فقلت: «إحدى ثلاث أيّها شئت فافعل.» قال: «وما هي؟» قلت: «تدعني حتّى أقتل الرجل.» قال: «سبحان الله، ما أقرب دما إلّا وأنا مكره، أو ماذا؟» قلت: «توقّره حديدا أو تنقله حيث انتقلت.» قال: «وهل بنا فراغ له مع الخوف والإعجال؟ أو ماذا؟» قلت: «تشدّه وتضعه عند بعض أهل ثقتك من جهينة.» قال: «هذا إذا.» فرجعنا وقد نذر الرجل، فهرب فقلت:
- «فأين الرجل؟» قالوا: «قام بركوة فاصطبّ ماء، ثمّ توارى بهذا الظرب [١] يتوضّأ.» قال: فجلنا فى الجبل وما حوله، فكأنّ الأرض التأمت عليه. وكان سعى على قدميه حتّى شرع على الطريق، فمّر به أعراب معهم حمول إلى المدينة، فقال لبعضهم:
- «فرّغ هذه الغرارة فأدخلنيها أكن عدلا لصاحبها ولك كذا وكذا.» قال: «نعم.» ففرّغها، وحمله إلى المدينة. ثمّ قدم [٣٩٨] على أبى جعفر فأخبره الخبر كلّه وعمى عن اسم أبى هيّار وكنيته وعلّق وبرا. فكتب أبو جعفر فى طلب وبر المزني فحمل إليه رجل يدعى وبرا فسأله عن قصّة محمّد وما حكى عنه العين، فحلف أنّه ما يعرف من ذلك شيئا فأمر به، فضرب سبعمائة سوط وحبس حتّى مات.
стр. 1437
من غريب الحكايات
فمن الحكايات الغريبة فى ذلك الوقت أنّ المنصور كان عنده قوم يتكهّنون فيخبرونه بموضع محمّد. فكتب بعض أصحاب محمّد ممّن كان يتشيّع ويصحب أبا جعفر:
- «لا تقيمنّ فى موضعك إلّا قدر ما يسير إليك البريد من العراق.
فكان يقال لأبى جعفر: نرى محمّدا ببلاد فيها الأترج والأعناب. فيكون بالمدينة وينتقل، ثمّ يرونه بالبيضاء وهي من وراء الغابة على عشرين ميلا وهي لأشجع، فيكتب إليها، فيقال له: قد خرج. ثمّ يقال له: إنّه ببلاد الجبال والقلات [١] ، فيطلبه فيقال: خرج، ثمّ يقال له: هو ببلاد الحبّ والقطران، فيقول:
هذه بلاد رضوى، فيطلبه ولا يجده.
وكان الناس يقولون: عند أبى جعفر مرآة ينظر فيها فيعلم الغيب منها، ويكثرون من الأحاديث، [٣٩٩] ولا يشكّون فى أنّ أبا جعفر يطّلع الغيب ويعلمون لذلك خرافات مختلفه من أخبار الجنّ والمرآة التي ذكرتها.
ولمّا طلب محمّد فى شعاب رضوى من جبل جهينة بخيل ورجال، فزع محمّد وكان هناك، فأحضر شدّا فأفلت. وكان له ابن صغير ولد فى خوفه ذلك وكان مع جارية له فهوى من الجبل فتقطّع. فقال محمّد:
منخرق السربال يشكو الوجى ... تنكبه أطراف مرو حداد
شرّده الخوف فأزرى به ... كذاك من يكره حرّ الجلاد
قد كان فى الموت له راحة ... والموت حتم فى رقاب العباد
وقال محمّد: لمّا ظهر، بينا أنّا بالحرّة مصعدا ومنحدرا، إذا أنا بخيل أبى
стр. 1438
جعفر ورجاله وعليهم رياح بن عثمان يطلبني فعدلت إلى بئر فوقفت بين قرنيها أستقى، فلقيني رياح صفحا فقال:
- «قاتله الله أعرابيا، ما أحسن ذراعه.» وحكى بعضى أصحاب محمّد قال: غدوت يوما مع محمّد وعليه قميص غليظ ورداء قرقبي مفتول، فخرجنا من موضع كان فيه، وذكره، حتّى إذا كان قريبا التفت فإذا رياح فى جماعة أصحابه ركبان فقلت:
- «إِنَّا لِلَّهِ [٤٠٠] وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ٢: ١٥٦. هذا رياح.» فقال غير مكترث:
- «امضه.» فمضيت وما تقلّنى رجلاي، وتنحّى هو عن الطريق، فجلس وجعل ظهره ممّا يلي الطريق وسدل هدب رداءه على وجهه وكان جسيما، فلمّا حاذاه رياح قال لأصحابه:
- «امرأة رأتنا فاستحيت.» فأعرض ومضى.
أخذ جماعة بنى حسن بن حسن
ولمّا أعيا المنصور محمّد وإبراهيم تقدّم بأخذ جماعة بنى حسن بن حسن فأخذ رياح، وكان والى المدينة، حسن بن حسن بن حسن [١] ، وإبراهيم أخاه، وحسن بن جعفر بن حسن، وسليمان بن عبد الله ابني داود بن حسن بن حسن، وعبّاس بن حسن بن حسن بن حسن، وكان صغيرا، فقالت أمّه عائشة بنت طلحة بن عمر بن عبيد الله بن معمر:
стр. 1439
- «دعوني أشمّه.» وكان أخذ من باب داره. قالوا:
- «لا والله ما كنت حيّة.» وحبس معهم موسى بن عبد الله وعلىّ بن محمّد بن عبد الله، وحملوا إلى أبى جعفر، وكان محمّد أتى أمّه هند وقال:
- «إنّى قد حملّت أبى وعمومتي ما لا طاقة لهم به، وقد هممت أن أضع يدىّ فى أيديهم، فعسى أن يخلّى عنهم.» فتنكّرت ولبست أطمارا، ثمّ جاءت السجن، فعرفها بعضهم فقام إليها فأخبرته عن محمّد فقالوا:
- «كلّا بل نصبر فإنّا نرجو أن يفتح الله له خيرا، قولي له ليدع إلى أمره، وليجدّ فيه فإنّ فرجنا بيد الله.» فانصرفت وتمّ محمّد على بغيته.
وكان [٤٠١] محمّد وإبراهيم يراسلان أباهما ويستأذنانه فى الخروج فيقول:
- «لا تعجلا إن منعكما أبو جعفر أن تعيشا كريمين فلن يمنعكما أن تموتا كريمين.»
رأس محمد بن عبد الله يبعث إلى خراسان
ووردت على المنصور كتب عمّاله بخراسان أنّ أهل خراسان قد تقاعسوا عنّا وطال عليهم أمر محمد بن عبد الله فأمر أبو جعفر بمحمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، فضربت عنقه، وبعث برأسه إلى خراسان، وحلف أنّه رأس محمّد بن عبد الله. وكان المنصور قد ضربه بالسوط قبل ذلك وعذّبه. وكان جميلا وضيئا، فأمر المنصور أن يدخل عليه حين قدم به، وكان عليه قميص و
стр. 1440
إزار وثوب رقيق تحت قميصه، فلمّا وقف قال:
- «إيّها يا ديّوث!» قال محمّد: «سبحان الله، والله لقد عرفتني بغير ذلك صغيرا وكبيرا.» قال: «فمّمن حملت ابنتك وكانت تحت إبراهيم بن عبد الله بن حسن، وقد أعطيتنى الأيمان بالطلاق والعتاق ألّا تغشّنى ولا تمالئ علىّ عدوّى ثمّ أنت تدخل على ابنتك مختضبة متعطّرة ثمّ تراها حاملا يعجبك حملها، فأنت بين أن تكون حانثا أو ديّوثا، وأيم الله إنّى لأهمّ برجمها.» فقال محمّد:
- «أمّا أيمانى فهي علىّ إن كنت دخلت لك فى أمر غشّ علمته. وأمّا ما رميت به هذه الجارية فإنّ الله قد أكرمها عن ذلك بولادة [٤٠٢] رسول الله صلّى الله عليه إيّاها، ولكنّى قد ظننت حين ظهر حملها أنّ زوجها ألمّ بها على حين غفلة منّا.» فأحفظ المنصور كلامه وأمر بشقّ ثيابه فشقّ قميصه عن إزاره فأشفّ عن عورته ثمّ أمر به فضرب خمسين ومائة سوط فبلغت منه كلّ مبلغ وأبو جعفر يفترى عليه ولا يكنى فأصاب سوط منها وجهه فقال:
- «ويحك، اكفف عن وجهى فإنّ له حرمة برسول الله صلّى الله عليه.» قال: فأغرى أبو جعفر بأن يقول للجلّاد:
- «الرأس، الرأس.» فضرب على رأسه نحو من ثلاثين فكان السوط ينثني فيصيب وجهه فأصاب بعضها إحدى عينيه فندرت ثمّ أخرج فى ساجور [١] شدّ فى عنقه وقيود فى رجليه حتّى ردّ إلى أصحابه.
стр. 1441
وكان أوّل ما حصل فى قلب أبى جعفر منه أنّ رياحا قال له يوما:
- «يا أمير المؤمنين، أمّا أهل خراسان فشيعتك وأنصارك وأمّا أهل العراق فشيعة آل أبى طالب، وأمّا أهل الشام فو الله ما علىّ عندهم إلّا كافر وما يعتّدون بأحد من ولده ولكن أخاهم محمّد بن عبد الله بن عمرو لو دعا أهل الشام ما تخلّف عنه منهم أحد.» فوقعت فى نفس أبى جعفر إلى أن حجّ، فكان من أمره ما كان.
بنى على الديباج وهو حىّ
وكان [٤٠٣] محمّد بن إبراهيم بن حسن بن حسن يقال له الديباج. فلمّا أدخل على أبى جعفر، نظر إليه وقال:
- «أنت الديباج؟» قال: «نعم.» قال: «أما والله لأقتلنّك قتلة ما قتلها أحد من أهل بيتك.» ثمّ أمر باسطوانة مبنيّة فعرقبت وأمر حتّى أدخل فيها ثمّ بنى عليه وهو حىّ.
وكان محمّد هذا ممّن يختلف إليه الناس ينظرون إلى حسنه.
ثمّ إنّ أبا جعفر المنصور كان يسقى واحدا بعد واحد فماتوا جميعا إلّا ثلاثة نفر: فأمّا عبد الله بن حسن فاختلف فيه فقال قوم قتل وقال آخرون بل دسّ إليه المنصور من أخبره أنّ محمّدا ابنه قد ظهر فقتل، فانصدع قلبه فمات.
ودخلت سنة خمس وأربعين ومائة
ظهور محمد بن عبد الله من المذار
وفيها ظهر محمّد بن عبد الله من المذار فى مائتين وخمسين رجلا، وجاء
стр. 1442
حتّى استبطن السوق وأتى السجن فدقّه وأخرج من كان فيه. وقيل إنّ عبيد الله بن عمر، وابن أبى ذيب وعبد الحميد بن جعفر دخلوا على محمّد قبل خروجه وقالوا:
- «ما تنظر بالخروج، والله ما نجد فى هذه الأمّة أشأم [١] عليها [٤٠٤] منك، ما يمنعك أن تخرج وحدك.» فلمّا خرج أقبل إلى الدار فامتنعت عليه فجعل يقول لأصحابه:
- «لا تقتلوا واقصدوا [٢] باب المقصورة.» فأتوها وحرّقوا الباب، فلم يستطع أحد أن يجتاز فوضع رزام مولى القسرىّ ترسه على النار، ثمّ تخطّى عليه، فصنع الناس ما صنع، ودخلوا فأفلت قوم وأخذ قوم وتعلّق رياح فى مشرفة [٣] فى دار مروان وأمر بدرجها فهدمت فصعدوا إليه فأنزلوه وحبسوه فى دار مروان مع أخيه عبّاس بن عثمان. وكان محمّد بن خالد القسريّ وابن أخيه النذير بن يزيد ورزام فى الحبس فأخرجهم محمّد وأمر النذير بالاستيثاق من رياح وأصحابه فقال رزام للنذير:
- «دعني وإيّاه فقد رأيت عذابه له.» قال: «شأنك به.» وقام ليخرج، فتعلّق بثوبه رياح وضرع إليه وقال له:
- «يا با قيس، قد كنت أفعل بكم ما أفعل وأنا بسؤددكم عالم.» فقال له النذير:
- «فعلت ما كنت أهله، ونفعل ما نحن أهله.» وخرج فتناوله رزام فلم يزل [٤٠٥] رياح يطلب إليه حتّى كفّ وقال:
стр. 1443
- «والله إن كنت لبطرا عند القدرة لئيما عند البليّة.» ولمّا صعد محمّد المنبر حمد الله وأثنى عليه ثمّ قال:
- «أمّا بعد، أيها الناس، فإنّه كان من أمر هذه الطاغية عدوّ الله أبى جعفر ما لم يخف عليكم من بنائه القبّة الخضراء التي بناها معاندة لله فى ملكه وتصغيرا لكعبة الله الحرام، وإنّ أحقّ الناس بالقيام فى هذا الدين أبناء المهاجرين الأولين والأنصار المواسين.
- «اللهم إنّهم قد أحلّوا حرامك وحرّموا حلالك وآمنوا من أخفت وأخافوا من آمنت.
- «اللهم فأحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تغادر منهم أحدا.
- «أيّها الناس، إنّى والله ما خرجت بين أظهركم وأنتم عندي أهل قوّة ولا شدّة، ولكنّى اخترتكم لنفسي، والله ما جئت هذه وفى الأرض مصر يعبد الله فيه إلّا وقد أخذ لى [١] .» ونزل ثمّ استعمل على المدينة عثمان بن محمّد بن خالد بن الزبير وعلى قضاءها عبد العزيز بن المطلّب المخزومي [٤٠٦] وعلى ديوان العطاء عبد الله بن جعفر بن المسور بن مخرمة وعلى الشرط أبا القلمّس عثمان بن عبيد الله بن عمر بن الخطاب. وأرسل محمّد إلى إسماعيل بن عبد الله بن جعفر، وكان قد بلغ عمرا طويلا، فدعاه إلى البيعة له، فقال:
- «يا بن أخى، أنت والله مقتول، فكيف أبايعك؟» فارتدع الناس قليلا.
стр. 1444
وحكى عن محمد بن خالد القسرىّ، قال:
- «لمّا ظهر محمّد وأنا محبوس أطلقنى، ولمّا سمعت دعوته التي دعا إليها على المنبر قلت: هذه دعوة حقّ والله لأبلينّ فيها بلاء حسنا.
فقلت: يا أمير المؤمنين، إنّك قد خرجت بهذا البلد وو الله لو وقف على نقب من أنقابه مات أهله جوعا وعطشا فانهض معى فإنّما هي عشر حتّى أضربه بمائة ألف سيف.» فأبى علىّ. فإنّى لعنده يوما إذ قال:
- «ما وجدنا من حرّ المتاع أجود من شيء وجدناه عند ابن أبى فروة ختن أبى الخصيب وكان انتهبه.» قال: فقلت فى نفسي: ألا أراك قد أبصرت حرّ المتاع؟ فكتبت إلى أمير المؤمنين فأخبرته بقلّة من معه، فعطف علىّ فحبسني حتّى أطلقنى عيسى بن موسى بعد قتله إيّاه.
وكان محمّد آدم شديد الأدمة، أدلم جسيما عظيما، وكان يلقّب القاري [٤٠٧] من أدمته حتّى كان يسميه أبو جعفر محمما.
وقال إبراهيم بن زياد بن عنبسة: كان محمّد عظيم الخلق ما رأيته رقا المنبر قطّ إلّا سمعت تقعقعه من تحته وإنّى لبمكانى ذلك.
وتحدّث جماعة حضروه: أنّ محمّدا خطب يوما فاعترض فى حلقه بلغم.
فتنحنح، فذهب ثمّ عاد فتنحنح فذهب، ثمّ عاد فتنحنح، ونظر فلم ير موضعا فرمى بنخامته سقف المسجد فألصقها به. ولمّا خرج محمّد جزع أبو جعفر وأشفق منه فجعل الحارثىّ المنجم يقول له:
- «يا أمير المؤمنين ما يجزعك منه؟ فو الله لو ملك الأرض ما لبث إلّا تسعين يوما.» ولمّا ظهر محمّد وإبراهيم ابنا عبد الله أرسل أبو جعفر إلى عمّه عبد الله بن
стр. 1445
علىّ وهو محبوس، وقال: إنّه لذو رأى، فاستشاره. وقال:
- «إنّ هذا الرجل قد خرج فإن كان عندك رأى فأشربه.» فقال:
- «إنّ المحبوس محبوس الرأى، فأخرجنى يخرج رأيى.» فأرسل إليه أبو جعفر:
- «لو جاءني حتّى يضرب بابى ما أخرجتك، فأنا خير لك منه وهو ملك أهل بيتك.» فأرسل إليه عبد الله:
- «ارتحل الساعة حتّى تأتى الكوفة فاجثم على أكبادهم [٤٠٨] فإنّهم شيعة هذا البيت وأنصارهم. ثمّ احففها بالمسالح فمن خرج منها أو أتاها فاضرب عنقه، ثمّ ابعث إلى سلم بن قتيبة ينحدر عليك- وكان بالرّى- واكتب إلى أهل الشام فمرهم أن يوجّهوا إليك أهل البأس والنجدة ما يحمل البريد، فأحسن جوائزهم، ووجّههم مع سلم.» ثمّ قال لرسل أبى جعفر وهم أخوته:
- «ويحكم إنّ البخل قد قتله فمروه فليخرج الأموال وليعط الأجناد فإن غلب فما أوشك ما يعود إليه ماله، وإن غلب لم يقدم صاحبه على درهم.»
رسائل بين محمد بن عبد الله وأبى جعفر
وتحدّث محمّد بن يحيى قال: نسخت هذه الرسائل من محمّد بن بشير، وكان يصححها، وحدّثنيها غير واحد من كتّاب العراق، وكانوا يصححونها.
قالوا: وردت رسالة لمحمّد على أبى جعفر، فقال أبو أيّوب الخوزىّ كاتبه:
- «دعني أجبه عنها.» فقال: «لا، إذا تقارعنا على الأحساب فدعني وإيّاه.»
стр. 1446
وكتب إليه: [١] بسم الله الرحمن الرحيم
رسالة أبى جعفر المنصور إلى محمد بن عبد الله
«من عبد الله عبد الله أمير المؤمنين، إلى محمّد بن عبد الله. إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ في الْأَرْضِ [٤٠٩] فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ من خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا من الْأَرْضِ، ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ في الدُّنْيا وَلَهُمْ في الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ إِلَّا الَّذِينَ تابُوا من قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ. [٢] ٥: ٣٣- ٣٤- «ولك علىّ الله وعهده وميثاقه وذمّته وذمة رسوله ﵇، إن تبت ورجعت من قبل أن أقدر عليك أن أومنك وجميع ولدك وإخوتك وأهل بيتك ومن اتّبعكم على دماءكم وأموالكم وأسوّغك ما أصبت من دم أو مال، وأعطيك ألف ألف، وما سألت من الحوائج، وأنزلك من البلاد حيث شئت، وأن أطلق من فى حبسي من أهل بيتك وأن أؤمن كلّ من جاءك أو بايعك واتبعك، أو دخل فى شيء من أمرك، ثمّ لا أتبع أحدا منهم بشيء كان منه أبدا فإن أردت أن توثق لنفسك فوجّه إلىّ بمن أحببت يأخذ لك منّى الأمان والعهد والميثاق وما تثق به.»
стр. 1447
وكتب على العنوان من عبد الله عبد الله أمير المؤمنين، إلى محمّد بن عبد الله.
فكتب إليه محمّد بن عبد الله:
جواب محمد بن عبد الله
- «من عبد الله المهدى [٤١٠] محمّد بن عبد الله إنى عبد الله بن محمّد: طسم، تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ نَتْلُوا عَلَيْكَ من نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ ٢٨: ١- ٤- إلى قوله- وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ ٢٨: ٦ [١] وأنا أعرض عليك من الأمان مثل ما عرضت علىّ، فإنّ الحقّ حقّنا، وإنّما ادّعيتم هذا بنا وخرجتم له بشيعتنا وحظيتم بفضلنا، وإنّ أبانا عليّا كان الوصىّ وكان الإمام وكيف ورثتم ولايته وولده أحياء.
- «ثمّ قد علمت أنّه لم يطلب هذا الأمر أحد له مثل نسبنا وشرفنا وحالنا وشرف آباءنا. لسنا من أبناء اللعناء ولا الطرداء ولا الطلقاء وليس يمتّ أحد من بنى هاشم بمثل الذي نمت به من القرابة والسابقة والفضل، فإنّا بنو أمّ رسول الله صلّى الله عليه فاطمة بنت عمرو فى الجاهلية وبنو ابنته فاطمة فى الإسلام دونكم. إنّ الله اختارنا واختار لنا، فوالدنا من النبيّين محمّد ﷺ أفضلهم ومن السلف أوّلهم إسلاما علىّ ومن الأزواج أفضلهن [٤١١] خديجة الطاهرة وأوّل من صلّى القبلة ومن البنات خيرهن فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة ومن المولودين
стр. 1448
فى الإسلام حسن وحسين سيّدا شباب أهل الجنّة وإنّ هاشما ولد عليّا مرّتين، وإنّ عبد المطلب ولد حسنا مرتين وإنّ رسول الله ﷺ ولدني مرتين من قبل حسن وحسين، فانّى أوسط بنى هاشم نسبا، وأصرحهم أبا، لم تعرق فىّ العجم، ولم تنازع فىّ أمّهات الأولاد، فما زال الله يختار لى الآباء والأمّهات فى الجاهلية والإسلام، حتّى اختار لى فى النار. فأنا ابن أرفع الناس درجة فى الجنّة، وابن أهونهم عذابا فى النار، وأنا ابن خير الأخيار، وابن خير الأشرار، وابن خير أهل الجنّة وابن خير أهل النار.
- «ولك الله، إن دخلت فى طاعتي وأجبت دعوتي، أن أومنك على نفسك ومالك وعلى كلّ أمر أحدثته إلّا حدا من حدود الله أو حقا لمسلم أو معاهد، فقد علمت ما يلزمك من ذلك وأنا أولى بالأمر منك وأوفى بالعهد لأنّك أعطيتنى من العهد [٤١٢] والأمان ما أعطيته رجالا قبلي، فأىّ الأمانات تعطيني أمان ابن هبيرة، أم أمان عمّك عبد الله بن علىّ، أم أمان أبى مسلم!»
فكتب إليه أبو جعفر
- «بسم الله الرحمن الرحيم أمّا بعد، فقد بلغني كلامك، وقرأت كتابك، فإذا جلّ فخرك بقرابة النساء لتضلّ به الجفاة والغوغاء، ولم يجعل الله النساء كالعمومة والآباء، ولا كالعصبية والأولياء لأنّ الله جعل العمّ أبا وبدأ به فى كتابه على الوالدة الدنيا ولو كان اختيار الله لهن على قدر قرابتهن كانت آمنة أقربهنّ رحما وأعظمهنّ حقّا أوّل من يدخل الجنّة غدا، ولكن اختيار الله لخلقه
стр. 1449
على علمه الماضي فيهم واصطفائه لهم.
«وأمّا ما ذكرت من فاطمة أمّ [١] أبى طالب وولادتها، فإنّ الله لم يرزق أحدا من ولدها الإسلام لا ابنة ولا ابنا، ولو أنّ أحدا من ولدها رزق الإسلام بالقرابة رزقه عبد الله بن عبد المطلب أولاهم بكلّ خير فى الدنيا والآخرة، ولكنّ الأمر إلى الله [٤١٣] يختار لدينه من يشاء وهو أعلم بالمهتدين ولقد بعث الله محمّدا صلّى الله عليه وله عمومة أربعة، فأنزل الله: وأنذر عشيرتك الأقربين [٢] ، فدعاهم وأنذرهم، فأجاب اثنان أحدهما أبى، وأبى اثنان أحدهما أبوك فقطع الله ولايتهما منه ولم يجعل بينه وبينهما إلّا ولا ذمّة ولا ميراثا.
- «وزعمت أنّك ابن خير أهل النار، وأنّك ابن خير الأشرار، وابن أخفّ أهل النار عذابا وليس فى الكفر بالله صغير ولا فى عذاب الله خفيف ولا يسير، وليس فى الشرّ خيار ولا ينبغي لمؤمن يؤمن بالله أن يفخر بالنار. وسترد فتعلم وسيعلم الذين ظلموا أىّ منقلب ينقلبون [٣] .
- «وأمّا ما فخرت به من فاطمة أمّ علىّ، فإنّ هاشما ولده مرتين ومن فاطمة أمّ حسن وأنّ عبد المطلب ولده مرتين، وأنّ النّبى ﷺ ولدك مرتين، فخير الأوّلين والآخرين رسول الله، ﷺ ، لم يلده هاشم إلّا مرة واحدة ولا عبد المطلب إلّا مرّة.
стр. 1450
- «وزعمت أنّك أوسط [٤١٤] بنى هاشم نسبا وأصرحهم أبا وأنّه لم تلدك العجم، ولا تعرق فيك أمّهات الأولاد فقد رأيتك فخرت على بنى هاشم طرّا، فانظر ويحك أين أنت من الله غدا، فإنّك قد تعدّيت طورك وفخرت على من هو خير منك نفسا وأبا وأولا وآخرا إبراهيم بن رسول الله، صلّى الله عليه وعلى والده، وما خيار بنى أبيك خاصّة وأهل الفضل منهم إلّا بنو أمّهات الأولاد ما ولد فيكم بعد وفاة رسول الله، صلّى الله عليه، أفضل من علىّ بن الحسين وهو لأمّ ولد، ولهو خير من جدّك حسن بن حسن وما كان فيكم بعده مثل ابنه محمّد بن علىّ وجدّته أمّ ولد، ولهو خير من أبيك، ولا مثل ابنه جعفر، وجدّته أم ولد، ولهو خير منك.
- «وأمّا قولك إنّكم بنو رسول الله، صلّى الله عليه، فإنّ الله قال فى كتابه: ما كان محمّد أبا أحد من رجالكم [١] ولكنّكم بنو ابنته وإنّها لقرابة قريبة ولكنّها لا تحوز الميراث ولا ترث الولاية ولا تجوز لها الإمامة وكيف تورث بها ولقد طلبها أبوك بكل وجه فأخرجها جهارا ومرّضها سرّا ودفنها ليلا، فأبى الناس إلا [٤١٥] الشيخين وتفضيلهما. ولقد جاءت السنّة التي لا خلاف فيها بين المسلمين أنّ الجدّ أبا الأمّ والخال والخالة لا يرثون ولا يورثون.
- «وأمّا ما فخرت به من علىّ وسابقته، فقد حضرت رسول الله، صلّى الله، عليه الوفاة فأمر غيره بالصلاة، ثمّ أخذ الناس رجلا
стр. 1451
بعد رجل ولم يأخذوه، وكان فى الستّة، فتركوه كلّهم دفعا له عنها، ولم يروا له حقّا.
- «أمّا عبد الرحمن فقدّم عليه عثمان، وقتل عثمان وهوله متّهم، وقاتله طلحة والزبير، وأبى سعد بيعته، وأغلق دونه بابه.
ثمّ بايع معاوية بعده، ثمّ طلبها بكلّ وجه فقاتل عليها وتفرّق عنه أصحابه وشكّ فيه شيعته قبل الحكومة. ثمّ حكّم حكمين رضى بهما، وأعطاهما عهده وميثاقه، فاجتمعا على خلعه.
- «ثمّ كان حسن فباعها من معاوية بخرق ودراهم، ولحق بالحجاز، وأسلم شيعته بيد معاوية، ودفع الأمر إلى غير أهله، وأخذ مالا من غير ولاته ولا حلّه، فإن كان لكم فيه شيء فقد بعتموه، وأخذتم ثمنه.
- «ثمّ خرج [٤١٦] عمّك حسين بن علىّ على ابن مرجانة فكان الناس معه عليه حتّى قتلوه، وأتوا برأسه. ثمّ خرجتم على بنى أميّة فقتلوكم وصلبوكم على جذوع النخل، وأحرقوكم بالنيران، ونفوكم من البلدان، حتّى قتل يحيى بن زيد بخراسان، ثمّ قتلوا رجالكم وأسروا الصبية والنساء، وحملوهم بلا وطاء فى المحامل، كالسبي المجلوب إلى الشام، حتّى خرجنا عليهم وطلبنا ثاركم، وأدركنا بدمائكم فأورثناكم أرضهم وديارهم، فاتخذت ذلك علينا حجّة، وظننت أنّا إنّما ذكرنا أباك وفضّلناه للتقدمة منّا له على حمزه والعبّاس وجعفر، وليس ذلك كما ظننت، ولكن خرج هؤلاء من الدنيا سالمين متسلّما منهم مجتمعا عليهم بالفضل وابتلى أبوك بالقتال والحرب فكانت بنو أميّه تلعنه كما يلعن الكفرة فى الصلاة المكتوبة، فاحتججنا له وذكّرناهم فضله، وعنّفناهم، و
стр. 1452
ظلّمناهم فيما نالوا منه.
- «ولقد علمت أنّ مكرمتنا فى الجاهليّة سقاية الحجيج الأعظم [٤١٧] وولاية بئر زمزم، فصارت للعبّاس من بين أخوته فنازعنا فيها أبوك، فقضى لنا عليه عمر، فلم نزل نليها فى الجاهلية والإسلام. ولقد قحط أهل المدينة فلم يتوسّل عمر إلى ربّه ولم يتقرّب إليه إلّا بأبينا حتّى نعشهم الله وسقاهم الغيث به، وأبوك حاضر لم يتوسل به. ولقد علمت أنّه لم يبق أحد من بنى عبد المطلب بعد النبىّ، صلّى الله عليه، غيره وكان وارثه من عمومته، ثمّ طلب هذا الأمر غير واحد من بنى هاشم فلم ينله إلّا ولده فالسقاية سقايته، وميراث النبىّ صلّى الله عليه، له والخلافة فى ولده فلم يبق شرف ولا فضل فى جاهليّة ولا إسلام فى دنيا ولا آخرة إلّا والعبّاس وارثه ومورثه.
- «وأمّا ما ذكرت من بدر، فإنّ الإسلام جاء والعبّاس يمون آل أبى طالب وعياله وينفق عليهم للأزمة الّتى أصابته ولولا أنّ العبّاس أخرج إلى بدر كارها لمات طالب وعقيل جوعا وللحسا [١] جفان عتبة وشيبة، ولكنّه كان من المطعمين، فأذهب الله عنهم [٤١٨] العار والسبّة، وكفاكم المؤونة والنفقة. ثمّ فدى عقيلا يوم بدر، فكيف تفخر علينا وقد علناكم فى الكفر، وفديناكم من الأسر، وحزنا عليكم مكارم الآباء، وورثنا دونكم خاتم الأنبياء، وطلبنا بثأركم، وأدركنا منه ما عجزتم عنه، ولم تدركوه لأنفسكم، والسلام عليك ورحمة الله.»
стр. 1453
عيس بن موسى يندب لقتال محمد
وندب أبو جعفر عيسى بن موسى لقتال محمّد وقال:
- «لا أبالى أيّهما قتل صاحبه.» وضمّ إليه أربعة آلاف من الجند. وكان أبو جعفر دعا جعفر بن حنظلة البهرائى [١] وكان أبرص طوالا أعلم الناس بالحروب، وقد شهد مع مروان حروبه. فقال له:
- «يا جعفر، قد ظهر محمّد فما عندك؟» قال: «وأين ظهر؟» قال: «بالمدينة.» قال: «فاحمد الله، ظهر حيث لا مال ولا رجال ولا سلاح ولا كراع. ابعث مولى لك تثق به حتّى ينزل بوادي القرى فيمنعه ميرة الشام فيموت مكانه جوعا.» ففعل ولمّا دنا عيسى بن موسى حفر محمد خندق النبىّ، صلّى الله عليه، الذي كان حفره للأحزاب، وركب إليه وعليه قباء أبيض ومنطقة [٤١٩] وركب معه الناس، فلمّا أتى الموضع نزل فيه، فبدأ هو فحفر بيده فأخرج لبنة من خندق رسول الله، صلّى الله عليه، فكبّر وكبّر الناس معه وقالوا:
- «أبشروا بالنصر، هذا خندق جدك رسول الله صلّى الله عليه.» ويقال: إنّه اجتمع مع محمّد جمع لم ير أكثر منه، حتّى قال عثمان بن محمّد الزبيري:
- «إنّى لأحسبنا كنّا مائة ألف.» فلمّا قرب عيسى خطبنا فقال:
стр. 1454
- «أيّها الناس، إنّ هذا الرجل قد قرب منكم فى عدد وعدّة، وقد حللتكم من بيعتي، فمن أحبّ المقام فليقم ومن أحبّ الانصراف فلينصرف.» فتسلّلوا حتّى بقي فى شرذمة ليست بالكثيرة.
وحكى أنّ محمدا دعا الغاضرىّ فقال له:
- «أنا أعطيك سلاحا فهل تقاتل معى به؟» قال: «نعم، إن أعطيتنى [١] رمحا أطعنهم به وهم بالأعوص.» قال الغاضري: ثمّ قال لى:
- «ما تنتظر؟» قلت: «ما أهون عليك، أبقاك الله، أن أقتل ويمروّا بى فيقال والله كان لبادنا.» قال: «ويحك، قد بيّض أهل الشام وأهل العراق وأهل خراسان.» قلت: «اجعل الدنيا زبدة وأنا فى مثل صوفة الدواة ما ينفعني، [٤٢٠] هذا عيسى بن موسى بالأعوص.» وكان وجّه أبو جعفر مع عيسى بن موسى بابن الأصمّ ينزّله المنازل، فلمّا قدموا نزلوا على ميل من مسجد رسول الله، صلّى الله عليه، فقال ابن الأصمّ:
- «إنّ الخيل لا عمل لها مع الرجّالة، وإنّى أخاف إن كشفوكم أن يدخلوا عسكركم.» فرفعهم إلى سقاية سليمان بن عبد الملك بالجرف وهي على أربعة أميال من المدينة وقال:
- «لا يهرول الرجل أكثر من ميلين أو ثلاثة حتّى تأخذه الخيل.» فتحدّث محمّد بن أبى الكرام بن عبد الله بن علىّ بن عبد الله بن جعفر قال:
أرسلنى عيسى لمّا قرب من المدينة بأمانه إلى محمّد. فقال محمّد:
стр. 1455
- «علام تقاتلوننى وتستحلّون دمى؟ وإنّما أنا رجل فرّ من أن يقتل.» قال: فقلت:
- «القوم يدعونكم إلى الأمان، فإن أبيت إلّا قتالهم قاتلوك على ما قاتل عليه خير آباءك علىّ طلحة والزبير على نكث بيعتهم وكيد ملكهم والسعى عليهم.» فبلغ ذلك أبا جعفر، فقال لى:
- «بعد والله ما سرّنى أنّك قلت له غير ذلك وأنّ لى ملك كذا.» وبقي عيسى ثلاثة أيّام [٤٢١] يبرز بنفسه ويدعو أهل المدينة إلى الأمان ويقول:
- «نحن إخوانكم مسلمون فلا تهريقوا بيننا الدماء، ادخلوا فى الأمان واخرجوا من المدينة وأنتم آمنون، وخلّوا بيننا وبين صاحبنا.» فيشتمونه الشتيمة القبيحة حتّى حارب اليوم الثالث.
فلقى أبو القلمّس محمّد بن عثمان أخا أسد بن المرزبان بسوق الحطّابين، فاجتلدا بسيفيهما حتّى تقطّعا، ثمّ تراجعا إلى مواقفهما وأخذ أخو أسد سيفا وأخذ أبو القلمّس أثفيّة، فوضعها على قربوس سرجه وسترها بدروعه، ثمّ تعاودا، فلمّا تدانيا قام أبو القلمّس فى ركابيه، ثمّ ضرب بها صدره وصرعه ونزل فاحتزّ رأسه.
وبدر رجل من أهل المدينة مولى لآل الزبير يدعى القاسم بن وائل، فدعا للبراز فبرز له رجل لم أر أكمل عدّة منه، فلمّا رآه ابن وائل انصرف عنه. قال:
فوجد أصحاب محمّد من ذلك وجدا شديدا. فإنّا لعلى ذلك إذ [١] سمعت حفيف رجل ورائي، فالتفتّ فإذا أبو القلمّس، فسمعته يقول:
- «لعن الله أمّ السفهاء إن ترك هذا اجترأ علينا وإن خرج [٤٢٢] رجل خرج
стр. 1456
إلى أمر عسى ألّا يكون من شأنه.» ثمّ برز له فقتله وكان الرجل هزار مرد، وضربه أبو القلمّس على حبل عاتقه وقال:
- «خذها وأنا ابن الفاروق.» فسمعت رجلا من أصحاب عيسى يصيح به:
- «قتلت خيرا من ألف فاروق.» ثمّ قال عيسى لحميد بن قحطبة:
- «تقدّم.» فتقدّم فى مائة كلّهم راجل غيره معهم القسّى والنشّاب والترسة، فلم يلبثوا أن زحفوا إلى جدار دون الخندق عليه أناس من أصحاب محمّد، فكشفوهم ووقفوا عند الجدار، وأرسل حميد إلى عيسى أن يهدم الجدار. قال:
- «فأرسل إلىّ فعلة.» فأرسلهم فهدموه وانتهوا إلى الخندق، فأرسل إلى عيسى:
- «إنّا قد انتهينا إلى الخندق.» فأرسل إليه عيسى أن:
- «اطرح حقائب الإبل فى الخندق.» وأمر ببابي دار سعد بن مسعود التي فى الثنيّة فطرحا على الخندق فجازت الخيل، فالتقوا عند منابح [١] خشرم واقتتلوا إلى العصر، وانصرف محمّد يومئذ قبل الظهر حتّى جاء إلى دار مروان فاغتسل وتحنّط ثمّ خرج، [٤٢٣] فدنا منه عبد الله بن جعفر فقال له:
- «بأبى أنت، إنّه والله ما لك بما رأيت طاقة، وما معك أحد يصدق القتال،
стр. 1457
فاخرج الساعة حتّى تلحق بمكّة فإنّ بها الحسن بن معاوية ومعه جلد [١] أصحابك.» فقال:
- «يا أبا جعفر، والله لو خرجت لقتل أهل المدينة حتّى لا يبقى بها صافر، ولست أرجع حتّى أقتل أو أغلب، وأنت فى حلّ منّى وسعة، فاذهب حيث شئت.» قال: فخرجت معه حتّى جاء إلى دار ابن مسعود فى سوق الظهر، وركضت فأخذت على الزياتين، ومضى إلى الثنيّة وقتل أصحابه بالنّشاب، وجاءت العصر فصلّى.
قال: فرأيت محمّدا راكبا وإلى جانبه ابن حضير يناشده الله إلّا مضى إلى البصرة أو غيرها ومحمّد يقول:
- «والله لا يبتلون بى مرّتين، ولكن اذهب حيث شئت فأنت فى حلّ.» قال ابن حضير:
- «وأين المذهب عنك؟» ثمّ مضى، فأحرق الديوان وقتل رياحا ثمّ لحقه بالثنيّة وقاتل بين يديه حتّى قتل. وكان ابن حضير ذبح رياحا ولم يجهز عليه، فجعل يضرب برأسه الجدار حتّى مات [٤٢٤] أقبح ميتة.
ثمّ صلّى محمّد العصر، ونزل عن دابّته وكسر غمد سيفه، ولم يبق معه أحد إلّا وكسروا أغماد سيوفهم، ثمّ أقبل على ابن حضير فقال:
- «أحرقت الديوان؟»
стр. 1458
قلت: «نعم. خفت أن يؤخذ الناس عليه.» قال: «أصبت.» ثمّ حمل.
قال أزهر: فحدّثنى أخواى قالا: هزمنا يومئذ أصحاب عيسى مرّتين أو ثلاثا، ولكنّا لم نكن نعرف الهزيمة. ولقد سمعنا يزيد بن معاوية بن عبد الله بن جعفر يقول:
- «وقد هزمناهم، ويل أمّه فتحا لو كان له رجال.» فبينا هم كذلك، إذ صعد رجل إلى ظهر سلع ومعه رمح قد نصب عليه رأس رجل متّصلا بحلقومه وكبده وأعفاج بطنه، فرأيت منظرا هائلا وذعر منه الناس والأعاريب فأجفلت هاربة حتّى أسهلت وعلا الرجل الجبل، ونادى أصحابه رطانة لهم بالفارسيّة: كوهبان [١] ، فصعد إليه أصحابه حتّى علوا سلعا فنصبوا عليه راية سوداء، ثمّ انصبّوا إلى المدينة فدخلوها.
وأمرت أسماء بنت حسن بن عبد الله بن عبيد الله [٤٢٥] بن عبّاس بن عبد المطلّب، وكانت تحت عبيد الله بن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العبّاس بخمار أسود فنصب على منارة مسجد رسول الله، صلّى الله عليه، فلمّا رأى ذلك أصحاب محمّد تنادوا:
- «دخلت المدينة، دخلت المدينة.» وهربوا. وبلغ الناس الذين تنادوا [٢] دخول الناس من ناحية سلع. فقال.
الناس الذين مع محمّد:
- «لكلّ قوم جبل يعصمهم ولنا جبل لا نؤتى إلّا منه.»
стр. 1459
وكان ابن حضير يحمل راجلا، ويخالط العدوّ، فكانت الخراسانية إذا نظروا إلى ابن حضير تنادوا بينهم:
- «خضير آمذ، خضير آمذ.» فيتضعضعون إلى أن خالد الناس مرّة فضرب ضارب على أليته فحلّها، فرجع إلى أصحابه فشقّ ثوبا، ثمّ عصبها بظره، ورجع فضارب حتّى ضرب على حجاج عينه وخرّ، فابتدره القوم فحزّوا رأسه. وأقبل محمّد راجلا فجعل يقاتل على جيفته فضربه رجل على أذنه اليمنى فبرك لركبته وتعاودا عليه وصاح حميد بن قحطبة:
- «لا تقتلوه.» فكفّوا.
وجاء حميد فاحتزّ رأسه.
وحكى [٤٢٦] أخو الفضل بن سليمان النميري قال: كنّا مع محمّد قد أطفنا به وكان قد أطاف بنا أربعون ألفا أو أكثر، وكانوا حولنا كالحرّة السوداء، فقلنا له:
- «لو حملت لانفرجوا عنك.» فقال: «إنّ أمير القوم لا يحمل، إنّه إن حمل لم تكن بقيّة.» حتّى أصاب ابن حضير ما أصابه فحمل والتقوا عليه فقتلوه.
قال أبو الحجّاج الحمّال: كنت يوما قائما على رأس أبى جعفر وهو يسائلني عن مخرج محمّد إذ أتاه الخبر أنّ عيسى هزم، وكان متّكئا، فجلس فضرب بقضيب معه مصلّاه وقال:
- «كلّا، فأين لعب صبياننا بها على المنابر ومشورة النساء ما أنى لذلك بعد.» [١]
стр. 1460
ولمّا قتل محمّد هجم الناس على دور المدينة فقتل خلق كثير إلى أن قتل أبو الشدائد وجيء برأسه فاستعظم من كان عند عيسى ذلك واسترجعوا، ثمّ قالوا:
- «ما بقي بالمدينة أحد بعد قتل هذا.» فأمر عيسى بألوية ففرّقها على باب باب من أبواب العبّاسيين وأهل الفقه ممّن عرفهم وقال: ليناد المنادى:
- «من دخل تحت لواء منها أو دخل دارا من هذه الدور فهو آمن.» - «من جاءنا برأس ضربنا رأسه.» [٤٢٧] فتحدّث عيسى قال: حدّثتنى أمّ حسين بنت عبد الله بن محمّد بن علىّ بن الحسين قالت: قلت لعمّى جعفر بن محمّد:
- «أبى [١] فديتك ما أمر محمّد هذا؟» قال: «فتنة يقتل محمّد [٢] بن عبد الله عند بيت رومىّ ويقتل أخوه إبراهيم بالعراق وحوافر فرسه فى ماء.» وحمل رأس محمّد إلى أبى جعفر وهو بالكوفة، فأمر فطيف به فى طبق أبيض.
وتحدّث الحسن بن زيد قال: غدوت يوما على أبى جعفر فإذا هو قد أمر بعمل دكّان ثمّ أقام عليه جلّادا وأتى بعلّى بن المطّلب بن عبد الله بن حنطب [٣] فأمر به فضرب خمسمائة سوط، ثمّ أتى بعبد العزيز بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع، فأمر به فجلد خمسمائة سوط، فما تحرّك واحد منهما فأقبل علّى وقال لى:
стр. 1461
- «هل رأيت أصبر من هذين قطّ؟ والله إنّا لنؤتى بالذين قاسوا غلظ المعيشة وكدّها فما يصبرون هذا الصبر وهولاء أهل الخفض والكنّ والنعمة.» قال: فقلت:
- «يا أمير المؤمنين، هولاء قومك أهل الشرف والقدر.» فأعرض عنّى وقال:
- «أبيت إلّا العصبيّة.» فلمّا كان بعد أيّام أعاد عبد العزيز بن إبراهيم ليضربه، فقال:
- «يا أمير المؤمنين، الله، الله، فينا، فو الله إنّى لمكبّ على وجهى منذ [٤٢٨] أربعين ليلة، ما صلّيت لله صلاة.» - «أنتم صنعتم ذلك بأنفسكم.» قال:
- «فأين العفو يا أمير المؤمنين؟» قال:
- «فالعفو إذا.» ثمّ خلّى سبيله.
وفى هذه السنة ثارت السودان بالمدينة وكان وإليها عبد الله بن الربيع.
ذكر خبر وثوب السودان بالمدينة والسبب الذي هيّج ذلك
وكان رياح بن عثمان استعمل أبا بكر بن أبى سبرة على صدقة قوم، فلمّا خرج محمّد صار إليه أبو بكر بما كان جبى وشمّر معه، فلمّا قدم عيسى وهزم محمّدا استخلف كثير بن حصين على المدينة، فأخذ كثير أبا بكر بن أبى سبرة، فضربه سبعين سوطا وقيّده وحبسه، ثمّ قدم عبد الله بن الربيع واليا من قبل أبى جعفر المنصور، فكان الجند ينازعون التّجار ويتعدّون عليهم، فاجتمعوا إلى أميرهم ابن الربيع، فشكوا ذلك إليه، فنهرهم وشتمهم، فطمع فيهم الجند إلى أن
стр. 1462
صاروا يأخذون من بين أيديهم الشيء فلا يعطونهم الثمن، ولا ينكر عبد الله بن الربيع ذلك، فجاء يوما رجل من الجند، فاشترى من جزّار لحما يوم جمعة ثمّ أبى أن [٤٢٩] يعطيه ثمنه وشهر عليه السيف، فخرج عليه الجزّار من تحت الوضم بشفرة فطعن بها خاصرته فخّر عن دابّته واعتوره الجزّارون فقتلوه. وتنادى السودان على الجند وهم يروحون إلى الجمعة فقتلوهم بالعمد فى كل ناحية، ولم يزالوا على ذلك حتّى أمسوا، فلمّا كان الغد هرب ابن الربيع، ونفخ السودان فى بوق لهم. فذكر أهل المدينة أنّه كان الأسود فى بعض عمله يسمع نفخ البوق، فيصغى له حتّى يتيقّنه، ثمّ يوحش بما فى يده ويؤمّ نحو الصوت حتّى يأتيه، فلمّا اجتمعوا غدوا على ابن الربيع، فخرج إليهم والناس فى الجمعة فأعجلوه عن الصلاة واستطردوا له حتّى أتى السوق، فمرّ بخمسة من المساكين يسألون فى الطريق، فحمل عليهم بمن معه حتّى قتلوهم، ثمّ مرّ بأصيبية [١] على سطح فاستنزلهم وآمنهم، فلمّا نزلوا ضرب أعنا قهم، ثمّ وقف عند الحنّاطين وحمل عليه السودان فأجلى هاربا واتبعوه حتّى صاروا إلى البقيع ورهقوه، فنثر لهم دراهم فشغلوا بها، ومضى على وجهه حتّى نزل ببطن نخل على [٤٣٠] ليلتين من المدينة ورؤساء السودان ويتوا [٢] وحذيا وعنقود، ولمّا هزموا ابن الربيع وقع السودان فى طعام وأمتعة لأبى جعفر المنصور، فانتهبوه وأغاروا على دار مروان وفيها طعام وأشياء للجند، فانتهبوه وباعوا الحمل من الدقيق بدرهمين وراوية الزيت بأربعة دراهم، وقتلوا الجند فهابوهم حتّى إن كان الفارس ليلقى الأسود وما على الأسود إلّا خرقتان على عورته فيولّى الفارس دبره احتقارا له، ثمّ ما يلبث أن يعود بعمود من عمد السوق التي بقرب منه
стр. 1463
فيقتله به. فكانوا يقولون:
- «ما هولاء إلّا شياطين.» يعنون السودان.
ثمّ مضى السودان حتّى أخرجوا أبا بكر بن أبى سبرة، فخطب الناس ودعاهم إلى الطاعة وصلّى بالناس، ثمّ أرسل إلى محمّد بن عمران ومحمّد بن عبد العزيز فاجتمعوا عنده فقال:
- «أنشدكم الله وهذه البليّة التي وقعت، فو الله لئن ثبتت علينا عند أمير المؤمنين بعد الفعلة الأولى إنّه لاصطلام البلد وأهله، وهولاء العبيد فى السوق بأجمعهم، فأنشدكم الله إلّا ذهبتم إليهم وكلّمتوهم فى الرجعة والفيئة إلى طاعتكم، فإنّهم لا نظام [٤٣١] لهم ولم يقوموا بدعوة وإنّما هم قوم أخرجتهم الحميّة.» فذهبوا إلى العبيد وكلّموهم فقالوا:
- «مرحبا بكم يا موالينا، والله ما قمنا إلّا أنفا لكم ممّا عمل بكم، فأيدينا فى أيديكم وأمرنا إليكم.» فأقبلوا بهم إلى المسجد، فقالوا:
- «أيها الناس، إنّه قد وقع الأمر بما ترون، ونعلم أنّهم لا يبقون علينا، فدعونا نشفيكم وأنفسنا.» فأبينا. ولم نزل بهم حتّى تفرّقوا، وقيل لويتوا [١] وخليفته يعقل [٢] الجزّار:
- «إلى من تعهدنا ويتوا؟
قال: «إلى أربعة من بنى هاشم وأربعة من قريش وأربعة من الأنصار وأربعة من الموالي. ثمّ الأمر شورى.»
стр. 1464
فقال ابن عمران:
- «اسأل الذي ولّاك أمرنا أن يرزقنا عدلك ويعطف بقلبك علينا.» قال: «فقد ولّانيه الله.» فلمّا حضرت العشاء الآخرة، وقد ثاب الناس واجتمع القرشيّون فى المقصورة، وأقام الصلاة المؤذّن. قال المؤذّن للقرشيّين:
- «من يصلّى منكم بالناس؟» فلم يجبه أحد، فقال:
- «ألا تسمعون؟» فلم يجيبوه، فقال:
- «يا بن عمران، ويا فلان.» فلم يجبه أحد، فقام الأصبغ [١] بن سفيان [٤٣٢] بن عاصم بن عبد العزيز بن مروان، فقال:
- «أنا أصلّى.» فقام فى المقام، فقال للناس:
- «استووا.» فلمّا استوت الصفوف، أقبل عليهم بوجهه ونادى بأعلى صوته:
- «ألا تسمعون، أنا أصبغ [٢] بن سفيان بن عاصم بن عبد العزيز بن مروان، أصلّى بالناس على طاعة أبى جعفر.» فردّد ذلك مرّتين أو ثلاثا، ثمّ كبّر فصلّى، ثمّ اجتمع القرشيّون، فركبوا إلى ابن الربيع، وهو بنخل، فناشدوه الله إلّا رجع إلى عمله فيأبى، فخلا به عبد العزيز
стр. 1465
ولم يزل به حتّى سكن ورجع فهدأ الناس.
وفى هذه السنة أسّست مدينة بغداد وهي التي تدعى مدينة المنصور. ذكر السبب فى بناء أبى جعفر بغداذ
لمّا ثارت الرونديّة بأبى جعفر فى مدينته التي تسمّى الهاشميّة التي بناها إلى جنب الكوفة والمدينة التي سمّاها الرّصافة، كره سكانها ولم يأمن أهلها، فأراد أن يبعد، فتردّد بين الموصل وجرجرايا، واختار موضع بغداذ، وقال: هذا موضع معسكر صالح، هذه دجلة، ليس بيننا وبين الصين شيء [٤٣٣] يأتينا فيها كلّ ما فى البحر وتأتينا الميرة من الجزيرة وأرمينية وما حول ذلك [١] ، فنزل وضرب عسكره على الصراة وخطّ المدينة، ووكّل بكلّ ربع قائدا.
وكان الناس أشاروا عليه بموضع قريب من بارمّا، وذكروا له عنه غذاء وطيبا فخرج إليه بنفسه حتى نظر إليه وبات فيه فرآه موضعا طيبا. فدعا جماعة من أصحابه وقال لهم:
- «ما رأيكم فى هذا الموضع؟» فقالوا: «ما رأينا مثله، وهو طيب صالح موافق.» فقال: «صدقتم، هو كذا ولكنّه لا يحمل الجند والناس والجماعات، وإنّما أريد موضعا يرتفق به الناس ويوافقهم مع موافقته لى، ولا تغلو [٢] عليهم الأسعار، فإنّى إن أقمت فى موضع لا يجلب إليه فى البرّ والبحر غلت الأسعار وقلّت المادّة، فاشتدّت المؤونة وشقّ ذلك على الناس.» ثم عاد إلى موضع بغداذ، وأحضر جماعة من سكان القرى التي حواليها
و
стр. 1466
صاحب بغداذ فيهم فسألهم عن مواضعهم وكيف هي فى الحرّ والبرد والأمطار والوحول والبقّ والهوامّ [٤٣٤] فأخبره كلّ واحد بما عنده. فوجّه من قبله رجالا حصفاء فبات كلّ رجل منهم فى قرية منها، ثمّ تنحّر [١] أخبارهم واختيارهم فاجتمعوا على صاحب بغداذ.
فيحكى أنّ الراهب الذي كان قريبا من بغداذ قال لأبى جعفر:
- «إنّ الذي يبنى هاهنا مدينة اسمه مقلاص.» فقال أبو جعفر:
- «فأنا والله كنت أدعى فى حداثتي مقلاصا ثمّ انقطعت عنّى.» ووجّه المنصور فى حشر الصنّاع والفعلة من الشام والموصل وأهل الجبل ومن الكوفة والبصرة وسائر المدن وأمر باختيار قوم من أهل الأمانة والعدالة والفقه والمعرفة، فكان ممّن أحضر الحجّاج بن أرطاة وأبو حنيفة النعمان بن ثابت، وأمر بخطّ المدينة وحفر الأساسات، وضرب اللبن وطبخ الآجر، فبدئ بذلك سنة خمس وأربعين ومائة ثمّ خطّت له بالرماد، فدار عليها وعلى سورها وسككها وخنادقها، فلمّا فعل ذلك مرارا، أمر أن يجعل على تلك الخطوط من الرماد [٤٣٥] حبّ القطن ويصب عليه النفط، فنظر إليها والنار تشتعل فيها، ففهمها وعرف رسمها وأمر بحفر أساسها وبناءها وإحكام الأساس. وأمر أن يجعل عرض السور من أسفله خمسين ذراعا وقدّر أعلاه عشرين ذراعا، وجعل فى البناء حوائر [٢] قصب مكان الخشب فى كلّ طوفة فلمّا بلغ الحائط مقدار قامة أتاه خروج محمّد فقطع البناء.
وكان المنصور قد أرضى أصحاب القرى والمزارع، أمّا مدينته وهي بغداذ فكانت لستين رجلا، فأعطاهم العوض عنها وأرضاهم. وأمّا ما كانت حواليها،
стр. 1467
فكانت قرى متّصلة فأقطعها قوّاده واشتروها، ثمّ اشترى الناس.
وقال المنصور: يكتب إلى مصر بقطع المادّة عن الحرمين ما دام بها محمّد، فإنّما هم فى مثل حرجة إذا انقطعت عنهم المير، وأمر بالكتاب إلى الجزيرة وغيرها أن يمدّ الكوفة بالرجال، وكتب إلى العبّاس بن محمّد، وكان على الجزيرة، أن يمدّه فى كلّ يوم بما قدر عليه من الرجال، وكذلك كتب إلى أمراء الشام وقال:
- «لو ورد [٤٣٦] علىّ فى كلّ يوم رجل واحد من كل واحد منكم لكثّرت به من معى وإن بلغ الخبر الكذّاب كسره ذلك.»
وفى هذه السنة ظهر [١] إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن أخو محمّد بالبصرة فحارب المنصور. ذكر الخبر عن مخرجه وسبب ذلك وعن مقتله
لمّا قبض أبو جعفر على عبد الله بن حسن أشفق محمّد وإبراهيم فافترقا وتواريا وتقلّب إبراهيم فى البلدان.
فحكى إبراهيم لبعض أصحابه قال:
- «اشتدّ الطلب لى وأنا بالموصل، فاضطرّنى الزمان حتّى دخلت وجلست على موائد أبى جعفر وذاك أنّه كان قدمها وطلبنى فتحيّرت ولفظتني الأرض وجعلت لا أجد مساغا، ودعى الناس إلى غدائه، ودخلت فيمن دخل، والطرق مشحونة بمن تطلبنى، فجلست وأكلت، ثمّ خرجت وقد كفّ الطلب.
стр. 1468
وتحدّث عبد الله بن محمّد البوّاب قال: أمر أبو جعفر ببناء، قنطرة الصراة العتيقة ثمّ خرج ينظر إليها، فوقعت عينه على إبراهيم وخنس إبراهيم فذهب [٤٣٧] فى الناس، فأتى فاميا [١] فلجأ إليه، فأصعده غرفة له، وجدّ أبو جعفر فى طلبه، ووضع المراصد، فنشب إبراهيم بمكانه وطلبه أبو جعفر أشدّ ما يكون من الطلب، وكان مع إبراهيم رجل من بنى العمّ، فتحدّث العّمّى هذا قال: قلت لإبراهيم:
- «قد نزل ما ترى ولا بدّ من التغرير والدخول تحت المخاطرة.» قال: «فأنت وذلك.» قال: فأقبلت إلى الربيع فسألته الإذن، قال:
- «ومن أنت» قال: «سفيان العمّى.» فأدخله على أبى جعفر، وكان أبو جعفر يعرفه بصحبة إبراهيم، فلمّا راه شتمه فقال:
- «يا أمير المؤمنين، أنا أهل لما تقول، غير أنّى أتيتك نازعا تائبا ولك عندي كلّ ما تحبّ إن أعطيتنى ما أسألك.» قال: «وما لي عندك؟» قال: «آتيك بإبراهيم، إنّى قد بلوته وأهل بيته فلم أجد فيهم خيرا، فما لى عندك إن فعلت؟» قال: «كلّ ما تشاء، فأين إبراهيم؟» قال: «دخل بغداذ أو هو داخلها عن قريب، فإنّى تركته بعبدسىّ [٢] فاكتب لى
стр. 1469
جوازا ولغلام لى وقرانق واحملنى على البريد.» فكتب له جوازا وضمّ إليه جندا وقال:
- «هذا ألف دينار فاستعن به.» قال: «لا حاجة لى فيه كلّه.» فأخذ ثلاثمائة دينار. وأقبل [٤٣٨] حتّى أتى إبراهيم وهو فى غرفة عليه مدرعة صوف زىّ العبيد، فصاح به:
- «قم يا فلان.» فوثب كالفزع، وجعل يأمره وينهاه حتّى قدم المدائن، فمنعه صاحب القنطرة فدفع إليه جوازه.
قال: «فأين غلامك؟» قال: «هذا.» فلمّا نظر فى وجهه قال:
- «والله ما هذا بغلام وإنّه لإبراهيم، ولكن اذهب راشدا.» فأطلقهما وهرب [١] وركبا سفينة حتّى قدما البصرة فجعل يأتى بهم الدار لها بابان فيقعد العشرة منهم على أحد البابين ويقول:
- «لا تبرحوا حتّى آتيكم.» ثمّ يدخل الدار فيخرج من الباب الآخر ويتركهم، حتّى فرّق الجند عن نفسه وبقي وحده واختفى حتّى بلغ سفيان بن معاوية، وهو على البصرة، خبر الجند، فأرسل إليهم فجمعهم فطلب العمّى فأعجزه.
وحكى الحسن بن حبيب الديلي [٢] قال: كان إبراهيم مختفيا عندي على
стр. 1470
شاطئ دجيل فى ناحية مدينة الأهواز وكان محمّد بن حصين يطلبه فقال يوما:
إنّ أمير المؤمنين كتب إلىّ يخبرني أنّ المنجمين يخبرونه أنّ إبراهيم نازل فى جزيرة بين نهرين [٤٣٩] وقد اعتزمت أن أطلبه غدا فى المدينة لعلّ أمير المؤمنين يعنى بين دجيل والمسرقان.
قال: فأتيت إبراهيم وقلت:
- «أنت غدا مطلوب فى هذه الناحية.» قال: فأقمت معه يومى، فلمّا غشيني الليل خرجت به حتّى أنزلته فى دشت أربك دون الكثّ ورجعت من ليلتي، فأقمت أنتظر محمّدا أن يغدو فى طلبه فلم يفعل، فتصرّم النهار كلّه وطفّلت الشمس فخرجت حتّى جئت إبراهيم فأقبلت به فوافينا المدينة مع العشاء الآخرة، ونحن على حمارين، فلمّا دخلنا المدينة فصرنا عند الجبل المقطوع لقينا أوائل خيل ابن حصين، فرمى إبراهيم بنفسه عن حماره وتباعد وجلس يبول، وطوتنى الخيل فلم يعرّج علىّ أحد منهم حتّى صرت إلى ابن حصين، فقال لى:
- «أبا محمّد، من أين فى هذا الوقت؟» قلت: «إنّى تمسّيت عند بعض أهلى.» فقال: «ألا أرسل معك من يبلّغك؟» قلت: «لا، قد قربت من أهلى.» فمضى يطلب، وتوجّهت على سنني حتّى انقطع آخر أصحابه، ثمّ كررت راجعا إلى إبراهيم، والتمست [٤٤٠] حماره حتّى وجدته فركب وانطلقنا فبتنا فى أهلنا فقال إبراهيم:
- «تعلم والله لقد بلت البارحة دما، فأرسل من ينظر.» فأتيت الموضع فوجدته قد بال دما.
وقال أبو جعفر: ما زال يظهر أمر إبراهيم لى حتّى اشتملت عليه طفوف البصرة.
стр. 1471
وحصل إبراهيم بالبصرة، فدعا الناس، واستجاب له خلق، واستتر فى بنى راسب. وكان سفيان بن معاوية عامل المنصور يومئذ على البصرة قد مالأ إبراهيم بن عبد الله على أمره فلا ينصح لصاحبه. فتحدّث جماعة من أشياخ البصرة أنّهم شهدوا دفيف بن أسد [١] مولى يزيد بن حاتم أتى سفيان بن معاوية قبل خروج إبراهيم بليلة فقال:
- «ادفع إلىّ فوارس، آتك بإبراهيم وبرأسه.» قال: «أو ما لك عمل؟ اذهب إلى عملك.» فخرج دفيف من ليلته، فلحق بيزيد بن حاتم بمصر.
وقال عدّة من الأزد: إنّ جابر بن حمّاد كان على شرطة سفيان، فأتاه قبل خروج سفيان بيوم وقال:
- «إنّى مررت فى مقبرة بنى يشكر، فصيّحوا بى ورموني بالحجارة.» فقال له:
- «أما كان لك طريق آخر؟» فمرّ سفيان بعد [٤٤١] قتل إبراهيم وانقضاء تلك الأيّام بأبى جعفر المنصور فى سفينة له وأبو جعفر مشرف من قصره، فقال:
- «إنّ هذا سفيان؟» قالوا: «نعم.» قال: «والله للعجب كيف يفلتنى [٢] هذا ابن الفاعلة؟» وكان المنصور أنفذ قائدين كبيرين مع أصحابهما إلى سفيان مددا له، فلمّا قدما عليه صيّرهما بالقرب منه، فلمّا واعده إبراهيم الخروج أرسل إليهما
стр. 1472
فاحتبسهما عنده تلك الليلة حتّى خرج، فأحاط به وبهما فأخذهم وقيّد سفيان وحبسه فى القصر يرى أبا جعفر أنّه بريء من التهم.
وكان أبو جعفر المنصور يبعث إلى سفيان كلّ يوم قوما إلى البصرة فجعلوا يتزيدون ويردون، فأشفق إبراهيم أن يكثروا بها، فظهر وبلغ جعفرا ومحمّدا ابني سليمان بن علىّ، وكانا يومئذ بالبصرة، مصير إبراهيم إلى دار الإمارة وحبسه سفيان، فأقبلا فيما قال غير واحد فى ستمائة من الرّجالة والفرسان يريدانه [١] فوجّه إليهما المضاء بن القاسم فى ثمانية عشر فارسا وثلاثين راجلا، فهزمهم المضاء ولحق محمّدا رجل من [٤٤٢] أصحاب المضاء فطعنه فى فخذه ونادى منادى إبراهيم:
- «لا تتبعوا مدبرا.» وأصاب إبراهيم فى بيت المال ألفى ألف درهم، فقوى بذلك وفرض لكلّ رجل خمسين خمسين ووجّه إبراهيم بن المغيرة إلى الأهواز فى نحو مائتي رجل، وعامل الأهواز يومئذ من قبل أبى جعفر محمّد بن الحصين، فلمّا بلغه دنّو المغيرة خرج إليه فى أربعة آلاف، فالتقوا على ميل من قصبة الأهواز بموضع يقال له: دشت أربك، فانكشف ابن حصين وأصحابه، ودخل المغيرة الأهواز. ويقال إنّ أصحاب ابن حصين قد كانوا واطأوا إبراهيم. ووجّه إبراهيم إلى فارس [٢] عمرو بن شدّاد عاملا عليها.
فلمّا قرب من فارس بلغ إسماعيل بن علىّ، وكان عاملا عليها من قبل أبى جعفر [٣] ومعه أخوه عبد الصمد بن علىّ إقبال عمرو بن شدّاد فبادرا إلى دارا بجرد فتحصّنا بها وكانا بإصطخر وصارت فارس والأهواز والبصرة فى
стр. 1473
سلطان إبراهيم.
ولمّا ظهر محمّد بالمدينة، أرسل أبو جعفر إلى جعفر بن حنظلة، وكان ذا رأى، فقال:
- «هات رأيك.» قال: «وجّه الأجناد إلى البصرة.» فقال: «انصرف حتّى أرسل إليك.» وقال أبو جعفر:
- «اختبل والله [٤٤٣] جعفر، أسأله عن المدينة فيجيبني عن البصرة.» فلمّا صار إبراهيم إلى البصرة قال [١] :
- «إيّاها خفت، بادره بالجنود.» قال:
- «وكيف خفت البصرة؟» قال: «لأنّ محمّدا ظهر بالمدينة، وليسوا بأهل حرب، بحسبهم أن يقيموا شأن أنفسهم، وأهل الكوفة تحت قدمك، وأهل الشام أعداء آل أبى طالب، فلم يبق إلّا البصرة.» ولمّا [٢] شخص جعفر ومحمّد ابنا سليمان من البصرة، أرسلا إلى أبى جعفر وأخبراه خبرهما فقال أبو جعفر:
- «والله ما أدرى كيف أصنع، والله ما فى عسكري إلّا ألفا رجل، فرّقت جندي، فمع المهدى بالرىّ ثلاثون ألفا، ومع محمّد بن الأشعث بإفريقية أربعون ألفا، والباقون مع عيسى بن موسى، والله لئن سلمت من هذه لا يفارق عسكري ثلاثون ألفا.
стр. 1474
وقال عبد الله بن راشد: ما كان فى عسكر أبى جعفر كبير أحد، ما هم إلّا سودان وناس يسير. وكان يأمر بالحطب فيحزم، ثمّ يوقد بالليل فيراه الرائي فيحسب هناك ناسا، وما هي إلّا نار تضرم، وليس عندها أحد.
وكتب أبو جعفر إلى عيسى بن موسى وهو بالمدينة:
- «إذا قرأت كتابي فأقبل ودع [٤٤٤] ما أنت فيه.» فلم ينشب أن قدم، فوجّهه على الناس، وكتب إلى سلم بن قتيبة، فقدم عليه من الرىّ، فضمّه إلى جعفر بن سليمان.
فحكى سلم بن قتيبة قال: لمّا دخلت على أبى جعفر قال لى:
- «خرج ابنا عبد الله بن حسن، فاعمد لإبراهيم ولا يروعنّك جمعه، فو الله إنّهما لجملا بنى هاشم المقتولان جميعا، فابسط يدك، وثق بما أعلمتك، وستذكر مقالتي لك.» قال: فو الله ما هو إلّا أن قتل إبراهيم، فجعلت أتذكّر مقالته فأعجب.
وكتب المنصور إلى المهدى وهو يومئذ بالرىّ يأمره بتوجيه خازم بن خزيمة إلى الأهواز، فوجّهه المهدى فى أربعة آلاف من الجند، فصار إليها وحارب بها المغيرة بن الفزر، فهزم المغيرة وانصرف المغيرة إلى البصرة ودخل خازم الأهواز فأباحها ثلاثا.
وحكى السندىّ قال: كنت وصيفا أيّام حرب محمّد، فكنت أقوم على رأس المنصور بالمدينة، فرأيته لمّا كثف أمر إبراهيم وغلظ، أقام على مصلّى نيّفا وخمسين ليلة، ينام عليه، ويجلس عليه، وعليه جبّة ملوّنة قد اتّسخ جيبها وما تحت لحيته منها ما غيّر الجبّة ولا هجر [٤٤٥] المصلّى حتّى فتح الله عليه، إلّا أنّه كان إذا ظهر للناس علىّ الجبّة بالسواد وقعد على فراشه، فإذا بطن عاد إلى هيئته.
стр. 1475
قال: فأتته ريسانة [١] فى تلك الأيّام وقد أهديت إليه امرأتان من المدينة، إحداهما فاطمة بنت محمّد بن عيسى بن طلحة بن عبيد الله، والأخرى أمة الكريم [٢] بنت عبد الله من ولد خالد بن أسيد بن أبى العيص فلم ينظر إليهما، فقالت:
- «يا أمير المؤمنين، إنّ هاتين المرأتين قد خبثت أنفسهما وساءت ظنونهما لما ظهر من جفائك بهما.» فانتهرها وقال:
- «ليست هذه الأيّام من أيّام النساء، لا سبيل إليهما حتّى أعلم: رأس إبراهيم لى، أو رأسى لإبراهيم.» فهذه كانت عزيمة أبى جعفر.
فأمّا إبراهيم فذكر أبو عبيدة أنّ يونس الحرمي كان يقول: قدم هذا يريد إبراهيم وهو يقصد إزالة ملك، فألهته بنت عمرو بن سلمة عمّا جاء له، وكان إبراهيم تزوّج بعد مقدمه البصرة بهكنة بنت عمر بن سلمة. وكانت تأتيه فى مصبّغاتها وألوان ثيابها.
وورد كتاب من جعفر ومحمّد ابني سليمان يعلمانه خروجهما عن البصرة، وكان كتابهما فى قطعة جراب، ولم يقدرا [٤٤٦] على شيء يكتبان فيه غير ذلك، فلمّا وصل الكتاب إليه، فرأى قطعة جراب بيد الرسول قال:
- «خلع والله أهل البصرة مع إبراهيم.» ثمّ قرأ الكتاب ودعا بعبد الرحمن الختلىّ وبأبى يعقوب ختن مالك بن الهيثم، فوجّههما فى خيل كثيفة إليهما وأمرهما أن يحبساهما حيث لقياهما،
و