه أو يأتيه بيحيى بن زيد، فبعث إليه عقيل فسأله عنه فقال: - «لا علم لى به.» فجلده ستمائة سوط. فقال له الحريش: - «والله لو أنّه كان تحت قدمي ما رفعتها لك عنه.» فلمّا رأى ذلك قريش بن الحريش [١٧٣] أتى عقيلا فقال له: - «لا تقتل أبى وأنا أدلّك عليه.» فأرسل معه فدلّه عليه وهو فى بيت جوف بيت فأخذه فأتى به نصر بن سيّار فحبسه وكتب إلى يوسف بن عمر يخبره بذلك فكتب بذلك يوسف إلى الوليد بن يزيد فكتب الوليد إلى نصر بن سيّار يأمره أن يؤمنه ويخلّى سبيله وسبيل أصحابه وكان معه نفر خرجوا معهم [١] من الكوفة فظفر بهم فدعاه نصر بن سيّار وأمره بتقوى الله وحذّره الفتنة وأمره أن يلحق بالوليد بن يزيد وأمر له بألفي درهم وبغلين فخرج هو وأصحابه إلى سرخس وأقام بها فكتب نصر إلى عامله بسرخس أن يشخصه منه وكتب إلى عامله بطوس: - «انظر يحيى بن زيد إذا مرّ بك فلا تدعه يقيم بطوس.» وأمرهما إذا مرّ بهما أن لا يفارقاه حتّى يدفعاه إلى عمرو بن زرارة بأبرشهر ففعل به ذلك ووكّل به سرحان بن فرّوخ بن مجاهد بن بلعاء العنبري. قال سرحان: فدخلت يوما عليه فذكر نصر بن سيّار وما أعطاه وإذا هو يستقلّه وذكر الوليد فأثنى عليه ثمّ اعتذر من مجيئه بأصحابه. وأنّه لم يأت بهم إلّا مخافة أن يسمّ أو يغمّ ثمّ عرض [١٧٤] بيوسف وذكر أنّه يتخوّفه وهمّ

стр. 1229

بالوقوع فيه ثمّ أمسك فبسطته وقلت: - «قل ما أحببت يرحمك الله، فليس عليك منّى عين.» ثمّ اعتذرت إليه من مسيري معه وكنت أسير معه على رأس فرسخ حتى تلقّانا عمرو بن زرارة فدفعنا إليه فأشخاصه إلى بيهق وهي أقصى خراسان وأدناه من قومس فأقبل فى سبعين رجلا وكان يخاف اغتيال يوسف إيّاه ومرّ به قوم تجّار فأخذ دوابّهم وقال: - «علينا أثمانها.» وكتب عمرو بن زرارة إلى نصر: أنّ يحيى قد أقبل وفعل كيت وكيت. فكتب نصر إلى عبد الله بن قيس وإلى الحسن بن زيد أن يمضيا إلى عمرو بن زرارة فهو عليهم ثمّ يقاتلوا يحيى بن زيد حتّى يقتلوه أو يأخذوه أسيرا فانتهوا إلى عمرو بن زرارة وكانوا عشرة آلاف وأتاهم يحيى وليس معه إلّا سبعون رجلا فهزمهم وقتل عمرو بن زرارة وأصاب دوابّ ومتاعا كثيرا. وأقبل يحيى بن زيد حتى مرّ بهراة، وعليها مغلّى بن زياد فلم يعرض له ولا عرض هو [١] لمغلّى وقطع هراة فسرّح نصر بن سيّار سلم بن أحوز فى طلب يحيى فتبعه حتّى لحقه بالجوزجان بقرية منها [٢] وقد لحق [١٧٥] بيحيى نفر من الشيعة فصافّه سلم بن أحوز وأمر سلم جماعة بتعبئة الناس فتباطؤوا عليه حتّى عبّأهم سورة بن محمد بن عزير [٣] الكندي واقتتلوا فقتل أصحاب يحيى من عند آخرهم ومرّ سورة بيحيى صريعا فأخذ رأسه وبعث به إلى يوسف بن عمر فنصبه فكتب الوليد بن يزيد إليه أن أحرقه ثمّ انسفه فى اليمّ نسفا. فأمر

стр. 1230

يوسف بإنزاله من جذعه وأحرقه بالنار ثمّ رضّه وجعله فى قوصرة وأمر بأن يذّر فى الفرات. ودخلت سنة ستّ وعشرين ومائة وفيها قتل الوليد بن يزيد قتله يزيد بن الوليد.

стр. 1231

خلافة يزيد الناقص ذكر السبب فى قتل الوليد وخلافة يزيد الناقص كان سبب اضطراب أمره وفساد نيّات الناس له اشتغاله بالمجون والخلاعة وتهاونه بأمر الدين واستخفافه به وقد حكى عنه ما لا يلفظ به ولا فائدة فى ذكره وكان من أعظم ما جنى على نفسه إفساده بنى عمّيه: ولد هشام وولد الوليد ابني [١] عبد الملك بن مروان وأفسد أيضا على نفسه اليمانية [٢] [١٧٦] وهم عظم أهل الشام. وكان قد اشتدّ على الجند وعلى بنى هشام [٣] ضربه سليمان بن هشام مائة سوط وحلق رأسه ولحيته، وغرّبه إلى عمان وكان يتعرّض لجوارى أبيه وأولادهم وأراد خالد بن عبد الله القسري على البيعة لابنيه فأبى فقال له أهله: - «ويحك أبيت على أمير المؤمنين.» قال: - «ويحكم كيف أبايع من لا أصلّى خلفه ولا أقبل شهادته وهم صبيان [٤] .» قالوا:

стр. 1232

- «فالوليد تقبل شهادته مع فسقه؟» قال: - «أمر الوليد مغيّب عنّى ولا أعلمه يقينا إنّما هي أخبار الناس.» فغضب الوليد على خالد وحبسه ثمّ رمى الناس الوليد بكلّ [١] فاحشة واتهموه بالزندقة وكان أشدّ الناس عليه يزيد بن الوليد الذي لقّب فيما بعد بالناقص وكان الناس يميلون إليه لأنّه كان يظهر النسك ويتواضع فكان يحمل الناس على الفتك به وأجمع قوم من اليمانية وقضاعة من أهل [٢] دمشق خاصّة على قتل الوليد فاجتمع رؤساؤهم إلى خالد بن عبد الله فدعوه إلى أمرهم فلم يجبهم فسألوه أن يكتم عليهم قال: - «لا أسمّى أحدا منكم.» وأراد الوليد الحجّ فخاف خالد أن يفتكوا به فى الطريق، فأتاه فقال: - «يا أمير المؤمنين أخّر الحجّ العام.» قال: - «ولم؟» فلم يخبره فأمر [١٧٧] بحبسه وأن يستأدى ما عليه من بقايا أموال العراق. وهمّ الوليد بعزل يوسف عن العراق فكتب إليه: - «إنّك كنت [٣] كتبت إلى أمير المؤمنين بتخريب ابن النصرانية البلاد وقد كنت تحمل إلى هشام ما تحمل وقد ينبغي أن تكون عمرت البلاد ووفّرت الدخل فاشخص إلى أمير المؤمنين وصدّق ظنّه بك فيما تحمل إليه لعمارتك البلاد وليعرف أمير المؤمنين فضلك على غيرك، فانّك خاله وأحقّ الناس بالتوفير [٤] وقد علمت ما أمر به أمير المؤمنين لأهل الشام وغيرهم من الزيادة

стр. 1233

فى أعطياتهم [١] وما وصل به أهل بيته لطول جفوة هشام إيّاهم حتّى أضرّ ذلك ببيوت الأموال.» فخرج يوسف واستخلف عمّه يوسف بن محمد وحمل من الأموال والأمتعة والآنية ما لم يحمل من العراق مثله، فقدم يوسف وخالد بن عبد الله محبوس فلقيه حسّان النبطي ليلا فأخبره أنّ الوليد عازم على تولية عبد الملك بن محمد بن الحجّاج بن يوسف. وقال له: - «لا بدّ لك من إصلاح أمر وزرائه.» فقال: - «ليس عندي فضل درهم.» قال: - «فعندي خمسمائة ألف درهم إن شئت فهي لك وإن شئت فارددها إذا تيسّرت.» قال: - «فأنت أعرف بالقوم ومنازلهم من [١٧٨] الخليفة منّى ففرّقها على قدر علمك [٢] فيهم.» ففعل. فقدم يوسف والقوم يعظّمونه. فقال له حسّان: - «لا تغد إلى أمير المؤمنين ولكن رح إليه رواحا واكتب على لسان خليفتك كتابا إليك: إنّى كتبت ولا أملك إلّا القصر ثمّ ادخل على الوليد والكتاب معك متحازنا فأقرئه الكتاب وأمر ابان بن عبد الرحمن أن يشترى منه خالدا بأربعين ألف ألف.» ففعل يوسف فقال له الوليد: - «إرجع إلى عملك.» فقال ابان بن عبد الرحمن: - «ادفع إلىّ خالدا وأحمل إليك أربعين ألف ألف.» قال:

стр. 1234

- «ومن يضمن عنك؟» قال: - «يوسف.» فقال: - «أتضمن عنه؟» قال: - «بل ادفعه إلىّ فأنا أستأديه خمسين ألف ألف.» فدفعه إليه فحمله فى غير وطاء فى محمل مكشوف وقدم به الكوفة فقتله بالعذاب. وكانت اليمانية أتت يزيد بن الوليد فأرادوه على البيعة فشاور فقيل: - «لا يبايعك الناس فشاور أخاك العبّاس بن الوليد فإنّه سيّد بنى مروان فإن بايعك لن [١] يخالفك أحد وإن أبى كان الناس أطوع له [٢] ، فإن أبيت إلّا المضىّ على رأيك فأظهر أنّ العبّاس قد بايعك.» وكانت الشام وبيئة تخرج الملوك منها إلى البوادي [١٧٩] وكان يزيد بن الوليد بن عبد الملك متبدّيا وكذلك العبّاس بن الوليد وبينهما أميال يسيرة فأتى يزيد أخاه العبّاس فشاوره وعاب الوليد. فقال له العبّاس: - «مهلا يا يزيد فإنّ فى نقض عهد الله فساد الدين والدنيا.» فرجع يزيد إلى منزله ودبّ فى الناس فبايعوه سرّا، وبثّ ثقاته يدعون إليه ويلعنون الوليد وبلغ العبّاس أخاه، فقال له: - «لئن عاودت لما يبلغني لأشدّنّك وثاقا ولأحملنّك إلى أمير المؤمنين.» فلم ينته يزيد وبلغ معاوية بن عمرو بن عتبة خوض الناس فأتى الوليد فقال:

стр. 1235

- «يا أمير المؤمنين إنّك تبسط لساني بالأنس بك وأكفّه بالهيبة لك وأنا أسمع ما لا تسمع وأخاف عليك ما أراك تأمن. أفأتكلّم ناصحا أم أسكت مطيعا؟» قال: - «كلّ مقبول منك ولله فينا علم غيب نحن صائرون إليه، ولو علم بنو مروان أنّ ما يوقدون علىّ رضف [١] يلقونه فى أجوافهم ما فعلوا، ونعود فأسمع منك.» وبلغ مروان بن محمد بأرمينية أنّ يزيد يؤلّب الناس ويدعوا إلى خلع الوليد فكتب إلى سعيد بن عبد الملك يأمره أن ينهى الناس ويكفّهم وكان سعيد يتألّه، فقال: - «إنّ الله جعل لكلّ أهل بيت أركانا يعتمدون عليها [١٨٠] ويتّقون بها المخاوف وأنت بحمد [٢] ربّك ركن من أركان أهل بيتك وقد بلغني أنّ قوما من سفهاء أهل بيتك قد أسّسوا [٣] أمرا إن تمّت لهم رؤيّتهم فيه على ما أجمعوا عليه من نقض بيعتهم، استفتحوا بابا لن يغلقه الله عنهم حتّى يسفك دماء كثير منهم، وأنا مشغول بأعظم الثغور فرجا، ولو جمعتني وإيّاهم لرممت فساد أمرهم بيدي ولساني، ولخفت الله فى ترك ذلك لعلمي بما فى عواقب الفرقة وأنّه لن ينتقل سلطان قوم إلّا بتشتت كلمتهم وأنّ كلمتهم إذا تشتّتت طمع فيهم عدوّهم وأنت أقرب إليهم منّى فاحتل لعلم ذلك بإظهار المتابعة لهم فإذا صرت إلى علم ذلك

стр. 1236

فتهدّدهم بإظهار إسرارهم وخذهم بلسانك وخوّفهم العواقب لعل الله أن يرد عليهم ما قد عزب [١] من أحلامهم فإنّ فيما سعوا فيه تغيّر النعم وذهاب الدولة فعاجل الأمر وحبل الألفة مشدود والناس سكون والثغور محفوظة وقد أمّل القوم فى الفتنة أملا لعلّ أنفسهم تهلك دون ما أمّلوا ولكلّ أهل بيت مشائيم يغيّر الله بهم النعمة فأعاذك الله من ذلك وحفظ عليك دينك.» فأعظم سعيد ذلك وبعث بكتابه إلى العبّاس فأعاد العبّاس موعظة يزيد [١٨١] وتهديده وقال: - «يا أخى أخاف أن يكون بعض من حسدنا على هذه النعمة أراد أن يغرى بيننا.» وحلف له أنّه لم يفعل. فصدّقه. فلمّا اجتمع ليزيد أمره وهو متبدّ أقبل إلى دمشق وبينه وبينها أربع ليال متنكّرا فى سبعة على حمر وكان أهل دمشق قد بايعوا ليزيد سرّا، إلّا معاوية بن مصاد وكان سيّد أهل المزّة، وبين المزّه وبين دمشق ميل. فمضى يزيد من ليلته ما شاء فى نفير من أصحابه إلى مزّة فأصابهم مطر شديد فأتوا منزل معاوية فضربوا بابه ففتح لهم فلمّا رأى يزيد قال: - «إلى الفراش أصلحك الله.» قال: - «إنّ فى رجلي طينا وأكره أن أفسد بساطك.» قال: - «إنّ الذي تريدنا عليه أفسد.» وكلّمه يزيد، فبايعه، ورجع يزيد إلى دمشق ونزل دار سليمان بن سعيد

стр. 1237

الجشمي [١] وكان على دمشق عبد الملك بن محمد بن الحجّاج بن يوسف فخاف الوباء وخرج واستخلف ابنه وكان على شرطته أبو العاج كثير بن عبد الله السّلمى، فأجمع يزيد على الظهور. وقيل للعامل: إنّ يزيد خارج. فلم يصدّق، وأرسل يزيد أصحابه بين المغرب والعشاء ليلة الجمعة سنة ستّ وعشرين ومائة، فكمنوا عند باب الفراديس حتّى سمعوا أذان العتمة، فدخلوا المسجد وصلّوا وللمسجد [١٨٢] حرس قد وكّلوا بإخراج الناس من المسجد باليل. فلما صلّى الناس صاح الحرس وتباطأ أصحاب يزيد وجعلوا يخرجون من باب ويدخلون من باب حتّى لم يبق إلّا الحرس وأصحاب يزيد. فأخذوا الحرس ومضى ابن عنبسة إلى يزيد بن الوليد وقال: - «قم يا أمير المؤمنين وأبشر بنصر الله تعالى وعونه.» فقام وقال: - «اللهم إن كان هذا لك رضا فأعنّى عليه وإن كان غير رضا فاصرفه عنّى بموت.» وأقبل فى اثنى عشر رجلا فلمّا كانوا عند سوق الحمر لقوا أربعين رجلا من أصحابهم. فلمّا كانوا عند سوق القمح لقيهم زهاء مائتي رجل من أصحابهم فمضوا إلى المسجد ودخلوه فضربوا باب المقصورة وقال [٢] رسل الوليد: ففتح لهم خادم الباب فأخذوه ودخلوا فأخذوا أبا العاج وهو سكران وأخذوا خزّان بيت المال وصاحب البريد. وأرسل إلى كلّ من يحذره، فأخذوه [٣] . وتوجّه رسل يزيد من ليلته إلى محمد بن عبيد وهو

стр. 1238

على بعلبك فأخذه وأرسل من ليلته إلى محمد بن عبد الملك بن الحجّاج بن يوسف، فأخذه وقال: - «استدعوا أصحابنا من النواحي.» وقال للبوّابين: - «لا تفتحوا الباب غدوة إلّا لمن أخبركم بشعارنا.» فتركو الأبواب [١٨٣] بالسلاسل فلمّا أصبحوا جاء أهل المزّة وغيرهم فما انتصف النهار حتّى تتابع الناس وكان فى المسجد سلاح كثير قدم به سليمان بن هشام من الجزيرة فلم يكن الخزّان قد قبضوه فأصابوا سلاحا كثيرا عتيدا وتتابع الناس من كلّ ناحية وأرسل يزيد بن الوليد إلى عبد العزيز بن الحجّاج بن عبد الملك وأمره أن يقف بباب الجابية [١] وقال: - «من كان له عطاء فليأت إلى عطاءه ومن لم يكن له عطاء فله ألف درهم معونة.» وقال لبنى الوليد بن عبد الملك وكان معه منهم ثلاثة عشر: - «تفرقوا فى الناس يروكم، وحضّوهم.» ونادى مناديه: - «من ينتدب إلى الفاسق وله ألف درهم؟» فانتدب ألف رجل. ثمّ نادى مناديه: - «من ينتدب وله ألف وخمسمائة؟» فانتدب نحو من ألفين. فعقد لجماعة. وجعل عليهم جميعا عبد العزيز بن الحجّاج عبد الملك. فخرج عبد العزيز حتّى عسكر بالحيرة. وبلغ الخبر الوليد فأنفذ أبا محمّد ابن عبد الله بن يزيد بن معاوية وأجازه وجهّزه ووجهه إلى

стр. 1239

دمشق. فخرج أبو محمّد. فلمّا انتهى إلى ذنبة [١] أقام فوجّه إليه يزيد بن الوليد عبد الرحمن بن مصاد [٢] فسالمه أبو محمّد وبايع ليزيد بن الوليد وأتى الوليد الخبر وهو بالأعدف [٣] . [١٨٤] ذكر آراء أشير بها على الوليد فساقه الحين إلى أحدهما فقال له يزيد بن خالد بن يزيد بن معاوية: - «يا أمير المؤمنين سر حتّى تنزل حمص فإنّها حصينة ووجّه الجنود إلى يزيد فإنّه يقتل أو يؤسر.» فقال عبد الله [٤] بن عنبسة بن سعد [٥] بن العاص: - «ما ينبغي للخليفة أن يدع عسكره ونساءه قبل أن يقاتل ويعذر، والله مؤيّد أمير المؤمنين وناصره.» فقال يزيد بن خالد: - «وماذا تخاف على حرمه؟» وإنّما أتاه عبد العزيز بن الحجّاج بن عبد الملك وهو ابن عمّهنّ. فأخذ بقول ابن عنبسة. فقال له الأبرش:

стр. 1240

- «يا أمير المؤمنين تدمر حصينة وبها قومي يمنعونك.» فقال: - «أهلها بنو عامر وهم الذين خرجوا علىّ ولكن دلّنى على منزل حصين.» قال: - «أنزل القرية.» قال- «أكرهها.» قال: - «فهذا الهريم [١] قال: - «أكره اسمه.» قال: - «فهذا البخراء [٢] قصر النعمان بن بشير.» قال: - «ويحك ما أقبح أسماء مياهكم.» وأقبل فى طريق السماوة فقال له بيهس بن زميل: - «أمّا إذ أبيت أن تمضى إلى حمص وتدمر فهذا الحصن البخراء وهو حصين وهو من بناء العجم فأنزله.» فنزله. وندب يزيد بن الوليد الناس إلى الوليد ونادى مناديه: - «من سار فله ألفان.» فانتدب [١٨٥] ألفا رجل فأعطاهم ألفين ألفين وقال: موعدكم بذنبة وسار فوافاه بذنبة ألف ومائتان ثمّ سار، فتلقاهم ثقل الوليد فأخذوه ونزلوا قريبا من الوليد وأرسل العبّاس إلى الوليد: - «إنّى آتيك، فاختر بين أن آتيك، أو آتى يزيد فأكفّه.»

стр. 1241

فاتهمه وقال: - «بل ائتني.» فبلغ عبد العزيز مسير العبّاس بن الوليد فأرسل إليه منصور بن جمهور فى خيل وقال: - «إنّكم ستلقون العبّاس بن الوليد فى الشّعب ومعه بنوه فخذوهم وجيئوني بهم.» فخرج منصور فى خيل فلمّا صاروا فى الشّعب إذا هم بالعبّاس فى ثلاثين من أهل بيته. فقالوا له: - «اعدل إلى عبد العزيز.» فشتمهم. فقال له منصور: - «والله لئن تقدّمت لأنفذنّ حصينك [١] .» - «ويقال بل الذي لقيه، يعقوب بن عبد الرحمن بن سليم وقال له: - «والله لئن أبيت لأضربنّ ما فيه عيناك.» ولم يكن مع العبّاس أصحابه، لأنّه تقدّمهم وكان معه بنوه فقال: - «إنّا لله.» وأتوا به عبد العزيز. فقال: - «بايع لأخيك يزيد بن الوليد.» فبايع. وكان عبد العزيز قد أخرج أصحابه وعبّأهم فقاتل أصحاب الوليد وقد قتل من أصحابه جماعة. وحملت رؤوسهم إلى الوليد والوليد على باب البخراء جالس [٢٨٥] ينتظر العبّاس فلمّا بايع الناس على الكره وعلى سبيل

стр. 1242

المكر به، قال: - «إنّا لله، خدعة من خدع الشيطان هلك بنو مروان ونصب عبد العزيز راية.» وقالوا: - «هذه راية العبّاس بن الوليد وقد بايع لأمير المؤمنين يزيد.» فتفرّق الناس عن الوليد، ودخلوا فى الأمان إلى عبد العزيز والعبّاس. وظاهر الوليد بين درعين، وأتوه بفرسين: السندي والذائد [١] . فقاتلهم، فناداهم رجل: - «اقتلوا عدوّ الله قتلة قوم لوط، ارموه بالحجارة.» فلمّا سمع ذلك دخل القصر وتبعه الناس يطلبونه. فدنا الوليد من الباب. فقال: - «أما فيكم رجل شريف له حسب وحياء أكلّمه؟» فقال له يزيد بن عنبسة السّكسكىّ: - «كلّمنى.» قال: - «من أنت؟» قال: - «يزيد بن عنبسة.» قال [٢] : - «يا أخا السكاسك، ألم أزد فى أعطياتكم، ألم أرفع المؤن عنكم، ألم أعط فقراءكم، ألم أخدم زمناكم؟» - «فأجابه وقال: - «ما ننقم عليك فى أنفسنا، ولكن ننقم عليك فى انتهاك ما حرّم الله، و

стр. 1243

شرب الخمر، ونكاح أمّهات أولاد أبيك، واستخفافك بالدين.» قال: - «حسبك يا أخا السكاسك، فلعمرى لقد أكثرت وأغرقت. فإنّ فيما أحلّ الله لسعة عمّا ذكرت وو الله [١٨٧] لا اجتمعت [١] كلمتكم بعدي.» ورجع إلى القصر. وأخذ مصحفا فنشره وجلس يقرأ. وقال: - «يوم كيوم عثمان.» وكان أول من علا الحائط يزيد بن عنبسة. فتحدّث المثنى بن معاوية قال: دخلت القصر فإذا الوليد قائم فى قميص قصب وسروايل وشى ومعه سيف فى غمد والناس يشتمونه. ثمّ كثر الناس عليه وتعاوروه بأسيافهم فقتل. رأس الوليد وما فعل به وكان جعل يزيد بن الوليد فى رأس الوليد مائة ألف فانتهب الناس عسكر الوليد وخزائنه وأمر يزيد بنصب الرأس على رمح وطيف به فى مدينة دمشق ثمّ قال: - «ادفعوه إلى سليمان [٢] أخى الوليد.» وكان سليمان أخو الوليد ممّن سعى على أخيه. فغسل الرأس ووضع فى سفط وأتى به سليمان فنظر إليه ثمّ قال: - «بعدا له وسحقا أشهد أنّه كان شروبا للخمر فاسقا ماجنا ولقد أرادنى الفاسق على نفسي.» فخرج حامل الرأس وهو ابن فروة من الدار فتلقّته مولاة للوليد. فقال لها:

стр. 1244

- «ويحك ما أشدّ ما شتمه [١] زعم أنّه أراده على نفسه.» قالت: - «كذب الخبيث ولئن كان أراده على نفسه لقد فعل. ما كان ليقدر على الامتناع منه.» هرب المغنّين وكان مع الوليد مالك بن أبى السمح المغنّى وعمر الوادي [٢] . [١٨٨] فلمّا تفرّق الوليد عن أصحابه وحصر قال مالك لعمر: - «اذهب بنا.» فقال عمر: - «ليس هذا من الوفاء ونحن لا يعرض لنا لأنّا لسنا ممّن يقاتل.» فقال مالك: - «ويلك والله لئن ظفروا بنا لا يقتل قبلي وقبلك أحد فيوضع رأسه بين رأسينا ويقال للناس: انظروا من كان معه فى هذه الحال فلا يعيبونه [٣] بشيء أشدّ من هذا.» فهربا، وكان معهما أبو كامل العزيل المغنّى، وكان سبقهما إلى الهرب. من صفات الوليد وكان قتل الوليد يوم الخميس لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة ستّ وعشرين ومائة وكانت خلافته سنة وثلاثة أشهر وكان له من السنين نيّف

стр. 1245

وأربعون سنة وقد اختلف فى النيّف. وكان شديد البطش طويل أصابع الرجلين وكان يوتد له سكة حديد فيها خيط قوى فيشدّ الخيط فى رجله ثمّ يثب على الدّابّة فينتزع السكّة ويركب ما يمسّ الدابّة بيده. وكان شاعرا شروبا للخمر، أحصى عليه فى ليلة سبعون قدحا، وكان صاحب صيد، ولمّا أفضت إليه الخلافة انهمك وأولع بالصيد، وكره الجلوس للناس وحجبهم وفعل تلك الأمور التي زادته بغضا إلى الناس حتّى قتل ولم يتمتّع بملكه. [١٨٩] مقتل خالد بن عبد الله القسري فى العذاب وفى هذه السنة قتل خالد بن عبد الله القسري. وقد كنّا ذكرنا عزل هشام له وأنّه استعمل يوسف بن عمر وطالبه واستخرج منه مالا وعذّبه. ولكن كان مع ذلك يحامى عليه هشام ويوصّى به. ولم يزل يوسف يكثر ويعتلّ بانكسار الخراج وذهاب الأموال حتّى أذن له وبعث حرسيّا يشهد أمره، وحلف لئن أتى على خالد أجله وهو فى يده ليقتلنّه. وكان يوسف يطالبه ويبقى عليه بعض الإبقاء إلى أن بسط عليه يوما بحضرته فلم يكلّمه خالد [١] حتّى شتمه يوسف وقال: - «يا ابن الكاهن» يعنى، شق بن صعب الكاهن فقال له خالد: - «إنّك لأحمق تعيّرنى بشر فى ولكنّك ابن سبّاء [٢] ، إنّما كان أبوك يبيع الخمر.»

стр. 1246

فردّ إلى محبسه ثمّ كتب إليه هشام بتخلية سبيله. فخرج حتّى ورد دمشق. وكان يقصد بها ويؤذى من جهة أعداء كانوا له، نصبهم يوسف عليه، حتّى قال يوما: - «والله ليكفّنّ عنّى هشام أو لأدعونّ إلى عراقىّ الهوى، شامىّ الدار، حجازىّ الأصل، يعنى محمّد بن علىّ بن عبد الله بن العبّاس وقد أذنت لكم أن تبلّغوا هشاما.» فلمّا بلغه ما قال. قال: - «خرف أبو الهيثم.» [١٩٠] وأقام خالد بدمشق حتّى هلك هشام، وقام الوليد، وقدم عليه يوسف بن عمر بمال العراق، وتكلّم أبان بن عبد الله النمري [١] فى خالده فقال يوسف: - «أنا أشتريه بخمسين ألف ألف.» [٢] فقال الوليد لخالد: - «إن كنت تضمنها، والّا دفعتك يا خالد إليه.» فقال خالد: - «ما عهدت العرب تباع والله لو سألتنى أن أضمن هذا. ورفع عودا من الأرض ما ضمنته، فرأيك.» فدفعه إلى يوسف فنزع ثيابه ودرّعه عباءة ولحفه أخرى وحمله فى محمل بغير وطاء ثمّ دعا به وذكر أمّه. فقال: - «ما ذكر الأمّهات لعنك الله، والله لا أكلّمك كلمة أبدا.»

стр. 1247

فبسط عليه العذاب وعذّبه عذابا شديدا لا يكلّمه كلمة ومكث خالد يوما فى العذاب. فحدّث أبو نعيم قال: شهدت خالدا حين أتى به يوسف فدعا بعود يعرف بالمضرّسة فوضعه على قدميه ثمّ قامت عليه الرجال حتّى كسر قدماه فو الله ما تكلّم ولا عبس، ثمّ على ساقيه حتّى كسرتا، ثمّ على فخذيه، ثمّ على حقويه، ثمّ على صدره حتّى مات. فو الله ما تكلّم ولا عبس، وو الله ما نصره طول أيّام حبسه أحد من عشيرته ولا من صنائعه، بيد ولا لسان، إلّا رجل من [١٩١] بنى عبس فإنّه قال [١] : ألا أنّ بحر الجود أصبح ثاويا أسير ثقيف موثقا فى السّلاسل فإن تسجنوا القسرىّ لا تسجنوا اسمه ولا تسجنوا معروفه فى القبائل

стр. 1248

خلافة يزيد بن الوليد بن عبد الملك اضطراب حبل بنى مروان وفى هذه السنة بويع ليزيد بن الوليد بن عبد الملك الذي يقال له: الناقص، وإنّما قيل له الناقص لنقصه الناس الزيادة التي زادهموها الوليد بن يزيد فى أعطياتهم وذلك عشرة عشرة. وفى هذه السنة اضطرب حبل بنى مروان [١] وهاجت الفتنة. ذكر الفتن وأسبابها كان سبب ذلك وثوب سليمان بن هشام بن عبد الملك بعمان- وكان محبوسا بها فأخذ ما كان بعمان من الأموال وأقبل إلى دمشق يلعن الوليد ويعيبه ويرميه بالكفر- ووثوب أهل حمص بأسباب العبّاس بن الوليد وهدمهم داره وإظهارهم الطلب بدم الوليد بن يزيد. وأمّا أهل حمص فكان وإليهم مروان بن عبد الله من قبل الوليد. وكان نبيلا فاضلا كريما له جمال وروعة [١٩٢] فلمّا قتل الوليد أغلق أهل حمص أبوابها وأقاموا النوائح والبواكي على الوليد، وسألوا عن قتله. فقال بعض من

стр. 1249

حضر الأمر: - «ما زلنا منتصفين من القوم قاهرين لهم حتّى جاء العبّاس بن الوليد فمال إلى عبد العزيز بن الحجّاج بن الوليد فوثب أهل حمص إلى دار العبّاس، فانتهبوها وسلبوا حرمه، وأخذوا بنيه وحبسوهم، وطلبوه فخرج إلى يزيد بن الوليد.» وبلغ ذلك مروان بن عبد الله بن عبد الملك فوافقه ذلك وتابعهم وكتب أهل حمص بينهم كتابا وتواثقوا فيه على ألّا يدخلوا فى طاعة يزيد وكاتبوا رؤساء الأجناد [١] ودعوا إلى وليّى العهد وكانا صبيّين بعد، فلمّا بلغ يزيد بن الوليد خبرهم وجّه إليهم رسلا فيهم يعقوب بن هاني وكتب معه: - «إنّه ليس يدعو إلى نفسه، ولكن يدعوهم إلى الشّورى.» فقال عمرو بن قيس السّكونى: - «قد رضينا بولىّ عهدنا.» يعنى ابن الوليد. فأخذ يعقوب بلحيته. فقال: - «أيّها الغشمة، إنّك قد خرفت وذهب عقلك. إنّ الذي تعنى لو كان يتيما فى حجرك لم يحلّ لك أن تدفع إليه ماله فكيف أمر الأمة؟» فوثب [١٩٣] أهل حمص على رسل يزيد بن الوليد فطردوهم. ثمّ أقبل أهل حمص، فنزلوا قرية كانت لخالد بن يزيد بن معاوية، وأمرهم إلى رجل يعرف بأبى محمّد السفياني. فتكلّم مروان بن محمّد بشيء اتّهموه فيه، فوثبوا عليه وقتلوه. ولمّا بلغ يزيد أمر أهل حمص دعا عبد العزيز بن الحجّاج، فوجّهه فى ألف وخمسمائة ووعده أن يمدّه وكان سليمان بن هشام قد بادرهم فنزلوا بالسليمانية وكان أهل حمص قد نزلوها قبلهم وأراحوا دوابّهم

стр. 1250

وجعلوا الزيتون عن أيمانهم والجبل عن شمائلهم والجباب [١] خلفهم وليس لهم مأتى إلّا من وجه واحد. قال من حضر: ودفعنا إليهم ونحن معيون قد كلّت دوّابنا وثقل علينا الحديد فحاربناهم فهزموا ميمنتنا وميسرتنا أكثر من غلوتين وسليمان كان فى القلب فثبت وحمل عليهم حتّى ردّهم إلى مواضعهم. فبينا نحن نحمل مع سليمان ويحملون علينا إذا طلع عبد العزيز من الثنيّة فشدّ عليهم حتّى دخل عسكرهم وقتل ثمّ نفذ إلينا فلمّا تشتتوا واستحرّ فيهم القتل نادوا يزيد بن خالد بن عبد الله القسري: - «الله الله فى قومك.» فكفّ الناس عنهم على أن [١٩٤] يبايعوا ليزيد بن الوليد فلمّا خرجوا إلى دمشق أعطاهم يزيد وأجاز الأشراف. ووثب فى هذه السنة أهل فلسطين والأردن على عاملهم فطروده. ذكر السبب فى ذلك كان سبب ذلك أن سعيد بن عبد الملك كان عاملا للوليد على فلسطين وكان حسن السيرة وكان يزيد بن سليمان سيّد ولد أبيه وكان ولد سليمان بن عبد الملك ينزلون فلسطين وكان أهل فلسطين يحبّونهم لجوارهم فلمّا ورد قتل الوليد ورأس أهل فلسطين يومئذ سعيد بن روح بن زنباع [٢] فكتب إلى يزيد بن سليمان: - «انّ الخليفة قد قتل فاقدم علينا نولّك أمرنا.»

стр. 1251

فقدم فجمع له سعيد قومه وكتب إلى سعيد بن عبد الملك وهو نازل بالسبع: - «ارتحل عنّا فإنّ الأمر قد اضطرب وقد ولّينا أمرنا رجلا قد رضيناه.» فخرج إلى يزيد بن الوليد. ودعا يزيد بن سليمان أهل فلسطين إلى قتال يزيد بن الوليد وبلغ أهل الأردن أمرهم فولّوا عليهم محمّد بن عبد الملك وأمر أهل فلسطين إلى سعيد بن روح بن زنباع [١] وضبعان بن روح وبلغ يزيد أمرهم فوجّه إليهم [١٩٥] سليمان بن هشام فى أهل دمشق. فقال محمّد بن راشد: كان سليمان بن هشام يرسلني إلى سعيد وضبعان ابني روح وإلى الحكم وهاشم [٢] ابنى حرو [٣] من بلقين فأعدهم وأمنّيهم على الدخول فى طاعة يزيد بن الوليد. وقال عثمان بن داود الخولاني: أنفذنى يزيد بن الوليد ومعى حذيفة بن سعيد إلى محمّد بن عبد الملك ويزيد بن سليمان يدعوهما إلى طاعته ويعدهما ويمنّيهما فبدأنا بأهل الأردن ومحمّد بن عبد الملك، فاجتمع إليه جماعة وقال بعضهم: - «أصلح الله الأمير، أقتل [٤] هذا القدرىّ الخبيث، فكفّهم عنّى الحكم بن جرو [٥] القينى. وأقيمت الصلاة فخلوت به وقلت:

стр. 1252

- «إنّى رسول يزيد إليك والله ما تركت ورائي راية تعقد إلّا على رأس رجل من قومك، ولا درهما يخرج من بيت المال إلّا فى يد رجل منهم وهو يجعل [١] لك كذا وكذا.» فقال: - «أنت بذاك.» قلت: «نعم.» ثمّ خرجت فأتيت ضبعان بن روح فقلت له مثل ذلك وقلت: - «يولّيك فلسطين ما بقي.» فأجابنى فما أصبحت حتّى رحل بأهل فلسطين. فلمّا أتيت يزيد قال: - «أخبرنى كيف قلت لضبعان بن روح؟» فأخبرته. قال: - «فما صنع؟» قلت: - «ارتحل.» قال: - «فليسا [٢] بأحقّ [١٩٦] بالوفاء منّى، ارجع.» فأمره ألّا ينصرف حتّى ينزل الرملة فيبايع أهلها. وقد استعملت إبراهيم بن الوليد على الأردن وضبعان بن روح على فلسطين ومسرور بن الوليد على قنّسرين وابن الحصين على حمص. خطبة خطبها يزيد استمال بها الناس خطب يزيد بن الوليد الناس بعد قتل الوليد فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه:

стр. 1253

- «أيّها الناس إنّى والله ما خرجت أشرا ولا بطرا ولا حرصا على الدنيا ولا رغبة فى الملك وما بى إطراء لنفسي. إنى لظلوم لنفسي إن لم يرحمني ربّى ولكنّى خرجت غضبا لله ورسوله ودينه، وداعيا إلى الله وكتابه وسنّة نبيّه لمّا هدمت معالم الهدى وأطفئ نور أهل التقوى وظهر الجبّار العنيد المستحلّ لكلّ حرمة والراكب كلّ بدعة مع أنّه والله ما كان يصدّق بالكتاب، ولا يؤمن بيوم الحساب وأنّه لابن عمّى فى النسب [١] وكفئى فى الحسب [٢] . فلمّا رأيت ذلك استخرت الله فى أمره وسألته ألّا يكلني إلى نفسي ودعوت إلى ذلك من أجابنى من أهل ولايتي وسعيت فيه [١٩٧] حتّى أراح الله منه العباد والبلاد بحول الله وقوّته لا بحولي وقوّتى. «أيّها الناس إنّ لكم علىّ ألّا أضع حجرا على حجر ولا لبنة على لبنة، ولا أكرى نهرا، ولا أكنز مالا ولا أعطيه زوجة ولا ولدا، ولا أنقل مالا من بلد حتّى أسدّ ثغر ذلك البلد، وخصاصة أهله بما يغنيهم [٣] فإن فضل فضل نقلته إلى البلد الذي يليه ممّن هو أحوج إليه ولا أجمركم على ثغوركم فأفتنكم وأفتن عليكم أهليكم ولا أغلق بابى دونكم، فيأكل قوّيكم ضعيفكم، ولا أحمل على أهل جزيتكم ما يجليهم عن بلادهم ويقطع نسلهم، وإنّ لكم أعطياتكم عندي فى كل سنة وأرزاقكم فى كل شهر،

стр. 1254

حتّى تستدرّ المعيشة بين المسلمين فيكون أقصاهم كأدناهم. فإن أنا وفيت لكم بما قلت فعليكم السمع والطاعة وحسن المؤازرة وإن أنا لم أف لكم أن تخلعونى إلّا أن تستتيبونى فإن تبت قبلتم منّى وإن علمتم أحدا ممّن يعرف بالصلاح يعطيكم من نفسه مثل ما أعطيكم فأردتم أن تبايعوه فأنا أوّل من يبايعه ويدخل فى طاعته» [١] [١٩٨] «أيّها الناس، إنّه لا طاعة للمخلوق فى معصية الخالق ولا وفاء له بنقض عهد. إنّما الطاعة طاعة الله فمن أطاع فأطيعوه بطاعة الله ما أطاع، فإذا عصى الله ودعا إلى معصيته، فهو أهل أن يعصى ويقتل. أقول قولي هذا وأستغفر الله لى ولكم.» [٢] ثمّ دعا إلى تجديد البيعة له فكان أوّل من بايعه الأفقم يزيد بن هشام وبايعه قيس بن هانئ فقال: - «يا أمير المؤمنين، اتّق الله ودم على ما أنت عليه فما قام مقامك أحد من أهل بيتك، وإن قالوا: عمر بن عبد العزيز، فأنت أخذتها بحبل صالح وإنّ عمر أخذها بحبل سوء.» فلمّا بلغ قوله مروان بن محمّد قال: - «ما له قاتله الله ذمّنا جميعا وذمّ عمر وحقدها [٣] .»

стр. 1255

فلمّا ولى [١] بعث رجلا وقال له: - «إذا دخلت مسجد دمشق فانظر قيس بن هانئ فإنّه طالما صلّى فيه فاقتله.» - «فانطلق الرجل، فدخل المسجد، فرأى قيسا يصلّى، فقتله. عزل يزيد يوسف بن عمر عن العراق وتولية منصور بن جمهور وفى هذه السنة عزل يزيد بن الوليد يوسف بن عمر عن العراق وولّاها منصور بن جمهور. [٢] ولمّا استوسق أهل الشام ليزيد بن الوليد على الطاعة عزل يوسف عن العراق وولّاها منصور بن جمهور، [١٩٩] فسار وهو سابع سبعة. فبلغ خبره يوسف بن عمر، فهرب وقدم منصور بن جمهور الحيرة فى رجب، وكان منصور أعرابيّا جافيا غيلانىّ الرأى [٣] وإنّما صار مع يزيد لرأيه فى الغيلانيّة وحميه لقتل يوسف خالدا فلمّا ولّاه يزيد، وصّاه وقال: - «اتق الله وسر وأنت تستشعر التقوى، وأعلم إنّى إنّما قتلت الوليد لفسقه ولما أظهر من الجور، فلا تركب مثل ما قتلناه عليه.» فلمّا صار بالحيرة، كتب إلى سليمان بن سليم بن كيسان: - «أمّا بعد، فإن الله لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا ١٣: ١١

стр. 1256

أَرادَ الله بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ. ١٣: ١١ [١] وإنّ الوليد بدّل نعمة الله كفرا، فسفك الله دمه وعجّله إلى النار وولّى خلافته من هو خير منه وأحسن هديا وقد بايعه الناس. وولّى على العراق الحارث بن العبّاس بن الوليد وجّهنى العبّاس لأخذ يوسف وعمّاله، وقد [٢] نزل الأبيض وهو ورائي. فخذ يوسف وعمّاله ولا يفوتنّك منهم أحد فاحبسهم قبلك، وإيّاك أن تخالف فيحلّ بك وبأهل بيتك ما لا قبل لك ولهم به. فاختر لنفسك أو دع.» فلمّا ورد الكتاب على سليمان بن سليم مع كتب كتبها إلى جماعة [٢٠٠] من قوّاد الشام، أوصلت الكتب كلّها سليمان بن سليم وسئل أن يفرّقها فى الجند. فدخل سليمان على يوسف بن عمر، وأقرأه كتاب منصور إليه، فبعل [٣] به وقال: - «ما الرأى؟» فقال: - «ليس لك إمام تقاتل معه ولا تقاتل أهل الشام، الحارث بن العبّاس معك، ولا آمن من منصور إن قدر عليك لما فى نفسه من أجل خالد، وما الرأى إلّا أن تلحق بشامك.» قال: - «هو رأيى. فكيف الحيلة؟» قال: - «تظهر الطاعة ليزيد، وتدعو له فى خطبتك، فإذا قرب منصور بن جمهور وجّهت معك من أثق به.»

стр. 1257

ففعل. فلمّا نزل منصور بحيث يصبّح البلد، خرج يوسف إلى منزل سليمان فأقام أيّاما ثمّ وجّه معه من أخذ به طريق السماوة حتّى صار إلى البلقاء. وكان يوسف وجّه رجلا من بنى كلاب فى خمسمائة وقال لهم: - «إن مرّ بكم يزيد بن الوليد نفسه فلا تدعنّه يجوز.» فأتاهم منصور بن جمهور فى سبعة فلم يهيجّوه فانتزع سلاحهم منهم وأدخلهم الكوفة. ولمّا بلغ يوسف البلقاء رفع خبره إلى يزيد بن الوليد فوجّه قائدا فى خمسين رجلا وقال له: - «ائتني بيوسف.» فأتى البلقاء وطلبه فى منزله فلم يجده ورأى ابنا فرهّبه. [١] فقال: - «أنا أدلّك عليه.» وذهب [٢٠١] به إلى مزرعة فوجدوه فى ثياب النساء جالسا مع نسوة، فألقين عليه قطيفة خزّ، وجلسن على حواشيها حاسرات، فجرّوا برجله وأقبلوا به إلى يزيد، فلقيه عامل ليزيد على نوبة من نوائب الحرس، فأخذ بلحيته وهزّها ونتف بعضها- وكان من أعظم الناس لحية وأصغرهم قامة- فلمّا دخل على يزيد قبض على لحيته وكانت حينئذ تجوز سرّته وجعل يقول: - «نتف والله يا أمير المؤمنين لحيتي فما بقّى فيها شعرة.» فأمر يزيد بحبسه فى الخضراء، فدخل عليه محمّد بن راشد فقال له: - «أما تخاف أن يطلع عليك بعض من قد وترت فيلقى عليك حجرا فيقتلك؟» قال: - «لا والله ما فطنت لهذا فنشدتك الله إلّا كلّمت أمير المؤمنين فى تحويلي

стр. 1258

إلى محبس [١] غير هذا وإن كان أضيق منه.» - «ما غاب عنك من حمقه أكثر [٢] ، وما حبسته إلّا لأردّه إلى العراق فيقام للناس وتؤخذ منه المظالم من ماله ودمه.» فأخبرت يزيد. فقال وأمّا منصور بن جمهور فإنّه فتح الخزائن وفرّق فى الناس استحقاتهم وأحسن إلى جميعهم. امتناع نصر بن سيّار لعامل منصور بن جمهور وفى هذه السنة امتنع نصر بن سيّار بخراسان لعامل منصور بن جمهور وكان يزيد بن الوليد [٢٠٢] قد ولّاها منصورا مع العراق. ذكر الخبر عن ذلك كنّا ذكرنا ما أعدّه نصر من الهدايا وشخوصه متوجّها إلى يوسف بن عمر بالعراق وتباطئه فى سفره حتّى ورد عليه الخبر بقتل الوليد. فحكى بشير بن نافع وكان على سكك العراق قال: لمّا أقبل منصور بن جمهور أميرا على العراق هرب يوسف بن عمر، فوجّه منصور أخاه منظور بن جمهور على الرىّ، فأقبلت مع منظور إلى الرىّ وقلت: اقدم على نصر فأخبره. لمّا وردت على نصر وأخبرته كان الخبر عنده، فأمر حميدا مولاه أن يحملني إلى عنده، وأكرمنى وأمر لى بجارية [٣] . ثمّ دخل إلى نصر قوم فيهم يونس بن عبد الله وعبيد الله بن هشام وسلم بن أحوز، فأرسل إلىّ وقال: أخبرهم.

стр. 1259

فلمّا أخبرتهم كذّبونى فقلت: أستوثق من هولاء. فلمّا مضت ثلاث وكّل بى ثمانين رجلا من الحرس، فأبطأ الخبر إلى الليلة التاسعة، ثمّ جاءهم الخبر ليلة النيروز على ما وصفت، فصرف عامّة تلك الهدايا إلى أربابها وأعتق الرقيق وقسّم روقة [١] الجواري فى ولده [٢٠٣] وخاصّته، وقسّم تلك الأوانى فى الناس ووجّه العمّال وأمرهم بحسن السيرة. وأرجفت الأزد بخراسان أن منظور بن جمهور قادم خراسان. فخطب نصر وقال فى خطبته: - «إن جاءنا أمير ظنين قطعنا يديه ورجليه.» ثمّ باح به بعد وقال: عدوّ الله المخذول المتبور.» وولّى نصر [٢] ربيعة واليمن وولّى كلّ من ظنّ عنده خيرا وأمرهم بحسن السيرة ودعا الناس إلى البيعة وكان نصر ولىّ عبد الملك بن عبد الله السلمى خوارزم فخطبهم وقال فى خطبته: - «والله ما أنا بالأعرابىّ الجلف، ولا القروىّ [٣] المستنبط، ولقد كدمتنى الأمور وكدمتها. [٤] أما والله لأضعنّ السيف موضعه، و

стр. 1260

السوط مضربه، والسجن مدخله. ثمّ لتجدنّى غشمشما أعشبى [١] الشجر ولتستقيمنّ لى على الطريقة رقص [٢] البكارة فى السّنن الأعظم، ولأصكّنّكم صكّ القطامىّ القطا القارب. [٣] » وقوع اختلاف بخراسان وفى هذه السنة وقع الاختلاف بخراسان بين اليمانية والنزارية. وأظهر فيها الكرمانىّ الخلاف لنصر بن سيّار واجتمع مع كلّ واحد منهما جماعة لنصرته. وفيها [٢٠٤] أظهر مروان بن محمّد الخلاف وكتب إلى الغمر بن يزيد أخى الوليد بن يزيد كتابا بليغا يأمره بالطلب بدم أخيه الوليد. تولية عبد الله بن عمر العراق وفيها عزل يزيد منصور بن جمهور عن العراق وولّاها عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بن مروان. وكان عبد الله بن عمر هذا متألّها فدعاه يزيد بن الوليد وقال: - «إنّ أهل العراق يميلون [٤] إلى أبيك فسر إليها فقد ولّيتكها.» فلمّا شخص قدّم بين يديه رسلا وكتب إلى قوّاد الشام الّذين بالعراق، وخاف إلّا يسلّم منصور بن جمهور العمل، فانقاد له الكلّ، وسلّم منصور بن

стр. 1261

جمهور، وانصرف إلى الشام وفرّق عبد الله بن عمر عمّاله وأعطى الناس أرزاقهم وأعطياتهم. وكتب إلى نصر بعهده على خراسان. وكان المنجّمون ذكروا لنصر أنّ خراسان ستكون بها فتنة. فأمر نصر برفع حاصل بيت المال، وأعطى الناس بعض أعطياتهم ورقا وذهبا من الآنية التي كان اتّخذها للوليد [١] بن يزيد. وكان أوّل من تكلّم رجل من كندة أفوه طوال فقال: - «العطاء، العطاء.» فلمّا كانت الجمعة، أمر نصر رجلا من الحرس، فلبسوا السلاح، وفرّقهم فى المسجد مخافة أن يتكلّم متكلّم، فقام الكندىّ فقال: - «العطاء، العطاء.» وقام مولى للأزد [٢٠٥] يلقّب أبا الشياطين فتكلّم، وقام آخرون فقالوا: - «العطاء، العطاء.» فقال نصر: - «عليكم بالطاعة والجماعة، اتّقوا الله واسمعوا ما توعظون.» فصعد سلم بن أحوز وهو على المنبر فكلّمه فقالوا: - «ما يغنى كلامك هذا شيئا.» ووثب أهل السوق إلى أسواقهم، فغضب نصر وقال: - «إيّاى والعصبيّة [٢] ما لكم عندي عطاء بعد يومكم هذا.» ثمّ قال:

стр. 1262

- «كأنّى بالرجل منكم قد قام إلى أخيه وابن عمّه، فلطم وجهه فى حمل يهدى له، وثوب يكساه، ويقول مولاي وظئرى فأذلّوا هذه السفلة، وكأنّى بهم قد نبغ الشر من تحت أرجلهم. وكأنّى بكم مطرّحين فى الأسواق كالجزر المنحورة، إنّه لم تطل ولاية رجل قطّ إلّا ملّوه. وأنتم يا أهل خراسان مسلحة فى نحر العدوّ، فإيّاكم أن يختلف فيكم سيفان.» فقال الكرماني: - «أنتم فى فتنة، فانظروا لأموركم رجلا.» وإنّما سمّى الكرمانىّ لأنّه ولد بكرمان واسمه جديع بن علىّ بن شبيب المعنىّ. [١] فقالوا: «أنت لنا.» فاجتمعت المضريّة إلى نصر وقالوا له: - «إنّ الكرمانىّ يفسد الناس عليك، فأرسل إليه فاقتله أو فاحبسه.» فقال: «لا، ولكنّ لى ولدا ذكورا وإناثا، وله ولد فأزوّج بنىّ ببناته، وبنيه ببناتى.» [٢٠٦] قالوا: «ليس ينفع ذلك شيئا.» - «فابعث إليه بمائة ألف فإنّه بخيل ولا يعطى أصحابه شيئا ويعلمون بها فيتفرّقون عنه.» قالوا: «لا، هذه تصير قوّة له.» قال: «فدعوه على حاله يتّقينا ونتّقيه.»

стр. 1263

قالوا: «لا.» [١] وبلغ نصر بأنّ الكرمانىّ يقول: كانت غايتي فى طاعة بنى مروان أن يتقلّد ولدي [٢] السيوف فأطلب بثأر بنى المهلّب معما لقينا من نصر وجفائه وطول حرمانه ومكافأته إيّانا بما كان من صنيع أسد إليه. فقال عصمة بن عبد الله الأسدى لنصر: - «إنّها بدئ فتنة، فتجنّ عليه، واحبسه، وأظهر أنّه مخالف، ثمّ اضرب عنقه، وعنق سباع بن النعمان الأزدى، والفرافصة [٣] بن ظهير البكرىّ، فانّه لم يزل غضبان على الله، ، بتفضيله مضر على ربيعة.» وكثر على نصر الكلام فى أمر الكرمانىّ، حتّى قال له أصرم بن قبيصة: لو أنّ جديعا لم يقدر على السلطان والملك إلّا بالنصرانيّة واليهوديّة، لتنصّر أو لتهوّد.» وكان نصر والكرماني متصافين وكان الكرماني أحسن إلى نصر فى ولاية أسد بن عبد الله، فلمّا ولى نصر خراسان عزل الكرماني عن الرئاسة، وصيّرها لحرب بن عامر الواشجى. ثمّ مات حرب، فأعاد الكرمانىّ عليها، ولم يلبث إلّا يسيرا حتّى عزله [٢٠٧] وصيّرها لجميل بن النعمان، فتباعد ما بين نصر والكرمانىّ، فحبس نصر الكرمانىّ فى القهندز، وكان على القهندز مقاتل بن علىّ المرّى [٤] ولمّا همّ نصر بحبس الكرمانىّ تكلّم قوم فخاف نصر الفتنة لأنّ الأزد تعصّب له فقال نصر:

стр. 1264

- «أحلف بالله أنّى أحبسه ثمّ لا ينداه [١] منّى مكروه فإن خشيتم عليه فاختاروا رجلا يكون معه.» فاختاروا يزيد النحوي وكان معه فى القهندز وصيّر حرسه بنى ناجية. فبيناهم كذلك إذا جاءهم رجل من أهل نسف فقال لغلام الكرمانىّ، يقال له جعفر: - «ما تجعلون لى إن أنا أخرجته؟» قالوا: - «لك ما سألت» . فأتى مجرى الماء فى القهندز، فدخله ووسّعه، وأتى ولد الكرماني وقال لهم: - «أكتبوا إلى أبيكم يستعدّ للخروج الليلة.» فكتبوا إليه وأدخلوا الكتاب مع الطعام فدعا الكرمانىّ يزيد النحوىّ وحصين بن حكيم، فتعشّيا معه وخرجا. ودخل الكرمانىّ السرب، وأخذوا بضبعه [٢] فيقال: إنّه انطوت على بطنه حيّة فلم تضرّه، وانتهى إلى موضع ضيق فسحبوه فسحج منكبه وجنبه، ثمّ خرج. وكان الكرمانىّ أرسل إلى محمّد بن المثنّى وعبد الملك بن حرملة: [٢٠٨]- «إنّى خارج الليلة فاجتمعوا بعلطان [٣] .» - «فتوافوا على باب الرّيان بن سنان اليحمدى بنوس فى المرج، وكان مصلّاهم فى العيد، وخرج إليهم الناس من قراهم، فصلى بهم الغداة وهم زهاء ألف رجل. فما ترجّلت الشمس حتّى صاروا ثلاثة آلاف، فسار وأتاهم أهل

стр. 1265

السقاذم فأتوا حوزان. وكان الأزد اجتمعوا إلى عبد الملك بن حرملة فبايعوه على الكتاب والسنة قبل خروج الكرمانىّ بليلة. فلمّا اجتمعوا فى مرج نوس أقيمت الصلاة فاختلف عبد الملك والكرمانىّ فى التقدّم ساعة، ثمّ قدّمه عبد الملك وصيّر الأمر له، فصلّى بهم الكرمانىّ. ولمّا أتى نصرا هرب الكرمانىّ استخلف عصمة بن عبد الله الأسدى، وخرج إلى القناطر الخمس بباب مرو الرود وخطب الناس، فنال من الكرمانىّ، وذكره بالقبيح [١] ، ثمّ ذكر الأزد فقال: - «إن يستوسقوا فأذلّ قوم وإن يأبوا فهم كما قال الأخطل: ضفادع فى ظلماء ليل تجاوبت ... فدلّ عليها صوتها حيّة البحر.» ثمّ ندم على ما فرط منه فقال: - «اذكروا الله فإنّ ذكر الله شفا، ذكر الله خير لا شرّ فيه، [٢٠٩] ذكر الله براءة من النفاق.» واجتمع إلى نصر بشر كثير فوجّه سلم بن أحوز [٢] إلى الكرمانىّ فى المجفّفة وهم خلق كثير فسفر الناس بين نصر والكرمانىّ وسألوا نصرا أن يؤمنه ولا يحبسه. وضمن قومه ألّا يخالفه وأتاه القاسم [٣] بن بخيت [٤] فكلّمه فيه فآمنه وقال له:
следующие страницы →