جمهور، وانصرف إلى الشام وفرّق عبد الله بن عمر عمّاله وأعطى الناس أرزاقهم وأعطياتهم. وكتب إلى نصر بعهده على خراسان. وكان المنجّمون ذكروا لنصر أنّ خراسان ستكون بها فتنة. فأمر نصر برفع حاصل بيت المال، وأعطى الناس بعض أعطياتهم ورقا وذهبا من الآنية التي كان اتّخذها للوليد [١] بن يزيد.
وكان أوّل من تكلّم رجل من كندة أفوه طوال فقال:
- «العطاء، العطاء.» فلمّا كانت الجمعة، أمر نصر رجلا من الحرس، فلبسوا السلاح، وفرّقهم فى المسجد مخافة أن يتكلّم متكلّم، فقام الكندىّ فقال:
- «العطاء، العطاء.» وقام مولى للأزد [٢٠٥] يلقّب أبا الشياطين فتكلّم، وقام آخرون فقالوا:
- «العطاء، العطاء.» فقال نصر:
- «عليكم بالطاعة والجماعة، اتّقوا الله واسمعوا ما توعظون.» فصعد سلم بن أحوز وهو على المنبر فكلّمه فقالوا:
- «ما يغنى كلامك هذا شيئا.» ووثب أهل السوق إلى أسواقهم، فغضب نصر وقال:
- «إيّاى والعصبيّة [٢] ما لكم عندي عطاء بعد يومكم هذا.» ثمّ قال:
стр. 1262
- «كأنّى بالرجل منكم قد قام إلى أخيه وابن عمّه، فلطم وجهه فى حمل يهدى له، وثوب يكساه، ويقول مولاي وظئرى فأذلّوا هذه السفلة، وكأنّى بهم قد نبغ الشر من تحت أرجلهم. وكأنّى بكم مطرّحين فى الأسواق كالجزر المنحورة، إنّه لم تطل ولاية رجل قطّ إلّا ملّوه. وأنتم يا أهل خراسان مسلحة فى نحر العدوّ، فإيّاكم أن يختلف فيكم سيفان.» فقال الكرماني:
- «أنتم فى فتنة، فانظروا لأموركم رجلا.» وإنّما سمّى الكرمانىّ لأنّه ولد بكرمان واسمه جديع بن علىّ بن شبيب المعنىّ. [١] فقالوا: «أنت لنا.» فاجتمعت المضريّة إلى نصر وقالوا له:
- «إنّ الكرمانىّ يفسد الناس عليك، فأرسل إليه فاقتله أو فاحبسه.» فقال: «لا، ولكنّ لى ولدا ذكورا وإناثا، وله ولد فأزوّج بنىّ ببناته، وبنيه ببناتى.» [٢٠٦] قالوا: «ليس ينفع ذلك شيئا.» - «فابعث إليه بمائة ألف فإنّه بخيل ولا يعطى أصحابه شيئا ويعلمون بها فيتفرّقون عنه.» قالوا: «لا، هذه تصير قوّة له.» قال: «فدعوه على حاله يتّقينا ونتّقيه.»
стр. 1263
قالوا: «لا.» [١] وبلغ نصر بأنّ الكرمانىّ يقول: كانت غايتي فى طاعة بنى مروان أن يتقلّد ولدي [٢] السيوف فأطلب بثأر بنى المهلّب معما لقينا من نصر وجفائه وطول حرمانه ومكافأته إيّانا بما كان من صنيع أسد إليه.
فقال عصمة بن عبد الله الأسدى لنصر:
- «إنّها بدئ فتنة، فتجنّ عليه، واحبسه، وأظهر أنّه مخالف، ثمّ اضرب عنقه، وعنق سباع بن النعمان الأزدى، والفرافصة [٣] بن ظهير البكرىّ، فانّه لم يزل غضبان على الله، ، بتفضيله مضر على ربيعة.» وكثر على نصر الكلام فى أمر الكرمانىّ، حتّى قال له أصرم بن قبيصة:
لو أنّ جديعا لم يقدر على السلطان والملك إلّا بالنصرانيّة واليهوديّة، لتنصّر أو لتهوّد.» وكان نصر والكرماني متصافين وكان الكرماني أحسن إلى نصر فى ولاية أسد بن عبد الله، فلمّا ولى نصر خراسان عزل الكرماني عن الرئاسة، وصيّرها لحرب بن عامر الواشجى. ثمّ مات حرب، فأعاد الكرمانىّ عليها، ولم يلبث إلّا يسيرا حتّى عزله [٢٠٧] وصيّرها لجميل بن النعمان، فتباعد ما بين نصر والكرمانىّ، فحبس نصر الكرمانىّ فى القهندز، وكان على القهندز مقاتل بن علىّ المرّى [٤] ولمّا همّ نصر بحبس الكرمانىّ تكلّم قوم فخاف نصر الفتنة لأنّ الأزد تعصّب له فقال نصر:
стр. 1264
- «أحلف بالله أنّى أحبسه ثمّ لا ينداه [١] منّى مكروه فإن خشيتم عليه فاختاروا رجلا يكون معه.» فاختاروا يزيد النحوي وكان معه فى القهندز وصيّر حرسه بنى ناجية.
فبيناهم كذلك إذا جاءهم رجل من أهل نسف فقال لغلام الكرمانىّ، يقال له جعفر:
- «ما تجعلون لى إن أنا أخرجته؟» قالوا:
- «لك ما سألت» .
فأتى مجرى الماء فى القهندز، فدخله ووسّعه، وأتى ولد الكرماني وقال لهم:
- «أكتبوا إلى أبيكم يستعدّ للخروج الليلة.» فكتبوا إليه وأدخلوا الكتاب مع الطعام فدعا الكرمانىّ يزيد النحوىّ وحصين بن حكيم، فتعشّيا معه وخرجا. ودخل الكرمانىّ السرب، وأخذوا بضبعه [٢] فيقال: إنّه انطوت على بطنه حيّة فلم تضرّه، وانتهى إلى موضع ضيق فسحبوه فسحج منكبه وجنبه، ثمّ خرج.
وكان الكرمانىّ أرسل إلى محمّد بن المثنّى وعبد الملك بن حرملة: [٢٠٨]- «إنّى خارج الليلة فاجتمعوا بعلطان [٣] .» - «فتوافوا على باب الرّيان بن سنان اليحمدى بنوس فى المرج، وكان مصلّاهم فى العيد، وخرج إليهم الناس من قراهم، فصلى بهم الغداة وهم زهاء ألف رجل. فما ترجّلت الشمس حتّى صاروا ثلاثة آلاف، فسار وأتاهم أهل
стр. 1265
السقاذم فأتوا حوزان.
وكان الأزد اجتمعوا إلى عبد الملك بن حرملة فبايعوه على الكتاب والسنة قبل خروج الكرمانىّ بليلة. فلمّا اجتمعوا فى مرج نوس أقيمت الصلاة فاختلف عبد الملك والكرمانىّ فى التقدّم ساعة، ثمّ قدّمه عبد الملك وصيّر الأمر له، فصلّى بهم الكرمانىّ.
ولمّا أتى نصرا هرب الكرمانىّ استخلف عصمة بن عبد الله الأسدى، وخرج إلى القناطر الخمس بباب مرو الرود وخطب الناس، فنال من الكرمانىّ، وذكره بالقبيح [١] ، ثمّ ذكر الأزد فقال:
- «إن يستوسقوا فأذلّ قوم وإن يأبوا فهم كما قال الأخطل:
ضفادع فى ظلماء ليل تجاوبت ... فدلّ عليها صوتها حيّة البحر.»
ثمّ ندم على ما فرط منه فقال:
- «اذكروا الله فإنّ ذكر الله شفا، ذكر الله خير لا شرّ فيه، [٢٠٩] ذكر الله براءة من النفاق.» واجتمع إلى نصر بشر كثير فوجّه سلم بن أحوز [٢] إلى الكرمانىّ فى المجفّفة وهم خلق كثير فسفر الناس بين نصر والكرمانىّ وسألوا نصرا أن يؤمنه ولا يحبسه. وضمن قومه ألّا يخالفه وأتاه القاسم [٣] بن بخيت [٤] فكلّمه فيه فآمنه وقال له:
стр. 1266
- «إنّ شئت خرج لك عن خراسان وإن شئت أقام فى داره.» وكان رأى نصر إخراجه فقال له سلم:
- «إن أخرجته نوّهت باسمه وقال الناس: أخرجه إنّه هابه.» فقال نصر:
- «إنّ الذي أتخوّفه منه إذا خرج أيسر ممّا أتخوّفه منه إذا أقام والرجل إذا نفى عن بلده صغر أمره.» فأبوا عليه، فكفّ عنه وأعطى من كان معه عشرة عشرة.
وأتى الكرمانىّ نصرا، فدخل سرادقه فآمنه ولحق عبد العزيز بن عبد ربّه بالحارث بن سريج [١] وهو بالترك. وأتى نصرا عزل منصور بن جمهور وولاية عبد الله بن عمر بن عبد العزيز. فخطب الناس وذكر ابن جمهور بسوء وقال:
- «قد علمت أنّه لم يكن من عمّال العراق وقد عزله الله واستعمل الطّيب بن الطيّب.» فغضب الكرمانىّ لابن جمهور فعاد فى جمع الرجال واتخاذ السلاح، وكان يحضر الجمعة فى ألف وخمسمائة وأكثر [٢١٠] وأقلّ، فيصلّى خارجا من المقصورة ثمّ يدخل على نصر، فيسلّم عليه ولا يجلس. ثمّ ترك إتيان نصر وأظهر الخلاف. فأرسل إليه نصر سلم بن أحوز وقال:
- «إنّى والله ما أردت بك فى حبسك سوءا، ولكنّى خفت أن تفسد أمر الناس فأتنى.» فقال الكرمانىّ لسلم:
- «لولا أنّك فى منزلي لقتلتك، ولولا ما أعرف من حمقك لأحسنت أدبك.
стр. 1267
فارجع إلى ابن الأقطع فأعلمه ما شئت من خير وشر.» فرجع إلى نصر فأخبره. قال:
- «عد إليه.» قال:
- «لا وما بى هيبة له، ولكن [أكره] [١] أن يسمعني فيك ما أكره.» فبعث إليه عصمة بن عبد الله الأسدىّ فقال:
- «يا با علىّ، إنّى أخاف عليك خصالا فانطلق إلى أميرك يعرضها عليك وما يريد بذلك إلّا الإعذار إليك.» فقال الكرمانىّ:
- «إنّى أعلم أنّ نصرا لم يقل هذا لك ولكنّك أردت أن يبلغه فتحظى، والله لا أكلّمك كلمة بعد انقضاء كلامي حتّى ترجع إلى أميرك [٢] فيرسل من أحبّ غيرك.» فرجع عصمة فقال:
- «ما رأيت علجا أعدى لطوره من الكرمانىّ، وما أعجب منه ولكنّى أعجب من يحيى بن حصين وأصحابه لعنهم الله والله لهم أشدّ تعظيما له من أصحابه.» فقال سلم بن أحوز لنصر:
- «إنّى أخاف فساد [٢١١] هذا الثغر والناس.» فأرسل إليه قديدا فقال نصر لقديد بن منيع:
- «انطلق إليه.» فأتاه فقال:
стр. 1268
- «يا با علىّ قد لحجت وأخاف أن يتفاقم الأمر فنهلك جميعا وتشمت بنا هذه الأعاجم.» قال:
- «يا قديد، إنّى لا أتّهمك، وقد جاء من لا أثق معه بنصر. وقد قال رسول الله صلّى الله عليه: البكرىّ أخوك ولا تثق به.» قال:
- «أما وقد وقع هذا فى نفسك فأعطه رهنا.» قال:
- «أعطيه عليّا وعثمان فمن يعطيني ولا خير فيه؟» فقال:
- «يا با علىّ نشدتك الله أن يكون خراب هذه البلدة على يديك.» ورجع إلى نصر. فقال نصر لعقيل بن معقل الليثي:
- «ما أخوفنى أن يقع بهذا الثغر بلاء فكلّم ابن عمّك.» فقال عقيل لنصر:
- «أيّها الأمير. أنشدك الله أن تشأم عشيرتك. إنّ مروان بالشام تقاتله الخوارج والناس فى فتنة، والأزد أخفّاء سفهاء، وهم جيرانك.» قال:
- «فما أصنع إن علمت أمرا يصلح الناس فدونك وقد زعم أنّه لا يثق بى.» قال: فأتى عقيل الكرمانىّ فقال:
- «يا با علىّ قد سننت للسفهاء سنّة تطلب بعدك من الأمراء. إنّى أرى أمرا أخاف أن تذهب فيه العقول.» قال الكرمانىّ:
- «إنّ نصرا يريد أن آتيه ولا آمنه، وأريد أن يعتزل [٢١٢] ونعتزل، و
стр. 1269
نختار رجلا من بكر بن وائل نرضاه جميعا، فيلي أمرنا حتّى يأتى أمر الخليفة وهو يأبى هذا.» قال:
- «يا با علىّ إنّى أخاف أن يهلك أهل هذا الثغر فأت أميرك وقل ما شئت تجب إليه ولا تطمع سفهاء قومك فيما دخلوا فيه.» فقال الكرمانىّ:
- «إنّى لا أتّهمك فى نصيحة ولا عقل ولكنّى لا أثق بنصر، فليحمل من المال ما شاء وليشخص.» قال:
- «فهل لك فى أمر يجمع الأمر بينكما، تتزوّج إليه ويتزوّج إليك؟.» قال:
- «لا آمنه على حال.» قال:
- «ما بعد هذا خير وإنّى لخائف أن يهلك غدا بمضبعة.» قال:
- «لا حول ولا قوّة إلّا بالله.» فقال له عقيل:
- «أعود إليك؟» قال:
- «لا ولكن أبلغه عنّى وقل له لا آمن أن يحملك قوم من أمرى على غير ما تريد فتركب منّا ما لا بقيّة [١] بعده. فإن شئت خرجت عنك لا من هيبة لك ولكن أكره أن أشأم أهل هذه البلدة وأسفك الدماء.» وتهيّأ ليخرج إلى جرجان.
стр. 1270
وفى هذه السنة آمن يزيد بن الوليد الحراث بن سريج وكتب له بذلك وكتب إلى عبد الله بن عمر يأمره بردّ ما كان أخذ منه من ماله وولده. [٢١٣]
ذكر السبب فى ذلك
إنّ الفتنة لمّا وقعت بخراسان بين نصر والكرمانىّ خاف نصر قدوم الحارث بن سريج عليه بأصحابه والترك فيكون أمره أشدّ عليه من الكرمانىّ وغيره وطمع أن يناصحه فأرسل إليه مقاتل بن حيّان النبطي وثعلبة بن صفوان البنانىّ وجماعة ليردّه من بلاد الترك. وقيل: إنّ قوما خرجوا إلى يزيد بن الوليد فطلبوا منه أمانا للحارث بن سريج فكتب له أمانا ولمن معه وأمر نصرا بردّ ما كان أخذ له ولأصحابه. ثمّ نفذ القوم إلى الحارث فلقوا مقاتل بن حيّان وأصحابه الذين وجّههم نصر إلى الحارث وأقبل الحارث يريد مرو وكان مقامه بأرض الترك اثنتى عشرة سنة.
فيقال: إنّ نصرا كتب إلى الحراث من غير إذن الخليفة فكتب إليه ابن عمر:
- «إنّك آمنت الحارث بغير إذنى ولا إذن الخليفة. [١] » فسقط فى يديه فبعث يزيد بن الأحمر وأمره أن يفتك بالحارث إذا صار معه فى السفينة.
وفى هذه السنة وجّه إبراهيم بن محمّد الإمام أبا هاشم بكير بن ماهان إلى خراسان وبعث معه [٢١٤] بالسيرة والوصيّة فقدم بمرو وجمع النقباء ومن بها من الدعاة. فنعى إليهم الإمام محمّد بن علىّ، ودعاهم إلى إبراهيم، فقبلوه ودفعوا إليه ما اجتمع عندهم من نفقات الشيعة.
стр. 1271
ولاية عهد ابراهيم الوليد
وفى هذه السنة أخذ يزيد بن الوليد البيعة لأخيه إبراهيم بن الوليد وجعله ولّى عهده ولعبد العزيز بن الحجّاج بن عبد الملك من بعد إبراهيم بن الوليد.
ذكر السبب فى ذلك كان سبب ذلك أنّ يزيد مرض فاجتمع إليه القدريّة وكان يرى رأيهم وأشاروا عليه بذلك وقالوا:
- «لا يحلّ لك أن تهمل أمر الأمة فبايع لأخيك.» حتّى بايع لإبراهيم وعبد العزيز من بعده.
وفى هذه السنة أظهر مروان بن محمّد بن مروان الخلاف على يزيد بن الوليد وانصرف من أرمينية إلى الجزيرة مظهرا أنّه طالب بدم الوليد بن يزيد.
فلمّا صار بحرّان [١] بايع ليزيد.
ذكر السبب فى خلاف مروان ثمّ دخوله فى الطاعة ومبايعته
لمّا بلغ مروان قتل الوليد أقبل يريد الجزيرة وكان ابنه عبد الملك بن مروان بن محمّد [٢١٥] قد وثب على حرّان [٢] ومدائن الجزيرة فضبطها وكتب إلى أبيه بأرمينية يعلمه بذلك ويشير عليه بتعجيل السير والقدوم. فتهيّأ مروان للمسير وأظهر أنّه يطلب بدم الوليد وكره أن يدع الثغر معطّلا فوجّه إلى أهل الباب إسحاق بن مسلم العقيلي وهو رأس قيس وثابت بن نعيم الجذامىّ وهو
стр. 1272
رأس اليمن وكان سبب صحبة ثابت إيّاه أنّ مروان كان خلّصه من حبس هشام وأحسن إليه وحباه. فلمّا كتب مروان إلى أهل الباب على أيديهما وحمل معهما إليهم أعطياتهم ورغّبهم فى الجهاد، ثبتوا. ثمّ بلغه أنّ ثابتا كان يدسّ إلى قوّاده بالانصراف إلى ثغرهم واللحاق بأجنادهم فلمّا انصرف [١] إليه تهيّأ مروان للمسير وعرض جنده فدسّ ثابت بن نعيم إلى من معه من أهل الشام بالانخزال عن مروان والانضمام إليه ليسير بهم إلى أجنادهم فتولّى أمرهم فانخزلوا عن عسكر مروان ليلا وعسكروا على حدة، فبات ليلته ومن معه فى السلاح يتحارسون حتّى أصبح. ثمّ خرج إليهم بمن معه ومن مع ثابت يضعفون من مع مروان. فصافّوهم ليقاتلوهم فأمر مروان مناديين فبرزا بين الصفّين [٢١٦] فنادوهم [٢] :
- «يا أهل الشام ما دعاكم إلى الاعتزال وما الذي نقمتم علىّ ألم ألكم بما تحبّون وأحسن السيرة فيكم والولاية عليكم ما الذي دعاكم إلى سفك دمائكم؟» فأجابوه ب [قولهم] :
- «إنّا إنّما كنّا نطيعك بطاعة خليفتنا فقد قتل خليفتنا وبايع أهل الشام يزيد بن الوليد فرضينا بولاية ثابت ورأسناه ليسير بنا على ألويتنا حتّى نردّ أجنادنا.» فأمر مناديه فنادى:
- «أن قد كذبتم وليس تريدون الذي قلتم وإنّما أردتم أن تركبوا رؤوسكم فتغصبوا من مررتم به من أهل الذّمة أموالهم وأطعمتهم وأعلافهم. وما بيني
و
стр. 1273
بينكم إلّا السيف حتّى تنقادوا إلىّ، فأسير بكم حتّى أوردكن الفرات، ثمّ أخلّى عن كلّ قائد وجنده حتّى يلحقوا بأجنادهم. [١] » فلمّا الجدّ منه انقادوا له، ومالوا إليه، وأمكنوه من ثابت بن نعيم وأولاده وهم أربعة رجال [٢] فأمر بهم، فأنزلوا عن فيولهم، وسلبوا سلاحهم، ووضع فى أرجلهم السلاسل، ووكّل بهم عدّة من حرسه يحتفظون بهم، وشخص بجماعة الجند من أهل الشام والجزيرة، وضمّهم إلى عسكره، وضبطهم فى مسيره، فلم يقدر أحد منهم على أن يشذّ ولا أن يظلم [٢١٧] أحدا من أهل القرى ولا يرزأه [٣] شيئا إلّا بثمن حتّى ورد حرّان. ثمّ أمرهم باللحاق بأجنادهم وحبس ثابتا معه ودعا أهل الجزيرة إلى الفرض ففرض لستّة [٤] وعشرين ألفا من أهل الجلد منهم وتهيّأ للمسير إلى يزيد. فكاتبه يزيد على أن يبايعه ويوليّه ما كان عبد الملك بن مروان ولّى أباه محمّد بن مروان من الجزيرة وأرمينية والموصل وآذربيجان. فبايع له بحرّان [٥] ووجّه إليه بنفر من وجوه الجزيرة.
موت يزيد بن الوليد
وفى هذه السنة مات يزيد بن الوليد وكانت وفاته سلخ ذى القعدة [٦] سنة ست وعشرين ومائة. فكانت خلافته ستّة أشهر. واختلف فى مبلغ سنّه فقيل نيّف وثلاثون [٧] وقيل نيّف وأربعون [٨] . وكان أسمر طويلا صغير الرأس
стр. 1274
جميلا وإنّما سمّى الناقص فى قول أكثر الناس لأنّه نقصهم أعطياتهم التي كان الوليد زادها الناس. وقال بعضهم إنّما سمّى الناقص لأنّ مروان بن محمّد سبّه فقال: الناقص بن الوليد. فسمّى الناقص.
ثمّ كان إبراهيم غير أنّه لم يتمّ له أمر وسلّم عليه جمعة [٩] بالخلافة. وجمعة بالإمرة وجمعة لا بالخلافة ولا بالأمرة. فكان على ذلك [أمره] حتى قدم مروان بن محمّد [٢١٨] فخلعه وقتل عبد العزيز بن الحجّاج بن عبد الملك.
ودخلت سنة سبع وعشرين ومائة
مسير مروان إلى الشام
فسار مروان بن محمّد إلى الشام فى جند الجزيرة وخلف ابنه عبد الملك فى أربعة آلاف بالرقّة. فلمّا انتهى إلى قنّسرين وبها أخ ليزيد بن الوليد يقال له بشر، كان ولّاه قنّسرين، فخرج إليه وصافة، وتنادى الناس، ودعاهم مروان إلى بيعته. فمال إليه يزيد بن عمر بن هبيرة فى القيسيّة، وأسلموا بشرا وأخا له يقال له مسرور، فأخذهما مروان وحبسهما وسار متوجّها إلى حمص وكان أهل حمص قد امتنعوا حين مات يزيد أن يبايعوا إبراهيم. فوجّه إليهم إبراهيم [١٠] عبد العزيز بن الحجّاج فى جند أهل دمشق فحاصرهم فى مدينتهم وأغذّ مروان السير، فلمّا دنا من مدينة حمص رحل عبد العزيز عنهم وخرجوا إلى مروان فبايعوه وساروا بأجمعهم معه.
ووجّه إبراهيم بن الوليد الجيوش مع سليمان بن هشام فسار بهم حتّى نزل عين الجرّ فى عشرين ومائة ألف وأتاه مروان فى نحو من ثمانين ألفا فدعاهم
стр. 1275
مروان إلى الكفّ عن قتاله والتخلية عن ابني الوليد [٢١٩] الحكم وعثمان وكانا فى سجن دمشق وضمن لهم عنهما ألّا يؤاخذاهم بقتلهم أباهما ولا يطلبا أحدا ممّن ولى قتله. فأبوا عليه وجدّوا فى قتاله، فاقتتلوا ما بين ضحوة النهار إلى العصر واستحرّ القتل وكثر فى الفريقين. وكان محربا [١] مكايدا، فدعا ثلاثة نفر من قوّاده أحدهم أخ لإسحاق بن مسلم، فأمرهم بالمسير خلف صفّه فى خيلهم وهم ثلاثة آلاف، ووجّه معهم فعلة بالفؤوس وقد ملأ الصفّان من أصحابه وأصحاب سليمان ما بين الجبلين المحيطين بالمرج، وبين العسكرين نهر خرّار. وأمرهم إذا انتهوا إلى الجبل أن يقطعوا الشجر فيعقدوا جسورا فيجيزوا إلى عسكر سليمان ويغيروا فيه فلم تشعر خيول سليمان وهم مشغولون بالقتال إلّا بالخيل والبارقة [٢] والتكبير فى عسكرهم من خلفهم فلمّا رأوا ذلك انكسروا وكانت هزيمتهم. ووضع أهل حمص السلاح فيهم، فقتلوا منهم نحوا من سبعة عشر ألفا، وكفّ أهل الجزيرة وأهل قنّسرين عن قتلهم، وأتوا مروان من أسراهم بمثل عدّة القتلى وأكثر، واستبيح عسكرهم فأخذ مروان عليهم العهد للغلامين: الحكم وعثمان، وخلّى عنهم بعد أن قوّاهم بدينار [٢٢٠] دينار وألحقهم بأهاليهم.
ومضى سليمان ومن معه من الفلّ حتّى صبّحوا دمشق واجتمع إليه وإلى إبراهيم وعبد العزيز بن الحجّاج رؤوس [من] [٣] معهم فقال بعضهم لبعض:
- «إن بقي الغلامان ابنا الوليد حتّى يقدم مروان فيخرجهما من الحبس ويصير الأمر إليهما لم يستبقيا أحدا من قتلة أبيهما والرأى أن نقتلهما.»
стр. 1276
فولّوا ذلك يزيد بن خالد ومعهما فى الحبس أبو محمّد السفياني ويوسف بن عمر.
فأرسل يزيد مولى لخالد يكنّى أبا الأسد فى عدّة من أصحابه فدخل السجن، فشدخ الغلامين بالعمد، وأخرج يوسف بن عمر فضرب عنقه وأرادوا أبا محمّد ليقتلوه فدخل بيتا من بيوت السجن فأغلقه وألقى خلفه المتاع [١] واعتمد على الباب فلم يقدروا على فتحه ودعوا بنار ليحرقوه فلم يؤتوا بها حتّى قيل قد دخلت خيل مروان المدينة. وهرب إبراهيم بن الوليد وتغيّب، ونهب سليمان ما كان فى بيت المال من المال وقسمه فيمن معه من الجنود وخرج من المدينة.
وفى هذه السنة دعا إلى نفسه عبد الله بن [٢٢١] معاوية بن عبد الله بن جعفر بن ابى طالب بالكوفة وحارب بها عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بن مروان فهزمه عبد الله بن عمر فلحق بالجبال وتغلّب عليها.
ذكر سبب خروج عبد الله بن معاوية وطمعه فى الخلافة
كان سبب خروجه أنّه قدم الكوفة زائرا لعبد الله بن عمر بن عبد العزيز يلتمس صلته ولا يطمع فى غيرها. فلمّا وقعت العصبيّة قال له أهل الكوفة:
- «أدع إلى نفسك فبنو هاشم أولى بالأمر من بنى مروان لا سيّما وقد اختلفوا.» فدعا سرّا بالكوفة وابن عمر بالحيرة وبايعه قوم وكان فيهم ابن ضمره:
الخزاعي فدسّ إليه ابن عمر فأرضاه. فأرسل إليه:
стр. 1277
- «إذا نحن التقينا انهزمت بالناس.» وبلغ ابن معاوية فلمّا التقى الناس قال ابن معاوية:
- «إنّ ابن ضمرة قد غدر ووعد ابن عمر أن ينهزم بالناس فلا يهولنّكم انهزامه فإنّه عن غدر ما يفعل.» فلمّا اقتتلوا [١] انهزم ابن ضمرة، وانهزم الناس، فلم يبق مع ابن معاوية أحد فرجع ابن معاوية إلى الكوفة [٢٢٢] ثمّ خرج ومعه نفر، فغلب على حلوان، ثمّ على همذان والرىّ وإصفهان.
стр. 1278
خلافة مروان بن محمد
وفى هذه السنة بويع لمروان بن محمّد بدمشق بالخلافة .
وقد ذكرنا ما كان من هرب إبراهيم وأنّ سليمان انتهب ما كان فى بيت المال وفرّقه فى جنده ودخل مروان دمشق وأتى بالغلامين مقتولين وبيوسف [١] بن عمر فأمر بهم فدفنوا وأتى بأبى محمّد فى كبوله فسلّم عليه بالخلافة ومروان يسلّم عليه يومئذ بالإمرة فقال له: «مه» فقال أبو محمد:
- «إنّهما جعلاها لك بعدهما.» وكانا قد بلغا أبا الحكم. وهو أكبرهما، وكان قد ولد له وأمّا الآخر فكان قد احتلم قبل ذلك بسنتين فأنشده شعرا قاله الحكم:
ألا من مبلغ مروان عنّى ... وعمّى الغمر، [٢] من كبدي حنينا
بأنّى قد ظلمت وصار قومي ... على قتل الوليد متابعينا
أيذهب كلبهم بدمى ومالي ... فلا غثّا أصبت ولا سمينا
стр. 1279
ومروان بأرض بنى نزار ... كليث الغاب مفترشا عرينا
ألم يحزنك قتل فتى قريش ... وشقّهم عصا للمسلمينا [٢٢٣]
ألا فاقرا السّلام على قريش ... وقيس بالجزيرة أجمعينا
وسار الناقص القدرىّ فينا ... وألقى الحرب بين بنى أبينا
فلو شهد الفوارس من سليم ... وكعب، لم أكن لهم رهينا
ولو شهدت ليوث بنى تميم ... لما بعنا [١] تراث بنى أبينا
أينكث بيعتي من أجل أمّى ... فقد بايعتم بعدي هجينا
فليت خؤولتى فى غير كلب ... وكانت فى ولادة آخرينا
فإن أهلك أنا ووليّى عهدي ... فمروان أمير المؤمنينا
ثمّ قال:
- «ابسط يدك أبايعك.» وسمعه من تبع مروان من أهل الشام. فكان أوّل من نهض معاوية بن يزيد بن حصين بن نمير، وتبعه الناس فبايعوه. فلمّا استوت لمروان بن محمّد الشام انصرف إلى منزله من حرّان [٢] وطلب منه الأمان إبراهيم بن الوليد وسليمان بن هشام فآمنهما. فقدم عليه سليمان وكان يتذمّر فى إخوته وأهل بيته ومواليه فبايعوا مروان.
وفى هذه السنة انتقض على مروان أهل حمص وسائر أهل الشام. [٢٢٤] ذكر السبب فى ذلك
كان الذي دعاهم إلى ذلك ثابت بن نعيم، كان يراسلهم، ويكاتبهم ومروان
стр. 1280
بحماة [١] ليس بينه وبين مدينة حمص إلّا ثلاثون ميلا. فأتاه خبرهم صبيحة الفطر، فجدّ فى السير، ومعه يومئذ إبراهيم بن الوليد المخلوع وسليمان بن هشام. كان آمنهما وكان يكرمهما ويجلسان معه على غدائه وعشائه ويسيران معه فى موكبه. فانتهى إلى مدينة حمص بعد الفطر بيومين وقد ردم القوم أبوابها من داخل، فأحدقت خيله بالمدينة ووقف حذاء باب [٢] منها، فأشرفت عليه جماعة من الحائط. فناداهم مناديه:
- «ما دعاكم إلى النكث؟» قالوا:
- «فإنّا على طاعتك لم ننكث.» فقال لهم:
- «إن كنتم على ما تذكرون فافتحوا.» ففتحوا له الباب فاقتحم عمرو بن الوضّاح فى الوضّاحية وهم نحو من ثلاثة آلاف. فقاتلوهم داخل المدينة. ثمّ كثرتهم خيل مروان، فخرجوا من باب من أبواب المدينة فقاتلهم داخل المدينة من كان عليه، فقتل عامّتهم وأسر منهم قوم، فأتى بهم مروان فقتلهم. ثمّ أمر بجمع قتلاهم وهم خمسمائة أو ستّمائة فصلبوا حول المدينة [٢٢٥] وهدم من حائط مدينتها نحو غلوة، [٣] وثار أهل الغوطة إلى مدينة دمشق فحاصروا أميرهم زامل بن عمرو، وولّوا عليهم يزيد بن خالد القسرىّ.
وثبت زامل مع أهل المدينة، فوجّه إليهم مروان بن حمص أبا الورد بن الكوثر بن زفر بن الحارث وعمرو بن الوضّاح فى عشرة آلاف. فلمّا دنوا من المدينة حملوا عليهم وخرج من فى المدينة فحملوا عليهم فهزموهم واستباحوا عساكرهم ولجأ يزيد بن خالد وأبو علاقة إلى رجل من لخم من
стр. 1281
أهل مزّة فدلّ عليهما زامل فأرسل إليهما فقتلا وبعث برأسيهما إلى مروان بحمص.
وخرج ثابت بن نعيم فى أهل فلسطين حتّى أتى طبرية، فحاصر أهلها فقاتلوه [١] أيّاما. وكتب مروان إلى أبن الورد أن يشخص إليهم، ورحل من حمص إلى دمشق بعد أيّام. فلمّا بلغهم دنوّه خرجوا من المدينة على ثابت ومن معه، فاستباحوا عسكرهم وانصرف ثابت منهزما إلى فلسطين. فجمع قومه وجنده ومضى إليه أبو الورد، فهزمه ثانية وتفرّق من معه، وأسر ثلاثة من ولده وهم نعيم وبكر وعمران. فبعث بهم إلى مروان، فقدم بهم عليهم وهو بدير أيّوب جرحى، فأمر بمداواتهم.
وتغيّب ثابت وأفلت [٢٢٦] من ولده رفاعة بن ثابت وكان أخبثهم، فلحق بمنصور بن جمهور بالسند فأكرمه وولّاه وخلّفه مع أخ له يقال له منظور بن جمهور فوثب عليه فقتله فبلغ منصورا وهو متوجّه إلى الملتان وكان أخوه بالمنصورة فرجع إليه وظفر به فبنى له أسطوانة من آجرّ مجوّفة، وأدخله فيها وسمّره إليها وبنى عليه.
وكتب مروان إلى واليه على فلسطين وهو الرماحس [٢] فى طلب ثابت والتلطّف له. فدلّ عليه رجل من قومه فأخذ ومعه نفر فأتى به مروان بعد شهرين فأمر به وببنيه الذين كانوا فى يديه فقطعت أيديهم وأرجلهم. ثمّ حملوا إلى دمشق وأقيموا على باب مسجدها، لأنّهم كانوا يرجفون بثابت ويقولون: أتى مصر فغلب عليها وقتل عامل مروان بها.
وأقام مروان بدير أيّوب حتّى بايع لابنيه عبيد الله وعبد الله واستقامت له
стр. 1282
الشام كلّها ما خلا تدمر. وأمر بثابت وبنيه الذين قطعوا، فقتلوا وصلبوا على أبواب دمشق.
وسار حتّى نزل القسطل من أرض حمص ممّا يلي تدمر وبينهما مسيرة ثلاثة أيّام وبلغه أنّهم عوّروا ما بينه وبينها من الآبار وطمّوها [٢٢٧] بالصخر، فهيّأ المزاد والقرب والعلف والإبل له ولمن معه. فكلّمه الأبرش بن الوليد وسليمان بن هشام وغيرهما، وسألوه أن يعذر إليهم. فأجابه، ووجّه الأبرش إليهم أخاه، وكتب إليهم يحذّرهم ويعلمهم أنّه يتخوّف أن يكون هلاكه وهلاك قومه، فطردوه ولم يجيبوه. فسأله الأبرش أن يأذن له فى التوجّه إليهم ويؤجّله أيّاما ففعل وأتاهم وكلّمهم وأعلمهم أنّهم حمقى ولا طاقة لهم به وبمن معه.
فأجابه عامّتهم وهرب من لم يثق به منهم.
فكتب الأبرش إلى مروان يعلمه ذلك، فكتب إليه مروان أن:
- «اهدم حائط مدينتهم، وانصرف إلىّ بمن تابعك.» [١] ففعل وقدم عليه بالرصافة.
ثمّ شخص إلى الرقّة ومضى حتّى نزل عند واسط على شاطئ الفرات فأقام ثلاثا. ثمّ مضى إلى قرقيسيا وابن هبيرة بها ليقدّمه إلى العراق لمحاربة الضحّاك بن قيس الشيبانى الحروري وكان خرج محكّما.
وأقبل جماعة نحو عشرة آلاف ممّن كان مروان قطع عليهم البعث بدير أيّوب لغزو العراق مع قوّادهم، حتّى حلّوا بالرّصافة. فدعوا [٢٢٨] سليمان إلى خلع مروان ومحاربته.
وفى هذه السنة دخل الضّحك بن قيس الشيبانى الكوفة. ذكر السبب فى خروج الضحّاك وقوّته [١] حتّى دخل الكوفة
стр. 1283
يقال: إنّ سبب خروج الضحّاك أنّه كان خرج بالجزيرة حرورىّ يقال له:
سعيد بن بهدل الشيبانى، فى مائتين من أهل الجزيرة فيهم الضحّاك، وقتل الوليد فى تلك الأيّام فاغتنم ذلك واشتغال مروان بالشام، فخرج فى أرض بكفرتوثا وخرج بسطام البيهسى وهو مفارق لرأيه فى مثل عدّتهم من ربيعة، فسار كلّ واحد منهما إلى صاحبه. فلمّا تقارب العسكران وجّه سعيد بن بهدل الخيبري وهو أحد قوّاده وهو الذي هزم مروان فى نحو من مائة وخمسين فارسا ليبّيته، فانتهى إلى عسكره وهم غارّون وقد أمر كلّ رجل منهم أن يكون معه ثوب أبيض يجلّل به دابّته [٢] ليعرف بعضهم بعضا فكبّروا فى عسكره وقتلوا بسطاما وجميع من معه إلّا أربعة عشر رجلا ثمّ مضى فلحقوا بمروان فكانوا معه وأثبتهم وولّى [٢٢٩] عليهم رجلا منهم يكنّى أبا النعثل.
ثمّ مضى سعيد بن بهدل نحو العراق لما بلغه من تشتت الأمر بها واختلاف أهل الشام وقتال بعضهم بعضا مع عبد الله بن عمر والنضر [٣] بن سعيد الحرشي.
وكانت اليمانية من أهل الشام مع عبد الله بن عمر بالحيرة، والمضريّة مع ابن الحرشي بالكوفة، فهم يقتتلون فيما بينهم غدوة وعشية. فمات سعيد بن بهدل فى وجهه ذلك من طاعون أصابه.
واستخلف الضحّاك بن قيس من بعده، فاجتمع مع الضحّاك نحو من ألف. ثمّ توجّه إلى الكوفة ومرّ بأرض الموصل فاتّبعه منها ومن السواد نحو من ثلاثة آلاف وبالكوفة يومئذ النضر بن سعيد الحرشي ومعه المضريّة وبالحيرة
стр. 1284
عبد الله بن عمر فى اليمانية فهم متعصّبون يقتتلون فيما بين الكوفة والحيرة.
وكان سبب قتال عبد الله بن عمر النضر بن سعيد الحرشي أنّ مروان ولّى النضر العراق وعزل عبد الله بن عمر فأبى عبد الله أن يسلّم وقاتل النضر ووجد أعوانا من اليمانية للعصبيّة التي بينهم وبين المضريّة.
فلمّا دنا الضحّاك فيمن معه من الكوفة اصطلح ابن عمر [٢٣٠] والحرشىّ وصار أمرهما واحدا ويدا على قتال الضحّاك، وخندقا ومعهما يومئذ من أهل الشام نحو من ثلاثين ألفا لهم قوّة وعدّة ومعهم قائد من أهل قنّسرين يقال له، عبّاد بن العزيل، [١] فى ألف فارس قد كان مروان أمدّ به ابن الحرشي فبرزوا لهم فقاتلوهم فقتل يومئذ عاصم بن عمر بن عبد العزيز وجعفر بن عبّاس الكندي وهزموهم أقبح هزيمة.
ولحق عبد الله بن عمر فى جماعتهم بواسط، وتوجّه ابن الحرشىّ، وجماعته المضريّة، وإسماعيل بن عبد الله القسرىّ، إلى مروان واستولى الضحّاك بن قيس والحروريّة على الكوفة وأرضها، وجبوا السواد.
ثمّ استخلف الضّحاك رجلا من أصحابه يقال له: ملحان، على الكوفة فى مائتي فارس ومضى فى أصحابه إلى عبد الله بن عمر بواسط، فحاصره بها، وكان عبد الله بن عمر يأمل أن يقتل مروان لحديث سمعه وهو:
- «إنّ عين بن عين بن عين، يقتل ميم بن ميم بن ميم.» فكان يروى هذا الحديث ويظنّه هو حتّى تبيّن بعد ذلك فقتله عبد الله بن علىّ بن عبد الله بن العبّاس بن عبد المطلب [٢] .
فذكر أنّ أصحاب ابن عمر لمّا انهزموا فلحقوا بواسط، [٢٣١] قالوا لابن عمر:
стр. 1285
- «علام تقيم، قد هرب الناس؟» قال:
- «أتلوّم وأنظر.» فأقام يوما أو يومين لا يرى إلّا هاربا قد امتلأت قلوبهم رعبا من الخوارج.
فأمر عند ذلك بالرحيل إلى واسط وجمع خالد بن العزيل أصحابه، فلحق بمروان وهو بالجزيرة مقيم.
ونظر عبيد الله بن العبّاس الكندي إلى ما لقي الناس فلم يأمن على نفسه فجنح إلى الضحّاك فبايعه وكان فى عسكره.
فقال أبو عطاء السندي يعيّره باتباعه الضحّاك وقد قتل أخاه:
فقل [١] لعبيد الله لو كان جعفر ... هو الحىّ لم يجنح وأنت قتيل
ولم يتبع المرّاق والثّار فيهم ... وفى كفّه عضب الذّباب صقيل
إلى معشر أردوا أخاك وأكفروا ... أباك فماذا بعد ذاك تقول
فلمّا بلغ عبيد الله هذا البيت قال:
- «أقول: أعضّك الله ببظر أمّك.» وأقام عبد الله بن عمر يقاتل الضحّاك أيّاما فاقتتلوا فى بعض الأيّام واشتدّ قتالهم. فشدّ منصور بن جمهور على قائد من قوّاد الضحّاك عظيم القدر فى الشراة يقال له: عكرمة، من بنى شيبان فضرب فقطّه باثنين، فقتله.
ثمّ إنّ [٢٣٢] منصورا قال بعد ذلك وقد لقى جهدا لابن عمر:
- «ما رأيت فى الناس مثل هولاء قطّ- يعنى الشراة- فلم تحاربهم أنت وتشغلهم عن مروان؟ أعطهم الرضا واجعلهم بينك وبين مروان. فإنّك إن
стр. 1286
أعطيتهم الرضا خلّوا عنك ومضوا إلى مروان فكان حدّهم وبأسهم به وأقمت أنت مستريحا بموضعك هذا فإن ظفروا به كان ما أردت، وكنت عندهم آمنا، وإن ظفر بهم وأردت خلافه وقتاله قاتلته جامّا مستريحا مع أنّ أمره معهم سيطول.» فقال ابن عمر:
- «لا تعجل حتّى نتلوّم وننظر.» فقال:
- «أىّ شيء ننتظر؟ فو الله ما نستطيع أن نطلع معهم ولا نستقرّ. فإن خرجنا إليهم لم نقم لهم فواقا فما الذي ننتظر ومروان فى راحة وقد كفيناه حدّهم وشغلناهم عنه وهو يتربّص بنا وبهم. أمّا أنا فخارج إليهم ولا حق بهم ومعطيهم الرضا.» قال: فخرج فواقف حيال صفّهم وناداهم:
- «إنّى خارج أريد أن أسلم وأسمع كلام الله.» قال: وهي محنتهم فلحق بهم وبايعهم وقال لهم:
- «قد أسلمت.» فدعوا لهم بغذاء فتغذّى معهم وتحرّم.
ثمّ خرج إليهم [٢٣٣] عبد الله بن عمر أيضا فى شوّال فبايعهم.
خلع مروان بن محمد
وفى هذه السنة خلع سليمان بن هشام بن عبد الملك، مروان بن محمّد بن مروان، ونصب له الحرب. [١]
стр. 1287
لمّا شخص مروان من الرصافة إلى الرقّة لتوجيه ابن هبيرة إلى العراق لمحاربة الضحّاك بن قيس الشيبانى استأذنه سليمان بن هشام فى المقام أيّاما لإجمام ظهره وإصلاح أمره. فأذن له ومضى مروان، فجاء إلى سليمان نحو من عشرة آلاف ممّن كان مروان قطع عليهم البعث لغزو العراق مع قوّادهم حتّى حلّوا بالرّصافة، ودعوا سليمان إلى خلع مروان ومحاربته وقالوا:
- «أنت أرضى عند أهل الشام منه وأولى بالخلافة.» فاستزلّه الهوى فأجابهم، وخرج إليهم بإخوته وولده ومواليه، فعسكر بهم، وسار بجميعهم إلى قنّسرين، وكاتب أهل الشام فانقضّوا إليه من كلّ وجه وجند.
فعاد [١] مروان بعد أن شارف قرقيسيا منصرفا إليه وكتب إلى ابن هبيرة يأمره بالثبوت فى عسكره واجتمع من كان بالهنيء من موالي سليمان [٢٣٤] وولد هشام، فدخلوا حصن الكامل بذراريهم وغلقوا الأبواب دونه. فأرسل إليهم:
- «لم خلعتم طاعتي ونقضتم بيعتي بعد ما أعطيتمونى من العهود ومن المواثيق؟» فردّوا على رسله:
- «إنّا مع سليمان كنّا ومع سليمان نحن.» فردّ إليهم:
- «فإنّى أنذركم أن تعرضوا لأحد ممّن يتبعني من جندي أو يناله منكم أذى، فاحذروا ألّا تحلّوا [٢] بأنفسكم، فلا أمان لكم حينئذ عندي.»
стр. 1288
فأرسلوا إليه:
- «إنّا سنكفّ.» ومضى مروان [١] ، وجعلوا يخرجون من حصنهم فيغيرون على من اتّبعه من أخريات الناس وشذّان [٢] الجند فيسلبونهم خيولهم وسلاحهم.
وبلغه ذلك فتحرّق عليهم غيظا، فاجتمع إلى سليمان نحو من سبعين ألفا.
فلمّا دنا منه مروان قدّم إليه السكسكي فى سبعة آلاف، ووجّه مروان عيسى بن مسلم فى نحو من عدّتهم، فالتقوا فيما بين العسكرين واقتتلوا قتالا شديدا، ثمّ التقى السكسكي وعيسى وكلّ واحد منهما فارس بطل، فاطّعنا حتّى تقصّفت الرماح، ثمّ صارا إلى السيوف، فضرب السكسكي عيسى على مقدم فرسه فسقط لجامه وجال به فرسه فاعترضه السكسكي فضربه بالعمود [٢٣٥] فصرعه ثمّ نزل إليه فأسره، وبارز [٣] غيره فأسره، وانهزمت مقدمة مروان، وبلغه الخبر وهو فى مسيره فمضى وطوى على تعبئة ولم ينزل حتّى انتهى إلى سليمان وقد تعبّأ وتهيّأ لقتاله فلم يناظره حتّى واقعه، فانهزم سليمان ومن معه واتبعتهم خيوله يقتلهم ويأسرهم حتّى انتهوا إلى عسكرهم فاستباحوه.
ووقف مروان موقفا، وأمر ابنيه حتّى وقفا موقفين آخرين، وأمر كوثرا صاحب شرطته فوقف فى موضع آخر، ثمّ أمرهم ألّا يؤتوا بأسير إلّا قتلوه، إلّا أن يكون عبدا مملوكا. فأحصى قتلاهم يومئذ فزاد على ثلاثين ألفا.
قتل ابن لسليمان يقال له إبراهيم وهو أكبر ولده.
وأتى بخال لهشام بن عبد الملك يقال له خالد وكان بادنا كثير اللحم فأدنى إليه وهو كالّ متعب يلهث فقال:
стр. 1289
- «أى [١] فاسق، أما كان لك فى خمر المدينة وقيانها ما يكفّك عن الخروج مع الحرّاء [٢] تقاتلني؟» قال:
- «يا أمير المؤمنين، أكرهنى فأنشدك الله والرحمن.» قال:
- «وتكذب أيضا. كيف أكرهك وقد خرجت بالقيان والزقاق والبرابط معك فى عسكره؟» صمّ أمر به فقتل. وادّعى كثير من الأسراء أنّهم [٢٣٦] رقيق، فكفّ عن قتلهم وأمر ببيعهم مع ما بيع ممّا أصيب فى معسكرهم.
ومضى سليمان مفلولا حتّى انتهى إلى حمص، فانضمّ إليه من أفلت، فعسكر بها وبنى ما كان مروان أمر بهدمه من سورها، ووجّه مروان يوم هزمه خيلا إلى الكامل جريدة ووصّاهم أن يسبقوا كلّ خبر حتّى يحدقوا به.
ثمّ أقبل مروان نحوهم حتّى نزل معسكره من واسط ثمّ راسلهم بأن:
- «انزلوا على حكمى.» فقالوا:
- «لا حتّى تؤمننا بأجمعنا.» فنصب عليهم المجانيق، [٣] فلمّا تتابعت عليهم نزلوا على حكمه فمثل بهم. وكانت عدّتهم نحو ثلاثمائة.
ثمّ عاد إلى ناحية سليمان بحمص فلمّا دنا منهم اجتمعوا إلى سليمان وقال بعضهم لبعض بحضرته:
- «حتّى متى ننهزم من مروان؟ هلموا، فلنبايع على الموت ولا نفترق بعد معاينته حتّى نقتله أو نموت جميعا.»
стр. 1290
فوطّن على الموت نفسه قوم، وولّى سليمان السكسكي على شطرهم وعلى الشطر الباقي. ثبيتا [١] البهراني فتوجّهوا إليه مجتمعين على أن يبيّتوه فإن أصابوا منه غرّة، فوجدوه متحرزا فى الخنادق يسير على تعبئة. فتهيّبوا [٢] وكمنوا فى زيتون على طريقه، فخرجوا عليه وهو يسير على تعبئة، فوضعوا السلاح [٢٣٧] فيمن معه وانتبذ، ثمّ فنادى فى خيوله، فثابت إليه من المقدمة والمجنّبتين والساقة فقاتلوهم.
والتقى السكسكي وفارس من فرسانه من بنى سليم، فصرعه السلمى عن فرسه وأسره وأتى به إلى مروان فقال:
- «الحمد لربّ أمكن منك فطال ما بلغت منّا.» قال:
- «استبقني فإنّى فارس العرب.» قال:
- «كذبت، الذي جاء بك أفرس منك.» فأمر به فأوثق، وقتل ممّن صبر معه نحو من سبعة آلاف. [٣] وأفلت ثبيت ومن انهزم معه فلمّا أتوا سليمان خلّف أخاه سعيد بن هشام فى مدينة حمص، وعلم أنّه لا طاقة له به، ومضى هو إلى تدمر ونزل مروان بحمص فحاصرهم عشرة أشهر، ونصب عليها نيّفا وثمانين منجنيقا تخطر عليهم حجارتها ليلا ونهارا، وهم فى ذلك يخرجون إليه كلّ يوم فيقاتلونه، وربّما بيّتوا نواحي عسكره. ولمّا تتابع عليهم البلاء ولزمهم الذّل سألوه الأمان على أن يمكّنوه من سعيد أخى سليمان وابنيه عثمان ومروان ومن قوم كانوا يغيرون على عسكره ويشتمونه من السور. فآمنهم واستوثق من سعيد وابنيه ومثل بالباقين، ثمّ أقبل متوجّها إلى الضحّاك؟
стр. 1291
وقد روى أيضا أنّ سليمان لمّا انهزم من مروان أقبل إلى ابن عمر، [٢٣٨] ثمّ خرج معه إلى الضحّاك وبايعه. وفى ذلك يقول شاعرهم: [١]
ألم تر أنّ الله أظهر دينه ... وصلّت قريش خلف بكر بن وائل
ولمّا استقام لمروان الشام ونفى عنها من كان يخالفه وقتل بها تلك المقتلة العظيمة أقبل حتّى نزل نهر سعيد بن عبد الملك، وبلغ ذلك ابن عمر فأعلم ذلك الضحّاك، فارتحل الضحّاك وأقام ابن عمر بواسط، وبلغ خبر مروان ملحان الشيبانى وكان عامل الضحّاك على الكوفة، فخرج إليه يقاتله وهو فى قلّة من الشراة، فلقى النضر وكان النضر قد توجّه إليه وبلغ القادسيّة وصبر فى المعركة حتّى قتله النضر.
وبلغ الضحّاك قتل ملحان، فاستعمل على الكوفة المثنّى بن عمران من بنى عائذة. وسار الضحّاك، فأخذ على الموصل، لأنّ أهل الموصل كاتبوه ودعوه ليمكّنوه منها. فسار فى جماعة جنوده حتّى انتهى إليها وعليها يومئذ عامل لمروان من بنى شيبان يقال له: القطران بن أكمة [٢] ففتح أهل الموصل المدينة للضحّاك، وقاتلهم القطران فى قومه وجماعة يسيرة من أهل بيته وثبتوا حتّى قتلوا واستولى الضحّاك على الموصل. [٢٣٩] وبلغ خبره مروان فكتب إلى ابنه عبد الله وهو خليفته على الجزيرة يأمره أن يسير فيمن معه ومن قدر على جمعه، إلى نصيبين ليشتغل الضحّاك عن توسط البلاد.
فشخص عبد الله إلى نصيبين فى جماعة روابطه [٣] وهو نحو من سبعة آلاف
стр. 1292
أو ثمانية آلاف.
وسار الضحّاك من الموصل إلى عبد الله بنصيبين فقاتله فلم يطقه لكثرة من مع الضحّاك، وذاك أنّ عدّتهم بلغت عشرين ومائة ألف يرزق الفارس مائة وخمسين والراجل والبغّال مائة وما دونها إلى السبعين فى كلّ شهر.
وأقام الضحّاك على نصيبين محاصرا لها ووجّه بخيل له إلى الرقّة وكان بها خيل لمروان، ولمّا بلغ مروان نزولهم بالرقّة وجّه خيلا إليها، فلمّا دنوا منها انقشع أصحاب الضحّاك منصرفين إليه واتبعتهم خيل مروان فاستسقطوا من ساقتهم نيّفا وثلاثين رجلا فقطع مروان أيديهم ومضى صامدا إلى الضحّاك فى جموعه حتّى التقيا بموضع يقال له: الغذّ، من أرض كفرتوثا، فقاتله عامّة نهاره.
فلمّا كان عند المساء ترجّل الضحّاك وترجّل معه من ذوى النيّات نحو من ستة آلاف، وأهل عسكره [٢٤٠] لكثرتهم لا يعلمون بما كان منه. فأحدقت بهم خيل مروان وألحّوا عليهم حتّى قتلوهم عند المعتمة، وقتل فيهم الضحّاك، وانصرف من بقي من أصحاب الضحّاك إلى عسكرهم، وكذلك أصحاب مروان ولا يعلم مروان ولا أصحاب الضحّاك بمقتل الضحّاك حتّى فقدوه فى منتصف الليل وجاءهم بعض من عاينه حين ترجّل، فأخبرهم بمقتله فبكوا عليه وناحوا وخرج عبد الملك وهو القائد الذي كان وجّهه إلى الرّقة من عسكرهم حتّى دخل عسكر مروان وتقرّب إليه بقتل الضحّاك فأرسل معه رسلا من حرسه معهم النيران والشموع إلى موضع المعركة، فقلّبوا القتلى حتّى استخرجوه وأتوا به مروان وفى وجهه ورأسه أكثر من عشرين ضربة، فكبّر أهل عسكر مروان، فعرف أهل عسكر الضحّاك أنّهم قد علموا بذلك. وبعث مروان برأسه من ليلته إلى مدائن الجزيرة يطاف به فيها.
ولمّا قتل الضحّاك بايع أهل عسكره الخيبرىّ وعاودوا مروان القتال من الغد وصافّهم وسليمان بن هشام يومئذ وأهل بيته ومواليه مع الخيبرىّ- وقد
стр. 1293
كان قدم على الضحّاك فى أكثر من ثلاثة آلاف [٢٤١] من أهل بيته ومواليه، وتزوّج إليهم أخت شيبان الحرورىّ وهو الذي بايعوه بعد الخيبري. فحمل الخيبرىّ على مروان فى نحو من أربعمائة فارس من الشّراة فهزم مروان وهو فى القلب وخرج مروان من العسكر منهزما ودخل الخيبري فيمن معه عسكره، وجعلوا ينادون بشعارهم:
- «يا خيبرى، يا خيبرى.» ويقتلون من أدركوا حتّى انتهوا إلى حجرة مروان فقطعوا أطنابها.
وجلس الخيبري على فرسه [١] وميمنة مروان على حيالها وعليها ابنه عبد الله، وميسرته أيضا ثابتة، عليها مسلم بن عقيل، [٢] فلمّا رأى أهل عسكر مروان قلّة من مع الخيبري ثار إليه عبيد أهل العسكر بعمد الخيام، فقتلوا الخيبرىّ وأصحابه جميعا فى حجرة مروان وحولها.
وبلغ مروان الخبر وقد جاز العسكر بنحو ستة أميال منهزما فانصرف إلى عسكره، وردّ خيوله عن مواقفها، وبات تلك الليلة فى عسكره، وانصرف أيضا عسكر الخيبري. فولّوا عليهم شيبان وبايعوه، فقاتلهم مروان بعد ذلك بالكراديس وأبطل تعبئه الصفّ منذ يومئذ.
توجيه يزيد بن عمر بن هبيرة إلى العراق لحرب الخوارج
وفى هذه السنة وجّه مروان يزيد بن عمر بن هبيرة إلى العراق لحرب من بها من الخوارج. [٢٤٩] وكان بالعراق عمّال الضحّاك وفيهم عبد الله بن عمر، كما حكينا من أمره، ومضى ابن هبيرة، فأخذ على الموصل وانحطّ على غزّة
стр. 1294
من عين التمر، وبلغ ذلك المثنّى بن عمران [١] عامل الضحّاك على الكوفة، فسار إليه فيمن كان معه من الشّراة ومعه منصور بن جمهور وقد كان صار إليه حين بايع الضحّاك. فالتقوا بغزّة، واقتتلوا قتالا شديدا أيّاما متوالية، فقتل المثنّى مع عدّة من رؤساء أصحاب الضحّاك وهرب منصور بن جمهور وانهزمت الخوارج.
وأقبل منصور بن جمهور حتّى دخل الكوفة فجمع بها جمعا من اليمانية والصفرّية ومن كان تفرّق منهم يوم قتل ملحان [٢] ومن تخلّف منهم عن الضحّاك فجمعهم منصور جميعا ثمّ سار بهم حتّى نزل الروحاء.
وأقبل ابن هبيرة فى أجناده حتّى لقيهم بها فقاتلهم أيّاما ثمّ هزمهم وقتل خلق من أصحاب الضحّاك وهرب منصور بن جمهور، وأقبل ابن هبيرة حتّى نزل الكوفة ونفى الخوارج عنها.
وفى هذه السنة وافى الحارث بن سريج مرو من بلاد الترك بأمان الخليفة فصار إلى نصر، ثمّ خالفه وتابعه خلق.
ذكر الخبر عن أمره وأمر نصر بن سيّار [٢٤٣]
إنّ الحارث سار إلى مرو ومخرجه من بلاد الترك فقدمها يوم الأحد سنة سبع وعشرين ومائة، ويقال ثمان وعشرين ومائة، فتلقّاه سلم بن أحوز والناس بكسماهن [٣] فقال له محمّد بن عطية العبسي:
стр. 1295
- «الحمد لله الذي أقرّ عيوننا بقدومك وردّك إلى قبّة الإسلام وإلى الجماعة.» قال:
- «يا بنىّ، أما علمت أنّ الكثير إذا كانوا على معصية الله لم يكونوا جماعة، وأنّ القليل إذا كانوا على طاعة الله كانوا جماعة؟ وما قرّت عيني منذ خرجت إلى [١] يومى هذا وما قرّة عيني إلّا أن يطاع الله.» فلمّا دخل مرو قال:
- «اللهم إنّى لم أنو قطّ فى شيء بيني وبينهم إلّا الوفاء، فإن أرادوا الغدر فانصرني عليهم.» وتلقّاه نصر وأجرى عليه نزلا [٢] خمسين درهما فى كلّ يوم، فكان يقتصر على لون واحد وأطلق له نصر من كان عنده من أهله، فلمّا أتاه ابنه محمّد قال:
- «اللهم اجعله برّا تقيّا.» وكان قدم الوضّاح بن حبيب بن بديل على نصر من عند عبد الله بن عمر.
فأتى الحارث وعنده جماعة من أصحابه فقال:
- «إنّا بالعراق نشهر عظم [٣] عمودك وثقله وإنّى أحبّ أن أراه.» قال:
- «ما هو إلّا كبعض ما ترى- وأشار إلى عمده مع قوم وقوف على رأسه-[٢٤٤] ولكنّى إذا ضربت به شهرت ضربتي.» وكان فى عموده ثمانية عشر رطلا.
وعرض نصر على الحارث أن يولّيه ويعطيه مائة ألف فلم يقبل وقال:
стр. 1296
- «إنّى لست من [أهل] [١] هذه اللذّات ومن [أهل] تزويج عقائل العرب فى شيء أنا أسأل كتاب الله والعمل بالسنّة واستعمال أهل الخير، فإن فعلت ساعدتك على عدوّك.» ثمّ قال لنصر:
- «خرجت من هذه البلاد منذ ثلاث عشرة سنة إنكارا للجور، وأنت تريدني عليه» وأرسل الحارث إلى الكرماني:
- «إن أعطانى نصر العمل بكتاب الله وما سألته من استعمال أهل الخير والفضل عضدته وقمت بأمر الله، وإن لم يفعل استعنت بك عليه وتضمن لى ما أريد من القيام بالعدل والسنّة.» وكان كلّما دخل عليه بنو تميم دعاهم إلى نفسه، فبايعه قوم من رؤساءهم وانضمّ إلى الحارث ثلاثة آلاف.
ودخلت سنة ثمانية وعشرين ومائة
وفيها قتل الحارث بن سريج ذكر الخبر عن مقتله وسبب ذلك [٢٤٥]
لمّا ولى ابن هبيرة العراق، كتب إلى نصر بعهده، فبايع لمروان. وقال الحارث:
- «إنّما آمنني يزيد بن الوليد، ومروان لا يجيز [٢] أمان يزيد فلا آمنه.» فلمّا دعا الحارث قوما إلى مبايعته أتاه سلم بن أحوز وخالد بن هريم
و
стр. 1297
قطن بن محمّد وأمثالهم فكلموه وقالوا:
- «ألم يصيّر نصر سلطانه وولايته فى أيدى قومك، ألم يخرجك من أرض الترك ومن حكم خاقان،- وعدّدوا عليه ما اصطنعه إليه- أتخالفه فتفرّق أمر عشيرتك وتطمع فيهم عدوّهم؟ فنذكّرك الله أن تفرّق جماعتنا.» فقال الحارث:
- «إنّى لا أرى فى عشيرتي شيئا من الولاية.» ولم يجبهم بما أرادوا.
وخرج فعسكر وأرسل إلى نصر يسأله أن يجعل الأمر شورى. فأبى نصر، وخرج الحارث، فأتى منازل آل يعقوب بن داود. وكان الحارث يظهر أنّه صاحب الرايات السود. فأرسل إليه نصر:
- «إن كنت كما تزعم وإنّكم تهدمون سور دمشق وتزيلون أمر [١] بنى أميّه فخذ منّى خمسمائة رأس من الدوابّ ومائتي بعير واحمل إليك من الأموال ما شئت ومن آلة الحرب وسر، فلعمرى لئن كنت الإمام صاحب الأمر إنّى لفى يدك، وإن كنت لست ذلك [٢٤٦] فقد أهلكت عشيرتك.» فقال الحارث:
- «قد علمت أنّ هذا حقّ، ولكن لا يبايعني عليه من صحبني.» فقال نصر:
- «فقد استبان لك أنّهم ليسوا على رأيك ولا لهم مثل بصيرتك وأنّهم فسّاق ورعاع فأذكّرك الله فى عشرين ألفا من ربيعة واليمن سيهلكون فيما بينكم.» وعرض نصر على الحارث أن يوليه ما وراء النهر ويعطيه ثلاثمائة ألف فلم يقبل. فقال له نصر:
стр. 1298
- «إن شئت فابدأ بالكرمانىّ فإن قتلته فأنا فى طاعتك وإن شئت فخلّ بيني وبينه فإن ظفرت به رأيت رأيك، وإن شئت فسر بأصحابك، فإذا جزت الرّىّ فأنا فى طاعتك.» فخالفه الحارث وأبى إلّا أن يجعل الأمر شورى فأخذ نصر فى التأهّب وصيّر سلما فى المدينة وضمّ إليه الرابطة مع فرسان ضمّهم إلى هدبة بن عامر وحوّل السلاح والدواوين إلى القهندز، وجلس للناس.
وكان اتهم قوما من أصحابه أنّهم كاتبوا الحارث بن سريج، فأجلس عن يساره من اتّهم منهم وأجلس الذين اصطنعهم عن يمينه ثمّ تكلّم وذكر بنى مروان ومن خرج عليهم كيف أظفر الله به ثمّ قال لمن عن يمينه:
- «إنّى أحمد الله وأذمّ من عن يساري [٢٤٧] وليت خراسان ففعلت وصنعت- وذكر حسن بلائه- وأمرتكم أن ترفعوا ما أصبتم لمّا أردت المسير إلى الوليد، فمنكم من رفع ألف ألف وأكثر وأقلّ وفرددتها عليكم ثمّ فعلت وفعلت فكان جزائي أن مالأتم [١] الحارث علىّ، فهلّا نظرتم إلى هولاء الأحرار- وأومأ إلى من عن يمينه- الذين لزمونى مواسين [٢] لى على غير بلاء.» واعتذر إليه الناس فقبل عذرهم وصرفهم.
ولمّا انتشر فى كور خراسان أمر الفتنة قدم على نصر جماعة من رؤساء الناس ووجوههم وكتب الحارث بن سريج سيرته فكانت تقرأ فى طرق مرو وفى المساجد. فأجابه قوم كثير وأمر نصر [الحسن بن سعد مولى قريش] [٣] فنادى فى المدينة.
- «إنّ الحارث عدوّ الله قد نابذ وحارب، فاستعينوا الله، ولا حول ولا قوّة
стр. 1299
إلّا بالله.» فأرسل نصر من ليلته إلى جماعة أصحابه:
- «تهيّئوا للقتال.» فقال له أصحابه:
- «ما نجعل شعارنا؟» فقال مقاتل بن سليمان:
- «شعارنا شعار رسول الله صلّى الله عليه: حم [١] لا ينصرون.» وعلامتهم على الرماح الصوف.» وكان الذي هاج القتال أنّ غلاما للنضر بن محمّد الفقيه يقال له: عطيّة، صار إلى أصحاب سلم [٢٤٨] فقال أصحاب الحارث:
- «ردّوه علينا.» فأبوا فاقتتلوا فهزمهم أصحاب سلم فانتهوا إلى الحارث وهو يصلّى الغداة، فلمّا قضى الصلاة دنا منهم فرجعوا. ثمّ دنا من الحارث رجلان فناداهما عاصم.
- «عرقبا [٢] برذونه.» فبادر الحارث أحدهما بعموده فقتله ورجع الحارث فأتبعه حمّاد بن عامر ومحمّد بن زرعة وهو فى سكّة أبى عصمة فكسر رمحيهما بعموده وحمل على مرزوق مولى سلم، فلمّا دنا منه رمى بنفسه عن فرسه ودخل حانوتا وضرب برذونه على مؤخّره فنفق. [٣] وركب سلم حين أصبح وأمر بالخندق فخندقوا وأمر مناديا فنادى:
- «من جاء برأس فله ثلاثمائة.»
стр. 1300
فلم تطلع الشمس حتّى انهزم أصحاب الحارث ومضى سلم حتّى انتهى إلى عسكر الحارث ووجد فيه قوما فقتلهم وفيهم كاتب الحارث واسمه يزيد بن داود فقتل. ومضى سلم إلى باب بيق [١] ففتحه وقتل رجلا كان دلّ الحارث على نقب فى الحائط دخل منه.
وأرسل نصر إلى الكرمانىّ فأتاه على عهد جرى بينهما على يد القاضي محمّد بن ثابت وحضر القاضي ومقدام ونعيم وسلم بن أحوز فدعا نصر إلى الجماعة. فقال الكرمانىّ: [٢٤٩]- «أنت أسعد الناس بذلك.» فوقع بين سلم بن أحوز وبين المقدام كلام فأغلظ له سلم فأعانه أخوه وغضب لهم عبد الرحمن الجرمي السغدى فقال له سلم:
- «لقد هممت أن أضرب أنفك بالسيف.» فقال السغدى:
- «لو مسست السيف لم ترجع إليك يدك.» فخاف الكرمانىّ أن يكون مكرا من نصر. فقام فتعلّقوا به، فلم يجلس، ومضى إلى باب المقصورة قال: فتلقّوه بفرسه، فركب فى المسجد. وقال:
- «أراد نصر الغدر بى.» فأرسل الحارث إلى نصر:
- «إنّا لا نرضى بك إماما.» فأرسل إليه نصر:
- «كيف يكون لك عقل وقد أفنيت عمرك فى أرض الشرك، وغزوت