خلافة أبى جعفر المنصور
بيعة الناس لأبى جعفر بأمر من أبى العبّاس حين حضرته الوفاة ولمّا حضرته الوفاة أمر الناس بالبيعة لعبد الله بن محمّد أبى جعفر، فبايع الناس بالأنبار، وقام بأمر الناس عيسى بن موسى وأرسل عيسى بن موسى إلى أبى جعفر وهو بمكّة رسولا بموت أبى العبّاس وبالبيعة له، فلمّا أتاه الكتاب كتب إلى أبى مسلم:
- «العجل العجل فقد حدث أمر.» وكان بينه وبن أبى مسلم منزل أبدا، فجاءه أبو مسلم، فلمّا جلس إليه ألقى إليه الكتاب فبكى واسترجع، ثمّ نظر أبو مسلم إلى أبى جعفر وقد جزع جزعا شديدا، فقال:
- «ما هذا الجزع وقد أتتك الخلافة؟» قال:
- «أتخوّف شرّ عبد الله بن علىّ وشيعته.» قال:
- «لا تخفه فأنا أكفيك أمره إن شاء الله. إنّما عامّة جنده ومن معه أهل خراسان [٣٦١] وهم لا يعصوننى.» فسرّى عن أبى جعفر، وبايع له أبو مسلم وبايع الناس. وأقبلا حتّى وردا الكوفة.
وفى هذه السنة بعث عيسى بن علىّ وأبو الجهم إلى عبد الله بن علىّ
стр. 1402
ببيعته [١] المنصور فبايع لنفسه وأبى بيعة المنصور.
ثمّ دخلت سنة سبع وثلاثين ومائة
عبد الله بن علىّ يدعو إلى نفسه
كان نفذ إلى عبد الله بن علىّ أبو غسّان واسمه يزيد بن زياد، وهو حاجب أبى العبّاس بأمر أبى العبّاس قبيل موته ليبايع أبا جعفر، وكان عبد الله قد أدرب متوجّها إلى الروم، فلمّا قدم عليه أبو غسّان جمع أصحابه ونادى مناديه:
- «الصلاة جامعة.» واجتمع إليه القوّاد والجند فقرأ عليهم الكتاب بوفاة أبى العبّاس ودعا الناس إلى نفسه وأخبرهم أنّ أبا العبّاس حين أراد أن يوجّه الجنود إلى مروان بن محمّد دعا بنى أبيه وأرادهم على المسير إلى مروان وقال:
- «من انتدب منكم فسار إليه فهو ولىّ عهدي فلم ينتدب له غيرى.» وعلى هذا خرجت من عنده وقتلت من قتلت.
فقام أبو غانم الطائىّ وخفاف المروروذى فى عدّة قوّاد فشهدوا [٣٦٢] له بذلك، فبايعه أبو غانم وخفاف [٢] وأبو الأصبغ وتتابع القوّاد عليه فيهم حميد بن قحطبة وغيره من أهل خراسان والشام والجزيرة، فلمّا فرغ من البيعة ارتحل فنزل حرّان وفيها مقاتل العكّى، وكان أبو جعفر استخلفه لمّا قدم على أبى العبّاس، فلم يجبه فتحصّن منه فأقام عليه حتّى استنزله من حصنه فقتله.
وسرّح أبو جعفر لقتال عبد الله بن علىّ أبا مسلم، فلمّا بلغ عبد الله إقبال أبى مسلم أقام بحرّان، وجمع إليه الجنود والسلاح، وخندق، وأعدّ الطعام
و
стр. 1403
الأعلاف وما يصلحه. ومضى أبو مسلم لم يتخلّف عنه أحد من القوّاد، وبعث على مقدّمته مالك بن الهيثم الخزاعي وكان معه الحسن وحميد ابنا قحطبة، وكان حميد فارق عبد الله بن علىّ لأنّه أخافه وأراد قتله.
وكان أبو مسلم استخلف على خراسان خالد بن إبراهيم أبا داود، وكان عبد الله بن علىّ خشي ألّا يناصحه أهل خراسان، فقتل منهم نحوا من سبعة عشر ألفا ضروب القتل.
وكتب لحميد بن قحطبة كتابا وجّهه إلى حلب وعليها زفر بن عاصم وفى الكتاب:
- «إذا ورد عليك حميد بن قحطبة فاضرب عنقه.» فسار حميد، ثمّ فكّر فى كتابه فلم ير من الصواب [٣٦٣] له أن يوصله ولم يقرأه، ففكّ الطومار وقرأه، فلمّا عرف ما فيه دعا قومه من خاصّته، فأفشى إليهم أمره وشاورهم وقال:
- «من أراد أن ينجو ويهرب فليسر معى فإنّى أريد أن آخذ طريق العراق، ومن لم يحمل نفسه على السير فلا يفشينّ سرّى وليذهب حيث أحبّ.» واتّبعه قوم وفوّز بهم ونجا.
ولمّا وافى أبو مسلم مكان عبد الله بن علىّ وهو بنصيبين يخندق لم يعرض له وأخذ طريق الشام وكتب إلى عبد الله:
- «إنّى لم أومر بقتالك ولم أوجّه له ولكن أمير المؤمنين ولّانى الشام وأنا أريدها.» فقال من كان مع عبد الله:
- «كيف نقيم معك وهذا يأتى بلادنا وفيها حرمنا فيقتل من قدر عليه من رجالنا ويسبى ذراريّنا؟ ولكنّا نخرج إلى بلادنا فنمنعه ونقاتله إن قاتلنا.» فقال لهم عبد الله بن علىّ:
- «إنّه والله ما يريد الشام، وما وجّه إلّا إلى قتالكم، ولئن أقمتم ليأتينّكم.»
стр. 1404
فلم تطب أنفسهم. فأبوا إلّا المسير إلى الشام.
وكان أبو مسلم قد عسكر قريبا منه فارتحل عبد الله بن علىّ متوجّها نحو الشام. وتحوّل أبو مسلم حتّى نزل فى معسكر عبد الله بن علىّ [٣٦٤] فى موضعه وعوّر ما كان حوله من المياه وألقى فيها الجيف، وبلغ عبد الله بن علىّ ذلك فقال لأصحابه:
- «ألم أقل لكم؟» ثمّ أقبل عبد الله فلم يجد غير موضع عسكر أبى مسلم الذي كان به فاقتتلوا ستّة أشهر.
فحكى من شهد مع أبى مسلم هذه الحرب: أنّه لمّا كان بعد ستّة أشهر التقينا فحمل علينا أصحاب عبد الله، فصدمونا صدمة أزالونا عن مواقفنا وانصرفوا.
وشدّ علينا عبد الصمد فى خيل مجرّدة فقتلوا منّا قوما، ثمّ رجعوا، ثمّ تجمّعوا ورموا بأنفسهم علينا، فأزالوا صفّنا، وجلنا جولة، فقلت لأبى مسلم:
- «لو حرّكت دابّتى حتّى أشرف على هذا التلّ فأصيح بالناس، فقد انهزموا.» قال: «افعل.» قال، قلت: «وأنت أيضا، لو حرّكت دابّتك معى.» فقال: «إنّ أهل الحجى لا يعطفون دوابّهم فى مثل هذه الحال. ناد: يا أهل خراسان، ارجعوا، فإنّ العاقبة للمتّقين.» ففعلت، فتراجع الناس وارتجز أبو مسلم:
من كان ينوي أهله فلا رجع ... فرّ من الموت وفى الموت وقع
وقد كان عمل لأبى مسلم عريش، فكان يجلس فيه [١] إذا التقى الناس
стр. 1405
فينظر إلى القتال، فإن رأى خللا فى الميمنة والميسرة، أرسل إلى صاحبها:
- «إنّ فى ناحيتك انتشارا فاتّق [١] الله لا نؤتى [٣٦٥] من قبلك، افعل كذا، قدّم خيلك إلى موضع كذا، تأخّر إلى موضع كذا.» فإنّما رسله تختلف برأيه إليهم حتّى ينصرف بعضهم عن بعض.
فلمّا كان يوم التقوا، فاقتتلوا قتالا.
فلمّا رأى ذلك أبو مسلم مكر بهم، فأرسل إلى الحسن بن قحطبة، وكان على ميمنته، أن:
- «أعر ميمنتك وضمّ أكثرها إلى الميسرة، وليكن فى الميمنة حماة أصحابك وأشدّاؤهم.» فلمّا رأى ذلك أهل الشام أعروا ميسرتهم وانضمّوا إلى ميمنتهم بازاء ميسرة أبى مسلم.
ثمّ أرسل أبو مسلم إلى الحسن أن:
- «مر أهل القلب فليحملوا مع من بقي فى الميمنة على ميسرة أهل الشام.» قال: فحملوا عليهم فحطّموهم. وجال أهل القلب والميمنة وركبهم أهل خراسان فكانت الهزيمة.
فحكى ابن سراقة الأزدى قال: كنت مع عبد الله بن علىّ، فقال لى:
- «يا سراقة ما ترى؟» قلت: «أرى أن تصير وتقاتل فإنّ الفرار قبيح بمثلك حتّى تقتل وقد [٢] عبته على مروان.» قلت: «قبّح الله مروان، جزع من الموت ففرّ.»
стр. 1406
فقال: «بل آتى العراق.» قلت: «فإنّى معك.» فانهزم مع الناس وتركوا عسكرهم فاحتواه أبو مسلم، وكتب إلى أبى جعفر بالفتح. فأرسل أبو جعفر أبا الخصيب مولاه يحصى ما أصابوا فى [٣٦٦] عسكر عبد الله بن علىّ، فغضب من ذلك أبو مسلم، ولم يظهر غضبه.
فأمّا عبد الله بن علىّ فإنّه أتى سليمان بن علىّ بالبصرة، وأمّا عبد الصمد فقدم الكوفة، فاستأمن له عيسى بن موسى، فآمنه أبو جعفر وأمر أبو مسلم الناس بالكفّ، فلم يقتل أحدا بعد الهزيمة، وبقي عبد الله بن علىّ متواريا عند سليمان زمانا.
وفى هذه السنة قتل أبو مسلم
حكى مسلم بن المغيرة: أنّه كان مع الحسن بن قحطبة بأرمينية، فلمّا وجّه أبو مسلم إلى الشام، كتب أبو جعفر إلى الحسن أن يوافيه ويسير معه. فقدمنا [١] على أبى مسلم وهو بالموصل، فأقام أيّاما، فلمّا أراد أن يسير استأذنته فى المصير إلى العراق وقلت:
- «أنتم تسيرون إلى القتال، وليس بك إلىّ حاجة.» قال: «نعم، لكن أعلمنى إذا أردت الخروج.» قلت: «نعم.» فتهيّأت، فلمّا فرغت أعلمته وقلت:
- «أتيتك مودّعا.» قال: «قف بالباب حتّى أخرج إليك.»
стр. 1407
فخرجت فوقفت، فخرج وقال:
- «أريد أن ألقى إليك شيئا لتبلغه أبا أيّوب، ولولا ثقتي بك [١] لم أخبرك، فأبلغ أبا أيّوب أنّى قد ارتبت بأبى مسلم منذ قدمت عليه. إنّه يأتيه الكتاب من أمير المؤمنين فيقرأه ثمّ يلوى شدقه ويرمى بالكتاب إلى أبى نصر مالك بن الهيثم فيقرأه [٣٦٧] ثمّ يضحكان ويستهزئان به.» قلت: «نعم.» ومضيت عنه، فلمّا لقيت أبا أيّوب وأنا أرى أنّى قد أتيته بشيء أخبرته، [٢] ضحك وقال:
- «نحن لأبى مسلم أشدّ تهمة منّا لعبد الله بن علىّ، إلّا أنّا نرجو واحدة: نعلم أنّ أهل خراسان لا يحبّون عبد الله وقد قتل منهم من قتل.»
ذكر مقتل أبى مسلم صاحب الدولة وسبب ذلك
لمّا ظفر أبو مسلم بعسكر عبد الله بن علىّ، بعث أبو جعفر يقطين بن موسى وأمره بإحصاء ما فى العسكر، فلمّا قدم عليه، وكان يسمّيه: يك دين، قال له أبو مسلم:
- «يا يك دين، أمين على الدماء خائن فى الأموال.» وشتم أبا جعفر، فأبلغه يقطين ذلك.
وأقبل أبو مسلم من الجزيرة مجمعا على الخلاف، وخرج من وجهه معارضا يريد خراسان. وخرج أبو جعفر من الأنبار إلى المدائن، وكتب إلى أبى مسلم فى المصير إليه.
стр. 1408
فكتب أبو مسلم وهو على الرواح إلى طريق حلوان:
- «إنّه لم يبق لأمير المؤمنين- أكرمه الله عدوّ إلّا مكّنه الله منه. وقد كنّا نروى عن ملوك آل ساسان أنّ أخوف ما يكون الوزراء إذا سكنت الدهماء، فنحن نافرون من قربك حريصون على [٣٦٨] الوفاء بعدك ما وفيت، حريّون بالسمع والطاعة لك، غير أنّها من بعيد حيث تقارنها السلامة، فإنّ أرضاك ذلك فإنّا كأخسّ [١] عبيدك، وإن أبيت إلّا أن تعطى نفسك إرادتها، نقضت ما أبرمت من عهدك ضنّا بنفسي.» فلمّا وصل الكتاب إلى المنصور، كتب إلى أبى مسلم:
«قد فهمت كتابك، وليست صفتك صفة أولئك الوزراء الغششة ملوكهم الذين يتمنّون اضطراب حبل الدولة لكثرة جرائمهم، فإنّما راحتهم فى انتشار نظام الجماعة. فلم سوّيت نفسك بهم وأنت فى طاعتك ومناصحتك واضطلاعك بما حمّلت من أعباء هذا الأمر على ما أنت به، وليس مع الشريطة التي أوحشت [٢] منك سمع ولا طاعة. وقد حمّل إليك أمير المؤمنين عيسى بن موسى رسالة لتسكن إليها إن أصغيت، وأسأل الله أن يحول بين الشيطان ونزعاته وبينك، فإنّه لم يجد بابا يفسد به نيّتك أوكد عنده وأقرب
стр. 1409
من ظنّه [١] من الباب الذي فتحه عليك.» وأمر أبو جعفر عيسى بن موسى ومن حضره:
- «اكتبوا إليه تعظمون أمره وتشكرون ما كان منه وتسألونه أن يتمّ ما كان [٣٦٩] منه وعليه من الطاعة وتحذّرونه عاقبة الغدر وتأمرونه بالرجوع إلى أمير المؤمنين وأن يلتمس رضاه.» ودعا أبا حميد ثمّ قال له:
- «كلّم أبا مسلم بالين ما تكلّم به أحدا، ومنّه، وأعلمه أنّى رافعه وصانع به ما لم يصنعه أحد بأحد إن هو راجع [٢] ما أحبّ فإن أبى أن يرجع فقل له: يقول لك أمير المؤمنين نفيت من العبّاس، وأنا بريء من محمّد صلّى الله عليه إن مضيت مشاقا ولم تأتنى إن وكلت أمرك إلى أحد سواي، وإن لم أل طلبك وقتالك إلّا بنفسي، ولو خضت البحر لخضته، ولو اقتحمت النار لاقتحمتها، حتّى أقتلك أو أموت قبل ذلك. ولا تقولّن هذا الكلام حتّى تأيس من رجوعه، ولا تطمع منه فى خير.» فسار أبو حميد فى ناس من أصحابه ممّن يثق بهم حتّى دخل على أبى مسلم، فدفع إليه الكتاب، ثمّ قال:
- «إنّ الناس يبلّغونك عن أمير المؤمنين ما لم يقله، وخلاف ما عليه رأيه
стр. 1410
فيك، حسدا وبغيا. يريدون إزالة هذه النعمة وتغييرها فلا تفسد ما كان منك.
وكلّمه بأشباه هذا وقال له:
- «يا أبا مسلم، إنّك لم تزل أمين آل محمّد، يعرفك بذلك الناس [٣٧٠] وما ذخر الله لك من الأجر عنده أعظم ممّا أنت فيه من دنياك، فلا تحبط أجرك ولا يستهوينّك الشيطان.» قال له أبو مسلم:
- «متى كنت تكلّمنى بهذا الكلام.» وأقبل على أبى نصر مالك بن الهيثم. فقال:
- «يا مالك، ألا تسمع؟» .
ذكر آراء أشير بها على أبى مسلم فخالفها
قال: «لا تسمع قوله ولا يهولنّك هذا منه فلعمرى لقد صدقت ما هذا بكلامه فامض لأمرك ولا ترجع، فو الله لقد وقع فى نفسه منك شيء لا يأمنك معه أبدا.» فقال للرسل: «قوموا.» فنهضوا. فأرسل أبو مسلم إلى نيزك وقال:
- «يا نيزك، إنّى والله ما رأيت طويلا أعقل منك، فما ترى؟ فقد جاءت هذه الكتب وقد قال القوم ما قالوا.» قال:
- «لا أرى أن تأتيه وأرى أن تأتى الرىّ فتقيم بها فتصير ما بين خراسان والرىّ لك وهم جندك لا يخالفك أحد، فإن استقام لك استقمت وإن أبى كنت فى جندك، وكانت خراسان من وراءك، فرأيت رأيك.» فدعا أبا حميد فقال:
- «ارجع إلى صاحبك، فليس من رأيى أن آتيه.» قال: «قد اعتزمت على خلافه.»
стр. 1411
قال: «نعم.» قال: «لا تفعل.» قال: «ما أريد أن ألقاه.» فلمّا آيسه من الرجوع [٣٧١] قال له ما أمره به أبو جعفر، فوجم طويلا ثمّ قال:
- «قم.» فكسره ذلك القول ورعّبه.
وكان أبو جعفر قد كتب إلى أبى داود وهو خليفة أبى مسلم على خراسان حين أتّهم أبا مسلم:
- «إنّ لك إمرة خراسان ما بقيت.» فكتب أبو داود إلى أبى مسلم:
- «إنّك لم تخرج لمعصية خلفاء الله وأهل بيت نبيّنا صلّى الله عليه، فلا تخالفنّ إمامك ولا ترجعنّ إلّا بإذنه.» فوافاه كتابه على تلك الحال، فزاده رعبا وهمّا. وأرسل إلى أبى حميد وأبى مالك فقال لهما:
- «إنّى قد كنت معتزما على المضىّ إلى خراسان ثمّ رأيت أن أوجّه أبا إسحاق إلى أمير المؤمنين فيأتينى برأيه فإنّه ممّن أثق به» فوجّه، فلمّا قدم أبو إسحاق تلقّاه بنو هاشم بكل ما يحبّ، وقال له أبو جعفر:
- «اصرفه عن وجهه، ولك ولاية خراسان.» وأجازه، فرجع أبو إسحاق إلى أبى مسلم فقال له:
- «ما أنكرت شيئا، رأيتهم معظّمين لحقّك، يرون لك ما يرون لأنفسهم.»
стр. 1412
ثمّ أشار عليه بأن يرجع إلى أمير المؤمنين فيعتذر إليه ممّا كان منه [١] .
فأجمع أبو مسلم على ذلك، فقال له نيزك:
- «قد أجمعت على الرجوع؟» قال: «نعم.» وتمثّل:
ما للرجال مع القضاء محالة ... ذهب القضاء بحيلة الأقوام [٣٧٩]
وقال: «أمّا إذا عزمت على هذا، فاحفظ عنّى واحدة خار الله لك، إذا دخلت عليه فاقتله، ثمّ بايع لمن شئت، فإنّ الناس لا يخالفونك.» وكتب أبو مسلم إلى أبى جعفر يخبره أنّه ينصرف إليه.
قالوا: فقال أبو أيّوب: فدخلت على أبى جعفر وهو فى خباء شعر بالروميّة جالسا على مصلّى بعد العصر، وبين يديه كتاب أبى مسلم، فرمى به إلىّ، فقرأته، ثمّ قال:
- «والله لئن ملأت عيني منه لأقتلنّه.» فقلت فى نفسي: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. ٢: ١٥٦ طلبت الكتابة حتّى إذا بلغت غايتها، فصرت كاتبا للخليفة وقع هذا بين الناس، والله ما أرى أنّه إن قتل يرضى أصحابه بقتله، ولا يدعون هذا حيّا ولا أحدا ممن يتّصل بهم.
وامتنع منّى النوم.
ثمّ قلت: لعلّ الرجل يقدم وهو آمن، فإن كان آمنا فعسى أن تناول [٢] ما تريد وإن قدم وهو حذر لم تقدر عليه. فلو التمست حيلة.»
стр. 1413
ذكر حيلة احتال بها أبو أيّوب المورياني على أبى مسلم حتّى ترك التحرّز
قال أبو أيوب:
فأرسلت إلى سلمة بن سعيد بن جابر وكان يأنس به أبو مسلم فقلت:
- «هل عندك شكر؟» قال: «نعم.» قلت: «إن ولّيتك ولاية تصيب منها ما يصيب صاحب العراق [٣٧٣] تدخل معك أخى حاتم بن أبى سليمان؟» قال: «نعم.» قلت- وأردت أن يطمع ولا ينكر منه شيئا-: وتجعل له النصف؟» قال: «نعم.» قلت: «إنّ كسكر كالت عاما أوّل كذا وكذا، وفيها العام أضعاف ما كان عام أوّل، [١] فإن دفعت إليك بقبالتها التي كانت عاما أوّل أو بالأمانة أصبت ما تضيق به ذرعا؟» قال: «فكيف لى بهذا؟» قلت: «تأتى أبا مسلم فتلقاه وتكلّمه وتسأله أن يجعل فيما يرفع من حوائجه أن تولّاها أنت بما كانت فى العام الأوّل، فإنّ أمير المؤمنين يريد أن يولّيه إذا قدم ما وراء بابه ويريّح نفسه.» قال: «فكيف لى فى لقاءه ومن لى به؟» قلت: «أنا.» ودخلت على أبى جعفر، فحدّثته الحديث كلّه فلم أخرم منه شيئا. قال:
стр. 1414
- «فادع سلمة.» فدعوته. فقال له أبو جعفر:
- «إنّ أبا أيّوب استأذن لك أفتحبّ أن تلقى أبا مسلم؟» قال: «نعم» قال: «فقد أذنت لك فأقرئه السلام وأعلمه تشوّقنا إليه.» قال: فخرج سلمة حتّى لقى أبا مسلم. فقال له:
- «إنّ لى حاجة.» ثمّ قصّ عليه حديث كسكر، وقال له،- «أمير المؤمنين أحسن الناس فيك رأيا.» فطابت نفسه وكان قبل ذلك كئيبا، فلمّا قدم عليه من سلمة ما قدم، سرّى عنه وصدّقه. [٣٧٤] فلمّا دنا أبو مسلم من المدائن أمر أمير المؤمنين الناس، فتلقّوه. فلمّا كان عشيّة قدم، دخلت على أمير المؤمنين فقلت:
- «هذا الرجل يدخل العشيّة، فما تريد أن تصنع؟» قال: «أريد أن أقتله حين أنظر إليه.» قلت:
- «أنشدك الله، إنّه يدخل معه الناس، وقد علموا ما صنع، فإن دخل عليك ولم يخرج لم آمن البلاء، ولكن إذا دخل عليك، فأذن له حتّى ينصرف، فإذا غدا عليك رأيت رأيك.» وما أردت إلّا دفعه بها، وما ذاك إلّا من خوفي عليه وعلينا جميعا من أصحاب أبى مسلم.
فدخل عليه من عشيّته، وسلّم وقام قائما بين يديه، فقال:
- «انصرف يا عبد الرحمن، فأرح نفسك وادخل الحمّام فإنّ للسفر قشفا، ثمّ أغد علىّ.»
стр. 1415
فانصرف أبو مسلم، وانصرف الناس، فافترى [١] علىّ أمير المؤمنين حين خرج أبو مسلم وقال:
- «متى أقدر على مثل هذه الحال منه التي رأيته قائما على رجليه ولا أدرى ما يحدث فى ليلتي.» فانصرف، فلمّا أصبحت غدوت عليه، فلمّا رآني قال:
- «يا بن اللخناء، لا مرحبا بك، والله ما غمّضت الليلة.» ثمّ شتمني حتّى خفت أن يقتلني. ثمّ قال:
- «ادع لى عثمان بن نهيك.» فدعوته. فقال:
- «يا عثمان، كيف [٣٧٥] بلاء أمير المؤمنين عندك؟» قال: «يا أمير المؤمنين، إنّما أنا عبدك، والله لو أمرتنى أن أتّكىء على سيفي حتّى يخرج من ظهري، لفعلت.» قال: «كيف أنت إن أمرتك بقتل أبى مسلم؟» فوجم ساعة لا يتكلّم. فقلت:
- «مالك لا تتكلّم؟» فقال قولة ضعيفة: «أقتله.» قال: «انطلق، فجئنى بأربعة من وجوه الحرس جلداء [٢] .» فمضى. فلمّا كان عند الرواق ناداه:
- «يا عثمان، ارجع.» فرجع.
قال: «اجلس.» فجلس.
стр. 1416
قال: «أرسل إلى من تثق به من الحرس، فليحضر منهم أربعة.» فقال لوصيف له:
- «انطلق، فادع شبيب بن واج، وادع أبا حنيفة.» حتّى عدّد أربعة، فدخلوا فقال لهم أمير المؤمنين نحو ما قال لعثمان، فقالوا:
- «نقتله.» قال: «كونوا خلف الرواق، فإذا صفّقت، فاخرجوا إليه، فاقتلوه.» ثمّ أرسل إلى أبى مسلم رسلا، بعضهم على إثر بعض، فقالوا:
- «قد ركب.» وأتاه وصيف فقال له:
- «إنّه أتى عيسى بن موسى.» فقلت: «يا أمير المؤمنين، ألا أخرج فأطوف العسكر فأنظر ما يقول الناس، هل ظنّ أحد ظنّا أو تكلّم أحد بشيء.» قال: «بلى.» فخرجت، وتلقّانى أبو مسلم داخلا، فتبسّم، وسلّمت عليه، ودخل، ورجعت، فإذا هو منبطح لم ينتظر به رجوعي [١] . ودخل أبو الجهم، فلمّا راه مقتولا قال:
- «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا [٣٧٦] إِلَيْهِ راجِعُونَ.» ٢: ١٥٦ فأقبلت على أبى الجهم فقلت له:
- «أمرته بقتله حين خالف، حتّى إذا قتل قلت هذه المقالة.» فنبّهت رجلا عاقلا [٢] فتكلّم بكلام أصلح ما كان منه.
стр. 1417
قال: «يا أمير المؤمنين، ألا أردّ الناس؟» قال: «بلى.» قال: «فأمر بمتاع يحوّل لك إلى رواق آخر من أرواقك هذه.» فأمر بفرش، فأخرجت كأنّه يريد أن يهيّأ له رواق آخر. فخرج أبو الجهم وقال:
- «انصرفوا فإنّ الأمير يريد أن يقيل عند أمير المؤمنين.» ورأوا المتاع ينقل، فظنّوه صادقا، فانصرفوا، ولمّا دخل أبو مسلم قال له:
- «أخبرنى عن نصلين [١] أصبتهما فى متاع عبد الله بن علىّ.» قال: «هذا أحد هما الذي علىّ.» قال: «أرنيه.» فانتضاه، فناوله، فهزّه أبو جعفر، ثمّ وضعه تحت فراشه، وأقبل عليه يعاتبه ويعدّد ذنوبه. فقال:
- «أخبرنى عن كتابك إلى أبى العبّاس تنهاه عن الموات [٢] ، أردت أن تعلّمنا الدين؟» قال: «ظننت أنّه لا يحلّ، وكان كتب إلىّ فيه، فأجبته بما عندي.» قال: «فأخبرنى عن تقدمك إيّاى فى طريق مكّة.» قال: «كرهت أن نجتمع على الماء، فيضرّ ذلك بالناس، فتقدّمت توطئه والتماس المرفق.» فقال: «فقولك حين أتاك الخبر بموت أبى العبّاس لمن أشار عليك أن تنصرف [٣٧٧] إلى أن نقدم فنرى رأينا فمضيت، فلا أنت أقمت حتّى ألحقك،
стр. 1418
ولا أنت رجعت إلىّ.» قال: «منعني من ذلك ما أخبرتك به من طلب المرفق للناس، وقلت يقدم الكوفة وليس عليه منّى خلاف.» قال: «فجارية عبد الله بن علىّ، أردت أن تتّخذها؟» قال: «لا، ولكنّى خفت ضياعها فحملتها فى قبّة ووكلّت بها من يحفظها.» قال: «فمراغمتك إيّاى والخروج إلى خراسان.» قال: «خفت أن يكون قد دخلك شيء منّى، فقلت آتى خراسان وأكتب بعذري وإلى ذاك ما قد ذهب ما فى نفسك علىّ.» قال: «فلم قتلت سليمان بن كثير مع أثره فى دعوتنا وهو أحد نقباءنا [١] .» قال: «إنّما أراد الخلاف فقتلته.» قال: «تقتله وحاله عندنا حاله بتهمة لم تتحقّقها؟» ثمّ قال: «ألست الكاتب إلىّ تبدأ بنفسك، والكاتب إلّى تخطب أمينة بنت علىّ وتزعم أنّك ابن سليط بن عبد الله بن عبّاس؟» فقال أبو مسلم: «يا أمير المؤمنين، لا تتحفّظ علىّ أمثال هذه بعد بلائي وما كان منّى.» وكان أبو مسلم قتل فى دولته وحروبه ستمائة ألف انسان صبرا.» فقال له:
- «يا بن الخبيثة، والله لو كانت أمة مكانك لأجزأت، إنّما عملت ما عملت بريحنا وفى دولتنا، ولو كان ذلك إليك [٣٧٨] ما قطعت فتيلا.» ثمّ قال أبو جعفر:
- «إنّك لتزيدني بكلامك واحتجاجك غيظا.»
стр. 1419
وصفّق بيده، وكانت العلامة بينه وبين الحرس [١] ، فخرجوا عليه وضربوه حتّى قتلوه وأدرج فى بساط وأمر أبو جعفر لأصحابه بمال، ونثر دراهم لبقية جنده فاشتغلوا بها، ورمى إليهم برأسه.
ثمّ دعا أبو جعفر بأبى إسحاق صاحب حرس أبى مسلم، فقال:
- «أقسم بالله لئن قطعوا طنبا من أطنابى لأضربنّ عنقك ثمّ لأجاهدنّهم.» فخرج إليهم أبو إسحاق وهم يشغّبون فقال:
- «انصرفوا يا كلاب.» وكان أبو مسلم خلّف أبا نصر فى ثقله وقال:
- «أقم حتّى يأتيك كتابي.» قال:
- «فاجعل بيني وبينك علامة أعرفها وأثق بكتابك معها.» قال:
- «إن أتاك كتابي مختوما بنصف خاتمي، فإنا كتبته وإن أتاك بختمى كلّه فلم أكتبه، ولم أختمه.» فلمّا دنا من المدائن، تلقّاه رجل من قوّاده، فسلّم عليه وقال:
- «أطعنى وارجع، فإنّه إن قدر عليك قتلك.» قال: «أمّا وقد قربت من القوم، فإنّى أكره الرجوع.» وكتب أبو جعفر كتابا عن لسان أبى مسلم إلى أبى نصر يأمره بحمل ثقله وما خلّف عنده، وأن يقدم، وختم الكتاب بخاتم أبى مسلم، فلمّا رأى أبو نصر نقش الخاتم تامّا علم [٣٧٩] أنّ أبا مسلم لم يكتب به. قال:
- «أفعلتموها؟»
стр. 1420
وانحدر إلى همذان وهو يريد خراسان.
فكتب أبو جعفر بعهده على شهرزور، ووجّه إليه رسولا بالعهد، فأتاه خبره بعد نفوذ الرسول بالعهد انّه قد توجّه إلى خراسان.
وكتب إلى زهير بن التركيّ وهو على همذان:
- «إن مرّ بك أبو نصر، فاحبسه.» ثمّ كتب إليه كتابا آخر:
- «إن كنت أخذت أبا نصر فاقتله.» وقدم صاحب العهد بالكتاب فوصلت الكتب إلى زهير وأبو نصر بهمذان، فأخذه وحبسه، ثمّ خلّاه لهواه فيه، واحتجّ بأنّ كتاب العهد سبق إلىّ فخلّيت سبيله.
وفى هذه السنة ولّى أبو جعفر أبا داود خالد بن إبراهيم خراسان، وكتب إليه بعهده.
خروج سنباذ طلبا بثأر أبى مسلم
وفيها خرج سنباذ بخراسان يطلب بدم أبى مسلم وكان هذا الرجل مجوسيّا، وأظهر غضبا لقتل أبى مسلم، فطلب بثأره، وكثر أتباعه فتسمّى:
بفيروز اصبهبذ، وغلب على نيسابور، وقومس، والرىّ، وقبض خزائن أبى مسلم التي خلّفها، فوجّه إليه أبو جعفر، جهور بن مرّار [١] العجلى فى عشرة آلاف، فالتقوا بين همذان والرىّ، فهزم سنباذ وقتل من أصحابه نحو من ستين.
ألفا [٣٨٠] وسبيت ذراريّهم ونساؤهم، ثمّ قتل سنباذ بين طبرستان وقومس.
فكان بين خروجه إلى يوم قتل سبعون ليلة.
стр. 1421
خروج ملبّد
وفى هذه السنة خرج ملبّد بن حرملة الشيبانى فحكّم بناحية الجزيرة فخرج إليه ألف رجل من روابط الجزيرة، فقتلهم ملبّد وهزمهم، ثمّ سار إليه روابط الموصل فهزمهم، ثمّ سار إليه يزيد بن حاتم المهلّبى فهزمه ملبّد بعد قتال شديد وقتل ذريع. ثمّ وجّه إليه أبو جعفر المهلهل بن صفوان فى نخب الجند فهزمهم ملبّد، واستباح عسكرهم ثمّ خرج إليه نزار فى عدّة من قوّاد خراسان، فقتله ملبّد وهزم أصحابه، ثمّ وجّه إليه زياد بن مشكان فى جمع كثير فهزمهم ملبّد. ثمّ وجّه صالح بن صبيح فى عسكر كثيف وعدّة من صناديد فهزمهم الملبّد. ثمّ سار إليه حميد بن قحطبة فلقيه الملبّد فهزمه، وتحصّن حميد منه وأعطاه مائة ألف درهم على أن يكفّ عنه.
ثمّ دخلت سنة ثمان وثلاثين ومائة حوادث عدة
وفيها دخل قسطنطين ملك الروم ملطية عنوة فقهر أهلها وملك سورها [٣٨١] وهدمه ثمّ عفى عمّن فيها.
وفيها غزا العبّاس بن محمّد بن علىّ بن عبد الله بن العبّاس مع صالح بن علىّ، فوصله صالح بأربعين ألف دينار وخرج معهم عيسى بن علىّ، فوصله أيضا بأربعين ألف دينار فبنى صالح بن علىّ ما كان صاحب الروم هدم من ملطية.
وفى هذه السنة خلع جهور بن مرّار [١] العجلى المنصور وكان سبب ذلك أنّ جهورا لمّا هزم سنباذ وحوى ما فى عسكره وفى جملته خزائن أبى مسلم،
стр. 1422
خاف فخلع، فأنفذ إليه المنصور محمّد بن الأشعث الخزاعىّ، فلقيه فقاتله قتالا شديدا، فهزم جهور وقتل من أصحابه خلق كثير وهرب جهور [١] إلى آذربيجان فأخذ بعد ذلك باسفيدروا.
وفى هذه السنة قتل الملبّد الخارجي قتله خازم بن خزيمة بعد قتال شديد وحروب كثيرة لا تستفاد من ذكرها تجربة.
ثمّ دخلت سنة تسع وثلاثين ومائة [٢] عبد الرحمن يصير إلى الأندلس
وفى هذه السنة صار عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان إلى الأندلس فملّكه أهلها أمرهم، فولده ولاتها إلى اليوم.
وفيها عزل سليمان بن علىّ [٣٨٢] عن البصرة، وولّى سفيان بن معاوية، فتوارى عبد الله بن علىّ وأصحابه فبعث أبو جعفر إلى سليمان وعيسى ابني علىّ وكتب إليهما فى إشخاص عبد الله بن علىّ وعزم عليهما أن يفعلا ذلك ولا يؤخّراه، وأعطاهما من الأمان لعبد الله ما رضياه ووثقا به، وجرى فى ذلك ما سنذكره إن شاء الله.
ثمّ استحثّهما بالخروج بعبد الله وبعامّة قوّاده وخواصّ أصحابه فخرجا بعبد الله والجماعة التي التمسها حتّى قدموا على المنصور فلمّا دخل سليمان وعيسى على المنصور سألاه فى عبد الله بن علىّ وأعلماه حضوره، فأنعم لهما وشغلهما بالحديث.
وقد كان هيّأ لعبد الله محبسا فى قصره، وأمر أن يصرف إليه بعد دخول
стр. 1423
سليمان وعيسى، ففعل ذلك به، ثمّ نهض أبو جعفر من مجلسه وقال لسليمان وعيسى:
- «سارعا بعبد الله.» فلمّا خرجا، افتقدا عبد الله بن علىّ من المجلس الذي خلّفاه فيه، فعلما أن قد حبس، فانصرفا راجعين إلى أبى جعفر، فحيل بينهما وبين الوصول إليه، وأخذت عند ذلك سيوف من حضر من أصحاب عبد الله بن علىّ من عواتقهم وحبسوا. [٣٨٣]
ثمّ دخلت سنة أربعين ومائة هلاك أبى داود عامل خراسان
فمما جرى فيها هلاك أبى داود خالد بن إبراهيم عامل خراسان لخطيئة أخطأها على نفسه، وذلك أنّ ناسا من جنده ثاروا به ليلا وهو نازل بباب كشمهان [١] من مدينة مرو حتّى وصلوا إلى المنزل الذي هو فيه فأشرف أبو داود من الحائط، وجعل ينادى أصحابه ليعرفوا صوته، ووطئ حرف آجرّة خارجة عن الحائط، فانكسرت الآجرّة ووقع على سترة أمامها فانكسر ظهره ومات.
وقام عصام صاحب شرطة أبى داود بخلافته حتّى قدم عبد الجبّار بن عبد الرحمن الأزدى.
ثمّ دخلت سنة إحدى وأربعين ومائة
فمّا جرى فى هذه السنة أمر الرونديّة وما كان من أبى جعفر فى أمرهم.
стр. 1424
ذكر أخبار الرونديّة وخروجهم ومقتلهم
الرونديّة قوم كانوا من أهل خراسان على رأى أبى مسلم صاحب دعوة بنى هاشم، يقولون بتناسخ الأرواح، ويزعمون أنّ روح آدم فى عثمان بن نهيك وأنّ جبريل هو الهيثم بن معاوية. [٣٨٤] وأنّ ربّهم الذي يطمعهم ويسقيهم هو أبو جعفر المنصور، ويعدّدون أرواح قوم مضوا فيدّعون أنّها الآن منتقلة فى أجساد أخرين [١] هم فلان وفلان، ولا تزال تنتقل فى كلّ زمان إلى أجساد قوم فتعاقب فيها أو تثاب.
وكانوا أتوا قصر المنصور فجعلوا يطوفون به ويقولون:
- «هذا قصر ربّنا.» فحكى أبو بكر الهذلي قال: إنّى لواقف بباب أمير المؤمنين إذ طلع فقال لى رجل إلى جانبي:
- «هذا ربّ العزّة، هذا الذي يرزقنا ويطعمنا ويسقينا.» فلمّا رجع أمير المؤمنين ودخل الناس ودخلت وخلا وجهه قلت له:
- «سمعت اليوم عجبا.» وحدّثته، فنكت فى الأرض وقال:
- «يا هذلي، يدخلهم الله النار فى طاعتنا ويقتلهم أحبّ إلينا من أن يدخلهم الجنّة بمعصيتنا.» قال: وأتوا قصر المنصور للطواف حتى شاع خبرهم فأرسل المنصور إلى رؤساء هم فحبس منهم مائتين فغضب أصحابهم وقالوا:
- «علام حبسوا؟» وأمر المنصور ألّا يجتمعوا، فأعدّوا نعشا وحملوا السرير وليس فى النعش
стр. 1425
أحد. ثمّ مرّوا فى المدينة الهاشمية بالكوفة حتّى صاروا على باب السجن، فأخرجوا أصحابهم، وقصدوا نحو المنصور يريدونه [٣٨٥] وهم يومئذ ستمائة رجل، فتنادى الناس، وغلّقت أبواب المدينة، فلم يدخل أحد فخرج المنصور من القصر ماشيا ولم يكن فى القصر دابّة، فجعل بعد ذلك يرتبط فرسا يكون فى دار الخليفة معه فى قصره.
ولمّا خرج المنصور أتى بدابّة فركبها وهو يريدهم. وجاء معن بن زايدة وانتهى إلى المنصور وقال:
- «أنشدك الله يا أمير المؤمنين إلّا رجعت فانّك تكفى.» وجاء أبو نصر مالك بن الهيثم فوقف على باب القصر وقال:
- «أنا اليوم بوّاب.» ونودى فى السوق، فرموهم وقاتلوهم حتّى أثخنوهم وفتح بابا المدينة فدخل الناس وجاء خازم بن خزيمة على فرس محذوف فقال:
- «يا أمير المؤمنين، أقتلهم؟» قال: «نعم.» فحمل عليهم حتّى ألجأهم إلى حائط، ثمّ كرّوا على خازم، حتّى كشفوه وأصحابه ثمّ كرّ عليهم فاضطرّوهم إلى حائط المدينة وقال للهيثم بن شعبة:
- «إذا كرّوا علينا فاسبقهم إلى الحائط، وإذا رجعوا فاقتلهم.» فحملوا على خازم فاطّرد لهم وصار الهيثم بن شعبة من وراءهم فقتلوا جميعا. وجاءهم يومئذ عثمان بن نهيك وكلّمهم، فرموه، فرجع، فرموه بنشّابة وقعت بين كتفيه فمرض أيّاما ومات.
وأبلى يومئذ برزين [١] بن المصمغان ملك [٣٨٦] دنباوند. وكان خالف أخاه
стр. 1426
وقدم على أبى جعفر، فأكرمه وأجرى عليه رزقا، فلمّا كان يومئذ أتى المنصور فكفّر له ثمّ قال:
- «أقاتل هولاء؟» قال له: «نعم.» فقاتلهم. فكان إذا ضرب رجلا فصرعه تأخّر عنه، فلمّا قتلوا وصلّى المنصور دعا بالعشاء وقال:
- «اطلبوا معن بن زايدة.» وأمسك عن الطعام حتّى جاء معن، فقال لقثم:
- «تحوّل إلى هذا الموضع.» وأجلس معنا مكان قثم.» فلمّا فرغوا من العشاء قال لعيسى بن علىّ:
- «يا با العبّاس، أسمعت بأسد الرجال؟» قال: «نعم.» قال: «لو رأيت معنا علمت أنّه من تلك الآساد.» قال معن: «والله يا أمير المؤمنين، لقد أتيتك وإنّى لوجل القلب، فلمّا رأيت ما عندك من الاستهانة بهم وشدّة الإقدام عليهم، ورأيت أمرا لم أره من خلق فى حرب، شدّ ذلك من قلبي وحملني على ما رأيت منّى.» قال الفضل بن الربيع: حدّثنى أبى قال: سمعت المنصور يقول:
المنصور يتحدّث عن ثلاث خطيئات- «أخطأت ثلاثة خطيئات وقى الله شرّها: قتلت أبا مسلم وأنا فى خرق ومن حولي يقدّم طاعته على طاعتي ويؤثرها، ولو هتكت الخرق لذهبت ضياعا، وخرجت يوم الرونديّة، ولو أصابنى سهم غرب لذهبت ضياعا، و
стр. 1427
خرجت إلى الشام ولو اختلف سيفان [٣٨٧] بالعراق ذهبت الخلاقة ضياعا.» وفى هذه السنة خلع عبد الجبّار بن عبد الرحمن عامل أبى جعفر على خراسان.
ذكر الخبر عن خلع عبد الجبّار وما آل إليه أمره
بلغ المنصور أنّ عبد الجبّار يقتل رؤساء أهل خراسان وكاتبه بعض قوّاده بكتاب فيه: قد نغل الأديم [١] . فقال لكاتبه أبى أيّوب الخورىّ:
- «إنّ عبد الجبّار قد أفنى شيعتنا، وما فعل هذا إلّا وهو يريد أن يخلع.» فقال له:
- «ما أيسر حيلته؟ اكتب إليه: إنّك تريد غزو الروم فيوجّه إليك الجنود من خراسان وعليهم فرسانهم ووجوههم، فإذا خرجوا منها فابعث إليه من شئت فليس به امتناع.» فكتب إليه بذلك، فأجابه:
- «إنّ الترك قد جاشت، وإن فرّقت الجنود ذهبت خراسان.» فألقى الكتاب إلى أبى أيوّب وقال له:
- «ما ترى؟» قال:
- «قد أمكنك من قياده، اكتب إليه: أنّ خراسان أهمّ إلىّ من غيرها، وأنا موجّه إليك الجنود من قبلي. ثمّ وجّه إليه الجنود ليكونوا بخراسان، فإن همّ بخلع، أخذوا بعنقه.» فلمّا ورد على عبد الجبّار هذا الكتاب، كتب إليه:
- «إن خراسان [٣٨٨] لم تكن قطّ أسوأ حالا منها فى هذا العام، وإن دخلها
стр. 1428
الجنود هلكوا لضيق ما هم فيه من غلاء السعر.» فلمّا أتاه الكتاب ألقاه إلى أبى أيّوب فقال له:
- «قد أبدى صفحته، وقد خلع، فلا تناظره.» فوجّه إليه محمّدا ابنه وقدّم لحربه خازم بن خزيمة، ثمّ شخص محمّد المهدىّ، فنزل نيسابور وتوجّه خزيمة بن خازم إلى عبد الجبّار، وبلغ ذلك أهل مرو الروذ فقاتلوه وجاهدوا فيه حتّى هرب وتوارى. ثمّ طلبوه حتّى أخذوه أسيرا. فلمّا قدم خازم أتاه [به] [١] فألبسه خازم مدرعة صوف وحمله على بعير وجعل وجهه من قبل عجز البعير حتّى انتهى به إلى المنصور ومعه ولده وأصحابه، فبسط عليهم العذاب حتّى استخرج منه ما قدر عليه من الأموال. ثمّ أمر المسيّب بقطع يدي عبد الجبّار ورجليه وضرب عنقه، ففعل المسيّب وأمر المنصور بتسيير ولده إلى دهلك وهي جزيرة بناحية اليمن.
فتح طبرستان
ولمّا وجّه المنصور محمّدا المهدىّ إلى قتال عبد الجبّار بن عبد الرحمن، فكفى المهدىّ أمر عبد الجبّار بمن حاربه كره المنصور أن تبطل نفقاته التي أنفقت على المهدىّ [٣٨٩] وجنوده. فكتب إليه: أن يغزو طبرستان وينزل الرىّ ويوجّه أبا الخصيب وخازم بن خزيمة والجنود إلى الإصبهبذ، والإصبهبذ كان يومئذ محاربا للمصمغان ملك دنباوند معسكرا بإزاءه. فبلغه أنّ الجنود دخلت بلاده وأنّ أبا الخصيب دخل سارية، فساء المصمغان ذلك، وقال للإصبهبذ:
- «متى صاروا إليك، صاروا إلىّ.»
стр. 1429
فأجمعا على محاربة المسلمين. وانصرف الإصبهبذ إلى بلاده. فحارب المسلمين وطالت الحروب. فأشار برزين [١] أخو المصمغان على المنصور بتوجيه عمر بن العلاء، وكان برزين قد عرف عمر أيّام رستقباذ [٢] وأيّام الرونديّة وقال:
- «يا أمير المؤمنين، إنّ عمر أعلم الناس ببلاد طبرستان فوجّهه.» وعمر بن العلاء هو الذي يقول فيه بشّار:
فقل للخليفة إن جئته ... نصيحا ولا خير فى المتّهم
إذا أيقظتك حروب العدى ... فنبّه لها عمرا ثمّ نم
فتى لا ينام على دمنة ... ولا يشرب الماء إلّا بدم
فوجّهه المنصور وضمّ إليه خزيمة بن خازم [٣] فدخل الرويان وفتحها وأخذ [٣٩٠] قلعة الطاق وما فيها.
وطالت الحرب وألحّ خزيمة على القتال، ففتح طبرستان وقتل منهم فأكثر.
وصار الإصبهبذ إلى قلعته وطلب الأمان على أن يسلّم القلعة بما فيها من ذخائره. فكتب بذلك المهدىّ إلى أبى جعفر، فوجّه أبو جعفر بصالح صاحب المصلّى وعدّة معه، فأحصوا ما فى الحصن ثمّ انصرفوا. وبدا للإصبهبذ، فدخل بلاد جيلان من الديلم، فمات بها، وأخذت ابنته، فهي أمّ إبراهيم بن العبّاس بن محمّد، وصمدت الجيوش للمصمغان، فظفروا به وبالبحتريّة أمّ منصور بن
стр. 1430
المهدىّ وبصمير [١] أمّ علىّ بن ريطة بنت المصمغان فهذا فتح طبرستان الأوّل.
ثمّ دخلت سنة اثنتين وأربعين ومائة
وفيها نقض إصبهبذ طبرستان، العهد بينه وبين المسلمين، وقتل من كان ببلاده من المسلمين فبلغ ذلك المنصور، فوجّه خازم بن خزيمة وروح بن حاتم، وأبا الخصيب مولى أبى جعفر فقاتلوهم حتّى طال عليهم. فاحتال أبو الخصيب فى ذلك وقال لأصحابه:
- «اضربونى واحلقوا رأسى ولحيتي.» ففعلوا ذلك به، ولحق بالإصبهبذ صاحب [٣٩١] الحصن وقال:
- «إنّه ركب منّى ما ترى بتهمة ألحقوها بى وظنّوا أنّ هواى معك.» وأخبره أنّه اليوم معه وأنّه يدلّه على عورة العسكر. فقبل منه الإصبهبذ ذلك وجعله فى خاصّته وألطفه ووكّل به من يتعرّف أخباره فصبر، ولم يزل يظهر طاعته ونصيحته حتّى وثق به وتمكّن ممّا أراد. فراسل أصحابه بل كاتبهم فى نشّابة وواعدهم أن يفتح لهم الباب يوما بعينه. ففعل، فدخلوا وقتلوا من فيها وسبوا الذرارىّ وظفروا ببيت الإصبهبذ وبشكلة [٢] أمّ إبراهيم بن المهدىّ وهي بنت كاتب المصمغان، ومصّ الإصبهبذ خاتما له فيه سمّ، فقتل نفسه.
ودخلت سنة ثلاث وأربعين ومائة
ولم يجر فيها ما تستفاد منه تجربة.
стр. 1431
ودخلت سنة أربع وأربعين ومائة
محمد وإبراهيم يهمّان المنصور
وفيها أهمّ أبا جعفر المنصور أمر محمّد وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن بن حسن بن علىّ بن أبى طالب ﵈.
وكانا قد تخلّفا عنه عام حجّ فى حياة أخيه ولم يحضرا مع من حضر من بنى هاشم.
وكان يقال: إنّ أبا جعفر كان بايع محمّد بن عبد الله ليلة تشاور بنو هاشم [٣٩٢] بمكّة فيمن يعقدون له الخلافة وذلك حين اضطرب أمر بنى مروان.
فلمّا كان بعد ذلك، واستخلف أبو جعفر لم تكن له همّة إلّا طلب محمّد، والمسألة عنه وعن أخيه فسأل عنهما بنى هاشم رجلا رجلا يخليهم، فيسألهم، فيقولون:
- «يا أمير المؤمنين، قد علم أنّك عرفته يطلب هذا الشأن قبل اليوم. فهو يخافك على نفسه وهو لا يريد لك خلافا ولا يحبّ لك معصية وما أشبه هذا من الكلام، إلّا حسن بن زيد فإنّه أخبره خبره وقال: والله ما آمن وثوبه عليك، فإنّه ممّن لا يغفل عنك، فر رأيك.» فأيقظ من لا ينام، وأخذ فى تتبّعه، ودعا بزياد بن عبيد الله وكان خليفة محمّد بن خالد القسرىّ على المدينة، فبحث عن أمر محمّد، وسأل عنه وعن أخيه فقال زياد:
- «ما يهمّك من أمرهما، أنا آتيك بهما.» فرّده وضمّنه محمّد بن إبراهيم.
وكان يحيى بن خالد بن برمك يقول: اشترى أبو جعفر رقيقا من رقيق الأعراب، ثمّ أعطى الرجل البعير والبعيرين، وربّما أعطى الرجل الذود وفرّقهم فى طلب محمّد فى ظهر المدينة، فكان الرجل منهم يرد الماء كالمارّ وكالضالّ
стр. 1432
وينقّرون [١] عنه ويتحسسون. [٣٩٣]
وممّا احتال به أبو جعفر حتّى وقف على أخبارهم
كان عمر بن حفص أوفد وفدا من السند منهم عقبة بن سلم، فدخلوا على أبى جعفر، فلمّا قضوا حوائجهم فأرادوا النهوض ونهضوا، استردّ عقبة، فأجلسه ثمّ قال:
- «من أنت؟» قال: «رجل من جند أمير المؤمنين وخدمه، صحبت عمر بن حفص.» قال: «ما اسمك؟» قال: «عقبة بن سلم بن نافع.» قال: «ممّن أنت؟» قال: «من الأزد، من بنى هناة [٢] .» قال: «إنّى لأرى لك هيئة وموضعا وإنّى لأريدك لأمر أنا به معنىّ لم أزل أرتاد له رجلا عسى أن تكونه إن كفيتنيه رفعتك.» فقال: «أرجو أن أصدّق ظنّ أمير المؤمنين فىّ.» قال: «فأخف شخصك واستر أمرك، وأتنى فى يوم كذا وكذا، فى وقت كذا وكذا.» فأتاه فى ذلك الوقت، فقال له:
- «إنّ بنى عمّنا هولاء قد أبوا إلّا كيدا لملكنا واغتيالا له، ولهم شيعة
стр. 1433
بخراسان بقرية كذا، يكاتبونهم، ويرسلون إليهم بصدقات أموالهم وألطاف بلادهم، فاخرج بكتبي [١] مع ألطاف وعين حتّى تأتيهم متنكّرا بكتاب تكتبه عن أهل هذه القرية ثمّ تسير ناحيتهم، فإن كانوا نزعوا عن رأيهم [٣٩٤] فأحبب والله بهم وأقرب، وإن كانوا على رأيهم علمت ذلك وكنت على حذر فاشخص حتّى تلقى عبد الله بن حسن متقشّفا فإن جبهك وهو فاعل فاصبر وعاوده، فإن عاد فاصبر حتّى يأنس بك ويلين لك ناحيته فإذا ظهر لك ما قبله [٢] فأعجل علىّ.» فشخص. حتّى قدم على عبد الله بن حسن فلقيه بالكتاب فأنكره ونهره وقال:
- «ما أعرف هولاء القوم.» فلم ينصرف ويعود إليه حتّى قبل كتابه [٣] وألطافه وأنس به، فسأله عقبة الجواب، فقال:
- «أمّا الكتاب، فإنّى لا أكتب إلى أحد ولكن أنت كتابي إليهم، فأقرئهم السلام وأخبرهم أنّ ابنيّ خارجان لوقت كذا وكذا.» قال: فشخص عقبة حتّى قدم على أبى جعفر فأخبره الخبر وبأشياء كان ينتظرها منه. فقال له أبو جعفر:
- «إنّى أريد الحجّ فإذا صرت بمكان كذا وكذا لقيني بنو حسن فيهم عبد الله فأنا مبجّله ورافع [٤] مجلسه وداع بالغداء، فإذا فرغنا من طعامنا، فلحظتك فامثل بين يديه، فإنّه سيصرف بصره عنك، فدر حتّى تغمز ظهره بإبهام رجلك
стр. 1434
حتّى تملأ عينه منك ثمّ حسبك وإيّاك أن يراك ما دام يأكل.» فخرج حتّى إذا ترفّع فى البلاد لقيه بنو حسن فأجلس عبد الله [٣٩٥] إلى جانبه ثمّ دعا بالغداء فأصابوا منه ثمّ أمر به فرفع فأقبل على عبد الله فقال:
- «يا با محمّد قد علمت ما أعطيتنى من العقود والمواثيق ألّا تبغيني سوءا ولا تكيد لى سلطانا.» قال: «فأنا على ذلك يا أمير المؤمنين.» قال: فلحظ أبو جعفر عقبة، فاستدار حتّى قام بين يدي عبد الله فأعرض عنه، ثمّ استدار حتّى قام من وراء ظهره، فغمزه بإصبعه فرفع رأسه فملأ عينه منه، ثمّ وثب حتّى جثا بين يدي أبى جعفر فقال:
- «أقلنى يا أمير المؤمنين أقالك الله.» قال: «لا أقالنى الله إن أقلتك.» وأمر بحبسه.
فحكى أبو حنين قال: دخلت على عبد الله بن حسن وهو محبوس، فقال:
- «هل حدث اليوم خبر؟» قلت:
- «نعم، قد أمر ببيع متاعك ورقيقك، ولا أرى أحدا يقدم على شرائه.» فقال: «ويحك يا با حنين، والله لو خرج بى وببناتى مسترقّين لاشترينا.» فشخص أبو جعفر، وبقي عبد الله بن الحسن فى الحبس ثلاث سنين.
وكان أخوه محمّد وأصحابه أجمعوا على اغتيال أبى جعفر فى سنة أربعين لمّا حجّ، وقال لهم الأشتر عبد الله بن محمّد بن عبد الله:
- «أنّا أكفيكموه.» فقال: محمّد: «لا والله لا أقتله أبدا غيلة حتّى أدعوه.» فنقض أمرهم ذلك، [٣٩٦] وما كانوا أجمعوا عليه.
وكان دخل معهم قائد من قوّاد أبى جعفر من أهل خراسان، فنمّ بهم إسماعيل بن جعفر بن محمّد الأعرج، فأرسل المنصور فى طلب القائد فلم يظفر
стр. 1435
به وأفلت مع غلام له بمال فأتى محمّدا به فقسّمه بين أصحابه.
وكان السبب فى ذلك
أنّ أبا جعفر أنفذ عينا له وكتب معه كتبا على ألسن الشيعة بعلامات لهم وقف عليها يذكرون موالاتهم وحسن طاعتهم ومعه مال، فقدم الرجل المدينة، فدخل على عبد الله بن حسن بن حسن فسأله عن محمّد وأعطاه العلامات، فذكر له أنّه فى جبل جهينة وقال:
- «امرر فى طريقك بعلىّ بن الحسن، الرجل الصالح الذي يدعى الأغرّ، فإنّه يرشدك.» فأتاه فأرشده. وكان لأبى جعفر كاتب على سرّه، وكان متشّيعا، فكتب إلى عبد الله بن الحسن بأمر ذلك العين وما بعث له. فقدم الكتاب على عبد الله بن الحسن، فارتاع وبعث أبا هيّار [١] إلى علىّ بن الحسن وإلى محمّد يحذّرهما الرجل، فخرج أبو هيّار حتّى نزل بعلىّ بن الحسن، فسأله عن الرجل فأخبره:
أن قد أرشده.
قال أبو هيّار: فجئت محمّدا فى موضعه [٣٩٧] الذي هو به فإذا هو جالس فى كهف معه قوم، والرجل معهم أعلاهم صوتا وأشدّهم انبساطا، فلمّا رآني ظهر عليه بعض التكرّه، وجلست مع القوم، فتحدّثت مليّا، ثمّ أصغيت إلى محمّد فقلت:
- «إنّ لى حاجة.» فنهض، ونهضت معه، فأخبرته خبر الرجل. فاسترجع وقال:
- «فما الرأى؟»
стр. 1436
فقلت: «إحدى ثلاث أيّها شئت فافعل.» قال: «وما هي؟» قلت: «تدعني حتّى أقتل الرجل.» قال: «سبحان الله، ما أقرب دما إلّا وأنا مكره، أو ماذا؟» قلت: «توقّره حديدا أو تنقله حيث انتقلت.» قال: «وهل بنا فراغ له مع الخوف والإعجال؟ أو ماذا؟» قلت: «تشدّه وتضعه عند بعض أهل ثقتك من جهينة.» قال: «هذا إذا.» فرجعنا وقد نذر الرجل، فهرب فقلت:
- «فأين الرجل؟» قالوا: «قام بركوة فاصطبّ ماء، ثمّ توارى بهذا الظرب [١] يتوضّأ.» قال: فجلنا فى الجبل وما حوله، فكأنّ الأرض التأمت عليه. وكان سعى على قدميه حتّى شرع على الطريق، فمّر به أعراب معهم حمول إلى المدينة، فقال لبعضهم:
- «فرّغ هذه الغرارة فأدخلنيها أكن عدلا لصاحبها ولك كذا وكذا.» قال: «نعم.» ففرّغها، وحمله إلى المدينة. ثمّ قدم [٣٩٨] على أبى جعفر فأخبره الخبر كلّه وعمى عن اسم أبى هيّار وكنيته وعلّق وبرا. فكتب أبو جعفر فى طلب وبر المزني فحمل إليه رجل يدعى وبرا فسأله عن قصّة محمّد وما حكى عنه العين، فحلف أنّه ما يعرف من ذلك شيئا فأمر به، فضرب سبعمائة سوط وحبس حتّى مات.
стр. 1437
من غريب الحكايات
فمن الحكايات الغريبة فى ذلك الوقت أنّ المنصور كان عنده قوم يتكهّنون فيخبرونه بموضع محمّد. فكتب بعض أصحاب محمّد ممّن كان يتشيّع ويصحب أبا جعفر:
- «لا تقيمنّ فى موضعك إلّا قدر ما يسير إليك البريد من العراق.
فكان يقال لأبى جعفر: نرى محمّدا ببلاد فيها الأترج والأعناب. فيكون بالمدينة وينتقل، ثمّ يرونه بالبيضاء وهي من وراء الغابة على عشرين ميلا وهي لأشجع، فيكتب إليها، فيقال له: قد خرج. ثمّ يقال له: إنّه ببلاد الجبال والقلات [١] ، فيطلبه فيقال: خرج، ثمّ يقال له: هو ببلاد الحبّ والقطران، فيقول:
هذه بلاد رضوى، فيطلبه ولا يجده.
وكان الناس يقولون: عند أبى جعفر مرآة ينظر فيها فيعلم الغيب منها، ويكثرون من الأحاديث، [٣٩٩] ولا يشكّون فى أنّ أبا جعفر يطّلع الغيب ويعلمون لذلك خرافات مختلفه من أخبار الجنّ والمرآة التي ذكرتها.
ولمّا طلب محمّد فى شعاب رضوى من جبل جهينة بخيل ورجال، فزع محمّد وكان هناك، فأحضر شدّا فأفلت. وكان له ابن صغير ولد فى خوفه ذلك وكان مع جارية له فهوى من الجبل فتقطّع. فقال محمّد:
منخرق السربال يشكو الوجى ... تنكبه أطراف مرو حداد
شرّده الخوف فأزرى به ... كذاك من يكره حرّ الجلاد
قد كان فى الموت له راحة ... والموت حتم فى رقاب العباد
وقال محمّد: لمّا ظهر، بينا أنّا بالحرّة مصعدا ومنحدرا، إذا أنا بخيل أبى
стр. 1438
جعفر ورجاله وعليهم رياح بن عثمان يطلبني فعدلت إلى بئر فوقفت بين قرنيها أستقى، فلقيني رياح صفحا فقال:
- «قاتله الله أعرابيا، ما أحسن ذراعه.» وحكى بعضى أصحاب محمّد قال: غدوت يوما مع محمّد وعليه قميص غليظ ورداء قرقبي مفتول، فخرجنا من موضع كان فيه، وذكره، حتّى إذا كان قريبا التفت فإذا رياح فى جماعة أصحابه ركبان فقلت:
- «إِنَّا لِلَّهِ [٤٠٠] وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ٢: ١٥٦. هذا رياح.» فقال غير مكترث:
- «امضه.» فمضيت وما تقلّنى رجلاي، وتنحّى هو عن الطريق، فجلس وجعل ظهره ممّا يلي الطريق وسدل هدب رداءه على وجهه وكان جسيما، فلمّا حاذاه رياح قال لأصحابه:
- «امرأة رأتنا فاستحيت.» فأعرض ومضى.
أخذ جماعة بنى حسن بن حسن
ولمّا أعيا المنصور محمّد وإبراهيم تقدّم بأخذ جماعة بنى حسن بن حسن فأخذ رياح، وكان والى المدينة، حسن بن حسن بن حسن [١] ، وإبراهيم أخاه، وحسن بن جعفر بن حسن، وسليمان بن عبد الله ابني داود بن حسن بن حسن، وعبّاس بن حسن بن حسن بن حسن، وكان صغيرا، فقالت أمّه عائشة بنت طلحة بن عمر بن عبيد الله بن معمر:
стр. 1439
- «دعوني أشمّه.» وكان أخذ من باب داره. قالوا:
- «لا والله ما كنت حيّة.» وحبس معهم موسى بن عبد الله وعلىّ بن محمّد بن عبد الله، وحملوا إلى أبى جعفر، وكان محمّد أتى أمّه هند وقال:
- «إنّى قد حملّت أبى وعمومتي ما لا طاقة لهم به، وقد هممت أن أضع يدىّ فى أيديهم، فعسى أن يخلّى عنهم.» فتنكّرت ولبست أطمارا، ثمّ جاءت السجن، فعرفها بعضهم فقام إليها فأخبرته عن محمّد فقالوا:
- «كلّا بل نصبر فإنّا نرجو أن يفتح الله له خيرا، قولي له ليدع إلى أمره، وليجدّ فيه فإنّ فرجنا بيد الله.» فانصرفت وتمّ محمّد على بغيته.
وكان [٤٠١] محمّد وإبراهيم يراسلان أباهما ويستأذنانه فى الخروج فيقول:
- «لا تعجلا إن منعكما أبو جعفر أن تعيشا كريمين فلن يمنعكما أن تموتا كريمين.»
رأس محمد بن عبد الله يبعث إلى خراسان
ووردت على المنصور كتب عمّاله بخراسان أنّ أهل خراسان قد تقاعسوا عنّا وطال عليهم أمر محمد بن عبد الله فأمر أبو جعفر بمحمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، فضربت عنقه، وبعث برأسه إلى خراسان، وحلف أنّه رأس محمّد بن عبد الله. وكان المنصور قد ضربه بالسوط قبل ذلك وعذّبه. وكان جميلا وضيئا، فأمر المنصور أن يدخل عليه حين قدم به، وكان عليه قميص و
стр. 1440
إزار وثوب رقيق تحت قميصه، فلمّا وقف قال:
- «إيّها يا ديّوث!» قال محمّد: «سبحان الله، والله لقد عرفتني بغير ذلك صغيرا وكبيرا.» قال: «فمّمن حملت ابنتك وكانت تحت إبراهيم بن عبد الله بن حسن، وقد أعطيتنى الأيمان بالطلاق والعتاق ألّا تغشّنى ولا تمالئ علىّ عدوّى ثمّ أنت تدخل على ابنتك مختضبة متعطّرة ثمّ تراها حاملا يعجبك حملها، فأنت بين أن تكون حانثا أو ديّوثا، وأيم الله إنّى لأهمّ برجمها.» فقال محمّد:
- «أمّا أيمانى فهي علىّ إن كنت دخلت لك فى أمر غشّ علمته. وأمّا ما رميت به هذه الجارية فإنّ الله قد أكرمها عن ذلك بولادة [٤٠٢] رسول الله صلّى الله عليه إيّاها، ولكنّى قد ظننت حين ظهر حملها أنّ زوجها ألمّ بها على حين غفلة منّا.» فأحفظ المنصور كلامه وأمر بشقّ ثيابه فشقّ قميصه عن إزاره فأشفّ عن عورته ثمّ أمر به فضرب خمسين ومائة سوط فبلغت منه كلّ مبلغ وأبو جعفر يفترى عليه ولا يكنى فأصاب سوط منها وجهه فقال:
- «ويحك، اكفف عن وجهى فإنّ له حرمة برسول الله صلّى الله عليه.» قال: فأغرى أبو جعفر بأن يقول للجلّاد:
- «الرأس، الرأس.» فضرب على رأسه نحو من ثلاثين فكان السوط ينثني فيصيب وجهه فأصاب بعضها إحدى عينيه فندرت ثمّ أخرج فى ساجور [١] شدّ فى عنقه وقيود فى رجليه حتّى ردّ إلى أصحابه.