الدعاة الذين وجّههم إلى خراسان. ثمّ مات محمّد بن علىّ وجعل وصيّه من بعده إبراهيم بن محمّد [١] ابنه، فبعث إبراهيم أبا سلمة حفص بن سليمان مولى السّبيع وكتب معه إلى النقباء بخراسان، فقبلوا كتبه إلى أن قام بأمرهم أبو مسلم.
ثمّ كان من وقوع كتاب إبراهيم إلى أبى مسلم فى يد مروان ما كان، وقد ذكرناه. فوجّه إليه مروان وهو بالحميمة، فأخذه وحبسه.
فحكى أنّ عبد الحميد بن يحيى كاتب مروان قال لمروان بن محمّد:
- «هل تتّهمنى؟» قال: «لا.» قال: «أيحطّك مصاهرة إبراهيم بن محمّد بن علىّ؟» قال: «لا.» قال: «فإنّى أرى أمره تبيّغ [٢] فأنكحه وأنكح إليه، فإن ظهر [٣٢٢] كنت أعلقت بينك وبينه سببا لا يريبك [٣] معه وإن كفيته لم يشنك صهره.» فقال: «ويحك لو علمته صاحب ذاك سبقت إليه ولكن ليس بصاحبه.» فذكر أنّ إبراهيم حين أخذ ليمضى به إلى مروان نعى نفسه إلى أهل بيته حين شيّعوه، وأمرهم بالمسير إلى الكوفة مع أخيه أبى العبّاس عبد الله بن محمّد بن علىّ وأوصى إلى أبى العبّاس أخيه، وجعله الخليفة من بعده، وتقدّم إلى الباقين بالسمع له والطاعة.
فشخص أبو العبّاس عند ذلك ومن معه من أهل بيته حتّى قدموا الكوفة فى صفر. فأنزلهم أبو سلمة دار الوليد بن سعد مولى بنى هاشم فى بنى أود. وكتم أمرهم من جميع القوّاد والشيعة نحوا من أربعين ليلة.
стр. 1367
وأراد أبو سلمة فيما ذكر تحويل الأمر إلى آل أبى طالب لمّا بلغه موت إبراهيم بن محمّد. فأتى أبا سلمة أبو الجهم وقال له:
- «ما فعل الإمام؟» قال: «لم يقدم بعد.» ثمّ عاوده أبو الجهم وألحّ عليه فى السؤال. قال:
- «قد أكثرت وليس هذا زمان خروجه.» فلقى أبو حميد خادما لأبى العبّاس يقال له: سابق الخوارزمي. فسأله عن أصحابه [٣٢٣] فأخبره أنّهم بالكوفة. وإنّ أبا سلمة أمرهم أن يختفوا. فجاء به إلى أبى الجهم فأخبروه خبرهم فسّرح أبو الجهم أبا حميد مع سابق، حتّى عرف منزلهم بالكوفة ثمّ رجع ومعه إبراهيم بن سلمة فأخبر أبا الجهم عن منزلهم ونزول الإمام فى بنى أود، وشكا أنّه أرسل الإمام حين قدموا إلى أبى سلمة يسأله مائة دينار لأجرة الحمّالين، فلم يفعل. فحمل أبو الجهم وأبو حميد على يد إبراهيم مائتي دينار إلى الإمام، ثمّ مضوا إلى أبى سلمة وسألوه عن الإمام فقال:
- «ليس هذا وقت خروجه، واسط بعد ما فتحت.» فاجتمع الشيعة على أن يلقوا الإمام وائتمروا بينهم وقالوا:
- «قد شاع فى العسكر أنّ مروان قد قتل إبراهيم وأنّ أخاه أبا العبّاس هو الخليفة من بعده.» ومشى القوّاد والشيعة تلك الليلة ثمّ تسلّلوا من الغد، فمضى جماعة منهم إلى الإمام وبلغ أبا سلمة وأتى القوم أبا العبّاس فقالوا:
- «أيّكم عبد الله بن محمّد بن الحارثيّة؟
قالوا: «هذا.» فسلّموا عليه بالخلافة، ورجع أبو الجهم وموسى بن كعب وأقام الباقون
стр. 1368
عند الإمام. فأرسل أبو سلمة [٣٢٤] إلى أبى الجهم:
- «أين كنت ركبت؟» قال: «ركبت إلى إمامى.» فحينئذ ركب أبو سلمة إليهم. فأرسل أبو الجهم إلى أبى حميد: أنّ أبا سلمة قد أتاكم فلا يدخلنّ على الإمام إلّا وحده.
فلمّا انتهى إليهم أبو سلمة منعوه أن يدخل معه أحد. فدخل وحده وسلّم بالخلافة على أبى العبّاس.
وخرج أبو العبّاس على برذون أبلق يوم الجمعة، فصلّى بالناس.
فيقال: إنّ أبا سلمة لمّا سلّم على أبى العبّاس بالخلافة قال له أبو حميد:
- «على رغم أنفك، يا ماصّ بظر أمّه [١] .» فقال أبو العبّاس:
- «مه.»
أبو العباس يريد أن يجعلها شورى بين ولد علىّ والعباس
وروى من عدّة وجوه أنّ أبا العبّاس السفّاح قدم هو وأهله سرّا على أبى سلمة الخلّال بالكوفة فستر أمرهم وعزم على أن يجعلها شورى بين ولد علىّ والعبّاس حتّى يختاروا منهم من أرادوا. ثمّ قال:
- «أخاف ألّا يتفقوا.» فعزم أن يعدل بالأمر إلى ولد الحسين أو الحسن ﵈. فكتب إلى ثلاثة نفر [٢] منهم جعفر بن محمّد بن علىّ بن الحسين وعمر بن علىّ بن
стр. 1369
الحسين بن علىّ وعبد الله بن الحسن بن الحسن بن علىّ ﵈. ووجّه بكتبهم مع رجل من مواليهم من ساكني الكوفة.
فبدأ بجعفر بن محمّد فلقيه ليلا فأعلمه أنّه رسول [٣٢٥] أبى سلمة وأنّ معه كتابا إليه.
فقال:
- «وما أنا وأبو سلمة؟ هو شيعة لغيري.» فقال الرسول: «تقرأ الكتاب وتجيب بما رأيت.» فقال جعفر لخادمه: «قرّب السراج منّى.» فقرّبه فوضع عليه كتاب أبى سلمة فأحرقه.
قال: «ألا تجيبه؟» قال «قد رأيت الجواب.» ثمّ أتى عبد الله بن الحسن، فقرأ كتابه وركب إلى جعفر بن محمّد. فقال له جعفر:
- «أمر جاء بك يا با محمّد؟ لو أعلمتنى لجئتك.» قال: «وأىّ أمر؟ هو ممّا يجلّ عن الوصف.» قال: «وما هو؟» قال: «هذا كتاب أبى سلمة يدعوني إلى الخلافة ويراني أحقّ الناس به. وقد جاء به شيعتنا من خراسان.» فقال له جعفر ﵇:
- «ومتى صاروا شيعتك؟ أنت وجّهت أبا مسلم إلى خراسان وأمرته بلبس السواد. هل تعرف أحدا منهم باسمه ونسبه؟ كيف يكونون شيعتك وأنت لا تعرف أحدا منهم ولا يعرفونك؟» فقال عبد الله:
стр. 1370
- «ما هذا الكلام منك إلّا لشيء.» فقال له جعفر:
- «قد علم الله أنّى أوجب النصح على نفسي لكلّ مسلم وكيف أدّخره عنك فلا تمنّينّ نفسك إلّا الأباطيل فإنّ هذه الدولة تتمّ لهم وما هي لأحد من ولد أبى طالب. وقد جاءني ما جاءك، فلم أجبّ إلّا [٣٢٦] بما ستعرف خبره.» فانصرف غير راض بما قاله.
وأمّا عمر بن علىّ بن الحسين فإنّه ردّ الكتاب وقال:
- «ما أعرف كاتبه. [١] » وأبطأ أمر أبى سلمة على أبى العبّاس ومن معه. فخرج أصحاب له يطوفون بالكوفة فلقى حميد بن قحطبة ومحمد بن صول رجلا من مواليهم فعرفاه. إنّه كان يحمل كتب محمّد بن علىّ وإبراهيم بن محمّد إليهما. فسألاه عن الخبر وأعلمهما أنّ القوم قد قدموا منذ أيّام وأنّهم فى سرداب يعرف ببني أود، فصار إلى الموضع وسلّما عليهم وقالا:
- «أيّكما عبد الله؟» فقال أبو العبّاس وأبو جعفر:
- «كلانا عبد الله.» فقالا:
- «أيّكما ابن الحارثية؟» فقال أبو العبّاس: «أنا.» فقالا: «السلام عليك يا أمير المؤمنين.» ودنوا منه فبايعاه، وأخرجاهم إلى المسجد الجامع فصعد أبو العبّاس المنبر،
стр. 1371
فحصر، فصعد عمّه داود بن علىّ، وقام دونه بمرقاة، وخطب [١] خطبته المشهورة.
أوّل خطبة خطبها أبو العبّاس السفّاح
ولمّا صعد أبو العبّاس المنبر حين بويع له بالخلافة قام فى أعلاه، فقال:
- «الحمد الله الذي اصطفى الإسلام لنفسه فكرّمه وشرّفه واختاره لنا، وأيّدنا به، وجعلنا [٣٢٧] أهله وكهفه وحصنه، والقوّام به والذابّين عنه والناصرين له، وألزمنا كلمة التقوى، وجعلنا أحقّ بها وأهلها، خصّنا برحم رسول الله صلّى الله عليه وقرابته، وأنشأنا من آباءه وأنبتنا من شجرته واشتقّنا من نبعته وجعله من أنفسنا عزيزا عليه ما عنتنا حريصا علينا بالمؤمنين رؤوفا رحيما وأنزلنا من الإسلام وأهله بالموضع الرفيع وأنزل بذلك كتابا يتلى فقال ﵎: إِنَّما يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ٣٣: ٣٣ [٢] . وقال: [قُلْ] لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ في الْقُرْبى ٤٢: ٢٣ [٣] . وقال: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ٢٦: ٢١٤ [٤] . وقال:
стр. 1372
ما أَفاءَ الله عَلى رَسُولِهِ من أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى ٥٩: ٧ [١] .
فأعلمهم جلّ وعزّ فضلنّا، وأوجب عليهم حقّنا ومودّتنا، وأجزل من الفيء والغنيمة نصيبنا، تكرمة علينا وفضلا علينا، والله ذو الفضل العظيم.» ثمّ ذكر جور بنى أميّه وظلمهم ووعد الناس من نفسه خيرا وقال فى آخر كلامه:
- «وقد زدتكم فى أعطياتكم مائة درهم فاستعدّوا فإنّى أنا السفّاح المبيح والثائر المبير.
وكان موعوكا فاشتدّ به الوعك، فجلس على المنبر. [٣٢٨] وصعد داود بن علىّ، فقام دونه على مراقى وقال:
- «الحمد لله شكرا شكرا، الذي أهلك عدوّنا وأصار إلينا ميراثنا من نبيّنا محمّد صلّى الله عليه.
- «أيّها الناس، الآن أقشعت حنادس الدنيا، وانكشف غطاؤها، وأشرقت أرضها وسماؤها، وطلعت الشمس من مطلعها، وبزغ القمر من مبزغه، وأخذ القوس باريها وعاد السهم إلى منزعه ورجع الحقّ فى نصابه فى أهل بيته أهل الرأفة والرحمة بكم والعطف عليكم.
стр. 1373
«أيها الناس، إنّا والله ما خرجنا فى هذا الأمر لنكنز لجينا ولا ذهبا ولا لنحفر نهرا أو نبنى قصرا وإنّما أخرجنا الأنفة من ابتزازهم حقّنا، والغضب لبنى عمّنا وما كرثنا من أمورنا وبهظنا [١] من شؤونكم. [٢] » ثمّ وعد الناس خيرا وقال:
- «أيها الناس، إنّ أمير المؤمنين- نصره الله نصرا عزيزا- إنّما قطعه عن استتمام الكلام شدّة الوعك، فادعوا الله لأمير المؤمنين بالعافية.» فعجّ له الناس بالدعاء. ثمّ قال:
- «أيها الناس، إنّه ما صعد منبركم هذا خليفة [٣] بعد رسول الله صلّى الله عليه إلّا أمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب وأمير المؤمنين هذا- وأشار بيده إلى أبى العبّاس [٤]- واعلموا أنّ هذا الأمر فينا
стр. 1374
[٣٢٩] ليس بخارج منّا حتّى نسلّمه إلى عيسى بن مريم ﵇.» ثمّ نزل داود بن علىّ، ونزل أبو العباس حتّى دخل القصر، وأجلس أبا جعفر أخاه يأخذ البيعة على الناس فى المسجد، فلم يزل يأخذها حتّى صلّى بهم العصر، ثمّ صلّى بهم المغرب وجهنّم الليل، فدخل.
وذكر [١] أنّ داود بن علىّ وابنه كانا بالعراق أو بغيرها، فخرجا يريدان الشراة، فلقيهما أبو العبّاس ومعه أخوه أبو جعفر ومعهما عبد الله بن علىّ، وعيسى بن موسى، وصالح وعبد الصمد، وإسماعيل، وعبد الله بنو علىّ، ويحيى بن محمّد، وعبد الوهّاب ومحمّد ابنا إبراهيم، وموسى بن داود، ويحيى بن جعفر بن تمام بن العبّاس، ونفر من مواليهم بدومة الجندل. فقال لهم داود:
- «أين تريدون وما قصّتكم؟» فقصّ عليه أبو العبّاس فصّتهم وأنّهم يريدون الكوفة ليظهروا بها ويظهروا أمرهم.
فقال له داود:
- «يا با العبّاس، تأتى الكوفة وشيخ بنى مروان بحرّان- يعنى مروان بن محمّد- وهو مظلّ [٢] على العراق فى أهل الشام والجزيرة وشيخ العرب
стр. 1375
يزيد بن عمر بن هبيرة بالعراق فى حلبة العرب.
فقال له أبو العباس:
- «يا عمّ، من أحبّ الحياة ذلّ.» ثمّ تمثّل بقول الأعشى. [٣٣٠]
فما ميتة إن متّها غير عاجز ... بعار إذا ما غالت النفس غولها
فالتفت داود إلى ابنه موسى فقال:
- «صدق والله ابن عمّك، ارجع بنا معه نعش أعزّاء أو نموت كراما.» فرجعوا معه. وكان عيسى بن موسى إذا ذكر خروجهم من الحميمة يريدون الكوفة يقول:
- «إنّ ركبا أربعة عشر خرجوا من دارهم وأهليهم يطلبون ما طلبنا [١] لعظيمة هممهم، كبيرة أنفسهم، شديدة قلوبهم.» وخرج [٢] أبو العبّاس بحمّام أعين فى عسكر أبى سلمة فنزل معه فى حجرته وحاجب أبى العبّاس عبيد الله بن بسّام واستخلف على الكوفة وأرضيها داود بن علىّ وبعث عمّه عبد الله بن علىّ إلى أبى عون وبعث ابن أخيه عيسى بن موسى إلى الحسن بن قحطبة وهو يومئذ بواسط محاصر ابن هبيرة، وبعث يحيى بن جعفر بن تمّام بن العبّاس إلى حميد بن قحطبة بالمدائن، وبعث أبا اليقظان عثمان بن عروة بن محمّد بن عمّار بن ياسر إلى بسّام بن إبراهيم بن بسّام بالأهواز، وبعث سلمة بن عمرو بن عثمان إلى مالك بن طوّاف [٣] .
стр. 1376
وأقام أبو العبّاس فى العسكر أشهرا، ثمّ ارتحل فنزل المدينة الهاشميّة فى قصر الإمارة [١] ، وقد كان تنكّر لأبى سلمة قبل [٣٣١] تحوّله حتّى عرف بذلك.
وفى هذه السنة هزم مروان بن محمّد.
هزيمة مروان بن محمد ذكر الخبر عن هذه الوقعة وسببها
كان أبو عون وجّهه قحطبة إلى شهرزور وبها عثمان بن سعيد من قبل مروان فقتله أبو عون وأقام بناحية الموصل وبلغ ذلك مروان، فأقبل من حرّان حتّى سار إلى الموصل فنزل على الزاب وحفر خندقا، فسار إليه أبو عون، فنزل الزاب، ووجّه أبو سلمة إليه مددا وعدّة من القوّاد. فلمّا ظهر أبو العبّاس، بعث إليه أيضا عدّة من القوّاد ومددا آخرين.
ثمّ قال أبو العبّاس:
- «من يسير إلى مروان من أهل بيتي؟» فقال عبد الله بن علىّ:
- «أنا.» فقال:
- «سر على بركة الله.» فسار عبد الله بن علىّ حتّى قدم على أبى عون فتحوّل له أبو عون عن سرادقه وخلّاه له بما فيه. فسأل عبد الله بن علىّ عن مخاضة فدلّ عليها بالزاب، فأمر عيينة بن موسى فعبر فى خمسة آلاف، وانتهى إلى عسكر مروان، فقاتلهم حتّى أمسوا، ورفعت لهم النيران فتحاجزوا، فرجع عيينة إلى عسكر عبد الله بن علىّ، فأصبح مروان فعقد جسرا، وسرّح ابنه عبد الله وقال له:
стр. 1377
- «امض [٣٣٢] حتّى تكون أسفل من عسكر ابن علّى.» وبعث إليه من ورائه من يشغله، ففعل ذلك وبعث عبد الله بن علىّ المخارق بن عفّان فى أربعة آلاف حتّى نزل على خمسة أميال من عسكر عبد الله بن مروان. فبعت عبد الله بن مروان الوليد بن معاوية، وسار إليه مروان فقال مروان لمّا التقى العسكران لعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز:
- «إن زالت الشمس اليوم فلم يقاتلونا، كنّا الذين ندفعها إلى عيسى بن مريم، وإن قاتلونا قبل الزوال فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.» وأرسل مروان إلى عبد الله بن علىّ يسأله المواعدة فقال عبد الله:
- «كذب ابن زريق، لا تزول الشمس حتّى أوطئه الخيل إن شاء الله.» فقال مروان لأهل الشام:
- «لا تبدأوهم.» وجعل ينظر إلى الشمس. فحمل الوليد بن معاوية بن مروان وهو ختن [١] مروان على ابنته. فغضب وشتمه وتمّم الوليد حملته، فهزم أبا عون فانحاز إلى عبد الله بن علىّ. فقال موسى بن كعب:
- «مر الناس أن ينزلوا.» فنودي:
- «الأرض، الأرض.» فنزل الناس وأشرعوا الرماح وجثوا على الركب فحمل أهل الشام كأنهم جبال حديد، ومالوا على أصحاب عبد الله بن علىّ كأنّهم سحابة فصبروا لهم على حالهم. [٣٣٣] فقال [٢] :
стр. 1378
- «إنّ مروان كان لا يدبّر شيئا إلّا عرض فيه خلل وفساد.» حتّى قال:
- «أخرجوا إلى الناس الأموال.» فأخرجت وقال للناس:
- «اصبروا وقاتلوا، وهذه الأموال لكم.» فجعل ناس يصيبون من ذلك المال، فأرسل إليه:
- «إنّ الناس قد مالوا إلى هذا المال، ولا نأمنهم أن يذهبوا به.» فأرسل إلى ابنه عبد الله أن:
- «سر إلى مؤخّر عسكرك، فمن مرّ بك ومعه شيء من المال فاقتله وامنعهم.» فمال عبد الله برايته وتبعه أصحابه. فقال الناس:
- «الهزيمة.» فانهزموا.
قتل ابراهيم محمد وما قالوه فى سبب قتله
وفى هذه السنة كان قتل إبراهيم بن محمّد بن عبد الله بن علىّ بن العبّاس. وقد اختلف الناس فيه فقال بعضهم: لم يقتل ولكن مات فى السجن بالطاعون. وقيل: لمّا انهزم مروان بالزاب عاد إلى حرّان، فاستعرض أهل السجن، فوجدهم قد هلكوا وقتل خليفة مروان بعضهم. فأطلق مروان من بقي منهم، وكان إبراهيم الإمام ممّن هلك. ويقال: بل هدم مروان عليه بيتا فقتله. وحكى بعض خدم إبراهيم ممّن كان يخدمه فى محبسه قال: كان معه فى الحبس عبد الله بن عمر بن عبد العزيز وشراحيل بن معاوية بن هشام بن عبد الملك [٣٣٤] فخصّ بين إبراهيم وشراحيل، وكانا يتزاوران، فأتاه رسول من شراحيل يوما بلبن فقال:
- «يقول لك أخوك إنّى شربت من هذا اللبن فاستطبته، فأحببت أن تشرب منه.»
стр. 1379
فتناوله، فشرب منه فتوصّب من ساعته وتكسّر جسده. وكان يوما يأتى فيه شراحيل، فأبطأ عليه.
فأرسل إليه: «جعلت فداك قد أبطأت فما حبسك؟» فأرسل إليه: «إنّى لمّا شربت اللبن الذي أرسلت به إلىّ أخلفنى.» فأتاه شراحيل مذعورا وقال:
- «لا والله الذي لا اله إلّا هو، ما شربت اليوم لبنا ولا أرسلت به إليك فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، أحتيل لك والله.» قال: فما بات إلّا ليلته وأصبح من الغد ميّتا. [١] وفى هذه السنة قتل مروان بن محمّد.
ذكر الخبر عن مقتل مروان وما عومل به فى طريقه وهو هارب وما لقي من أصحابه
حكى أبو هاشم مخلّد بن محمّد قال: لمّا هزم مروان من الزاب كنت فى عسكره، وكان معه مائة وعشرون ألفا، وكان عبد الله بن علىّ فى عشرين ألفا، فلمّا انهزم مروان سار إلى الموصل وعليها هشام بن عمرو وبشر بن خزيمة، فقطعا الجسر ومنعاه.
فناداهم [٣٣٥] أهل الشام:
- «هذا مروان.» قالوا: «كذبتم، أمير المؤمنين لا يفرّ.» فسار إلى بلد فعبر دجلة، ثمّ أتى دمشق وخلّف بها الوليد بن معاوية، وقال:
- «قاتلهم حتّى يجتمع أهل الشام.»
стр. 1380
ومضى مروان إلى فلسطين فنزل نهر أبى فطرس وقد غلب على فلسطين الحكم بن ضبعان الجذامي وسوّد. فأرسل مروان إلى عبد الله بن يزيد بن روح بن زنباع فأجازه وكتب أبو العبّاس إلى عبد الله بن علىّ يأمره باتباع مروان.
فسار عبد الله إلى الموصل فتلقّاه هشام بن عمرو، وبشر بن خزيمة قد سوّد فى أهل الموصل، وفتحوا له المدينة، وولّى الموصل ابن صول. ثمّ سار إلى حرّان، فهدم الدار التي حبس فيها إبراهيم بن محمد. ثمّ سار من حرّان إلى منبج وقد سوّدوا، فنزل مدينة منبج وقدم عليه أبو حميد المروروذى، وبعث إليه أهل قنّسرين ببيعتهم كما أتاه به عنهم أبو أميّة. وقدم عليه عبد الصمد بن علىّ أمدّه به أبو العبّاس فى أربعة آلاف فأقام يومين بعد قدوم عبد الصمد. ثمّ سار إلى قنّسرين فأتاها وقد سوّد سار إلى بعلبك فأقام يومين ثمّ ارتحل [٣٣٦] فنزل مزّة قرية من قرى دمشق، وقدم عليه صالح بن علىّ مددا فنزل مرج عكبراء فى ثمانية آلاف، وفرّق أصحابه على أبواب دمشق وحاصروها والبلقاء، وتعصّب الناس بالمدينة وقتل بعضهم بعضا، وقتلوا الوليد، وفتحوا المدينة سنة إثنتين وثلاثين ومائة.
وكان أوّل من صعد السور من باب الشرقي عبد الله الطائي ومن قبل باب الصغير بسّام بن إبراهيم فقتل بها ثلاث ساعات. ثمّ أمر بالكفّ.
وأقام عبد الله بن علىّ بدمشق ثمانية عشر يوما. ثمّ سار يريد فلسطين فنزل بهم الكسوة [١] ، ووجّه منها يحيى بن جعفر الهاشمي إلى المدينة ثمّ ارتحل إلى الأردن، فأتوه وقد سوّدوا. ثمّ سار إلى مرج الروم ثمّ أتى نهر أبى فطرس.
وقد هرب مروان فأقام بفلسطين وجاءه كتاب أبى العبّاس أن وجّه صالح
стр. 1381
بن علىّ فى طلب مروان. فسار صالح بن علىّ من نهر أبى فطرس ومعه ابن قنّان وعامر بن إسماعيل وأبو عون. فقدّم أبا عون وعلى [١] مقدّمته وسار فنزل الرملة، ثمّ سار فنزل ساحل البحر وجمع صالح بن علىّ السفن وتجهّز يريد مروان وهو بالفرما، فسار [٣٣٧] على الساحل والسفن حذاءه فى البحر، حتّى نزل العريش، وبلغ مروان، فأحرق ما كان حوله من علف وطعام، وهرب.
ومضى صالح بن علىّ، فنزل النيل، ثمّ سار حتّى نزل الصعيد. وبلغه أن خيلا لمروان بالساحل يحرقون الأعلاف، فوجّه إليهم قوّادا فأخذوا رجالا وقدموا بهم على صالح وهو بالفسطاط، فعبر مروان النيل وقطع الجسر وحرق ما حوله. ومضى صالح يتبعه فالتقى هو وخيل لمروان على النيل، فاقتتلوا، فهزمهم صالح، ثمّ مضى إلى خليج فصادف عليه خيلا لمروان فأصاب منهم طرفا وهزمهم ثمّ ارتحل فنزل موضعا يقال له ذات الساحل. وقدّم أبا عون ومعه شعبة بن كثير المازني، فلقوا خيلا لمروان فهزموهم فأسروا منهم رجالا، فقتلوا بعضهم واستحيوا بعضا وسألوهم عن مروان، فقالوا:
- «إن آمنتمونا دللناكم على مكانه.» فآمنوهم، فأخبروهم به. وساروا فوجدوه نازلا فى كنيسة بوصير، ووافوه فى آخر الليل، فهرب الجند وخرج إليهم مروان فى نفر يسير، فأحاطوا به فقتلوه.
اتفاق عجيب
ومن عجيب الأمور التي جرت [٣٣٨] هناك أنّ أبا عون عامر بن إسماعيل
стр. 1382
تحدّث فقال: لقينا مروان ببوصير ونحن فى جماعة يسيرة، فشدّوا علينا فانضوينا إلى نخيل، ولو يعلمون بقلّتنا لأهلكونا، فقلت لأصحابى:
- «إن أصبحنا فرأونا ونحن نفر يسير لم ينج منّا أحد.» وذكرت قول بكير بن ماهان:
- «أنت والله تقتل مروان، كأنّى أسمعك تقول: دهيذ يا جوانكان [١] .» فكسرت جفن سيفي وكسر أصحابى جفون سيوفهم وقلت: دهيذ يا جوانكان، فكأنّها نار صبّت عليهم، فانهزموا.» وحمل رجل على مروان فضربه بسيفه فقتله.
وكتب عامر بن إسماعيل إلى صالح بن علىّ فكتب صالح بن علىّ إلى أمير المؤمنين أبى العبّاس:
- «إنّا اتّبعنا عدوّ الله الجعدىّ حتّى ألجأناه إلى أرض عدوّ الله شبيهه فرعون، فقتله [٢] بأرضه.» وبعث صالح برأسه مع يزيد بن هانئ، وكان على شرطة أبى العبّاس يوم الأحد لثلاث بقين من ذى الحجّة سنة اثنتين وثلاثين ومائة.
ورجع صالح إلى الفسطاط ثمّ انصرف إلى الشام فدفع الغنائم إلى أبى عون، والسلاح والأموال والرقيق إلى أبى الفضل ابن دينار، وخلّف أبا عون على مصر.
وقتل مروان وهو ابن نيّف وستين سنة واختلف [٣٣٩] الناس فى النيّف، فلذلك لم أثبته.
فكانت ولايته من حين بويع إلى أن قتل خمس سنين وعشرة أشهر وستّة عشر يوما.
стр. 1383
وكانت أمّه أمّة لإبراهيم بن الأشتر، أصابها محمد بن مروان بن الحكم يوم قتل ابن الأشتر، فأخذها من ثقله وهي نس، [١] فولدت مروان على فراشه. ولمّا بويع أبو العبّاس دخل عليه ابن عياش المنتوف فقال:
- «الحمد لله الذي أبدلنا بحمار الجزيرة وابن أمة النخع، ابن عمّ رسول الله وابن عبد المطلب.» وفى هذه السنة خلع أبو الورد أبا العبّاس بقنّسرين، فبيض وبيّضوا معه.
ذكر الخبر فى تبييض أبى الورد وانتقاض تلك النواحي كلّها وما آل إليه أمرهم
كان سبب ذلك أنّ أبا الورد واسمه مجزأة بن الكوثر بن زفر بن الحارث الكلابي كان من أصحاب مروان وفرسانه وقوادّه، فلمّا هزم مروان وأبو الورد بقنّسرين قدمها عبد الله بن علىّ، فبايعه فدخل فيما دخل فيه الناس من الطاعة وكان ولد مسلمة بن عبد الملك مجاورين له ببالس والناعورة، فقدم بالس قائد من قوّاد عبد الله بن علىّ [٣٤٠] من الأزاذ مرديّة [٢] فى مائة وخمسين فارسا، فتعرّض لنساء مسلمة بن عبد الملك وعبث بولد مسلمة، فشكا بعضهم ذلك إلى أبى الورد وذكّره الحقّ والحرمة فخرج من مزرعة له تعرف بخساف فى عدّة من أهل بيته حتّى هجم على ذلك القائد وهو نازل حصن مسلمة، فقاتله حتّى قتله ومن معه، وأظهر التبييض والخلع، ودعا أهل قنّسرين إلى ذلك، فتسارعوا إليه، وبيّضوا بأجمعهم وعبد الله بن علىّ مشغول. بحرب ابن حبيب
стр. 1384
بن مرّة فى أيلة بأرض البلقاء والبثنيّة [١] وحوران.
وكان قد لقيه عبد الله بن علىّ فى جموعه فقاتله، وكان بينه وبينهم وقعات وكان من قوّاد مروان وفرسانه، وكان سبب تبييضه الخوف على نفسه وقومه فبايعته قيس وغيرهم ممّن يليهم من أهل تلك الكور. فلمّا بلغ عبد الله بن علىّ تبييض أهل قنّسرين دعا حبيب بن مرّه إلى الصلح فصالحه وآمنه ومن معه، وخرج متوجّها نحو قنّسرين للقاء أبى الورد، فمّر بدمشق، فخلّف عليها أبا غانم عبد الحميد بن ربعي فى أربعة آلاف رجل من جنده، وكان بدمشق يومئذ امرأة عبد الله بن علىّ أمّ البنين بنت محمّد بن عبد المطلّب النوفلية وأمّهات الأولاد [٣٤١] لعبد الله بن علىّ وثقل له، فلمّا قدم حمص فى وجهه انتقض عليه بعده أهل دمشق، فبيّضوا ونهضوا مع عثمان بن عبد الله بن سراقة الأزدى، فنهضوا إلى أبى غانم ومن معه فقاتلوه وهزموه، وقتلوا من أصحابه مقتلة عظيمة، وانتهبوا ما كان عبد الله بن علىّ خلّفه من ثقله ومتاعه ولم يعرضوا لأهله، وبيّض أهل دمشق واستجمعوا على الخلاف.
ومضى عبد الله بن علىّ وقد كان تجمّع مع أبى الورد جماعة من أهل قنّسرين وكاتبوا من يليهم من أهل حمص وتدمر، فقدم منهم ألوف وعليهم أبو محمّد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية بن أبى سفيان، فرأسوا عليهم أبا محمّد ودعوا إليه وقالوا:
- «هو السفياني الذي كان يذكر.» وهم نحو من أربعين ألفا.
فلمّا دنا منهم عبد الله بن علىّ، وأبو محمد معسكر [٢] بجماعتهم فى مرج
стр. 1385
يقال له: مرج الأخرم، وأبو الورد المتولّى لأمر العسكر وهو صاحب القتال والوقائع، وجّه عبد الله بن علىّ أخاه عبد الصمد بن علىّ فى زهاء عشرة آلاف فارس، فناهضهم أبو الورد ولقيهم بين العسكرين واستحرّ القتل فى الفريقين، وثبت القوم حتّى انهزم [٣٤٢] عبد الصمد ومن معه. وقتل منهم يومئذ ألوف.
وأقبل عبد الله حيث أتاه عبد الصمد ومعه حميد بن قحطبة وجماعة من معه من القوّاد، فالتقوا واقتتلوا ثانية بمرج الأخرم قتالا شديدا فانكشف منهم جماعة ممّن كان مع عبد الله، ثمّ ثابوا، وثبت لهم عبد الله وحميد بن قحطبة فهزموهم وثبت أبو الورد فى نحو من خمسمائة من أهل بيته وقومه فقتلوا جميعا، وهرب أبو محمّد ومن معه حتّى لحقوا بتدمر.
وآمن عبد الله أهل قنّسرين، وسوّدوا وبايعوا. ثمّ انصرف راجعا إلى أهل دمشق لما كان من تبييضهم عليه وتوثّبهم على أبى غانم. فلمّا دنا من دمشق، هرب الناس وتفرّقوا ولم يكن بينهم وقعة فآمن عبد الله أهلها وبايعوه، ولم يأخذهم بما كان منهم [١] .
وأمّا أبو محمّد فلم يزل متغيّبا، ولحق بأرض الحجاز وبلغ زياد بن عبيد الله الحارثي عامل أبى جعفر على المدينة مكانه الذي تغيّب فيه، فوجّه إليه خيلا فقاتلوه حتّى قتل وأخذوا ابنين له، فبعث بهما إلى أبى جعفر، وهو يومئذ أمير المؤمنين فأمر بتخلية سبيلهما وآمنهما.
وفى هذه السنة بيّض [٢] أهل الجزيرة وخلعوا أبا العبّاس [٣٤٣] ذكر الخبر عن ذلك
كان الناس يظنّون ببيعة المسوّدة أنّها تردّ عليهم سنّة الصدر الأوّل، فلمّا رأوا
стр. 1386
سيرتهم شبيهة بسيرة من تقدّمهم، ثمّ هجم عليهم عسكر غريب منهم، لهم معرّات وأطماع فيهم تبرّموا بهم، فلمّا خرج أبو الورد لما ذكرنا، غيرة وحميّة على نساء مسلمة، انتقض الناس من كل ناحية، وكان بحرّان يومئذ موسى بن كعب فى ثلاثة آلاف من الجند، صاحب عبد الله بن علىّ، وسار إليه الناس مبيّضين من كل وجه، فحاصروه ومن معه، وأمرهم متشتت ليس عليهم رأس يجمعهم وقدم على بقيّة [١] ذلك إسحاق بن مسلم من أرمينيه كان شخص عنها حين بلغته هزيمة مروان فرأسته جنود الجزيرة حتّى حاصر موسى بن كعب.
فوجّه أبو العبّاس أخاه أبا جعفر بمن معه من الجنود التي كانت بواسط محاصرة ابن هبيرة، فمضى حتّى مرّ بقرقيسيا وأهلها مبيّضون قد غلّقوا أبوابها دونهم، ثمّ قدم مدينة الرقّة وهم على مثل ذلك، وبها بكّار بن مسلم، فمضى نحو حرّان، ورحل إسحاق بن مسلم إلى الرها [٢] فى سنة ثلاث وثلاثين [٣٤٤] ومائة، وخرج موسى بن كعب فيمن معه من مدينة حرّان فلقوا أبا جعفر، وقدم بكّار على أخيه [إسحاق [٣]] مسلم بن عقيل.
فوجّهه إلى رجل من الحروريّة يقال له: بريكة، وهو فى جماعة ربيعة، فصمد له أبو جعفر، فقاتلوه قتالا شديدا وقتل بريكة، وانصرف بكّار إلى أخيه بالرّها فخلفه إسحاق بها، ومضى شميشاط [٤] ، فخندق على عسكره، وأقبل أبو جعفر حتّى قاتله بكّار بالرها فكانت بينهم وقعات.
وكتب أبو العبّاس إلى عبد الله بن علىّ فى المسير بجنوده إلى إسحاق بشميشاط، فأقبل حتّى نزل عليه وهم في ستّين ألفا من أهل الجزيرة جميعا.
و
стр. 1387
بينهما الفرات وأقبل أبو جعفر من الرها، فكاتبهم إسحاق وطلب الصلح فأبوا، فطلب الأمان فأجابوه. وكتبوا إلى أبى العبّاس فأمرهم أن يؤمنوه ومن معه، فكتبوا بينهم كتابا ووثّقوا له فيه، فخرج أبو إسحاق إلى أبى جعفر وتمّ الصلح، وكان مع أبى جعفر، ينزل معه منزلة كبيرة، وآثره على جميع أصحابه.
وكان إسحاق بن مسلم العقيلي حيث حاصره أبو جعفر يقول:
- «فى عنقي بيعة ولست أدعها حتّى أعلم أن صاحبها قد مات أو قتل.» فأرسل إليه أبو جعفر:
- «إنّ مروان قد قتل.» فقال:
- «حتّى أتيقّن.» [٣٤٥] ثمّ لمّا طلب الصلح قال:
- «قد أيقنت أنّ مروان قد قتل.» وولّى أبو العبّاس أبا جعفر الجزيرة وأرمينية وآذربيجان، ولم يزل عليها حتّى استخلف.
وفى هذه السنة شخص أبو جعفر إلى خراسان لاستطلاع رأى أبى مسلم فى قتل أبى سلمة حفص بن سليمان الذي يقال له: وزير آل محمّد.
ذكر السبب فى مسير أبى جعفر وما كان من أمره وأمر أبى مسلم
قد ذكرنا تنكّر أبى العبّاس لأبى سلمة وما كان همّ به. فحكى أبو جعفر قال:
لمّا ظهر أبو العبّاس سمرنا ذات ليلة فذكرنا صنيع أبى سلمة فقال رجل منّا:
- «ما يدريكم لعّل ما صنع أبو سلمة كان عن رأى أبى مسلم؟» فلم ينطق منّا أحد. فقال أمير المؤمنين أبو العبّاس:
- «لئن كان هذا عن رأى أبى مسلم إنّا بعرض [١] بلاء، إلّا أن يدفعه الله عنّا.»
стр. 1388
فأشار عليه داود بن علىّ بأن يكتب إلى أبى مسلم ما همّ به من الغشّ وما عامله به من القبيح وما يتخوّفه منه، ففعل فأجاب أبو مسلم:
- «إن كان أمير المؤمنين قد اطلع على ذلك منه فليقتله.» - «فقال داود بن علىّ لأبن العبّاس:
- «لا تفعل يا أمير المؤمنين، فإنّ [٣٤٦] أبا مسلم يحتّج بها وكذلك أهل خراسان الذين معك وحاله فيهم حاله، ولكن ابعث إلى أبى مسلم من يعرف نيّته ويطّلع على سريرته، ثمّ تكلّفه أن يبعث هو إلى أبى سلمة من يقتله.» قال أبو جعفر: فأرسل إلىّ أبو العبّاس وقال:
- «ما ترى؟.» فقلت:
- «الرأى رأيك.» قال:
- «إنّه ليس أحد أخصّ بأبى مسلم منك. فاخرج إليه حتّى تعلم ما رأيه فليس يخفى عليك لو قد لقيته، فإن كان عن رأيه صدر أبو سلمة احتلنا لأنفسنا، وإن لم يكن عن رأيه طابت أنفسنا.» فخرجت على وجل شديد، فلمّا انتهيت إلى الرىّ إذا صاحب أبى سلمة قد أتاه كتاب أبى مسلم:
- «إنّه بلغني أن عبد الله بن محمّد قد توجّه إليك، فإذا قدم فأشخصه ساعة يقدم عليك.» فأقرأنى كتابه وأمرنى بالرحيل. فازددت وجلا وخرجت من الرىّ وأنا خائف حذر، فسرت، فلمّا كنت بنيسابور إذا عاملها قد أتانى بكتاب أبى مسلم:
- «إذا قدم عليك أبو جعفر [١] فأشخصه، ولا تدعه يقيم، فإنّ أرضك أرض خوارج ولا آمن عليه.»
стр. 1389
فطابت نفسي وقلت: أراه يعنى بأمرى، فسرت.
فلمّا كنت من مرو على فرسخين، تلقّانى أبو مسلم فى الناس، فلمّا دنا منّى نزل وأقبل يمشى إلىّ حتّى قبّل [٣٤٧] يدي فقلت:
- «اركب.» فركب ودخلت مرو فنزلت دارا أفردها لى، ومكثت ثلاثة أيّام لا يسألنى عن شيء، ثمّ قال لى فى اليوم الرابع:
- «ما أقدمك؟» فأخبرته. قال:
- «فإنّى قد كاتبت أمير المؤمنين فى ذلك.» فقلت:
- «إنّ أمير المؤمنين يحبّ أن تلى منه ما ترى.» فقال:
- «سمعا وطاعة.» ثمّ دعا مرار بن أنس الضبّى فقال:
- «انطلق إلى الكوفة فاقتل أبا سلمة حيث لقيته وانته [١] فى ذلك إلى رأى الإمام.» فقدم الكوفة، وكان أبو سلمة يسمر عند أبى العبّاس، فقعد له فى طريقه، فلمّا خرج قتله، وقالوا: قتلته الخوارج. فقال سليمان بن المهاجر:
إنّ الوزير وزير آل محمّد ... أودى فمن يشناك كان وزيرا
وكان يقال لأبى سلمة: وزير آل محمّد، ولأبى مسلم: أمين آل محمّد.
стр. 1390
فحكى عن سالم قال: صحبت أبا جعفر من الرىّ إلى خراسان، وكنت حاجبه، فكان أبو مسلم يأتيه فينزل على الباب ويجلس فى الدهليز ويقول لى:
- «استأذن لى عليه.» فغضب أبو جعفر علىّ وقال:
- «ويلك إذا رأيته، فافتح له الباب وقل له يدخل على دابّته.» فلمّا رأيته [٣٤٨] مقبلا قلت لأبى مسلم: إنّه قال كذا وكذا، وفتحت له الباب. قال:
- «نعم وإن قال، أعلمه واستأذن لى عليه.» وفى هذه السنة وجّه أبو العبّاس أخاه أبا جعفر لحرب يزيد بن عمر بن هبيرة بواسط.
ذكر آراء أشير بها على ابن هبيرة فخالفها
لمّا انهزم ابن هبيرة وتفرّق عنه الناس، خلّف على أثقاله قوما، فذهبوا بتلك الأموال. فقال له حوثرة:
- «أين تذهب وقد قتل صاحبهم- يعنى قحطبة- امض إلى الكوفة فمعك جند كثير، فقاتلهم حتّى تقتل أو تظفر.» فقال: «بل آتى واسطا فأنظر وأستعدّ.» فقال له: «إنّك ما تزيد على أن تمكّنه من نفسك حتّى تضعف وتقتل.» وقال له يحيى بن حسن:
- «إنّك لا تأتى مروان بشيء أحبّ إليه من هذه الجنود، فالزم الفرات حتّى تقدم عليه، وإيّاك وواسطا فتصير فى حصار، فليس بعد الحصار إلّا القتل.» فأبى، لأنّه كان يخاف مروان وذاك أنّه كان يكتب إليه فى الأمر فخالفه،
стр. 1391
فخافه، فأتى واسطا [١] وتحصّن وسرّح إليه أبو سلمة الحسن بن قحطبة، فخندق [٣٤٩] الحسن، ونزل بين الفرات ودجلة، فكانت بينهم وقائع.
ثمّ وجّه أبو العبّاس أخاه أبا جعفر لحرب ابن هبيرة، وكتب إلى الحسن:
- «إنّ أمر الجند إليك ولكنّى أحببت أن يكون أخى حاضرا.» فلمّا قدم أبو جعفر واسطا تحوّل له الحسن عن حجرته فقاتلهم أبو نصر مالك الخزاعي يوما، فخرج إليه أهل واسط وحاربوه، ثمّ انهزم أهل الشام وقد أكمنوا معن بن زايدة وغيره، فلمّا جازهم أهل خراسان خرجوا عليهم، فقتلوا منهم. فترجّل أبو نصر، واقتتلوا عند الخنادق ورفعت لهم النيران وابن هبيرة على برج باب الخلّالين، فبقوا يقتتلون ما شاء الله من الليل.
وسرّح ابن هبيرة إلى معن: أن انصرف، فانصرف. فلمّا طال عليهم الحصار جاءهم قتل مروان فطلبوا الصلح. وكان ابن هبيرة قد همّ أن يدعو إلى محمّد بن عبد الله بن حسن بن حسن، فكتب إليه، وأبطأ عليه الجواب.
وجرت السفراء بينه وبين أبى جعفر فى الصلح حتّى جعل له أمانا وكتب به كتابا مكث يشاور فيه العلماء أربعين يوما حتّى رضيه، ثمّ أنفذه إلى أبى جعفر فأنفذه أبو جعفر إلى أبى العبّاس فأمره بإمضائه.
وكان أبو العبّاس لا يقطع أمرا دون أبى مسلم. وكان أبو الجهم عينا لأبى مسلم على أبى العبّاس يكتب إليه بأخباره. فكتب أبو مسلم إلى أبى العبّاس:
- «إنّ الطريق السهل إذا ألقيت فيه الحجارة فسد، ولا والله، ما صلح ملك فيه ابن هبيرة.» وخرج ابن هبيرة إلى أبى جعفر فى ألف وثلاثمائة من البخاريّة [٢] ، فأراد
стр. 1392
أن يدخل الحجرة بدابّته، فقام إليه سلّام بن سليم فقال:
- «مرحبا بك أبا خالد، انزل راشدا.» وقد أطاف بالحجرة نحو من عشرة آلاف من أهل خراسان.
فنزل، وأجلسه على وسادة، ثمّ دعا له بالقوّاد فدخلوا. ثمّ قال سلّام:
- «ادخل أبا خالد.» فقال: «أنا ومن معى؟» فقال: «إنّما استأذنت لك وحدك.» فقام ودخل، فوضعت له وسادة فجلس عليها وحدّثه ساعة، ثمّ قام. ثمّ مكث يقيم عنه يوما ويأتيه يوما فى خمسائة فارس وثلاثمائة راجل. فقال يزيد بن حاتم:
- «أيها الأمير، إنّ ابن هبيرة ليأتى فيتضعضع له العسكر، وما نقص من سلطانه شيء.» فقال أبو جعفر لسلّام:
- «قل لا بن هيبرة يدع هذه الجماعة ويأتينا فى حاشيته.» فقال له ذلك سلّام، فتغيّر وجهه وجاء فى نحو من ثلاثين من حاشيته. فقال [٣٥١] له سلّام:
- «كأنك تأتينا مباهيا!» فقال: «إن أمرتمونا أن نمشي إليكم مشينا.» فقال: «ما أردنا بك استخفافا، ولكن نظرا لك.» فكان بعد ذلك يأتى فى ثلاثة نفر.
فقال: إن ابن هبيرة كلّم يوما أبا جعفر فقال:
- «يا هناه.» [١] ثم قال:
стр. 1393
- «ايه لله أنت.» ثمّ رجع فقال: «أيها الأمير، إنّ عهدي بكلام الناس مثل ما خاطبتك به قريب فسبقني لساني إلى العادة ولم أرده.» - «فتبسّم أبو جعفر وقال:
- «صدقت.» وألحّ أبو العبّاس على أبى جعفر فى قتل ابن هبيرة وهو يراجعه حتّى كتب إليه:
- «والله لتقتلنّه أو لأرسلنّ إليه من يخرجه من حجرك [١] ويتولّى قتله.» فتقدّم أبو جعفر بختم بيوت الأموال، ثمّ بعث إلى وجوه من معه، فلمّا حضروا نزعت سيوفهم وكتفوا. ثمّ أرسل إلى ابن هبيرة:
- «إنّا نريد حمل المال.» فقال ابن هبيرة لحاجبه:
- «يا با عثمان، انطلق فدلّهم عليه.» فوكلّوا بكل بيت نفرا ثمّ جعلوا ينظرون فى نواحي الدار ومع ابن هبيرة ابنه داود وكاتبه وحاجبه وعدّة من مواليه وبنّى له صغير فى حجره، فجعل ينكر نظرهم، وقال:
- «أقسم بالله، إنّ فى وجوه القوم لشرّا.» فأقبلوا نحوه، فقام حاجبه فى وجوههم [٣٥٢] فقال:
- «وراءكم!» فضربه الهيثم بن شعبة على حبل عاتقه فصرعه وقاتل ابنه داود، فقتل وقتل مواليه، ونجّى ابن هبيرة الصبىّ من حجره وقال:
- «دونكم هذا الصبىّ.»
стр. 1394
وخرّ ساجدا، فقتل وهو ساجد.
ومضوا برؤوسهم إلى أبى جعفر، فنادى بالأمان للناس. وقال أبو عطاء السندىّ يرثيه:
ألا إنّ عينا لم تجد يوم واسط ... عليك بجاري دمعها لجمود
عشيّة قام النائحات وشقّقت ... جيوب بأيدي مأتم وخدود
فإن تمس [١] مهجور الفناء فربّما ... أقام به بعد الوفود وفود
وإنّك لم تبعد على متعهّد ... بلى كلّ من تحت التراب بعيد
وقال منقذ بن عبد الرحمن الهلالي يرثيه:
منع العزاء حرارة الصدر ... والحزن عقد عزيمة الصبر
أفنى الحماة الغرّ أن عرضت ... دون الوفاء حبائل الغدر
مالت حمائل أمرهم بفتى ... مثل النجوم حففن بالبدر
عالى بنعيهم فقلت له ... مهلا [٢] أتيت بصيحة الحشر [٣٥٣]
من للمنابر بعد هلكهم ... أو من يشدّ [٣] مكارم الفخر
قتلى بدجلة ما يجنّهم ... إلّا عباب زواخر البحر
وفى هذه السنة وجّه أبو العبّاس عمّه عيسى بن علىّ على فارس، وكان عليها محمّد بن الأشعث من قبل أبى مسلم، فهمّ بعيسى فحذّره ثقاته وقالوا له:
стр. 1395
- «هذا لا يسوغ لك.» فقال:
- «بلى، أمرنى أبو مسلم ألّا يقدم علىّ أحد يدّعى الولاية من غيره إلّا ضربت عنقه.» ثمّ ارتدع عن ذلك، واستدعى عيسى فاستحلفه بالأيمان المحرّجة، ألّا يعلو منبرا ولا يتقلّد سيفا إلّا فى جهاد. فلم يل عيسى بعد ذلك عملا ولا تقلّد سيفا إلّا فى غزوة.
ثمّ استعمل بعد ذلك أبو العبّاس إسماعيل بن علىّ واليا على فارس.
ثمّ دخلت سنة ثلاث وثلاثين ومائة
وفيها قتل داود بن علىّ من وجد من بنى أميّة بمكة والمدينة.
وفيها مات داود بن علىّ بالمدينة.
وفيها خرج شريك بن شيخ المهري على أبى مسلم بخراسان ببخارى وقال:
- «ما على هذا اتبعنا آل محمّد، على أن تسفك الدماء، ويعمل بغير الحقّ.» وتبعه على رأيه أكثر من ثلاثين ألفا. [٣٥٤] فوجّه إليه أبو مسلم زياد بن صالح فقاتله وقتله.
وخرج جماعة على أبى مسلم فقتلهم. ولم يجر فى حروبهم ما تستفاد منه تجربة، بل كان جميع ذلك يجرى بحسب الجدّ [١] والإقبال فتركنا ذكرها إذ كانت أسمارا فقط.
ثمّ دخلت سنة أربع وثلاثين ومائة
وفيها خالف بسّام بن إبراهيم بن بسّام وخلع، وكان من فرسان أهل
стр. 1396
خراسان، فوجّه إليه أبو العبّاس خازم بن خزيمة فناجزه القتال، وانهزم بسّام، واستبيح عسكره وطلبهم خازم إلى أن قتل أكثرهم، ثمّ انصرف من وجهه، فمرّ فى قرية فيها قوم من أخوال أبى العبّاس عدد هم خمسة وثلاثون رجلا من بنى عبد المدان، وهناك مواليهم وغيرهم، فلم يسلّم عليهم، فلمّا جاز شتموه لشيء كان فى قلوبهم عليه، فكّر راجعا، فسألهم عمّا بلغه من نزول المغيرة بهم، وكان من قوّاد بسّام. فقالوا:
- «مرّ بنا رجل مجتاز لا نعرفه، فأقام فى قريتنا ليلة ثمّ خرج عنها.» فقال لهم:
- «أنتم أخوال أمير المؤمنين، ويأتيكم عدوّه فيأمن فى قريتكم فهلّا اجتمعتم فأخذتموه؟» فأغلظوا له الجواب، فأمر بهم، فضربت أعناقهم جميعا، وهدمت دورهم ونهبت أموالهم. [٣٥٥] ثمّ انصرف إلى أبى العبّاس، وبلغ ما كان من فعل خازم اليمانية، فأعظموا ذلك واجتمعت كلمتهم. فدخل زياد بن عبد الله الحارثي على أبى العبّاس مع عبيد الله بن الربيع الحارثي وعثمان ببن نهيك وأمثالهم فقالوا:
- «يا أمير المؤمنين، إنّ خازما اجترأ عليك بأمر لم يكن أقرب ولد أبيك ليجترئ عليك به من قتل أخوالك الذين قطعوا البلاد إليك معتزّين بك، طالبين معروفك، حتّى إذا صاروا إلى جوارك ودارك وثب عليهم خازم، فضرب أعناقهم، وهدم دورهم، ونهب أموالهم، وأخرب ضياعهم، بلا حدث أحدثوه.» فهمّ بقتل خازم، فبلغ ذلك موسى بن كعب وأبا الجهم بن عطيّة، فدخلا عليه وفثأه [١] عن رأيه. قالا:
стр. 1397
- «نعيذك بالله يا أمير المؤمنين من الإصغاء إلى من يحملك على قتل خازم مع طاعته وسابقته وغنائه وهو يحتمل لك ما صنع لكيت وكيت، فإن كنت لا بدّ مجمعا على قتله فلا تتولّ ذلك بنفسك، وعرّضه من المباعث لما إن قتل فيه كنت قد بلغت منه الذي أردت، وإن ظفر كان ظفره لك.» وأشاروا عليه بأن يوجّهه إلى عمان وبها الجلندى [١] والخوارج معه وإلى الخوارج الذين [٣٥٦] بجزيرة ابن كاوان مع شيبان بن عبد العزيز اليشكرىّ فأمر أبو العبّاس بتوجيهه مع سبعمائة رجل، وكتب إلى سليمان بن علىّ وهو على البصرة، بحملهم فى السفن إلى جزيرة ابن كاوان وعمان. فشخص إلى هناك مع ابنه خزيمة، فأوقع بمن فيها من الخوارج وغلب على ما قرب منها من البلدان وقتل شيبان الخارجىّ.
ذكر السبب فى ذلك والحيلة التي تمّت له عليهم
أمّا فى أوّل مقدمه، فإنّه لمّا أرسى إلى ساحل عمان لقيهم الجلندى وأصحابه، فاقتتلوا قتالا شديدا وكثر القتل فى أصحاب خازم، وقتل أخ له من أمّه مع تسعين رجلا. ثمّ أشار عليه رجل ممّن كان وقع إلى تلك الناحية أن يجعلوا على أطراف أسنّتهم المشاقة ويروّوها النفط ويشعلوا فيها النيران، ثمّ يمشوا بها حتّى يضرموها فى بيوت أصحاب الجلندى، وكانت من خشب. فلمّا فعل ذلك، وأضرمت بيوتهم بالنيران وشغلوا بها وبمن فيها من أولادهم وأهاليهم، شدّ عليهم خازم وأصحابه، فوضعوا فيهم السيوف وهم غير ممتنعين، وقتل [٣٥٧] الجلندى فيمن قتل، وبلغ عدّة من قتل عشرة آلاف.
وبعث خازم برؤوسهم إلى البصرة، وبعث منها إلى أبى العبّاس، وأقام خازم
стр. 1398
شهرا حتّى أتاه كتاب أبى العبّاس بإقفاله، فقفلوا.
وفى هذه السنة وجّه أبو العبّاس موسى بن كعب إلى الهند [١] لقتال منصور بن جمهور وفرض له ثلاثة آلاف رجل من العرب فشخص حتّى ورد السند، فلقى منصور بن جمهور فى اثنى عشر ألفا، فهزمه، فمضى ومات عطشا فى الرمال.
وفى هذه السنة تحوّل أبو العبّاس من الجزيرة إلى الأنبار، وفيها ضرب المنار من الكوفة إلى مكّة والأميال.
ثمّ دخلت سنة خمس وثلاثين ومائة
ولم يجر فيها شيء يستفاد منه تجربة فى جملة ما انتهى إلينا.
ثمّ دخلت سنة ستّ وثلاثين ومائة
قدوم أبى مسلم العراق من خراسان
وفيها قدم أبو مسلم العراق من خراسان. وكان استأذن أبا العبّاس فى القدوم عليه وفى الحجّ بعد ذلك. فأذن له، وتوجّه إلى أبى العبّاس [٣٥٨] فى جماعة عظيمة من أهل خراسان ومن معه من غيرهم، فكتب إليه أن:
- «اقدم فى خمسمائة من الجند.» فكتب إليه أبو مسلم:
- «إنّى قد وترت الناس ولست آمن على نفسي.» فكتب إليه أن:
- «أقبل فى ألف، فإنّما أنت فى سلطان أهلك ودولتك، وطريق مكّة لا يحتمل العسكر.»
стр. 1399
وكان فى ثمانية آلاف، ففرّقهم بالرّى، وقدم بالأموال والخزائن، فتركها بالرىّ، وجمع أموال الجبل، وشخص منها فى ألف. فلمّا قرب تلقّاه القوّاد والناس حتّى دخل على أبى العبّاس، فأعظمه وأكرمه ثمّ استأذن فى الحجّ، فقال:
- «لولا أنّ أبا جعفر يحجّ لاستعملناك على الموسم.» وكان ما بين أبى جعفر وأبى مسلم متباعدا، لإنّ أبا العبّاس لمّا صفت له الأمور، بعث أبا جعفر إلى خراسان بعهد أبى مسلم على خراسان وبالبيعة لأبى العبّاس ولأبى جعفر من بعده. فبايع له أبو مسلم وأهل خراسان، فأقام أبو جعفر إلى أن أحكم أمره، فجرى عليه من أبى مسلم استخفاف، فلمّا عاد شكاه إلى أخيه، فلمّا قدم أبو مسلم هذه القدمة للحجّ قال أبو جعفر لأبى العبّاس:
- «يا أمير المؤمنين، أطعنى واقتل أبا مسلم، فو الله إنّ [٣٥٩] فى [١] رأسه لغدرة.» قال: «يا أخى [٢] ، قد عرفت بلاءه وما كان منه.» فقال أبو جعفر: «يا أمير المؤمنين، إنّما كان بدولتنا، والله لو بعثت سنّورا لقام مقامه وبلغ ما بلغ.» فقال أبو العبّاس: «كيف نقتله؟» قال: «إذا دخل عليك وحادثته وأقبل عليك، دخلت فتغفّلته فضربته من خلفه ضربة أتيت بها على نفسه.» فقال أبو العبّاس: «فكيف بأصحابه الذين يؤثرونه على دينهم ودنياهم؟» قال: «يؤول ذلك كلّه إلى ما تريد وعلىّ إصلاحه.»
стр. 1400
قال: «عزمت عليك إلّا كففت عن هذا الحديث.» قال: «أخاف والله إن لم تتغدّه اليوم أن يتعشّاك غدا.» قال: «دونكه.» [١] فلمّا دخل أبو مسلم على أبى العبّاس، بعث أبو العبّاس خصيا له، فقال له:
- «اذهب فانظر ما يصنع أبو جعفر.» فأتاه فوجده محتبيا بسيفه.
فقال للخصىّ: «أجالس أمير المؤمنين؟» قال: «إنّه قد تهيّأ للجلوس.» ثمّ رجع الخصىّ إلى أبى العبّاس فأخبره بما رأى منه فردّه إلى أبى جعفر وقال:
- «قل له: الأمر الذي عزمت عليه لا تنفذه.» فكفّ أبو جعفر.
وفى هذه السنة حجّ بالناس أبو جعفر المنصور وحجّ معه أبو مسلم.
وفيها توفّى أبو العبّاس أمير المؤمنين بالأنبار لثلاث عشرة [٣٦٠] خلت من ذى الحجة، وكانت وفاته فيما قيل بالجدرىّ. وكانت سنّه ثلاثا [٢] وثلاثين سنة، وكانت ولايته من لدن قتل مروان إلى أن توفّى أربع سنين، ومن لدن بويع بالخلافة إلى أن مات أربع سنين وثمانية أشهر. وكان طويلا أبيض أقنى الأنف حسن الوجه واللحية ذا شعرة جعدة وأمّه ريطة بنت عبد الله [٣] بن عبد المدان بن الحارثي وكان وزيره أبو الجهم بن عطيّة.
стр. 1401
خلافة أبى جعفر المنصور
بيعة الناس لأبى جعفر بأمر من أبى العبّاس حين حضرته الوفاة ولمّا حضرته الوفاة أمر الناس بالبيعة لعبد الله بن محمّد أبى جعفر، فبايع الناس بالأنبار، وقام بأمر الناس عيسى بن موسى وأرسل عيسى بن موسى إلى أبى جعفر وهو بمكّة رسولا بموت أبى العبّاس وبالبيعة له، فلمّا أتاه الكتاب كتب إلى أبى مسلم:
- «العجل العجل فقد حدث أمر.» وكان بينه وبن أبى مسلم منزل أبدا، فجاءه أبو مسلم، فلمّا جلس إليه ألقى إليه الكتاب فبكى واسترجع، ثمّ نظر أبو مسلم إلى أبى جعفر وقد جزع جزعا شديدا، فقال:
- «ما هذا الجزع وقد أتتك الخلافة؟» قال:
- «أتخوّف شرّ عبد الله بن علىّ وشيعته.» قال:
- «لا تخفه فأنا أكفيك أمره إن شاء الله. إنّما عامّة جنده ومن معه أهل خراسان [٣٦١] وهم لا يعصوننى.» فسرّى عن أبى جعفر، وبايع له أبو مسلم وبايع الناس. وأقبلا حتّى وردا الكوفة.
وفى هذه السنة بعث عيسى بن علىّ وأبو الجهم إلى عبد الله بن علىّ
стр. 1402
ببيعته [١] المنصور فبايع لنفسه وأبى بيعة المنصور.
ثمّ دخلت سنة سبع وثلاثين ومائة
عبد الله بن علىّ يدعو إلى نفسه
كان نفذ إلى عبد الله بن علىّ أبو غسّان واسمه يزيد بن زياد، وهو حاجب أبى العبّاس بأمر أبى العبّاس قبيل موته ليبايع أبا جعفر، وكان عبد الله قد أدرب متوجّها إلى الروم، فلمّا قدم عليه أبو غسّان جمع أصحابه ونادى مناديه:
- «الصلاة جامعة.» واجتمع إليه القوّاد والجند فقرأ عليهم الكتاب بوفاة أبى العبّاس ودعا الناس إلى نفسه وأخبرهم أنّ أبا العبّاس حين أراد أن يوجّه الجنود إلى مروان بن محمّد دعا بنى أبيه وأرادهم على المسير إلى مروان وقال:
- «من انتدب منكم فسار إليه فهو ولىّ عهدي فلم ينتدب له غيرى.» وعلى هذا خرجت من عنده وقتلت من قتلت.
فقام أبو غانم الطائىّ وخفاف المروروذى فى عدّة قوّاد فشهدوا [٣٦٢] له بذلك، فبايعه أبو غانم وخفاف [٢] وأبو الأصبغ وتتابع القوّاد عليه فيهم حميد بن قحطبة وغيره من أهل خراسان والشام والجزيرة، فلمّا فرغ من البيعة ارتحل فنزل حرّان وفيها مقاتل العكّى، وكان أبو جعفر استخلفه لمّا قدم على أبى العبّاس، فلم يجبه فتحصّن منه فأقام عليه حتّى استنزله من حصنه فقتله.
وسرّح أبو جعفر لقتال عبد الله بن علىّ أبا مسلم، فلمّا بلغ عبد الله إقبال أبى مسلم أقام بحرّان، وجمع إليه الجنود والسلاح، وخندق، وأعدّ الطعام
و
стр. 1403
الأعلاف وما يصلحه. ومضى أبو مسلم لم يتخلّف عنه أحد من القوّاد، وبعث على مقدّمته مالك بن الهيثم الخزاعي وكان معه الحسن وحميد ابنا قحطبة، وكان حميد فارق عبد الله بن علىّ لأنّه أخافه وأراد قتله.
وكان أبو مسلم استخلف على خراسان خالد بن إبراهيم أبا داود، وكان عبد الله بن علىّ خشي ألّا يناصحه أهل خراسان، فقتل منهم نحوا من سبعة عشر ألفا ضروب القتل.
وكتب لحميد بن قحطبة كتابا وجّهه إلى حلب وعليها زفر بن عاصم وفى الكتاب:
- «إذا ورد عليك حميد بن قحطبة فاضرب عنقه.» فسار حميد، ثمّ فكّر فى كتابه فلم ير من الصواب [٣٦٣] له أن يوصله ولم يقرأه، ففكّ الطومار وقرأه، فلمّا عرف ما فيه دعا قومه من خاصّته، فأفشى إليهم أمره وشاورهم وقال:
- «من أراد أن ينجو ويهرب فليسر معى فإنّى أريد أن آخذ طريق العراق، ومن لم يحمل نفسه على السير فلا يفشينّ سرّى وليذهب حيث أحبّ.» واتّبعه قوم وفوّز بهم ونجا.
ولمّا وافى أبو مسلم مكان عبد الله بن علىّ وهو بنصيبين يخندق لم يعرض له وأخذ طريق الشام وكتب إلى عبد الله:
- «إنّى لم أومر بقتالك ولم أوجّه له ولكن أمير المؤمنين ولّانى الشام وأنا أريدها.» فقال من كان مع عبد الله:
- «كيف نقيم معك وهذا يأتى بلادنا وفيها حرمنا فيقتل من قدر عليه من رجالنا ويسبى ذراريّنا؟ ولكنّا نخرج إلى بلادنا فنمنعه ونقاتله إن قاتلنا.» فقال لهم عبد الله بن علىّ:
- «إنّه والله ما يريد الشام، وما وجّه إلّا إلى قتالكم، ولئن أقمتم ليأتينّكم.»
стр. 1404
فلم تطب أنفسهم. فأبوا إلّا المسير إلى الشام.
وكان أبو مسلم قد عسكر قريبا منه فارتحل عبد الله بن علىّ متوجّها نحو الشام. وتحوّل أبو مسلم حتّى نزل فى معسكر عبد الله بن علىّ [٣٦٤] فى موضعه وعوّر ما كان حوله من المياه وألقى فيها الجيف، وبلغ عبد الله بن علىّ ذلك فقال لأصحابه:
- «ألم أقل لكم؟» ثمّ أقبل عبد الله فلم يجد غير موضع عسكر أبى مسلم الذي كان به فاقتتلوا ستّة أشهر.
فحكى من شهد مع أبى مسلم هذه الحرب: أنّه لمّا كان بعد ستّة أشهر التقينا فحمل علينا أصحاب عبد الله، فصدمونا صدمة أزالونا عن مواقفنا وانصرفوا.
وشدّ علينا عبد الصمد فى خيل مجرّدة فقتلوا منّا قوما، ثمّ رجعوا، ثمّ تجمّعوا ورموا بأنفسهم علينا، فأزالوا صفّنا، وجلنا جولة، فقلت لأبى مسلم:
- «لو حرّكت دابّتى حتّى أشرف على هذا التلّ فأصيح بالناس، فقد انهزموا.» قال: «افعل.» قال، قلت: «وأنت أيضا، لو حرّكت دابّتك معى.» فقال: «إنّ أهل الحجى لا يعطفون دوابّهم فى مثل هذه الحال. ناد: يا أهل خراسان، ارجعوا، فإنّ العاقبة للمتّقين.» ففعلت، فتراجع الناس وارتجز أبو مسلم:
من كان ينوي أهله فلا رجع ... فرّ من الموت وفى الموت وقع
وقد كان عمل لأبى مسلم عريش، فكان يجلس فيه [١] إذا التقى الناس
стр. 1405
فينظر إلى القتال، فإن رأى خللا فى الميمنة والميسرة، أرسل إلى صاحبها:
- «إنّ فى ناحيتك انتشارا فاتّق [١] الله لا نؤتى [٣٦٥] من قبلك، افعل كذا، قدّم خيلك إلى موضع كذا، تأخّر إلى موضع كذا.» فإنّما رسله تختلف برأيه إليهم حتّى ينصرف بعضهم عن بعض.
فلمّا كان يوم التقوا، فاقتتلوا قتالا.
فلمّا رأى ذلك أبو مسلم مكر بهم، فأرسل إلى الحسن بن قحطبة، وكان على ميمنته، أن:
- «أعر ميمنتك وضمّ أكثرها إلى الميسرة، وليكن فى الميمنة حماة أصحابك وأشدّاؤهم.» فلمّا رأى ذلك أهل الشام أعروا ميسرتهم وانضمّوا إلى ميمنتهم بازاء ميسرة أبى مسلم.
ثمّ أرسل أبو مسلم إلى الحسن أن:
- «مر أهل القلب فليحملوا مع من بقي فى الميمنة على ميسرة أهل الشام.» قال: فحملوا عليهم فحطّموهم. وجال أهل القلب والميمنة وركبهم أهل خراسان فكانت الهزيمة.
فحكى ابن سراقة الأزدى قال: كنت مع عبد الله بن علىّ، فقال لى:
- «يا سراقة ما ترى؟» قلت: «أرى أن تصير وتقاتل فإنّ الفرار قبيح بمثلك حتّى تقتل وقد [٢] عبته على مروان.» قلت: «قبّح الله مروان، جزع من الموت ففرّ.»