وأقبل أبو مسلم حتّى نزل بين خندق نصر بن سيّار وخندق جديع الكرماني وهابه الفريقان وكثر [٢٨٢] أصحابه. وكتب نصر بن سيّار إلى مروان يعلمه حال أبى مسلم، وكثرة من معه، وإظهاره أمره، وأنّه يدعو إلى إبراهيم بن محمّد.
وكتب بأبيات شعر:
أرى خلل [١] الرماد وميض جمر ... ويوشك أن يكون له ضرام
فإنّ النار بالعودين تذكى ... وإنّ الحرب أوّلها [٢] الكلام
فقلت من التعجّب ليت شعري ... أأيقاظ أميّة أم نيام
فإن يك قومنا أمسوا رقودا ... فقل هبّوا، فقد حان القيام
وكتب إليه مروان:
- «الشاهد يرى ما لا يرى الغائب فأحسم الثؤلول قبلك.» فقال نصر:
- «أمّا صاحبكم فقد أعلمكم أن لا نصر عنده.» فكتب إلى يزيد بن عمر بن هبيرة يستمدّه وكتب إليه:
أبلغ يزيد وخير القول أصدقه ... وقد تبيّنت أن لا خير فى الكذب
إنّ خراسان أرض قد أصبت بها ... بيضا لو أفرخ قد حدّثت بالعجب
فراخ عامين إلّا أنّها كثرت ... لمّا يطرن وقد سربلن بالزّغب
стр. 1332
وإن [١] يطرن ولم يحتل لهنّ بها ... يلهبن نيران حرب أيّما لهب [٢٨٣]
فقال يزيد:
- «لا غلبة إلّا بكثرة، [٢] فليس عندي رجل.» ولمّا كتب نصر إلى مروان بخبره وخبر أبى مسلم وظهوره وقوّته، وأنّه يدعو إلى إبراهيم بن محمّد، ألقى [٣] ورود كتاب نصر على مروان وقدوم رسول لأبى مسلم كان أرسله إلى إبراهيم بن محمّد ومعه جواب إبراهيم عن كتاب لأبى مسلم إليه يلومه ألّا يكون واثب نصرا والكرمانىّ إذ أمكناه، ويأمره ألّا يدع بخراسان متكلّما بالعربية إلّا قتله.
فدفع الرسول الكتاب إلى مروان فكتب مروان إلى الوليد بن معاوية بن عبد الملك، وهو على دمشق، أن يكتب إلى عامل البلقاء، فيسير إلى كراد والحميمة، [٤] فليأخذ إبراهيم بن محمّد، فيشدّه وثاقا ويبعث به فى حبل. [٥] فوجّه الوليد إلى عامل البلقاء فأتى إبراهيم وهو فى مسجد القرية فأخذه وكتفه وحمله إلى الوليد، محمله الوليد إلى مروان فحبسه فى السجن.
رجع الحديث إلى قصّة نصر والكرمانىّ وما كان من قتل نصر الكرمانىّ وصلبه إيّاه
وأظهر أبو مسلم، لمّا تفاقم الأمر بين الكرماني وبين نصر، أنّه مع الكرمانىّ،
стр. 1333
فقبل ذلك الكرماني، وانضمّ إليه أبو مسلم. فاشتدّ ذلك على نصر وأرسل إلى الكرمانىّ: [٢٨٤]- «ويلك لا تغترّ، فو الله إنّى لخائف عليك وعلى أصحابك منه، ولكن هلمّ إلى الموادعة فندخل مرو ونكتب بيننا كتابا بالصلح.» وهو يريد أن يفرّق بينه وبين أبى مسلم.
فدخل الكرماني منزله وأقام أبو مسلم فى العسكر وخرج الكرمانىّ حتّى وقف فى الرحبة فى مائة فارس وعليه قرطق [١] خشكشويه [٢] ثمّ أرسل إلى نصر:
- «أخرج لنكتب بيننا ذلك الكتاب.» فأبصر نصر منه غرّة، فوجّه إليه ابن الحارث بن سريج فى نحو ثلاثمائة فارس، فالتقوا فى الرحبة فاقتتلوا بها طويلا. ثمّ إنّ الكرمانىّ طعن فى خاصرته فخرّ عن دابّته وحماه أصحابه حتّى جاءهم ما لا قبل لهم به، فقتل نصر الكرمانىّ وصلبه وصلب معه سمكة. [٣] فأقبل ابنه علىّ وقد كان صار إلى أبى مسلم، فقاتله حتّى أخرجه من دار الإمارة، فمال إلى بعض دور مرو، فأقبل أبو مسلم حتّى دخل مرو، وأتاه علىّ بن جديع فسلّم عليه بالإمرة وأعلمه أنّه معه على ما يريد من مساعدته وقال:
- «مرني بأمرك.» قال:
стр. 1334
- «أقم على ما أنت عليه حتّى آمرك بأمرى.»
وفى هذه السنة غلب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب على [٢٨٥] فارس. ذكر السبب فى ذلك .
لمّا هزم عبد الله بن معاوية بالكوفة، شخص إلى المدائن فبايعه أهلها وقصده قوم من الكوفة، فخرج إلى الجبال فغلب عليها وعلى حلوان وقومس والرىّ وإصبهان.
وكان محارب بن موسى مولى يشكر عظيم القدر بفارس قد تمكّنت له منزلة ورئاسة جليلة. فجاء يمشى فى نعلين إلى دار الإمارة بإصطخر، فطرد العامل الذي كان بها من جهة ابن عمر، وقال لبعض الرؤساء يقال له عمارة:
- «بايع الناس.» فقال أهل إصطخر:
- «على ما تبايع؟» قال:
- «على ما أحببتم وكرهتم.» فبايعوه لابن معاوية. وخرج محارب إلى كرمان فأغار عليهم وأصاب فى غارته إبلا لثعلبة بن حسّان المازني فاستاقها ورجع. فخرج ثعلبة فى طلب إبله ومع ثعلبة مولى له. فقال له مولاه:
- «هل لك أن تفتك بمحارب فإن شئت ضربته وكفيتني الناس. وإن شئت ضربته وكفيتك الناس.» قال: «ويحك، أردت أن نقتل وتذهب الإبل؟» ولم يلق الرجل. ثمّ دخل على محارب، فرحّب به وقال:
стр. 1335
- «حاجك» قال: «أبلى.» قال: «نعم، لقد أخذت وما أعرفها وقد عزلتها [٢٨٦] فدونك إبلك.» فأخذها وقال لمولاه:
- «هذا خير أم ما أردت؟» قال: «هذا خير، وذاك كان أشقى.» فقال: «بمثل رأيك تزول النعم وتزول النفوس.» ثمّ إنّ عبد الله بن معاوية قوى بفارس وأتاه الناس، بنو هاشم وغيرهم، وجبى المال. وكان معه منصور بن جمهور، وسليمان بن هشام بن عبد الملك، وشيبان بن عبد العزيز الخارجي. وذلك قبل أن يصير إلى خراسان.
ولم يزل عبد الله بن معاوية بإصطخر حتّى أتاه ابن ضبارة وقد حكينا أمره وما كان من هزيمة ابن معاوية وهرب شيبان ومنصور بن جمهور وغيرهما.
موافاة أبى حمزة الخارجي
وفى هذه السنة وافى الموسم أبو حمزة الخارجي من قبل عبد الله بن يحيى طالب الحقّ محكّما مظهرا الخلاف على مروان بن محمّد.
ذكر الخبر عن ذلك لمّا كان تمام سنة تسع وعشرين ومائة لم يكن عند الناس خبر بعرفة [١] حتّى طلعت أعلام وعمائم سود فى رؤوس الرماح وهم سبعمائة ففزع الناس منهم وقالوا لهم:
стр. 1336
- «ما لكم، ما حالكم؟» فأخبروهم بخلافهم مروان وآل مروان والتبرّؤ منهم. فراسلهم عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، وهو يومئذ على مكّة والمدينة، فى الهدنة. فقالوا:
- «نحن [٢٨٧] أضنّ بحجّنا.» وصالحهم على أنّهم جميعا آمنون بعضهم من بعض حتّى ينفر الناس النفر الآخر ويصبحوا من الغد.
فوقفوا على حدة بعرفة، ودفع بالناس عبد الواحد. فلمّا كانوا بمنى ندّموا عبد الواحد وقالوا له:
- «أخطأت لو حملت الحاجّ عليهم ما كانوا إلّا أكلة رأس.» ولمّا كان فى النفر الأوّل نفر عبد الواحد وخلّى مكّة لأبى حمزة فدخلها بغير قتال وهجا الشعراء عبد الواحد ومضى إلى المدينة فضرب على الناس البعث وزادهم فى العطاء عشرة عشرة. [١]
ثمّ دخلت سنة ثلاثين ومائة
وفيها دخل أبو مسلم حائط مرو ونزل دار الإمارة ذكر السبب فى ذلك
كان السبب فى ذلك مصير علىّ بن جديع الكرماني إليه وسبب مصير علىّ معه أنّ سليمان بن كثير كان يقول لعلىّ بن الكرماني:
- «يقول لك أبو مسلم، أما تأنف من مصالحة نصر بن سيّار وقد قتل أباك بالأمس وصلبه، وما كانت أحسبك تصلّى مع نصر فى مسجد واحد؟» [٢٨٨] فأدرك عليّا الحفيظة، فرجع عن رأيه، وانتقض صلح العرب.
стр. 1337
فبعث نصر بن سيّار إلى أبى مسلم يلتمس منه أن يدخل مع مضر، وبعث ربيعة وقحطان إليه بمثل ذلك. فتراسلوا أيامّا. فأمرهم أبو مسلم أن يقدم عليه وفد الفريقين حتّى يختار أحدهما. ففعلوا وأمر أبو مسلم الشيعة أن تختار ربيعة وقحطان، فإنّ السلطان فى مضر وهم عمّال مروان وهم قتلة [١] يحيى بن زيد، فقدم الوفدان.
فكان فى وفد مضر عقيل بن معقل، وعبيد الله بن عبد ربّه، فى رجال منهم.
وكان فى وفد قحطان عثمان بن الكرمانىّ ومحمّد بن المثنّى فى رجال منهم.
فلمّا دخلوا إلى أبى مسلم كان معه فى البيت سبعون رجلا من الشيعة وكان أبو مسلم كتب كتابا يقرأ على الشيعة ليختاروا أحد الفريقين. فلمّا فرغ من قراءة الكتاب، قام سليمان بن كثير فتكلّم وكان خطيبا مفوّها فاختار علىّ بن الكرماني وأصحابه ثمّ قام رجل بعد رجل من وجوه الشيعة فتكلّموا نحو كلام سليمان. ثمّ قام مزيد بن شقيق فقال:
- «مضر قتلة آل النبىّ وأعوان بنى أميّة وشيعة مروان، ودماؤنا فى أعناقهم، وأموالنا فى أيديهم، ونصر بن سيّار عامل مروان على [٢٨٩] خراسان ينفذ أموره ويدعو له على منبره، ويسمّيه أمير المؤمنين، ونحن من ذلك براء، وقد اخترنا علىّ بن الكرمانىّ وأصحابه من قحطان وربيعة.» فضجّ من كان فى البيت بأنّ:
- «القول ما قال مزيد بن شقيق.» فنهض وفد مضر عليهم الكآبة والذلّة. ووجّه معهم أبو مسلم القاسم بن مجاشع فى خيل حتّى بلغوا مأمنهم، ورجع وفد علىّ بن الكرمانىّ مسرورين منصورين.
стр. 1338
وقال أبو مسلم للشيعة:
- «استعدّوا للشتاء. فقد أعفاكم الله من اجتماع كلمة العرب وصيّرهم إلى افتراق، وكان ذلك من الله قدرا مقدورا.
ذكر السبب فى دخوله حائط مرو
كان حائط مرو فى يد نصر، لأنّه عامل خراسان. فأرسل علىّ بن الكرمانىّ إلى أبى مسلم أن:
- «ادخل الحائط من قبلك وأنّا أدخل مع عشيرتي من قبلي فتغلب على الحائط.» فأرسل إليه أبو مسلم:
- «إنّى لست آمن أن تجتمع يدك ويد نصر على محاربتى ولكن ادخل أنت فأنشب [١] الحرب بينك وبين أصحاب نصر بن سيّار.» فدخل علىّ بن الكرماني [٢٩٠] فأنشب الحرب. وبعث أبو مسلم. أبا علىّ شبل بن طهمان النقيب فى خيل، فدخلوا الحائط، وبعثوا إلى أبى مسلم. أن:
ادخل، فدخل أبو مسلم من خندق الماخوان وعلى مقدّمته أسيد بن عبد الله، وعلى ميمنته مالك بن الهيثم، وعلى ميسرته القاسم بن مجاشع. حتّى دخل الحائط والفريقان يقتتلان. فأمرهما بالكفّ وهو يتلو من كتاب الله تعالى: «وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ من أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا من شِيعَتِهِ وَهذا من عَدُوِّهِ» ٢٨: ١٥ [٢] ومضى أبو مسلم حتّى نزل قصر الإمارة الذي ينزله عمّال خراسان، وهرب نصر بن سيّار وصفت مرو لأبى مسلم. فأمر أبا منصور
стр. 1339
طلحة بن زريق أن يأخذ البيعة على الناس من الهاشميّه خاصّة. وأبو منصور هذا أحد النقباء الاثني عشر الذين اختارهم محمّد بن علىّ من السبعين الذين استجابوا له سنة ثلاث ومائة.
وكان مفوّها، نبيلا، فصيحا، عالما بحجج الهاشميّة وكان أبوه حيّا، يكنّى أبا زينب، وكان شهد حرب عبد الرحمن بن الأشعث وصحب المهلّب بن أبى صفرة، فكان أبو مسلم يشاوره فى الأمور، ويدعوه بالكنية:
- «يا با طلحة ما تقول، وما رأيك؟» وكانت بيعته [٢٩١] :
- «أبايعكم على كتاب الله وسنّة نبيّه صلّى الله عليه، والطاعة للرضا من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه، عليكم بذلك عهد الله وميثاقه والطلاق والعتاق والمشي إلى بيت الله وعلى ألّا تسألوا رزقا ولا طعما [١] حتّى يبدأكم به ولاتكم وإن كان عدوّ أحدكم تحت قدمه ألّا يهيّجوه إلّا بأمر ولاتكم.» ولمّا حبس أبو مسلم سلم بن أحوز، ويونس بن عبد ربّه، وعقيل بن معقل، وأصحابهم، وشاور أبا طلحة فيهم، فقال له:
- «اجعل سوطك السيف وسجنك القبور.» فأقدم عليهم أبو مسلم فقتلهم. وكانت عدّتهم أربعة وعشرين رجلا صناديد.
ويقال: إنّ أبا مسلم لمّا دخل دار الإمارة بمرو، أرسل إلى نصر مع لاهز بن
стр. 1340
قريظ، وقريش بن شقيق، وعبد الله بن البختري [١] ، يدعوه إلى كتاب الله والطاعة للرضا من آل محمّد. فلمّا رأى نصر ما جاءه من اليمانية والربعيّة والعجم، وأنّه لا طاقة له بهم، أظهر قبول ما بعث به إليه على أن يأتيه فيبايعه.
فجعل يريّثهم لما همّ به من الغدر والهرب، إلى أن أمسى، فأمر أصحابه أن يخرجوا من ليلتهم فلم يتيسّر لهم الخروج فى تلك الليلة. [٢٩٢] وقال له سلم بن أحوز- «إنّه لا يتيسّر لنا الخروج الليلة ولكن [نخرج] [٢] القابلة.» فلمّا كان صبح تلك الليلة، عبّأ أبو مسلم كتائبه، فلم يزل فى تعبئتها إلى بعد الظهر. وأرسل إلى نصر لاهز بن قريظ، وقريش بن شقيق، وعبد الله بن البختري، وعدّة من أعاجم الشيعة فدخلوا على نصر فقال لهم:
- «ما أسرع ما عدتم؟» فقال له لاهز بن قريظ: «لا بدّ من ذلك.» فقال نصر: «أمّا إذا كان لا بدّ منه، فإنى أتوضّأ وأخرج إليه، وأرسل إلى أبى مسلم، فإن كان هذا رأيه أتيته ونعمى عين [٣] وكرامة وأنا أتهيّأ إلى أن يجيء رسولي.» فقام نصر كأنّه يتوضّأ. فلمّا قام، قرأ لاهز هذه الآية: «يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ من النَّاصِحِينَ.» ٢٨: ٢٠ [٤] فدخل نصر حجرته ومعه تميم ابنه والحكم بن نميلة وحاجبه فخرج من
стр. 1341
خلف حجرته عند دخول وقت الصلاة حين أظلم الوقت وانطلقوا هرّابا. فلمّا استبطأه لاهز وأصحابه دخلوا منزله، فوجدوه قد هرب. فلمّا بلغ ذلك أبا مسلم سار إلى معسكر نصر فأخذ ثقات أصحابه وصنادير مضر الذين كانوا فى عسكر نصر فكتفهم، وكان فيمن أخذ سلم بن أحوز [٢٩٣] وغيره، واستوثق منهم بالحديد ووكّل بهم حتّى قتلهم كما حكينا قبيل.
ومضى نصر حتّى نزل سرخس فيمن اتّبعه، وكانوا ثلاثة آلاف. ومضى أبو مسلم وعلىّ بن جديع فى طلبه. فركضا ليلتهما حتّى أصبحا فى قرية تدعى:
نصرانيّة، فوجدا نصرا قد خلّف امرأته المرزبانة فيها ونجا بنفسه. فرجع أبو مسلم وعلىّ بن جديع إلى مرو، فقال أبو مسلم للقوم الذين كان وجّههم إلى نصر:
- «ما الذي ارتاب به منكم؟» قالوا: «لا ندري.» قال: «فهل تكلّم أحد منكم؟» قالوا: «لا ندري.» قال بعضهم:
- «تلا لاهز: إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج. [١] » قال: «هذا الذي [٢] دعاه إلى الهرب.» ثمّ قال:
- «يا لاهز، أتدغل فى الدين؟» ثمّ قدّمه فضرب عنقه.
стр. 1342
وفى هذه السنة قتل شيبان الحرورىّ ذكر الخبر عن مقتله وسببه
كان علىّ بن جديع وشيبان مجتمعين على قتال نصر بن سيّار، لمخالفة شيبان نصرا. لأنّ شيبان خارجى وعلىّ بن جديع يخالف نصرا، لأنّه يمان ونصر مضرىّ، ولأنّ نصرا قتل أباه وصلبه. فلمّا صالح علىّ بن الكرماني أبا مسلم وفارق شيبان تنّحى شيبان [٢٩٤] عن مرو لأنّه علم أن لا طاقة له بأبى مسلم وعلىّ بن جديع مع تآلفهما واجتماعهما على خلافه، وقد هرب نصر من مرو. فأرسل إليه أبو مسلم يدعوه إلى بيعته، فأرسل إليه شيبان:
- «بل أنا أدعوك إلى بيعتي.» فأرسل إليه أبو مسلم:
- «إن لم تدخل فى أمرنا، فارتحل عن منزلك.» فأرسل شيبان إلى ابن الكرماني يستنصره فأبى. فسار شيبان إلى سرخس، واجتمع إليه جمع من بكر بن وائل. فبعث إليه أبو مسلم تسعة من الأزد فيهم المنتجع بن الزبير، يدعوه إلى المسالمة. فأرسل شيبان إلى رسل أبى مسلم فحبسهم. فكتب أبو مسلم إلى بسّام بن إبراهيم مولى بنى ليث ببيورد يأمره أن يسير إلى شيبان فيقاتله، ففعل، فهزمه بسّام واتّبعه حتّى دخل المدينة، فقتل شيبان وعدّة من بكر بن وائل. فقيل لأبى مسلم:
- «إنّ بسّام ثائر بأبيه وهو يقتل البريء والسقيم.» فكتب إليه أبو مسلم، فقدم واستخلف على عسكره.
ولمّا قتل شيبان مرّ رجل من بكر بن وائل يقال له: خفاف، [١] برسل أبى مسلم الذين كان حبسهم شيبان، فأخرجهم وقتلهم.
стр. 1343
أبو مسلم يقتل ابني جديع الكرماني وفى هذه السنة قتل أبو مسلم عليّا وعثمان ابني جديع الكرماني. [٢٩٥] ذكر السبب فى قتله إيّاهما
كان السبب فى ذلك أنّ أبا مسلم وجّه أبا داود إلى بلخ وبها زياد بن عبد الرحمن القشيري فلمّا بلغه قصد أبى داود بلخ، خرج فى أهل بلخ وغيرها من كور طخارستان إلى الجوزجان، فلمّا دنا أبو داود منهم انصرفوا منهزمين إلى التّرمذ.
ودخل أبو داود مدينة بلخ بمن معه، فكتب إليه أبو مسلم يأمره بالقدوم عليه، ووجّه مكانه يحيى بن نعيم. فخرج أبو داود وكاتب زياد بن عبد الرحمن يحيى بن نعيم بما دهم العرب من أبى مسلم وسأله أن تصير أيديهم واحدة فأجابه.
فرجع زياد بن عبد الرحمن القشيري، ومسلم بن عبد الرحمن بن مسلم الباهلي، وأهل بلخ والتّرمذ، وملوك طخارستان وما خلف النهر ودونه. فنزل زياد وأصحابه على فرسخ من مدينة بلخ، وخرج إليه يحيى بن نعيم ومن معه حتّى اجتمعوا، فصارت كلمتهم واحدة مضريّهم يمانيّهم وربعيّهم ومن معهم من العجم على قتال المسوّدة، وجعلوا الولاية عليهم لمقاتل بن حيّان النبطي كراهة أن تكون لواحد من الفرق الثلاث.
وكتب أبو مسلم إلى أبى داود [٢٩٦] يأمره بالانصراف. فانصرف أبو داود بمن كان معه حتّى اجتمعوا على نهر السّرخيان [١] .
стр. 1344
وكان زياد بن عبد الرحمن وأصحابه قد وجّهوا أبا سعيد القرشىّ مسلحة فيما بين الفود [١] وبين قرية يقال لها: بامديان، [٢] لئلا يأتيهم أصحاب أبى داود من خلفهم.
ذكر اتفاق عجيب وقع على أصحاب زياد حتّى انهزموا وقتلهم أبو داود
لمّا اجتمع أبو داود وزياد وأصحابهما واصطفّوا للقتال أمن أبو سعيد القرشي أن يؤتى زياد وأصحابه من خلفهم، فرجع وكانت أعلام أبى سعيد وراياته سودا. فلمّا خرج عليهم من سك الفود من وراءهم نظروا إلى الرايات السود، فظنّوها كمينا لأبى داود، وكان القتال قد نشب بين الفريقين، فانهزم زياد وأصحابه واتبعهم أبو داود، فوقع عامّه أصحاب زياد فى نهر السّرخيان، وقتل عامّة رجالهم المتخلّفين، ونزل أبو داود عسكرهم، [٣] وحوى ما فيه ولم يتبعهم.
وأقام أبو داود يومه ذلك ومن الغد، ولم يدخل بلخ واستصفى أموال من قتل بالسّرختان ومن هرب من العرب وغيرهم واستقامت بلخ لأبى داود.
ثمّ كتب إليه أبو مسلم [٢٩٧] يأمره بالقدوم عليه، ووجّه النضر بن صبيح المرّىّ على بلخ، وقدم أبو داود، فاجتمع رأى أبى داود ورأى أبى مسلم على أن يفرّق بين علىّ وعثمان ابني الكرماني. فبعث أبو مسلم عثمان عاملا على بلخ فلمّا توجّه إليها استخلف الفرافصة [٤] بن ظهير على مدينة بلخ. وأقبلت
стр. 1345
المضريّة من الترمذ عليهم مسلم بن عبد الرحمن الباهلي. فالتقوا مع أصحاب عثمان بن جديع، فهزموا أصحاب عثمان وغلب على بلخ المضريّة، وأخرجوا الفرافصة، وبلغ الخبر عثمان بن جديع والنضر بن صبيح وهما بمرو الرود فأقبلا نحوهم. وبلغ أصحاب زياد بن عبد الرحمن فهربوا من تحت ليلتهم، فقصّر النضر فى طلبهم رجاء أن يفوتوا، وجدّ أصحاب عثمان حتّى لقوهم.
فاقتتلوا قتالا شديدا، وانهزم أصحاب عثمان وأكثر فيهم القتل ومضت المضريّة إلى أصحابهم، ورجع أبو داود من مرو إلى بلخ، وسار أبو مسلم ومعه علىّ بن جديع إلى نيسابور، واتّفق رأى أبى مسلم ورأى أبى داود على أن يقتل أبو مسلم عليّا ويقتل أبو داود عثمان فى يوم واحد. فلمّا قدم أبو داود بلخ، بعث عثمان إلى الختّل فيمن معه [٢٩٨] من أهل مرو ويمانية أهل بلخ وربعيّهم. فلمّا خرج من بلخ خرج أبو داود فاتبع الأثر فلحقه على شاطئ نهر بوخش [١] من أرض الختّل فوثب أبو داود على عثمان وأصحابه، فحبسهم، ثمّ ضرب أعناقهم جميعا.
وقتل أبو مسلم فى ذلك اليوم علىّ بن جديع، وقد كان أبو مسلم أمره أن يسمّى له خاصّته ليولّيهم ويأمر لهم بجوائز، فسمّاهم له فقتلهم جميعا.
قدوم قحطبة بن شبيب على أبى مسلم
وفى هذه السنة قدم قحطبة بن شبيب على أبى مسلم خراسان منصرفا من عند إبراهيم بن محمّد، ومعه لواء عقده له إبراهيم. فوجّهه أبو مسلم على مقدّمته، وضمّ إليه الجيوش، وجعل إليه العزل والولاية، وكتب إلى الجنود بالسمع له والطاعة.
стр. 1346
فتوجّه قحطبة إلى نيسابور للقاء نصر. وكان أصحاب شيبان الحرورىّ بعد قتله لحقوا بنصر وهو بنيسابور، وتوجّه قحطبة فى قوّاده، فأخذ جهور بن مرّار وهو أحد القوّاد على ناحية بيورد، وأخذ القاسم بن مجاشع وهو أحد القوّاد على ناحية سرخس، وتوجّه قحطبة نحو طوس ومعه وجوه القوّاد كأبي عون وخالد بن برمك وخازم بن خزيمة [٢٩٩] وعثمان بن نهيك وأمثالهم. فلقى من بطوس، فانهزموا، ودفعوا إلى مضيق، فكان من مات منهم فى الزحام أكثر ممّن قتل وبلغ عدّة القتلى يومئذ بضعة عشر ألفا.
وتوجّه قحطبة إلى السودقان وهو معسكر تميم بن نصر والنابى. وكان قحطبة قد وجّه على مقدّمته أسيد بن عبد الله الخزاعي فى ثلاثة آلاف رجل فسار إليه وتعبّأ تميم والنابى لقتاله. وكتب أسيد إلى قحطبة يعلمه ما أجمعوا عليه من قتاله وأنّه إن لم يعجل القدوم عليه حاكمهم إلى الله، وأعلمه أنّهما فى ثلاثين ألفا من صناديد أهل خراسان وفرسانهم. فوجّه قحطبة مقاتل بن حكيم العكىّ فى ألف وخالد بن برمك فى ألف. فقدما عليه وقوى أسيد بهما، وبلغ ذلك تميما النابى فكسرهما.
ثمّ قدم عليهم قحطبة بمن معه وعبّأ ميمنته وميسرته ثمّ زحف إليهم ودعاهم إلى كتاب الله تعالى وسنّة نبيّه وإلى الرضا من آل محمّد صلّى الله عليه، فلم يجيبوه. فأمر الميمنة والميسرة أن يحملوا. فاقتتلوا قتالا شديدا، وقتل تميم بن نصر فى المعركة، وقتل منهم مقتلة عظيمة، واستبيح عسكرهم [٣٠٠] وانهزم النابى فتحصّن فى المدينة وأحاطت به الجنود، فنقبوا المدينة ودخلوها، فقتلوا النابى ومن كان معه، وهرب عاصم بن عمير وسالم بن راوية إلى نصر بن سيّار بنيسابور، فأخبراه بقتل تميم والنابى ومن كان معهما.
فصيّر قحطبة قبض ما فى العسكر المهزوم إلى خالد بن برمك. وارتحل نصر هاربا فى أهل أبرشهر حتّى نزل قومس وتفرّق عنه أصحابه فسار إلى جرجان،
стр. 1347
وبها نباتة بن حنظلة من قبل يزيد بن عمر بن هبيرة.
ذكر مقتل نباتة بن حنظلة
كان يزيد بن عمر بن هبيرة بعث نباتة بن حنظلة الكلابي إلى نصر مددا له فى خيل وعدّة وعتاد. فسار إلى إصبهان، ثمّ سار إلى الرىّ، ومضى إلى جرجان، ولم ينضمّ إلى نصر. وخندق نباتة، وكان إذا وقع الخندق فى دار قوم رشوه فأخّره [١] حتّى صار خندقه نحوا من فرسخ.
وأقبل [٢] قحطبة إلى جرجان فى سنة ثلاثين ومائة وذلك فى ذى القعدة منها. وقد تعبّأ وجعل على مقدّمته الحسن بن قحطبة. [٣٠١] وقال قحطبة:
- «يا أهل خراسان، استبصروا فإنّكم تسيرون إلى بقية قوم حرّقوا بيت الله.» وأقبل الحسن بن قحطبة حتّى نزل على تخوم خراسان، وأنفذ قوما إلى مسلحة نباتة وعليها رجل يقال له: ذويب، فبيّتوهم وقتلوا ذويبا وسبعين من أصحابه. ثمّ رجعوا إلى عسكر الحسن. وقدم قحطبة فنزل بإزاء نباتة، وكان أهل الشام فى عدّة لم ير الناس مثلها. فلمّا رآهم أهل خراسان هابوهم حتّى تكلّموا بذلك، وبلغ ذلك قحطبة فقام خطيبا.
خطبة لقحطبة قوّت قلوب أصحابه
قام فقال:
- «يا أهل خراسان، إنّ هذه البلاد كانت لآباءكم الأوّلين، وكانوا
стр. 1348
ينصرون على أعداءهم، لعدلهم وحسن سيرتهم. فلمّا بدّلوا وظلموا سخط الله عليهم، فانتزع سلطانهم وسلّط عليهم أذلّ أمّة كانت فى الأرض عندهم، فغلبوهم على بلادهم واستنكحوا نساءهم، واسترقّوا أولادهم، وقتلوا آباءهم. فكانوا على ذلك يحكمون بالعدل ويوفون بالعهد وينصرون المظلوم. ثمّ بدّلوا وغيّروا وجاروا فى الحكم وأخافوا أهل البرّ والدين من عترة رسول الله صلّى الله عليه. فسلّطكم الله عليهم لينتقم منهم بكم ليكونوا أشدّ عقوبة لأنّكم طلبتموهم بالثأر. وقد عهد إلىّ الإمام ﵇ أنّكم تلقونهم فى مثل هذه العدّة فينصركم الله عليهم فتهزمونهم وتقتلونهم.» وكان قرئ على قحطبة كتاب من أبى مسلم:
- «أمّا بعد فناهض عدوّك بجدّ، فإنّ الله ناصرك. فإذا ظهرت عليهم فأثخن فى القتل.» فالتقوا فى متسهل ذى الحجّة واقتتلوا وصبر بعضهم لبعض. فقتل نباتة وانهزم أهل الشام فقتل منهم أكثر من عشرة آلاف وبعث إلى ابى مسلم برأس نباتة وابنه حيّة [١] .
وكان من عجيب [٢] ما شوهد فى تلك الحرب أمر سالم بن راوية التميمي، وكان ممّن هرب من أبى مسلم وخرج مع نصر، ثمّ صار مع نباتة فقاتل قحطبة بجرجان فى هذه الوقعة، فلمّا انهزم الناس بقي فثبت وقاتل وحده، فحمل عليه
стр. 1349
عبد الله الطائىّ وهو من الفرسان، فضربه سالم بن راوية على وجهه فأندر [٣٠٣] عينه. ثمّ قاتلهم حتّى اضطرّ إلى مسجد، فدخله ودخلوا عليه، فكان لا يشدّ فى ناحية إلّا كشفهم. فعطش فجعل ينادى- «شربة، فو الله لأنقعنّ لهم شرا يومى هذا.» فلم يقدر عليه أحد، حتّى حرقوا عليه سقف المسجد، ورموه بالحجارة، حتّى قتلوه، وجاءوا برأسه إلى قحطبة، وليس فى وجهه ولا رأسه مصحّ.
فقال قحطبة والناس:
- «ما رأينا مثل هذا قطّ.»
وقعة قديد
وفى هذه السنة كانت الوقعة بقديد بين أبى حمزة الخارجي وأهل المدينة.
ذكر الخبر عن ذلك كنّا حكينا أنّ عبد الواحد بن سليمان رجع إلى المدينة، وضرب على البعوث، واستعمل عبد العزيز بن عمرو بن عثمان على الناس، فخرجوا حتّى نزلوا قديد وكانت الحياض هناك وهم قوم مغترّون ليسوا بأصحاب حرب فلم يرعهم إلّا القوم قد خرجوا عليهم فقتلوهم، وكانت المقتلة على قريش، كانوا أكثر الناس، وبهم كانت الشوكة.
ودخل أبو حمزة مدينة رسول الله صلّى الله عليه، وهرب عبد الواحد [٣٠٤] إلى الشام، فأحسن السيرة وخطب فذكر جور بنى مروان وآل أميّة، واستمال الناس حتّى سمعوه يقول فى خطبته:
- «يا أهل المدينة، من زنا فهو كافر ومن سرق فهو كافر.» ثمّ إنّ مروان انتخب من عسكره أربعة آلاف واستعمل عليهم ابن عطيّة و
стр. 1350
أمره بالجدّ فى المسير وأعطى كلّ رجل منهم مائة دينار، وفرسا عربيّا وبغلا لثقله، وأمرهم أن يقاتلهم فإذا ظفر مضى حتّى يبلغ اليمن، ويقاتل عبد الله بن يحيى، ومن تبعه. فخرج حتّى نزل بالمعلّى. [١] ثمّ سار إلى وادي القرى فلقيهم حمزة فقال حمزة:
- «لا تقاتلوهم حتّى تختبروهم.» قال: فصاحوا بهم:
- «ما تقولون فى القرآن والعمل به؟» فصاح ابن عطيّة:
- «وما عليك يا فاجر؟» قالوا [٢] : «نحن مسلمون ولا نقاتلكم إلّا ببيان، فأخبرونا عن القرآن وفرائضه.» فصاحوا: «نضعه فى بيوتنا ثمّ نقاتلكم.» ثمّ سألوهم عن أشياء أجابوهم عنها بقبائح، إلى أن قالوا:
- «فما تقولون فى مال اليتيم؟» فصاح صائح:
- «نأكل ماله ونفجر بأمّه.» فحينئذ قاتلوهم حتّى أمسوا. ثمّ صاحوا:
- «ويحك يا ابن عطيّة، إنّ الله جعل [٣٠٥] الليل سكنا فاسكن نسكن.» فأبى. وقال لأصحابه:
- «هذا وهن منهم فجدّوا.»
стр. 1351
ففعلوا حتّى قتلهم، وانهزم من انهزم منهم. فلمّا رجعوا إلى المدينة منهزمين تلقّاهم أهلها فقتلوهم.
مضىّ ابن عطيّة إلى مكّة واليمن
ومضى ابن عطيّة إلى مكّة واستخلف على المدينة عروة بن الوليد [١] بن محمّد بن عطيّة، ثمّ مضى من مكّة إلى اليمن واستخلف على مكّة ابن ماعز- رجل من أهل الشام- وبلغ عبد الله بن يحيى وهو بصنعاء مسيره فأقبل إليه بمن معه وقاتله فقتل عبد الله بن معاوية، وتفرّق أصحابه. ودخل ابن عطية صنعاء وبعث برأس عبد الله بن يحيى بن معاوية إلى مروان.
قتل قحطبة أهل جرجان
وفى هذه السنة قتل قحطبة من أهل جرجان زهاء ثلاثين ألف رجل وذلك أنّ أهل جرجان كان أجمع رأيهم بعد مقتل نباتة بن حنظلة على الخروج على قحطبة فبلغه ذلك. فدخل فاستعرضهم [٢] فقتل منهم من ذكرت.
رجع الحديث إلى قصّة نصر مع أبى مسلم وقحطبة
ولمّا بلغ نصر بن سيّار، قتل نباتة ومن قتل من أهل جرجان وهو بقومس.
ارتحل [٣] [٣٠٦] حتّى نزل خوار الرىّ [٤] . وكتب أبو مسلم إلى زياد بن زرارة
стр. 1352
القشيري بعهده على نيسابور، وكتب إلى قحطبة يأمره أن يتبع نصرا فوجّه قحطبة العكّى على مقدّمته وسار حتّى نزل نيسابور فأقام قحطبة بها شهر رمضان وشوّالا، ونصر نازل بقرية من قومس. فكتب نصر إلى ابن هبيرة يستمدّه ويعظّم الأمر عليه، فحبس ابن هبيرة رسله.
فكتب نصر إلى مروان:
- «إنّى وجّهت إلى ابن هبيرة بوجوه أهل خراسان ليعلموه شدّة الأمر عندنا وسألته المدد فاحتبس رسلي ولم يمدّنى بأحد، وإنّما أنا بمنزلة من أخرج من حجرته إلى داره، ثمّ أخرج من داره إلى فناء داره، فإن أدركه من يعينه فعسى أن يعود إلى داره، وإن أخرج إلى الطريق فلا بقيّة له.» فكتب مروان إلى ابن هبيرة يأمره أن يمدّ نصرا، وأجاب نصرا يعلمه ذلك.
فكتب نصر إلى ابن هبيرة يسأله أن يعجّل إليه الجند، فإنّى قد كذبت أهل خراسان حتّى ما يصدّق أحد منهم لى قولا فأمدّنى بعشرة آلاف [١] قبل أن تمدّنى بمائة ألف ثمّ لا تغنى شيئا. [٣٠٧]
ثمّ دخلت سنة إحدى وثلاثين ومائة
وارتحل نصر من قومس حتّى نزل الخوار وأميرها أبو بكر العقيلي وكان قحطبة وجّه ابنه الحسن إلى قومس ثمّ وجّه قحطبة أبا كامل وأبا القاسم بن محرز بن إبراهيم وأبا العبّاس المروزي إلى الحسن فى سبعمائة، فلمّا كانوا قريبا منه انحاز أبو كامل وترك عسكره وأتى نصرا فصار معه، وأعلمه مكان الجند الذين خلفهم، فوجّه نصر إليهم جندا، فأتوهم وهم فى حائط، فحصروهم
стр. 1353
فنقّب عليهم فهرب القوم وخلّفوا متاعهم، فأخذه أصحاب نصر، فبعث به نصر إلى ابن هبيرة.
وكان ابن هبيرة قد أمدّ بغطيف فى ثلاثة آلاف وقد بلغ الرىّ فعرض غطيف لمّا أنفذه نصر وأخذ الكتاب من رسول نصر والمتاع وبعث به مع صاحبه إلى ابن هبيرة، فغضب نصر وقال:
- «أبى يتلعّب ابن هبيرة؟ أيشغب علىّ بضغابيس [١] قيس؟ أما والله لأدعنّه، فليعرفنّ أنّه ليس بشيء ولا ابنه الذي تربّض [٢] له الأشياء.» وسار نصر نحو الرىّ وعلى الرىّ حبيب بن بديل النهشلي، فلمّا بلغ غطيفا قرب نصر من الرىّ خرج متوجّها إلى همذان، وفيها مالك بن أدهم بن محرز الباهلي، فلمّا رأى غطيف مالكا فى همذان عدل منها إلى إصبهان، إلى عامر بن ضبارة. [٣٠٨] ولم يلتق نصر مع غطيف، ثمّ مرض نصر، وكان يحمل حملا وتوجّه إلى همذان فمات فى الطريق.
وبلغ الحسن موت نصر، فبعث خزيمة بن خازم إلى سمنان، وأقبل قحطبة من جرجان، وقدّم أمامه زياد بن زرارة القشيري وكان زياد ندم على اتباع أبى مسلم، فانخزل عن قحطبة وأخذ طريق إصبهان يريد عامر بن ضبارة.
فوجّه قحطبة خلفه المسيّب بن زهير، فلحقه من غد العصر، فقاتله وانهزم زياد، وقتل عامّة من صحبه، ورجع المسيّب إلى قحطبة. ثمّ سار قحطبة إلى قومس، وبها ابنه الحسن، وقدم خزيمة بن خازم من الوجه الذي كان وجّهه فيه الحسن، وقدّم قحطبة ابنه الحسن إلى الرىّ، وبلغ حبيب بن بديل النهشلي
و
стр. 1354
من معه من أهل الشام مسير الحسن فخرجوا عن الرىّ، فقدمها الحسن وأقام حتّى قدم أبوه، وكتب قحطبة إلى أبى مسلم بنزوله الرىّ.
تحوّل أبى مسلم من مرو إلى نيسابور
وفى هذه السنة تحوّل أبو مسلم من مرو إلى نيسابور، وذلك لما ورد عليه كتاب قحطبة بنزوله الرىّ، ووجّه قحطبة ابنه الحسن بعد نزوله [٣٠٩] الرىّ بثلاث إلى همدان، فلمّا توجّه إليها خرج منها مالك بن أدهم فترك قوم من أصحاب مالك دواوينهم بعد أن بذلها لهم.
وسار مالك إلى نهاوند فيمن تبعه، وسار الحسن فنزل على أربعة فراسخ من المدينة، فأمدّه أبوه قحطبة بأبى الجهم بن عطية مولى باهلة فى سبعمائة ووصّاه أن يحاصر المدينة. فذهب حتّى حاصرها.
وفى هذه السنة قتل عامر بن ضبارة واستبيح عسكره. ذكر الخبر عن ذلك وسببه
كان سبب ذلك أنّ ضبارة لمّا هزم عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر، تبعه إلى كرمان ليلحقه، وورد على يزيد بن عمر بن هبيرة مقتل نباتة بن حنظلة بجرجان فكتب إلى عامر بن ضبارة وإلى ابنه داود بن يزيد بن عمر أن يسيرا إلى قحطبة وكان بكرمان، فسار فى خمسين ألفا حتّى نزلوا إصبهان بمدينة جىّ، فكان يقال لعسكر ابن ضبارة: عسكر العساكر.
فبعث قحطبة مقاتلا وأبا حفص المهلّبى وموسى بن عقيل ومالك بن طريف فى جماعة أمثالهم وعليهم [٣١٠] جميعا العكّىّ، فسار حتّى نزل قم.
وبلغ ابن ضبارة نزول الحسن على أهل نهاوند فأراد أن يأتيهم مغيثا لهم، وبلغ الخبر العكّى فبعث إلى قحطبة يعلمه ووجّه زهير بن محمّد إلى قاسان. و
стр. 1355
خرج العكّى من قم وخلّف بها طريف بن عجلان فكتب إليه يأمره أن يلبث بقم متلوّما حتّى يقدم عليه. وأقبل قحطبة من الرّى وبلغه تلاقى طلائع العسكرين، فلمّا لحق قحطبة بمقاتل بن حكيم العكّى، ضمّه مع عسكره إلى عسكره وسار عامر بن ضبارة إليهم و [بينه وبين] [١] وعسكر قحطبة فرسخ. ثمّ نهد إليه فالتقوا وكان قحطبة فى عشرين ألفا وابن ضبارة [٢] فى مائة وخمسين ألفا، فأمر قحطبة بمصحف، فنصب على رمح ثمّ نادى:
- «يا أهل الشام، ندعوكم إلى ما فى هذا المصحف.» فشتموه وأفحشوا له فى القول.
فقال قحطبة:
- «احملوا على اسم الله.» فحمل عليهم العكي، فلم يكن بينهم كثير قتال حتّى انهزم أهل الشام وقتلوا قتلا ذريعا، وحووا عسكرهم فأصابوا شيئا لا يدرى ما عدده من السلاح والمتاع والرقيق، وبعث بالفتح إلى ابنه الحسن. [٣١١]
ذكر السبب فى ذلك
وكان السبب فى هزيمة ابن ضبارة أنّه كان فى خيل لا رجّالة، معه، وكان قحطبة معه خيل ورجّالة فلمّا رمى الرجّالة الخيل بالنّشاب، انهزم أصحاب ابن ضبارة، فنزل ابن ضبارة [٣] فى العسكر ونادى:
- «إلىّ، إلىّ.» فمضى أصحابه وطووه وقحطبة فى أثرهم حتّى انتهوا إلى ابن ضبارة فقتله.
стр. 1356
وكان داود بن يزيد بن عمر بن هبيرة فيمن انهزم. فسأل عامر عنه، فقيل:
انهزم. فقال:
- «لعن الله شرّنا منقلبا.» فقاتل حتّى قتل.
وقعة قحطبة بنهاوند
وفى هذه السنة كانت وقعة قحطبة بنهاوند بمن كان لجأ إليها من جنود مروان بن محمّد.
ذكر الخبر عن هذه الوقعة لمّا قتل ابن ضبارة، وورد خبره على الحسن بن قحطبة، كبّر وكبّر جنده.
فقال عاصم بن عمير:
- «ما صاح هولاء إلّا بقتل ابن ضبارة، فافرجوا [١] عن الحسن بن قحطبة قبل أن يأتيه أبوه أو مدد من قبله.» فلا تقومون [٢] له.
فقال الرّجالة:
- «تخرجون وأنتم فرسان على خيول فتذهبون وتخلّوننا.» فقال لهم مالك بن أدهم الباهلي [٣١٢] :
- «كتب إلىّ ابن هبيرة ولا أبرح حتّى يقدم علىّ.» فأقاموا وأقام قحطبة بإصبهان عشرين يوما، ثمّ سار حتّى قدم على الحسن بنهاوند، فحصرهم ودعاهم إلى الأمان فأبوا، فوضع عليهم المجانيق. فلمّا اشتدّ
стр. 1357
عليهم الأمر، طلب مالك الأمان لنفسه ولأهل الشام، وأهل خراسان لا يعلمون.
فأعطاه الأمان فوفى لهم قحطبة ولم يقتل منهم أحدا وقتل من كان بنهاوند من أهل خراسان إلّا الحكم بن ثابت بن أبى مسعر. وقتل من أهل خراسان أبا كامل، وحاتم بن الحارث بن سريج، وابن نصر بن سيّار، وعاصم بن عمير، وعلىّ بن عقيل، وبيهس بن بديل، ورجلا من ولد عمر بن الخطّاب يقال له:
البخترىّ. ويقال إنّ قحطبة كان أرسل إلى أهل خراسان بنهاوند يدعوهم إلى الخروج إليه وأعطاهم الأمان. فأبوا ذلك. ثمّ أرسل إلى أهل الشام بمثل ذلك، فقبلوا الأمان وبعثوا إلى قحطبة أن:
- «اشغل أهل المدينة حتّى نفتح الباب وهم لا يشعرون.» ففعلوا ذلك.» وشغل قحطبة أهل المدينة بالقتال ففتح أهل الشام الباب الذي كانوا عليه، فلمّا رأى أهل خراسان الذين فى المدينة خروج أهل الشام [٣١٣] سألوهم عن سبب خروجهم فقالوا:
- «أخذنا الأمان لنا ولكم.» فخرج رؤساء أهل خراسان، فدفع قحطبة كل رجل منهم إلى رجل من قوّاد أهل خراسان، ثمّ أمر مناديه أن ينادى:
- «من كان فى يده أسير ممّن خرج إلينا من المدينة فليضرب عنقه وليأتنا برأسه.» ففعلوا فلم يبق أحد من الذين كانوا هربوا من أبى مسلم وصاروا فى ذلك الحصن إلّا قتل ما خلا أهل الشام، فإنّه خلّى سبيلهم وحلّفهم ألّا يمالئوا عليه عدوّا.
ووجّه قحطبة الحسن ابنه إلى مرج القلعة فقدّم الحسن خازم بن خزيمة إلى حلوان وعليها عبيد الله بن العلاء الكندي، فهرب من حلوان وخلّاها. ووجّه
стр. 1358
قحطبة أبا عون عبد الملك بن يزيد الخراساني، ومالك بن طواف [١] الخراساني فى أربعة آلاف إلى شهرزور وبها عثمان بن سفيان على مقدّمته عبد الله بن مروان، فقدم ابن عون وقاتل عثمان قتالا شديدا ثمّ هرب عثمان واستباح ابن عون عسكره.
ولمّا بلغ مروان خبر ابن عون وهو بحرّان ارتحل ومعه جنود الشام والجزيرة والموصل وحشرت معه بنو أميّة أبناءهم، وسار مقبلا حتّى انتهى إلى الموصل. [٣١٤] ثمّ أخذ فى حفر الخنادق من خندق إلى خندق حتى نزل الزاب الأكبر. وأقام ابن عون بشهرزور وفرض بها لخمسة آلاف رجل.
مسير قحطبة نحو ابن هبيرة
وفى هذه السنة سار قحطبة نحو ابن هبيرة. ولمّا قدم على ابن هبيرة ابنه منهزما من حلوان، خرج يزيد بن عمر بن هبيرة إلى قتال قحطبة فى عدد كثير لا يحصى وكان مروان أمدّ ابن هبيرة بحوثرة بن سهيل الباهلي، فسار ابن هبيرة حتّى نزل جلولا [٢] الوقيعة وخندق، فيقال: إنّه احتفر [الخندق] [٣] الذي كانت العجم الحتفرته أيام وقعة جلولا فأقام وأقبل قحطبة فارتفع إلى عكبرا [٤] ، وأجاز قحطبة دجلة ومضى حتّى نزل دمّما دون الأنبار وارتحل ابن هبيرة بمن معه منصرفا يبادر قحطبة إلى الكوفة حتّى نزل فم الفرات فى شرقيّة وقدّم حوثرة فى خمسة عشر ألفا إلى الكوفة وقطع قحطبة الفرات من دممّا حتّى
стр. 1359
صار فى غربيّه، ثمّ سار يريد الكوفة حتّى انتهى إلى الموضع الذي فيه ابن هبيرة. فيقال: إنّ حوثرة بن سهيل أشار على ابن هبيرة وقال له:
- «إنّ قحطبة قد مضى إلى الكوفة، فاقصد أنت لخراسان ودعه ومروان، فإنّك [٣١٥] تكسره وبالحرىّ أن يتبعك.» فأبى وقال:
- «ما كنت لأدعه والكوفة بل أبادره إليها.» وقال قحطبة لأصحابه:
- «هل تعلمون طريقا يخرجنا إلى الكوفة لا يمرّ بابن هبيرة؟» فقال بعضهم:
- «نعم، تعبر تامرّا من روستقباد وتلزم الجادّة إلى برزج سابور وعكبرا ثمّ تعبر دجلة إلى أوانا.» ويقال: إنّه لمّا بلغ الفرات سأل:
- «هل هناك مخاضة؟» فدّلوه عليها. فنزل قحطبة الجازية [١] وقال:
- «صدقنى الإمام، أخبرنى أنّ النصر بهذا المكان.» وأعطى الجند أرزاقهم، فردّ عليه كاتبه ستّة عشر ألف درهم من فضل الدرهم والدرهمين وأقل وأكثر فقال:
- «لا تزالون بخير ما كنتم على هذا.» ووافته [٢] مقدّمة خيول ابن هبيرة فلمّا انتهى ابن هبيرة إلى المخاضمة اقتحم فى عدّة، فحملوا على أصحاب ابن هبيرة حتّى انهزموا ومضى حوثرة حتّى
стр. 1360
نزل قصر ابن هبيرة، وأصبح أهل خراسان وقد فقدوا أميرهم فألقوا بأيديهم، وعلى الناس الحسن بن قحطبة.
واختلف الناس فى هلاك قحطبة، فزعم بعضهم أنّه غرق، وادّعى قتله غير واحد ممّن كان وتره، زعم [١] كلّ واحد أنّه أصاب [٣١٦] فرصته منه فى الماء فقتله.
فقال الناس:
- «أيّها الناس، من كان عنده عهد من قحطبة فليخبرنا به.» فقال مقاتل بن مالك العكّىّ:
- «سمعت قحطبة يقول: إن حدث بى حدث فالحسن أمير الناس.» فبايع الناس حميد بن قحطبة للحسن أخيه، وأرسلوا إلى الحسن، فلحقه الرسول دون قرية شاها [٢] فرجع الحسن فأعطاه أبو الجهم خاتم أبيه، وبايعه الناس. فقال الحسن:
- «إن كان قحطبة قد مات فأنا ابن قحطبة.» وكان أحد من ادّعى قتل قحطبة معن بن زائدة ويحيى بن حصين. وقال قوم: وجد قحطبة قتيلا فى جدول، وحرب بن سلم بن أحوز قتيل إلى جنبه.
فظنّوا أنّ كلّ واحد منها قتل صاحبه.
وحكى عن قحطبة أنّه قال:
- «إذا قدمتم الكوفة فوزير الإمام أبو سلمة، فسلّموا الأمر إليه.» ورجع ابن هبيرة إلى واسط بعد أن انهزم حوثرة. وأمر الحسن بن قحطبة بإحصاء ما وجد فى عسكر ابن هبيرة، وأمر بحمل الغنائم فى السفن إلى الكوفة.
стр. 1361
وخرج محمّد بن خالد بن يزيد السرى بالكوفة وسوّد قبل أن يدخلها الحسن بن قحطبة وضبطها. [٣١٧]
ذكر الخبر عمّا كان من أمره وضبطه الكوفة إلى أن وصل الحسن
ظهر محمّد بن خالد بالكوفة وسوّد وسار إلى القصر وعلى الكوفة يومئذ زياد بن صالح الحارثي. فارتحل زياد ومن معه من أهل الشام وخلّوا القصر، فدخله محمّد بن خالد فلمّا أصبح يوم الجمعة من غد يوم دخوله- وهو اليوم الثاني من مهلك قحطبة- بلغه نزول حوثرة ومن معه مدينة ابن هبيرة، وأنّه تهيّأ للمسير إليه. فتفّرق عن محمّد عامّة من معه حيث بلغهم ذلك، إلّا فرسانا من أهل الشام من اليمن كانوا هربوا من مروان ومواليه.
وراسله [١] أبو سلمة الخلّال من غير أن يظهر له يأمره بالخروج من القصر واللحاق بأسفل الفرات وأنّه يخاف عليه لقلّة من معه وكثرة من مع حوثرة ولم يبلغ واحدا منهما هلاك قحطبة، فأبى محمّد بن خالد أن يفعل وتعالى النهار فتهيّأ حوثرة للمسير إلى محمّد بن خالد حيث بلغه قلّة من معه وخذلان العامّة إيّاه. فبينا محمّد فى القصر إذ أتاه بعض طلائعه وقال:
- «خيل قد جاءت من أهل الشام.» فوجّه إليهم عدّة من مواليه، فأقاموا بباب دار عمر بن سعد [٣١٨] إذ طلعت رايات أهل الشام فتهيّأوا لقتالهم فنادى أهل الشام:
- «نحن بجيلة وفينا مليح بن خلف البجلي جئنا لندخل فى طاعة الأمير محمّد.»
стр. 1362
فتركوهم ودخلوا ثمّ جاءت خيل أعظم من تلك فيها جهم بن الأصفح الكلبي. ثمّ جاءت خيل أعظم منها مع رجل من آل بحدل [١] فلمّا رأى ذلك حوثرة من صنيع أصحابه ارتحل نحو واسط بمن معه.
وكتب محمّد بن خالد من ليلته إلى قحطبة وهو لا يعلم بهلاكه يعلمه أن قد ظفر بالكوفة، وعجّل به مع فارس، فقدم على الحسن بن قحطبة فقرأه على الناس. ثمّ ارتحل إلى الكوفة، وأقام محمّد بالكوفة الجمعه والسبت والأحد، وصبّحه الحسن يوم الإثنين، فأتوا أبا سلمة وهو فى بنى مسلمة [٢] فاستخرجوه، فعسكر بالنخيلة يومين، ثمّ ارتحل إلى حمّام أعين.
ووجه الحسن بن قحطبة إلى واسط لقتال ابن هبيرة. وكان أبو سلمة يعرف بوزير آل محمّد حتّى اتّهم.
حسن بن قحطبة يوجّه إلى قتال ابن هبيرة
ولمّا وجّه الحسن بن قحطبة إلى قتال ابن هبيرة ضمّ إليه ستّة عشر قائدا منهم خازم بن خزيمة ومقاتل العكّى، وخفاف بن منصور، وأشباههم من الوجوه ووجّه حميد بن قحطبة إلى المدائن فى قوّاد، وبعث خالد بن برمك [٣١٩] إلى دير قنّى، [٣] وبعث شراجيل إلى عين التمر، ووجّه بسّام بن إبراهيم بن بسّام إلى الأهواز- وبها عبد الواحد بن عمر بن هبيرة- وبعث مع حفص بن سبيع إلى سفيان بن معاوية بعهده على البصرة وتقدّم إليهم بإظهار دعوة بنى العبّاس ويدعو إلى الإمام القائم منهم.
стр. 1363
فأمّا بسّام فإنّه لمّا أتى الأهواز خرج منها عبد الواحد إلى البصرة. وأمّا سفيان فإنّه لمّا قدم عليه الكتاب والعهد قاتله سلم بن قتيبة ولم يسلّم له، وكان مبدأ قتاله إيّاه أنّ سفيان كتب إليه يأمره بالتحوّل عن دار الإمارة ويخبره بما أتاه من رأى أبى سلمة، فامتنع سلم وحشد إليه سفيان [١] اليمانيّة وحلفاءهم من ربيعة وغيرها، وجنح إليه قائد من قوّاد ابن هبيرة كان بعثه مددا لسلم فى ألفى رجل فأجمع السير إلى سلم بن قتيبة فاستعدّ سلم له وحشد من قدر عليه من قيس ومضر وموالي بنى أميّة وأشياعهم.
وسارت بنو أميّة الذين بالبصرة إلى نصره فقدم- سفيان فى صفر، فأتى المربد سلم، فوقف منه فى سوق الإبل، ووجّه الخيول فى سكك البصرة للقاء [٣٢٠] من وجّه إليه سفيان. ونادى:
- «من جاء برأس فله خمسمائة، ومن جاء بأسير فله ألف درهم.» ومضى ابن سفيان واسمه معاوية فى ربيعة خاصّة، فلقيه خيل [٢] من تميم فى سكّة فطعن رجل [منهم] فرس معاوية، فشبّ به وصرعه. ونزل إليه آخر فقتله وحمل رأسه إلى سلم بن قتيبة فأعطاه عشرة آلاف درهم فانكسر سفيان لقتل ابنه، فانهزم ومن معه وخرج من فوره هو وأهل بيته حتّى أتوا القصر الأبيض فنزلوه، ثمّ ارتحلوا منه إلى كسكر. وتغلّب على البصرة سلم، ثمّ أتاه كتاب ابن هبيرة أن يصير إلى الأهواز، وتغلّب بالبصرة جماعة بقوا فيها أيّاما يسيرة. وقام أبو العبّاس السفّاح فولّاها سفيان بن معاوية.
стр. 1364
تجارب العصر العبّاسىّ
стр. 1365
خلافة أبى العباس السفّاح
وفى هذه السنة [١] بويع لأبى العبّاس عبد الله بن محمّد بن علىّ بن عبد الله بن العبّاس بن عبد المطلب، ليلة الجمعة لثلاث عشرة مضت من شهر ربيع الآخر. وقيل كان ذلك سنة اثنتين وثلاثين ومائة.
ذكر الخبر عن خلافة أبى العباس وسببها
كان بدء ذلك- فيما ذكر- أنّ [٢] رسول الله صلّى الله عليه أعلم العبّاس عمّه أنّ الخلافة [٣٢١] تؤول إلى ولده. فلم يزل ولده يتوقّعون ذلك ويتداولون أخبارا بينهم ويسمون محمّد بن على: أبا الأملاك. ولمّا خالف ابن الأشعث وكتب الحجّاج إلى عبد الملك أرسل عبد الملك إلى خالد بن يزيد فأخبره فقال:
أمّا إذا كان الفتق من سجستان فليس عليك بأس. إنّما كنّا نتخوّف لو كان من خراسان.
وكان محمّد بن علىّ بن عبد الله بن العبّاس ينتظر أوقاتا معلومة عنده وينتظر الأمر لولده ولا يسمّى أحدا وكنّا أخبرنا خبر محمّد بن علىّ وخبر
стр. 1366
الدعاة الذين وجّههم إلى خراسان. ثمّ مات محمّد بن علىّ وجعل وصيّه من بعده إبراهيم بن محمّد [١] ابنه، فبعث إبراهيم أبا سلمة حفص بن سليمان مولى السّبيع وكتب معه إلى النقباء بخراسان، فقبلوا كتبه إلى أن قام بأمرهم أبو مسلم.
ثمّ كان من وقوع كتاب إبراهيم إلى أبى مسلم فى يد مروان ما كان، وقد ذكرناه. فوجّه إليه مروان وهو بالحميمة، فأخذه وحبسه.
فحكى أنّ عبد الحميد بن يحيى كاتب مروان قال لمروان بن محمّد:
- «هل تتّهمنى؟» قال: «لا.» قال: «أيحطّك مصاهرة إبراهيم بن محمّد بن علىّ؟» قال: «لا.» قال: «فإنّى أرى أمره تبيّغ [٢] فأنكحه وأنكح إليه، فإن ظهر [٣٢٢] كنت أعلقت بينك وبينه سببا لا يريبك [٣] معه وإن كفيته لم يشنك صهره.» فقال: «ويحك لو علمته صاحب ذاك سبقت إليه ولكن ليس بصاحبه.» فذكر أنّ إبراهيم حين أخذ ليمضى به إلى مروان نعى نفسه إلى أهل بيته حين شيّعوه، وأمرهم بالمسير إلى الكوفة مع أخيه أبى العبّاس عبد الله بن محمّد بن علىّ وأوصى إلى أبى العبّاس أخيه، وجعله الخليفة من بعده، وتقدّم إلى الباقين بالسمع له والطاعة.
فشخص أبو العبّاس عند ذلك ومن معه من أهل بيته حتّى قدموا الكوفة فى صفر. فأنزلهم أبو سلمة دار الوليد بن سعد مولى بنى هاشم فى بنى أود. وكتم أمرهم من جميع القوّاد والشيعة نحوا من أربعين ليلة.
стр. 1367
وأراد أبو سلمة فيما ذكر تحويل الأمر إلى آل أبى طالب لمّا بلغه موت إبراهيم بن محمّد. فأتى أبا سلمة أبو الجهم وقال له:
- «ما فعل الإمام؟» قال: «لم يقدم بعد.» ثمّ عاوده أبو الجهم وألحّ عليه فى السؤال. قال:
- «قد أكثرت وليس هذا زمان خروجه.» فلقى أبو حميد خادما لأبى العبّاس يقال له: سابق الخوارزمي. فسأله عن أصحابه [٣٢٣] فأخبره أنّهم بالكوفة. وإنّ أبا سلمة أمرهم أن يختفوا. فجاء به إلى أبى الجهم فأخبروه خبرهم فسّرح أبو الجهم أبا حميد مع سابق، حتّى عرف منزلهم بالكوفة ثمّ رجع ومعه إبراهيم بن سلمة فأخبر أبا الجهم عن منزلهم ونزول الإمام فى بنى أود، وشكا أنّه أرسل الإمام حين قدموا إلى أبى سلمة يسأله مائة دينار لأجرة الحمّالين، فلم يفعل. فحمل أبو الجهم وأبو حميد على يد إبراهيم مائتي دينار إلى الإمام، ثمّ مضوا إلى أبى سلمة وسألوه عن الإمام فقال:
- «ليس هذا وقت خروجه، واسط بعد ما فتحت.» فاجتمع الشيعة على أن يلقوا الإمام وائتمروا بينهم وقالوا:
- «قد شاع فى العسكر أنّ مروان قد قتل إبراهيم وأنّ أخاه أبا العبّاس هو الخليفة من بعده.» ومشى القوّاد والشيعة تلك الليلة ثمّ تسلّلوا من الغد، فمضى جماعة منهم إلى الإمام وبلغ أبا سلمة وأتى القوم أبا العبّاس فقالوا:
- «أيّكم عبد الله بن محمّد بن الحارثيّة؟
قالوا: «هذا.» فسلّموا عليه بالخلافة، ورجع أبو الجهم وموسى بن كعب وأقام الباقون
стр. 1368
عند الإمام. فأرسل أبو سلمة [٣٢٤] إلى أبى الجهم:
- «أين كنت ركبت؟» قال: «ركبت إلى إمامى.» فحينئذ ركب أبو سلمة إليهم. فأرسل أبو الجهم إلى أبى حميد: أنّ أبا سلمة قد أتاكم فلا يدخلنّ على الإمام إلّا وحده.
فلمّا انتهى إليهم أبو سلمة منعوه أن يدخل معه أحد. فدخل وحده وسلّم بالخلافة على أبى العبّاس.
وخرج أبو العبّاس على برذون أبلق يوم الجمعة، فصلّى بالناس.
فيقال: إنّ أبا سلمة لمّا سلّم على أبى العبّاس بالخلافة قال له أبو حميد:
- «على رغم أنفك، يا ماصّ بظر أمّه [١] .» فقال أبو العبّاس:
- «مه.»
أبو العباس يريد أن يجعلها شورى بين ولد علىّ والعباس
وروى من عدّة وجوه أنّ أبا العبّاس السفّاح قدم هو وأهله سرّا على أبى سلمة الخلّال بالكوفة فستر أمرهم وعزم على أن يجعلها شورى بين ولد علىّ والعبّاس حتّى يختاروا منهم من أرادوا. ثمّ قال:
- «أخاف ألّا يتفقوا.» فعزم أن يعدل بالأمر إلى ولد الحسين أو الحسن ﵈. فكتب إلى ثلاثة نفر [٢] منهم جعفر بن محمّد بن علىّ بن الحسين وعمر بن علىّ بن
стр. 1369
الحسين بن علىّ وعبد الله بن الحسن بن الحسن بن علىّ ﵈. ووجّه بكتبهم مع رجل من مواليهم من ساكني الكوفة.
فبدأ بجعفر بن محمّد فلقيه ليلا فأعلمه أنّه رسول [٣٢٥] أبى سلمة وأنّ معه كتابا إليه.
فقال:
- «وما أنا وأبو سلمة؟ هو شيعة لغيري.» فقال الرسول: «تقرأ الكتاب وتجيب بما رأيت.» فقال جعفر لخادمه: «قرّب السراج منّى.» فقرّبه فوضع عليه كتاب أبى سلمة فأحرقه.
قال: «ألا تجيبه؟» قال «قد رأيت الجواب.» ثمّ أتى عبد الله بن الحسن، فقرأ كتابه وركب إلى جعفر بن محمّد. فقال له جعفر:
- «أمر جاء بك يا با محمّد؟ لو أعلمتنى لجئتك.» قال: «وأىّ أمر؟ هو ممّا يجلّ عن الوصف.» قال: «وما هو؟» قال: «هذا كتاب أبى سلمة يدعوني إلى الخلافة ويراني أحقّ الناس به. وقد جاء به شيعتنا من خراسان.» فقال له جعفر ﵇:
- «ومتى صاروا شيعتك؟ أنت وجّهت أبا مسلم إلى خراسان وأمرته بلبس السواد. هل تعرف أحدا منهم باسمه ونسبه؟ كيف يكونون شيعتك وأنت لا تعرف أحدا منهم ولا يعرفونك؟» فقال عبد الله:
стр. 1370
- «ما هذا الكلام منك إلّا لشيء.» فقال له جعفر:
- «قد علم الله أنّى أوجب النصح على نفسي لكلّ مسلم وكيف أدّخره عنك فلا تمنّينّ نفسك إلّا الأباطيل فإنّ هذه الدولة تتمّ لهم وما هي لأحد من ولد أبى طالب. وقد جاءني ما جاءك، فلم أجبّ إلّا [٣٢٦] بما ستعرف خبره.» فانصرف غير راض بما قاله.
وأمّا عمر بن علىّ بن الحسين فإنّه ردّ الكتاب وقال:
- «ما أعرف كاتبه. [١] » وأبطأ أمر أبى سلمة على أبى العبّاس ومن معه. فخرج أصحاب له يطوفون بالكوفة فلقى حميد بن قحطبة ومحمد بن صول رجلا من مواليهم فعرفاه. إنّه كان يحمل كتب محمّد بن علىّ وإبراهيم بن محمّد إليهما. فسألاه عن الخبر وأعلمهما أنّ القوم قد قدموا منذ أيّام وأنّهم فى سرداب يعرف ببني أود، فصار إلى الموضع وسلّما عليهم وقالا:
- «أيّكما عبد الله؟» فقال أبو العبّاس وأبو جعفر:
- «كلانا عبد الله.» فقالا:
- «أيّكما ابن الحارثية؟» فقال أبو العبّاس: «أنا.» فقالا: «السلام عليك يا أمير المؤمنين.» ودنوا منه فبايعاه، وأخرجاهم إلى المسجد الجامع فصعد أبو العبّاس المنبر،