- «إنّى لست من [أهل] [١] هذه اللذّات ومن [أهل] تزويج عقائل العرب فى شيء أنا أسأل كتاب الله والعمل بالسنّة واستعمال أهل الخير، فإن فعلت ساعدتك على عدوّك.» ثمّ قال لنصر:
- «خرجت من هذه البلاد منذ ثلاث عشرة سنة إنكارا للجور، وأنت تريدني عليه» وأرسل الحارث إلى الكرماني:
- «إن أعطانى نصر العمل بكتاب الله وما سألته من استعمال أهل الخير والفضل عضدته وقمت بأمر الله، وإن لم يفعل استعنت بك عليه وتضمن لى ما أريد من القيام بالعدل والسنّة.» وكان كلّما دخل عليه بنو تميم دعاهم إلى نفسه، فبايعه قوم من رؤساءهم وانضمّ إلى الحارث ثلاثة آلاف.
ودخلت سنة ثمانية وعشرين ومائة
وفيها قتل الحارث بن سريج ذكر الخبر عن مقتله وسبب ذلك [٢٤٥]
لمّا ولى ابن هبيرة العراق، كتب إلى نصر بعهده، فبايع لمروان. وقال الحارث:
- «إنّما آمنني يزيد بن الوليد، ومروان لا يجيز [٢] أمان يزيد فلا آمنه.» فلمّا دعا الحارث قوما إلى مبايعته أتاه سلم بن أحوز وخالد بن هريم
و
стр. 1297
قطن بن محمّد وأمثالهم فكلموه وقالوا:
- «ألم يصيّر نصر سلطانه وولايته فى أيدى قومك، ألم يخرجك من أرض الترك ومن حكم خاقان،- وعدّدوا عليه ما اصطنعه إليه- أتخالفه فتفرّق أمر عشيرتك وتطمع فيهم عدوّهم؟ فنذكّرك الله أن تفرّق جماعتنا.» فقال الحارث:
- «إنّى لا أرى فى عشيرتي شيئا من الولاية.» ولم يجبهم بما أرادوا.
وخرج فعسكر وأرسل إلى نصر يسأله أن يجعل الأمر شورى. فأبى نصر، وخرج الحارث، فأتى منازل آل يعقوب بن داود. وكان الحارث يظهر أنّه صاحب الرايات السود. فأرسل إليه نصر:
- «إن كنت كما تزعم وإنّكم تهدمون سور دمشق وتزيلون أمر [١] بنى أميّه فخذ منّى خمسمائة رأس من الدوابّ ومائتي بعير واحمل إليك من الأموال ما شئت ومن آلة الحرب وسر، فلعمرى لئن كنت الإمام صاحب الأمر إنّى لفى يدك، وإن كنت لست ذلك [٢٤٦] فقد أهلكت عشيرتك.» فقال الحارث:
- «قد علمت أنّ هذا حقّ، ولكن لا يبايعني عليه من صحبني.» فقال نصر:
- «فقد استبان لك أنّهم ليسوا على رأيك ولا لهم مثل بصيرتك وأنّهم فسّاق ورعاع فأذكّرك الله فى عشرين ألفا من ربيعة واليمن سيهلكون فيما بينكم.» وعرض نصر على الحارث أن يوليه ما وراء النهر ويعطيه ثلاثمائة ألف فلم يقبل. فقال له نصر:
стр. 1298
- «إن شئت فابدأ بالكرمانىّ فإن قتلته فأنا فى طاعتك وإن شئت فخلّ بيني وبينه فإن ظفرت به رأيت رأيك، وإن شئت فسر بأصحابك، فإذا جزت الرّىّ فأنا فى طاعتك.» فخالفه الحارث وأبى إلّا أن يجعل الأمر شورى فأخذ نصر فى التأهّب وصيّر سلما فى المدينة وضمّ إليه الرابطة مع فرسان ضمّهم إلى هدبة بن عامر وحوّل السلاح والدواوين إلى القهندز، وجلس للناس.
وكان اتهم قوما من أصحابه أنّهم كاتبوا الحارث بن سريج، فأجلس عن يساره من اتّهم منهم وأجلس الذين اصطنعهم عن يمينه ثمّ تكلّم وذكر بنى مروان ومن خرج عليهم كيف أظفر الله به ثمّ قال لمن عن يمينه:
- «إنّى أحمد الله وأذمّ من عن يساري [٢٤٧] وليت خراسان ففعلت وصنعت- وذكر حسن بلائه- وأمرتكم أن ترفعوا ما أصبتم لمّا أردت المسير إلى الوليد، فمنكم من رفع ألف ألف وأكثر وأقلّ وفرددتها عليكم ثمّ فعلت وفعلت فكان جزائي أن مالأتم [١] الحارث علىّ، فهلّا نظرتم إلى هولاء الأحرار- وأومأ إلى من عن يمينه- الذين لزمونى مواسين [٢] لى على غير بلاء.» واعتذر إليه الناس فقبل عذرهم وصرفهم.
ولمّا انتشر فى كور خراسان أمر الفتنة قدم على نصر جماعة من رؤساء الناس ووجوههم وكتب الحارث بن سريج سيرته فكانت تقرأ فى طرق مرو وفى المساجد. فأجابه قوم كثير وأمر نصر [الحسن بن سعد مولى قريش] [٣] فنادى فى المدينة.
- «إنّ الحارث عدوّ الله قد نابذ وحارب، فاستعينوا الله، ولا حول ولا قوّة
стр. 1299
إلّا بالله.» فأرسل نصر من ليلته إلى جماعة أصحابه:
- «تهيّئوا للقتال.» فقال له أصحابه:
- «ما نجعل شعارنا؟» فقال مقاتل بن سليمان:
- «شعارنا شعار رسول الله صلّى الله عليه: حم [١] لا ينصرون.» وعلامتهم على الرماح الصوف.» وكان الذي هاج القتال أنّ غلاما للنضر بن محمّد الفقيه يقال له: عطيّة، صار إلى أصحاب سلم [٢٤٨] فقال أصحاب الحارث:
- «ردّوه علينا.» فأبوا فاقتتلوا فهزمهم أصحاب سلم فانتهوا إلى الحارث وهو يصلّى الغداة، فلمّا قضى الصلاة دنا منهم فرجعوا. ثمّ دنا من الحارث رجلان فناداهما عاصم.
- «عرقبا [٢] برذونه.» فبادر الحارث أحدهما بعموده فقتله ورجع الحارث فأتبعه حمّاد بن عامر ومحمّد بن زرعة وهو فى سكّة أبى عصمة فكسر رمحيهما بعموده وحمل على مرزوق مولى سلم، فلمّا دنا منه رمى بنفسه عن فرسه ودخل حانوتا وضرب برذونه على مؤخّره فنفق. [٣] وركب سلم حين أصبح وأمر بالخندق فخندقوا وأمر مناديا فنادى:
- «من جاء برأس فله ثلاثمائة.»
стр. 1300
فلم تطلع الشمس حتّى انهزم أصحاب الحارث ومضى سلم حتّى انتهى إلى عسكر الحارث ووجد فيه قوما فقتلهم وفيهم كاتب الحارث واسمه يزيد بن داود فقتل. ومضى سلم إلى باب بيق [١] ففتحه وقتل رجلا كان دلّ الحارث على نقب فى الحائط دخل منه.
وأرسل نصر إلى الكرمانىّ فأتاه على عهد جرى بينهما على يد القاضي محمّد بن ثابت وحضر القاضي ومقدام ونعيم وسلم بن أحوز فدعا نصر إلى الجماعة. فقال الكرمانىّ: [٢٤٩]- «أنت أسعد الناس بذلك.» فوقع بين سلم بن أحوز وبين المقدام كلام فأغلظ له سلم فأعانه أخوه وغضب لهم عبد الرحمن الجرمي السغدى فقال له سلم:
- «لقد هممت أن أضرب أنفك بالسيف.» فقال السغدى:
- «لو مسست السيف لم ترجع إليك يدك.» فخاف الكرمانىّ أن يكون مكرا من نصر. فقام فتعلّقوا به، فلم يجلس، ومضى إلى باب المقصورة قال: فتلقّوه بفرسه، فركب فى المسجد. وقال:
- «أراد نصر الغدر بى.» فأرسل الحارث إلى نصر:
- «إنّا لا نرضى بك إماما.» فأرسل إليه نصر:
- «كيف يكون لك عقل وقد أفنيت عمرك فى أرض الشرك، وغزوت
стр. 1301
المسلمين بالمشركين، أترانى أتضرّع إليك أكثر ممّا تضرّعت؟» وأسر يومئذ جهم بن صفوان صاحب الجهمية فقال لسلم:
- «إنّ لى عقدا [١] من ابنك حارث.» قال:
- «ما كان ينبغي له أن يفعل، ولو فعل ما آمنتك ولو ملأت لى هذه الملاءة كواكب والله لو كنت فى بطني لشققت بطني حتّى أقتلك لا والله لا تقوم علينا مع اليمانية أكثر ممّا قمت.» وأمر عبد ربّه بن سيسن [٢] فقتله.
ولمّا هزم نصر الحارث أتى الحارث فازة [٣] الكرماني حتّى دخلها [٢٥٠] ومع الكرماني داود بن شعيب الحدانى، ومحمد بن المثنّى، فأقيمت الصلوة، فصلّى بهم الكرماني. فلمّا كان من الغد سار الكرماني إلى ناحية باب ميدان يزيد، فقاتل أصحاب نصر، فقتل جماعة، وأخذوا علم عثمانى الكرماني وتقاتلوا يوم الأربعاء، ثمّ تحاجزوا ولم يكن بينهم يوم الخميس قتال، والتقوا يوم الجمعة، فانهزمت الأزد حتّى وصلوا إلى الكرمانىّ فأخذ اللواء بيده فقاتل به.
وحمل خضر [٤] بن تميم فرموه بالنشّاب وحمل عليه خنيس [٥] مولى نصر فطعنه فى حلقه. فأخذ الخضر السنان بيده اليسرى فشبّ به فرسه وطعن خنيسا فأذراه [٦] عن برذونه وقتلته رجّالة الكرمانىّ بالعصىّ وانهزم أصحاب
стр. 1302
نصر وصرع تميم بن نصر وأخذوا له برذونين أخذ أحدهما السغدى والآخر الخضر.
ولحق الخضر سلم بن أحوز فتناول من ابن أخيه عمودا فضربه وصرعه.
فحمل عليه رجلان من تميم فهرب فرمى سلم بنفسه تحت القناطر وبه بضع [١] عشرة ضربة على بيضته [٢] فسقط فحمله رجل إلى عسكر نصر وانصرفوا.
فلمّا كان فى بعض الليل خرج نصر عن مرو، وقتل عصمة بن عبد الله الأسدى [٢٥١] وكان يحمى أصحاب نصر. ولمّا هزمت اليمانية المضريّة أرسل الحارث إلى نصر:
- «إنّ اليمانية يعيّروننى بانهزامكم وأنا كافّ، فاجعل حماة أصحابك بإزاء الكرمانىّ.» فبعث إليه نصر يزيد النحوىّ أو خالدا [٣] يتوثّق منه أن يفي بما بذله من الكفّ. وإنّما كفّ الحارث عن قتال نصر لأنّ عمر بن الفضل الأزدى وأهل بيته وعبد الجبّار بن العدوى وخالد بن عبيد الله وعامّة أصحابه كانوا نقموا على الكرمانىّ ما فعله أهل التبوشكان. وذلك أنّ أسدا كان وجّه إليهم فنزلوا إليه على حكم أسد فبقر بطون جماعة وألقاهم فى نهر بلخ وقطع أيدى ثلاثمائة منهم وأرجلهم وقتل ثلثا وصلب ثلثا وباع أثقالهم فيمن يزيد. فنقموا على الحارث معاونته الكرمانىّ وقتاله نصرا.
فأقام نصر بمرو أربعة أيّام ثمّ خرج إلى نيسابور ومعه سلم بن أحوز وسلم بن عبد الرحمن وقال نصر لنسائه:
- «إنّ الحارث سيخلفنى فيكنّ ويحميكنّ.»
стр. 1303
فلمّا قرب من نيسابور أرسل إليه أهلها:
- «ما أقدمك، وقد أظهرت العصبية وكان أمرا قد أطفأه الله؟» وكان عامل نصر على نيسابور ضرار بن [٢٥٢] عيسى العامرىّ فأرسل إليهم نصر بن سيّار سنانا الأعرابىّ ومسلم بن عبد الرحمن وسلم بن أحوز فكلّموهم حتّى خرجوا وتلقّوا نصرا بالمواكب والهدايا والجواري.
وقدم من مكّة على نصر عبد الحكم [١] بن سعد وأبو جعفر عيس. فقال نصر لعبد الحكم:
- «أما ترى ما صنع سفهاء قومك؟» فقال عبد الحكم:
- «بل سفهاء قومك، طالت ولايتك وصيّرت الولاية لقومك دون ربيعة واليمن فبطروا، وفى ربيعة واليمن حلماء وسفهاء فغلب سفهاؤهم حلماءهم.» فقال عبّاد:
- «أتستقبل الأمير بهذا الكلام؟» فقال:
- «دعه فقد صدق.» فقال أبو جعفر عيسى لنصر:
- «أيّها الأمير حسبك من الولاية، فإنّه قد أظلّ أمر عظيم سيقوم رجل مجهول النسب يظهر السواد ويدعوا إلى دولة لا محالة ستكون فيغلب على الأمر وأنتم تنظرون وتضطربون.» فقال نصر:
- «ما أشبه أن يكون ما تقول لقلّة الوفاء وسوء ذات البين. وجّهت إلى
стр. 1304
الحارث وهو بأرض الترك فعرضت عليه الولاية والأموال فأبى إلّا الشغب [١] ثمّ ظاهر علىّ.» فقال أبو جعفر عيسى:
- «إنّ الحارث مقتول مصلوب، وما الكرمانىّ من ذلك [٢٥٣] ببعيد.» ولمّا خرج نصر من مرو وغلب الكرمانىّ عليها.
قال الحارث:
- «إنّما أريد كتاب الله.» فقال مقاتل بن حيّان:
- «فى كتاب الله هدم الدور وإنهاب الأموال.» فبلغ الكرمانىّ فحبسه فى خيمة فى العسكر فكلّمه معمر بن مقاتل بن حيّان أو معمر بن حيّان أخوه فخلّاه. وأتى الكرمانىّ المسجد ووقف الحارث فخطب الكرمانىّ الناس وآمنهم.
وعسكر الكرمانىّ فى مصلّى أسد. ومضى الحارث إلى باب دروازق [٢] سرخس فبعث إلى الحارث فأتاه فأنكر الحارث هدم الدور والإنهاب، فهمّ به الكرمانىّ ثمّ كفّ عنه.
وخرج بشر بن جرموز الضبّى بخرقان [٣] فدعا إلى كتاب الله والسنّة وقال للحارث:
- «إنّما قاتلت معك طلب العدل، فأمّا إذ كنت مع الكرمانىّ فقد علمت أنّك إنّما تقاتل ليقال: غلب الحارث. وهذه عصبيّة وليست مقاتلا معك.»
стр. 1305
واعتزل فى خمسة آلاف [١] وقال:
- «نحن الفئة العادلة ندعو إلى الحق ولا نقاتل إلّا من قاتلنا.» وأتى الحارث مسجد عياض فأرسل إلى الكرمانىّ يدعوه إلى أن يكون الأمر شورى. فأبى الكرمانىّ. وكتب أصحاب الحارث إلى الكرمانىّ وأصحابه:
- «نوصيكم بتقوى الله [٢٥٤] وطاعته وتحريم ما حرّم الله من دمائكم أمّا بعد، فإنّ اجتماعنا كان إلى الحارث ابتغاء الوسيلة إلى الله، ونصيحة لله فى عباده، فعرّضنا أنفسنا للحرب، ودماءنا للسفك، وأموالنا للتلف، وصغر ذلك كلّه عندنا فى جنب ما نرجو من ثواب الله ونحن وأنتم إخوان فى الدين وأنصار على العدوّ، فاتّقوا الله وارجعوا إلى الحقّ فإنّا لا نريد سفك الدماء بغير حقّها.» وأقاموا أيّاما. فأتى الحارث بن سريج ثلمة فى الحائط فوسّعها عند دور آل هشام بن أبى الهيثم فتفرّق عن الحارث أهل البصائر وقال: «غدرت.» وأقام معه نفر ودخل الكرمانىّ من باب سرخس فحاذى بالحارث ومرّ به المنخّل الأزدى فقتله السّميدع ونادى:
- «يا لثارات لقيط.» واقتتلوا وعبّى الكرمانىّ ميمنته وميسرته واشتدّ الأمر بينهما فانهزم أصحاب الحارث وقتلوا ما بين الثلمة وعسكر الحارث وكان الحارث على بغل فنزل عنه وركب فرسا فحرن [٢] وانهزم. صحابه فبقى فى مائة فقتل وقتل أخوه سوادة وجماعة معه نحو مائة.
وكفّ الكرمانىّ وكان قد قتل من أصحاب الكرمانىّ أيضا مائة. [٢٥٥]
و
стр. 1306
صلب الحارث عند باب مدينة مرو بغير رأس وكان قتله بعد خروج نصر من مرو بثلاثين يوما. قتل يوم الأحد لستّ بقين من رجب.
وأصاب الكرمانىّ صفائح ذهب للحارث، فأخذها وأخذ أموال من خرج مع نصر، واصطفى متاع عاصم بن عمير، فقال إبراهيم:
- «بأىّ شيء تستحلّ ماله؟» فقال صالح من آل الوضّاح:
- «اسقني دمه.» فحال بينه وبينه مقاتل بن سليمان وأتى به منزله.
وكان الحارث قبل مكاشفته الكرمانىّ ندم على اتباعه إيّاه. فلمّا همّ الكرمانىّ بقتال بشر بن جرموز، وكان عسكره خارجا عن المدينة، قال له الحارث:
- «لا تعجل إلى قتالهم، فإنّى أردّهم إليك.» فخرج من العسكر فى عشرة فوارس حتّى أتى عسكر بشر وهو فى خمسة آلاف. فأقام معهم وقال:
- «ما كنت لأقاتلكم مع اليمانية.» وجعل المضريّون يتسلّلون من عسكر الكرمانىّ إلى الحارث حتّى لم يبق مع الكرمانىّ مضرىّ إلّا سلمة بن أبى عبد الله مولى بنى سليم فإنّه قال:
- «لا أتبع الحارث أبدا فإنّى لم أره إلّا غادرا والمهلّب بن إياس.» وقال:
- «لا أتبعه فإنّى لم أره قطّ إلّا فى خيل تطرد.» فقاتلهم الكرمانىّ مرارا يقتتلون [٢٥٦] ثمّ يرجعون إلى خنادقهم فمرّة تكون لهولاء ومرّة لهولاء
.
стр. 1307
برذون الحارث
فالتقوا يوما وقد شرب مرثد بن عبد الله المجاشعي فخرج سكران على برذون للحارث فطعن فصرع وحماه فوارس تميم حتّى تخلّص وعار البرذون.
فلمّا رجعوا لامه الحارث وقال:
- «كدت تقتل نفسك.» فقال للحارث:
- «إنّما تقول هذا لمكان برذونك، امرأته [١] طالق إن لم آتك بأفره برذون فى عسكرهم.» فالتقوا من غد فقال مرثد:
- «أىّ برذون فى عسكرهم أفره؟» قال:
برذون عبد [٢] الله بن ديسم الغنوي.» وأشاروا له إلى موقفه فقاتل حتّى وصل إليه فلمّا غشيه رمى ابن ديسم بنفسه عن برذونه وعلّق مرثد عنان البرذون فى رمحه وقاده حتّى أتى به الحارث وقال:
- «هذا مكان برذونك.» فلقى مخلّد بن الحسن مرثدا فقال له يمازحه:
- «ما أهيأ برذون بن ديسم تحتك!» فنزل عنه فقال:
- «خذه.» قال [٣] :
- «أردت أن تفضحني، أخذته منّا فى الحرب وآخذه منك فى السلم.»
стр. 1308
ويقال: إنّ الحارث لمّا أتى حائط مرو ليلا فنقب فيه بابا ودخله، وأصبح الكرمانىّ فى أثره داخلا من الباب، قالت المضريّة للحارث:
- «قد تركنا الخنادق فهو يومنا وقد فررت غير مرّة.» فترجّل، فقال:
- «أنا فارسا [٢٥٧] خير لكم منّى راجلا.» قالوا:
- «لا نرضى إلّا أن تترجّل فترجّل، فقتل هو وأخوه بشر بن جرموز، وعدّة من فرسان تميم، وانهزم الباقون، وصلب الحارث وصفت مرو لليمن. فهدموا دور المضريّة. فقالت أمّ كثير الضبّيّة:
لا بارك [١] الله فى أنثى وعذّبها ... تزوّجت مضريّا آخر الدهر
أبلغ رجال تميم قول موجعة ... أحللتموها بدار الذّلّ والفقر
إن أنتم لم تكرّوا بعد جولتكم ... حتّى تعيدوا رجال الأزد فى الطمر
إنّى استحيت لكم من بذل طاعتكم ... هذا المزونىّ [٢] يحبيكم على قهر
توجيه أبى مسلم إلى خراسان
وفى هذه السنة وجّه إبراهيم بن محمّد أبا مسلم إلى خراسان. وكتب إلى أصحابه:
- «إنّى قد أمرته بأمرى، فاسمعوا منه واقبلوا قوله. فإنّى قد أمّرته على
стр. 1309
خراسان وما غلب عليه بعد ذلك.» فأتاهم فلم يقبلوا قوله ولا كتابه حتّى خرجوا من قابل فالتقوا بمكّة عند إبراهيم، فأعلمه أبو مسلم أنّهم لم ينفذوا كتابه ولا أمره. فقال إبراهيم:
- «إنّى عرضت هذا الأمر على غير واحد فأبوه علىّ فأجمعت رأيى على هذا.» وأشار عليه، وأمرهم بالسمع [٢٥٨] والطاعة له. وكان إبراهيم عرض ذلك على سليمان بن كثير فقال:
- «لا إلى أمر اثنين أبدا.» ثمّ عرضه على إبراهيم بن سلمة فأبى. ثمّ قال إبراهيم لأبى مسلم:
- «يا عبد الرحمن، إنّك رجل منّا أهل البيت، فاحفظ وصيّتى: انظر هذا الحىّ من اليمن، فأكرمهم وحلّ بين أظهرهم فإنّ الله لا يتمّم هذا الأمر إلّا بهم. وانظر هذا الحىّ من ربيعة، فاتهمهم فى أمرهم. وانظر هذا الحىّ من ربيعة، فاتهمهم فى أمرهم. وانظر هذا الحىّ من مضر، فإنّهم العدوّ القريب الدار، واقتل من شككت فى أمره ومن كان فى أمره شبهة ومن وقع فى نفسك منه شيء. وإن استطعت ألّا تدع بخراسان لسانا عربيّا فافعل. وأيّما غلام بلغ خمسة أشبار تتّهمه فاقتله.
ولا تخالف هذا الشيخ يعنى سليمان بن كثير ولا تعصه، وإذا أشكل عليك أمر فاكتف به منّى.»
أبو حمزة الخارجي يدعو الناس إلى خلاف مروان بن محمد
وفى هذه السنة لقى أبو حمزة الخارجي عبد الله بن يحيى طالب الحقّ فدعاه إلى مذهبه. وكان أبو حمزة واسمه المختار بن عوف الأزدى من أهل البصرة يوافى الموسم كلّ سنة يدعو الناس إلى خلاف مروان بن محمّد وآل
стр. 1310
مرون، حتّى وافى عبد الله بن يحيى فى آخر سنة. فقال لعبد الله بن يحيى:
- «يا رجل، [٢٥٩] إنّى أسمع كلاما حسنا وأراك تدعو إلى حقّ، فانطلق معى فإنّى رجل مطاع فى قومي.» فخرج به حتّى ورد به حضرموت، فبايعه أبو حمزة على الخلافة ودعا إليه.
وكان أبو حمزة مرّ بمعدن سليم [١] وكثير بن عبد الرحمن عامل على المعدن فسمع بعض كلامه فأمر به فجلد أربعين سوطا، ثمّ مضى إلى مكّة فلمّا قدم أبو حمزة المدينة وافتتحها تغيّب كثير حتّى كان من أمرهم ما كان.
ثمّ دخلت سنة تسع وعشرين ومائة
وفيها كان هلاك شيبان بن عبد العزيز [٢] ذكر السبب فى ذلك
كان السبب فى ذلك أنّ الناس الخوارج لمّا قتل الضحّاك بن قيس الشيبانى رئيسهم ثمّ الخيبري بعده، ولّوا أمرهم شيبان وبايعوه. فكان مروان يقاتلهم.
فقال سليمان بن هشام بن عبد الملك للخوارج وهو يومئذ معهم فى عسكرهم:
- «إنّ الذي تفعلون ليس برأى فإن أخذتم، برأيى وإلّا انصرفت عنكم.» قالوا: «وما الرأى؟» قال: «إنّ أحدكم يظفر ثمّ يستقتل فيقتل. فأرى أن تنصرف على حاميتك حتّى تنزل [٢٦٠] الموصل وتخندق.» فقبل منه وارتحل واتّبعه مروان فكان إذا رحل عن منزل نزل موضعه حتّى أتى الموصل فنزل شيبان بشرقىّ دجلة من الموصل وخندق ونزل مروان
стр. 1311
بإزائه من غربيّها وخندق. فأقام سنة يقاتلهم بكرة وعشية. فبرز يوما ابن أخى سليمان بن هشام، وكان مع عمّه سليمان فى عسكر شيبان، فبارزه رجل من فرسان مروان، فأسره الرجل، وأتى به مروان فقال:
- «أنشدك الله والرحم يا عمّ.» فقال: «ما بيني وبينك اليوم رحم.» فأمر به، وعمّه سليمان وأخوته ينظرون، فقطعت يداه ورجلاه وضربت عنقه.
وكتب مروان إلى يزيد بن عمر بن هبيرة يأمره بالمسير من قرقيسيا بجميع من معه إلى عبيدة بن سوّار خليفة الضحّاك بالعراق فلقى خيوله بعين التمر.
فقاتلهم فهزمهم وعليهم يومئذ المثنى بن عمران. ثمّ تجمّعوا له بالنخيلة من الكوفة فهزمهم، ثمّ تجمّعوا له بالصراة، ومعهم عبيدة فقتل عبيدة، وهزم أصحابه واستباح عسكرهم. فلم تكن لهم بقية بالعراق، واستولى ابن هبيرة عليها.
وكان منصور بن جمهور معهم فمضى حتّى غلب على الماهين والجبل وسار سليمان بن هشام حتّى لحق بابن معاوية الجعفري بفارس. وبقي ابن عمر [٢٦١] بواسط حتى سار إليه ابن هبيرة فأخذه وحبسه. فكتب مروان إلى ابن هبيرة لمّا صفت له العراق أن: أمدّنى بعامر بن ضبارة فى أهل الشام. فأمدّه به فسار فى أهل الشام حتّى انتهى إلى السنّ [١] ، فلقيه بها الجون بن كلاب الخارجي، فهزم ابن ضبارة [٢] حتّى أدخله السن فتحصّن وجعل مروان يمدّه بالجنود من طريق البرّ حتّى ينتهوا إلى السنّ، ثمّ يقطعوا دجلة إلى ابن ضبارة،
стр. 1312
حتّى كثروا. فنهض إلى الجون فقتله.
وسار ابن ضبارة مصعدا إلى الموصل. فلمّا انتهى خبر الجون وقتله إلى شيبان ومسير عامر انخزل، وكان شيبان لمّا بلغه مسير ابن ضبارة خاف أن يأتيه من ورائه. فأرسل الجون مع عدّة وافرة ليشغله فحصره حتّى كان من أمره ما كان.
ولحق أصحاب الجون بشيبان وابن ضبارة فى آثارهم. فكان شيبان والخوارج يقاتلون من وجهين. نزل ابن ضباره من ورائهم ممّا يلي العراق ومروان أمامهم ممّا يلي الشام فقطع عنهم المادّة والميرة وغلت أسعارهم حتّى بلغ الرغيف درهما. ثمّ ذهب الرغيف فلا شيء يشترى بغال ولا رخيص. فانتقل إلى شهرزور [٢٦٢] من أرض الموصل فعاب عليه ذلك أصحابه واختلفت كلمتهم وارتحل شيبان ومن معه وأخذوا على حلوان إلى الأهواز وفارس ووجّه مروان إلى ابن ضبارة ثلاثة من قواده فى ثلاثة آلاف من رابطته [١] .
أحدهم مصعب والآخر شقيق وعطيف.
وكتب إليه يأمرهم بأتّباعهم وألّا يقلع عنهم حتّى يبيرهم ويستأصلهم، فلم يزل يتبعهم حتّى وردوا فارس وخرجوا منها وهو فى ذلك يستسقط من لحق من أخرياتهم حتّى تفرّقوا، وأخذ شيبان فى فرقة إلى البحرين فقتل بها.
وأقبل عامر بن ضبارة حتّى نزل بإزاء ابن معاوية، وناهضه القتال، فانهزم ابن معاوية ولحق بهراة. وسار سليمان إلى جيرفت فركب السفن فيمن معه من مواليه وأهل بيته إلى السند، وانصرف مروان إلى منزله من حرّان وأقام بها إلى أن شخص منها إلى الزاب.
стр. 1313
إبراهيم بن محمد يأمر أبا مسلم بإظهار الدعوة والتسويد بخراسان وفى هذه السنة أمر إبراهيم بن محمد أبا مسلم وكان شخص من خراسان يريده حتّى بلغ قومس، بالانصراف إلى شيعته بخراسان وأمره بإظهار الدعوة إليهم والتسويد.
ذكر الخبر عن ذلك وعن مبدأ أمرهم
لم يزل أبو مسلم [١] يختلف إلى خراسان حتّى وقعت العصبيّة بها. فلمّا اضطرب الحبل كتب سليمان بن كثير إلى أبى سلمة الخلّال يسأله أن يكتب إلى الإمام حتّى يوجّه رجلا من أهل بيته فكتب أبو سلمة إلى إبراهيم. فبعث أبا مسلم، وقد كتبنا خبره فيما تقدّم، ثمّ كتب إبراهيم إلى أبى مسلم يأمره بالقدوم عليه، يسأله عن أخبار الناس. فخرج فى النصف من جمادى الآخرة مع سبعين نفرا من النقباء بالدّندانقان [٢] من أرض خراسان. فعرض له كامل أو ابن كامل فقال:
- «أين تريدون؟» قالوا:
- «الحجّ.» ثم خلا به أبو مسلم فدعاه فأجابه وكفّ عنه. ومضى أبو مسلم إلى بيرود [٣] فأقام بها. ثمّ سار إلى نسا [٤] وعليها سليمان بن قيس السلمى عاملا لنصر بن
стр. 1314
سيّار، وكان قد تعرّض قبل ورود أبى مسلم لقوم من الشيعة فأخذهم. وبلغ أبا مسلم فتنكّب الطريق وأخذ فى أسفل القرى حتّى أتى قومس وعليها بيهس بن بديل العجلى فأتاهم بيهس فقال:
- «أين تريدون؟» قالوا:
- «نريد الحجّ.» قال:
- «معكم فضل برذون تبيعونه؟» قال أبو مسلم:
- «أمّا بيعا فلا ولكن خذ أىّ دوابّ شئت.» قال:
- «أعرضوها علىّ.» فعرضوها عليه فأعجبه برذون [٢٦٤] منها سمند. فقال أبو مسلم:
- «هو لك.» قال:
- «لا أقبله إلّا بثمن.» قال:
- «احتكم.» قال:
- «سبعمائة.» قال:
- «هو لك.» فأتاه وهو بقومس كتاب من الإمام وكتاب إلى سليمان بن كثير. فكان فى كتاب أبى مسلم:
- «إنّى قد بعثت إليك براية النصر، فارجع من حيث لقيك كتابي ووجّه قحطبة بما معك يوافنى به بالمواسم.» فانصرف أبو مسلم إلى خراسان، ووجّه قحطبة إلى الإمام فلمّا كانوا بنسإ.
عرض لهم صاحب مسلحة فى قرية من قرى نسا فقال لهم:
- «من أنتم؟» قالوا:
- «أردنا الحجّ. فبلغنا عن الطريق شيء خفناه.»
стр. 1315
فرفعهم إلى عاصم بن قيس الشامي، فسألهم عن خبرهم فأخبروه فقال:
- «ارتحلوا.» وأمر المفضّل وكان على شرطته أن يزعجهم فخلا أبو مسلم بالمفضّل، فأجابه، وقال:
- «ارتحلوا على مهل ولا تعجلوا.» وأقام عندهم حتّى ارتحلوا. فقدم أبو مسلم مرو فى أوّل يوم من شهر رمضان سنة تسع وعشرين ومائة. فدفع كتاب الإمام إلى سليمان بن كثير. وكان فيه أن:
- «أظهر دعوتك ولا تربّص.» فنصبوا أبا مسلم وقالوا:
- «رجل من أهل البيت.» ودعوا إلى طاعة بنى العبّاس، وأرسلوا إلى من قرب منهم ومن بعد [٢٦٥] ممّن أجابهم فأمروهم بإظهار أمرهم والدعاء. فنزل أبو مسلم قرية من قرى خزاعة يقال لها سيكيذنج [١] وشيبان وابن الكرماني يقاتلان نصر بن سيّار.
فبثّ أبو مسلم دعاته فى الناس وظهر أمره وقال الناس:
- «قدم رجل من بنى هاشم.» فاتوه من كلّ وجه، وظهر يوم الفطر فى قرية خالد بن إبراهيم. فصلّى بالناس يوم الفطر القاسم بن مجاشع المري ثمّ ارتحل فنزل باللين وهي قرية لخزاعة فوافاه فى يوم واحد أهل ستين قرية.
فأقام إثنين وأربعين يوما. وكان أوّل فتح أتى أبا مسلم من قبل موسى بن
стр. 1316
كعب فى بيرود [١] وتشاغل بقتل عاصم بن قيس ثمّ جاء فتح من قبل مرو الرود.
وكان أبو مسلم وجّه أبا الجهم ابن عطيّة إلى العلاء بن حريث بخوارزم بإظهار الدعوة فى شهر رمضان لخمس تبقى [٢] من الشهر، فإن أعجلهم عدوّهم دون الوقت فعرضوا لهم بالأذى والمكروه، فقد حلّ لهم أن يدفعوا عن أنفسهم، وأن يظهروا السيوف ويجرّدوها من أغمادها ويجاهدوا أعداء الله، وإن شغلهم عدوّهم عن الوقت فلا حرج عليهم [٢٦٦] أن يظهروا بعد الوقت.
الظلّ والسحاب
فلمّا كان ليلة الخميس لخمس تبقى من شهر رمضان سنة تسع وعشرين ومائة اعتقد [٣] اللواء الذي بعث به الإمام الذي يدعى: الظلّ، على رمح طوله أربع عشرة ذراعا، وعقد الراية التي بعث بها الإمام التي تدعى: السحاب، على رمح طوله ثلاثة عشر ذراعا وهو يتلو: «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ الله عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ.» ٢٢: ٣٩ [٤] ولبس السواد هو وسليمان بن كثير وأخوه سليم ومواليه ومن كان أجاب الدعوة من أهل إسفيدنج [٥] وأوقد النيران ليلته للشيعة وكانت العلامة، فتجمّعوا له حين أصبحوا معدّين. وتأويل هذين الإسمين: الظلّ والسحاب، أنّ السحاب
стр. 1317
يطبّق الأرض فكذلك دعوة ولد العبّاس تطبّق الأرض، وتأويل الظلّ أنّ الأرض لا تخلو من الظلّ أبدا، فكذلك لا تخلو الأرض من خليفة عبّاسىّ أبد الدهر.
وقدمت على أبى مسلم الدعاة من أهل مرو بمن أجاب الدعوة فكان أوّل من قدم عليه أهل التقاذم مع أبى الوضّاح فى تسع مائة راجل وأربعة فرسان. وقدم أهل السقاذم مع أبى القاسم محرز بن إبراهيم فى ألف وثلاثمائة راجل وستّة عشر فارسا، فجعل أهل التقاذم [١] يكبّرون من ناحيتهم [٢٦٧] وأهل السقاذم يجيبونهم بالتكبير. فلم يزالوا كذلك حتّى دخلوا عسكر أبى مسلم بسيفيذنج [٢] وذلك يوم السبت من بعد ظهور أبى مسلم بيومين.
وأمر أبو مسلم أن يرمّ حصن سيفيذنج وتحصّن وتدرّب سيفيذنج بالدروب. فلمّا حضر العيد من يوم الفطر بسيفيذنج أمر أبو مسلم سليمان بن كثير أن يصلّى به وبالشيعة، ونصب له منبرا فى العسكر، وأمره أن يبدأ بالصلاة قبل الخطبة، بغير أذان ولا إقامة. وكانت يومئذ تبدأ بالخطبة بأذان ثمّ الصلاة بإقامة على رسم صلاة يوم الجمعة، فيخطبون على المنابر جلوسا فى الجمع والأعياد. وأمر أبو مسلم سليمان بن كثير فى الركعة الأولى أن يكبّر ستّ تكبيرات تباعا. ثمّ يقرأ ويركع السادسة [٣] ويفتتح الخطبة بالتكبير ثمّ يختمها بالقرآن، وكانت بنو أميّة تكبّر فى الركعة الأولى أربع تكبيرات يوم العيد، وفى الثانية ثلاث تكبيرات. فلمّا قضى سليمان بن كثير الخطبة والصلاة انصرف أبو مسلم والشيعة إلى طعام قد أعدّه لهم أبو مسلم فطعموا مستبشرين.
стр. 1318
وكان أبو مسلم وهو فى الخندق، إذا كتب إلى نصر بن سيّار، يكتب:
«للأمير نصر» فلمّا قوى بمن اجتمع إليه [٢٦٨] فى خندقه من الشيعة بدأ بنفسه.
وكتب إلى نصر:
- «أمّا بعد، فإنّ الله، تباركت أسماؤه وتعالى ذكره، عيّر قوما فقال:
«وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى من إِحْدَى الْأُمَمِ، فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً، اسْتِكْباراً في الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ، وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ، فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ، فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ الله تَبْدِيلًا، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ الله تَحْوِيلًا.» ٣٥: ٤٢- ٤٣ [١] فتعاظم نصر الكتاب، وأنّه بدأ بنفسه وكسر له إحدى عينيه [٢] وأطال الفكرة ثمّ قال:
- «هذا كتاب له أخوات.» ولمّا استقرّ بأبى مسلم معسكره بالماخوان [٣] أمر محرز بن إبراهيم أن يخندق خندقا بجيرنج، [٤] ويجمع إليه أصحابه ومن نزع إليه من الشيعة فيقطع مادّة نصر بن سيّار من مرو الرود ومن بلخ من كور طخارستان. ففعل ذلك محرز واجتمع إليه فى خندقه نحو من ألف رجل. فأمر أبو مسلم كامل بن مظفّر
стр. 1319
أن يوجّه رجلا إلى خندق محرز بن إبراهيم لعرض من فيه وإحصاءهم فى دفتر بأسمائهم وأسماء آباءهم وقراهم. فوجّه كامل حميدا الأرزق الكاتب، فأحصى فى خندق محرز ثمانمائة رجل وأربعة رجال [٢٦٩] وأسماء آباءهم وقراهم، فوجّه من أهل الكفّ، فكان يجلب له الغنم من هراة إلى مرو، ومن ربع خرفان [١] ومن ربع [٢] السقاذم. ظم يزل محرز مقيما فى خندقه حتّى دخل أبو مسلم حائط مرو وعطّل الخندق بماخوان وإلى أن عسكر بباب سرخس يريد نيسابور فضمّ إليه محرزا وأصحابه.
نصر يوجّه يزيد لمحاربة أبى مسلم أوّل حرب وقعت بين العباسية وبنى مروان
ثمّ إنّ نصر بن سيّار وجّه مولى له يقال له: يزيد [٣] ، فى خيل عظيمة لمحاربة أبى مسلم، وذلك بعد ثمانية عشر شهرا من ظهوره. فوجّه إليه أبو مسلم أبا نصر مالك بن الهيثم الخزاعي ومعه مصعب بن قيس. فالتقوا بقرية تدعى: آلين، فدعاهم مالك إلى الرضا من آل رسول الله صلّى الله عليه، فاستكبروا عن ذلك.
فصافّهم مالك وهو فى نحو من مائتين من أوّل النهار إلى وقت العصر.
وقدم على أبى مسلم، صالح بن سليمان الضبّى، وإبراهيم بن يزيد، وزياد بن عيسى، فوجّههم إلى مالك بن الهيثم، فقدموا عليه مع العصر، فقوى بهم.
فقال يزيد مولى نصر بن سيّار لأصحابه:
- «إن تركنا هولاء الليلة، أتتهم الأمداد، فاحملوا على القوم.» ففعلوا، فترجّل أبو نصر، وحضّ أصحابه، فاجتلدوا جلادا صادقا، وصبر
стр. 1320
الفريقان فقتل من شيعة [٢٧٠] بنى مروان نفر وأسر جماعة. وحمل عبد الله الطائي على يزيد مولى نصر وهو عميد القوم، فأسره، وانهزم أصحابه. فوجّه أبو نصر بالأسير مع عبد الله الطائي وعدّة من أصحابه ومعهم الأسرى والرؤوس. وأقام أبو نصر فى معسكره، فقدم الوفد على أبى مسلم فى معسكره بسيفيذنج. فأمر أبو مسلم بالرؤوس فنصبت على باب الحائط الذي فى معسكره، ودفع يزيد والأسرى إلى أبى إسحاق خالد بن عثمان، وأمره أن يعالج يزيد مولى نصر من جراحات كانت به ويحسن تعهّده.
وكتب إلى أبى نصر مالك بالقدوم عليه. فلمّا اندمل يزيد مولى نصر من جراحاته دعاه أبو مسلم فقال:
- «إن شئت أن تقيم معنا وتدخل فى دعوتنا، فقد أرشدك الله، وإن كرهت فارجع إلى مولاك سالما وأعطنا عهدك بالله ألّا تحاربنا أبدا، ولا تكذب علينا، وأن تقول فينا ما رأيت.» فاختار الرجوع إلى مولاه. فخلّى له الطريق وقال أبو مسلم لأصحابه:
- «إنّ هذا سيردّ عنكم الورع والصلاح فإنّا عندهم على غير الإسلام.» وكذلك كانوا عندهم يرجفون عليهم بعبادة الأوثان واستحلال الدماء والأموال [٢٧١] والفروج. فلمّا قدم يزيد على نصر قال له:
- «لا مرحبا بك، والله ما استبقاك القوم إلّا ليتّخذوك حجّة علينا.» قال يزيد:
- «فهو والله ما ظننت. وقد استحلفونى الّا أكذب عليهم. وأشهد: لقد رأيتهم يصلّون الصلاة الخمس لمواقيتها بأذان وإقامة، ويتلون القرآن ويذكرون الله كثيرا ويدعون إلى ولاية آل رسول الله صلّى الله عليه، وما أحسب أمرهم إلّا سيعلوا ويظهر.» فهذه أوّل حرب كانت بين الشيعة العبّاسية وشيعة بنى مروان.
стр. 1321
وقد روى فى مبدأ خبر أبى مسلم رواية أخرى، وهي أنّ أبا مسلم لمّا قدم خراسان كان حديث السنّ، فلم يقبله سليمان بن كثير وتخوّف ألّا يقوى على أمرهم وخاف على نفسه وأصحابه فردّه.
احتجاج أبى داود
وكان أبو داود خالد بن إبراهيم غائبا وراء نهر بلخ. فلمّا انصرف وقدم مرو أقرأوه [١] كتاب الإمام فسأل عن الرجل الذي وجّهه فأخبروه أنّ سليمان بن كثير ردّه.
فأرسل إلى جميع النقباء فاجتمعوا فى منزل عمران بن إسماعيل. فقال لهم أبو داود:
- «أتاكم كتاب الإمام إبراهيم فيمن وجهّه إليكم فرددتموه، فما حجّتكم فى ردّه؟» فقال سليمان بن كثير:
- «لحداثة سنّه، وتخوّفنا ألّا [٢٧٢] يقدر على القيام بهذا الأمر وأشفقنا على من دعونا إليه وعلى أنفسنا.» فقال أبو داود:
- «هل فيكم من يشكّ أنّ الله، ، اختار محمدا صلّى الله عليه، وانتخبه واجتباه، وبعثه برسالته إلى جميع خلقه؟» قالوا:
- «لا.» قال:
- «أفتشكّون أنّ الله أنزل عليه كتابه فأتاه به الروح الأمين، أحلّ فيه حلاله،
و
стр. 1322
حرّم فيه حرامه وشرع [فيه] [١] شرائعه وسنّ فيه سننه وأنبأه فيه بما كان قبله وما هو كان كائن بعده إلى يوم القيامة؟» قالوا: «لا.» قال:
- «أفتشكّون أنّ الله قبضه إليه بعد ما أدّى ما [٢] عليه من رسالة ربّه؟» قالوا: «لا.» قال:
- «أفتظنّون أنّ ذلك العلم الذي أنزله عليه ليقوّمنا به رفع مع أو خلّفه؟» قالوا: «بل خلّفه.» قال:
- «أفتظنّونه خلّفه عند غير عترته وأهل بيته الأقرب فالأقرب؟» قالوا: «لا.» قال:
- «فهل فيكم من إذا رأى من هذا الأمر إقبالا ورأى الناس مجيبين إليه، بدا له أن يصرف ذلك إلى نفسه؟» قالوا: «اللهم لا، وكيف يكون ذلك؟» قال:
- «لست أقول إنّكم فعلتم، ولكن الشيطان ربّما نزغ النزغة فيما يكون وفيما لا يكون.» قال:
- «فهل فيكم أحد بدا له [٢٧٣] أن يصرف هذا الأمر عن أهل البيت إلى غيرهم من عترة النبىّ صلّى الله عليه؟» قالوا: «لا.» قال:
- «أفتشكون فى أنّهم معدن العلم وأصحاب ميراث رسول الله صلّى الله عليه؟» قالوا:
- «اللهم لا» قال:
стр. 1323
- «فأراكم قد شككّتم فى أمركم، ورددتم عليهم علمهم، ولو لم يعلموا أنّ هذا الرجل هو الذي ينبغي له أن يقوم بأمرهم لم يبعثوه إليكم وهو لا يتّهم فى موالاتهم ونصرتهم والقيام بحقّهم.»
ردّ أبى مسلم من قومس وتولية الأمر إيّاه
فبعثوا إلى أبى مسلم [١] وردّوه من قومس بقول أبى داود، وولّوه أمرهم وسمعوا له وأطاعوا. فلم تزل تلك فى نفس أبى مسلم على سليمان بن كثير ولم يزل يعرفها لأبى داود.
وأطاعت الشيعة من النقباء وغير هم أمر أبى مسلم. فبثّ الدعاة فى أقطار خراسان ودخل الناس أفواجا. وكتب إليه إبراهيم فى إظهار دعوته وأن يوجّه إليه [٢] بقحطبة بن شبيب ويحمل إليه ما اجتمع عنده من الأموال، فكان اجتمع عنده ثلاثمائة ألف وستون ألف درهم، فاشترى بها متاع التجار من القوهىّ والمروىّ والحرير والفرند، وجعلها بعضها سبائك ذهب وفضّة وجعلها فى الأقبية المحشوّة وأشباهها. فبعث [٢٧٤] جميع ذلك مع قحطبة حين اجتمعت القوافل وأمن على ما أنفذه.
تحالف عامّة قبائل العرب فى خراسان على قتال أبى مسلم
وفى هذه السنة تحالفت عامّة من كان بخراسان من قبائل العرب على قتال أبى مسلم وذلك حين كثر أتباع أبى مسلم وقوى أمره.
стр. 1324
ذكر السبب فى ذلك لمّا ظهر أبو مسلم، سارع إليه الناس، وجعل أهل مرو يأتونه لا يعرض لهم أحد، وكان الكرمانىّ وشيبان لا يكرهان أمر أبى مسلم لأنّه دعا إلى خلع بنى مروان وأبو مسلم فى آلين فى خباء ليس له حرس ولا حجّاب. فعظم أمره عند الناس وقالوا:
- «ظهر رجل من بنى هاشم له حلم ووقار وعليه سكينة.» فانطلق عند ذلك فتية من أهل مرو نسّاك، كانوا يطلبون الفقه، فأتوا أبا مسلم فى عسكره. فسألوه عن نسبه فقال:
- «خبري خير لكم من نسبي.» وسألوه عن أشياء من الفقه فقال:
- «إنّ أمركم بالمعروف ونهيكم عن المنكر خير لكم من هذا ونحن فى شغل [١] فاعفونا لنتوفّر [٢] على ما أنتم أحوج ونحن إليه.» قالوا:
- «والله ما نعرف لك نسبا ولا نظنّك تبقى إلّا قليلا حتى تقتل [٢٧٥] وما بينك وبين ذلك إلّا أن يتفرّغ لك أحد هذين الأميرين.» قال أبو مسلم:
- «بل أنا أقتلهما إن شاء الله.» ورجع الفتية فأتوا نصرا فحدّثوه. فقال:
- «جزاكم الله خيرا مثلكم تفقّد هذا وعرفه.» وأتوا شيبان فأعلموه. فقال:
стр. 1325
- «نحن قد أشجى بعضنا بعضا.» فأرسل إليه نصر:
- «إن شئت فكفّ عنّى حتّى أقاتله وإن شئت فجامعنى [١] على حربه حتّى أقتله أو أنفيه، ثمّ نعود لأمرنا.» فهمّ شيبان أن يفعل ذلك وظهر فى العسكر، [٢] وأتت عيون أبى مسلم أبا مسلم فأخبروه. فقال سليمان لأبى مسلم:
- «ما هذا الأمر الذي بلغهم تكلّمت عند أحد بشيء؟» فأخبره بخبر الفتية فقال:
- «هذا إذا لذاك.» فكتبوا إلى على بن الكرمانىّ: إنّك موتور. قتل أبوك ونحن نعلم أنّك لست على رأى شيبان، وإنّما تقاتل لثأرك، فامنع شيبان من صلح نصر.
فدخل على شيبان فكلّمه وثناه عن رأيه. فأرسل نصر إلى شيبان:
- «إنّك مغرور، وأيم الله إنّى أرى هذا الأمر يتفاقم حتّى تستصغرنى فى جنبه.» فبينا هم فى أمرهم إذ بعث أبو مسلم النضر بن نعيم الضبّى إلى هراة وعليها عيسى بن عقيل بن معقل الليثي، فطرده من هراة. فقدم عيسى بن علىّ على نصر منهزما، [٢٧٦] وغلب النضر على هراة، وغلب خازم بن خزيمة على مرو الروّد، وقتل عامل نصر بن سيّار، وكتب بالفتح إلى أبى مسلم مع ابنه خزيمة بن خازم.
فقال يحيى بن نعيم بن هبيرة الشيبانى:
стр. 1326
- «اختاروا إمّا أن تهلكوا أنتم قبل مضر أو تهلك مضر قبلكم.» قالوا:
- «وكيف ذلك؟» قال:
- «إنّ هذا الرجل إنّما ظهر منذ شهر وقد صار فى عسكره مثل عسكركم.» قالوا: «فما الرأى؟» قال:
- «صالحوا نصرا فإنّكم إن صالحتموه قاتلوا نصرا وتركوكم، لأنّ الأمر فى مضر، وإن لم تصالحوا نصرا صالحوه وقاتلوكم ثمّ عادوا عليكم.» قالوا: «فما الرأى؟» قال:
- «قدّموهم قبلكم ولو بساعة. فتقرّ أعينكم بقتلهم.» فأرسل شيبان إلى نصر يدعوه إلى الموادعة فأجابه. وأرسل إليه سلم بن أحوز، فكتب بينهم كتابا وأتى به شيبان وعن يمينه ابن الكرمانىّ وعن يساره يحيى بن نعيم. فقال سلم لابن الكرمانىّ:
- «يا أعور، ما أخلقك أن تكون الأعور الذي بلغنا أن هلاك مضر يكون على يده.» ثمّ توادعوا سنة، وكتبوا بينهم كتابا، فبلغ أبا مسلم، فأرسل إلى شيبان:
- «إنّا نوادعك أشهرا.» فتوادعا ثلاثة أشهر. فقال ابن الكرماني:
- «فانّى والله ما صالحت نصرا وإنّما صالحه [٢٧٧] شيبان وأنا لذلك كاره وأنا موتور ولا أدع قتاله.» فعاوده القتال وأبى شيبان أن يعينه وقال:
- «لا يحلّ الغدر.» فأرسل ابن الكرماني إلى أبى مسلم يستنصره على نصر بن سيّار، فأقبل أبو
стр. 1327
مسلم حتّى نزل الماخوان [١] . فأرسل إلى ابن الكرماني شبل بن طهمان يعرّفه أنّى قد أقبلت وأنّى معك على نصر. فقال ابن الكرماني لشبل:
- «إنّى أحبّ أن يلقاني أبو مسلم.» فأبلغه ذلك شبل، فأقام أبو مسلم أربعة عشر يوما، ثمّ سار إلى ابن الكرماني وخلّف عسكره بالماخوان، فتلقّاه عثمان الكرماني فى خيل وسار معه حتّى دخل العسكر وأتى حجرة علىّ، فوقف حتّى أذن له. فدخل وسلّم على علىّ بالإمرة وقد اتّخذ علىّ له منزلا فى قصر لمخلد بن الحسن الأزدى فأقام يومين ثمّ انصرف إلى عسكره بالماخوان وكان احتفر بها خندقا وجعل له بابين ووكلّ بكل باب ثقة واستعمل على الشّرط أبا نصر مالك بن الهيثم، وعلى الحرس أبا إسحاق خالد بن عثمان، وعلى ديوان الجند كامل بن مظفّر ويكنى أبا صالح، وعلى الرسائل أسلم بن صبيح، وعلى القضاء القاسم بن مجاشع النقيب.
فكان القاسم بن مجاشع يصلّى بأبى مسلم فى الخندق [٢٧٨] الصلوات ويقصّ القصص بعد العصر. فيذكر فضل بنى هاشم ومعايب بنى أميّة. ولم يزل أبو مسلم كرجل من الشيعة فى الهيئة حتّى أتاه عبد الله بن بسّام بالأروقة والفساطيط وبآلة المطابخ [٢] والمعالف للدوابّ وحياض الأدم للماء.
فاستعمل أبو مسلم داود بن كرّاز على العبيد وأفردهم عن عسكره واحتفر لهم خندقا ثمّ أمر أبو مسلم كامل بن مظفّر أن يعرض الجند فى الخندق بأسمائهم وأسماء آباءهم وحلاهم وأن ينسبهم إلى القرى ويجعل ذلك فى دفتر. ففعل، وبلغت عدّتهم سبعة آلاف رجل. فأعطى كل رجل ثلاثة دراهم. ثمّ
стр. 1328
أعطاهم بعد ذلك أربعة أربعة على يدي أبى صالح كامل [١]
القبائل يضعون الحروب ويتّفقون على محاربة أبى مسلم
ثمّ إنّ القبائل من مضر وربيعة وقحطان تواعدوا على وضع الحروب وعلى أن تجتمع كلمتهم على محاربة أبى مسلم. فإذا نفوه عن مرو نظروا فى أمر أنفسهم وعلى ما يجتمعون عليه وكتبوا على أنفسهم بذلك كتابا وثيقا. وبلغ أبا مسلم الخبر فأفظعه ذلك وأعظمه. فنظر أبو مسلم فى أمره، فإذا ماخوان سافلة الماء. فتخرّف أن يقطع نصر بن سيّار عنه الماء. فتحوّل إلى آلين قرية أبى منصور [٢٧٩] طلحة بن زريق النقيب، وخندق بآلين خندقا وجعل شربه وشرب أهل آلين من نهر يدعى الخرقان [٢] لا يمكن قطعه عنهم.
وخرج [٣] نصر بن سيّار إليه فعسكر على نهر عياض وفرّق قوادّه حول أبى مسلم ليواقعه. فكان أحد قوادّه أبو الذيّال فأنزل جنده بطوسان وكان عامّة أهلها مع أبى مسلم فى الخندق فآذوا أهل طوسان وعسفوهم وذبحوا بقرهم ودجاجهم وحمامهم، وكلّفوهم الطعام والعلف. فشكت الشيعة ذلك إلى أبى مسلم، فوجّه معهم خيلا، فلقوا أبا الذيّال فهزموه وأصحابه وأسروا منهم جماعة، فكساهم أبو مسلم وداوى جرحاهم وخلّى سبيلهم.
فى هذه السنة قتل جديع بن علىّ الكرماني وصلب.
ذكر مقتل جديع الكرماني وصلبه
قد ذكرنا مقتل الحارث بن سريج وأنّ الكرماني هو الذي قتله. ولمّا قتله
стр. 1329
خلصت له مرو وتنحّى نصر بن سيّار عنها إلى أبر شهر وقوى أمر الكرماني فوجّه نصر إليه سلم بن أحوز، فسار فى رابطة نصر وفرسانه حتّى لقى الكرماني، فوجد يحيى بن نعيم واقفا [٢٨٠] فى ألف رجل من ربيعة ومحمّد بين المثنّى فى سبعمائة من فرسان الأزد وجماعة أخرى فى ألف من فتيانهم والصغرى فى ألف من أبناء اليمن. فلمّا تواقفوا قال سلم بن أحوز لمحمّد بن المثنّى:
- «يا محمّد، مر هذا الملّاح بالخروج إلينا.» فقال محمد لسلم:
- «يا بن الفاعلة، لأبى علىّ تقول هذا؟» ودلف القوم بعضهم إلى بعض، فاجتلدوا بالسيوف، وانهزم سلم بن أحوز، وقتل من أصحابه خلق وقدم أصحاب نصر عليه فلولا. فقال له عقيل:
- «يا نصر، شأمت العرب. فأمّا إذ صنعت ما صنعت فشمّر عن ساق وجدّ.» فوجّه عصمة بن عبد الله فوقف سلم بن أحوز فنادى:
- «يا محمّد، لتعلمنّ أنّ السمك لا يغلب اللخم [١] .» فقال محمد:
- «لتعلمن، فقف لنا إذا.» وأمر محمّد الصغرى فخرج إليه فى أهل اليمن. فاقتتلوا قتالا شديدا وانهزم عصمة حتّى أتى نصرا وقد قتل من أصحابه أربعمائة. ثمّ أرسل نصر مالك بن عمرو التميم فأقبل فى أصحابه فنادى:
- «يا ابن المثنّى، ابرز لى إن كنت رجلا.»
стр. 1330
فبرز له فضربه التميمي على حبل عاتقه فلم يصنع شيئا وضربه محمّد بن المثنّى بعمود فشدخ رأسه. والتحم القتال فاقتتلوا قتالا شديدا وانهزم أصحاب نصر وقد قتل منهم سبعمائة رجل، وقد قتل [٢٨١] من أصحاب الكرمانىّ ثلاثمائة رجل. فلم يزل الشرّ بينهم حتّى خرجوا جميعا إلى الخندقين فاقتتلوا قتالا شديدا.
حيلة لأبى مسلم تمّت له
فلمّا علم أبو مسلم أنّ كلا الفريقين قد أثخن صاحبه وأنّه لا مدد لهم جعل يكتب الكتاب إلى شيبان، ثمّ يقول للرسول:
- «انطلق، فاجعل طريقك على المضريّة، فانّهم سيعرضون لك ويأخذون كتبك.» فكانوا يأخذونها فيجدون فيها: إنّى رأيت أهل اليمن لا وفاء لهم ولا خير فيهم فلا تثقنّ بهم ولا تطمئنّ إليهم فإنّى أرجوا أن يريك الله فى اليمانية ما تحبّ، ولئن بقيت لا أدع لهم شعرا ولا ظفرا.» ويرسل رسولا آخر فى طريق آخر فيه ذكر المضريّة بمثل ذلك حتّى صار هوى الفريقين جميعا معه. وجعل يكتب إلى نصر بن سيّار وإلى الكرماني:
- «إنّ الإمام قد وصّانى بكم، ولست أعدوا رأيه فيكم.» وكتب إلى الكور بإظهار الأمر، فكان أوّل من سوّد أسيد [١] بن عبد الله الخزاعي بنسّا ونادى:
- «يا محمد، يا منصور.» وسوّد معه مقاتل بن الحكم وغيره، وسوّد أهل أبيورد وأهل مرو الرود.
стр. 1331
وأقبل أبو مسلم حتّى نزل بين خندق نصر بن سيّار وخندق جديع الكرماني وهابه الفريقان وكثر [٢٨٢] أصحابه. وكتب نصر بن سيّار إلى مروان يعلمه حال أبى مسلم، وكثرة من معه، وإظهاره أمره، وأنّه يدعو إلى إبراهيم بن محمّد.
وكتب بأبيات شعر:
أرى خلل [١] الرماد وميض جمر ... ويوشك أن يكون له ضرام
فإنّ النار بالعودين تذكى ... وإنّ الحرب أوّلها [٢] الكلام
فقلت من التعجّب ليت شعري ... أأيقاظ أميّة أم نيام
فإن يك قومنا أمسوا رقودا ... فقل هبّوا، فقد حان القيام
وكتب إليه مروان:
- «الشاهد يرى ما لا يرى الغائب فأحسم الثؤلول قبلك.» فقال نصر:
- «أمّا صاحبكم فقد أعلمكم أن لا نصر عنده.» فكتب إلى يزيد بن عمر بن هبيرة يستمدّه وكتب إليه:
أبلغ يزيد وخير القول أصدقه ... وقد تبيّنت أن لا خير فى الكذب
إنّ خراسان أرض قد أصبت بها ... بيضا لو أفرخ قد حدّثت بالعجب
فراخ عامين إلّا أنّها كثرت ... لمّا يطرن وقد سربلن بالزّغب
стр. 1332
وإن [١] يطرن ولم يحتل لهنّ بها ... يلهبن نيران حرب أيّما لهب [٢٨٣]
فقال يزيد:
- «لا غلبة إلّا بكثرة، [٢] فليس عندي رجل.» ولمّا كتب نصر إلى مروان بخبره وخبر أبى مسلم وظهوره وقوّته، وأنّه يدعو إلى إبراهيم بن محمّد، ألقى [٣] ورود كتاب نصر على مروان وقدوم رسول لأبى مسلم كان أرسله إلى إبراهيم بن محمّد ومعه جواب إبراهيم عن كتاب لأبى مسلم إليه يلومه ألّا يكون واثب نصرا والكرمانىّ إذ أمكناه، ويأمره ألّا يدع بخراسان متكلّما بالعربية إلّا قتله.
فدفع الرسول الكتاب إلى مروان فكتب مروان إلى الوليد بن معاوية بن عبد الملك، وهو على دمشق، أن يكتب إلى عامل البلقاء، فيسير إلى كراد والحميمة، [٤] فليأخذ إبراهيم بن محمّد، فيشدّه وثاقا ويبعث به فى حبل. [٥] فوجّه الوليد إلى عامل البلقاء فأتى إبراهيم وهو فى مسجد القرية فأخذه وكتفه وحمله إلى الوليد، محمله الوليد إلى مروان فحبسه فى السجن.
رجع الحديث إلى قصّة نصر والكرمانىّ وما كان من قتل نصر الكرمانىّ وصلبه إيّاه
وأظهر أبو مسلم، لمّا تفاقم الأمر بين الكرماني وبين نصر، أنّه مع الكرمانىّ،
стр. 1333
فقبل ذلك الكرماني، وانضمّ إليه أبو مسلم. فاشتدّ ذلك على نصر وأرسل إلى الكرمانىّ: [٢٨٤]- «ويلك لا تغترّ، فو الله إنّى لخائف عليك وعلى أصحابك منه، ولكن هلمّ إلى الموادعة فندخل مرو ونكتب بيننا كتابا بالصلح.» وهو يريد أن يفرّق بينه وبين أبى مسلم.
فدخل الكرماني منزله وأقام أبو مسلم فى العسكر وخرج الكرمانىّ حتّى وقف فى الرحبة فى مائة فارس وعليه قرطق [١] خشكشويه [٢] ثمّ أرسل إلى نصر:
- «أخرج لنكتب بيننا ذلك الكتاب.» فأبصر نصر منه غرّة، فوجّه إليه ابن الحارث بن سريج فى نحو ثلاثمائة فارس، فالتقوا فى الرحبة فاقتتلوا بها طويلا. ثمّ إنّ الكرمانىّ طعن فى خاصرته فخرّ عن دابّته وحماه أصحابه حتّى جاءهم ما لا قبل لهم به، فقتل نصر الكرمانىّ وصلبه وصلب معه سمكة. [٣] فأقبل ابنه علىّ وقد كان صار إلى أبى مسلم، فقاتله حتّى أخرجه من دار الإمارة، فمال إلى بعض دور مرو، فأقبل أبو مسلم حتّى دخل مرو، وأتاه علىّ بن جديع فسلّم عليه بالإمرة وأعلمه أنّه معه على ما يريد من مساعدته وقال:
- «مرني بأمرك.» قال:
стр. 1334
- «أقم على ما أنت عليه حتّى آمرك بأمرى.»
وفى هذه السنة غلب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب على [٢٨٥] فارس. ذكر السبب فى ذلك .
لمّا هزم عبد الله بن معاوية بالكوفة، شخص إلى المدائن فبايعه أهلها وقصده قوم من الكوفة، فخرج إلى الجبال فغلب عليها وعلى حلوان وقومس والرىّ وإصبهان.
وكان محارب بن موسى مولى يشكر عظيم القدر بفارس قد تمكّنت له منزلة ورئاسة جليلة. فجاء يمشى فى نعلين إلى دار الإمارة بإصطخر، فطرد العامل الذي كان بها من جهة ابن عمر، وقال لبعض الرؤساء يقال له عمارة:
- «بايع الناس.» فقال أهل إصطخر:
- «على ما تبايع؟» قال:
- «على ما أحببتم وكرهتم.» فبايعوه لابن معاوية. وخرج محارب إلى كرمان فأغار عليهم وأصاب فى غارته إبلا لثعلبة بن حسّان المازني فاستاقها ورجع. فخرج ثعلبة فى طلب إبله ومع ثعلبة مولى له. فقال له مولاه:
- «هل لك أن تفتك بمحارب فإن شئت ضربته وكفيتني الناس. وإن شئت ضربته وكفيتك الناس.» قال: «ويحك، أردت أن نقتل وتذهب الإبل؟» ولم يلق الرجل. ثمّ دخل على محارب، فرحّب به وقال:
стр. 1335
- «حاجك» قال: «أبلى.» قال: «نعم، لقد أخذت وما أعرفها وقد عزلتها [٢٨٦] فدونك إبلك.» فأخذها وقال لمولاه:
- «هذا خير أم ما أردت؟» قال: «هذا خير، وذاك كان أشقى.» فقال: «بمثل رأيك تزول النعم وتزول النفوس.» ثمّ إنّ عبد الله بن معاوية قوى بفارس وأتاه الناس، بنو هاشم وغيرهم، وجبى المال. وكان معه منصور بن جمهور، وسليمان بن هشام بن عبد الملك، وشيبان بن عبد العزيز الخارجي. وذلك قبل أن يصير إلى خراسان.
ولم يزل عبد الله بن معاوية بإصطخر حتّى أتاه ابن ضبارة وقد حكينا أمره وما كان من هزيمة ابن معاوية وهرب شيبان ومنصور بن جمهور وغيرهما.
موافاة أبى حمزة الخارجي
وفى هذه السنة وافى الموسم أبو حمزة الخارجي من قبل عبد الله بن يحيى طالب الحقّ محكّما مظهرا الخلاف على مروان بن محمّد.
ذكر الخبر عن ذلك لمّا كان تمام سنة تسع وعشرين ومائة لم يكن عند الناس خبر بعرفة [١] حتّى طلعت أعلام وعمائم سود فى رؤوس الرماح وهم سبعمائة ففزع الناس منهم وقالوا لهم: